← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فصْلٌ وأمَّا الاستدلال بالسُّنَّة على ذلك، فمن وجوه: الدَّليل الأوَّل: ما رواه مسلمٌ في "صحيحه" (١) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرَّجل وبين الكفر (٢) ترك الصَّلاة". ورواه أهل "السُّنن" (٣)، وصحَّحه الترمذي (٤). الدَّليل الثَّاني: ما رواه بُرَيدة بن الحُصَيب (٥) الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العَهْد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَنْ تَرَكها فقد كفر". رواه الإمام أحمد (٦)، وأهل "السُّنن" (٧). وقال الترمذي: "حديثٌ صحيحٌ" (٨). وإسنادُه على شرط مسلم.

стр. 107

الدَّليل الثَّالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصَّلاة؛ فإذا تركها فقد أشرك". رواه هبة الله الطَّبري (١)، وقال: "إسنادُه صحيحٌ، على شرط مسلم". الدَّليل الرَّابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه ذكر الصَّلاة يومًا، فقال: "مَنْ حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ ابن خلف"، رواه الإمام أحمد (٢) في "مسنده" (٣)، وأبوحاتم ابن حبَّان في "صحيحه" (٤).

стр. 108

وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر لأنَّهم من رؤوس الكفرة. وفيه نكتةٌ بديعة، وهي (١): أنَّ تارك المحافظة على الصَّلاة إمَّا أنْ يشغله (٢) ماله، أو ملكه، أو رياسته، أوتجارته؛ فمَنْ شَغَلَه عنها مالُه فهو مع قارون، ومن شَغَلَه عنها ملكُه (٣) فهو مع فرعون، ومن شَغَلَه عنها رياستُه ـ من وزارةٍ أوغيرها ـ (٤) فهو مع هامان (٥)، ومن شَغَلَه عنها تجارتُه فهو مع أُبَيِّ بن خلف. الدَّليل الخامس: ما رواه عُبادة بن الصَّامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: "لا تُشْركُوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصَّلاة عمدًا (٦)؛ فمن تركها عمدًا متعمِّدًا فقد خَرَج من (٧) المِلَّة". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سُنَنه" (٨).

стр. 109

الدَّليل السَّادس: ما رواه معاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد برِئَت منه ذِمَّة الله". رواه الإمام أحمد (١).

стр. 110

ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذِمَّة الإسلام. الدَّليل السَّابع: ما رواه أبو الدَّرداء قال: "أوصاني أبوالقاسم ﷺ أنْ لا أترك الصَّلاة متعمِّدًا، فمَن تركها متعمِّدًا فقد برِئَت منه الذِّمَّة". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "سننه" (١). الدَّليل الثَّامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة". وهو حديثٌ صحيحٌ، مختصرٌ (٢). ووجه الاستدلال به: أنَّه أخبر أنَّ الصَّلاة من الإسلام بمنزلة العمود

стр. 111

الذي تقوم عليه الخيمة؛ فكما تسقط الخيمة بسقوط (١) عمودها، فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصَّلاة، وقد احتجَّ أحمد بهذا بعينه. الدَّليل التَّاسع: ما في "الصَّحِيحَين" (٢)، و"السُّنن" (٣)، و"المسانيد" (٤)، من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنِي الإسلام على خمسٍ؛ شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" (٥). ورواه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه: "الإسلام خمسٌ" (٦)، فذكره. ووجه الاستدلال به من وجوه: أحدها: أنَّه جعل الإسلام كالقُبَّة المبنيَّة على خمسة أركان، فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قُبَّة الإسلام. الثَّاني: أنَّه جعل هذه الأركان في كونها أركانًا لقُبَّة الإسلام قرينة

стр. 112

الشهادتين؛ فهما ركنٌ، والصَّلاة ركنٌ، والزَّكاة ركنٌ (١)؛ فما بال قبَّة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد (٢) أركانها دون بقيَّة أركانها! الثَّالث: أنَّه جعل هذه الأركان نفس الإسلام، وداخلة في مسمَّى اسمه (٣)، وما كان اسمًا لمجموع أمورٍ إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمَّى، ولا سيَّما إذا كان من أركانه، لا من أجزائه التي ليست بركنٍ (٤) له، كالحائط للبيت؛ فإنَّه إذا سقط سقط البيت، بخلاف العُود والخشبة واللَّبِنَة ونحوها. الدَّليل العاشر: عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ (٥): "مَنْ صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المُسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا" (٦).

стр. 113

ووجه الدلالة فيه من وجهين: أحدهما: أنَّه إنَّما جعله مسلمًا بهذه الثَّلاثة (١)، فلا يكون مسلمًا بدونها. الثَّاني: أنَّه إذا صلَّى إلى الشَّرق لم يكن مسلمًا حتى يصلِّي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصَّلاة بالكلِّيَّة! الدَّليل الحادي عشر: ما رواه الدَّارمي ـ عبد الله بن عبد الرحمن ـ (٢) قال (٣): حدثنا يحيى بن حسَّان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى

стр. 114

القتَّات (١) عن مجاهد عن جابر بن عبد الله عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مفتاح الجنَّة الصلاة". وهذا يدلُّ على أنَّ من لم يكن من أهل الصَّلاة لم تفتح له الجنَّة، وهي تفتح لكُلِّ مسلمٍ؛ فليس تاركها مسلمًا. ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر؛ وهو قوله: "مفتاح الجنَّة شهادة أنْ لا إله إلَّا الله" (٢)؛ فإنَّ الشَّهادة أصل المفتاح، والصَّلاة وبقيَّة الأركان أسنانه، التي لا يحصل الفتح إلَّا بها؛ إذْ دخول الجنَّة (٣) موقوفٌ على المفتاح وأسنانه. وقال البخاريُّ: "وقيل لوهب بن منبِّه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلَّا وله أسنان، فإنْ جِئْت بمفتاحٍ له

стр. 115

أسنان فتح لك، وإلَّا لم يفتح لك (١) " (٢). الدَّليل الثَّاني عشر: ما رواه محجن بن الأدْرَع الأسلمي (٣): أنَّه كان في مجلسٍ مع النَّبيِّ ﷺ ، فأذَّن بالصَّلاة، فقام النَّبيُّ ﷺ فصلَّى (٤)، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له: ما منعك أن تصلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟ قال: بلى؛ ولكنِّي صلَّيت في أهلي، فقال له: "إذا جِئْتَ فَصَلِّ مع الناس وإن كنت قد صَلَّيْت". رواه الإمام أحمد، والنسائي (٥).

стр. 116

فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصَّلاة. وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث: "إنَّك لو كنت مسلمًا لصلَّيْت". وهذا كما تقول: مالك لا تتكلَّم؟ ألستَ بناطقٍ! ومالك لا تتحرَّك؟ ألستَ بحيٍّ (١)! ولو كان الإسلام يثْبُت مع عدم الصَّلاة لما قال لمن رآه لا يصلِّي: "أَلَسْت برجلٍ مسلمٍ". فصْلٌ وأمَّا إجماع الصَّحابة فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله (٢) بن عبد الله بن عتبة أنَّ عبد الله بن عباس أخبره: أنَّه جاء عمر بن الخطاب حين (٣) طُعِن في المسجد، قال: فاحتملْتُهُ أنا ورهطٌ كانوا معي في المسجد (٤)، حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبدَ الرحمن بن عوف أنْ يصلِّي بالناس، قال: فلمَّا دخلنا على عمر بيته غُشِي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلَّى النَّاس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: "لا إسلام لمن ترك الصَّلاة". وفي سياقٍ آخر: "لا حظَّ في

стр. 117

الإسلام لمن ترك الصَّلاة"، ثم دعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ وصلَّى. وذكر القصَّة (١). فقال هذا بمحضرٍ من الصَّحابة، ولم ينكروه عليه. وقد تقدَّم مثل (٢) ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يُعلَم عن صحابيٍّ خلافهم. وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي ﵀ في كتابه في الصَّلاة: "ذهب جملةٌ من الصَّحابة ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصَّلاة متعمدًا؛ لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدَّرداء ﵃، وكذلك رُوِي عن علي بن أبي طالب (٣)، هؤلاء من الصَّحابة. ومِن غيرهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن

стр. 118

المبارك، وإبراهيم النَّخعي، والحكم بن عُتيبة (١)، وأيوب السِّختياني، وأبوداود الطيالسي، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوخيثمة زهير بن حرب" (٢). قال المانعون من التَّكفير: يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النِّعمة، دون كفر (٣) الجُحود؛ كقوله ﷺ : "من تعلَّم الرَّمي ثم تركه (٤) فهي نعمةٌ كَفَرَها" (٥)، وقوله: "لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنَّه كُفْرٌ

стр. 119

بكم" (١)، وقوله: "تبرؤٌ من نسبٍ وإنْ دقَّ (٢) كُفْرٌ بعد إيمانٍ" (٣)، وقوله: "سِباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ" (٤)، وقوله: "من أتى امرأةً في دُبُرها فقد كَفَر بما أُنزل على محمَّد" (٥)، وقوله: "مَنْ حَلَف بغير الله فقد كَفَر".

стр. 120

رواه الحاكم في "صحيحه" بهذا اللَّفظ (١)، وقوله: "ثنتان في أُمَّتي هما بهم كفرٌ؛ الطَّعن في الأنساب، والنِّياحة على الميِّت" (٢). ونظائر ذلك كثيرةٌ. قالوا: وقد نفى النَّبيُّ ﷺ اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر، والمنتهِب، ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النَّار؛ فكذلك كفر تارك الصلاة، ليس بكفر جُحُودٍ، ولا يوجب التَّخليد في الجحيم. وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له" (٣). فنَفَى عنه الإيمان،

стр. 121

ولا يوجب ترك أداء الأمانة أنْ يكون كافرًا كُفْرًا ينقل عن المِلَّة. وقد قال ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤]: "ليس بالكفر الذي يذهبون (١) إليه" (٢). وقال طاووس: سُئِل ابن عبَّاس عن هذه الآية فقال: "هو به كفرٌ، وليس كمَنْ كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله" (٣). وقال أيضًا: "كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة" (٤). وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاءٍ: "كُفرٌ دون

стр. 122

كُفْرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفِسقٌ دون فسقٍ (١). فصْلٌ في الحُكم بين الفريقين وفصْل الخِطاب بين الطَّائفتين معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصحُّ النَّفي والإثبات بعد ذلك؛ فالكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر.

стр. 123

ولمَّا كان الإيمان أصلًا (١)، له شعبٌ متعدِّدةٌ، وكُلُّ شعبةٍ منها (٢) تُسَمَّى إيمانًا، فالصَّلاة من الإيمان، وكذلك الزَّكاة، والحج، والصِّيام، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكُّل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتَّى تنتهي هذه الشُّعَب إلى إماطة الأذى عن الطَّريق؛ فإنَّه شعبةٌ (٣) من شعب الإيمان. وهذه الشُّعَب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشُعْبة الشَّهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطَّريق، وبينهما شُعَبٌ متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا؛ منها ما يلحق شُعْبة الشَّهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق شعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر ذو أصلٍ وشُعَبٍ، فكما أنَّ شُعَب الإيمان إيمانٌ (٤) فشُعَب الكفر كفرٌ؛ فالحياء شُعْبةٌ من شُعَب الإيمان (٥)، وقِلَّة الحياء شُعْبةٌ من شعب الكفر. والصِّدْق شعبةٌ من شعب الإيمان، والكذب شعبةٌ من شعب الكفر (٦). والصَّلاة والزَّكاة والحج والصِّيام من شعب

стр. 124

الإيمان، وتركها من شعب الكفر. والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر. والمعاصي كُلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلَّها من شعب الإيمان. وشعب الإيمان قِسْمان: قوليَّة، وفعليَّة. وكذلك شعب الكفر نوعان: قوليَّة، وفعليَّة. ومن شعب الإيمان القوليَّة شعبةٌ يوجب (١) زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شُعَبِه (٢) الفِعليَّة ما يوجب زوالها زوال الإيمان. وكذلك شعب الكفر القوليَّة والفعليَّة؛ فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكُفْر اختيارًا ـ وهي شُعْبَةٌ من شعب الكفر ـ فكذلك يكفر بفعل شُعْبةٍ من شُعَبِه، كالسُّجود للصَّنَم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصلٌ. وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ. والقول قِسْمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللِّسان، وهو التكلُّم بكلمة الإسلام. والعمل قِسْمان: عمل القلب، وهو نيَّتُه وإخلاصه. وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقيَّة الأجزاء؛ فإنَّ تصديق القلب شرطٌ

стр. 125

في اعتقادها، وكونها (١) نافعة. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السُّنَّة. فأهل السُّنَّة مجمعون على زوال الإيمان، وأنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاء عمل القلب، وهومحبَّته وانقياده؛ كما لم ينفع (٢) إبليس، وفرعون وقومه، واليهود، والمشركين (٣) الذين كانوا يعتقدون صِدق الرسول؛ بل ويُقِرُّون به سِرًّا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذِبٍ، ولكن لا نتَّبِعه ولا نؤمن به. وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكرٍ أنْ يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح؛ ولا سيَّما إذا كان ملزُوْمًا لعدم محبَّة القلب وانقياده؛ الذي هو ملزُوْمٌ لعدم (٤) التَّصديق الجازم، كما تقدَّم تقريره. فإنَّه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ إذْ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت. ويلزم من عدم طاعة القلب (٥) وانقياده عدم التَّصديق المستلزم للطَّاعة، وهو حقيقة الإيمان؛ فإنَّ

стр. 126

الإيمان ليس مجرَّد (١) التَّصديق ـ كما تقدَّم بيانه ـ وإنَّما هو التَّصديق المستلزم للطَّاعة والانقياد. وهكذا الهُدَى ليس هو مجرَّد (٢) معرفة الحق وتبيُّنه (٣)؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه، والعمل بموجبه، وإنْ سُمِّيَ الأول هُدًى فليس هو الهُدى التَّام المستلزم للاهتداء. كما أنَّ اعتقاد التَّصْديق وإنْ سُمِّيَ تصْديقًا فليس هو التَّصديق المستلزم للإيمان. فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته. فصْلٌ وههنا أصلٌ آخر، وهو أنَّ الكفر نوعان، كفر عملٍ، وكفر جحودٍ وعنادٍ؛ فكفر الجحود: أنْ يكفر بما عَلِم أنَّ الرَّسول جاء به من عند الله، جُحُودًا وعنادًا، من أسماء الرَّب وصفاته وأفعاله وأحكامه. وهذا الكفر يضادُّ الإيمان من كُلِّ وجهٍ. وأمَّا كفر العمل: فينقسم إلى ما يضادُّ الإيمان، وإلى ما لا يضادُّه.

стр. 127

فالسُّجُود (١) للصَّنَم، والاستهانة بالمصْحف، وقتل النَّبيِّ وسبُّه يضادُّ الإيمان. وأمَّا الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصَّلاة فهو من الكفر العملي قطعًا. ولا يمكن أن يُنْفَى عنه اسم الكفر، بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه. فالحاكم بغير ما أنزل الله كافِرٌ، وتارك الصلاة كافِرٌ، بنصِّ رسول الله ﷺ ؛ ولكن هو كُفْرُ عمل، لا كفر اعتقادٍ. ومن الممتنع أنْ يسمِّي الله سبحانه الحاكم (٢) بغير ما أنزل الله كافِرًا، ويُسَمِّي رسول الله (٣) ﷺ تارك الصلاة كافِرًا، ولا يُطْلَق عليهما اسم الكفر! وقد نفى رسول الله ﷺ (٤) اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر (٥)، وعمَّن لا يأْمَنُ جارُه بوائقَه (٦). وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافرٌ من جهة العَمَل، وإنْ انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد. وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرِب بعضُكم رقاب

стр. 128

بعض" (١)؛ فهذا كفر عملٍ. وكذلك قوله: "من أتى كاهِنًا فصدَّقه، أوامرأةً في دُبُرها فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ" (٢). وقوله: " إذا قال الرَّجل لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما" (٣). وقد سمَّى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ (٤) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ (٥) وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ

стр. 129

الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة/٨٤ - ٨٥]. فأخبر سبحانه أنَّهم أقرُّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموا به. وهذا يدلُّ على تصديقهم به؛ أنَّهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثمَّ أخبر (١) أنَّهم عصوا أمره، وقتل فريقٌ منهم فريقًا، وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كُفْرُهم بما أَخَذَ عليهم في الكتاب. ثمَّ أخبر أنَّهم يفدون مَنْ أُسِر من ذلك الفريق، وهذا إيمانٌ منهم بما (٢) أَخَذَ عليهم في الكتاب؛ فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي يضادُّه (٣) الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي. وقد أعلن النَّبيُّ ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصَّحيح: "سباب المسلم فُسُوقٌ وقتاله كفرٌ" (٤). ففرَّق بين سِبَابِه وقتالِه (٥)، وجعل أحدَهما فُسُوقًا لا يكفر به، والآخر كفرًا.

стр. 130

ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما لم يخرج الزَّاني والسَّارق (١) والشَّارب من المِلَّة، وإنْ زال عنه اسم الإيمان. وهذا التَّفصيل هو قول الصَّحابة، الذين هم أعلم الأُمَّة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما (٢)؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائل إلَّا عنهم. فإنَّ المتأخِّرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من المِلَّة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النَّار. وفريقًا جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السُّنَّة للطَّريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل. فههنا كُفْرٌ دون كُفْرٍ، ونِفاقٌ دون نِفاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ (٣)، وظُلمٌ دون ظُلمٍ. قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

стр. 131

[المائدة/٤٤]: "ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه (١) " (٢). وقال عبد الرزَّاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سُئِل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤] قال: "هو بهم كُفْرٌ، وليس كَمَن كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله" (٣). وقال في روايةٍ أخرى عنه: "كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة" (٤). وقال طاووس: "ليس بكُفْرٍ ينقل عن المِلَّة" (٥). وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاءٍ: "كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ" (٦). وهذا الذي قاله عطاء بيِّنٌ في القرآن لمن فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافِرًا، وسمَّى (٧) جاحِد ما أنزله على رسوله كافرًا. وليس الكافران على حَدٍّ سواء.

стр. 132

وسمَّى الكافر ظالمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة/٢٥٤]. وسمَّى متعدِّي حدوده في النِّكاح، والطَّلاق، والرَّجعة، والخُلْع ظالمًا؛ فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق/١]. وقال يونس رسوله ونبيُّه (١): ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء/٨٧]. وقال صفيُّه آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢)﴾ [الأعراف/٢٣]. وقال كليمُه موسى (٣): ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص/١٦]. وليس هذا الظُّلم مثل ذلك الظُّلم. وسمَّى الكافر فاسقًا؛ كما في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية [البقرة/٢٦ - ٢٧]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة/٩٩]. وهذا كثيرٌ في القرآن. وسمَّى المؤمن العاصي فاسقًا؛ كما (٤) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 133

آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات/٦]، الآية. نزلت في الحكم بن أبي العاص، وليس الفاسق كالفاسق. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور/٤]. وقال عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف/٥٠]. وقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (١)﴾ [البقرة/١٩٧]. وليس الفُسُوق كالفسوق. والكُفر كُفْران، والظُّلْم ظُلْمان، والفِسْق فِسْقان. وكذا (٢) الجَهْل جهلان؛ جهْلٌ كُفْرٌ، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف/١٩٩]. وجهْلٌ غيرُ كُفْرٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء/١٧]. وكذلك الشِّرْك شِركان؛ شركٌ ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأكبر. وشركٌ لا ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأصغر، وهو شرك العمل، كالرِّياء.

стр. 134

وقال تعالى في الشِّرك الأكبر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة/٧٢]، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج/٣١]. وفي شِرك الرِّياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف/١١٠]. ومن هذا (١) الشِّرك الأصغر: قوله ﷺ : "من حَلَف بغير الله فقد أشرك"، رواه أبوداود وغيره (٢) (٣). ومعلومٌ أنَّ حلفه بغير الله لا يخرجُه عن (٤) المِلَّة، ولا يوجب له حكم الكفَّار. ومن هذا قوله ﷺ : "الشِّرْك في هذه الأمة أخفى من دَبِيْب النَّمل" (٥).

стр. 135

فانظر كيف انقسم الشِّرك، والكُفر، والفُسُوق، والظُّلم، والجَهْل، إلى ما هو كفرٌ ينقل عن المِلَّة، وإلى ما لا ينقل عنها. وكذلك النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ. فنفاق الاعْتِقاد هو الذي أنكره (١) الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم به الدَّرْك الأسفل من النَّار. ونفاق العَمَل، كقوله ﷺ في الحديث الصَّحيح: "آية المنافق ثلاثٌ؛ إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِن خان" (٢). وفي الصَّحيح أيضًا: "أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خِصلةٌ منهُنَّ كانت فيه خِصلةٌ من النِّفاق حتى يَدَعها؛ إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتُمِن خان" (٣). فهذا نفاق عملٍ، قد يجتمع مع أصْل الإيمان (٤)، ولكن إذا استحكم

стр. 136

وكمل فقد ينسلخ صاحبُه عن الإسلام بالكُلِّيَّة، وإنْ صلَّى وصام وزَعَم أنَّه مسلمٌ؛ فإنَّ الإيمان ينْهَى المؤمن عن هذه الخِلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له عذرٌ (١) ما ينهاه عن شيءٍ منها فهذا لايكون إلَّا منافقًا خالصًا. وكلام الإمام أحمد يدلُّ على هذا، فإنَّ إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجِي (٢) قال: "سألتُ أحمد بن حنبل عن المُصِرِّ على الكبائر؛ يطلُبُهَا بجهدِه، إلَّا أنَّه لم يترك الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم، هل يكون مُصِرًّا مَنْ كانت هذه حاله؟ قال: هو مُصِرٌّ، مثل قوله ﷺ : "لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ"، يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام. ونحو قوله: "لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرق حين يَسْرق وهو مؤمنٌ" (٣). ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤].

стр. 137

قال إسماعيل: فقلتُ له: ما هذا الكفر؟ قال: كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة. مثل الإيمان، بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمرٌ لا يُخْتَلَفُ فيه" (١). فصْلٌ وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ. وهذا من أعظم أصول أهل السُّنة. وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع؛ كالخوارج، والمعتزلة، والقدريَّة. ومسألة خروج أهل الكبائر من النَّار، وتخليدهم فيها مبنيَّةٌ على هذا الأصل. وقد دلَّ عليه (٢) القرآن، والسُّنَّة، والفِطْرة، وإجماع الصَّحابة. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف/١٠٦]. فأثْبَت لهم إيمانًا به سبحانه مع الشِّرك. وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات/١٤]. فأثْبَت لهم إسلامًا، وطاعةً لله ورسوله، مع

стр. 138

نفي الإيمان عنهم؛ وهو الإيمان المطلق الذي يستحقُّ اسمه بمطلقه الذين: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات/١٥]. وهؤلاء ليسوا منافقين في أصحِّ القولين؛ بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله. وليسوا بمؤمنين، وإنْ كان معهم جزءٌ من الإيمان أخرجهم من الكفر. قال الإمام أحمد (١): من أتى هذه الأربعة أومثلهنَّ، أوفوقهنَّ ـ يريدُ الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر، والانتهاب ـ فهو مسلمٌ، ولا أسمِّيه مؤمنًا، ومَن أتَى دون ذلك ــ يريد: دون الكبائر ـ سمَّيتُه مؤمنًا (٢) ناقص الإيمان. وقد دلَّ على هذا قوله ﷺ : "فمن كانت فيه خَصْلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق" (٣)؛ فدلَّ على أنَّه يجتمع في الرجل نفاقٌ وإسلامٌ. وكذلك الرِّياء شركٌ، فإذا راءَى الرجل في شيءٍ من عمله اجتمع فيه الشِّرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سمَّاه رسول الله ﷺ كفرًا ـ وهو ملتزمٌ للإسلام وشرائعه ـ فقد قام به كفرٌ وإسلامٌ.

стр. 139

وقد بيَّنَّا أنَّ المعاصي كُلَّها شُعبٌ من شُعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلها شُعبٌ من شُعب الإيمان. فالعبد تقوم (١) به شعبةٌ أوأكثر من شُعب الإيمان، وتقوم به شُعبةٌ أوأكثر من شُعب الكفر (٢)، وقد يُسمَّى بتلك (٣) الشُّعب مؤمنًا، وقد لا يُسمَّى، كما أنَّه قد يُسمَّى بشُعب الكفر كافرًا، وقد لا يُطْلق عليه هذا الاسم. فههنا أمران: أمرٌ اسميٌّ لفظيٌّ، وأمرٌ معنويٌّ حكميٌّ. فالمعنويُّ: هل هذه الخِصْلة كفرٌ أم لا؟ واللَّفظيُّ: هل يُسَمَّى مَن قامت به كافرًا أم لا؟ فالأمر الأول شرعيٌّ محضٌ، والثَّاني لغويٌّ وشرعيٌّ. فصْلٌ وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّه لا يلزم مِن قيام شُعبةٍ من شُعب الإيمان بالعبد أنْ يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعبةٍ من شُعب الكفر به أنْ يُسمَّى كافرًا، وإنْ كان ما قام به كفرًا. كما أنَّه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم به أنْ يُسمَّى عالمًا، ولا

стр. 140

مِنْ معرفته (١) بعضَ مسائل الفقه والطِّب أنْ يُسمَّى فقهيًا ولا طبيبًا. ولا يمتنع ذلك؛ أنْ تُسمَّى (٢) شُعبة الإيمان إيمانًا، وشُعبة النِّفاق نفاقًا، وشُعبة الكفر كفرًا. وقد يطلق (٣) عليه الفعل؛ كقوله: "فمن تركها فقد كفر" (٤)، (٥) وقوله: "من أتى كاهنًا فصدَّقَه بما يقول فقد كفر، ومن حَلَف بغير الله فقد كفر". رواه الحاكم في "صحيحه" بهذا اللَّفظ (٦). فمَنْ صَدَر منه خُلَّةٌ من خِلال الكفر فلا يستحقُّ اسم كافرٍ على الإطلاق. وكذا يقال لمن ارتكب محرَّمًا: إنَّه فعل فُسُوقًا، وإنَّه (٧) فسق بذلك المحرَّم، ولا يلزمه اسم فاسقٍ، إلَّا بغلبة ذلك عليه. وهكذا الزَّاني، والسَّارق، والشَّارب، والمنتهب، لا يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان معه إيمانٌ. كما أنَّه لا يُسمَّى كافِرًا، وإنْ كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه؛ إذْ المعاصي كلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطاعات كلَّها من شعب الإيمان.

стр. 141

والمقصودُ: أنَّ سلْبَ اسم الإيمان (١) عن تارك الصَّلاة أولى من سلْبِه عن مرتكب الكبائر، وسلْب اسم الإسلام (٢) عنه أولى من سلْبِه عمَّن لم يسلَم المسلمون من لسانه ويده. فلا يُسمَّى تارك الصَّلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، وإنْ كان معه شُعْبة من شعب الإسلام والإيمان. يبقى (٣) أنْ يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النَّار؟ فيُقال: ينفعه إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي واعتباره، وإنْ كان (٤) المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه؛ ولهذا لا (٥) ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنَّه لا إله إلَّا هو مَنْ أنكر رسالة محمَّدٍ ﷺ ، ولا تنفع الصَّلاة مَنْ (٦) صلَّاها عمدًا بغير وضوء. فشعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك. فيبقى النَّظر في الصلاة، هل هي شرطٌ لصحَّة الإيمان؟ هذا سِرُّ المسألة.

стр. 142

والأدلَّة التي ذكرناها وغيرها تدلُّ (١) على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه. ومُحالٌ بقاء الرِّبح بلا رأس مالٍ، فإذا خسرها خسر أعماله كلَّها، وإنْ أتى بها صورةً. وقد أشار إلى هذا في قوله: "وإنْ (٢) ضيَّعها فهو لما سواها أضْيع" (٣)، وفي قوله: "إنَّ أوَّل ما يُنْظَر (٤) في أعماله الصَّلاة؛ فإنْ جازت (٥) له نُظِرَ في سائر أعماله، وإنْ لم تجز له لم يُنْظَر في شيءٍ من أعماله بعدُ" (٦). ومِن العَجب أنْ يقع الشَّكُّ في كفر من أصرَّ على تركها، ودُعِي إلى (٧) فعلها على رؤوس الملأ، وهو يَرى بارقة السَّيف على رأسه، وشُدَّ للقتل، وعُصِبت عيناه، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك؟ = فيقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا! ومَن لا يكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمنٌ، مسلمٌ، يغسَّل، ويصلَّى

стр. 143

عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين. وبعضهم يقول: إنَّه مؤمنٌ، كامل الإيمان، إيمانُه كإيمان جبرئيل (١) وميكائيل! أفلا (٢) يستحي مَنْ هذا قولُهُ من إنكاره (٣) تكفير من شهد بكفره الكتاب والسُّنَّة واتفاق الصَّحابة! والله الموفق. فصْلٌ في سياق أقوال العلماء من التَّابعين ومَنْ بعدهم، في كفر تارك الصَّلاة، ومَنْ حكى الإجماع على ذلك قال محمد بن نصر (٤): حدَّثنا محمد بن يحيى حدَّثنا أبو النُّعمان حدَّثنا حمَّاد بن زيد عن أيوب قال: "ترك الصَّلاة كفرٌ لا يُخْتَلف فيه". وحكى محمد (٥) عن ابن المبارك قال: "من أخَّر صلاةً (٦) حتى يفوت وقتها متعمِّدًا من غير عُذرٍ فقد كفر". وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول:

стр. 144

"من (١) قال: إنِّي لا أصلِّي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار (٢) " (٣). وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إنَّ هؤلاء يقولون: من لم يصُمْ ولم يُصَلِّ بعد أنْ يقرَّ به فهو مؤمنٌ مستكمل الإيمان! فقال عبد الله: "لا نقول نحن كما (٤) يقول هؤلاء. مَنْ تَرَك الصَّلاة متعمِّدًا من غير عِلَّةٍ حتى أدْخَل وقتًا في وقتٍ فهو كافرٌ" (٥). وقال ابن أبي شيبة: "قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ تَرَك الصَّلاة فقد كفر"، فيُقَال له: ارجع عن الكفر، فإنْ فَعَل وإلَّا قُتِل، بعد أنْ يؤجِّله الوالي (٦) ثلاثة أيام" (٧). وقال أحمد بن سيَّار (٨): سمعت صدقة بن الفضل ـ وسُئِل عن تارك

стр. 145

الصَّلاة ـ فقال: كافرٌ. فقال له السَّائل: أتَبِيْنُ منه امرأتُه؟ فقال صدقة: "وأين الكفر من الطَّلاق؟ لو أنَّ رجلًا كفر لم تطلق (١) امرأته! " (٢). قال أبوعبد الله ابن نصر (٣) (٤): سمعت إسحاق يقول: "صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ تارك الصَّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النَّبيِّ ﷺ إلى يومنا هذا؛ أنَّ تارك الصَّلاة عمْدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافرٌ". فصْلٌ وأمَّا المسْألة الخامسة (٥): وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصَّلاة أم لا؟ فقد عُرِف جوابُها ممَّا (٦) تقدَّم، على أنَّا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصها (٧). فنقول: أمَّا تركها بالكليَّة فإنَّه لا يُقْبَل معه عملٌ، كما لا يُقْبَل مع
следующие страницы →