← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لو لم يمكنهم إلَّا الإيماء أتَوا (١) بها على دوابِّهم، إلى غير القبلة في وقتها. ولو قُبِلَت منهم في غير وقتها وصحَّت لجاز (٢) لهم تأخيرها إلى وقت الأمن، وإمكان الإتيان بها. وهذا يدلُّ على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون صحيحةً (٣) جائزةً ولا مقبولةً منهم، مع هذا العذر الذي أصابهم في سبيله، وجهاد أعدائه. فكيف تُقْبَل وتصحُّ من صحيحٍ مقيمٍ، لا عذر له ألبتَّة، وهو يسمع داعي الله جهرةً، فيَدَعها حتى يخرج وقتها، ثم يصلِّيها في غير الوقت؟! وكذلك لم يُفْسَح في تأخيرها عن وقتها للمريض (٤)، بل أمره أنْ يصلِّي على جنبه، بغير قيامٍ ولا ركوعٍ ولا سجودٍ، إذا عَجَز عن ذلك. ولو كانت تُقْبَل منه وتصحُّ (٥) في غير وقتها لجاز له تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة. فأَخْبِرُونا: أي كتابٍ، أو سنةٍ، أو أثَرٍ عن صاحبٍ نَطَق بأنَّ من أخَّر الصَّلاة وفوَّتها (٦) عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا= يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصحُّ منه، وتبرأ ذمَّته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى

стр. 177

فرائضه (١)؟ هذا والله ما لا سبيل لكم إليه ألبتَّة حتى تقوم السَّاعة! ونحن نُوْجِدُكم عن أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما قلناه، وخلاف قولكم. فصلٌ في قول أبي بكرٍ الصِّديق ﵁، الذي لم يُعْلَم (٢) أنَّ أحدًا من الصَّحابة أنكر عليه. قال عبد الله بن المبارك (٣): أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن [زبيد] (٤): أنَّ أبا بكرٍ قال لعمر بن الخطاب: "إنِّي موصيك بوصيَّةٍ إنْ حفظتها. إنَّ لله حقًّا بالنَّهار لا يقبله باللَّيل، و [إنَّ] (٥) له حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار. وإنَّها لا (٦) تُقْبَل نافلةٌ حتى تُؤدَّى الفريضة. وإنَّما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم في الدُّنيا الحق، وثقله (٧) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الحق أنْ يكون ثقيلًا.

стр. 178

وإنَّما خفَّت موازين مَنْ خفَّت موازينه (١) يوم القيامة باتِّباعهم الباطل، وخِفَّته (٢) عليهم. وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلَّا الباطل أنْ يخفَّ. وإنَّ الله ذَكَر أهلَ الجنَّة، وصالِح ما عملوا، وتجاوز عن سيِّئاتهم، فإذا ذكرتُهم خفتُ ألَّا أكون منهم. وذَكَر أهلَ النَّار وأعمالهم، فإذا ذكرتُهم قلتُ: أخشى أنْ أكون منهم (٣). وذكر آية الرحمة وآية العذاب؛ ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يُلقي بيده إلى التهلكة. فإنْ حفظت قولي فلا يكوننَّ غائبٌ (٤) أحب إليك من الموت، ولا بدَّ لك منه. وإنْ ضيَّعت وصيَّتي فلا يكونَّن (٥) غائبٌ أحب إليك من الموت، ولن تعجزه".

стр. 179

وقال هناد بن السَّري (١): حدَّثنا عَبْدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن زُبَيْد (٢) اليامي قال: "لمَّا حَضَرَت أبا بكر الوفاة .. "، فذكره. قالوا: فهذا أبوبكرٍ يقول: "إنَّ الله لا يقبل عمل النَّهار باللَّيل، ولا عمل اللَّيل بالنَّهار". ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاة العصر نصف اللَّيل (٣)! قالوا (٤): فهذا قول أبي بكرٍ، وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاصٍ، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكرٍ، وبُدَيل (٥) العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرِّف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃، وغيرهم. قال شعبة عن يعلى بن عطاء (٦) عن عبد الله بن خراش (٧) قال: رأى

стр. 180

ابن عمر (١) رجلًا يقرأ في صحيفةٍ فقال له: "يا (٢) هذا القارئ، إنَّه لا صلاة لمن لم يصلِّ الصَّلاة لوقتها، فصلِّ، ثم اقرأ ما بدا لك" (٣). قالوا (٤): ولا يصحُّ تأويلكم ذلك على أنَّه: لا صلاة كاملة؛ لوجوهٍ: أحدها: أنَّ النَّفي يقتضي نفي حقيقة المسمَّى، والمسمَّى هنا هو الشَّرعي، وحقيقته (٥) منتفيةٌ. هذا حقيقة اللَّفظ، فما (٦) الموجب للخروج عنها؟ الثَّاني: أنَّكم إنْ (٧) أردتم بنفي الكمالِ الكمالَ المستحبَّ فهذا باطلٌ؛ فإنَّ الحقيقة الشرعيَّة لا تنتفي لنفي مستحبٍّ فيها، وإنَّما تنتفي لنفي ركنٍ من أركانها، وجزءٍ من أجزائها. وهكذا كل نفيٍ وَرَد على حقيقةٍ شرعيَّةٍ؛

стр. 181

كقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (١)، و"لا صلاة لمن لا وضوء له" (٢)، و"لا عمل لمن لا نيَّة له" (٣)، و"لا صيام لمن لا يبيِّت الصِّيام من

стр. 182

اللَّيل" (١)، و"لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢). ولو انتفت الحقيقة لانتفاء (٣) بعض مستحبَّاتها فما مِن عبادة إلَّا وفوقها من جنسها ما هو أحبُّ إلى الله منها. وقد ساعدتمونا على أنَّ الوقت من واجباتها، فإذا نُفِيت لنفي واجبٍ فيها لم تكن (٤) صحيحةً ولا مقبولةً. الثَّالث: أنَّه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمَّى فنفي صحَّته والاعتداد

стр. 183

به أقرب (١) إلى نفيه من كماله المستحبِّ. وقال محمد بن المثنى: حدَّثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد بن أبي عروبة (٢) عن قتادة قال: ذُكِر لنا أنَّ عبد الله بن مسعود كان يقول: "إنَّ للصَّلاة وقتًا (٣) كوقت الحجِّ، فصلُّوا الصَّلاة لميقاتها (٤) " (٥). فهذا عبد الله قد صرَّح بأنَّ وقت الصَّلاة كوقت الحجِّ، فإذا كان الحجُّ لا يُفْعَل في غير وقته فما بال الصَّلاة تجزئ في غير وقتها؟ وقال عبد الرزَّاق (٦): عن معمر عن بُدَيل العقيلي قال: بَلَغني أنَّ

стр. 184

العبد إذا صلَّى الصَّلاة لوقتها صعدت ولها نورٌ ساطعٌ (١) في السَّماء، وقالت: "حَفِظْتَني حفظك الله، وإذا صلَّاها لغير وقتها طُوِيَت كما يُطْوَى الثَّوب الخَلَق، فضُرِب (٢) بها وجهه". فصلٌ قال الذين يعتدُّون بها بعد الوقت، ويُبْرِئُون بها الذِّمَّة، واللَّفظ لأبي عمر ابن عبد البَر؛ فإنَّه انتصر لهذه المسألة أتمَّ انتصار. ونحن نذكر كلامه بعينه. قال في "الاستذكار" (٣) في باب النَّوم عن الصَّلاة: قرأتُ على عبد الوارث أنَّ قاسمًا حدَّثهم: حدَّثنا أحمد بن زهير حدَّثنا ابن الأصبهاني حدثنا عبيدة بن حميد (٤) عن يزيد بن [أبي] زياد (٥) عن تميم ابن سلمة عن مسروقٍ عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ في سفرٍ،

стр. 185

فعرَّسوا (١) من آخر اللَّيل، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، فأمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتين". قال ابن عباس: "فما يسرُّني بها الدُّنيا وما فيها". يعني: الرُّخصة. قال أبو عمر: ذلك عندي ـ والله أعلم ـ لأنَّه كان سببًا (٢) إلى أنْ أعْلَمَ أصحابه (٣) المبلِّغين عنه إلى سائر أمَّته بأنَّ مراد الله من (٤) عباده في الصَّلاة وإنْ كانت مؤقَّتة: أنَّ مَن لم يصلِّها في وقتها يقضيها أبدًا متى ما (٥) ذكرها، ناسيًا كان لها، أونائمًا عنها، أومتعمِّدًا لتركها. ألَا ترى إلى حديث مالكٍ (٦) في هذا الباب، عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن نسِي الصَّلاة فليصلِّها إذا ذَكَرَها". والنِّسيان في لسان العرب يكون للتَّرك (٧) عمدًا، ويكون ضدَّ الذِّكْر، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/٦٧]، أي: تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ ، فتركهم الله من رحمته. وهذا ممَّا لا

стр. 186

خلاف فيه، ولا يجهله من له أقلُّ علمٍ بتأويل القرآن (١). فإنْ قيل: فلِمَ خصَّ النَّائم والنَّاسي بالذِّكر في قوله في غير (٢) هذا الحديث: "مَن نام عن الصَّلاة أونسيها فلْيصلِّها إذا ذَكَرها" (٣). قيل: خصَّ النَّائم والنَّاسي ليرتفع التَّوهُّم والظَّن فيهما؛ لرفع القلم في سقوط التَّأثيم عنهما بالنَّوم والنِّسيان. فأبان رسول الله ﷺ أنَّ سقوط الإثم عنهما غير مسقطٍ لما لزمهما من فرض الصَّلاة، وأنَّها واجبة عليهما عند الذِّكر لها، يقضيها كُلُّ واحدٍ منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها. ولم يَحْتَج إلى ذكر العامد معهما؛ لأنَّ العلَّة المتوهَّمة (٤) في النَّاسي والنَّائم ليست فيه، ولا عذر له في ترك فرضٍ قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرًا له. وسوَّى الله تعالى في حكمهما (٥) على لسان رسوله ﷺ بين حكم الصَّلاة المؤقَّتة والصِّيام المؤقَّت في شهر رمضان؛ بأنَّ (٦) كُلَّ واحدٍ

стр. 187

منهما يُقْضَى بعد خروج وقته. فنصَّ على النَّائم والنَّاسي في الصَّلاة كما وَصَفْنا، ونصَّ على المريض والمسافر في الصَّوم. وأجمعت الأمَّة (١) ونقلت الكافَّة فيمَن لم يصم شهر رمضان عامدًا، وهو مؤمنٌ بفرضه، وإنَّما تَرَكه أشرًا وبطرًا، تعمَّد ذلك ثم تاب منه (٢) = أنَّ عليه قضاءه. وكذلك مَن تَرَك الصلاة عامدًا. فالعامد والنَّاسي في القضاء للصلاة والصيام سواء، وإنْ اختلفا في الإثم، كالجاني (٣) على الأموال، المتْلِفِ لها، عامدًا وناسيًا سواء إلَّا في الإثم. وكان الحكم في هذا النَّوع (٤) بخلاف رمي الجمار في الحجِّ، الذي لا يُقضَى في غير وقته لعامدٍ ولا لناسٍ؛ لوجوب الدَّم فيما ينوب عنها. وبخلاف الضَّحايا أيضًا؛ لأنَّ الضَّحايا ليست بواجبةٍ فرضًا، والصَّلاة والصِّيام كلاهما فرضٌ واجبٌ، ودَيْنٌ ثابتٌ، يؤدَّى أبدًا وإنْ خَرَج الوقت المؤجَّل لهما. قال رسول الله ﷺ : "دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقضَى" (٥).

стр. 188

وإذا كان النَّائم والنَّاسي للصَّلاة ـ وهما معذوران ـ يقضيانها بعد خروج وقتها، كان المتعمِّد (١) لتركها، الآثم في فعله ذلك ـ وإنْ أبى ـ لا يسقط عنه فرض الصلاة، وأنْ يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأنَّ التَّوبة من عصيانه في تعمُّد تركها هي أداؤها، وإقامتها (٢)، مع النَّدم على ما سلَف مِن تَرْكِه لها في وقتها. وقد شذَّ بعض أهل الظَّاهر، وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين، وسبيل المؤمنين؛ فقال (٣): ليس على المتعمِّد لترك الصَّلاة في وقتها أنْ يأتي بها في غير وقتها؛ لأنَّه غير نائم ولا ناسٍ، وإنَّما قال رسول الله ﷺ : "من نام عن صلاةٍ (٤) أونسيها فليصلِّها إذا ذَكَرها" (٥). قال: والمتعمِّد غير النَّاسي والنَّائم (٦). قال: وقياسه عليهما (٧) غير جائزٍ عندنا، كما أنَّ من قتل الصَّيد ناسيًا

стр. 189

لا يجزيه عندنا (١)! فخالف في المسألتين (٢) جمهور العلماء، وظنَّ أنه يستتر (٣) في ذلك بروايةٍ شاذَّةٍ، جاءت عن بعض التَّابعين (٤)، وشذَّ فيها (٥) عن جماعة علماء (٦) المسلمين، وهو محجوجٌ بهم، مأمورٌ باتِّباعهم. فخالف هذا الظَّاهري طريق النَّظر والاعتبار، وشذَّ عن جماعة علماء الأمصار، ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليلٍ يصحُّ في العقول. ومن الدَّليل على (٧) أنَّ الصَّلاة تُصلَّى وتُقْضَى بعد خروج وقتها كالصِّيام سواء، وإن كان إجماع الأمَّة الذين (٨) أُمِر من شذَّ عنهم

стр. 190

بالرجوع إليهم، وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدَّليل في ذلك= قولُ النَّبيِّ ﷺ : "مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومَن أدرك ركعةً من الصبح قبل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصُّبح" (١). ولم يستثن متعمِّدًا من ناسٍ. ونَقَلَت الكافَّة عنه ﷺ أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة العصر قبل الغروب صلَّى تمام صلاته (٢) بعد الغروب، وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع. ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلِّها لمن تعمَّد، أونسي، أوفَرَّط، وبين عمل بعضها في نظرٍ ولا اعتبار. ودليلٌ آخر، وهو أنَّ رسول الله ﷺ لم يصلِّ هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظَّهر والعصر حتى غَرَبَت الشَّمس (٣)؛ لشغله بما نَصَبه (٤) المشركون من الحرب، ولم يكن يومئذ نائمًا ولا ناسيًا، ولا كانت بين المسلمين والمشركين (٥) يومئذٍ حربٌ قائمةٌ ملتحمةٌ، وصلَّى يومئذٍ الظهر والعصر في اللَّيل (٦).

стр. 191

ودليلٌ آخر أيضًا، وهو أنَّ رسول الله ﷺ قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: "لا يُصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلَّا في بني قريظة" (١)، فخرجوا مبادرين (٢)، وصلَّى بعضهم العصر دون بني قريظة؛ خوفًا من خروج وقتها المعهود، ولم يصلِّها بعضهم إلَّا في بني قريظة (٣)، بعد غروب الشمس؛ لقوله ﷺ : "لا يُصلينَّ أحدكم العصر إلَّا في بني قريظة". فلم يعنِّف رسول الله ﷺ إحدى (٤) الطَّائفتين، وكلُّهم غير ناسٍ ولا نائمٍ (٥)، وقد أخَّرَ بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلَّاها، وقد علم رسول الله ﷺ ذلك فلم يقل لهم: إنَّ الصَّلاة لا تصلَّى إلَّا في وقتها (٦)، ولا تقضى (٧) بعد خروج وقتها.

стр. 192

ودليلٌ آخر، وهو قوله ﷺ : "سيكون بعدي أمراء يؤخِّرون الصَّلوات عن ميقاتها". قالوا: أفنصلِّيها (١) معهم؟ قال: "نعم". حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ (٢) حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبوحذيفة موسى (٣) بن مسعود حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف (٤) عن أبي المثنَّى الحمصي عن أَبِي أُبَي ابن امرأة (٥) عبادة بن الصَّامت عن عبادة بن الصامت قال: كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ فقال: "إنَّه سيجيء بعدي أمراء، تشغلهم أشياء، حتى لا يصلُّوا الصَّلاة لميقاتها". قالوا: نصلِّيها (٦) معهم

стр. 193

يا رسول الله؟ قال: "نعم" (١). قال أبوعمر: أبومثنَّى الحِمْصي هو: الأملوكي ثقةٌ (٢). وفي هذا الحديث أنَّ رسول الله ﷺ أباح الصَّلاة بعد خروج ميقاتها، ولم يقل: إنَّ الصلاة لا تُصَلَّى إلَّا في وقتها! والأحاديث في تأخير الأمراء الصَّلاة (٣) حتى يخرج وقتها كثيرة جدًّا. وقد كان الأمراء من بني أميَّة أو أكثرهم (٤) يصلُّون الجمعة عند الغروب (٥). وقد قال ﷺ : "إنَّما التَّفريط على مَن لم يُصَلِّ الصلاة حتى

стр. 194

يدخل وقت الأخرى" (١). وقد أعْلَمَهُم أنَّ وقت الظهر في الحَضَر ما لم يدخل وقت العصر، رُوِي ذلك عنه من وجوهٍ صحاحٍ، قد ذكرتُ بعضها في صدر الكتاب ـ يعني: الاستذكار ـ (٢)، في المواقيت (٣). وحدثنا عبد الله بن محمد بن أسد (٤) حدثنا حمزة بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن شعيب النَّسوي حدثنا سويد بن نصر (٥) حدثنا عبد الله ــ يعني: ابن المبارك ــ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح (٦) عن أبي قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليس في النَّوم تفريطٌ؛ إنَّما التَّفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٧).

стр. 195

فقد سمَّى رسول الله ﷺ من فعل هذا مفرِّطًا، والمفرِّط ليس بمعذورٍ، وليس كالنَّائم والنَّاسي عند الجميع من جهة العُذر، وقد أجاز رسولُ الله ﷺ صلاته على ما كان من تفريطه. وقد رُوِي في حديث أبي قتادة هذا أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها" (١). وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرِّط للصلاة عند الذِّكر وبعد الذِّكر. وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد، إلَّا أنَّ هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين، في نوم رسول الله ﷺ عن (٢) صلاة الصُّبح بسفره، وفيه: قالوا: يا رسول الله، ألَا نصلِّيْهَا لميقاتها من الغد؟ قال: "لا، إنَّ الله لا ينهاكم عن الرِّبا، ثم يقبله منكم! " (٣). ورُوِيَ من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مثله. وقد ذكرنا الأسانيد

стр. 196

بذلك كله في "التَّمهيد" (١). وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي ـ وهو مذكور في الصحابة ـ قال: "قدم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذ الظُّهر إلَّا مع العصر" (٢). وأقلُّ ما في هذا أنَّه أخَّرها عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه لشغلٍ اشتغل به. وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التَّابعين وكبارهم. وقد أجمع العلماء على أنَّ تارك (٣) الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاصٍ لله. وذكَر بعضهم أنَّها كبيرةٌ من الكبائر. وأجمعوا (٤) على أنَّ على العاصي أنْ يتوب من ذنبه بالنَّدم عليه، واعتقاد ترك العود إليه. قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ

стр. 197

الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور/٣١]. ومَن لزمه حقٌّ لله أولعباده (١) لزمه الخروج منه. وقد شبَّه رسول الله ﷺ حق الله بحقوق الآدميين، وقال: "دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقْضَى" (٢). والعجب من هذا الظَّاهري في نقضه أصله بجهله، وحبِّه لشذوذه (٣). وأصلُ أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماعٍ: أنَّه لا يسقط إلَّا بإجماعٍ مثله، أوسنَّةٍ ثابتةٍ لا تَنَازُع (٤) في قبولها. والصَّلوات (٥) المكتوبات واجباتٌ بإجماع. ثم جاء من الاختلاف بشذوذٍ (٦) خارجٍ عن أقوال علماء الأمصار، فاتَّبعه دون سُنَّةٍ رُوِيَت في ذلك، وأسقط به الفريضة المجمع على وجوبها، ونَقَض أصله، ونسي نفسه! ثم ذكر أنَّ مذهب داود وأصحابه وجوب قضاء الصَّلاة إذا فوَّتها عمدًا، ثم قال: فهذا قول داود، وهو وجه أهل الظَّاهر. وما أرى هذا الظَّاهري إلَّا وقد خرج عن جماعة العلماء من السَّلف

стр. 198

والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشذَّ عنهم. ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشَّاذِّ من العلم (١). وقد أوْهَمَ في كتابه (٢) أنَّ له سلفًا من الصحابة والتابعين، تجاهلًا منه أوجهلًا. فذكر عن ابن مسعود، ومسروق، وعمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم/٥٩]: "أنَّ ذلك عن مواقيتها، ولو تركوها لكانوا بتركها كفَّارًا" (٣). وهو لا يقول بتكفير (٤) تارك الصَّلاة عمدًا إذا أبى إقامتها، ولا يقتله إذا كان مقرًّا بها؛ فقد خالفهم فكيف يحتجُّ بهم! على أنَّه معلومٌ أنَّ من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه/٨٢]. ولا تصحُّ (٥) لمضيِّع الصَّلاة توبةٌ إلَّا بأدائها، كما لا تصحُّ التَّوبة من دَيْن الآدمي إلَّا بأدائه. ومن قضى صلاةً فرَّط فيها فقد تاب وعمل

стр. 199

صالحًا، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وذَكَر عن سلمان أنَّه قال: "الصَّلاة مِكيالٌ، فمَنْ وَفى وُفِّي له، ومن طفَّفه فقد علمتم ما قال الله في المطفِّفين" (١). وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنَّ الظَّاهر من معناه: أنَّ المطفِّف قد يكون مَن لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها، وإنْ صلَّاها في وقتها. وذَكَر عن ابن عمر أنَّه قال: "لا صلاة لمن لم يصلِّ الصلاة لوقتها" (٢). وكذلك نقول (٣): لا صلاة له كاملة الأجر (٤)؛ كما جاء: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" (٥)، و"لا إيمان لمن لا أمانة

стр. 200

له" (١). ومن قضى الصلاة فقد صلَّاها، وتاب من سَيِّئ (٢) عمله بتركها. وكُلُّ ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيحٍ، ولا له في شيءٍ منه حجَّة؛ لأنَّ ظاهره خلاف ما تأوَّله. فصلٌ قال المانعون من صحَّتها بعد الوقت وقبولها: لقد أرعدتم وأبرقتم، ولم تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه، ولا في نقلنا مذاهب السَّلف، ولا في حججنا! فإنَّا لم نقل قطُّ ولا أحدٌ من أهل الإسلام: إنَّها سَقَطت من ذمَّته بخروج وقتها، وإنَّها لم تبق واجبةً عليه، حتى تجلبوا علينا بما أجْلَبتم (٣)، وتشنِّعوا علينا بما شنَّعْتم.

стр. 201

بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصَّحابة والتَّابعين أشد على مؤخِّر الصلاة ومفوِّتها من قولكم؛ فإنَّه قد تحتَّمَت عقوبته، وباء بإثمٍ لا سبيل له إلى دَرْكه (١) إلَّا بتوبةٍ يحدثها، وعملٍ يستأنفه. وقد ذكرنا من الأدلَّة ما لا سبيل لكم إلى ردِّهِ، فإن وجدتم السَّبيل إلى الردِّ فأهلًا بالعِلم أين كان، ومع من كان، فليس القصد إلَّا طاعة الله وطاعة رسوله، ومعرفة ما جاء به. ونحن نبيِّن ما في كلامكم من مقبولٍ ومردودٍ. فأمَّا قولكم: إنَّ سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلَّاها بعد طلوع الشمس لأنَّه كان سبيلًا إلى أنْ أعلم رسولُ الله ﷺ أصحابَه المبلِّغين عنه إلى سائر أمته بأنَّ مراد الله من عباده في الصلاة وإنْ كانت موقَّتةً: أنَّ من لم يصلِّها في وقتها يقضيها أبدًا، ناسيًا كان لها، أونائمًا، أومتعمِّدًا لتركها= فهذا ظنٌّ محضٌ منكم أنَّ ابن عباس أراده! ومعلومٌ أنَّ كلامه لا يدلُّ على ذلك بوجهٍ من وجوه الدلالات (٢)، ولا هو يُشْعِر به. ولعلَّ ابن عباس إنَّما سُرَّ بها ذلك السُّرور العظيم لكونه صلَّاها مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وفَعَل مثل ما فعلوا، وحصل له من

стр. 202

الأجر سهمان (١)، كما حصل للصَّحابة. وخصَّ تلك الصَّلاة بذلك تنبيهًا للسَّامع أنَّها مع كونها ضُحًى (٢) قد فُعِلت بعد طلوع الشمس، فلا يُظنُّ أنَّها ناقصة، وأنَّها لا أجر فيها: "فما يسرُّني بها الدُّنيا وما فيها". وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم. أولعلَّه أراد أنَّ ذلك من رحمة الله بالأمَّة؛ ليقتدي به من نام عن الصَّلاة، ولم يفرِّط بتأخيرها. فمن أين يدلُّ كلامه هذا على أنَّ سروره بتلك الصلاة لأنَّها تدلُّ على أنَّ من لم يصلِّ وأخَّر صلاة اللَّيل إلى النَّهار عمدًا، وصلاة النَّهار إلى اللَّيل= أنَّها تصحُّ منه وتُقْبَل، وتَبْرأ بها ذِمَّتُه؟ وإنَّ فَهْمَ هذا من كلام ابن عباس لمن أعْجَب العجب. فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه، وبأيِّ طريقٍ فهمتموه (٣)؟ فصلٌ وأمَّا قولكم: إنَّ النِّسيان في لغة العرب هو التَّرك، كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ

стр. 203

فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة/٦٧] الى آخره (١). فنَعَم، لعمرالله (٢) إنَّ النسيان في القرآن على وجهين: نسيان تركٍ، ونسيان سهوٍ. ولكن حمل الحديث على نسيان التَّرك عمدًا باطلٌ (٣)؛ لأربعة أوجهٍ (٤): أحدها: أنَّه قال: "فليصلِّها إذا ذكرها". وهذا صريحٌ في أنَّ النِّسيان في الحديث نسيان سهوٍ، لا نسيان عمدٍ؛ وإلَّا كان قوله: "إذا ذكرها" كلامًا (٥) لا فائدة فيه؛ فالنِّسيان إذا قُوْبِل بالذِّكر لم يكن إلَّا نسيان سهو، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ (٦) رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف/٢٤]، وقوله ﷺ : "إذا نسيت فذكِّرُوني" (٧). الثَّاني: أنَّه قال: "فكفَّارتها أنْ يصلِّيها إذا ذكرها". ومعلومٌ أنَّ من تركها عمدًا لا يكَفِّرُ عنه فعلُها بعد الوقت إثمَ التَّفويت. هذا ممَّا (٨) لا

стр. 204

خلاف فيه بين الأمَّة. ولا يجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ ؛ إذ يبقى معنى الحديث: مَن ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فكفارة إثْمِه صلاتُها بعد الوقت! وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول (١) بأنَّها لا تنفعه، ولا تُقْبَل منه! فأين هذا من قولكم؟ الثَّالث: أنَّه قابَل النَّاسي في الحديث بالنَّائم، وهذه المقابلة تقتضي (٢) أنَّه السَّاهي، كما يقول حَمَلة الشرع (٣): النَّائم والنَّاسي غير مؤاخَذَيْن. الرَّابع: أنَّ النَّاسي في كلام الشَّارع ـ ـ إذا عَلَّق به الأحكام ـ لم يكن مراده إلَّا السَّاهي. وهذا مطَّردٌ (٤) في جميع كلامه؛ كقوله: "من أكل أوشرب ناسيًا فلْيُتمَّ صومه؛ فإنَّما أطعمه الله وسقاه (٥) " (٦).

стр. 205

فصْلٌ وأمَّا قولكم: "وسوَّى الله سبحانه في حكمهما ـ أي: بين العامد (١) والنَّاسي ـ على لسان رسوله بين حكم الصلاة الموقَّتة والصِّيام الموقَّت في شهر رمضان، بأنَّ كل واحدٍ منهما يُقْضَى بعد خروج وقته؛ فنَصَّ على النَّائم والنَّاسي (٢) في الصلاة كما وصفنا، ونصَّ على المريض والمسافر في الصَّوم. وأجمعت (٣) الأمَّة ونقلت الكافَّة فيمَن لم يصم شهر رمضان عامدًا، وهو مؤمنٌ بفَرْضِه ـ وإنْ تَرَكَه أشرًا وبطرًا ـ ثمَّ تاب منه أنَّ عليه قضاءه" إلى آخره= فجوابُه من وجوهٍ: أحدها: قولكم: "إنَّ الله سبحانه سوَّى بينهما"، أي: بين العامد والنَّاسي فكلامٌ باطلٌ على إطلاقه؛ فما سوَّى الله سبحانه بين عامدٍ وناسٍ أصلًا. وكلامنا في هذا العامد العاصي، الآثم، المفرِّط غاية التَّفريط. فأين سوَّى الله سبحانه بين حكمهما في صلاةٍ أو صيامٍ؟ وقولكم: "فنصَّ على النَّائم والنَّاسي في الصلاة كما وصفنا" قد تقدَّم أنَّ النِّسيان المذكور في الصلاة لا يصحُّ حمله على العمد بوجهٍ، وأنَّ الذي نصَّ عليه في الحديث هو نسيان السَّهو، الذي هو نظير النَّوم،

стр. 206

فلا تعرُّضَ فيه للعامد. وأمَّا نصُّه على المريض والمسافر في الصَّوم فهما وإنْ أفطرا عامِدَيْن فلا يمكن أخذ حكم تارك (١) الصلاة عمدًا من حكمهما. وما سوَّى الله ولا رسوله بين تارك الصلاة عمدًا وأَشَرًا حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرضٍ أو سفرٍ أبدًا (٢)، حتى يؤخذ حكم أحدهما من الآخر. فمؤخِّر الصَّوم في المرض والسفر كمؤخِّر الصلاة لنومٍ أونسيانٍ، وهذان هما اللَّذان سوَّى الله ورسوله بين حكمهما. فنصَّ الله سبحانه على حكم المريض والمسافر في الصَّوم المعذورَيْن، ونصَّ رسول الله (٣) ﷺ على حكم النَّاسي والنَّائم (٤) في الصَّلاة المعذورَيْن. فقد استوى حكمهما في الصَّوم والصَّلاة، ولكن أين استوى حكم العامد المفرِّط الآثم، والمريض والمسافر والنَّائم والنَّاسي المعذُوْرِين! يوضِّحُه: أنَّ الفِطْر (٥) بالمرض قد يكون واجبًا؛ بحيث يحرم عليه

стр. 207

الصَّوم. والفِطر في السَّفر إمَّا واجبٌ عند طائفةٍ من السَّلف والخلف (١). أوأنَّه (٢) أفضل من الصَّوم عند غيرهم (٣). أوهما سواءٌ (٤). أوالصَّوم أفضل منه ـ لمن لا (٥) يشقُّ عليه ـ عند آخرين (٦).

стр. 208

وعلى كلِّ تقديرٍ فإلحاق تارك الصَّلاة والصوم عمدًا وعدوانًا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس. وهذا ممَّا لا خفاء به عند كُلِّ عالمٍ. وقولكم: إنَّ الأمَّة أجمعت والكافَّة نقَلَت أنَّ مَن لم يصم شهر رمضان عامدًا ـ أشرًا وبطرًا ـ ثم تاب منه فعليه قضاؤه. فيُقال لكم: أوْجِدُونا عشرةً من أصحاب رسول الله ﷺ فمَنْ دونهم صرَّح بذلك، ولن تجدوا إليه سبيلًا! وقد أنكر الأئمَّة كالإمام أحمد والشَّافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات، التي حاصلها عدم العلم بالخلاف، لا العلم بعدم الخلاف؛ فإنَّ هذا ممَّا لا سبيل إليه، إلَّا فيما عُلِم بالضَّرورة أنَّ الرسول- ﷺ جاء به. وأمَّا ما قامت الأدلَّة الشَّرعيَّة عليه فلا يجوز لأحدٍ أنْ ينفي حكمه، لعدم علمه بمن قال به؛ فإنَّ الدَّليل يجب (١) اتِّباع مدلوله. وعدم العلم بمَن قال به لا يصلح (٢) أنْ يكون مُعَارِضًا بوجهٍ ما. فهذه طريقة جميع الأئمَّة (٣) المقتدى بهم.

стр. 209

قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (١): "من ادَّعى الإجماع فهو كاذبٌ (٢)؛ لعلَّ الناس اختلفوا! هذه دعوى بِشْر المريسي والأصمِّ، ولكن يقول (٣): لا نعلم للنَّاس اختلافًا، إذْ لم يبلغه" (٤). وقال في رواية المرُّوْذِي (٥): "كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمَعُوا! إذا سمعتهم (٦) يقولون: أجمَعُوا فاتَّهِمْهُم! لو قال: إنِّي لا أعلم مخالفًا كان أسلم" (٧). وقال في رواية أبي طالب: "هذا كذبٌ، ما عِلْمُه (٨) أنَّ النَّاس مجمعون؟ ولكن يقول: لا (٩) أعْلَمُ فيه اختلافًا؛ فهو أحسن من قوله إجماع النَّاس".

стр. 210

وقال في رواية أبي الحارث: "لا ينبغي لأحدٍ أنْ يدَّعِيَ الإجماع؛ لعلَّ الناس اختلفوا" (١). وقال الشَّافعي (٢) ـ في أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن ـ: "لايكون لأحدٍ أنْ يقول: أجمعوا، حتى يعلم (٣) إجماعهم في البلدان، ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت (٤)، إلَّا خبر الجماعة عن الجماعة. فقال لي: يضيق (٥) هذا جدًّا. قلتُ له: وهو مع ضِيْقِه غير موجودٍ". وقال في موضع آخر (٦)، وقد بيَّن ضعف دعوى الإجماع، وطالب من يناظره بمطالباتٍ عجز عنها، فقال له المناظر: "فهل من إجماعٍ؟ قلتُ: نعم، نحمد الله (٧)، كثيرًا، في كل (٨) الفرائض التي لا يسع

стр. 211

جهلها (١). وذلك الإجماع هو الذي إذا قلتَ: "أجمع النَّاس" لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك (٢): ليس هذا بإجماع. فهذه الطَّريق التي يُصَدَّق بها من ادَّعى الإجماع فيها". وقال بعد كلامٍ طويلٍ حكاه في مناظرته (٣): "أوَمَا كفاك عيب الإجماع أنَّه لم (٤) يُرْوَ عن أحدٍ بعد رسول الله ﷺ دعوى الإجماع؛ إلَّا فيما لم يختلف فيه (٥) أحدٌ، إلى أنْ كان أهل زمانك هذا. قال له المناظر: فقد ادَّعاه بعضكم (٦)! قلتُ: أفحمدت ما ادَّعى منه؟ قال: لا. قلتُ: فكيف صِرْتَ إلى أنْ تدخل فيما ذممت في أكثر ما (٧) عِبْت ألَّا تستدلَّ من طريقك أنَّ الإجماع هو (٨) ترك ادِّعاء الإجماع، فلا

стр. 212

تحسن (١) النَّظَر لنفسك، إذا قلت: هذا إجماع؛ فتجد حولك من أهل العلم (٢) من يقول لك: معاذ الله أنْ يكون هذا إجماعًا". وقال الشَّافعي في "رسالته" (٣): "ما لا يُعْلَم (٤) فيه خلافٌ فليس إجماعًا". فهذا كلام أئمَّة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى. فلْنَرجع إلى المقصود، فنقول: من قال من أصحاب رسول الله ﷺ إنَّ من ترك الصَّلاة عمدًا بغير (٥) عذرٍ حتى خرج وقتها أنَّها تنفعه بعد الوقت، وتُقْبَل منه (٦) وتبرأ ذمَّته؟ فالله يعلم أنَّا لم نظفر عن (٧) صاحبٍ واحدٍ منهم قال ذلك! وقد نقلنا عن الصَّحابة والتابعين ما تقدَّم حكايته. وقد صرَّح الحسن البصري بما قلناه. فقال محمد بن نصر المروزي

стр. 213

في كتابه في الصلاة (١): حدثنا إسحاق حدثنا النَّضر عن الأشعث عن الحسن قال: "إذا ترك الرجل صلاةً واحدةً متعمِّدًا فإنَّه لا يقضيها". قال محمد (٢): "وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنَّه كان يكفِّره بترك الصَّلاة متعمِّدًا؛ فلذلك لم يَرَ عليه القضاء؛ لأنَّ الكافر لا يُؤْمَر بقضاء ما ترك من الفرائض في كُفْره. والثَّاني: أنَّه لم يكفِّره بتركها، فإنَّه ذهب إلى أنَّ الله إنَّما فرض أنْ يأتي بالصلاة في وقتٍ معلومٍ، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور (٣) بإتيانه فيه. فإذا أتى به بعد ذلك فإنَّما أتى به في وقتٍ لم يُؤْمَر بإتيانه فيه، فلا ينفعه أنْ يأتي بغير المأمور به عن المأمور به. وهذا قولٌ غير مستنكرٍ في النَّظر، لولا أنَّ العلماء قد أجمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا قال في النَّاسي للصَّلاة حتى يذهب وقتها، وفي النَّائم أيضًا: لو لم يأت الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من نام عن

стр. 214

صلاةٍ أو نسيها فلْيُصلِّها إذا استيقظ أو ذكر" (١)، وأنَّه نام عن صلاة (٢) الغداة، فقضاها بعد ذهاب الوقت= لما وجب عليه في النَّظر قضاؤها أيضًا؛ فلمَّا جاء الخبر عن النَّبيِّ ﷺ بذلك وجب عليه قضاؤها، وبطل حظُّ النَّظر". فقد نقل محمدٌ (٣) الخلاف صريحًا، وظنَّ أنَّ الأمَّة أجمعت على خلافه. وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنَّه يرى أنَّ الإجماع ينعقد بعد الخلاف. والثَّاني: أنَّه لايرى خلاف الواحد قادحًا في الإجماع.

стр. 215

وفي المسألتين نزاعٌ معروفٌ. وأمَّا قوله: "إنَّ القياس يقتضي أنْ لا يقضي (١) النَّائم والنَّاسي؛ لولا الخبر" فليس كما زعم (٢)؛ لأنَّ وقت النَّائم والنَّاسي هو وقت ذِكْره وانتباهه، لا وقت له غير ذلك، كما تقدَّم. والله أعلم. وأمَّا قولكم: "إنَّ الكافَّة نَقَلت، والأمَّة أجْمَعَت أنَّ من لم يصم شهر رمضان أشرًا وبطرًا أنَّ عليه قضاءه"، فأين النَّقل بذلك إيجادًا (٣) عن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وقد روى عنه أهل "السُّنن" (٤)، والإمام أحمد في "مسنده" (٥)، من حديث أبي هريرة: "مَنْ أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ لم يقضه عنه صيام الدَّهر وإنْ صامه". فهذه الرِّواية المعروفة. فأين الرِّواية عنه، أوعن أصحابه: من أفطر رمضان أوبعضه أجزأ عنه أنْ يصوم مثله؟ وأمَّا قولكم: "إنَّ الصَّلاة والصِّيام دَيْنٌ ثابتٌ يؤدَّى أبدًا، وإنْ خرج
следующие страницы →