← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمقصودُ: أنَّ سلْبَ اسم الإيمان (١) عن تارك الصَّلاة أولى من سلْبِه عن مرتكب الكبائر، وسلْب اسم الإسلام (٢) عنه أولى من سلْبِه عمَّن لم يسلَم المسلمون من لسانه ويده. فلا يُسمَّى تارك الصَّلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، وإنْ كان معه شُعْبة من شعب الإسلام والإيمان. يبقى (٣) أنْ يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النَّار؟ فيُقال: ينفعه إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي واعتباره، وإنْ كان (٤) المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه؛ ولهذا لا (٥) ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنَّه لا إله إلَّا هو مَنْ أنكر رسالة محمَّدٍ ﷺ ، ولا تنفع الصَّلاة مَنْ (٦) صلَّاها عمدًا بغير وضوء. فشعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك. فيبقى النَّظر في الصلاة، هل هي شرطٌ لصحَّة الإيمان؟ هذا سِرُّ المسألة.

стр. 142

والأدلَّة التي ذكرناها وغيرها تدلُّ (١) على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه. ومُحالٌ بقاء الرِّبح بلا رأس مالٍ، فإذا خسرها خسر أعماله كلَّها، وإنْ أتى بها صورةً. وقد أشار إلى هذا في قوله: "وإنْ (٢) ضيَّعها فهو لما سواها أضْيع" (٣)، وفي قوله: "إنَّ أوَّل ما يُنْظَر (٤) في أعماله الصَّلاة؛ فإنْ جازت (٥) له نُظِرَ في سائر أعماله، وإنْ لم تجز له لم يُنْظَر في شيءٍ من أعماله بعدُ" (٦). ومِن العَجب أنْ يقع الشَّكُّ في كفر من أصرَّ على تركها، ودُعِي إلى (٧) فعلها على رؤوس الملأ، وهو يَرى بارقة السَّيف على رأسه، وشُدَّ للقتل، وعُصِبت عيناه، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك؟ = فيقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا! ومَن لا يكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمنٌ، مسلمٌ، يغسَّل، ويصلَّى

стр. 143

عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين. وبعضهم يقول: إنَّه مؤمنٌ، كامل الإيمان، إيمانُه كإيمان جبرئيل (١) وميكائيل! أفلا (٢) يستحي مَنْ هذا قولُهُ من إنكاره (٣) تكفير من شهد بكفره الكتاب والسُّنَّة واتفاق الصَّحابة! والله الموفق. فصْلٌ في سياق أقوال العلماء من التَّابعين ومَنْ بعدهم، في كفر تارك الصَّلاة، ومَنْ حكى الإجماع على ذلك قال محمد بن نصر (٤): حدَّثنا محمد بن يحيى حدَّثنا أبو النُّعمان حدَّثنا حمَّاد بن زيد عن أيوب قال: "ترك الصَّلاة كفرٌ لا يُخْتَلف فيه". وحكى محمد (٥) عن ابن المبارك قال: "من أخَّر صلاةً (٦) حتى يفوت وقتها متعمِّدًا من غير عُذرٍ فقد كفر". وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول:

стр. 144

"من (١) قال: إنِّي لا أصلِّي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار (٢) " (٣). وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك: إنَّ هؤلاء يقولون: من لم يصُمْ ولم يُصَلِّ بعد أنْ يقرَّ به فهو مؤمنٌ مستكمل الإيمان! فقال عبد الله: "لا نقول نحن كما (٤) يقول هؤلاء. مَنْ تَرَك الصَّلاة متعمِّدًا من غير عِلَّةٍ حتى أدْخَل وقتًا في وقتٍ فهو كافرٌ" (٥). وقال ابن أبي شيبة: "قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ تَرَك الصَّلاة فقد كفر"، فيُقَال له: ارجع عن الكفر، فإنْ فَعَل وإلَّا قُتِل، بعد أنْ يؤجِّله الوالي (٦) ثلاثة أيام" (٧). وقال أحمد بن سيَّار (٨): سمعت صدقة بن الفضل ـ وسُئِل عن تارك

стр. 145

الصَّلاة ـ فقال: كافرٌ. فقال له السَّائل: أتَبِيْنُ منه امرأتُه؟ فقال صدقة: "وأين الكفر من الطَّلاق؟ لو أنَّ رجلًا كفر لم تطلق (١) امرأته! " (٢). قال أبوعبد الله ابن نصر (٣) (٤): سمعت إسحاق يقول: "صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ تارك الصَّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النَّبيِّ ﷺ إلى يومنا هذا؛ أنَّ تارك الصَّلاة عمْدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافرٌ". فصْلٌ وأمَّا المسْألة الخامسة (٥): وهي قوله: هل تحبط الأعمال بترك الصَّلاة أم لا؟ فقد عُرِف جوابُها ممَّا (٦) تقدَّم، على أنَّا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصها (٧). فنقول: أمَّا تركها بالكليَّة فإنَّه لا يُقْبَل معه عملٌ، كما لا يُقْبَل مع

стр. 146

الشِّرك عملٌ؛ فإنَّ الصَّلاة عمود الإسلام كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ (١)، وسائر الشَّرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها، وإذا لم يكن للفُسْطاط عمودٌ لم يُنْتَفع بشيءٍ من أجزائه. فقبول (٢) سائر الأعمال موقوفٌ على قبول الصلاة، فإذا رُدَّت رُدَّت عليه سائر الأعمال. وقد تقدَّم الدَّليل على ذلك (٣). وأمَّا تركها أحيانًا فقد روى البخاري في "صحيحه" (٤)، من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "بكِّرُوا بصلاة العصر؛ فإنَّ مَنْ ترك صلاة العصر فقد حَبِط عملُه" (٥). وقد تكلَّم قومٌ في معنى هذا الحديث، فأَتَوا بما لا حاصل له. قال المهلَّب (٦): معناه: من تركها مضيِّعًا لها، متهاونًا بفضل وقتها، مع قدرته على أدائها حَبِط عمله في الصَّلاة خاصَّة. أي: لا يحصل له أجر المصلِّي في وقتها، ولا يكون له عملٌ ترفعه الملائكة.

стр. 147

وحاصل هذا القول: أنَّ مَن تركها فاته أجرُها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك، ويفيد (١) حُبُوط عملٍ قد ثَبَت وفُعِل، وهذا حقيقة الحُبُوط في اللُّغة والشَّرع. ولا يُقَال لمن فاتَه ثواب عمَلٍ من الأعمال: إنَّه قد حبِط عملُه، وإنَّما يُقَال: فاتَه أجر ذلك العمل. وقالت طائفةٌ: يحبط (٢) عمل ذلك اليوم، لا جميع عمله؛ فكأنَّهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلِّها بترك صلاةٍ واحدةٍ، وتركها عندهم ليس برِدَّةٍ تُحْبِط (٣) الأعمال، فهذا الذي اسْتَشْكله هؤلاء هو واردٌ عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم. والذي يظهر في الحديث ـ والله أعلم بمراد رسوله ـ أنَّ التَّرك نوعان: تركٌ كُلِّيٌ، لا يصلِّيْها أبدًا؛ فهذا يُحبِط العمل جميعه. وتركٌ معيَّنٌ، في يوم معيَّنٍ؛ فهذا يُحبِط عمل ذلك اليوم. فالحبوط العامُّ في مقابلة التَّرك العام، والحبوط المعيَّن في مقابلة التَّرك المعيَّن. فإنْ قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الرِّدَّة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن، والسُّنَّة، والمنقول عن الصَّحابة: أنَّ السَّيِّئات تحبط (٤) الحسنات، كما

стр. 148

أنَّ الحسنات يذهبن (١) السَّيِّئات. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة/٢٦٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات/٢]. وقالت عائشة لأمِّ ولد زيد (٢) بن أرقم: "أخبري زيدًا أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلَّا أنْ يتوب" (٣)، لمَّا باع بالعِيْنة. وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا، فقال: "ينبغي للعبد في هذا الزَّمان

стр. 149

أنْ يستدين ويتزوَّج؛ لئلَّا ينظر إلى ما لا يحلُّ، فيحبط عمله" (١). وآيات الموازنة في القرآن تدلُّ على هذا؛ فكما أنَّ السيِّئة تَذْهَبُ بحسنةٍ أكبر منها فالحسنة يَحبَطُ أجرُها بسيئةٍ (٢) أكبر منها. فإنْ قيل: فأيُّ فائدةٍ في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصَّلوات؟ قيل: الحديث لم ينف الحُبُوط بغير العصر، إلَّا بمفهوم لَقَبٍ، وهو مفهومٌ ضعيفٌ جدًّا. و تخصيص (٣) العصر بالذِّكر لشرفها من بين الصَّلوات؛ ولهذا كانت هي الصَّلاة الوسطى بنصِّ رسول الله ﷺ الصَّحيح الصَّريح (٤). ولهذا

стр. 150

خصَّها بالذِّكر في الحديث الآخر، وهو قوله: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه" (١). أي: فكأنَّما سُلِبَ أهلَه ومالَه، فأصبح بلا أهلٍ ولا مالٍ. وهذا تمثيلٌ لحبوط (٢) عمله بتركها؛ كأنَّه شبَّه أعماله الصالحة في انتفاعه بها وتمتُّعه بها (٣) بمنزلة أهله وماله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كَمَنْ له أهلٌ ومالٌ، فخرج من بيته لحاجةٍ ـ وفيه أهله وماله ـ فرجع وقد اجْتِيْحَ الأهلُ والمالُ، فبقي وِتْرًا دونهم، ومَوْتُورًا بفقدهم. فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التَّمثيل مطابقًا. فصْلٌ و الحبوط نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعام حبوط الحسنات كلِّها بالرِّدَّة، والسَّيِّئات كلِّها بالتَّوبة. والخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعضٍ، وهذا حبوطٌ مقيَّدٌ جزئيٌّ، وقد تقدَّم دلالة القرآن والسُّنَّة والآثار وأقوال الأئمَّة عليه. ولمَّا كان الكفر والإيمان كُلٌّ منهما يُبْطِل الآخرَ ويذهِبُه كانت

стр. 151

شُعب (١) كلِّ واحدٍ منهما لها تأثير (٢) في إذهاب بعض شعب الآخر، فإنْ عظمت الشُّعبة أذْهَبَت في مقابلتها شعبًا (٣) كثيرة. وتأمَّل قول أم المؤمنين في مُسْتَحلِّ العِيْنة: "إنَّه قد أبْطَل جهادَه مع رسول الله ﷺ " (٤)، كيف قويت (٥) هذه الشُّعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله ﷺ على إبطال محاربة الكفار. فأبطل الحِرابُ (٦) المكروهُ الحِرابَ المحبوبَ، كما تُبْطِل (٧) محاربةُ أعدائِه التي يحبُّها محاربَتَه التي يبغضُها. والله المستعان. فصْلٌ وأمَّا المسألة السَّادسة (٨): التي (٩) هي قوله: "هل تُقْبَل صلاة اللَّيل بالنَّهار، وصلاة النَّهار باللَّيل، أم لا؟ ". فهذه المسألة لها صورتان:

стр. 152

إحداهما: تُقْبَل (١) فيها بالنَّص والإجماع، وهي: ما (٢) إذا فاتته صلاة النَّهار بنومٍ أو نسيانٍ فصلَّاها باللَّيل، وعكسه. كما ثبت في "الصَّحيحين" (٣)، من حديث أنس (٤) بن مالك ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ نسِي صلاةً أو نام عنها فكفَّارتها أنْ يصلِّيها إذا ذَكَرها". واللَّفظ لمسلمٍ. وروى مسلمٌ (٥)، عنه ــ أيضًا ـ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رَقَد أحدكم عن الصَّلاة أو غَفَل عنها فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها؛ فإنَّ الله يقول: ﴿أَقِمِ (٦) الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] ". وفي "صحيح مسلمٍ" (٧)، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ حين قَفَل من غزوة (٨) خيبر سار ليلةً، حتى إذا أدْرَكَه الكَرَى عَرَّس، وقال لبلال: "اكْلَأْ لنا اللَّيل". فصلَّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونام رسول الله ﷺ

стр. 153

وأصحابه. فلمَّا تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته يُوَاجِه (١) الفجر، فغَلَبَت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته. فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضرَبَتهم الشمس. فكان رسول الله ﷺ أوَّلهم استيقاظًا (٢)، ففزع (٣) رسول الله ﷺ ، فقال: "أي بلال! ". فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ ، قال: "اقتادوا" (٤)، فاقتادوا رواحلهم شيئًا. ثم توضَّأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالًا فأقام الصَّلاة، فصلَّى بهم الصُّبح، فلمَّا قضى الصَّلاة قال: "من نسِي الصلاة (٥) فليصلِّها إذا ذَكَرها؛ فإنَّ الله قال (٦): ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] ". وفي "الصَّحيحين" (٧)، من حديث عمران بن حصين، نحو هذه القصَّة.

стр. 154

وفي "صحيح مسلمٍ" (١)، عن أبي قتادة (٢) قال: ذَكَرُوا للنَّبيِّ ﷺ نومَهم عن الصلاة قال: "إنَّه ليس في النَّوم تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ على مَن لم يصلِّ الصَّلاة حتى يجيء وقت الأخرى (٣) ". وفي "مسند الإمام أحمد" (٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أقبل النَّبيُّ ﷺ من الحديبية ليلًا، فنزلنا منزلًا دَهَاسًا (٥) من الأرض، فقال: "مَن يكلؤنا؟ "، فقال بلال: أنا، قال: "إذًا تنام"، قال: "لا". فنام حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فلان وفلان، فيهم عمر، فقال: أَهْضِبُوا (٦). فاستيقظ النَّبيُّ ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون"، فلمَّا فعلوا

стр. 155

قال: "هكذا فافعلوا لمن نام منكم أو نسي". فهذا متَّفقٌ عليه بين الأمَّة (١). واختلفوا في مسألتين؛ لفظيَّة، وحُكميَّة. فاللَّفظية هل تُسمَّى هذه الصَّلاة أداءً أوقضاءً؟ فيه نزاعٌ لفظيٌّ محضٌ. فهي قضاءٌ لما افترض (٢) الله عليهم، وأداءٌ باعتبار الوقت في حقِّ النَّائم والنَّاسي؛ فإنَّ الوقت في حقِّهما وقت (٣) الذِّكر والانتباه، فلم يصلِّياها إلَّا في وقتها الذي أُمِر (٤) بإيقاعها فيه. وأمَّا ما يذكره الفُقهاء في كتبهم من قوله (٥): "فليُصلِّها إذا ذَكَرَها، فإنَّ ذلك وقتها"، فهذه الزِّيادة لم أجدها في شيءٍ من كتب الحديث، ولا أعلم لها إسنادًا. ولكن قد روى البيهقي والدَّارقطني (٦)، من حديث

стр. 156

أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من نسِي صلاةً فوقتها إذا ذكرها". فصْلٌ وأمَّا المسألة الحكمية؛ فهل تجب (١) المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير؟ فيه قولان: أصحُّهما: وجوبها على الفور. وهذا قول جمهور الفقهاء؛ منهم إبراهيم النَّخعي، ومحمد بن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حنيفة، ومالك، والإمام أحمد، وأصحابهم، وأكثر العُلماء. وظاهرُ مذهب الشَّافعي: أنَّه على التَّراخي (٢). واحتجَّ مَن نَصَر هذا (٣) القول بأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يصلِّها في المكان الذي ناموا به؛ بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكانٍ آخر، فصلَّى (٤) فيه. وفي حديث أبي قتادة: فلمَّا استيقظوا قال: "اركبوا"، فركبنا فسِرْنا،

стр. 157

حتى إذا ارتفعت الشَّمس نزل، ثم دعا بمِيْضَأةٍ (١) فيها ماء فتوضَّأ، ثم أذَّن بلال بالصَّلاة، فصلَّى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلَّى الغداة. قالوا: ولو وجب القضاء على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها. قالوا: ولا يصحُّ الاعتذار عن هذا بأنَّ ذلك المكان كان فيه شيطانٌ، فلم يصلُّوا فيه؛ فإنَّ حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرًا في تأخير الواجب. قال الشَّافعي (٢): ولو كان وقت الفائتة يضيق (٣) لما أخَّرَه لأجل الشَّيطان، فقد صلَّى رسول الله ﷺ وهو يخنق (٤) الشَّيطان (٥). قال الشَّافعيُّ: فخَنْقُه الشَّيطانَ في الصَّلاة أبلغ من وادٍ فيه شيطان! قالوا: ولأنَّها عبادةٌ موقَّتةٌ، فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور،

стр. 158

كصوم رمضان، بل أولى؛ لأنَّ الأداء متوسِّعٌ في الصلاة دون الصوم، فكانت التَّوسعة في القضاء أولى. وقال أبو (١) إسحاق المروزي (٢): "إنْ أخَّرها لعذرٍ قضاها على التَّراخي؛ للحديث. وإنْ أخَّرَها لغير عذرٍ قضاها على الفور؛ لئلَّا يثبت بتفريطه ومعصيته (٣) رخصةٌ لم تكن" (٤). واحتجَّ الجمهور بما رواه مسلمٌ في "صحيحه" (٥)، من حديث أبي قتادة: أنَّهم ذكروا للنَّبيِّ ﷺ نومهم عن الصَّلاة، فقال: "ليس في النَّوم تفريطٌ، فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارة لها إلَّا ذلك".

стр. 159

وفي "صحيحه" (١) أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي الصَّلاة فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤] ". وعند الدَّارقطني (٢) في هذا الحديث: "من نَسِيَ صلاةً فوقتها إذا ذكرها". وهذه الألفاظ صريحةٌ في الوجوب على الفور. قالوا: وأمَّا ما استدلَلْتُم به على جواز التَّأخير فإنَّما يدلُّ على التَّأخير اليسير، الذي لا يصير صاحبه مهملًا، معرضًا عن القضاء، بل (٣) يفعله لتكميل الصلاة؛ من اختيار بقعةٍ على بقعةٍ، وانتظار رفقةٍ أوجماعةٍ يكثِّر بهم أجر (٤) الصلاة ونحو ذلك، من تأخيرٍ يسيرٍ لمصلحتها وتكميلها. فكيف يؤخذ من هذا التَّأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخيرها سنين عددًا! وقد نصَّ الإمام أحمد على أنَّ المسافر إذا نام في منزله عن الصَّلاة حتى فاتت أنَّه يستحبُّ له أنْ ينتقل عنه إلى غيره، فيقضيها فيه؛

стр. 160

للخبر (١)، مع أنَّ مذهبه وجوب فعلها على الفور (٢). وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيَّدة؟ ولهذا أوجب الفوريَّة في المقيَّدة أكثرُ مَنْ نفاها في المطلقة. وأمَّا ما تمسَّكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين: أحدهما: أنَّ السُّنَّة فرَّقت بين الموضعين؛ فجوَّزت تأخير قضاء رمضان، وأوجبت فعل المنسيَّة عند ذكرها، فليس لنا أنْ نجمع ما (٣) فرَّقت السُّنَّة بينهما. الثَّاني: أنَّ هذا القياس حُجَّة عليهم، فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأتِ رمضان آخر، وهم يجوِّزون تأخير الفائتة وإنْ أتى عليها أوقات صلواتٍ كثيرة، فأين القياس؟ وأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التَّأخير لأجل الشيطان (٤) فقد تقدَّم جوابه. وهو: أنَّ الموجبين للفور (٥) يجوِّزون التَّأخير اليسير

стр. 161

لمصلحة التَّكميل. وأمَّا نقضهم بخنق النَّبيِّ ﷺ الشَّيطان في صلاته (١) فمِن أعجب النَّقض؛ فإنَّ التَّأخير اليسير للعدول عن مكان الشَّيطان لا تُتْرَك به الصَّلاة، ولا يذهب به وقتها، ولا يقطعها المصلِّي. بخلاف من عَرَض له الشَّيطان في صلاته؛ فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها، ولعلَّه إنْ تعرَّض له في الصَّلاة الثانية (٢) فيقطعها، فيترك الصلاة بالكُلِّيَّة. فأين إحدى المسألتين من الأخرى! والله أعلم. فصْلٌ وأمَّا الصُّورة الثَّانية، وهي: ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فهي مسألة عظيمة، تنازع فيها الناس. هل ينفعه القضاء ويُقْبَل (٣) منه؟ أم لا ينفعه، ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا؟ (٤) فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومالك (٥): يجب عليه

стр. 162

قضاؤها، ولا يُذْهِب القضاءُ عنه إثمَ (١) التفويت، بل هو مستحقٌّ للعقوبة، إلَّا أنْ يعفو الله عنه. وقالت طائفةٌ من السَّلف والخَلَف (٢): مَن تعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذرٍ يجوِّز له التَّأخير فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولايقدر على قضائها أبدًا، ولا تقبل (٣) منه. ولا نزاع بينهم أنَّ التَّوبة النَّصوح تنفعه، ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمَّدَ تركها، فلا تصحُّ التوبة بدون قضائها؟ أم لا تتوقَّف التَّوبة على القضاء؛ فيحافظ عليها في المستقبل، ويستكثر من النَّوافل، وقد تعذَّرَ عليه استدراك ما مضى؟ هذا محلُّ الخلاف. ونحن نذكر حُجج الفريقين. قال الموجبون للقضاء: لمَّا أمر النَّبيُّ ﷺ النَّائم والنَّاسي بالقضاء ــ وهما معذوران غير مفرِّطَيْن ـ فإيجاب القضاء على المفرِّط العاصي أولى وأحرى. قالوا (٤): فلو كانت الصَّلاة لا تصحُّ إلَّا في وقتها لم ينفع (٥)

стр. 163

قضاؤها بعد الوقت في حق النَّائم والنَّاسي. قالوا: وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه (١). ومعلومٌ قطعًا أنَّهم (٢) لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها، فلو اتَّفَق النِّسيان لبعضهم لم يتَّفِق للجميع. قالوا: وكيف يكون المفرِّط بالتَّأخير أحسن حالًا من المعذور؛ فيُخَفَّف عن المفرِّط، ويُشَدَّد على المعذور! قالوا: وإنَّما أنام الله رسولَه وأصحابه (٣) ليبيِّن للأمَّة حُكم من فاتته الصلاة، وأنَّها لا تسقط عنه بالتَّفويت، بل يتداركها (٤) فيما بعد. قالوا: وقد أَمَر النَّبيُّ ﷺ من أفطر بالجماع في رمضان أنْ يقضي يومًا مكانه (٥). قالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء؛ فإنَّ الأمر متوجِّهٌ على المكلَّف بفعل العبادة في وقتها، فإذا فرَّط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطًا لفعل العبادة عنه.

стр. 164

قال الآخَرون (١): أوامر الرَّب ﵎ نوعان: نوعٌ مطلقٌ، غير مؤقَّتٍ، فهذا يُفْعَل في كلِّ وقتٍ. ونوعٌ مؤقَّت بوقتٍ محدودٍ (٢)، وهو نوعان: أحدهما: ما وقْتُه بقدْرِ فعلِه، كالصَّيام. والثَّاني: ما وقْتُه أوسع من فِعْلِه، كالصلاة. وهذا القِسم فعله في وقته شرطٌ في كونه عبادة مأمورًا بها؛ فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا يكون عبادةً على غيرها. قالوا (٣): فما أمر الله به في الوقت فتَرَكَه المأمورُ حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعًا، وإن أمكن حِسًّا. بل لا يمكن حسًّا أيضًا؛ فإنَّ المأتي به بعد الوقت أمرٌ غير المشروع (٤). قالوا: ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها، ولا الوقوف

стр. 165

بعرفة بعد وقته. قالوا (١): ولا مشروع إلَّا ما شرعه الله ورسوله. وهو سبحانه لم (٢) يشرع فعل الصلاة والصيام والحج إلَّا في أوقاتٍ مختصَّةٍ به، فإذا فاتت تلك الأوقات (٣) لم تكن مشروعة. ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت، ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر، ولا الحج في غير أشهره. وأمَّا الصَّلوات الخمس فقد ثَبَت بالنَّصِّ والإجماع أنَّ المعذور بالنَّوم والنِّسيان وغلبة العقل يصلِّيها إذا زال عذره. وكذلك صوم رمضان، شرع الله سبحانه قضاءه بعُذْر المرض والسفر والحيض. وكذلك شرع الله ورسوله الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت للمعذور بسفرٍ، أومرضٍ، أوشغلٍ يبيح الجمع. فهذه يجوز تأخيرها عن وقتها المختصِّ إلى (٤) وقت الأخرى للمعذور، ولا يجوز لغيره بالاتفاق، بل هو من الكبائر العظام، كما قال

стр. 166

عمر بن الخطَّاب: "الجمع بين الصَّلاتين من غير عذرٍ من الكبائر" (١). ولكن يجب عليه فعلها، وإنْ أخَّرها إلى وقت الثَّانية في هذه الصُّورة؛ لأنَّها تُفْعَل في هذا الوقت في الجملة. وقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالصَّلاة خلف الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها. وقيل له ﷺ : ألَا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلَّوا" (٢). وهم كانوا

стр. 167

يؤخِّرون الظهر خاصةً إلى وقت العصر، فأمر بالصلاة خلفهم؛ وتكون (١) نافلةً للمصلِّي، وأمَرَه أنْ يصلِّي الصلاة في وقتها، ونَهَى عن قتالهم. قالوا: وأمَّا مَن أخَّر صلاة النَّهار فصلَّاها باللَّيل، أوصلاة اللَّيل فصلَّاها بالنَّهار، فهذا الذي فَعَلَه غير الذي أُمِرَ به، وغير ما شرعه الله ورسوله؛ فلا يكون صحيحًا ولامقبولًا. قالوا: وقد قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة العصر حبط عمله" (٢)، وقال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه" (٣). فلو كان يمكنه استدراكها باللَّيل لم يحبط عمله (٤)، ولم يكن موتورًا من أعماله، بمنزلة الموتور من أهله وماله. قالوا: وقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشَّمس فقد أدرك العصر، ومَنْ أدرك ركعةً من الصُّبح قبل أنْ تطلع الشَّمس فقد أدرك الصُّبح" (٥). ولو كان فعلها بعد المغرب وطلوع الشَّمس صحيحًا مطلقًا لكان

стр. 168

مُدْرِكًا، سواء أدرك ركعةً، أو أقلَّ من ركعةٍ، أو لم يدرك منها شيئًا. فإنَّه ﷺ لم يُرِد أنَّ من (١) أدرك ركعةً صحَّت صلاته بلا إثْمٍ؛ إذْ لاخلاف بين الأمَّة أنَّه لا يحِلُّ له تأخيرها إلى أنْ يضيق وقتها عن كمال فعلها، وإنَّما أراد بالإدراك الصِّحَّة والإجزاء. وعندكم تصحُّ وتجزئ، ولو أدرك منها قدر تكبيرةٍ، أو لم يدرك منها شيئًا. فلا معنى للحديث عندكم ألبتَّة! قالوا: والله سبحانه قد جعل (٢) لكلِّ صلاةٍ وقتًا محدود الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها، ولا بعد خروج وقتها، والمفعول قبل الوقت وبعده أمرٌ غير المشروع. فلو كان الوقت ليس شرطًا في صِحَّتها لكان لا فرق في الصِّحَّة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأنَّ كلا الصَّلاتين صلَّاها في غير وقتها. فكيف قُبِلَت من هذا المفرِّط بالتَّفويت، ولم تُقْبَل من المفرِّط بالتَّعجيل. قالوا: والصَّلاة في الوقت واجبةٌ على كُلِّ حالٍ، حتى إنَّه يترك جميع الواجبات والشُّرُوط لأجل الوقت؛ فإذا عَجَز عن الوضوء، أوالاستقبال، أوطهارة الثَّوب والبدن، أوستر العورة، أو قراءة الفاتحة، أوالقيام في الوقت، وأمْكَنَه أنْ يصلِّي بعد الوقت بهذه الأمور= فصلاته

стр. 169

في الوقت بدونها هي التي شرعها الله وأوجبها، ولم يكن له أنْ يصلِّي بعد الوقت مع كمال هذه الشُّروط والواجبات. فعُلِمَ أنَّ الوقت مقدَّمٌ عند الله ورسوله على جميع الواجبات. فإذا لم يكن إلَّا أحد الأمرين وجب أنْ يصلِّي في الوقت بدون هذه الشُّروط والواجبات. ولو كان له سبيلٌ إلى استدراك الصَّلاة بعد خروج وقتها لكان صلاته بعد الوقت مع كمال الشُّروط والواجبات خيرًا من صلاته في الوقت بدونها، وأحبَّ إلى الله. وهذا باطلٌ بالنَّص والإجماع. قالوا (١): وأيضًا فقد توعَّد الله سبحانه مَن فوَّتَ الصلاة عن وقتها بوعيد التَّارك لها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون/٤ - ٥]. وقد فسَّر أصحاب رسول الله ﷺ السَّهو عنها بأنَّه: تأخيرها عن وقتها؛ كما ثبَت ذلك عن سعد بن أبي وقاص. وفيه حديثٌ مرفوع (٢). وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩]. وقد فسَّر الصَّحابة والتَّابعون إضاعتها بتفويت وقتها (٣).

стр. 170

والتَّحقيق أنَّ إضاعتها يتناول تركها، وترك وقتها، وترك واجباتها وأركانها. وأيضًا (١) فإنَّ مؤخِّرها عن وقتها عمدًا متعدٍّ لحدود الله، كمقدِّمِها عن وقتها، فما بالها تُقْبَل مع تعدِّي هذا الحدِّ، ولا تُقْبل مع تعدِّي الحدِّ الآخر (٢)! قالوا (٣): وأيضًا فنقول لمن قال: إنَّه يستدركها بالقضاء: أَخْبِرْنا عن هذه الصَّلاة التي تأمر بفعلها، أهي التي أمر الله بها (٤)؟ أم هي غيرها؟ فإنْ قال: هي هي (٥)، بعينها. قيل له: فالعامد بتركها (٦) حينئذٍ ليس عاصيًا؛ لأنَّه قد فعل ما أمر الله به بعينه، فلا يلحقه الإثم والملامة. وهذا باطلٌ قطعًا. وإنْ قال: ليست هي التي أمر الله بها. قيل له: فهذا من أعظم حُجَجنا عليك؛ إذ (٧) ساعَدْتَ أنَّ هذه غير مأمورٍ بها.

стр. 171

ثم نقول أيضًا (١): ما تقولون (٢) فيمن تعمَّد تفويتها حتى خرج وقتها، ثم صلَّاها، أطاعةٌ صلاتُه تلك، أم معصيةٌ؟ فإنْ قالوا: صلاته طاعةٌ لله (٣) وهو مطيعٌ بها، خالفوا الإجماع، والقرآن، والسُّنن الثَّابتة. وإنْ قالوا: هي (٤) معصيةٌ. قيل: فكيف يُتَقَرَّب إلى الله بالمعصية! وكيف تنوب المعصية عن الطَّاعة (٥)! فإنْ قلتم: هو مطيعٌ بفعلها، عاصٍ بتأخيرها، وهو إنَّما تقرَّب بالفعل الذي (٦) هو طاعة، لا بالتفويت الذي هو معصية. قيل لكم: الطَّاعة هي موافقة الأمر، وامتثاله على الوجه الذي أمر به، فأين أمر الله ورسوله من تعمُّد تفويت الصَّلاة بفعلها بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعًا (٧) له بذلك؟ فلو ثبت ذلك لكان فاصلًا للنِّزاع في المسألة.

стр. 172

قالوا (١): وأيضًا فغير أوقات العبادة لا تَقْبَل تلك العبادة بوجهٍ، كما أنَّ اللَّيل لا يقبل الصِّيام، وغير أشهر الحجِّ لا يقبل (٢) الحج، وغير وقت الجمعة لا يقبل الجمعة. فأيُّ فرقٍ بين مَن قال: أنا أفطر النَّهار وأصوم اللَّيل. أو قال: أنا أفطر رمضان في هذا الحرِّ الشديد، وأصوم مكانه شهرًا في الربيع. أو قال: أنا أؤخِّر الحجَّ من أشهره (٣) إلى المحرَّم، أو قال: أنا أصلِّي الجمعة بعد العشاء الآخرة، أو أصلِّي العيدين (٤) في وسط الشهر= وبين من قال: أنا أؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار؟ فهل يمكن أحدًا قطُّ أنْ يفرِّق بين ذلك؟! قالوا: وقد جعل الله سبحانه للعبادات أمكنةً، وأزمنةً، وصفات، فلا ينوب مكانٌ عن المكان (٥) الذي جعله الله ميقاتًا (٦) لها؛ كعرفة، ومزدلفة، ومنى، ومواضع الجمار، والبيت (٧)، والصَّفا والمروة. ولا

стр. 173

تنوب (١) صفةٌ مِن صفاتها التي أوجبها الله عليها عن صفةٍ، فكيف ينوب زمانٌ عن (٢) زمانها الذي أوجبها الله فيه عنه؟ قالوا (٣): وقد دلَّ النَّص والإجماع على أنَّ من أخَّر الصلاة عن وقتها عمدًا أنَّها قد فاتته، كما قال النَّبيُّ ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه" (٤). وما فات فلا سبيل إلى إدراكه ألبتَّة، ولو أمكن أنْ يدرك لما سُمِّيَ فائتًا. وهذا ممَّا لا شكَّ فيه لغةً وعرفًا. وكذلك هو في الشَّرع، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يفوت الحجُّ حتى يطلع (٥) الفجر من يوم عرفة (٦) " (٧). أفلا تراه جعله فائتًا بفوات وقتِهِ، لمَّا لم

стр. 174

يمكن أنْ يُدْرَك في يومٍ بعد ذلك اليوم. وهذا بخلاف المنسيَّة، والتي (١) نام عنها؛ فإنَّها لا تسمَّى فائتةً؛ ولهذا لم تدخل في قوله: "الذي تفوته (٢) صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه" (٣). قالوا (٤): والأمَّة مجمعةٌ على أنَّ من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج (٥) وقتها فقد فاتته، ولو قُبِلَت منه وصحَّت بعد الوقت لكان تسميتها فائتةً لغوًا وباطلًا؛ إذْ كيف يفوت ما يُدْرَك! قالوا: وكما أنَّه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدًا فلا سبيل إلى استدراك فرضه ووظيفته (٦).

стр. 175

قالوا: وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد وغيره (١): "من أفطر يومًا من (٢) رمضان من غير عذرٍ لم يقضه عنه صيام الدَّهر". فأين هذا من قولكم: يقضيه عنه صيام يومٍ من أي شهرٍ أراد! قالوا (٣): وقد أمَرَ الله سبحانه المسلمين ـ حال مواجهة (٤) عدوِّهم ـ أنْ يصلُّوا صلاة الخوف؛ فيقصروا من أركانها، ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة، ويستدبرون فيها القبلة، ويسلِّمون قبل الإمام، بل يصلُّون رجالًا وركبانًا، حتى

стр. 176

لو لم يمكنهم إلَّا الإيماء أتَوا (١) بها على دوابِّهم، إلى غير القبلة في وقتها. ولو قُبِلَت منهم في غير وقتها وصحَّت لجاز (٢) لهم تأخيرها إلى وقت الأمن، وإمكان الإتيان بها. وهذا يدلُّ على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون صحيحةً (٣) جائزةً ولا مقبولةً منهم، مع هذا العذر الذي أصابهم في سبيله، وجهاد أعدائه. فكيف تُقْبَل وتصحُّ من صحيحٍ مقيمٍ، لا عذر له ألبتَّة، وهو يسمع داعي الله جهرةً، فيَدَعها حتى يخرج وقتها، ثم يصلِّيها في غير الوقت؟! وكذلك لم يُفْسَح في تأخيرها عن وقتها للمريض (٤)، بل أمره أنْ يصلِّي على جنبه، بغير قيامٍ ولا ركوعٍ ولا سجودٍ، إذا عَجَز عن ذلك. ولو كانت تُقْبَل منه وتصحُّ (٥) في غير وقتها لجاز له تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة. فأَخْبِرُونا: أي كتابٍ، أو سنةٍ، أو أثَرٍ عن صاحبٍ نَطَق بأنَّ من أخَّر الصَّلاة وفوَّتها (٦) عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا= يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصحُّ منه، وتبرأ ذمَّته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى

стр. 177

فرائضه (١)؟ هذا والله ما لا سبيل لكم إليه ألبتَّة حتى تقوم السَّاعة! ونحن نُوْجِدُكم عن أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما قلناه، وخلاف قولكم. فصلٌ في قول أبي بكرٍ الصِّديق ﵁، الذي لم يُعْلَم (٢) أنَّ أحدًا من الصَّحابة أنكر عليه. قال عبد الله بن المبارك (٣): أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن [زبيد] (٤): أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر بن الخطاب: "إنِّي موصيك بوصيَّةٍ إنْ حفظتها. إنَّ لله حقًّا بالنَّهار لا يقبله باللَّيل، و [إنَّ] (٥) له حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار. وإنَّها لا (٦) تُقْبَل نافلةٌ حتى تُؤدَّى الفريضة. وإنَّما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم في الدُّنيا الحق، وثقله (٧) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الحق أنْ يكون ثقيلًا.

стр. 178

وإنَّما خفَّت موازين مَنْ خفَّت موازينه (١) يوم القيامة باتِّباعهم الباطل، وخِفَّته (٢) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الباطل أنْ يخفَّ. وإنَّ الله ذَكَر أهلَ الجنَّة، وصالِح ما عملوا، وتجاوز عن سيِّئاتهم، فإذا ذكرتُهم خفتُ ألَّا أكون منهم. وذَكَر أهلَ النَّار وأعمالهم، فإذا ذكرتُهم قلتُ: أخشى أنْ أكون منهم (٣). وذكر آية الرحمة وآية العذاب؛ ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يُلقي بيده إلى التهلكة. فإنْ حفظت قولي فلا يكوننَّ غائبٌ (٤) أحب إليك من الموت، ولا بدَّ لك منه. وإنْ ضيَّعت وصيَّتي فلا يكونَّن (٥) غائبٌ أحب إليك من الموت، ولن تعجزه".

стр. 179

وقال هناد بن السَّري (١): حدَّثنا عَبْدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن زُبَيْد (٢) اليامي قال: "لمَّا حَضَرَت أبا بكر الوفاة .. "، فذكره. قالوا: فهذا أبوبكرٍ يقول: "إنَّ الله لا يقبل عمل النَّهار باللَّيل، ولا عمل اللَّيل بالنَّهار". ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاة العصر نصف اللَّيل (٣)! قالوا (٤): فهذا قول أبي بكرٍ، وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاصٍ، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكرٍ، وبُدَيل (٥) العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرِّف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃، وغيرهم. قال شعبة عن يعلى بن عطاء (٦) عن عبد الله بن خراش (٧) قال: رأى

стр. 180

ابن عمر (١) رجلًا يقرأ في صحيفةٍ فقال له: "يا (٢) هذا القارئ، إنَّه لا صلاة لمن لم يصلِّ الصَّلاة لوقتها، فصلِّ، ثم اقرأ ما بدا لك" (٣). قالوا (٤): ولا يصحُّ تأويلكم ذلك على أنَّه: لا صلاة كاملة؛ لوجوهٍ: أحدها: أنَّ النَّفي يقتضي نفي حقيقة المسمَّى، والمسمَّى هنا هو الشَّرعي، وحقيقته (٥) منتفيةٌ. هذا حقيقة اللَّفظ، فما (٦) الموجب للخروج عنها؟ الثَّاني: أنَّكم إنْ (٧) أردتم بنفي الكمالِ الكمالَ المستحبَّ فهذا باطلٌ؛ فإنَّ الحقيقة الشرعيَّة لا تنتفي لنفي مستحبٍّ فيها، وإنَّما تنتفي لنفي ركنٍ من أركانها، وجزءٍ من أجزائها. وهكذا كل نفيٍ وَرَد على حقيقةٍ شرعيَّةٍ؛
следующие страницы →