← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وخرج بعض الصحابة زائرًا لرجل من إخوانه، فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه، فدخل عليه فقال: أتيتك زائرًا وأتيتك عائدًا ومبشرًا. قال: كيف جمعت هذا؟ قال: خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكاتُك فصارت عيادة، وأبشرك بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سبقت للعبد من اللَّه منزلة لم يبلغها -أو قال لم ينلها- بعمله، ابتلاه في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبّره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من اللَّه " (١). وقال الحسن وذكر الوجع: "أما واللَّه ما هو بِشَرّ أيام المسلم أيامٌ قُورب له فيها من أجله (٢)، وذُكّر فيها ما نسي من معاده، وكُفّر بها خطاياه" (٣).

стр. 212

وقال بعض السلف: "لولا مصائب الدنيا وردنا القيامة (١) مفاليس" (٢). وقال أنس بن مالك: انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء اللَّه، ثم قال: "المصائب والأوجاع في إحباط ذنوب أمتي أسرع مني في هذه الشجرة" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا أيضًا عن أبي هريرة يرفعه: "ما من مسلم إلا وَكَّل اللَّه به ملكين من ملائكته لا يفارقانه، حتى يقضي اللَّه في أمره بإحدى الحسنيين؛ إما بموت وإما بحياة، فإذا قال له العُواد: كيف تجدك؟ قال: أحمد اللَّه، أجدني -واللَّه المحمود- بخير، قال له الملكان: أبشر بدم هو خير من دمك، وصحة هي خير من صحتك. وإن قال: أجدني مجهودًا في بلاء شديد. قال له الملكان: أبشر بدم هو شرٌّ من دمك، وبلاء هو أطول من بلائك" (٤).

стр. 213

ولا يناقض هذا قول النبي ﷺ "وا رأساه" (١)، وقول سعد: "يا رسول اللَّه قد اشتد بي الوجعُ وأنا ذو مال" (٢)، وقول عائشة: "وا رأساه" (٣) فإن هذا إنما قيل على وجه الإخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى (٤) إلى العُواد، فإذا حمد المريض اللَّه ثم أخبر بعلته لم تكن شكوى، وإن أخبر بها تبرُّمًا وتسخُّطًا كانت شكوى منه، فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب، بالنية والقصد. وقال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن (٥) إلى صفوان بن محرز (٦) نعوده، فخرج إلينا ابنه وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه. فقال الحسن: "إن أباك إن يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيُؤجر فيه، خير من أن يأكله التراب" (٧). وقال ثابت أيضًا: دخلنا على ربيعة بن الحارث (٨) نعوده -وهو

стр. 214

ثقيل- فقال: "إنه من كان في مثل حالتي هذه، ملأت الآخرة قلبه، وكانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب" (١). ويذكر عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢). ويذكر عنه ﷺ : "لا تُرَدّ دعوة المريض حتى يبرأ" (٣). وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ جالسًا فتبسم، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت؟ قال: "تعجبًا للمؤمن من جزعه من السقم، ولو كان يعلم ما له في السقم، أحب أن يكون سقيمًا حتى يلقى اللَّه" ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء؟ قال: "عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدًا مؤمنًا كان في مصلاه يصلي فلم يجداه، فعرجا إلى اللَّه فقالا: يا رب، عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا، فوجدناه قد حبستَه في حبالك، فلم نكتب له شيئًا من عمله، فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان في يومه وليلته ولا تنقصوا

стр. 215

منه شيئًا، فعليَّ أجر ما أحبسته (١) وله أجر ما كان يعمل" (٢). ويذكر عنه ﷺ : "من وُعك ليلة فصبر ورضي بها عن اللَّه ، خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" (٣). ومن مراسيل يحيى بن أبي كثير قال: فَقَدَ رسول اللَّه ﷺ سلمان فسأل عنه، فأخبر أنه عليل، فأتاه يعوده فقال: "شفي اللَّه سقمك، وعظّم أجرك، وغفر ذنبك، ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك، إن لك من وجعك خلالًا ثلاثًا: أما واحدة فتذكرة من ربك يُذكرُك بها، وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك، وأما الثالثة فادع بما شئت، فإن المبتلى مجاب الدعوة" (٤).

стр. 216

وقال زياد بن الربيع (١): قلت لأبيّ بن كعب: آية في كتاب اللَّه قد أحزنتني. قال: ما هي؟ قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قال: "ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى، إن المؤمن لا تصيبه عثرة قدم، ولا اختلاج عرقٍ إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر" (٢). وسُئلت عائشة (٣) عن هذه الآية، فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول اللَّه ﷺ ، [فقال النبي ﷺ ] (٤) "يا عائشة هذه معاتبة اللَّه تعالى العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة (٥) والشوكة وانقطاع شِسْعه، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير" (٦).

стр. 217

ضِبْن الإنسان: تحت يده، يقال: اضطبن كذا، إذا حمله تحت يده. وقال وهب بن منبه: "لا يكون الرجل فقيهًا كامل الفقه حتى يعدَّ البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء" (١). وفي بعض كتب اللَّه سبحانه: "إن اللَّه ليصيب العبد بالأمر يكرهه وإنه ليحبه لينظر كيف تضرعه إليه" (٢). وقال كعب (٣): "أجد في التوراة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن، لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبدًا" (٤). وقال معروف الكرخي (٥): "إن اللَّه ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام

стр. 218

والأوجاع فيشكو إلى أصحابه، فيقول اللَّه ﵎: وعزتي وجلالي ما ابتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك (١) من الذنوب فلا تشكين (٢) " (٣). وذكر ابن أبي الدنيا أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه ما الأسقام؟ قال: "أوَما سقمت قط؟ " [قال: لا] (٤) قال: "فقم عنا فلست منا" (٥). وكان بعض أصحاب (٦) عبد اللَّه بن مسعود قد اشتدت به العلة، فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه، وأهلُه تقول له: نفسي فداك، ما نطعمك ما نسقيك؟ فأجابها بصوت ضعيف: "بليت الحراقيف (٧) وطالت الضجعة، واللَّه ما يسرني أن اللَّه نقصني منه قلامة ظفر" (٨).

стр. 219

وطلق خالد بن الوليد ﵁ امرأة له ثم أحسن عليها الثناء، فقلت له: (١) يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال: "ما طلقتها لأمر رابني منها ولا ساءني، ولكن لم يصبها عندي بلاء" (٢). ويذكر عنه ﷺ : "ما ضُرب على مؤمن عِرْقٌ، إلا كتب اللَّه له به حسنة وحطّ عنه به سيئة ورفع له به درجة" (٣). ولا ينافي هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفّرات لا غير؛ لأن حصول الحسنة إنما هو بصبره الاختياري عليها وهو عمل منه. وعاد رجل من المهاجرين مريضًا فقال: "إن للمريض أربعًا: يُرفع عنه القلم، ويُكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته، ويَتبع المرضُ كلَّ خطيئة في مفصل من مفاصله فيستخرجها، فإن عاش عاش مغفورا له، وإن مات مات مغفورًا له"، فقال المريض: "اللهم لا أزال مضطجعا" (٤).

стр. 220

وفي "المسند" عنه ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يقضي اللَّه للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (١). وفي لفظ: "إن أمر المؤمن كله عجب، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر (٢) فكان خيرًا له" (٣).

стр. 221

الباب السابع عشر في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن مالك بن مِغْوَل عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر ﵁ فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: "قد رآني الطبيب". قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: "إني فعال لما أريد" (١). وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (٢). وقال أيضًا: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا" (٣). وقال علي بن أبي طالب ﵁: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد". ثم رفع صوته

стр. 222

فقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له" (١). وقال: "الصبر مطية لا تكبو" (٢). وقال الحسن: "الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه اللَّه إلا لعبد كريم عنده" (٣). وقال عمر بن عبد العزيز: "ما أنعم اللَّه على عبد نعمةً فانتزعها منه فعاضه (٤) مكانها الصبر، إلا كان ما (٥) عوّضه خيرًا مما انتزعه منه" (٦). وقال ميمون بن مهران: "ما نال أحد شيئًا من جسيم الخير نبيٌّ فما دونه إلا بالصبر" (٧). وقال سليمان بن القاسم: "كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، قال: كالماء

стр. 223

المنهمر" (١). وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت فينظر فيها، وفيها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] (٢). وقال عمر بن الخطاب أيضًا: "لو كان الصبر والشكر بعيرين (٣) لم أبال أيهما ركبت" (٤). وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: "سحابة ثم تنقشع" (٥). وقال ابن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]: "لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسًا" (٦). وقيل للأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال: "أن تصبر على ما تكره قليلًا" (٧). وقال وهب: "مكتوب في التوراة (٨): قصر السفه النصب، وقصر

стр. 224

الحلم الراحة، وقصر الصبر الظفر" (١). قصر الشيء وقصاراه: غايته وثمرته. وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد، وكان من أحسن الناس وجهًا، فدخل يومًا على الوليد في ثياب وشي (٢) وله غديرتان (٣) وهو يضرب بيده، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش. فعانه (٤)، فخرج من عنده متوسنًا (٥)، فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل الدوابُّ تطؤه بأرجلها حتى مات. ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة، فبعث إليه الوليدُ الأطباءَ فقالوا له: إن لم تقطعها سَرَت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار، فلما صار المنشار إلى القصبة (٦) وضع رأسه على الوسادة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر، فأخذها بيده وجعل يقلبها في يده (٧) ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بها إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي اللَّه. ثم أمر بها فغُسلت وطيِّبت وكُفِّنت في قُبطية (٨)، ثم بَعث بها إلى مقابر

стр. 225

المسلمين. فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فجعل يقول: قد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، ولم يزد عليه. ثم قال: لا أدخل المدينة، إنما أنا بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة، فمضى إلى قصره بالعقيق فأقام هناك. فلما دخل قصره قال له عيسي بن طلحة: لا أبا لشانيك (١)، أرنا (٢) هذه المصيبة التي نعزيك عنها (٣)، فكشف له عن ركبته، فقال له عيسي: أما واللَّه ما كنا نعدّك للصراع، قد أبقى اللَّه أكثرك: عقلك ولسانك وسمعك وبصرك ويديك وإحدى رجليك. فقال له: يا عيسي، ما عزّاني أحد بمثل ما عزيتني. ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئًا كي لا تشعر بالوجع. فقال: إنما ابتلاني ليري صبري أفأعارض أمره؟! وسُئل ابنه هشام: كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا توضأ؟ قال: كان يمسح عليها (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال: سمعت قتادة يقول: "قال لقمان وسأله رجل: أي شيء خير؟ قال: صبر لا يتبعه

стр. 226

أذي. قال: فأي الناس خير؟ قال: الذي يرضي بما أوتي. قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه. قيل: فمن خير الكنز: من المال أو من العلم؟ قال: سبحان اللَّه! بل المؤمن العالم الذي إن ابتغي عنده خير وجد، وإن لم يكن عنده كف نفسه، وبحسب المؤمن أن يكف نفسه (١). وقال حبان (٢) بن أبي جَبَلة: "من بث فلم يصبر" (٣). ورواه ابن أبي الدنيا مرفوعًا إلى النبي ﷺ (٤). وإن صح؛ فمعناه:

стр. 227

من بث إلى المخلوق، لا من بث إلى اللَّه. وقال حبان (١) بن أبي جبلة في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣]، قال: "لا شكوي فيه" (٢). ورفعه ابن أبي الدنيا أيضًا. وقال مجاهد: " ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ في غير جزع" (٣). وقال عمرو بن قيس: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قال: "الرضى بالمصيبة والتسليم" (٤). وقال بعض السلف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ "لا شكوي فيه" (٥). وقال همام عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال: "كَظَم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا" (٦).

стр. 228

وقال يحيى بن المختار عن الحسن: "الكظيم: الصبور" (١). وقال الضحاك: كظيم أي: كميد (٢). أي: كَمَدُ الحزن. وقال الحسن: "ما جرعتان أحب إلى اللَّه من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبُها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردها بحلم" (٣). وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا عبد اللَّه بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: "الصبر اعتراف العبد للَّه بما أصابه منه واحتسابه عند اللَّه ورجاءُ ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يُرى منه إلا الصبر" (٤). فقوله: "اعتراف العبد للَّه بما أصاب منه" كأنه تفسير قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، فيعترف أنه مُلك للَّه يتصرَّف فيه مالكه بما يريد. وقوله: "واحتسابه عند اللَّه" كأنه تفسير لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٥) [البقرة: ١٥٦]، أي: نُرَدّ إليه فيجزينا على صبرنا، ولا يضيع أجر المصيبة.

стр. 229

وقوله: "وقد يجزع الرجل وهو يتجلد"، أي: ليس الصبر بالتجلد، وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور، واللسان عن الشكوي، فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر، فليس بصابر. وقال يونس بن يزيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: "أن يكون يوم تُصيبه المصيبة مثله قبل أن تُصيبه" (١). وقال قيس بن الحجاج (٢) في قول اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥] قال: "أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعرف من هو" (٣). وكان شمّر إذا عزي مصابًا قال: "اصبر لما حكم ربّك" (٤). وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد اللَّه بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد اللَّه بن عمر، لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها (٥). قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش: أما والذي لا خُلد إلا لوجهه … ومن ليسَ في العز المنيعِ له كفو

стр. 230

لئن كان بدءُ (١) الصبرِ مُرًّا (٢) مذاقه … لقد يُجتنى (٣) من غِبه الثمر الحلو (٤) قال: وأنشدني عمرو بن بُكير: صبرتُ وكان الصبر خير مغبةٍ … وهل جزَعٌ مُجْدٍ عليّ فأجزَع ملكتُ دموعَ العين حتى رددتُها … إلى ناظري فالعين في القلب تدمع (٥) قال وأنشدني أحمد بن موسى الثقفي: نُبِّئْتُ خولةَ أمسِ قد جزعتْ … من أن تنوبَ نوائب الدهر لا تجزعي يا خَوْلُ واصطبري … إن الكرام بُنُوا على الصبر (٦) قال وحدثني عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل التيمي: "أن رجلًا عزَّى رجلًا على ابنه فقال: إنما يستوجب على اللَّه وعده من (٧) صبر للَّه بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها

стр. 231

أعظم المصيبتين عليك، وأنكى الرزيّتين لك، والسلام" (١). وعزَّى ابن السمَّاك رجلًا فقال: "عليك بالصبر فبه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزَع" (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: "أما الرضى فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل اللَّه في الصبر معولًا حسنًا" (٣). ولما مات عبد الملك ابنه (٤) صلّى عليه ثم قال: "رحمك اللَّه، لقد كنت لي وزيرًا، وكنت لي معينًا". قال: والناس يبكون وما يقطر من عينيه قطرة (٥). وأصيب مطرِّف بن عبد اللَّه بابن له، فأتاه قوم يعزونه فخرج إليهم أحسن ما كان بشْرًا، ثم قال: "إني لأستحي من اللَّه أن أتضعضع لمصيبته (٦) " (٧). وقال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير (٨): "ليس الجزع أن تدمع

стр. 232

العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ والظن السيئ" (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن (٢) بن عبد العزيز الجرَوي قال: مات ابن لي نفيس فقلت لأمه: "اتقي اللَّه واحتسبيه". فقالت: "مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع" (٣). وقال ابن أبي الدنيا: وأخبرني عمرو بن بكير عن شيخ من قريش قال: مات الحسن بن الحصين أبو عبيد اللَّه بن الحسن، وعبيد اللَّه يومئذ قاضٍ على البصرة وأمير، فكثُر من يعزِّيه، فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزع (٤). وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على ابني، فرآني أطوف بالبيت متقنعًا فكشف القناع عن رأسي وقال: "الاستكانة من الجزع" (٥). فصل وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبًا يعرف به. قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزَّى (٦)، ففيه نظر، وأنكره

стр. 233

شيخنا (١). ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، ولا نُقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول. وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك لبس ما عادته لبسه وقال: هو من التّسلّب (٢). وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئًا من زيّهم قبل المصيبة، ولا يتركون ما كانوا يعملونه، فهذا كله منافٍ للصبر، واللَّه أعلم.

стр. 234

الباب الثامن عشر في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها فمنها البكاء على الميت: ومذهب أحمد وأبي حنيفة جوازه قبل الموت وبعده، واختاره أبو إسحاق الشيرازي (١). وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح (٢). واحتجوا بحديث جابر بن عتيك: أن رسول اللَّه ﷺ جاء يعود عبد اللَّه ابن ثابت فوجده قد غُلب، فصاح به فلم يجبه، فاسترجع وقال: "غُلبنا عليك يا أبا الربيع"، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دَعْهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول اللَّه؟ قال: "الموت". رواه أبو داود والنسائي (٣).

стр. 235

قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه" (١). وهذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يُسمّى ميتًا. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ لما قدم من أُحُد سمع نساء بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ فقال: "ويحهن أتين هاهنا يبكين حتى الآن، مُروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم". رواه الإمام أحمد (٢). وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة. والفرق بين ما قبل الموت وبعده: أنه قبل الموت يرجي فيكون البكاء عليه حذرًا، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء. قال المجوزون: قال جابر: أُصيب أبي يوم أحد فجعلت أبكي، فجعلوا ينهونني ورسول اللَّه ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمّتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ : "تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه". متفق عليه (٣). وفي "الصحيحين" أيضًا عن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة

стр. 236

شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رأي القوم بكاءه بكوا، فقال: "ألا تسمعون، إن اللَّه لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم" (١). وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث أسامة بن زيد ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ انطلق إلى إحدى بناته ولها صبيٌّ في الموت، فرُفع إليه الصبيُّ ونفسه تقعْقَع كأنها شنّة، ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (٢). وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: ماتت رقية ابنة رسول اللَّه ﷺ فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي ﷺ : "دعهن يا عمر يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان" ثم قال: "إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن اللَّه ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (٣).

стр. 237

وفي "المسند" أيضًا عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: "فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي" (١). وفي "المسند" أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة يُبكى عليها وأنا معه، ومعه عمر بن الخطاب، فانتهر عمر اللاتي يَبكين عليها، فقال النبي ﷺ : "دعهن يا ابن الخطاب، فإن النفس مصابة، وإن العين دامعة، والعهد قريب" (٢). وفي "جامع الترمذي" عن جابر بن عبد اللَّه قال: أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حِجره فبكى، فقال له: أتبكي، أولم تكن نَهيت عن البكاء؟ قال: "لا، ولكن نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند مصيبة: خمشِ الوجوه (٣)، وشقَّ الجيوب، ورنّةِ الشيطان". قال الترمذي: هذا حديث حسن (٤). وقد صح عنه ﷺ : "أنه زار قبر أمه فبكى، وأبكى من

стр. 238

حوله" (١). وصح عنه: "أنه قبَّل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه" (٢). وصح عنه: "أنه نعى جعفرًا وأصحابه وعيناه تذرفان" (٣). وصح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قبَّل النبي ﷺ وهو ميت وبكى (٤). فهذه اثنا عشر (٥) حجة تدل على عدم كراهة البكاء، فتعين حمل أحاديث النهي على البكاء الذي معه ندب ونياحة، ولهذا جاء في بعض ألفاظ حديث عمر (٦): "الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه" (٧) وفي بعضها: "يعذب بما نيح عليه" (٨). وقال البخاري في "صحيحه": قال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني: خالد بن الوليد- ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع:

стр. 239

التراب على الرأس (١). واللقلقة: الصوت (٢). وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح؛ لأن معناه: لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد. ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد، منها: حديث أبي هريرة إذ إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة. ومنها البكاء على جعفر وأصحابه، وكان استشهادهم في السنة الثامنة. ومنها البكاء على زينب وكان موتها في الثامنة أيضًا (٣). ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة. ومنها البكاء عند قبر أمه ﷺ وكان عام الفتح في الثامنة. وقولهم: إنما جاز قبل الموت حذرًا، بخلاف ما بعد الموت. جوابه: أنّ الباكي قبل الموت يبكي حزنًا، وحزنه بعد الموت أشد، فهو أولى برخصة البكاء من الحالة التي يرجو (٤) فيها، وقد أشار ﷺ إلى ذلك بقوله: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب،

стр. 240

وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" (١). فصل وأما الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمهما. قال في رواية حنبل: النياحة معصية (٢). وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوْح حرام (٣). وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء (٤). وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: يكره ذلك تنزيهًا، وهذا لفظ أبي الخطاب في "الهداية" قال: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتّحفّي (٥). والصواب: القولُ بالتحريم لما في "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية" (٦).

стр. 241

وفي "الصحيحين" عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى وجعًا فغُشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: "أنا بريء ممن برئ منه رسول اللَّه ﷺ ، فإن رسول اللَّه ﷺ برئ من الصالقة (١) والحالقة والشاقّة" (٢). وفي "الصحيحين" أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (٣). وفي "الصحيحين" أيضًا عن أم عطية قالت: "أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في البيعة ألا ننوح، فما وفَّت منا امرأة إلا خمس نسوة" (٤). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (٥) وفي "صحيح مسلم" عن أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: "أربعٌ في (٦) أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقامُ يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" (٧).

стр. 242

وفي "سنن أبي داود" عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: "كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا ولا ننتف (١) شعرًا" (٢). وفي "مسند الإمام أحمد" عن أنس قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن أن لا يَنُحن، فقلن: يا رسول اللَّه إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال: "لا إسعاد في الإسلام" (٣). وقد تقدم قوله: "ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (٤)، وقوله: "نَهيتُ عن صوتين أحمقين؛ صوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب، ورنة شيطان" (٥). وفي "مسند أحمد" من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "الميت يُعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبذ (٦) الميت وقيل له: أنت عضدها؟! أنت

стр. 243

ناصرها؟! أنت كاسيها؟! " (١). وفي "صحيح البخاري" عن النعمان بن بشير قال: "أغمي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته عمرة بنت رواحة تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ لي شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تَبكِ عليه" (٢). وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهي مشتملة على التسخط على الرب، وفعل ما يناقض الصبر، والإضرار بالنفس: من لطم الوجه، وحلق الشعر ونتفه، والدعاء عليها بالويل والثبور، والتظلم من اللَّه سبحانه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، وذكر الميت بما ليس فيه؟ ولا ريب أن التحريم الشديد يَثبت ببعض هذا. قال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان (٣). قالوا: وفي "الصحيحين" عن أم عطية قالت: لَمّا أُنزلت هذه الآية

стр. 244

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى قوله ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] كان منه النياحة، فقلت: يا رسول اللَّه إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال: "إلا آل فلان" (١). وفي رواية لهما قالت: بايعنا رسول اللَّه ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنّا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها. قالت: فما قال لها شيئًا، فذهبت فانطلقت ثم رجعت، فبايعها (٢). قالوا: وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعًا بين الأدلة. قال المحرِّمون: لا تُعَارَضُ سنة رسول اللَّه ﷺ بأحد من الناس كائنًا من كان، ولا تضرب سنتُه بعضها ببعض، وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلًا، وقد انعقد عليها الإجماع. وأما المرأة التي قال لها: "إلا آل فلان"، والمرأة التي سكت عنها، فذلك خاص بهما لوجهين: أحدهما: أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك: "لا إسعاد في الإسلام" (٣).

стр. 245

والثاني: أنه أطلق لهما ذلك وهُمَا حديثا عهد بالإسلام، وهما لم يميّزا بين الجائز من ذلك وبين المحرم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فعلم أن الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما. فصل وأما الكلمات (١) اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النّوح والتسخّط، فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نص عليه أحمد (٢) لما رواه في "مسنده" من حديث أنس: "أن أبا بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه" (٣). وفي "صحيح البخاري" عن أنس أيضًا قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعَاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللَّه ﷺ التراب (٤). وقال رسول اللَّه ﷺ : "وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" (٥). وهذا ونحوه من القول الذي ليس فيه تظلُّم للمقدور، ولا تسخُّط

стр. 246

على الرب تعالى ولا إسخاط له، فهو كمجرّد البكاء. فصل فأما قول النبي ﷺ : "إن الميت يُعذَّب بالنياحة عليه"، فقد ثبت عنه من رواية عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، والمغيرة بن شعبة، وروى نحوه عمرانُ بن حصين، وأبو موسى ﵃ (١). فاختلفت طرق الناس في ذلك: فقالت فرقة: يتصرف اللَّه في خلقه بما شاء، وأفعال اللَّه لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب إليه؛ لأن اللَّه خالق الجميع، واللَّه تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل. وقالت فرقة: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول اللَّه ﷺ ، وقد أنكرتها عائشة أم المؤمنين، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧]. ولما بلغها رواية عمر وابنه قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبَين ولا متهمَين، ولكن السمع يُخطئ. وقالت: إنما مر النبي ﷺ على قبر يهودي، فقال: "إن صاحب هذا القبر يعذب، وأهله يبكون عليه" (٢).

стр. 247

وفي رواية متفق عليها عنها: إنما قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه". وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وقالت فرقة أخرى منهم المزني (٢) وغيره: أن ذلك محمول على من أوصى به إذ كانت عاداتهم ذلك، وهو كثير في أشعارهم؛ كقول طرفة: إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وَشُقِّي عليَّ الجيْبَ يا ابنةَ مَعْبَد (٣) وقول لبيد: فقوما فقولا بالذي قد عَلِمتُما … ولا تخمِشا وجهًا ولا تَحلِقا شَعر وقولا: هو المرء الذي لا صديقه … أضاع، ولا خان الأمين ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر (٤) وقالت طائفة: هو محمول على من سنتُه وسنة قومه ذلك، إذا لم ينههم عنه؛ لأن ترك نهيه دليل على رضاه به، وهذا قول ابن المبارك وغيره (٥). قال أبو البركات ابن تيمية (٦): وهو أصح الأقوال كلها، لأنه متى

стр. 248

غلب على ظنه فعلهم له ولم يوصهم بتركه فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه. فأما إذا أوصاهم بتركه فخالفوه فاللَّه أكرم من أن يعذّبه بذلك، وقد حصل بذلك العمل بالآية مع إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد. وإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه، فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جدًّا خصوصًا في حق خمسة من أكابر الصحابة. وقوله في اليهودي لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر. ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: "إن اللَّه يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (١) فإذا لم تمتنع (٢) زيادة الكافر عذابًا بفعل غيره، مع كونه مخالفًا لظاهر الآية لم يمتنع (٣) ذلك في حق المسلم؛ لأن اللَّه سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، واللَّه أعلم. فصل ولا تحتاج هذه الأحاديث إلى شيء من هذه التكلُّفات، وليس فيها بحمد اللَّه إشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونَوحِهم، وإنما قال: إنه يعذب

стр. 249

بذلك، ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه. والعذاب هو: الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي ﷺ : "السَّفَرُ قطعة من العذاب" (١)، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك، كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم، تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث، وباللَّه التوفيق (٢).

стр. 250

الباب التاسع عشر في أن الصبر نصف الإيمان وأن الإيمان (١) نصفان: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان" (٢). وقال عبد اللَّه بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر" (٣). ولهذا جمع اللَّه سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥، الشورى: ٣٣، سبأ: ١٩، لقمان: ٣١]، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان. وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات: أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة اللَّه وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.
следующие страницы →