← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال بعض السلف -وقد عُزّي على مصيبة نالته- فقال: "ما لي لا أصبر وقد وعدني اللَّه على الصبر ثلاثَ خصال، كلُّ خصلة منها خير من الدنيا وما عليها" (١). الثامن: أنه سبحانه جعل الصبر عونًا وعدّة وأمر بالاستعانة به (٢) فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، فمن لا صبر له لا عون له. التاسع: أنه سبحانه علّق النصر بالصبر والتقوى، فقال ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]. ولهذا قال النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر" (٣). العاشر: أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جُنة عظيمة من كيد العدو ومكره، فما استجن العبد من ذلك بجُنة أعظم منهما، فقال تعالى:

стр. 177

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. الحادي عشر: أنه سبحانه أخبر أن ملائكته تُسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. الثاني عشر: أنه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا بمثل ما عُوقبوا به، ثم أقسم قسمًا مؤكدًا غاية التوكيد أن صبرهم خير لهم، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. فتأمل هذا التأكيدَ بالقسمِ المدلولِ عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التي في الجواب. الثالث عشر: أنه سبحانه رتّب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ [هود: ١١]. وهؤلاء ثنية (١) اللَّه من نوع الإنسان المذموم الموصوف (٢) باليأس والكفر عند المصيبة، والفرح والفخر عند النّعمة، ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح، كما لا تُنال المغفرة والأجر الكبير إلا بهما. الرابع عشر: أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور، أي: مما يُعزم عليه من الأمور التي إنما يعزم على أجلّها وأشر فها، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقال لقمانُ لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا

стр. 178

أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]. الخامس عشر: أنه سُبحانه وعدَ المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمتُه التي سبقت لهم، وهي الكلمة الحسنى، وأخبر أنه إنما نالهم بالصبر، فقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. [السادس عشر: أنه سبحانه علّق محبته بالصبر،] (١) وجعلها لأهله، فقال تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. السابع عشر: أنه أخبر عن خصال الخير أنه لا يُلقّاها إلا الصابرون في موضعين من كتابه: من سورة القصص في قصة قارون، وأن الذين أوتوا العلم قالوا للذين تَمَنّوا مثل ما أوتي: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٨٠]. وفي سورة حم السجدة (٢)، حيث أمر العبد أن يدفع بالتي هي أحسن، فإذا فعل ذلك صار الذي بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥].

стр. 179

الثامن عشر: أنه سبحانه أخبر [أنه] إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبّار الشكور، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. وقال تعالى في لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]. وقال تعالى في قصة سبأ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سبأ: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾ [الشورى: ٣٢، ٣٣]. فهذه أربع مواضع (١) في القرآن تدل على أن آيات الرب إنما يَنتفع بها أهل الصبر والشكر. التاسع عشر: أنه أثنى علي عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]، فأطلق عليه قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ بكونه وجده صابرًا، وهذا يدل على أن من لم يصبر فإنه بئس العبد. العشرون: أنه سبحانه حكم بالخسران حكمًا عامًّا على كل من لم يكن من أهل الحق والصبر، وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 180

قال الشافعي: "لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم" (١). وذلك أن العبد كماله في تكميل قوّتيه: قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان والعمل الصالح. وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه، فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وآخية ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر. الحادي والعشرون: أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان، ووصوا بهما غيرَهم، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١٧، ١٨]. وهذا حصر لأصحاب الميمنةِ فيمن قام به هذان الوصفان، والناس بالنسبة إليهما أربعة أقسام، [هؤلاء خير الأقسام] (٢) وشرّهم من لا صبر له ولا رحمة، ويليه من له صبر ولا رحمة عنده، ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له. الثاني والعشرون: أنه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها: فقرنه بالصلاة، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقرنه بالأعمال الصالحة عمومًا؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١]. وجعله قرين التقوى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ

стр. 181

يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. وجعله قرين الشكر، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. وجعله قرين الحق، كقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣]. وجعله قرين الرحمة، كقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد: ١٧]. وجعله قرين اليقين، كقوله: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. وجعله قرين الصدق ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وجعله سببَ محبته ومعيته وعونه ونصره وحسن جزائه، ويكفيه بعض ذلك شرفًا وفضلًا.

стр. 182

الباب السادس عشر في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة (١) في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق اللَّه واصبري"، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب، قيل لها: إنه رسول اللَّه. فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول اللَّه لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند أول صدمة". وفي لفظ: "عند الصدمة الأولى" (٢). [وقولُه: "الصبر عند الصدمة الأولى"] (٣)، مثل قوله: "ليس الشديد بالصرعة، الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٤)، فإن مفاجأة المصيبة بغتة. لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها، وضعفت قوّتها، فهان عليه استدامة الصبر. وأيضًا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطَّن لها فتزعجه، وهي الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك فقد توطن لها وعلم أنه لا بد له منها، فيصير صبره شبيه الاضطرار. وهذه المرأةُ لما علمت

стр. 183

أن جزعها لا يجدي عليها شيئًا جاءت تعتذر إلى النبي ﷺ ، كأنها تقول له: قد صبرت. فأخبرها أن الصبر عند الصدمة الأولى. ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربي (١) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: مرّ النبيُّ ﷺ بالبقيع على امرأة جاثمة على قبر تبكي، فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه (٢) واصبري". قالت: يا عبد اللَّه إني لجَزْعى ثكلى. فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه واصبري". قالت يا عبد اللَّه لو كنت مصابًا عذَرْتَنِي. قال: "أمة اللَّه اصبري". قالت: يا عبد اللَّه قد أَسْمَعتَ فانصرف عني، فمضى رسول اللَّه ﷺ ، واتّبعه رجل من أصحابه، فوقف على المرأة فقال لها: ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت: قال لي كذا وكذا وأجبته بكذا وكذا. قال: هل تعرفينه؟ قالت: لا. قال: ذاك رسول اللَّه ﷺ . قال: فوثبت مسرعة نحوه حتى انتهت إليه وهي تقول: أنا أصبر أنا أصبر يا رسول اللَّه. فقال: "الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى". قال ابن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد الكندي وصالح بن مالك قالا: حدثنا سعيد بن زَرْبي فذكره (٣). فهذا السياق يُبيّن معنى الحديث. قال أبو عبيد: إن كل ذي مَرْزئة (٤) فإن قصاراه

стр. 184

الصبر (١)، ولكنه إنما يُحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها (٢). قلت: وفي الحديث أنواع من العلم: أحدها: وجوب الصبر على المصائب، وأنه من التقوى التي أُمر العبد بها. الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن سُكر (٣) المصيبة وشدّتها لا يُسْقطه عن (٤) الآمر الناهي. الثالث: تكرار الأمر مرة بعد مرة حتى يعذر الآمر إلى ربه. الرابع: احتُج به على جواز زيارة القبور للنساء، فإنه ﷺ لم يُنكر عليها الزيارةَ وإنما أمرها بالصبر، ولو كانت الزيارة حرامًا لبيّن لها حكمها، وهذا في آخر الأمر؛ فإن أبا هريرة إنما أسلم بعد السنة السابعة. وأُجيب عن هذا بأنه ﷺ قد أمرها بتقوى اللَّه والصبر، وهذا إنكار منه لحالها من الزيارة والبكاء، ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها بذلك من تجب طاعته انصرفت مسرعة. وأيضًا فأبو هريرة لم يُخبر أنه شهد هذه القصة، فلا يدل الحديث على أنها بعد إسلامه، ولو شهدها فلعنَتُه ﷺ زائرات القبور والمتخذين

стр. 185

عليها المساجد والسرج (١) كان بعد هذا في مرض موته. وفي عدم تعريفه لها بنفسه ﷺ شفقة منه ورحمة بها، إذ لو عرّفها بنفسه في تلك الحال التي لا تملك فيها نفسها فربما لم تسمع منه فتهلك، فكان معصيتُها له وهي لا تعلم أنه رسول اللَّه أخف من معصيتها له لو علمت به، فهذا من كمال رأفته ورحمته صلوات اللَّه وسلامه عليه. وفي "صحيح مسلم" عن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره اللَّه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها". قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؛ أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول اللَّه ﷺ ، فأرسل إلي رسول اللَّه ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: "أما ابنتها فأدعو اللَّه أن يغنيها عنها، وأدعو اللَّه أن يذهب بالغيرة" فتزوجت رسول اللَّه ﷺ (٢). وعند أبي داود في هذا الحديث عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأْجُرْني بها، وأبدِلْني خيرًا منها"، فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم أخلفني في أهلي خيرًا مني. فلما قُبض قالت أم

стр. 186

سلمة: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، عند اللَّه احتسبت مصيبتي فأجرني فيها (١). فانظر عاقبة الصبر والاسترجاع ومتابعة الرسول والرضاء عن اللَّه إلى ما آلت وأنالت أمَّ سلمة نكاحَ أكرم الخلق على اللَّه. وفي "جامع الترمذي"، و"مسند الإمام أحمد"، و"صحيح ابن حبان" (٢)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا مات ولدُ العبد قال اللَّه لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤادِه؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنّة وسموه بيت الحمد" (٣). وفي "صحيح البخاري" من حديث أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيْه ثم صبر عوّضتُه منهما الجنة" (٤)، يريد: عينيْه. وعند الترمذي في هذا الحديث: "إذا أخذت كريمَتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنّة" (٥). وفي "الترمذي" أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول

стр. 187

اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه : من أذهبت حبيبتَيْه فصبر واحتسب، لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة" (١). وفي "سنن النسائي" من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لا يرضى لعبده إذا ذهب بصفِيِّه من أهل الأرض فاحتسب، بثواب دون الجنة" (٢). وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة رضي اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه : ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضتُ صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" (٣). وفي "صحيحه" أيضًا عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتت النبي ﷺ فقالت: إنّي أصرعُ وأتكشّف، فادع اللَّه لي. قال: "إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ اللَّه أن يعافيَك (٤) " قالت: أَصْبر. فقالت: إني أتكشفُ فادعُ اللَّه أن لا أتكشّف (٥). وفي "الموطأ" من حديث عطاء بن يسار: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مرض العبد بعث اللَّه إليه ملكين، فقال: انظرا ماذا يقول لعواده، فإن هو إذا جاؤوه حمدَ اللَّه وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى اللَّه وهو أعلم، فيقول: لعبدي عليَّ إن توفيتُه أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيتُه أن أبدله لحمًا خيرًا

стр. 188

من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أُكفّر عنه سيئاته" (١). وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جمع اللَّه الخلائق نادى مناد: أين أهلُ الفضل (٢)؟ قال: فيقوم ناس -وهم يسير- فينطلقون سراعًا إلى الجنة، فتلقاهم الملائكة، فتقول: إنا نراكم سراعًا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون (٣): نحن أهل الفضل. فيقولون: ماذا كان فضلُكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا عفونا، وإذا جُهل علينا حلمنا، فيُقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" (٤). وفي "الصحيح" (٥) أن رسول اللَّه ﷺ قسم مالًا، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه اللَّه، فأُخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "رحم اللَّه أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٦).

стр. 189

وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر اللَّه بها عنه (١) حتى الشوكة يُشاكها" (٢). وفيهما أيضًا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المسلمَ من نصبٍ ولا وصب ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللَّه بها من خطاياه" (٣). وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه اللَّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة" (٤). وفي "المسند" من حديث أبي هريرة (٥) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى اللَّهَ وما عليه خطيئة" (٦). وفي "الصحيح" من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم

стр. 190

الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفِّف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" (١). وفي "الصحيحين" عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يُوعك وعكًا شديدًا. فقلت: يا رسول اللَّه إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال: "أجل، لأُوعَكُ كما يُوعك رجلان منكم". قلت: إن لك لأجرين؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حَطّ اللَّه عنه خطاياه كما تَحُطّ الشجرةُ اليابسةُ ورقَها" (٢). وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشدَّ منه على رسول اللَّه ﷺ " (٣). وفي بعض "المسانيد" مرفوعًا: "إن الرجل لتكون له الدرجة عند اللَّه تعالى، لا يبلغها بعمل حتى يُبتلى ببلاء في جسمه فيبلُغَها بذلك" (٤).

стр. 191

ويروي عن عائشة عنه ﷺ : "إذا اشتكى المؤمنُ أخلَصَه ذلك من الذنوب، كما يُخلِص الكيرُ الخَبَث من الحديد" (١). وفي "صحيح البخاري" من حديث خبّاب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد ببُردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُّه ذلك عن دينه، واللَّه لَيُتِمَّنَّ اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غَنمِه، وأنتم (٢) تستعجِلون" (٣). وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد (٤) وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُه ذلك عن دينه" (٥). وقد حمل بعض أهل العلم قول خباب: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ

стр. 192

حرّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا" (١) على هذا المحمل، وقال: شكوا (٢) إليه حرّ الرمضاء الذي كان يصيب جباهَهم وأكفَّهم من تعذيب الكفار فلم يُشكِهم، وإنما دَلّهم على الصبر. وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسّر ذلك بالسجود على الرمضاء، واحتج به على وجوب مباشرة المصلي بالجَبْهة، لثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا دليل في اللفظ على ذلك. الثاني: أنهم قد أَخبروا أنهم كانوا مع النبي ﷺ ، فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه (٣)، والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرّهم عليه. الثالث: أن شدة الحرّ في الحجاز تمنع مباشرة الجبهة والكفّ للأرض، بل تكاد تشوي الوجهَ والكفَّ فلا يتمكن (٤) من الطمأنينة في السجود، ويذهب خشوع الصلاة، ويتضرر البدن، ويتعرض للمرض، والشريعة لا تأتي بهذا. فتأمل رواية خبّاب لهذا وللذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين، ولا تستوحش من قوله: "فلم يُشكِنا"، فإنه هو معنى إعراضه عن

стр. 193

شكايتهم وإخباره لهم بصبر من قبلهم، واللَّه أعلم. وفي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: أرسلت بنت النبي ﷺ إليه: أن ابنًا لي (١) احتضر فأتنا. فأرسل يُقرئ السلام ويقول: "إن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ (٢) عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع الصبي إلى رسول اللَّه ﷺ فأقعده في حجره ونَفْسُه تَقَعْقَعُ (٣) كأنها شنٌّ (٤)، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (٥). وفي "سنن النسائي" عن ابن عباس ﵄ قال: احتضرت بنت لرسول اللَّه ﷺ صغيرة، فأخذها رسول اللَّه ﷺ وضمَّها إلى صدره ثم وضع يده عليها (٦) وهي بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فبكت أم أيمن، فقلت لها: أتبكين ورسول اللَّه ﷺ عندك؟ فقالت: ما لي لا أبكي ورسول اللَّه ﷺ يبكي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني لست أبكي ولكنها رحمة"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن بخير على كل حال،

стр. 194

تُنزع ن فسه من بين جنبيه وهو يحمد اللَّه " (١). وفي صحيح البخاري من حديث أنس قال: اشتكى ابنٌ لأبي طلحة فمات، وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيّأت شيئًا وسجّته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح. فظن أبو طلحة أنها صادقة. قال: فبات معها، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرُج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبره بما كان منهما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لعله أن يُبارك لهما في ليلتهما". قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت [لهما] تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن (٢). وفي "موطأ مالك" عن القاسم بن محمد قال: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة وكان بها معجَبًا، فماتت فوجد عليها وجْدًا شديدًا حتى خلا في بيت وأغلق على نفسه واحتجب من الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به فجاءته فقالت له: إن لي حاجة أستفتيه فيها، ليس يُجزئني إلا أن أشافهه بها، فذهب الناس ولزمت الباب فأُخبر، فأذن لها، فقالت: أستفتيك في أمر. قال: وما هو؟ قالت: إني استعرت من جارة

стр. 195

لي حُليًّا فكنت ألبسه وأعيره زمانًا، ثم إنهم أرسلوا إليّ فيه أفأرده إليهم؟ قال: نعم واللَّهِ. قالت: إنه قد مكث عندي زمانًا؟! فقال: ذلك أحق لردك إياه. فقالت له: يرحمك اللَّه أفتأسف على ما أعارك اللَّه ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟! فأبصر ما كان فيه، ونفعه اللَّه بقولها (١). وفي "جامع الترمذي" عن شيخ من بني مرة قال: قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال بن أبي بردة فقلت: إن فيه لمعتبرًا، فأتيته وهو محبوس في داره التي كان بنى، وإذا كل شيء منه قد تغير من العذاب والضرب، وإذا هو في قُشاش (٢)، فقلت له: الحمد للَّه يا بلال، لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار، وأنت في حالتك هذه فكيف صبرك اليوم؟ فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من بني مرة بن عباد. قال: ألا أحدثك حديثًا عسى اللَّه أن ينفعك به؟ قلت: هات. قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تصيب عبدًا نَكْبَةٌ (٣) فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر" قال: وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] (٤). وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه

стр. 196

وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: "اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (١). فتضمنت هذه الدعوة العفو عنهم، والدعاء لهم، والاعتذارَ لهم، والاستعطاف بقوله: "لقومي". وفي "الموطأ" من حديث عبد الرحمن بن القاسم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لِيُعَزِّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بي" (٢). وفي "الترمذي" من حديث يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : قال: قال رسول اللَّه ﷺ "المسلم (٣) الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" قال الترمذي (٤): كان شعبة يرى أن الشيخ ابن عمر (٥). وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر" (٦).

стр. 197

وفي بعض "المسانيد" عنه ﷺ أنه قال: "قال اللَّه : إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبرٍ جميلٍ استحييت منه يومَ القيامة أن أنصبَ له ميزانًا أو أنشرَ له ديوانًا" (١). وفي "جامع الترمذي" عنه ﷺ : "إذا أحبّ اللَّه قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخِط فله السخط" (٢). وفي بعض "المسانيد" عنه مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا صبّ عليه البلاء صبًّا" (٣). وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ دخل عل امرأة فقال: "ما لك تُزفزفين" (٤)؟ قالت: الحمى، لا بارك اللَّه فيها. قال: "لا تَسُبي الحمّى فإنها تُذهِبُ خطايا بني آدم كما يُذهب الكيرُ خَبَثَ الحديد" (٥).

стр. 198

ويذكر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من وُعِك ليلةً فصبرَ ورضي عن اللَّه تعالي، خرج من ذنوبه (١) كيوم ولدته أمُّه" (٢). وقال الحسن: "إنه ليُكفّر عن العبد خطاياه كلُّها بحمى ليلة" (٣). وفي "المسند" وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ [قال: دخلت على النبي ﷺ ] (٤) وهو محموم، فوضعتُ يدي من فوق القطيفة (٥) فوجدت حرارة الحمّى، فقلت: ما أشد حمّاك يا رسول اللَّه. قال: "إنا كذلك معاشر الأنبياء يضاعفُ علينا الوَجَعُ ليضاعفَ لنا الأجرُ" قال: قلت: يا رسول اللَّه فأي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء" قلت: ثم من؟ قال: "الصالحون، إن كان الرجلُ ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيجوبها (٦) فيلبسها، وإن كان الرجل ليُبتلى بالقمّل حتى يقتله القمّل، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم" (٧).

стр. 199

وقال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس من عمل إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن، قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل، فيقول الرب تعالى: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت" (١). وقال أبو هريرة: "إذا مرض العبد المسلم نُودي صاحب اليمين أن أجري (٢) على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي". فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعًا. فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا. ذكره ابن أبي الدنيا (٣). وذكر أيضًا عن هلال بن يساف (٤) قال: كنا قعودًا عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط، فقال عمار: "ما أنت منا، أو لست منا، إن المسلم يُبتلى ببلاء فتُحَط عنه ذنوبُه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو الفاجر يُبتلي ببلية، فمثله مثل

стр. 200

بعير، إن أُطلق لم يَدرِ لِمَ أطلق، وإن عُقل لم يَدرِ لِمَ عُقل" (١). وذُكر عن أبي معمر الأزدي قال: "كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ألا إن السُّقم لا يُكتب له أجر. فساءنا ذلك وكبُر علينا. فقال: ولكن يُكفَّر به الخطيئة. فسرّنا ذلك وأعجبنا" (٢). وهذا من كمال علمه وفقهه ﵁، فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما (٣) تولّد منها، كما ذكر سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله في المباشِر من الإنفاق وقطع الوادي: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]، وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فالثواب مرتبط بهذين النوعين، وأما الأسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. والنبي ﷺ إنما قال في المصائب: "كفّر اللَّه بها من خطاياه"، كما تقدم ذكر ألفاظه ﷺ (٤). وكذا قوله: "المرضُ

стр. 201

حِطَّةٌ" (١). فالطاعات تَرفع الدرجات، والمصائب تحُطُّ السيئات. ولهذا قال ﷺ : "من يُرد اللَّه به خيرًا يُصِب منه" (٢). وقال: "من يُرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" (٣). فهذا يرفعه، وهذا يحطُّ خطاياه. وقال يزيد بن ميسرة: "إن العبد ليمرض المرض وما له عند اللَّه من عمل خير، فيذكِّره اللَّه سبحانه بعض ما سلف من خطاياه، فيخرج من عينَيْه مثل رأس الذباب من الدموع (٤) من خشية اللَّه، فيَبعثُه اللَّه إن بعثه مطهرًا، أو يَقْبِضُه إن قبضه مطهرًا" (٥). ولا يَرِدُ على هذا حديث أبي موسى الأشعري في ثواب من قبض اللَّه ولده وثمرة فؤاده بأن يبني له بيتًا في الجنة، ويسميه بيت الحمد (٦)، لأنه إنما نال ذلك البيتَ بحمده للَّه واسترجاعه وذلك عمل اختياري، ولذلك سُمي بيت الحمد. وقال زياد بن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: دخلنا على النبي ﷺ وهو موعوك، -أي: محموم- فقلنا: أح

стр. 202

أح بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللَّه ما أشد وعكك. فقال: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفًا"، قال: قلنا: سبحان اللَّه. قال: "أفعجبتم إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: سبحان اللَّه. قال: "أفعجبتم، إن كان النبي من الأنبياء ليقتله القمل". قلنا: سبحان اللَّه!. قال: "أفعجبتم، إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء" (١). أح: بالحاء المهملة، هو المعروف من كلامهم، ومن قاله بالخاء المعجمة فقد غلط. وذكر النسائي عن أبي (٢) عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: أتيت النبي ﷺ في نساء نعوده، فإذا سقاء معلقة يقطر ماؤها عليه من شدة ما كان يجد من الحمى، فقلنا: لو دعوتَ اللَّه يا رسول اللَّه أن يُذهبها عنك. فقال: "إن أشدَّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٣). وقال مسروق: قالت عائشة: "ما رأيت أحدًا أشد وجعًا من رسول اللَّه ﷺ " (٤).

стр. 203

[وقالت:] (١) "كان يشدد عليه إذا مرض حتى إنه لربما مكث خمس عشرة لا ينام، وكان يأخذه عرق الكلية -وهي الخاصرة- فقلنا: يا رسول اللَّه لو دعوت اللَّه فيكشف عنك. قال: "إنا معاشر الأنبياء شُدد علينا الوجع ليُكفر عنا" (٢). وفي "المسند" و"النسائي" من حديث أبي سعيد قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ماذا لنا بها؟ قال: "كفارات"، فقال أبيّ بن كعب: يا رسول اللَّه وإن قلّت؟ قال: "شوكة فما فوقها"، قال: فدعا أبيّ على نفسه عند ذلك أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، ولا يشغله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد في سبيل اللَّه، ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مسّ رجل جلده بعدها إلا وجد حرها حتى مات (٣). وقال عبد اللَّه بن عمرو (٤): قال رسول اللَّه ﷺ : "إن العبد إذا كان

стр. 204

على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثلَ عمله إذا كان طُلُقًا (١) أو أَكفِتَه إليّ". يقال: ناقة طُلُق -بضم الطاء واللام- إذا حُلَّ عقالها. ويقال: كفَتَه إليه إذا ضمَّه إليه. ذكره ابن أبي الدنيا (٢). وذكر أيضًا عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليُجرِّب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به، كما يجرب أحدُكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز (٣)، فذلك الذي نجاه من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي قد افتتن" (٤).

стр. 205

وذَكَر أيضًا من مراسيل الحسن البصري عن النبي ﷺ : "إن اللَّه ليكفر عن العبد (١) خطاياه كلها بحمَّى ليلة". قال ابن أبي الدنيا: قال ابن المبارك: هذا من الحديث الجيد (٢). قال (٣): "وكانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب" (٤). وذُكر عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ دخل على رجل وهو يشتكي فقال: "قل: اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك، وصبرًا على بليتك، وخروجًا من الدنيا إلى رحمتك" (٥). وقالت عائشة ﵂: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الحمى تحط الخطايا كما تحتُّ (٦) الشجرة ورقها" (٧).

стр. 206

وقال أبو هريرة وقد عاد مريضًا، فقال له: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا، لتكون حظه من النار في الآخرة" (١). وقال مجاهد: "الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١] " (٢). وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذي في القرآن، فإن السياق يأبى حمله على الحمى قطعًا، وإنما مراده أن اللَّه سبحانه أخبر (٣) عباده كلهم بورود النار، فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة فينجو منها سريعًا، واللَّه أعلم. ويدل عليه حديث أبي ريحانة (٤) عن النبي ﷺ : "الحُمى كيرٌ من كير

стр. 207

جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار" (١). وقال أنس: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمن إذا برأ وصحَّ من مرضه، كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها". ذكره ابن أبي الدنيا (٢). وذكر أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: "ما من مسلم يصرع صرعة من مرض إلا بُعث منها طاهرًا" (٣). وذكر عنه ﷺ : "مثل المؤمن حين يصيبه الوعك، مثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها، ويبقى طيبها" (٤). وذكر أيضًا عنه مرفوعًا: "إن العبد إذا مرض أوحى اللَّه إلى ملائكته: يا ملائكتي أنا قيّدت عبدي بقيد من قيودي، فإن أقبضه أغفر

стр. 208

له، وإن أعافِه فجسدٌ مغفورٌ لا ذنب له" (١). وذكر عن سهل [بن معاذ] (٢) بن أنس الجهني عن أبيه عن جده قال: دخلت على أبي الدرداء في مرضه فقلت: يا أبا الدرداء إنا نحبُّ أن نصحّ فلا نمرض. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الصداع والمَليلة لا يزالان بالمؤمن وإن كان ذنبه مثل أحد، حتى لا يدعا عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل" (٣). المليلة: فعيلة من التمليل، وأصلها من المَلّة التي يُختبز فيها (٤). وقالت أم سلمة عن النبي ﷺ : "ما ابتلى اللَّه عبدًا ببلاء وهو على طريقة يكرهها، إلا جعل اللَّه ذلك البلاء له كفارة وطهورًا، ما لم يُنزل ما أصابه من البلاء بغير اللَّه، أو يدعو غير اللَّه في كشفه" (٥).

стр. 209

وقال عطية بن قيس: مرض كعب فعاده رهط من أهل دمشق فقال: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: "بخير، جسد أخذ بذنبه، إن شاء ربه عذبه وإن شاء رحمه، وإن بعثه بعثه خلقًا جديدًا لا ذنب له" (١). وقال سعيد بن وهب: دخلنا مع سلمان الفارسي على رجل من كِنْدة نعوده، فقال سلمان: "إن المسلم يبتلى فيكون كفارة لما مضى، ومُستعتبًا فيما بقي، وإن الكافر يُبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدرِ لم أطلق، وعُقل فلم يدرِ لِمَ عقل" (٢). وذكر أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري قال: عاد رسول اللَّه ﷺ رجلًا من الأنصار، وأكب عليه فسأله، فقال: يا نبيَّ اللَّه ما غمضت منذ سبع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أي أخي اصبر أي أخي اصبر، تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها"، قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "ساعاتُ الأمراض يُذهبن

стр. 210

ساعات الخطايا" (١). وفي "النسائي" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال لأعرابي: "هل أخذتك أمّ مِلدم؟ ". قال: يا رسول اللَّه ما أم مِلدم؟ قال: "حرٌّ يكون بين الجلد والدم" قال: ما وجدت هذا. قال: "يا أعرابي هل أخذك هذا الصداع (٢)؟ " قال: يا رسول اللَّه وما هذا الصداع (٣)؟ قال: "عرق يضرب على الإنسان في رأسه"، قال: ما وجدت هذا (٤) فلما ولّي قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" (٥). وقالت أم سليم: مرضت فعادني رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أم سليم أتعرفين النار والحديد وخبث الحديد؟ "، قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "فأبشري يا أم سليم، فإنك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصين منه كما يخلص الحديد من النار من خبثه" (٦).

стр. 211

وخرج بعض الصحابة زائرًا لرجل من إخوانه، فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه، فدخل عليه فقال: أتيتك زائرًا وأتيتك عائدًا ومبشرًا. قال: كيف جمعت هذا؟ قال: خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكاتُك فصارت عيادة، وأبشرك بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سبقت للعبد من اللَّه منزلة لم يبلغها -أو قال لم ينلها- بعمله، ابتلاه في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبّره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من اللَّه " (١). وقال الحسن وذكر الوجع: "أما واللَّه ما هو بِشَرّ أيام المسلم أيامٌ قُورب له فيها من أجله (٢)، وذُكّر فيها ما نسي من معاده، وكُفّر بها خطاياه" (٣).

стр. 212

وقال بعض السلف: "لولا مصائب الدنيا وردنا القيامة (١) مفاليس" (٢). وقال أنس بن مالك: انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء اللَّه، ثم قال: "المصائب والأوجاع في إحباط ذنوب أمتي أسرع مني في هذه الشجرة" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا أيضًا عن أبي هريرة يرفعه: "ما من مسلم إلا وَكَّل اللَّه به ملكين من ملائكته لا يفارقانه، حتى يقضي اللَّه في أمره بإحدى الحسنيين؛ إما بموت وإما بحياة، فإذا قال له العُواد: كيف تجدك؟ قال: أحمد اللَّه، أجدني -واللَّه المحمود- بخير، قال له الملكان: أبشر بدم هو خير من دمك، وصحة هي خير من صحتك. وإن قال: أجدني مجهودًا في بلاء شديد. قال له الملكان: أبشر بدم هو شرٌّ من دمك، وبلاء هو أطول من بلائك" (٤).

стр. 213

ولا يناقض هذا قول النبي ﷺ "وا رأساه" (١)، وقول سعد: "يا رسول اللَّه قد اشتد بي الوجعُ وأنا ذو مال" (٢)، وقول عائشة: "وا رأساه" (٣) فإن هذا إنما قيل على وجه الإخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى (٤) إلى العُواد، فإذا حمد المريض اللَّه ثم أخبر بعلته لم تكن شكوى، وإن أخبر بها تبرُّمًا وتسخُّطًا كانت شكوى منه، فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب، بالنية والقصد. وقال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن (٥) إلى صفوان بن محرز (٦) نعوده، فخرج إلينا ابنه وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه. فقال الحسن: "إن أباك إن يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيُؤجر فيه، خير من أن يأكله التراب" (٧). وقال ثابت أيضًا: دخلنا على ربيعة بن الحارث (٨) نعوده -وهو

стр. 214

ثقيل- فقال: "إنه من كان في مثل حالتي هذه، ملأت الآخرة قلبه، وكانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب" (١). ويذكر عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢). ويذكر عنه ﷺ : "لا تُرَدّ دعوة المريض حتى يبرأ" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ جالسًا فتبسم، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت؟ قال: "تعجبًا للمؤمن من جزعه من السقم، ولو كان يعلم ما له في السقم، أحب أن يكون سقيمًا حتى يلقى اللَّه" ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء؟ قال: "عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدًا مؤمنًا كان في مصلاه يصلي فلم يجداه، فعرجا إلى اللَّه فقالا: يا رب، عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا، فوجدناه قد حبستَه في حبالك، فلم نكتب له شيئًا من عمله، فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان في يومه وليلته ولا تنقصوا

стр. 215

منه شيئًا، فعليَّ أجر ما أحبسته (١) وله أجر ما كان يعمل" (٢). ويذكر عنه ﷺ : "من وُعك ليلة فصبر ورضي بها عن اللَّه ، خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" (٣). ومن مراسيل يحيى بن أبي كثير قال: فَقَدَ رسول اللَّه ﷺ سلمان فسأل عنه، فأخبر أنه عليل، فأتاه يعوده فقال: "شفي اللَّه سقمك، وعظّم أجرك، وغفر ذنبك، ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك، إن لك من وجعك خلالًا ثلاثًا: أما واحدة فتذكرة من ربك يُذكرُك بها، وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك، وأما الثالثة فادع بما شئت، فإن المبتلى مجاب الدعوة" (٤).
следующие страницы →