← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال ابن المنذر في «كتاب الأوسط» (١): «ذكر [إيجاب (٢)] حضور الجماعة على العميان، وإنْ بعدت منازلهم عن المسجد. ويدلُّ ذلك على (٣) أنَّ شهود (٤) الجماعة فرضٌ لا ندبٌ». ثمَّ ذكر حديث ابن أمِّ مكتوم أنَّه قال (٥): يا رسول الله، إنَّ بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا (٦)، فهل يسعني أنْ أُصلِّي في بيتي؟ قال: «تسمعُ الإقامة؟» قال: نعم. قال: «فَأْتِهَا» (٧).

стр. 247

قال ابن المنذر (١): «ذِكْر تخوُّف النِّفاق على تارك شُهُود العشاء والصُّبح في جماعةٍ». ثُمَّ قال في أثناء الباب: «فدلَّت الأخبار التي ذكرتُ (٢) على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له. فمِمَّا دلَّ عليه: قولُه لابن أم مكتومٍ ـ وهو ضريرٌ ـ: «لا أجد لك رخصة» (٣). فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أنْ لا يكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه ﷺ بأنْ يحرِّق على قومٍ تخلَّفُوا (٤) عن الصَّلاة بيوتهم (٥) أبينُ البيانِ على وجوب فرض الجماعة؛ إذ غير جائزٍ أنْ يتهدَّد الرسول (٦) ﷺ من تخلَّف عن ندبٍ، وعمَّا ليس بفرضٍ. قال: ويؤيِّدُه حديث أبي هريرة: أنَّ رجلًا خرج من المسجد بعدما أَذَّن المؤذِّنُ فقال: «أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم» (٧). ولو كان المرء مخيَّرًا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره.

стр. 248

ولمَّا (١) أمر الله تعالى ذكره بالجماعة في حال الخوف دلَّ على أنَّ ذلك في حال الأمن أوجب. والأخبار المذكورة في أبواب الرُّخصة في التخلُّف عن الجماعة لأصحاب العذر تدلُّ (٢) على فرض الجماعة على من لا عذر له. ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للتَّرخيص في التخلُّف عنها في أبواب العذر معنىً. ودلَّ على تأكيد فرض الجماعة قوله ﷺ : «من يسمع النِّداء فلم يجب فلا صلاة له» (٣). ثم ساق الحديث (٤) في ذلك. ثم قال: وقال الشافعي (٥): ذكَرَ اللهُ الأذان بالصَّلاة فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة/٥٨]، وقال (٦): ﴿إِذَا (٧) نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة/٩]. وسنَّ رسول الله ﷺ الأذان

стр. 249

للصَّلوات (١) المكتوبات، فأشبه ما وصفتُ، أنْ لا يحلَّ ترك أنْ يصلَّى كلُّ مكتوبةٍ في جماعةٍ (٢)، حتى لا يخلو (٣) جماعةٌ مقيمون أومسافرون من أن يُصَلَّى فيهم (٤) صلاة جماعةٍ، فلا أرخِّص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلَّا من عذرٍ. وإنْ تخلَّف أحدٌ فصلَّاها منفردًا لم تكن عليه إعادتها، صلَّاها قبل الإمام أوبعده، إلَّا صلاة الجمعة؛ فإنَّ على من صلَّاها ظهرًا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها؛ لأنَّ إتيانها فرضٌ». هذا كُلُّه لفظ ابن المنذر. وقالت الحنفيَّة (٥)، والمالكية (٦): هي سُنةٌ مؤكَّدةٌ، ولكنَّهم يُؤَثِّمُون تارك السُّنن المؤكَّدة، ويصحِّحُون الصَّلاة بدونها، فالخلاف بينهم وبين من قال «إنَّها واجبةٌ، لا شرطٌ» لفظيٌّ (٧) (٨). وكذلك صرَّح بعضهم بالوجوب.

стр. 250

قال الموجِبُون: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء/ ١٠٢]. ووجه الاستدلال بالآية من وجوه: أحدها: أمرُه سبحانه لهم بالصَّلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائفة الثَّانية، بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الأعيان؛ إذْ لم يسقطها سبحانه عن الطَّائفة الثَّانية بفعل الأولى. ولو كانت الجماعة سُنَّةً لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولو كانت فرض كفاية لسَقَطَت بفعل الطَّائفة الأولى. ففي الآية دليلٌ على وجوبها على الأعيان. فهذه على ثلاثة أوجه: أمرُهُ بها أوَّلًا. ثُمَّ أمرُهُ بها ثانيًا. وأنَّه لم يرخِّص لهم في تركها حال الخوف. الدَّليل الثَّاني: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٤٢ - ٤٣].

стр. 251

ووجه الاستدلال بها: أنَّه سبحانه عاقبهم يوم القيامة، بأنْ حال بينهم وبين السُّجُود (١) لمَّا دعاهم إلى السُّجود (٢) في الدنيا فأَبَوا أنْ يجيبوا الدَّاعي. إذا ثبت هذا فإجابة الدَّاعي هي إتيان المسجد بحضور (٣) الجماعة، لا فعلها في بيته وحده. هكذا فسَّرَ النَّبيُّ ﷺ الإجابة؛ فروى مسلمٌ في «صحِيْحِه» (٤)، عن أبي هريرة قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أنْ يرخِّص له. فرخَّص له، فلمَّا ولَّى (٥) دعاه، فقال: «هل تسمع النِّداء بالصَّلاة (٦)؟» قال: نعم، قال: «فأَجِب». فلم يجعله مجيبًا له بصلاته (٧) في بيته إذا سَمَع النِّداء؛ فدلَّ على أنَّ الإجابة المأمور بها هي إتيان المسجد للجماعة. ويدلُّ عليه حديث ابن أمِّ مكتوم، قال: يا رسول الله، إنَّ المدينة

стр. 252

كثيرة الهوام والسِّباع، فقال رسول الله ﷺ : «تسمعُ (١) حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح؟» قال: نعم. قال: «فحيَّ هَلا». رواه أبوداود (٢)، والإمام أحمد (٣). و «حيَّ هَلا» اسم فعلِ أمرٍ، معناه: أقْبِل وأَجِب، وهو صريحٌ في أنَّ إجابة هذا الأمر بحضور الجماعة، وأنَّ المتخلِّف عنها لم يجبه. وقد قال غير واحدٍ من السَّلف (٤) في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم/٤٣] قال: «هو قول المؤذن: حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاح» (٥). فهذا الدَّليل مبنيٌّ على مقدِّمتين:

стр. 253

إحداهما: أنَّ هذه الإجابة واجبة. والثَّانية: (١) لا تحصل إلَّا بحضور الصَّلاة في الجماعة. وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمَّة (٢) وأفقههم من الإجابة، وهم الصَّحابة ﵃. قال ابن المنذر في «كتاب الأوسط» (٣): «روينا عن ابن مسعود وأبي موسى (٤) أنَّهما قالا: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له». وعن عليٍّ (٥) أنَّه قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يأته (٦) فإنَّه لا تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر». قال: ورُوِيَ عن عائشة أنَّها قالت: «من سمع النِّداء فلم يجب لم يُرِد خيرًا، ولم يُرَدْ به». وعن أبي هريرة أنَّه قال: «لأَنْ تمتليء أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه» (٧). فهذا وغيره يدلُّ أنَّ الإجابة عند الصَّحابة هي حضور الجماعة، وأنَّ

стр. 254

المتخلِّف عنها غير مجيبٍ، فيكون عاصيًا. الدَّليل الثَّالث: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣]. ووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه أمرهم بالركوع، وهو الصَّلاة. وعبَّر عنها بالرُّكوع لأنَّه من أركانها (١)، والصَّلاة يُعَبَّر عنها بأركانها وواجباتها، كما سمَّاها الله سُجودًا، وقرآنًا، وتسبيحًا. فلا بد لقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣] من فائدةٍ أخرى، وليست إلَّا فعلها مع جماعة المصلِّين، والمعيَّة تفيد ذلك. إذا ثبت هذا فالأمر المقيَّد (٢) بصفةٍ أوحالٍ لا يكون المأمور ممتثلًا له (٣) إلَّا بالإتيان به على تلك الصِّفة والحال. فإنْ قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران/٤٣]. والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة.

стр. 255

قيل: الآية لم (١) تدلَّ على تناول الأمر بذلك لكلِّ امرأةٍ، بل مريم بخصوصها أُمِرَت بذلك، بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة/٤٣]. ومريم كانت لها خاصَّة لم تكن لغيرها من النساء؛ فإنَّ أمَّها نَذَرَتها أنْ تكون محرَّرةً لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، فكانت لا تفارقه؛ فأُمِرَت أنْ تركع مع أهله. ولمَّا اصطفاها الله وطهَّرها واصطفاها (٢) على نساء العالمين أمَرَها مع (٣) طاعته بأمرٍ اختصَّها به على سائر النِّساء. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران/٤٢ - ٤٣]. فإنْ قيل: كونهم مأمورين أنْ يركعوا مع الرَّاكعين لا يدلُّ على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم، بل يدلُّ على الإتيان بمثل ما فعلوا، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة/١١٩]. فالمعيَّة تقتضي المشاركة في الفعل، ولا تستلزم المقارنة (٤) فيه.

стр. 256

قيل: حقيقة المعيَّة مصاحبةُ (١) ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد قدرًا زائدًا على المشاركة، ولا سيَّما في الصلاة؛ فإنَّه إذا قيل: «صلَّى مع الجماعة»، أو «صلَّيت مع الجماعة» لا يُفْهَم منه إلَّا اجتماعهم على الصَّلاة. الدَّليل الرَّابع: ما ثبت في «الصَّحِيْحَين» (٢) ـ وهذا لفظ البخاري ـ عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هَمَمتُ أنْ آمر بحطبٍ فيُحْتَطب، ثمَّ آمر بالصَّلاة فيؤذَّن لها، ثمَّ آمر رجلًا فيؤمَّ النَّاس، ثمَّ أخالف إلى رجالٍ، فأحرِّق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدُهم أنَّه يجد عَرْقًا سمينًا أومِرْمَاتَيْن حَسَنَتَين (٣) لشهد العشاء». وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ (٤) أثقل الصَّلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد همَمَتُ أنْ آمر بالصَّلاة فتُقَام، ثُمَّ آمُرَ رجلًا يصلِّي بالنَّاس،

стр. 257

ثُمَّ أنطلق معي برجالٍ، معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ، إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنَّار». متَّفقٌ على صِحَّته (١)، واللَّفظ لمسلم. وللإمام أحمد (٢)، عنه: «لولا ما في البيوت من النِّساء والذُّرِّيَّة أقمت صلاة العشاء، وأمَرْتُ فتياني يحرقون ما في البيوت بالنَّار». قال المسقطون لوجوبها: هذا لا يدلُّ على وجوب صلاة الجماعة لوجوهٍ: أحدها: أنَّ هذا الوعيد إنَّما جاء في المتخلِّفين عن الجمعة؛ بدليل ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (٣)، من حديث عبد الله بن مسعود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لقومٍ يتخلَّفون عن الجمعة: «لقد همَمَت أنْ آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثُمَّ أحرِّق على رجالٍ يتخلَّفُون عن الجمعة بيوتهم». الثَّاني: أنَّ هذا كان (٤) جائزًا لمَّا كانت العقوبات الماليَّة جائزةً، ثمَّ نُسِخَ لمَّا نُسِخَت (٥) العقوبات الماليَّة.

стр. 258

الثَّالث (١): أنَّه هَمَّ ولم يفعل. ولو كان التَّحريق جائزًا لكان واجبًا؛ فإنَّ العقوبة لا تكون (٢) مستوية الطَّرفين؛ بل إمَّا واجبةً، أومحرَّمةً؛ فلمَّا لم يفعل ذلك دلَّ على عدم جوازه (٣). قالوا: والحديث يدلُّ على سقوط فرض الجماعة؛ لأنَّه همَّ بالتخلُّف عنها، وهو (٤) لا يهمُّ بترك واجبٍ. قالوا: وأيضًا فالنَّبيُّ ﷺ إنَّما همَّ بإحراق بيوتهم عليهم بالنَّار لنفاقهم (٥)، لا لتخلُّفهم عن حضور الجماعة. قال الموجبون: ليس فيما ذكرتم ما يُسْقِط دلالة الحديث. أمَّا قولكم: «إنَّ الوعيد إنَّما هو في حقِّ تارك الجمعة» فنعم، هو في حقِّ تارك الجمعة (٦)، وتارك الجماعة؛ فحديث أبي هريرة صريحٌ في أنَّه في حقِّ (٧) تارك الجماعة، وذلك بيِّنٌ في أوَّل الحديث وآخره.

стр. 259

وحديث (١) ابن مسعود صريحٌ في أنَّ ذلك لتارك الجمعة أيضًا، فلا تنافي بين الحديثين. وأمَّا قولكم: «إنَّه منسوخٌ» فما أصعب هذه الدَّعوى، وأصعب إثباتها! فأين شروط النَّسْخ من وجود معارضٍ مقاومٍ متأخِّرٍ؟ ولن تجدوا أنتم ولا أحدٌ من أهل الأرض سبيلًا إلى إثبات ذلك، إلَّا بمجرَّد الدَّعوى. وقد اتَّخذ كثيرٌ من النَّاس دعوى النَّسخ والإجماع سُلَّمًا إلى إبطال كثيرٍ من السُّنن الثَّابتة عن رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بالهيِّن. ولا تُتْرَك (٢) لرسول الله ﷺ سُنَّةٌ صحيحةٌ أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخٍ، إلَّا (٣) أنْ يُوْجَد ناسخٌ صحيحٌ صريحٌ متأخِّرٌ، نقلَتْه الأُمَّةُ وحَفِظَتْه؛ إذ محالٌ على الأمَّة (٤) أنَّ تضيِّع النَّاسخَ الذي يلزمُهَا حفظه، وتحفظ (٥) المنسوخ الذي قد بطل العمل به. ولم يبق من الدِّين وكثير من المقلِّدة (٦) المتعصِّبين إذا رأَوْا حديثًا يخالف مذهبهم (٧) يتلقَّونه بالتَّأويل،

стр. 260

وحَمْله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلًا. فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزِعُوا إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإنْ رأوا من الخلاف ما لا يمكنهم معه (١) دعوى الإجماع فزِعُوا إلى القول بأنَّه منسوخٌ! وليست هذه طريق أئمَّة الإسلام، بل أئمَّة الإسلام كلُّهم على خلاف هذه (٢) الطَّريق، وأنَّهم إذا وجدوا لرسول الله ﷺ سُنَّةً صحيحةً صريحةً لم يبطلوها بتأويلٍ، ولا دعوى إجماعٍ، ولانسخٍ. والشَّافعي وأحمد من أعظم النَّاس إنكارًا لذلك. وبالله التَّوفيق. وإنَّما لم يفعل النَّبيُّ ﷺ ما همَّ به للمانع الذي أخبر أنَّه مَنَعَه منه؛ وهو اشتمال البيوت على مَنْ لا تجب عليه الجماعة، من النِّساء والذُّرِّيَّة، فلو أحرقها عليهم لتعدَّت العقوبة إلى من لا يجب عليه (٣)، وهذا لا يجوز. كما إذا وَجَبَ الحدُّ على حاملٍ فإنَّه لا يُقَام عليها حتى تضع؛ لئلَّا تَسْرِي العقوبة إلى الحَمْل، ورسول الله ﷺ لا يَهمُّ بما لا يجوز فعله أبدًا. وقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجوابٍ آخر (٤)، وهو: أنَّ القوم كانوا أخوف لرسول الله ﷺ من أنْ يَسْمَعُوه يقول هذه المقالة، ثم

стр. 261

يُصِرُّون على التخلُّف عن الجماعة. وأمَّا قولكم: «إنَّ الحديث يدلُّ على عدم وجوب الجماعة؛ لكونه همَّ بتركها» فممَّا لا يُلْتَفت إليه. ولا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أنَّه يهمُّ بعقوبة طائفةٍ من المسلمين بالنَّار، وإحراق بيوتهم لتركهم (١) سُنَّةً لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله ﷺ . وهو ﷺ لم يخبر أنَّه كان يصلِّي وحده، بل كان يصلِّي جماعةً هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت. وأيضًا فلو صلَّاها وحده لكان هناك واجبان. واجبُ الجماعة، وواجبُ عقوبة العُصاة وجهادهم؛ فتَرَكَ أدنى الواجِبَيْن لأعلاهما، كالحال في صلاة الخوف. وأمَّا قولكم: «إنَّه إنَّما هَمَّ بعقوبتهم على نفاقهم (٢)، لا على تخلُّفهم عن الجماعة» فهذا يستلزم محذُوْرَيْن (٣): إلغاء ما اعتبره رسول الله ﷺ وعلَّق الحكم به، من التخلُّف عن الجماعة. والثَّاني: اعتبار ما ألغاه؛ فإنَّه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ بل كان يقبل منهم علانيتهم، ويَكِلُ سرائرَهم إلى (٤) الله.

стр. 262

الدَّليل الخامس: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (١): أنَّ رجلًا أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أنْ يرخِّص له، فرخَّص له (٢)، فلمَّا ولَّى دَعَاه، فقال: «هل تسمع النِّداء؟» قال: نعم، قال: «فأَجِب». وهذا الرَّجل هو ابن أمِّ مكتوم. واختُلِف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: عَمْرو. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣)، و «سنن أبي داود» (٤)، عن عمرو بن أمِّ مكتوم قال: قلتُ: يا رسول الله (٥) أنا ضريرٌ، شاسع الدَّار، ولي قائدٌ لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أنْ أُصَلِّي في بيتي؟ قال: «تسمع النِّداء (٦)؟» قال: نعم، قال: «ما أجِدُ لك رخصةً». قال المسقطون لوجوبها: هذا أمرُ استحبابٍ، لا أمر إيجابٍ. وقوله: «لا أجد لك رخصةً» أي: إنْ أردْتَ فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخٌ. قال الموجبون: الأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرَّح صاحب

стр. 263

الشَّرع بأنَّه لا رخصة للعبد في التخلُّف عنه لضريرٍ شاسعِ الدَّار، لا يلائمه قائدُه. فلو كان العبدُ مخيَّرًا بين أن يصلِّي وحده أوجماعةً لكان أولى النَّاس بهذا التَّخيير مثل هذا الأعمى. قال أبو بكر ابن المنذر (١): «ذِكْر [إيجاب (٢)] حضور الجماعة على العميان وإن بعُدَت منازلهم عن المسجد. ويدلُّ ذلك على أنَّ شهود الجماعة فرضٌ (٣) لاندبٌ. وإذا قال لابن أمِّ مكتوم (٤) وهو ضريرٌ: «لا أجِدُ لك رخصةً»، فالبصير أولى أنْ لا تكون (٥) له رخصة» (٦). الدَّليل السَّادس: ما رواه أبوداود (٧)، وأبوحاتم ابن حِبَّان في «صحيحه» (٨)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع النِّداء

стр. 264

فلم يمنعه (١) من اتباعه عذرٌ». قالوا: وما العُذر؟ قال: «خوفٌ أو مرضٌ= لم تقبل منه الصَّلاة التي صلَّاها» (٢). قال المسقطون للوجوب: هذا الحديث فيه عِلَّتان: إحداهما (٣): أنَّه من رواية مِغْرَاء (٤) العبدي، وهو ضعيفٌ عندهم (٥). الثَّانية: أنَّه (٦) إنَّما يُعْرَف عن ابن عباس، موقوفًا عليه (٧).

стр. 265

قال الموجبون (١): قد قال قاسم بن أصبغ في «كتابه» (٢): حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدَّثنا سليمان بن حرب حدَّثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت (٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من سمع النِّداء فلم يجب فلا صلاة له إلَّا من عُذرٍ». وحسبك بهذا الإسناد صِحَّةً. ورواه ابن المنذر: حدَّثنا علي بن عبد العزيز حدَّثنا عمرو (٤) بن عوف حدَّثنا هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابتٍ عن سعيد ابن جبير عن ابن عباسٍ مرفوعًا.

стр. 266

قالوا (١): ومِغْرَاء (٢) العَبْدي قد روى عنه أبو إسحاق السَّبيعي على جلالته. ولو قُدِّر أنَّه لم يصحَّ رفعُهُ فقد صحَّ عن ابن عباسٍ بلا شكٍّ، وهو قول صاحبٍ لم يخالفه صاحبٌ (٣). الدَّليل السَّابع: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (٤)، عن عبد الله بن مسعود قال: «من سَرَّه أنْ يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصَّلوات حيث يُنَادَى بهنَّ، فإنَّهنَّ من سنن الهُدَى، وإنَّ الله شرع لنبيِّكم سنن الهُدَى (٥). ولو أنَّكم (٦) صلَّيتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو (٧) تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتُم. وما من رجلٍ (٨) يتطهَّرُ فيحسن الطهور، ثم يَعْمِد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلَّا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئةً. ولقد رأيْتُنا وما يتخلَّف عنها إلَّا منافقٌ معلوم

стр. 267

النِّفاق، ولقد كان الرَّجل يُؤْتَى يُهَادَى بين الرَّجلين حتى يُقَام (١) في الصَّفِّ». وفي لفظٍ (٢): «وقال: إنَّ رسول الله ﷺ علَّمَنا سنن الهُدَى، وإنَّ من سنن الهُدَى الصَّلاة في المسجد الذي يؤذَّنُ فيه». فوجه الدلالة: أنَّه جعل التخلُّف (٣) عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم. وعلامات النِّفاق لا تكون (٤) لترك مستحبٍّ، ولا لفعل مكروهٍ. ومن (٥) استقرأ علامات النِّفاق في السُّنَّة وجدها إمَّا ترك فريضةٍ، أوفعل محرَّمٍ. وقد أكَّد هذا المعنى بقوله: «من سرَّه أنْ يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصَّلوات حيث يُنَادى بهنَّ». وسمَّى تاركها، المصلِّي في بيته: متخلِّفًا، تاركًا للسُّنَّة التي هي طريقة رسول الله ﷺ ، التي كان عليها، وشريعته التي شرعها لأُمَّته. وليس المراد بها السُّنَّة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها؛ فإنَّ تَرْكَها لا يكون ضلالًا، ولا من علامات النِّفاق، كترك الضُّحى، وقيام اللَّيل، وصوم الاثنين والخميس.

стр. 268

الدَّليل الثَّامن: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (١)، من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهُم أحَدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرؤُهُم». ووجه الاستدلال به: أنَّه أمر بالجماعة، وأمْرُهُ على الوجوب. الدَّليل التَّاسع: أنَّه ﷺ أمَرَ من صلَّى وحْدَه خلف الصَّفِّ أنْ يعيد الصَّلاة. فروى وابصة بن معبد: «أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خلف الصَّفِّ وحده، فأمَرَه أن يعيد الصَّلاة». رواه الإمام أحمد (٢)، وأهل «السُّنن» (٣)، وأبوحاتم ابن حبَّان في «صحيحه» (٤)، وحسَّنه التِّرمذي (٥). وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النَّبيِّ ﷺ ، فبايعناه، وصلَّينا خلْفَه. قال: ثمَّ صلَّينا وراءَهُ صلاةً أخرى، فقضى

стр. 269

الصَّلاة، فرأى رجلًا فرْدًا خلف الصَّفِّ، فوقف عليه حتى (١) انصرف، وقال: «اسْتَقْبِل صلاتَك؛ لا صلاة للَّذي خلف الصَّفِّ». رواه الإمام أحمد (٢)، وابن حبَّان (٣). وفي رواية الإمام أحمد: صلَّيْتُ خلف النَّبيِّ ﷺ ، فانْصَرَف (٤) فرأى رجلًا يصلِّي فرْدًا (٥) خلف الصَّفِّ، فوقف نبيُّ الله ﷺ حتى انصرف الرجل (٦)، فقال له: «استقبل صلاتك، فلا صلاة لفردٍ (٧) خلف الصَّفِّ». قال ابن المنذر (٨): «وثبَّتَ هذا الحديث أحمدُ وإسحاقُ». فوجه الدلالة: أنَّه أبْطَل صلاة المنفرد عن الصَّفِّ وهو في جماعةٍ، وأَمَرَه بإعادة صلاته، مع أنَّه لم ينفرد إلَّا في المكان خاصَّةً، فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبُطلان. يوضِّحُه أنَّ غاية هذا الفذِّ أنْ يكون منفردًا، ولو صحَّت صلاة

стр. 270

المنفرد لما (١) حكم رسول الله ﷺ بنفيها، وأَمَرَ من صلَّى كذلك أنْ يعيد صلاته (٢). قال المسقطون للوجوب: لايمكنكم الاستدلال بهذا الحديث إلَّا بعد إثبات بطلان صلاة الفذِّ خلف الصَّفِّ (٣)، وهذا قولٌ شاذٌّ مخالفٌ لجمهور أهل العلم. وقد دلَّ على صِحَّتها إجماع النَّاس على صِحَّة صلاة المرأة وحدها خلف الصَّفِّ، وقد صلَّى رسول الله ﷺ خلف جبرئيل (٤). فروى جابر بن عبد الله: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاه جبرئيلُ يعلِّمُه مواقيت الصَّلاة، فتقدَّم جبرئيلُ ورسول الله ﷺ خلْفَه، والنَّاس خلف رسول الله ﷺ ، فصلَّى الظُّهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظِّلُّ مثل شَخْصِهِ، فصَنَع كما صَنَع، فتقدَّم جبرئيلُ ورسولُ الله ﷺ خلْفَه (٥)، والنَّاس خلفَ رسولِ الله ﷺ ». رواه النَّسائي (٦). فقد صلَّى رسول الله

стр. 271

ﷺ خلف جبرئيل (١) مقتديًا (٢) به. قالوا: وقد أحْرَمَ أبوبكرة فذًّا خلف الصَّف، ثمَّ مشى حتى دخل الصفَّ، ولم يأمره النَّبيُّ ﷺ بالإعادة (٣). قالوا: وقد أحْرَم ابن عباس عن يساره ﷺ ، فأخذ بيده، فأداره عن يمينه، ولم يأمره النَّبيُّ ﷺ باستقبال الصَّلاة، بل صحَّحَ (٤) إحرامه فذًّا (٥)، فهذا في النَّفْل. وحديث جابرٍ في الفَرْض، أنَّه قام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيده، فأقامه عن يمينه (٦). قال الموجبون: العجب من معارضة الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة بمثل ذلك؛ فإنَّه لا تَعَارض بين الأحاديث بوجهٍ من الوجوه. وأمَّا قولكم: «إنَّ هذا قول شاذٌّ» فلَعَمْر الله ليس بشاذٍّ (٧)، ومعه

стр. 272

رسول الله ﷺ ، وسُنَّته الصَّحيحة الصَّريحة، ولو تَرَكَها مَنْ تَرَكَها. فلا يكون ترك السُّنن لخفائها على من تركها، أو لنوع تأويلٍ مسوِّغًا لتركها لغيره. وكيف يقدَّم (١) ترك التَّارك لهذه السُّنَّة عليها؟ هذا (٢) وقد قال بهذه السُّنَّة جماعةٌ من أكابر التَّابعين، منهم سعيد ابن جبير، وطاووس، وإبراهيم النَّخَعي. ومن دُوْنَهم، كالحكم، وحمَّاد، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح (٣)، ووكيع (٤). وقال بها الأوزاعيُّ ــ حكاه الطَّحاوي عنه ــ، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، وأبو بكر ابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (٥). فأين الشُّذوذ؟ وهؤلاء القائلون، وهذه السُّنة! وأمَّا معارضتكم بموقف المرأة؛ فمِنْ أفسد المعارضات؛ لأنَّ ذلك هو موقف (٦) المرأة المشروع لها، حتى لو وَقَفَت في صفِّ الرِّجال أفْسَدَت

стр. 273

صلاة مَن يليها عند أبي حنيفة (١)، وأحد (٢) القولين في مذهب أحمد (٣). فإنْ قيل: لو وَقَفَت فذَّةً خلف صفِّ (٤) النِّساء صحَّت صلاتُها؟ قيل: ليس كذلك؛ بل إذا انفرَدَت (٥) المرأة عن صفِّ النِّساء لم تصحَّ صلاتُها، كالرجل الفذِّ خلف صفِّ الرِّجال. ذكر ذلك القاضي أبويعلى في «تعليقه» (٦)؛ لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة لفردٍ (٧) خلف

стр. 274

الصَّفِّ» (١). خَرَج من هذا ما إذا كانت وحدها خلف الرِّجال؛ للحديث الصَّحيح. بقي فيما عداه (٢) على هذا العموم. وأمَّا قِصَّة صلاته ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ خلف جبرئيل وحده، والصحابة خلفه فقد أجيب عنها: بأنَّها كانت في أوَّل الأمر، حين علَّمَه مواقيت الصَّلاة. وقِصَّة أمرِهِ ﷺ للَّذي صلَّى خلف الصَّفِّ فَذًّا (٣) بالإعادة متأخِّرةٌ بعد ذلك. وهذا جوابٌ صحيحٌ. وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان هو إمام المسلمين، فكان بين أيديهم، وكان هو المؤتمَّ بجبرئيل وحده، وكان تقدُّم جبرئيل عليه (٤) أبلغ في حصول التَّعليم من أنْ يكون إلى جانبه. كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم على المنبر (٥)؛ ليأتمُّوا به وليتعلَّمُوا صلاته، وكان ذلك لأجل التَّعليم. لم يدخل في نهيِهِ ﷺ الإمامَ إذا

стр. 275

أمَّ الناس أنْ يقوم في مقامٍ أرفع منهم (١). وأمَّا قصة أبي بكرة (٢) فليس فيها أنَّه رفع رأسه من الرُّكوع قبل دخوله في الصَّفِّ، وإنَّما يمكن التمسُّك بها لو (٣) ثَبَتَ ذلك، ولا سبيل إليه! وقد اختلفت (٤) الرِّواية عن الإمام أحمد فيمن ركع دون الصَّفِّ، ثُمَّ مشى راكعًا حتى دخل فيه بعد أنْ رفع الإمامُ رأسَه من الركوع، وعنه في ذلك ثلاث روايات. إحداها: تصحُّ (٥) مطلقًا (٦). وحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر أبا بكرة (٧) بالإعادة، ولا استفصله: هل أدركه قبل رفع رأسه من الركوع، أم لا. ولو اختلف الحال

стр. 276

لاستفصله: وروى سعيد بن منصور في «سُنَنه» (١)، عن زيد بن ثابتٍ: «أنَّه كان يركع قبل أن يدخل في الصَّفِّ، ثم يمشي راكعًا، ويعتدُّ بها، وَصَل الصَّف أمْ لم يَصِل (٢)». والرِّواية الثَّانية: أنَّها لا تصحُّ. نصَّ عليها في رواية إبراهيم بن الحارث، ومحمد بن الحكم. وفرَّق بينه وبين من أدرك الركوع في الصَّف؛ لأنَّه لم يُدْرِك في الصَّف ما يُدْرِك به الرَّكعة، فأشبه ما لو أدركه وقد سجد. وهذه الرِّواية أصحُّ عند أكثر (٣) أصحابه (٤). والرِّواية الثَّالثة: إنْ كان عالمًا بالنَّهي لم تصحَّ صلاته، وإلَّا صحَّت (٥)؛ لقِصَّة أبي بكرة (٦)، وقول النَّبيِّ ﷺ له: «لا تَعُد»، والنَّهي

стр. 277

يقتضي الفساد، ولكن تُرِك في الجاهل به، حيث لم يأمره (١) بالإعادة، وكانت هذه حال أبي بكرة. وأمَّا قصَّة ابن عباسٍ وجابرٍ في ترك أمرهما بابتداء الصَّلاة وقد أحرما فَذَّيْنِ= فهذا أولًا (٢) ليس فيه أنَّهما كانا قد دخلا في الصَّلاة، وإنَّما فيه أنَّهما وقفا عن يساره فأدارهما إلى يمينه. فأدارهما عند أوَّل وقوفهما. ولو قُدِّر أنَّهما أحرما كذلك، فمَن أحرم فَذًّا صحَّ إحرامه بالصَّلاة ودخوله فيها، وإنَّما الاعتبار بالركوع وحده. وإلَّا فمَنْ وقف معه آخر قبل الركوع صحَّت صلاته. ولو اعتبرنا إحرام المأمومين جميعًا لم ينعقد تحريم أحدٍ (٣) حتى يتَّفق هو ومَنْ إلى جانبه في ابتداء التَّكبير وانتهائه، وهذا من أعظم الحرج والمشقَّة؛ ولهذا لم يعتبره أحدٌ أصلًا. والله أعلم. الدَّليل العاشر: ما رواه أبوداود في «سُنَنه» (٤)، والإمام أحمد في

стр. 278

«مسنده» (١) (٢)، من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ثلاثةٍ في قريةٍ لا يؤذَّن ولا تقام فيهم الصَّلاة إلَّا استحوذ عليهم الشَّيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنَّما يأكل الذِّئبُ القاصيةَ». فوجه الاستدلال منه: أنَّه أخبر باستحواذ الشَّيطان عليهم بترك صلاة (٣) الجماعة، التي شعارها الأذان، وإقامة الصَّلاة. ولو كانت الجماعة (٤) ندبًا، يخيَّرُ الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٥). الدَّليل الحادي عشر: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (٦)، من حديث

стр. 279

أبي الشعثاء (١) المحاربي قال: كُنَّا قعودًا في المسجد، فأذَّنَ المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتْبَعَه أبوهريرة بصَرَه حتى خرج من المسجد، فقال أبوهريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وفي روايةٍ (٢): سمعتُ أباهريرة وقد رأى رجلًا يجتاز في المسجد خارجًا بعد الأذان، فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣). ووجه الاستدلال به: أنَّه جعله عاصيًا لرسول الله ﷺ بخروجه (٤) بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعةً. ومن يقول: الجماعة ندبٌ يقول: لا يعصي الله ولا رسوله مَنْ خرج بعد الأذان وصلَّى وحده! وقد احتجَّ ابن المنذر في «كتابه» (٥) على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وقال: «لو كان المرءُ مخيَّرًا في ترك الجماعة أوإتيانها لم يجز (٦) أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره». والذي يقول: صلاة الجماعة ندبٌ، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها=

стр. 280

يجوِّز للرجل أنْ يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذِّن في إقامة الصَّلاة، بل يجوِّز له أن يجلس فلا يصلِّي مع الإمام والجماعة، فإذا صلَّوا قام (١) فصلَّى وحده! ولو رأى رسول الله ﷺ وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا (٢) عليه غاية الإنكار. بل قد أنْكَرَ ما هو دون هذا، وهو (٣) على مَنْ لا يصلِّي مع الجماعة اكتفاءً بصلاته في رَحْلِه، وقال: «مالَكَ لا (٤) تصلِّي معنا؟ ألسْتَ برجلٍ مسلمٍ؟» (٥). وأَمَرَ بالصَّلاة في الجماعة لمن صلَّى ثُمَّ أتى مسجد الجماعة، فقال: «إذا صلَّيْتُما في رحالكما (٦) ثُمَّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما (٧) نافلة» (٨). الدَّليل الثَّاني عشر: إجماع الصَّحابة ﵃، ونحن نذكر

стр. 281

نصوصهم. قد تقدَّم قول ابن مسعودٍ: «ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّف عنها إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق» (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود (٣) قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له». وقال أحمد (٤) أيضًا: حدَّثنا وكيع حدَّثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير (٥) عذرٍ فلا صلاة له» (٦).

стр. 282

وقال أحمد (١): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيَّان (٢) التَّيمي عن أبيه عن عليٍّ قال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قيل: ومَنْ (٣) جار المسجد؟ قال: «من سمع المنادي». وقال سعيد بن منصور (٤): حدَّثنا هُشيم (٥) أخبرنا (٦) منصور عن الحسن عن علي (٧) قال: «من سمع النِّداء فلم يأْتِه لم تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر». وقال عبد الرزَّاق (٨): عن إسرائيل (٩) عن أبي إسحاق عن الحارث

стр. 283

عن عليٍّ قال: «من (١) سمع النِّداء من جيران المسجد فلم يجب (٢) وهو صحيحٌ من غير عذرٍ فلا صلاة له». وقال وكيع (٣): عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: «لَأَنْ تمتليء (٤) أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أنْ يسمع المنادي ثُمَّ لا يجيبه». وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن منصورٍ عن عدي ابن ثابت عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «من سمع المنادي فلم يجب عن غير عذرٍ، فلم يجد خيرًا، ولم يُرَدْ به». قال وكيع (٦): حدَّثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له» (٧).

стр. 284

وقال عبد الرزَّاق (١): عن الثَّوري (٢) عن ليث عن مجاهد قال: سأل (٣) رجلٌ ابنَ عباس، فقال: رجلٌ يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل، لا يشهد جمعةً ولا جماعةً؟ فقال ابن عباسٍ: «هو في النَّار». ثم جاء الغد، فسأله عن ذلك، فقال: «هو في النَّار». قال: فاختلف إليه قريبًا من شهرٍ يسأله (٤) عن ذلك ويقول ابن عباس: «هو في النَّار». فهذه نصوص الصَّحابة كما تراها صِحَّةً وشهرةً وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابيٍّ واحدٍ خلاف ذلك. وكلٌّ من هذه الآثار دليلٌ مستقلٌّ في المسألة لو كان وحده (٥)، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟! وبالله التَّوفيق. فصْلٌ وأمَّا المسألة الثَّامنة (٦)، وهي: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك، على قولين:

стр. 285

أحدهما: أنَّها فرضٌ، يأثم تاركها، وتبرأ ذِمَّته بصلاته وحْده. وهذا قول أكثر المتأخِّرين من أصحاب أحمد (١). ونصَّ عليه أحمد في رواية حنبل، فقال: «إجابة الدَّاعي إلى الصَّلاة فرضٌ، ولو أنَّ رجلًا قال: هي عندي سُنَّةٌ، أُصلِّيها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث، وصلاته جائزة». وعنه روايةٌ ثانيةٌ، ذكرها أبو الحسن ابن الزَّاغوني (٢) في كتاب «الإقناع» (٣): أنَّها شرطٌ للصِّحَّة، فلا تصحُّ صلاة من صلَّى وحْدَه. وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب، واختاره أبوالوفاء ابن عقيل،
следующие страницы →