← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قالوا: وهاهنا قضيتان صادقتان بهما يتبين الفضل: إحداهما: أن الأقلِّين هم الأكثرون يوم القيامة. والثانية: أن الأكثرين هم الأقلون. أما الأولى: فقد تقدم الدليل عليها بما فيه كفاية. وأما الثانية: ففي "الصحيحين" من حديث أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟ " قلت: أبو ذر جعلني اللَّه فداك. قال: "يا أبا ذر! تعالَ". فمشيت معه ساعة فقال: "إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" وذكر الحديث (١). قالوا: ولو كان الغنى أفضل من الفقر لما حضّ اللَّه رسوله على الزهد في الدنيا والإعراض عنها، وذم الحرص عليها والرغبة فيها، بل كان ينبغي أن يحضّ عليها وعلى اكتسابها والاستكثار منها، كما حض على اكتساب الفضائل التي بها كمال العبد من العلم والعمل، فلما حضّ على الزهد فيها والتقلّل دلّ على أن الزاهدين فيها المتقلّلين منها أفضل الطائفتين. وقد أخبر أنها لو ساوت عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء (٢). وأنها أهون على اللَّه من السخلة الميتة على

стр. 457

أهلها (١). وأن مثلها في الآخرة كمثل ما يعلق بأصبع من أدخل أصبعه في البحر (٢). وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم (٣). وأنها سجن المؤمن وجنة الكافر (٤). وأمر العبد أن يكون فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدّ نفسه من أهل القبور، وإذا أصبح فلا ينتظر المساء وإذا أمسى فلا ينتظر الصباح (٥). ونهى عن اتخاذ ما يرغِّب فيها، ولعن عبد الدينار وعبد الدرهم، ودعا عليه بالتعس والانتكاس وعدم إقالة العثرة بالانتقاش (٦). وأخبر أنها خضرة حلوة، أي: تأخذ بالعيون بخضرتها وبالقلوب بحلاوتها، وأمر باتقائها والحذر منها، كما يُتقى النساء ويُحذر منهن (٧).

стр. 458

وأخبر أن الحرص عليها وعلى الرياسة والشرف يفسد الدين، كإفساد الذئبين الضاريين إذا أُرسلا في زريبة غنم أو أشد إفسادًا (١). وأخبر أنه في الدنيا كراكب استظل تحت شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها (٢). وهذه في الحقيقة حال سكّان الدنيا كلهم، ولكن هو ﷺ شهد هذه الحال وعمي عنها بنو الدنيا. ومرّ بهم وهم يعالجون خُصًّا لهم قد وهى فقال: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (٣). وأمر بستر على بابه فنزع، وقال: "إنه يذكرني الدنيا" (٤). وأعلم الناس أنه ليس لأحد منهم حق في سوى بيتٍ يسكنه، وثوب يواري عورته، وقوت يقيم صلبه (٥). وأخبر أن الميت يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى

стр. 459

عمله (١). وأخبر أن للمتخوّض فيما شاءت نفسه من مال اللَّه [بغير حق] (٢) النار يوم القيامة (٣). وأقسم أنه لا يخاف الفقر على أصحابه، وإنما يخاف عليهم الدنيا، وتنافسهم فيها، وإلهاءها لهم (٤). وأخبر أنه ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى (٥). وأخبر أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يُقمن صلبه، فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه، وثلثه لشرابه، وثلثه لنفسه (٦).

стр. 460

وفي هذا الحديث الإرشاد إلى صحة القلب والبدن والدين والدنيا. وأخبر أن غنى العبد فيها غنى نفسه لا كثرة عرضه (١). وسأل اللَّه أن يجعل رزقه فيها قوتًا (٢). وغبط من كان رزقه فيها كفافًا بعد أن هدي للإسلام (٣). وأخبر أن من كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يأته منها إلا ما كتب له (٤). وعرض عليه ربه تعالى أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا، فقال: "لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرّعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (٥).

стр. 461

وأعلمهم أن "من أصبح منهم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (١). وأخبر أن بذل العبد ما فضل عن حاجته خير له، وإمساكه شرّ له، وأنه لا يلام على الكفاف (٢). ونهى أمّته أن ينظر أحدهم إلى من هو فوقه في الدنيا، وأمره أن ينظر إلى من هو دونه فيها (٣). وأخبر أنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاء وفتنة وضرب مثلها مثل ما يخرج من ابن آدم عند خلائه، وإن كان أوله طيبًا لذيذًا فهذا آخره (٤). وأخبر أن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين فيها، فإن أمامهم دار النعيم، فهم لا يرضون بنعيمهم في الدنيا عوضًا من ذلك النعيم (٥). وأخبر أن نجاةَ أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلكة آخرها بالبخل وطول الأمل (٦).

стр. 462

وكان يقول: "لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة" (١). وأخبر أنه إذا أحب عبده حماه من الدنيا كما يحمي الإنسان مريضه من الطعام والشراب (٢). ودخل على عثمان بن مظعون وهو في الموت، فأكبّ عليه يقبّله ويقول: "رحمك اللَّه يا عثمان ما أصبت الدنيا ولا أصابت منك" (٣).

стр. 463

فغبطه بذلك. وكان يقول: "الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن" (١). وكان يقول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا كفاه اللَّه (٢) سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم في (٣) أحوال الدنيا لم يبالِ اللَّه في أي (٤) أوديته هلك" (٥).

стр. 464

وأخبر أنه: "يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان في الدنيا، فيقول : اصبغوه في النار صبغة. فيصبغونه صبغة، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل أصبت نعيمًا قطّ؟ هل رأيت قرّة عين قطّ؟ هل أصبت سرورًا قط؟ فيقول: لا وعزتك. ثم يقول: ردّوه إلى النار. ثم يُؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا وأجهده جهدًا، فيقول ﵎: اصبغوه في الجنة صبغة. فيُصبغ فيها، ثم يُؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قطّ؟ فيقول: لا، وعزتك ما رأيت شيئًا قط أكرهه" (١). وفي حديث مناجاة موسى الذي رواه الإمام أحمد في كتاب "الزهد": حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه فذكره وفيه: "ولا تعجبكما زينته ولا ما مُتع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما بزينة يَعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرت لهم في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سكونها (٢) وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا لم تَكْلِمْه الدنيا ولم يطغه الهوى، واعلم أنه لم يتزيّن لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في

стр. 465

الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلّل لهم قلبك ولسانك"، وذكر الحديث (١). وقال أحمد: حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال: "قال الحواريون: يا عيسى، من أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون؟ " قال: "الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس (٢) إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالًا، وذكرهم إياها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلِقت الدنيا عندهم فليسوا [يجددونها، وخربت بينهم فليسوا] (٣) يعمّرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون اللَّه ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره ويضيئون به، لهم خبر عجيب،

стр. 466

وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه علموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانًا دون ما يرجون، ولا خوفًا دون ما يحذرون" (١). وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قيل لعيسى ابن مريم: يا رسول اللَّه، لو اتخذت حمارًا تركبه لحاجتك، قال: "أنا أكرم على اللَّه من أن يجعل لي شيئًا يشغلني به" (٢). وقال: "اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب المرء عند كنزه" (٣). وقال: "اتقوا فضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند اللَّه رجز" (٤). وقال: "يا بني إسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف، فما لكم

стр. 467

في العالم من منزل، إن أنتم إلا عابرو سبيل" (١). وقال: "يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟ قالوا: يا روح اللَّه ومن يقدر على ذلك؟ قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا" (٢). وقال: "أكل خبز البر، وشرب ماء العذب، ونوم على المزابل مع الكلاب، كثير لمن يريد أن يرث الفردوس" (٣). قال أحمد: وحدثنا ابن نمير (٤) عن الأعمش عن خيثمة قال: قال المسيح: "بشدة ما يدخل الغني الجنة" (٥). وقال المسيح: "حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة" (٦). وقال: "يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم، وأهينوا الدنيا

стр. 468

تكرم عليكم الآخرة، ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم الآخرة، فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة، وكل يوم تدعو إلى الفتنة والخسارة" (١). وقال إسحاق بن هانئ في "مسائله": قال أبو عبد اللَّه -وأنا أخرج من داره-: قال الحسن: "أهينوا الدنيا فواللَّه لأهنأ ما تكون حين تهان" (٢). وقال الحسن: "واللَّه ما أبالي شرّقت أم غرّبت" (٣). قال: وقال لي أبو عبد اللَّه: "يا إسحاق ما أهون الدنيا على اللَّه " (٤). وقال: "الدنيا قليلها يجزي وكثيرها لا يجزي" (٥). قالوا: وقد تواتر عن السلف: أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها (٦)

стр. 469

وقد روي فيه حديث مرفوع لا يثبت (١)، ولكنه يروى عن المسيح: قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن بديل بن ميسرة قال حدثني جعفر بن جرفاس: أن عيسى ابن مريم قال: "رأس الخطيئة حب الدنيا، والنساء حبالة الشيطان، والخمر جماع كل شر" (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري عن سفيان قال: كان عيسى بن مريم يقول: "حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير"، قالوا: وما داؤه؟ قال: "لا يسلم صاحبه (٣) من الفخر والخيلاء"، قالوا: فإن سلم؟ قال: "يشغله إصلاحه عن ذكر اللَّه (٤) ". قالوا: وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة؛ فإن حبّها يدعو إلى كل خطيئة ظاهرة وباطنة، ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها، فيُسكِر

стр. 470

عاشقَها حبُّها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها، وحبها يوقع في الشبهات ثم في المكروهات ثم في المحرمات، وطالما أوقع في الكفر. بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا، فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكتسبون بهما الدنيا، حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم، فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا. ولا تنسَ خطيئة الأبوين قديمًا، فإنما كان سببها حب الخلود في الدنيا. ولا تنسَ ذنب إبليس، وسببه حب الرياسة التي محبتها شرٌّ من محبة الدنيا. وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود. فحب الدنيا والرياسة [هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها. والسكر بحب الدنيا] (١) أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير، وصاحب هذا السكر لا يفيق منه إلا في ظلمة اللحد، ولو انكشف عنه غطاؤه في الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وأنه أشد من سكر الخمر، والدنيا تسحر العقول أعظم سحر. قال الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر سمعت مالك بن دينار يقول: "اتقو السحّارة، فإنها تسحر قلوب العلماء" (٢).

стр. 471

وقال يحيى بن معاذ الرازي: "الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى نادمًا (١) بين الخاسرين" (٢). وأقل ما في حبها أنه يُلهي عن حب اللَّه وذكره، ومن ألهاه ماله عن ذكر اللَّه فهو من الخاسرين. وإذا لهى القلب عن ذكر اللَّه سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد، ومن فقهه في الشرّ أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يعمل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه، فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول اللَّه ﷺ ودعا عليه فقال: "لُعِنَ عبد الدينار والدرهم" (٣)؟! وقال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، إن أعطي رضي، وإن منع سخط" (٤). وهذا تفسير منه ﷺ ، وبيان لعبوديتها. وقد عُرضت الدنيا على النبي ﷺ بحذافيرها، وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين، وردّها على عقبيها. ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم، فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل، ومنهم من استعرضها وقال: ما فيك؟

стр. 472

قالت: فيَّ الحلال والشبهة والمكروه والحرام، فقالوا: هاتِ حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها. ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها وحده فقالت: قد ذهب به من قبلكم. فأخذوا مكروهها وشبهها. ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه، فطلبوا شُبَهَهَا ومكروهها، فقالت: قد أخذه من كان من قبلكم، قالوا: فهاتِ حرامك فأخذوه. فطلبه من بعدهم، فقالت: هو في أيدي الظلمة، قد استأثروا به عليكم، فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة، فلا يمد فاجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه. هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية، كما قال ابن مسعود: "ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل، والعارية مؤداة" (١). قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسدًا للدين من وجوه: أحدها: أن حبها يقتضي تعظيمها، وهي حقيرة عند اللَّه، ومن أظهر (٢) الذنوب تعظيم ما حقّر اللَّه. وثانيها: أن اللَّه تعالى لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها، ومن

стр. 473

أحب ما لعنه اللَّه ومقته وأبغضه فقد تعرّض للفتنة ومقته وغضبه. وثالثها: أنه إذا أحبّها صيّرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها اللَّه وسائل إليه وإلى الدار الآخرة، فعكس الأمر، وقلب الحكمة فانتكس قلبُه، وانعكس سيره إلى وراء. فهاهنا أمران: أحدهما: جعل الوسيلة غاية. والثاني: التوسّل بأعمال الآخرة إلى الدنيا. وهذا شرٌّ معكوس من كل وجه، وقلب منكوس غاية الانتكاس، وهذا هو الذي انطبق عليه (١) قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]. فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضًا، وتدل على معنى واحد، وهو: أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون اللَّه والدار الآخرة، فحظه ما أراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره، والأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ مطابقة لذلك مفسرة له، كحديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول ما تسعّر بهم

стр. 474

النار: المغازي، والمتصدق، والقارئ، الذين أرادوا بذلك الدنيا. وهو في "صحيح مسلم" (١). وفي "سنن النسائي" عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول اللَّه ﷺ : "لا شيء له"، ثم قال: "إن اللَّه تعالى لا يقبل إلّا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه" (٢). فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر؛ لما ضم إليه قصد الذكر بين الناس، فلم يخلص عمله للَّه فبطل كله. وفي "مسند الإمام أحمد" عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أجر له" فأَعظَمَ الناسُ ذلك، وقالوا للرجل: عُد لرسول اللَّه ﷺ لعله لم يفهم، فعاد فقال: يا رسول اللَّه الرجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه وهو يبتغي عرض الدنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أجر له" ثم أعاد الثالثة فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أجر له" (٣).

стр. 475

وفي "المسند" أيضًا و"سنن النسائي" عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من غزا في سبيل اللَّه وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالًا فله ما نوى" (١). وفي "المسند" و"السنن" عن يعلي بن منية قال: كان النبي ﷺ يبعثني في سرايا فبعثني ذات يوم في سرية، وكان رجلًا يركب بغلًا، فقلت له: ارحل، فإن النبي ﷺ قد بعثني في سرية، فقال: ما أنا بخارج معك حتى تجعل لي ثلاثة دنانير، ففعلت، فلما رجعت من غزاتي ذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: النبي ﷺ : "ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته إلا ثلاثة دنانير" (٢). وفي "سنن أبي داود" أن عبد اللَّه بن عمرو قال: يا رسول اللَّه أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "يا عبد اللَّه بن عمرو إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك اللَّه صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك اللَّه مرائيًا مكاثرًا، يا عبد اللَّه بن عمرو على أي حال قاتلت أو قُتلت بعثك اللَّه على تلك

стр. 476

الحال" (١). وفي "المسند" و"السنن" عن أبي أيوب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنها ستفتح عليكم الأمصار، وتضربون فيها بعوثًا، فيكره الرجل منكم البعث، فيخلص من قومه، ويعرض نفسه على القبائل يقول: من أكفيه بعث كذا وكذا؟ ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه" (٢). فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا الجاهل (٣) المجاهد من الأجر، وأفسدت عليه عمله، وجعلته أول الداخلين إلى النار. فصل ورابعها: أن محبتها تعترض (٤) بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه. والناس هاهنا مراتب: فمنهم: من يشغله محبوبه عن الإيمان وشرائعه.

стр. 477

ومنهم: من يشغله عن الوجبات التي تجب عليه للَّه ولخلقه، فلا يقوم بها ظاهرًا ولا باطنًا. ومنهم: من يشغله حبها عن كثير من الواجبات. ومنهم: من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وإن قام بغيره. ومنهم: من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، فيفرّط في وقته وفي حقوقه. ومنهم: من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتفريغه للَّه عند أدائه، فيؤديه ظاهرًا لا باطنًا، وأين هذا في عشاق الدنيا ومحبيها؟! هذا من أندرهم. وأقل درجات حبها أن يشغل عن أعظم سعادة العبد، وهو تفريغ قلبه لحب اللَّه، ولسانه لذكره، وجمع قلبه على لسانه، ولسانه وقلبه (١) على ربه. فعشقها ومحبتها تضرّ بالآخرة ولا بد، كما أن محبة الآخرة تضرّ بالدنيا، وفي هذا حديث قد روي مرفوعًا: "من أحب دنياه أضرّ بآخرته، [ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه] (٢)، فآثروا ما يبقى على ما يفنى" (٣).

стр. 478

فصل وخامسها: أن محبتها تُجعل أكبر همّ العبد، وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت الآخرة أكبر همّه جعل اللَّه غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل اللَّه فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له" (١). وسادسها: أن محبّها أشد الناس عذابًا، وهو معذب في دُوره الثلاث؛ يعذّب في الدنيا بتحصيلها والسعي فيها ومنازعة أهلها، وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجو اجتماعه به أبدًا، ولم يحصل له هناك محبوب يعوّضه عنه، فهو أشد الناس عذابًا في قبره، يعمل الهمّ والغمّ والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه: "أن حزقيل كان ممن سبى بختنصر"، فذكر عنه حديثًا طويلًا وفي آخره، قال: "فبينا أنا نائم على شطّ الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض، قد كانت معركة، قال: وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بدّدت الطير والسباع لحومهم وفرّقت أوصالهم. قال لي: إن

стр. 479

قومًا يزعمون أنه من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي، فادعهم. قال حزقيل: فدعوتهم فإذا كلُّ عظم قد أقبل إلى مفصله الذي انقطع منه، ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارق، حتى أمّ بعضها بعضًا، ثم نبت عليها اللّحم ثم نبتت العروق ثم انبسطت الجلود، وأنا انظر إلى ذلك، ثم قال: ادع أرواحهم، قال: فدعوتها، فإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم: فيما كنتم؟ قالوا: إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال: هلمّوا أعمالكم وخذوا أجوركم، كذلك سنّتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم، قال: فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلّط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلّط الغمّ على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذّب حتى دعوتنا" (١). ولا يستريح عاشق الدنيا. فقولهم: "كنا نعبد الأوثان"، فسيان عبادة الأثمان وعبادة الأوثان؛ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. والمقصود: أن محب الدنيا معذّب في قبره ومعذّب يوم لقاء ربه. قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. قال بعض السلف: "يعذبهم بجمعِها، وتزهق أنفسهم بحبّها، وهم كافرون بمنع حق اللَّه فيها".

стр. 480

فصل وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلّهم عقلًا (١)، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ … إنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ (٢) كما نزل أعرابي بقوم فقدّموا له طعامًا فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة فنام، فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس، فانتبه وهو يقول: وإن امرأً دنياه أكبرُ همّه … لَمستمسكٌ منها بحبل غرورِ (٣) وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت: يا أهلَ لذّاتِ دنيا لا بقاء لها … إن اغترارًا بظلّ زائل حمق (٤)

стр. 481

قال يونس بن عبد الأعلى: "ما شبّهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحبّ، فبينا هو كذلك انتبه" (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو على الطائي حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ليث قال: رأى عيسى ابن مريم الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوّجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلُّهم مات عنك أو كلهم طلّقك؟ قالت: بل كلُّهم قتلتُه. فقال عيسى: "بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدًا واحدًا، ولا يكونوا منك على حذر" (٢). أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجُوَّعُ أراها وإن كانت تُحَبّ فإنها … سحابة صيف عن قليل تَقشّعُ (٣) أشبه الأشياء بالدنيا الظلّ، تحسب له حقيقة ثابتة وتحسبه ساكنًا، وهو في تقلّص وانقباض، وتتبعه لتدركه فلا تلحقه. وأشبه الأشياء بها السراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩]. وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره، فإذا

стр. 482

استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له. وأشبه الأشياء بها امرأة عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر، غدّارة بالأزواج، تزيّنت للخُطّاب بكل زينة، وسترت كل قبيح، فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها، فطلب النكاح، فقالت: لا مهر إلا نقد الآخرة، فإنا ضرّتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح. فآثر الخاطب العاجلة وقال: ما على من واصل حبيبته من جناح، فلما كشف قناعها وحلّ إزارها إذا كل آفة وبليّة، فمنهم من طلّق واستراح، ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصّياح، تاللَّه لقد أذّن مؤذنها على رؤوس الخلائق بحيّ على غير الفلاح، فقام المجتهدون والمصلّون لها فواصلوا في طلبها الغدوّ بالرّواح، وسروا ليلهم فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، طاروا في صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح، فوقعوا في شبكتها فأسلمتهم للذّبّاح. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن شقيق حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: قال ابن عباس: "يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوّه خلقها، فتشرف على الخلائق، فيُقال: تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ باللَّه من معرفة هذه. فيُقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها، بها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثمّ تُقذف في جهنّم فتقول: يا رب أين أتباعي وأشياعي. فيقول اللَّه : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها" (١).

стр. 483

قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن أبي العلاء (١) قال: "رأيت في النوم عجوزًا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا، والناس عكوف عليها متعجّبون ينظرون إليها، فجئت فنظرت فعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها، فقلت لها: ويلك من أنت؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا، قالت: أنا الدنيا. قال: قلت: أعوذ باللَّه من شرّك. قالت: فإن أحببت أن تعاذ من شرّي فأبغض الدرهم" (٢). قال ابن أبي الدنيا: وحدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال لي أبو بكر بن عياش: رأيت الدنيا (٣) عجوزًا مشوّهة شمطاء تصفّق بيديها، وخلفها خلق يتبعونها ويصفّقون ويرقصون، فلما كانت بحذائي أقبلت عليّ فقالت: لو ظفرتُ بك صنعت بك ما صنعتُ بهؤلاء. ثم بكى أبو بكر (٤).

стр. 484

قال: وحدثنا محمد بن على حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل قال: "بلغني أن رجلًا عُرج بروحه، قال: فإذا بامرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحليّ والثياب، وإذا هي لا يمرّ بها أحد إلا جرحته، وإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس، وإذا أقبلت أقبح شيء: عجوزًا شمطاء زرقاء عمشاء، فقلت: أعوذ باللَّه. قالت: لا واللَّه، لا يُعيذك اللَّه حتى تبغض الدرهم. قال: قلت: من أنتِ؟ قالت: أنا الدنيا" (١). ووصف عليٌّ ﵁ الدنيا فقال: "دارٌ من صحّ فيها أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن (٢)، في حلالها الحساب، وفي حرامها النار" (٣). وقال ابن مسعود: "الدنيا دارُ من لا دارَ له، ومالُ من لا مالَ له، ولها يَجمع من لا عقل له (٤) " (٥).

стр. 485

وذكر ابن أبي الدنيا: أن الحسن كتب إلى عمر بن عبد العزيز: "أما بعد: فإن الدنيا دارُ ظعن ليست بدار إقامة، وإنما نزل آدم إليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها. لها في كل حين قتيل، تذل من أعزّها، وتفقر من جمعها. وهي كالسمّ أكلَه من لا يعرفه [ليشفيه] (١) وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحاته يحتمي قليلًا مخافة (٢) ما يكره طويلًا، ويصبر على شدّة الدواء مخافة طول البلاء. فاحذر هذه الدار الغرّارة الختّالة الخدّاعة التي قد تزيّنت بخدعها وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوّفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوّة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأول (٣) مزدجر، والعارف باللَّه تعالى حين أخبره عنها مدكر. فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى، ونسي المعاد، فشغل فيها لبّه، حتى زلّت عنها قدمه، فعظمت ندامته، وكبرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت ونغصه، فذهب منها بكمده ولم يدرك ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين. وأسرّ ما تكون فيها أَحْذَر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا

стр. 486

كما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، السّارّ فيها غدًا ضارٌّ، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن. لا يرجع منها إلى ما ولّى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد. فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرًا، ولم يضرب لها مثلًا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبّهت الغافل، فكيف وقد جاء من اللَّه عنها زاجر، وفيها واعظ، فما لها عند اللَّه قدر ولا وزن، وما نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها لا تنقصه عند اللَّه جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقُه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختبارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا، فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع اللَّه بمحمد ﷺ حين شدّ الحجر من بطنه" (١). وقال الحسن أيضًا: "ابن آدم لا تعلِّق قلبك بالدنيا، فتعلِّقه بشرّ معلَّق، قطّع حبالها، وغلّق أبوابها، حسبك يا ابن آدم منها ما يبلغك المحل" (٢). وكان يقول: "إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها، هيهات هيهات ذهبت الدنيا، وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق! " (٣).

стр. 487

وقال المسيح: "لا تتخذوا الدنيا ربًّا فتتخذكم الدنيا عبيدًا. اعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزنًا طويلًا. ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبُه منها بثلاث: شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وأمل لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبة مطلوبة، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه. يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا" (١). وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبد اللَّه حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار قال: قال أبو هريرة: "الدنيا موقوفة (٢) ما بين

стр. 488

السماء والأرض منذ خلقها إلى يوم يفنيها، تنادي ربها: يا رب لم تبغضني؟ فيقول: اسكتي يا لا شيء، اسكتي يا لا شيء" (١). وقال الفضيل: "تجيء الدنيا يوم القيامة تتبختر في زينتها ونضرتها، فتقول: يا رب اجعلني لأحسن عبادك دارًا، فيقول: لا أرضاك له، أنت لا شيء فكوني هباء منثورًا" (٢).

стр. 489

فصل في ذكر أمثلة تبيّن حقيقة الدنيا المثال الأول: للعبد ثلاثة أحوال: حالة لم يكن فيها شيئًا، وهي ما قبل أن يوجد. وحالة أخرى وهي من ساعة موته إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمد، فلنفسه وجود بعد خروجها من البدن: إما في الجنة، وإما في النار، ثم تعاد إلى بدنه فيجازى بعمله، ويسكن إحدى الدارين في خلود دائم. ثم بين هاتين الحالتين -وهي ما قبل وجوده وما بعد موته- حالة متوسطة وهي أيام حياته في الدنيا فلينظر (١) إلى مقدار زمانها وانسبه إلى الحالتين تعلم أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا. ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبالِ كيف تقضت أيامه فيها في ضرّ وضيق أو سعة ورفاهية. ولهذا لم يضع رسول اللَّه ﷺ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وقال: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظلّ شجرة ثم راح وتركها" (٢). وقال: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع" (٣).

стр. 490

وإلى هذا أشار المسيح بقوله: "الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها" (١). وهذا مثل صحيح؛ فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخرها، ومن الناس من قد قطع نصف القنطرة، ومنهم من قد قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبقَ له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيف ما كان فلا بد من العبور، فمن وقف يبني على القنطرة ويزيّنها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور، فهو في غاية الجهل والحمق. فصل المثال الثاني: شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنّتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها. وكما أن الأطعمة كما كانت ألذّ طعمًا وأكثر دسمًا وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذّ وأقوى فالتّأذّي بها عند الموت أشد، كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب. وفي "المسند" أن النبي ﷺ قال للضحاك بن سفيان: "ألست تُؤتى بطعامك وقد مُلِّح وقُزِّح ثم تشرب عليه اللّبن والماء؟! " قال: بلى، قال: "فإلامَ يصير؟ " قال: إلى ما قد علمت. قال: "فإن اللَّه ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم" (٢).

стр. 491

وكان بعض السلف يقول لأصحابه: "انطلقوا حتى أريكم الدنيا. فيذهب بهم إلى مزبلة، فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم" (١). فصل المثال الثالث لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة، وما يعقبهم من الحسرات. مثَلُ أهلها في غفلتهم مَثَلُ قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاّح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء وخوّفهم مرور السفينة، فتفرّقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده.

стр. 492

وتوقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها (١) العجيبة، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدّثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها، فرجع فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا فجلس فيه. وأكبّ بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة فحمل منها حِمْلَه، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانًا ضيّقًا، وزاده ما حَمَلَه ضيقًا، فصار محموله ثقلًا عليه ووبالًا، ولم يقدر على نبذه، بل لم يجد من حمله بدًّا ولم يجد له في السفينة موضعًا، فحمله على عنقه وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار وتغيّرت رائحتها وآذاه نتنها. وتولّج بعضهم في تلك الغياض (٢) ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى إن الملّاح نادى بالناس عند دفع السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشمّ تلك الأنوار، وتارة يُعجب من حسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، غير منفك من شوك يتشبّث بثيابه ويدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو عوسج (٣) يخرق ثيابه ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزعه. ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبقَ فيها موضع فمات على الساحل، ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيّات، ومنهم

стр. 493

من تاه فهام على وجهه حتى هلك. فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وما أقبح بالعاقل أن تغرّه أحجار ونبات يصير هشيمًا قد شغل باله وعوّقه عن نجاته ولم يصحبه. فصل المثال الرابع لاغترار الناس بالدنيا وضعف إيمانهم بالآخرة. قال ابن أبي الدنيا: أنبأنا إسحاق بن إسماعيل أنبأنا روح بن عبادة حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه: "إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا، كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء (١)، حتى إذا لم (٢) يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي، أنفدوا الزّاد وحَسَروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حَمُولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء علامَ أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتكم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر، ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئًا. قال: عهودكم ومواثيقكم باللَّه، قال: فأعطوه عهودهم ومواثيقهم باللَّه لا يعصونه شيئًا، قال: فأوردهم ماء ورياضًا

стр. 494

خضراء، قال: فمكث فيهم ما شاء اللَّه، ثم قال: يا هؤلاء الرحيل. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم. قال: فقال جُلُّ القوم وهم أكثرهم: واللَّه ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا؟! قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم باللَّه لا تعصونه شيئًا، وقد صدقكم في أول حديثه، فواللَّه ليصدقنكم في آخره، قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فبَدَرهم عدو، فأصبحوا بين أسير وقتيل" (١). فصل المثال الخامس للدنيا وأهلها. ما مثلها به النبي ﷺ كظل شجرة، والمرء مسافر فيها إلى اللَّه، فاستظلّ في ظلّ تلك الشجرة في يوم صائف ثم راح وتركها (٢). فتأمل حسن هذا المثل ومطابقته للواقع سواء، فإنها في خضرتها كالشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظلّ، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارًا ولا يتخذها قرارًا، بل يستظلّ بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.

стр. 495

فصل المثال السادس: تمثيله لها ﷺ بمدخل إصبعه في اليمّ (١)، فالذي يرجع به إصبعه من البحر، هو مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة. وهذا أيضًا من أحسن الأمثال؛ فإن الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور، بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلًا، وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة فني الخردل، والآخرة لا تفنى، فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل. ولهذا لو أن البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام اللَّه، لنفدت الأبحر والأقلام ولم تنفد كلمات اللَّه؛ لأنها لا بداية لها ولا نهاية، والأبحر والأقلام متناهية (٢). قال الإمام أحمد وغيره: "لم يزل اللَّه متكلمًا إذا شاء" (٣). وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته فلا يكون إلا كاملًا، والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وهو سبحانه لا يلحقه كلال ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته، فكلماته هي التي وُجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته
следующие страницы →