← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

جهلها (١). وذلك الإجماع هو الذي إذا قلتَ: "أجمع النَّاس" لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك (٢): ليس هذا بإجماع. فهذه الطَّريق التي يُصَدَّق بها من ادَّعى الإجماع فيها". وقال بعد كلامٍ طويلٍ حكاه في مناظرته (٣): "أوَمَا كفاك عيب الإجماع أنَّه لم (٤) يُرْوَ عن أحدٍ بعد رسول الله ﷺ دعوى الإجماع؛ إلَّا فيما لم يختلف فيه (٥) أحدٌ، إلى أنْ كان أهل زمانك هذا. قال له المناظر: فقد ادَّعاه بعضكم (٦)! قلتُ: أفحمدت ما ادَّعى منه؟ قال: لا. قلتُ: فكيف صِرْتَ إلى أنْ تدخل فيما ذممت في أكثر ما (٧) عِبْت ألَّا تستدلَّ من طريقك أنَّ الإجماع هو (٨) ترك ادِّعاء الإجماع، فلا

стр. 212

تحسن (١) النَّظَر لنفسك، إذا قلت: هذا إجماع؛ فتجد حولك من أهل العلم (٢) من يقول لك: معاذ الله أنْ يكون هذا إجماعًا". وقال الشَّافعي في "رسالته" (٣): "ما لا يُعْلَم (٤) فيه خلافٌ فليس إجماعًا". فهذا كلام أئمَّة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى. فلْنَرجع إلى المقصود، فنقول: من قال من أصحاب رسول الله ﷺ إنَّ من ترك الصَّلاة عمدًا بغير (٥) عذرٍ حتى خرج وقتها أنَّها تنفعه بعد الوقت، وتُقْبَل منه (٦) وتبرأ ذمَّته؟ فالله يعلم أنَّا لم نظفر عن (٧) صاحبٍ واحدٍ منهم قال ذلك! وقد نقلنا عن الصَّحابة والتابعين ما تقدَّم حكايته. وقد صرَّح الحسن البصري بما قلناه. فقال محمد بن نصر المروزي

стр. 213

في كتابه في الصلاة (١): حدثنا إسحاق حدثنا النَّضر عن الأشعث عن الحسن قال: "إذا ترك الرجل صلاةً واحدةً متعمِّدًا فإنَّه لا يقضيها". قال محمد (٢): "وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنَّه كان يكفِّره بترك الصَّلاة متعمِّدًا؛ فلذلك لم يَرَ عليه القضاء؛ لأنَّ الكافر لا يُؤْمَر بقضاء ما ترك من الفرائض في كُفْره. والثَّاني: أنَّه لم يكفِّره بتركها، فإنَّه ذهب إلى أنَّ الله إنَّما فرض أنْ يأتي بالصلاة في وقتٍ معلومٍ، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور (٣) بإتيانه فيه. فإذا أتى به بعد ذلك فإنَّما أتى به في وقتٍ لم يُؤْمَر بإتيانه فيه، فلا ينفعه أنْ يأتي بغير المأمور به عن المأمور به. وهذا قولٌ غير مستنكرٍ في النَّظر، لولا أنَّ العلماء قد أجمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا قال في النَّاسي للصَّلاة حتى يذهب وقتها، وفي النَّائم أيضًا: لو لم يأت الخبر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من نام عن

стр. 214

صلاةٍ أو نسيها فلْيُصلِّها إذا استيقظ أو ذكر" (١)، وأنَّه نام عن صلاة (٢) الغداة، فقضاها بعد ذهاب الوقت= لما وجب عليه في النَّظر قضاؤها أيضًا؛ فلمَّا جاء الخبر عن النَّبيِّ ﷺ بذلك وجب عليه قضاؤها، وبطل حظُّ النَّظر". فقد نقل محمدٌ (٣) الخلاف صريحًا، وظنَّ أنَّ الأمَّة أجمعت على خلافه. وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنَّه يرى أنَّ الإجماع ينعقد بعد الخلاف. والثَّاني: أنَّه لايرى خلاف الواحد قادحًا في الإجماع.

стр. 215

وفي المسألتين نزاعٌ معروفٌ. وأمَّا قوله: "إنَّ القياس يقتضي أنْ لا يقضي (١) النَّائم والنَّاسي؛ لولا الخبر" فليس كما زعم (٢)؛ لأنَّ وقت النَّائم والنَّاسي هو وقت ذِكْره وانتباهه، لا وقت له غير ذلك، كما تقدَّم. والله أعلم. وأمَّا قولكم: "إنَّ الكافَّة نَقَلت، والأمَّة أجْمَعَت أنَّ من لم يصم شهر رمضان أشرًا وبطرًا أنَّ عليه قضاءه"، فأين النَّقل بذلك إيجادًا (٣) عن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وقد روى عنه أهل "السُّنن" (٤)، والإمام أحمد في "مسنده" (٥)، من حديث أبي هريرة: "مَنْ أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ لم يقضه عنه صيام الدَّهر وإنْ صامه". فهذه الرِّواية المعروفة. فأين الرِّواية عنه، أوعن أصحابه: من أفطر رمضان أوبعضه أجزأ عنه أنْ يصوم مثله؟ وأمَّا قولكم: "إنَّ الصَّلاة والصِّيام دَيْنٌ ثابتٌ يؤدَّى أبدًا، وإنْ خرج

стр. 216

الوقت المؤجَّل لهما؛ لقول رسول الله ﷺ : "دَيْن الله أحقُّ أنْ يُقْضَى" .. " فيُقال (١): هذا الدَّليل مبنيٌّ على مقدِّمتين: إحداهما (٢): أنَّ الصلاة والصِّيام دَيْنٌ ثابتٌ في ذِمَّة من تركهما (٣) عمدًا. والمقدِّمة الثَّانية: أنَّ هذا الدَّيْن قابلٌ للأداء، فيجب أداؤه (٤). فأمَّا المقدِّمة الأولى فلا نزاع فيها، ولانعلم أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمَّته بالتَّأخير. ولعلَّكم توهَّمتم علينا أنَّا نقول بذلك، فأخذتم في الشَّناعة علينا، وفي التَّشغيب (٥). ونحن لم نقل ذلك، ولا أحدٌ من أهل الإسلام. وأمَّا المقدِّمة الثَّانية ففيها وقع النِّزاع. وأنتم لم تقيموا عليها دليلًا؛ فادِّعاؤكم لها هو دعوى محلُّ النِّزاع بعينه، جعلتموه مقدِّمة من مقدِّمات الدِّليل، وأثبتُّم (٦) الحكم بنفسه! فمنازعوكم يقولون: لم يبق للمكلَّف طريقٌ إلى استدراك هذا

стр. 217

الفائت، وإنَّ الله تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلَّا في وقته، وعلى صفته التي شَرَعه (١) عليها، وقد أقاموا على ذلك من الأدلَّة ما قد سمعتم. فما الدَّليل على أنَّ هذا الحق قابِلٌ للأداء في غير وقته المحدود له شرعًا؟ وأنَّه يكون (٢) عبادة بعد خروج وقته؟ (٣). وأمَّا قوله ﷺ : "اقضوا الله، فالله أحقُّ بالقضاء" (٤)، وقوله: "دَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى" (٥) فهذا إنَّما قاله في حقِّ المعذور لا المفرِّط. ونحن نقول: إنَّ مثل هذا الدَّين يقبل القضاء. وأيضًا: فإنَّ هذا إنَّما قاله رسول الله ﷺ في النَّذر (٦) المطلق، الذي ليس له وقتٌ محدودُ الطَّرفين. ففي "الصَّحيحين" (٧)، من حديث ابن عباسٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيْتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ فقضَيْتِيه، أكان

стр. 218

يؤدِّي (١) ذلك عنها؟ ". قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمِّك". وفي روايةٍ: أنَّ امرأةً ركبت البحر، فنَذَرَت إنْ نجَّاها الله (٢) أنْ تصوم شهرًا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابةٌ لها إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك، فقال: "صومي عنها". رواه أهل "السُّنن" (٣). وكذلك جاء عنه (٤) الأمر بقضاء هذا الدَّين في الحج، الذي لا يفوت وقته إلَّا بنفاد العمر. ففي "المسند" (٥)، و"السُّنن" (٦) من حديث عبد الله بن الزبير قال: جاء رجلٌ من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال: إنَّ

стр. 219

أبي أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع ركوب الرَّحل (١)، والحجُّ مكتوبٌ عليه، أفأحجُّ عنه؟ قال: "أنت أكبر ولده (٢)؟ ". قال: نعم. قال: "أرأيتَ لو كان على أبيك دَيْنٌ فقضَيْتَه عنه، أكان ذلك يجزئ (٣) عنه؟ " قال: نعم. قال: "فحُجَّ (٤) عنه". وعن ابن عباسٍ: أنَّ امرأةً من جهينة جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: إنَّ أمِّي نَذَرت أنْ تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: "نعم، حجِّي عنها. أرأيْتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ أكنتِ قاضِيَته؟ اقضوا الله، فاللهُ أحقُّ بالوفاء". متَّفق على صحَّته (٥). وعن ابن عباسٍ أيضًا قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: إنَّ أبي مات وعليه حجَّة الإسلام، أفأحجُّ عنه؟ قال: "أرأيتَ لو أنَّ أباك ترك دَيْنًا عليه فقضَيْتَه، أكان يجزئ عنه؟ ". قال: نعم. قال: "فاحجج (٦) عن أبيك".

стр. 220

رواه الدَّارقطني (١). ونحن نقول في مثل هذا الدَّيْن القابل للأداء: دَيْنُ الله أحقُّ أنْ يُقْضَى؛ فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاءِ عبادةٍ موقَّتةٍ، محدودة الطَّرَفين. وقد جاهرَ اللهَ (٢) سبحانه بتفويتها بَطَرًا وعدوانًا، فهذا الدَّين مستحقُّه لا يَعتدُّ به، ولا يقبله إلَّا على صفته التي شَرَعه عليها؛ ولهذا لو قضاه على غير تلك الصِّفة لم تنفعه. فصلٌ وأما قولكم: "وإذا كان النَّائم والنَّاسي للصَّلاة ـ وهما معذوران ـ يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمِّد لتركها أولى"= فجوابه من وجوهٍ: أحدها: المعارضة بما هو أصحُّ (٣) منه، أومثله، وهو أنْ يُقال: لا يلزم من صِحَّة القضاء بعد الوقت من المعذور، المطيع لله ورسوله، الذي لم يكن منه تفريطٌ في فعل ما أُمِر به، وقبوله منه= صحَّته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيِّعٍ لأمره، تاركٍ لحقِّه عمدًا وعدوانًا. فقياس

стр. 221

هذا على هذا في صحَّة العبادة، وقبولها منه، وبراءة (١) الذِّمَّة بها من أفسد القياس. الوجه الثَّاني: أنَّ المعذور بنومٍ أونسيانٍ لم يصلِّ الصَّلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقَّته الله له؛ فإنَّ الوقت في حقِّ هذا حين يستيقظ ويذكر، كما قال ﷺ : "من نَسِي صلاةً فوقتُها إذا ذَكَرها". رواه البيهقي، والدَّارقطني (٢). وقد تقدَّم. فالوقت وقتان: وقت اختيارٍ، ووقت عذرٍ. فوقت المعذور بنومٍ أوسهوٍ هو وقت ذِكْرِه واستيقاظه؛ فهذا لم يصلِّ الصَّلاة إلَّا في وقتها، فكيف يُقَاس عليه من صلَّاها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا! الثَّالث: أنَّ الشَّريعة قد فرَّقت في مصادرها ومواردها بين العامد والنَّاسي، وبين المعذور وغيره، وهما ممَّا لا خفاء به؛ فإلحاق أحد النَّوعين بالآخر غير جائزٍ. الرَّابع: أنَّا لم نسقطها عن العامد المفرِّط، ونأمر بها المعذور حتى

стр. 222

يكون ما ذكرتم حجَّةً علينا؛ بل ألزمنا بها المفرِّط (١) المتعدِّي على وجهٍ لا سبيل له إلى استدراكها؛ تغليظًا عليه، وجوَّزنا قضاءها للمعذور غير المفرِّط. فصْلٌ وأمَّا استدلالكم بقوله (٢) ﷺ : "مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣) فما أصحَّه من حديثٍ، وما أراه على مقتضى قولكم؛ فإنَّكم تقولون هو مدركٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا ألبتَّة. بمعنى: أنَّه مدركٌ لفعلها، صحيحة منه، مبرئة لذمَّته، فلو كانت تصحُّ بعد خروج وقتها وتُقْبَل منه لم يعلَّق (٤) إدراكها بركعةٍ. ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُرِد أنَّ من أدرك ركعةً من العصر صحَّت صلاتُه بلا إثمٍ، بل هو آثمٌ بتعمُّد ذلك اتِّفاقًا؛ فإنَّه أُمِر أنْ يوقع جميعها في وقتها. فعُلِم أنَّ هذا الإدراك لا يرفع الإثم، بل هو مدركٌ آثمٌ، فلو كانت تصحُّ بعد الغروب لم يكن فرقٌ بين أنْ يدرك ركعةً من الوقت، أولا

стр. 223

يدرك منه شيئًا! فإنْ قلتم: إذا أخَّرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثمًا. قيل لكم: النَّبيُّ ﷺ لم يفرِّق بين إدراك (١) الرَّكعة وعدمها في كثرة الإثم وخفَّته، وإنَّما فرَّق بينهما في الإدراك وعدمه. ولا ريب أنَّ المُفَوِّت لمجموعها في الوقت أعظم (٢) من المُفَوِّت لأكثرها، والمُفَوِّت لأكثرها فيه أعظم من المُفَوِّت لركعةٍ منها. فنحن نسألكم، ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعةٍ، أهو (٣) إدراكٌ يرفع الإثم؟ فهذا لا يقوله أحدٌ. أوإدراكٌ يقتضي الصِحَّة؟ فلا فرق فيه بين أن يفوِّتَها بالكليَّة، أويفوِّتها إلَّا ركعةً منها. فصلٌ وأمَّا احتجاجكم بتأخير النَّبيِّ ﷺ لها يوم الخندق، من غير نومٍ ولا نسيانٍ، ثم قضاها بعدُ (٤)، فيُقال: يالله العجب! لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم، وأقمتم قيامتنا بالتَّشنيع علينا!

стр. 224

فكيف تحتجُّون (١) على تفويتٍ صاحبُه عاصٍ لله (٢)، آثمٌ، متعدٍّ لحدوده، مستوجبٌ لعقابه= بتفويتٍ صدر من أطوع الخلق لله، وأرضاهم له، وأتبعهم لأمره، وهو مطيعٌ لله في ذلك التَّأخير، متبعٌ مرضاته فيه! وذلك التَّأخير منه صلوات الله (٣) وسلامه عليه إمَّا أنْ يكون لنسيانٍ (٤) منه، أويكون أخَّرها عمدًا. وعلى التَّقديرين فلا حُجَّة لكم فيه بوجهٍ؛ فإنَّه إنْ كان نسيانًا فنحن وسائر الأمة نقول بموجبه، وأنَّ النَّاسي يصلِّيها متى ذَكَرها. وإنْ كان عامدًا فهو تأخيرٌ لها من وقتٍ إلى وقتٍ أُذِن فيه، كتأخير (٥) المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء. وقد اختلف النَّاس فيمَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه يصلِّي حال القتال على حسب حاله، ولا يؤخِّر الصلاة.

стр. 225

قالوا: وتأخير يوم (١) الخندق منسوخٌ. وهذا مذهب مالك (٢)، والشافعي (٣) (٤)، والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه (٥). الثَّاني: أنَّها تؤخَّر كما أخَّر (٦) النَّبيُّ ﷺ يوم الخندق. وهذا مذهب أبي حنيفة (٧). والأوَّلون يجيبون عن هذا: بأنَّه كان قبل أنْ تُشْرع صلاة الخوف، فلمَّا شُرِعت صلاة الخوف لم يؤخِّرْها بعد ذلك في غزاةٍ واحدةٍ (٨). والحنفيَّة تجيب عن ذلك بأنَّ صلاة الخوف إنَّما شُرِعَت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال؛ فإنَّه (٩) يمكنهم أنْ يصلُّوا صلاة الخوف كما أمر الله سبحانه؛ بأنْ يقوموا صفَّين، صفًّا (١٠) يصلُّون، وصفًّا يحرسون.

стр. 226

وأمَّا حال الالتحام فلا يمكن ذلك (١). فالتَّأخير وقع حال الاشتغال بالقتال، وصلاة الخوف شُرِعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال، فهذا له موضع، وهذا له موضع. وهذا في القوَّة (٢) كما ترى. وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: يخيَّر بين تقديمها والصَّلاة على حسب حاله، وبين تأخيرها حتى يتمكَّن من فعلها. وهذا مذهب جماعةٍ من الشَّاميين (٣)، وهو إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد (٤). لأنَّ الصَّحابة فعلوا هذا وهذا (٥) في قصَّة بني قريظة، كما سنذكره (٦) بعد هذا، إن شاء الله تعالى. وعلى الأقوال الثَّلاثة فلا حُجَّة للعاصي، المفرِّط، المتعدِّي، الذي قد باء بعقوبة الله وإثم التَّفويت في ذلك بوجهٍ من الوجوه. وبالله التوفيق.

стр. 227

فصلٌ وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصَّحابة العصر إلى بعد غروب الشمس (١) عمدًا؛ حين قال النَّبيُّ ﷺ : "لا يصلينَّ أحدٌ (٢) العصر إلَّا في بني قريظة" (٣). فأدْرَكَت طائفةٌ الصلاة في الطَّريق، فقالوا: لم يُرِد منَّا تأخيرها، فصلَّوها في الطريق. وأبَت طائفةٌ أخرى أنْ تصلِّيها إلَّا في بني قريظة، فصلَّوها بعد العشاء (٤). فما عنَّف رسول الله ﷺ واحدة (٥) من الطَّائفتين. فإنَّ الذين أخَّروها كانوا مطيعين لرسول الله ﷺ ، معتقدين وجوب ذلك التَّأخير، وأنَّ وقتها الذي أُمِرُوا به حيث أدركهم في بني قريظة. فكيف يُقَاس العاصي المتعدِّي لحدود الله على المطيع له، الممتثل لأمره. فهذا من أبْطَل قياسٍ في العالم وأفسده. وبالله التوفيق.

стр. 228

وقد فضَّلت طائفةٌ من العلماء الذين أخَّروها إلى بني قريظة على الذين صلَّوها في الطريق. قالوا: لأنَّهم امتثلوا أمر رسول الله ﷺ على الحقيقة، والآخرون تأوَّلوا؛ فصلَّوها في الطريق. فصلٌ وأمَّا استدلالكم بأمر النَّبيِّ ﷺ أنْ يصلِّي نافلةً (١) مع الأمراء الذين كانوا يضيِّعون الصلاة عن وقتها، ويصلُّونها في غير الوقت= فلا حُجَّة فيه (٢)؛ لأنَّهم لم يكونوا يؤخِّرون صلاة النَّهار إلى اللَّيل، ولا صلاة اللَّيل إلى النَّهار؛ بل كانوا يؤخِّرُون صلاة الظهر إلى وقت العصر، وربَّما كانوا يؤخِّرون العصر إلى وقت الاصفرار. ونحن نقول: إنَّه متى أخَّر إحدى صلاتَي الجَمْع إلى وقت الأخرى صلَّاها في وقت الثَّانية وإنْ كان غير معذورٍ. وكذلك إذا أخَّر العصر إلى الاصفرار (٣)؛ بل إلى أنْ يبقى منها قدر ركعةٍ، فإنَّه يصلِّيها بالنَّص. وقد جَمَع النَّبيُّ ﷺ بالمدينة، من غير خوفٍ ولا مطرٍ؛ أراد أنْ لا يُحْرِج أُمَّته (٤). فهذا التَّأخير لا يمنع صِحَّة الصلاة.

стр. 229

وأمَّا قولكم: قد أجاز رسول الله ﷺ صلاة من أخَّر الظهر إلى وقت العصر، مع تفريطه، مع خروج وقت الظَّهر. فجوابه: أنَّ الوقت مشتركٌ بين الصلاتين في الجملة. وقد جَمَع رسول الله بالمدينة من غير خوفٍ ولا مرضٍ (١)، وهذا لا يُنَازع (٢) فيه. ولكن هل أجاز رسول الله ﷺ صلاة الصُّبح في وقت الضُّحى من غير نومٍ ولا نسيان (٣)؟ وأمَّا قولكم: وقد رُوِي من حديث أبي قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال فيْمَن نام عن صلاة الصبح قال (٤): "وإذا كان الغد فلْيُصلِّها لميقاتها" (٥) = إنَّ هذا أوضح في أداء المفرِّط للصَّلاة، عند الذِّكر وبعد الذِّكر، وهو حديث صحيح الإسناد. فيالله العجب! أين في هذا الحديث ما يدلُّ بوجهٍ من وجوه الدلالة ــ نصِّها أوظاهرها، أوإيمائها ـ على أنَّ العاصي المتعدِّي لحدود الله بتفويت

стр. 230

الصلاة عن وقتها= تصحُّ منه بعد الوقت، وتبْرأ ذِمَّته منها، وهي أهلٌ أن تقبل منه؟ وكأنَّكم فهمتم من قوله: "فإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها" أمره بتأخيرها إلى الغد! وهذا باطلٌ قطعًا، لم يُرِدْه رسول الله ﷺ ، والحديث صريحٌ في إبطاله؛ فإنَّه أمَرَه أنْ يصلِّيها (١) إذا استيقظ أو ذَكَرها. ثم رُوِي في تمام الحديث هذه الزِّيادة، وهي قوله: "فإذا كان من الغد فلْيُصلِّها لميقاتها". وقد اختلف النَّاس في صحَّة هذه الزِّيادة ومعناها. فقال بعض الحفَّاظ: هذه الزِّيادة وهمٌ من عبد الله بن رباح، الذي روى الحديث عن أبي قتادة، أومن أحد الرُّواة. وقد حُكِي (٢) عن البخاري (٣) أنَّه قال: لا يُتَابَع في قوله: "فليُصلِّ إذا ذكرها ولوقتها (٤) من الغد". وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (٥) عن عِمران بن حُصَين قال:

стр. 231

سِرْتُ مع رسول الله ﷺ ، فلمَّا كان من (١) آخر اللِّيل عرَّسنا، فلم نستيقظ حتى أيقظتنا (٢) الشمس، فجعل الرجل يقوم دَهَشًا (٣) إلى طهوره. فأمَرَهم النَّبيُّ ﷺ أنْ يسكنوا، ثم ارتحل، فسرْنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضَّأ، ثمَّ أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلَّينا. فقالوا: يارسول الله ﷺ ، ألَا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: "أينهاكم (٤) ربُّكم ﵎ عن الرِّبا، ويقبله منكم! ". قال الحافظ أبوعبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (٥): "وفي هذا دليلٌ على ما قال البخاري؛ لأنَّ عمران بن الحصين كان حاضرًا، ولم يذكر ما قال عبد الله بن رباح عن أبي قتادة". وعندي أنَّه لا تعارض (٦) بين الحديثين، ولم يأمر رسول الله ﷺ بإعادتها من الغد، وإنَّما الذي أَمَرَ به فعلَ الثانية في وقتها، وأنَّ الوقت لم يسقط بالنَّوم والنِّسيان، بل عاد إلى ما كان عليه. والله أعلم.

стр. 232

قوله: "وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي قال: قَدِم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ ، فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذٍ الظهر إلَّا مع العصر .. " إلى آخره. فقد تقدَّم جواب هذا وأمثاله مرارًا، وأنَّ هذا التَّأخير كان طاعةً لله تعالى وقُربةً. وغايته أنَّه جمع بين الصَّلاتين (١) لشغلٍ مهمٍّ من أمور المسلمين، فكيف يصحُّ إلحاق تأخير المتعدِّي لحدود الله به؟ ولقد ضعفت مسألةٌ تُنْصَر بمثل هذا! قوله: "وليس ترك الصلاة حتى يخرج وقتها عمدًا مذكورًا عند الجمهور في الكبائر". فيُقَال: يالله العجب! وهل تَقْبَل هذا المسألة نِزاعًا؟ وهل ذلك إلَّا من أعظم الكبائر، وقد جعل رسول الله ﷺ تفويت صلاة العصر محبِطًا للعمل! فأيُّ كبيرةٍ تقوى على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة! وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "الجمع بين الصَّلاتين من غير عذرٍ من (٢) الكبائر" (٣). ولم يخالفه صحابيٌّ واحد في ذلك، بل الآثار الثابتة عن الصحابة كلُّها توافق ذلك.

стр. 233

هذا والجامع بين الصَّلاتين قد صلَّاهما في وقت إحداهما للعذر (١). فماذا نقول (٢) فيمن صلَّى الصبح في وقت الضُّحى عمدًا وعدوانًا، والعصر نصف اللَّيل من غير عذرٍ؟ وقد صرَّح الصِّدِّيق أنَّ الله لا يقبل هذه الصَّلاة (٣). ولم يخالف الصِّدِّيق صحابيٌّ واحد. وقد توعَّد الله سبحانه بالويل والغيِّ لمن سها عن صلاته وأضاعها. وقد قال الصَّحابة ـ وهم أعلم الأمَّة بتفسير الآية ـ: إنَّ ذلك تأخيرها عن وقتها. كما تقدَّم حكايته (٤). ويا لله العَجَب! أيُّ كبيرةٍ أكبر من كبيرةٍ تُحْبِط العمل، وتجعل الرجل بمنزلة من قد وُتِر أهلَه ومالَه. وإذا لم يكن تأخير صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وتأخير صلاة اللَّيل إلى النَّهار من غير عذرٍ من الكبائر= لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذرٍ ويصوم بدله شوال من الكبائر (٥). ونحن نقول: بل ذلك أكبر من كُلِّ كبيرةٍ بعد الشِّرك بالله، ولَأَنْ يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك به خير له من أن يؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار، عدوانًا عمدًا بلا عذرٍ.

стр. 234

وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور ابن مخرمة (١) أنَّه دخل مع ابن عباس على عمر حين طُعِنَ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، الصَّلاة! فقال: "أجل (٢)، أُصَلِّي؛ إنَّه لا حظَّ في الإسلام لمن أضاع الصلاة" (٣). وقال إسماعيل بن عُليَّة عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: "نُبِّئتُ أنَّ أبا بكر وعمر كانا يعلِّمان الناس الإسلام؛ تعبد الله، ولاتشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة (٤) التي افترض الله بمواقيتها، فإنَّ في تفريطها الهلكة" (٥). وقال محمد بن نصر المروزي (٦): "وسمعت إسحاق يقول: صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّ تارك الصلاة كافرٌ. وكذلك كان رأي أهل العلم، من لدن النَّبيِّ ﷺ (٧) إلى يومنا هذا: أنَّ تارك الصلاة عمدًا من غير عُذرٍ

стр. 235

حتى يذهب وقتها كافرٌ. وذهاب الوقت أنْ يؤخِّر الظُّهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر. وإنَّما جعل آخر (١) أوقات الصَّلاة بما وصفنا (٢) لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة، وفي (٣) السفر، فصلَّى إحداهما في وقت الأخرى. فلمَّا جعل النَّبيُّ ﷺ الأولى منهما وقتًا للأخرى (٤) في حالٍ، والأخرى وقتًا للأولى (٥) في حالٍ صار وقتاهما وقتًا واحدًا في حال العذر، كما أُمِرَت الحائض إذا طهُرت قبل غروب الشمس أنْ تصلِّي الظهر والعصر، وإذا طهُرت (٦) آخر اللَّيل أنْ تصلِّي المغرب والعشاء" (٧).

стр. 236

وإذا كان صلاة الذي يؤخِّر (١) العصر حتى تصير الشمس بين قرني شيطان (٢) صلاةَ المنافق بنصِّ رسول الله ﷺ (٣)، فما يقول (٤) ـ بأبي هو وأمي ـ صلوات الله عليه وسلامه فيمن يصلِّيها بعد العشاء؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/٣١]. فإذا اجتنب الرجل كبائر المنهيات، واستمرَّ على صلاة الصبح في وقت الضُّحى، والعصر بعد العشاء كان على قولكم مغفورًا له، غير آثمٍ ألبتَّة! وهذا ما لا يقوله (٥) أحدٌ. قوله: "والعجب من هذا الظَّاهري كيف نقض أصله؛ فإنَّه يقول: ما وجب بإجماعٍ فإنَّه لا يسقط إلَّا بالإجماع (٦) ". فيُقَال: غاية هذا أنَّ منازعكم تناقض (٧)؛ فلا يكون تناقضه مصحِّحًا لقولكم.

стр. 237

وإنْ أردتم بذلك الاستدلالَ بالاستصحاب، وأنَّ الصلاة كانت في ذِمَّته بإجماعٍ، فلا تسقط إلَّا بإجماعٍ، وهو مفقود (١) = قيل لكم: ومن ذا (٢) الذي قال بسقوطها من ذِمَّته بالتَّأخير، وأنَّ ذمته قد برئت منها! فمَن قال بهذا فقوله أظهر بطلانًا من أنْ يحتاج (٣) إلى دليلٍ عليه. والذي يقول منازعوكم: إنَّها قد استقرَّت في ذِمَّته على وجهٍ لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها، إلَّا بعود ذلك الوقت بعينه. وهذا محالٌ! ثم يُعَارَضُ هذا الإجماع بإجماعٍ مثله أوأقوى منه؛ فنقول (٤): أجمع المسلمون على أنَّه عاصٍ، متعدٍّ، مفرِّطٌ بإضاعة الوقت. فلا يرتفع هذا الإجماع إلَّا بإجماعٍ مثله، أو أقوى منه. فنقول: (٥) ولم يجمعوا على أنَّه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت؛ بل لعلَّ هذا لم يقله أحدٌ. فهذا ما يتعلَّق بالحِجَاج من الجانبين.

стр. 238

وليس لنا غرضٌ فيما وراء ذلك. وقد بان مَنْ هو أسعد بالكتاب والسُّنَّة وأقوال السَّلف في هذه المسألة. والله المستعان. فصلٌ فإنْ قيل: فقد أمر النَّبيُّ ﷺ المفطر (١) متعمِّدًا في نهار (٢) رمضان بالقضاء في موضعين: أحدهما: المجامِع. والثَّاني: المستقيء. ففي "السُّنن" (٣)، من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ ، قد جامع أهله في رمضان .. فذكر الحديث، وقال فيه: فأُتِيَ بعَرَقٍ (٤) فيه تمرٌ، قدر خمسة عشر صاعًا. وفيه قال: "كُلْه أنت وأهل بيتك، وصُمْ يومًا، واستغفر الله ". وعند ابن ماجه (٥): "وصُمْ (٦) يومًا مكانه".

стр. 239

وفي "السُّنن"، و"المسند" (١)، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذَرَعَه القيءُ وهو صائمٌ فليس عليه قضاءٌ، ومن استقاء فلْيَقض". قيل: الحديثان معلولان، لا يثبتان! أمَّا قصَّة المجامِع في رمضان فقد رواها أصحاب الصَّحيح (٢)، ولم يذكر أحدٌ منهم هذه الزِّيادة. والذي ذكرها لا تقوم (٣) به الحُجَّة؛ فإنَّها من رواية (٤) عبد الجبار بن عمر الأيلي، وقد ضعَّفه الأئمَّة.

стр. 240

قال يحيى بن معين: "ليس بشيءٍ، ولا يكتب حديثه" (١)، وقال مرَّةً: "ضعيف" (٢). وكذلك قال أبوزرعة (٣)، والسَّعدي (٤)، والنَّسائي (٥). وقال البُخاري (٦): "ليس بالقويِّ، عنده مناكير". وقال ابن عديٍّ (٧): "عامَّة ما يرويه يُخالَف فيه، والضَّعف (٨) بيِّن على رواياته". ورواه أئمَّة أصحاب ابن شهاب عنه ـ كمالكٍ وغيره ـ فلم يذكروا قوله: "صُم يومًا مكانه". ورواه أبو مروان العثماني عن إبراهيم بن سعد عن اللَّيث عن ابن شهاب عن حميد (٩) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له في هذه القصَّة: "اقضِ يومًا مكانه". وكذا رُوِيَ عن الدَّراوَرْدي عن إبراهيم بن سعد عن اللَّيث.

стр. 241

قال البيهقي (١): وإبراهيم عنده الحديث عن الزهري، بلا هذه الكلمة. وقد رواه حجاج بن أرطاة عن إبراهيم بن علي، كذا مرَّ عن ابن المسيب (٢)، وعن الزهري عن حميد عن أبي هريرة. ورواه حجاج عن عمرو بن شعيب (٣) عن أبيه عن جدِّه. وقال فيه عمرو: "وأمره أنْ يقضي يومًا مكانه". وقد رواه هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال فيه: "وصُم يومًا مكانه، واستغفر الله". فخالف هشامٌ النَّاس في روايته عن أبي سلمة، والحديث لحميد (٤) عن أبي هريرة. ورواه ابن (٥) أبي أويس قال: حدثني أبي أنَّ ابن شهاب أخبره عن حميد أنَّ أباهريرة حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ أمر الذي يفطر في رمضان أنْ يصوم يومًا مكانه. ولكن هذا يخالف رواية أصحاب ابن شهاب؛ فإنَّهم لم يذكروا هذه الزِّيادة!

стр. 242

وقال الشَّافعي: أخبرنا مالك عن عطاء الخراساني عن ابن المسيب قال: أتى أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ .. فذكر الحديث، وقال في آخره: "وصُمْ يومًا مكان ما أصبت" (١). وهذا مرسلٌ، ولكنَّه من مراسيل ابن المسيَّب (٢). ورواه داود بن أبي هند عن عطاء، فلم يذكر قوله: "وصُم يومًا مكانه". وعطاءٌ كذَّبَه ابنُ المسيب (٣)، وقال ابن حبَّان: "كان رديء الحِفْظ، يخطئ، ولا يعلم (٤)، فبطل الاحتجاج به" (٥). وأمَّا حديث المستقيء عمدًا فهو حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن ذَرَعَه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" فقال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ غريبٌ". وقال: قال محمدٌ ـ يعني: البخاري ـ: "لا أراه محفوظًا" (٦).

стр. 243

وقال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: "ليس من ذا شيءٌ" (١). وقال التِّرمذي في "كتاب العِلل" (٢): حدَّثنا علي بن حُجْر حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسَّان عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن ذَرَعَه القيء فليس عليه قضاءٌ، ومَن استقى عمدًا فلْيَقض". قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلَّا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: "ما أراه محفوظًا". قال (٣): "وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم أنَّ أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطِّر الصَّائم" (٤). وبتقدير صِحَّة الحديث فلا حُجَّة فيه؛ إذْ المراد به: المعذور الذي

стр. 244

اعتقد أنَّه يجوز له الاستقاء، أوالمريض الذي احتاج أنْ يستقيء فاستقاء؛ فإنَّ الاستقاء في العادة لا يكون إلَّا لعذرٍ. وإلَّا فلا يقصد العاقل أنْ يستقيء من غير حاجةٍ؛ فيكون المستقيء متداويًا بالاستقاء، كما لو تداوى (١) بشرب دواءٍ، وهذا يقبل منه القضاء، و (٢) يؤمر به اتفاقًا. وقد اختلف الفقهاء في المُجَامِع في نهار رمضان إذا كفَّر، هل يجب (٣) عليه أن يقضي يومًا مكان الذي أفطره؟ على ثلاثة أقوالٍ، وهي للشافعي (٤): أحدها: يجب عليه (٥). والثَّاني: لا يجب عليه (٦). والثَّالث: إنْ كفَّر بالعِتق أو الإطعام وجب عليه الصِّيام، وإنْ كفَّر بالصَّوم لم يجب عليه قضاء ذلك اليوم.

стр. 245

فصْلٌ وأمَّا المسألة السَّابعة (١)، وهي: هل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ فهذه المسألة مبنيَّةٌ على أصْلَين: أحدهما: أنَّ صلاة الجماعة فرضٌ أم سُنَّة؟ وإذا قلنا: هي فرضٌ فهل هي شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، أم تصحُّ بدونها (٢) مع عصيان تاركها؟ فهاتان مسألتان. أمَّا المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها (٣). فقال بوجوبها عطاء ابن أبي رباح، والحسن البصري، وأبو عمرو الأوزاعي، وأبو ثور (٤). والإمام أحمد في ظاهر مذهبه (٥). ونصَّ عليه الشَّافعي في «مختصر المزني»، فقال: «وأمَّا الجماعة فلا أرخِّص في تركها إلَّا من عذر» (٦).

стр. 246

وقال ابن المنذر في «كتاب الأوسط» (١): «ذكر [إيجاب (٢)] حضور الجماعة على العميان، وإنْ بعدت منازلهم عن المسجد. ويدلُّ ذلك على (٣) أنَّ شهود (٤) الجماعة فرضٌ لا ندبٌ». ثمَّ ذكر حديث ابن أمِّ مكتوم أنَّه قال (٥): يا رسول الله، إنَّ بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا (٦)، فهل يسعني أنْ أُصلِّي في بيتي؟ قال: «تسمعُ الإقامة؟» قال: نعم. قال: «فَأْتِهَا» (٧).

стр. 247

قال ابن المنذر (١): «ذِكْر تخوُّف النِّفاق على تارك شُهُود العشاء والصُّبح في جماعةٍ». ثُمَّ قال في أثناء الباب: «فدلَّت الأخبار التي ذكرتُ (٢) على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له. فمِمَّا دلَّ عليه: قولُه لابن أم مكتومٍ ـ وهو ضريرٌ ـ: «لا أجد لك رخصة» (٣). فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أنْ لا يكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه ﷺ بأنْ يحرِّق على قومٍ تخلَّفُوا (٤) عن الصَّلاة بيوتهم (٥) أبينُ البيانِ على وجوب فرض الجماعة؛ إذ غير جائزٍ أنْ يتهدَّد الرسول (٦) ﷺ من تخلَّف عن ندبٍ، وعمَّا ليس بفرضٍ. قال: ويؤيِّدُه حديث أبي هريرة: أنَّ رجلًا خرج من المسجد بعدما أَذَّن المؤذِّنُ فقال: «أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم» (٧). ولو كان المرء مخيَّرًا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره.

стр. 248

ولمَّا (١) أمر الله تعالى ذكره بالجماعة في حال الخوف دلَّ على أنَّ ذلك في حال الأمن أوجب. والأخبار المذكورة في أبواب الرُّخصة في التخلُّف عن الجماعة لأصحاب العذر تدلُّ (٢) على فرض الجماعة على من لا عذر له. ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للتَّرخيص في التخلُّف عنها في أبواب العذر معنىً. ودلَّ على تأكيد فرض الجماعة قوله ﷺ : «من يسمع النِّداء فلم يجب فلا صلاة له» (٣). ثم ساق الحديث (٤) في ذلك. ثم قال: وقال الشافعي (٥): ذكَرَ اللهُ الأذان بالصَّلاة فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة/٥٨]، وقال (٦): ﴿إِذَا (٧) نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة/٩]. وسنَّ رسول الله ﷺ الأذان

стр. 249

للصَّلوات (١) المكتوبات، فأشبه ما وصفتُ، أنْ لا يحلَّ ترك أنْ يصلَّى كلُّ مكتوبةٍ في جماعةٍ (٢)، حتى لا يخلو (٣) جماعةٌ مقيمون أومسافرون من أن يُصَلَّى فيهم (٤) صلاة جماعةٍ، فلا أرخِّص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلَّا من عذرٍ. وإنْ تخلَّف أحدٌ فصلَّاها منفردًا لم تكن عليه إعادتها، صلَّاها قبل الإمام أوبعده، إلَّا صلاة الجمعة؛ فإنَّ على من صلَّاها ظهرًا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها؛ لأنَّ إتيانها فرضٌ». هذا كُلُّه لفظ ابن المنذر. وقالت الحنفيَّة (٥)، والمالكية (٦): هي سُنةٌ مؤكَّدةٌ، ولكنَّهم يُؤَثِّمُون تارك السُّنن المؤكَّدة، ويصحِّحُون الصَّلاة بدونها، فالخلاف بينهم وبين من قال «إنَّها واجبةٌ، لا شرطٌ» لفظيٌّ (٧) (٨). وكذلك صرَّح بعضهم بالوجوب.

стр. 250

قال الموجِبُون: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء/ ١٠٢]. ووجه الاستدلال بالآية من وجوه: أحدها: أمرُه سبحانه لهم بالصَّلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائفة الثَّانية، بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الأعيان؛ إذْ لم يسقطها سبحانه عن الطَّائفة الثَّانية بفعل الأولى. ولو كانت الجماعة سُنَّةً لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولو كانت فرض كفاية لسَقَطَت بفعل الطَّائفة الأولى. ففي الآية دليلٌ على وجوبها على الأعيان. فهذه على ثلاثة أوجه: أمرُهُ بها أوَّلًا. ثُمَّ أمرُهُ بها ثانيًا. وأنَّه لم يرخِّص لهم في تركها حال الخوف. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٤٢ - ٤٣].
следующие страницы →