← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نصوصهم. قد تقدَّم قول ابن مسعودٍ: «ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّف عنها إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق» (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع حدَّثنا سليمان بن المغيرة عن أبي موسى الهلالي عن ابن مسعود (٣) قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له». وقال أحمد (٤) أيضًا: حدَّثنا وكيع حدَّثنا مسعر عن أبي الحصين عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: «من سمع المنادي فلم يجب من غير (٥) عذرٍ فلا صلاة له» (٦).

стр. 282

وقال أحمد (١): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيَّان (٢) التَّيمي عن أبيه عن عليٍّ قال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قيل: ومَنْ (٣) جار المسجد؟ قال: «من سمع المنادي». وقال سعيد بن منصور (٤): حدَّثنا هُشيم (٥) أخبرنا (٦) منصور عن الحسن عن علي (٧) قال: «من سمع النِّداء فلم يأْتِه لم تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر». وقال عبد الرزَّاق (٨): عن إسرائيل (٩) عن أبي إسحاق عن الحارث

стр. 283

عن عليٍّ قال: «من (١) سمع النِّداء من جيران المسجد فلم يجب (٢) وهو صحيحٌ من غير عذرٍ فلا صلاة له». وقال وكيع (٣): عن عبد الرحمن بن حصين عن أبي نجيح المكي عن أبي هريرة قال: «لَأَنْ تمتليء (٤) أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أنْ يسمع المنادي ثُمَّ لا يجيبه». وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا وكيع عن سفيان عن منصورٍ عن عدي ابن ثابت عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «من سمع المنادي فلم يجب عن غير عذرٍ، فلم يجد خيرًا، ولم يُرَدْ به». قال وكيع (٦): حدَّثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له» (٧).

стр. 284

وقال عبد الرزَّاق (١): عن الثَّوري (٢) عن ليث عن مجاهد قال: سأل (٣) رجلٌ ابنَ عباس، فقال: رجلٌ يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل، لا يشهد جمعةً ولا جماعةً؟ فقال ابن عباسٍ: «هو في النَّار». ثم جاء الغد، فسأله عن ذلك، فقال: «هو في النَّار». قال: فاختلف إليه قريبًا من شهرٍ يسأله (٤) عن ذلك ويقول ابن عباس: «هو في النَّار». فهذه نصوص الصَّحابة كما تراها صِحَّةً وشهرةً وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابيٍّ واحدٍ خلاف ذلك. وكلٌّ من هذه الآثار دليلٌ مستقلٌّ في المسألة لو كان وحده (٥)، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟! وبالله التَّوفيق. فصْلٌ وأمَّا المسألة الثَّامنة (٦)، وهي: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك، على قولين:

стр. 285

أحدهما: أنَّها فرضٌ، يأثم تاركها، وتبرأ ذِمَّته بصلاته وحْده. وهذا قول أكثر المتأخِّرين من أصحاب أحمد (١). ونصَّ عليه أحمد في رواية حنبل، فقال: «إجابة الدَّاعي إلى الصَّلاة فرضٌ، ولو أنَّ رجلًا قال: هي عندي سُنَّةٌ، أُصلِّيها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث، وصلاته جائزة». وعنه روايةٌ ثانيةٌ، ذكرها أبو الحسن ابن الزَّاغوني (٢) في كتاب «الإقناع» (٣): أنَّها شرطٌ للصِّحَّة، فلا تصحُّ صلاة من صلَّى وحْدَه. وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب، واختاره أبوالوفاء ابن عقيل،

стр. 286

وأبو الحسن التَّميمي (١). وهو قول داود وأصحابه، قال ابن حزمٍ: «وهوقول جميع أصحابنا» (٢). ونحن نذكر حجج الفريقين. قال المشترطون: كُلُّ دليلٍ ذكرناه في الوجوب يدلُّ على أنَّها شرطٌ؛ فإنَّها إذا كانت واجبةً فتَرَكَها المكلَّفُ لم يفعل ما أُمِرَ به، فبقي في عُهْدَة الأمر. قالوا: ولو صحَّت الصَّلاة بدونها لما قال أصحاب رسول الله ﷺ : «إنَّه لا صلاة له». ولو صحَّت لما قال النَّبيُّ ﷺ : «من (٣) سَمِع المنادي ثم لم يجبه لم تُقْبَل (٤) منه الصَّلاة التي صلَّى» (٥). فلمَّا وقف القبول عليها دلَّ على اشتراطها، كما أنَّه لمَّا وقف القبول على الوضوء من الحَدَث دلَّ على اشتراطه. قالوا: ونفي القبول إمَّا أنْ يكون لفوات رُكْنٍ، أو شرطٍ. ولا (٦)

стр. 287

ينتقض هذا بنفي القبول عن صلاة العبد الآبق (١)، وشارب الخمر أربعين يومًا (٢)؛ لأنَّ امتناع القبول هناك لارتكاب أمرٍ محرَّمٍ قارَنَ الصَّلاة فأبْطل أجرها. قالوا: ولو صحَّت صلاة المنفرد لما قال ابن عباس: «إنَّه في النَّار». قالوا: ولو صحَّت صلاتُه أيضًا لما كانت واجبةً؛ فإنَّه إنَّما تصحُّ (٣) عبادة من أدَّى ما أُمِرَ به. وقد ذكرنا من أدلَّة الوجوب ما فيه كفاية. قال المصحِّحُون لها ــ وهم ثلاثة أقسام: قسمٌ يجعلها سُنَّةً، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها. وقسمٌ يجعلها فرض (٤) كفايةٍ، إذا قام بها طائفةٌ سَقَطت عمَّن عداهم. وقسمٌ يقول: هي فرضٌ على الأعيان، وتصحُّ

стр. 288

بدونها ــ: قد ثَبَت في «الصَّحِيْحَيْن (١)» (٢)، من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الجماعة تفْضُل على صلاة الفَذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً». وفيهما (٣)، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : «صلاة الرجل في جماعةٍ تُضَعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا (٤)، وذلك أنَّه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصَّلاة لم يخْطُ خطوةً إلَّا رُفِعَت له بها درجةٌ، وحُطَّت (٥) عنه بها خطيئةٌ. فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلَّاه ـ ما (٦) لم يحدِثْ ـ: «اللَّهم صلِّ عليه، اللَّهم ارحمه»، ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصَّلاة». قالوا: فلو كانت صلاة المنفرد باطلةً لم يفاضل بينها وبين صلاة الجماعة؛ إذ لا مفاضلة بين الصَّحيح والباطل.

стр. 289

قالوا: وفي «صحيح مسلمٍ» (١)، من حديث عثمان بن عفان: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومن صلَّى الصُّبح في جماعةٍ فكأنَّما قام اللَّيل كلَّه». قالوا: فشَبَّهَ فعلها في جماعةٍ بما ليس بواجبٍ. والحكم في المُشَبَّه كهُوَ في المشبَّه به أو دونه في التَّأكيد. قالوا: وقد روى يزيد بن الأسود قال: شهدْتُ مع النَّبيِّ ﷺ حَجَّتَه، فصلَّيْتُ معه صلاة الصُّبح في مسجد الخيف، فلمَّا قَضَى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يُصَلِّيَا، قال: «عليَّ بِهِما». فجيء بهما، تُرْعَدُ فرائِصُهما. قال: «ما منعكما أنْ تُصَلِّيَا معنا؟». فقالا: يا رسول الله، قد صلَّيْنَا في رِحالنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صلَّيْتُما في رِحَالِكما (٢) ثم أتيتما مسجد جماعةٍ فصَلِّيا معهم؛ فإنَّها (٣) لكما نافلة» رواه أهل «السُّنن» (٤).

стр. 290

وعند «أبي داود» (١): «إذا صلَّى أحدكم في رَحْلِه ثم أدرك مع الإمام فلْيُصَلِّها (٢) معه، فإنَّها له نافلةٌ». قالوا: ولولا صِحَّة الأولى لم تكن (٣) الثَّانية نافلةً. وعن محجن بن الأدرع (٤) قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ فَحَضَرَت الصلاةُ، فصلَّى ـ يعني: ولم أُصَلِّ ـ فقال لي: «أَلَا صَلَّيْتَ؟». قلتُ: يا رسول الله، قد صلَّيْتُ في الرَّحْل، ثمَّ أتيتك. قال: «فإذا جِئْتَ فصَلِّ معهم، واجعلها

стр. 291

نافلةً». رواه الإمام أحمد (١). وفي الباب عن أبي هريرة (٢)، وعن (٣) أبي ذر (٤)، وعبادة (٥)، وعبد الله بن عمر. ولفظ حديث ابن عمر: عن سليمان مولى ميمونة قال: أتيتُ على ابن عمر ـ وهو بالبلاط ـ والقوم يصلُّون في المسجد، فقلتُ: ما يمنعك أنْ تصلِّي مع النَّاس؟ قال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرَّتين». رواه أبوداود (٦)، والنَّسائي (٧).

стр. 292

فصْلٌ قال الموجبون: التَّفضيل (١) لا يستلزم براءة الذِّمَّة من كلِّ وجهٍ، سواء كان مطلقًا أومقيَّدًا؛ فإنَّ التَّفضيل (٢) يحصل مع مناقضة المفضَّل للمفضَّل (٣) عليه من كُلِّ وجهٍ، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان/٢٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان/١٥]. وهو كثيرٌ. فكون (٤) صلاة الفَذِّ جزءًا واحدًا من سبعة وعشرين جزءًا من صلاة الجمع (٥) لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة، ولزوم كونها ندبًا بوجهٍ من الوجوه.

стр. 293

وغايتها أنْ يتأدَّى (١) الواجب بهما، وبينهما من الفضل ما بينهما؛ فإنَّ الرجلين يكون مقامهما في الصفِّ واحدًا وبين صلاتهما (٢) في الفضل كما بين السماء والأرض. وفي «السُّنن» (٣)، عنه ﷺ : «إنَّ العبد (٤) ليصلِّي الصَّلاة ولم يُكْتَب له من الأجر (٥) إلَّا نِصْفُها، ثُلُثُها، رُبُعُها، خُمُسُها» حتى بلغ عُشُرها. فإذا عُقِلَ (٦) اثنان يصلِّيان فرضهما، صلاةُ أحدهما أفضل من صلاة الآخر بعشرة أجزاء ــ وهما فرضان ــ فهكذا يُعْقَل (٧) مثلُه في صلاة الفذِّ وصلاة الجماعة.

стр. 294

وأبلغ من هذا قوله: «ليس لك من صلاتك إلَّا ما عَقَلت منها» (١)، فإذا لم يَعْقِل في صلاته إلَّا في جزءٍ واحد كان له من الأجر بقدر ذلك الجزء، وإنْ برِئَت ذِمَّتُه من الصلاة. فهكذا المصلِّي وحده، له جزءٌ واحدٌ من الأجر، وإنْ برِئَت الذِّمَّة (٢). ومثل هذه الصَّلاة لا يُسمِّيها الشَّارع صحيحةً، وإنْ اصْطَلح الفقهاء على تسميتها صلاةً (٣)؛ فإنَّ الصَّحيح المطلق ما ترتَّبَ عليه أثره، وحصل به مقصوده. وهذه قد فات معظم أثرها، ولم يحصل منها جُلُّ مقصودها، فهي أبعد شيء من الصِّحَّة، وأحسن أحوالها أنْ تَرْفَع عنه العقاب (٤)، وإنْ حصَّلَت شيئًا من الثواب فهو جزءٌ. وما هذا إلَّا (٥) على قول من لا يجعلها شرطًا للصِّحَّة. وأمَّا مَن جعلها شرطًا لا تصحُّ بدونه فجوابه: أنَّ التفضيل إنَّما هو بين صلاتين صحِيْحَتَين. وصلاة الرَّجل وحده إنَّما تكون صحيحةً للعُذْر، وأمَّا بدون العذر فلا صلاة له، كما قال الصَّحابة ﵃.

стр. 295

وهؤلاء لو أجابوا بهذا أورد عليهم منازعوهم أنَّ المعذور يُكَمَّل له أجرُه؛ فأجابوا عن (١) ذلك بأنَّه لا يستحقُّ بالفعل إلَّا جزءًا واحدًا. وأمَّا التَّكميل (٢) فليس من جِهَة الفعل؛ بل بالنِّيَّة، إذا كان من عادته أنْ يصلِّي جماعةً، فمرض أو حُبِس أو سافر، وتعذَّرت عليه الجماعة، والله يعلم أنَّ من نيَّته أنْ لو قدر على الجماعة لما تركها؛ فهذا يُكَمَّل له أجره، مع أنَّ صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العَمَلَين. قالوا: ويتعيَّن هذا ولا بد؛ فإنَّ النُّصوص قد صرَّحت بأنَّه لا صلاة لمن سمع النِّداء ثم صلَّى وحده؛ فدلَّ على أنَّ من له جزءٌ من سبعة وعشرين جزءًا هو المعذور الذي له صلاة (٣). قالوا: والله تعالى يفضِّل العامل (٤) القادر على العاجز وإنْ لم يؤاخذه، فذلك فضله (٥) يؤتيه من يشاء. وفي «صحيح البخاري» (٦)، عن عمران بن حصين قال: سألت

стр. 296

رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعدٌ، فقال: «من صلَّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلَّى قاعِدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلَّى نائمًا فله نصف أجر القاعد (١)». فهذا إنَّما هو في المعذور، وإلَّا فغير المعذور ليس له من الأجر شيءٌ إذا كانت الصلاة فرضًا. وإنْ كانت نفلًا لم يجز له التَّطوُّع على جَنْبٍ؛ فإنَّه لم يفعله رسول الله ﷺ يومًا من الدَّهر، ولا أحدٌ من أصحابه (٢) ألبتَّة، مع شِدَّة حِرْصهم على أنواع العبادة، وفعل كلِّ خيرٍ. ولهذا جمهور الأمَّة يمنع منه، ولا تجوز (٣) الصلاة على جنبٍ إلَّا لمن لم يستطع القُعُود؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطع فقاعدًا، فإنْ لم تستطع فعلى جَنبٍ» (٤). وعمران ابن الحصين (٥) هو راوي الحديثين، وهو الذي سأل عنهما النَّبيَّ ﷺ .

стр. 297

فصْلٌ وأمَّا استدلالكم بحديث عثمان بن عفان: «من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل» فمن أفسد الاستدلال. وأظهر ما في نقضه عليكم قوله ﷺ : «من صام رمضان وأتْبَعَه سِتًّا (١) من شوَّال فكأنَّما صام الدَّهر» (٢). وصيام الدَّهر غير واجبٍ، وقد شُبِّه به الواجب، بل الصَّحيح أنَّ صيام الدَّهر كلِّه مكروهٌ؛ فقد شُبِّه به (٣) الصَّوم الواجب، فغير ممتنعٍ تشبيه الواجب بالمستحبِّ في مضاعفة الأجر على الواجب القليل، حتى يبلغ ثوابه ثواب المستحب الكثير. فصْلٌ وأمَّا استدلالكم بحديث يزيد بن الأسود، ومحجن بن الأدرع، وأبي ذرٍّ، وعبادة= فليس في حديث واحدٍ منهم (٤) أنَّ الرجل كان قد صلَّى وحده منفردًا مع قدرته على الجماعة ألبتَّة. ولو أَخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ لما أقرَّه على ذلك، وأنكر عليه. وكذلك ابن عمر لم يقل: صلَّيْتُ وحدي

стр. 298

وأنا أقدر على الجماعة. ونحن نقول: إنَّه لم يصلِّ من ترك الجماعة وهو يقدر عليها، ونقول كما قال أصحاب رسول الله ﷺ : «إنَّه لا صلاة له». فحيث يثبت لهؤلاء صلاة فلا بُدَّ من أحد أمرين (١)؛ أن يكونوا صلَّوا جماعةً مع غير هذه الجماعة. أويكونوا معذورين وقت الصلاة. ومن صلَّى وحده لعذرٍ ثم زال عذره في الوقت لم يجب عليه إعادة الصَّلاة، كما لو صلَّى بالتَّيمُّم ثم وجد الماء في الوقت، أوصلَّى قاعدًا لمرض ثم برئ في الوقت، أو صلَّى عُريانًا ثم وجد السُّترة في الوقت (٢). ونحو ذلك (٣). قالوا: وقد دلَّت أحكام الشَّريعة على أنَّ صلاة الجماعة فرضٌ على كُلِّ أحدٍ (٤)، وذلك من وجوهٍ: أحدها: أنَّ الجمع لأجل المطر جائزٌ، وليس جوازه إلَّا محافظة على الجماعة، وإلَّا فمن الممكن أنْ يصلِّي كُلُّ واحدٍ في بيته منفردًا. ولو كانت الجماعة ندبًا لما جاز ترك الوقت الواجب، وتقديم الصلاة

стр. 299

عن وقتها لأجل ندبٍ محضٍ. الثَّاني: أنَّ المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة وأطاق القيام إذا صلَّى وحده صلَّى جماعةً وترك القيام. ومُحَالٌ أنْ يترك ركنًا من أركان الصلاة لمندوبٍ محضٍ. الثَّالث: أنَّ الجماعة حال الخوف يفارقون الإمام، ويعملون العمل الكثير في الصلاة، ويجعلون الإمام منفردًا في وسط الصلاة؛ كُلُّ ذلك لأجل تحصيل الجماعة، وكان من (١) الممكن أن يصلُّوا وحدانًا بدون هذه الأمور. ومُحَالٌ أنْ يُرْتَكب ذلك وغيره لأجل أمرٍ مندوبٍ، إنْ شاء فعَلَه وإنْ شاء لم يفْعَله. وبالله التَّوفيق. فصلٌ وأمَّا المسألة التَّاسعة (٢)، وهي: هل له فعلها في بيته، أم يتعيَّن المسجد؟ فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٣).

стр. 300

إحداهما (١): له فعلها في بيته. وبذلك قالت الحنفيَّة (٢)، والمالكيَّة (٣)، وهو أحد الوجهين للشَّافعية (٤). والثَّانية (٥): ليس له فعلها في البيت إلَّا من عُذرٍ. وفي المسألة قول ثالثٌ: أنَّ (٦) فعلها في المساجد فرض كفاية. وهو الوجه الثَّاني (٧) لأصحاب الشَّافعي. فوجه القول الأول: حديث الرَّجُلَين اللَّذَيْن (٨) صلَّيا في رِحَالهما؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نَدَبَهما إلى فعلِها (٩) في المسجد، ولم ينكر عليهما فعلها (١٠) في رِحَالهما. وكذلك حديث محجن بن الأدرع، وحديث عبد الله بن عمر. وقد

стр. 301

تقدَّمت هذه الأحاديث. وفي «الصَّحِيْحَين» (١)، عن أنس بن مالكٍ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ أحسن النَّاس خُلُقًا، فرُبَّما حَضَرَت الصَّلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبِسَاط الذي تحته، فيُكْنَس ويُنْضَح، ثم يقوم ﷺ ونقوم خلفه، فيصلِّي بنا». وفي «الصَّحِيْحَين» (٢) عنه ـ أيضًا ـ قال: «سَقَط النَّبيُّ ﷺ عن فرسٍ، فجُحِشَ (٣) شِقُّهُ الأيمن، فدخلنا عليه نعودُهُ، فحَضَرت الصلاة، فصلَّى قاعدًا». وفي «الصَّحِيْحَين» (٤) ـ أيضًا ـ عن أبي ذرٍّ قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام، ثمَّ المسجد الأقصى، ثم حيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ؛ فإنَّه مسجدٌ». وصحَّ عنه ﷺ : «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا» (٥).

стр. 302

ووجه الرِّواية الثَّانية: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على وجوب الجماعة؛ فإنَّها صريحةٌ في إتيان المساجد (١). وفي «مسند الإمام أحمد» (٢)، عن ابن أمِّ مكتوم: أنَّ رسول الله ﷺ أَتَى المسجد، فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: «إنِّي لأهمُّ أنْ أجعل للنَّاس إمامًا، ثُمَّ أخرج، فلا أقدر على إنسانٍ يتخلَّف عن الصَّلاة في بيتِهِ إلَّا أحرقته عليه». وفي لفظٍ لأبي داود (٣): «ثُمَّ آتي قومًا يصلُّون في بيوتهم، ليست بهم عِلَّةٌ، فأحرِّق عليهم (٤) بيوتهم». وقال له ابن أمِّ مكتومٍ ـ وهورجلٌ أعمى ـ: هل تجد لي رخصةً أنْ أصلِّي في بيتي؟ قال: «لا أجد لك رخصة» (٥). وقال ابن مسعود: «لو صلَّيْتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيتِهِ لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتُم» (٦).

стр. 303

وعن جابر بن عبد الله قال: فَقَدَ النَّبيُّ ﷺ قومًا في صلاةٍ، فقال: «ما خلَّفَكم (١) عن الصَّلاة؟» فقالوا: لماءٍ كان بيننا (٢). فقال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». رواه الدَّارقطني (٣). وقد تقدَّم هذا المعنى عن علي بن أبي طالبٍ وغيره من الصَّحابة ﵃ (٤). فإنْ خالَفَ وصلَّى في بيته جماعةً من غير عذرٍ، ففي صِحَّة صلاته قولان. قال أبوالبركات في «شرحه» (٥): «فإنْ خالف وصلَّاها في بيته

стр. 304

صحَّت. ويتخرَّج أن لا (١) تصحَّ من غير عذرٍ؛ بناءً على ما اختاره ابن عقيل في ترك (٢) الجماعة، حيث ارتكب النَّهي. ويعضده قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قال: والمذهبُ الصِّحَّة؛ لقوله ﷺ : «صلاة الرجل في جماعةٍ تضاعف على صلاته في بيته أو في سوقه خمسًا وعشرين (٣) ضِعفًا» (٤). ويُحْمَل قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد» على نفي الكمال جمعًا بينهما. قال: والرِّواية الأولى اختيار أصحابنا، وأنَّ حضور المسجد لا يجب (٥). وهي عندي بعيدةٌ جدًّا إنْ حُمِلَت على ظاهرها؛ فإنَّ الصَّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدِّين وأعلامه (٦)، وفي تركها بالكليَّة أوفى المفاسد، ومحو (٧) آثار الصَّلاة؛ بحيث تفضي إلى فتور هِمَم (٨) أكثر الخلق عن أصل فعلها؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعودٍ: «لو صلَّيْتُم في

стр. 305

بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتم» (١). قال: وإنَّما معنى هذه الرِّواية ـ والله أعلم ـ أنَّ فعلها في البيت جائزٌ لآحاد النَّاس إذا كانت تُقَام في المساجد. فيكون فِعْلُها في المساجد (٢) فرض كفايةٍ على هذه الرِّواية، وعلى الأخرى فرض عينٍ. قال: ويدلُّ على ذلك جواز الجمع بين الصَّلاتين للأمطار. ولو كان الواجب فعل الجماعة فقط، دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأنَّ أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يخلو أنْ يكون (٣) عنده زوجة أوولدٌ أوغلامٌ أوصديق، أونحوهم، فيمكنهما (٤) الصَّلاة جماعةً، وغير ذلك (٥). فلا يجوز ترك الشَّرط ـ وهو الوقت ـ من أجل سُنَّة (٦). فلمَّا جاز الجمع عُلِمَ أنَّ الجماعة في المساجد فرضٌ، إمَّا على الكفاية، وإمَّا على الأعيان». هذا كلامُه.

стр. 306

ومن تأمَّل السُّنَّة حقَّ التَّأمُّل تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرضٌ على الأعيان، إلَّا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة. فترك حضور المسجد لغير عذرٍ كترك أصل الجماعة لعذرٍ، وبهذا تتَّفق (١) جميع الأحاديث والآثار. ولمَّا مات رسول الله ﷺ ، وبَلَغ أهلَ مكة موتُه خطَبَهُم سُهَيلُ (٢) بن عمروٍ، وكان عتَّاب بن أَسِيد ـ عامله على مكَّة ـ قد تَوَارى خوفًا من أهل مكة، فأخرجه سُهَيل، وثبَّت أهل مكَّة على الإسلام. فخطبهم بعد ذلك عتَّابٌ (٣)، وقال: «يا أهل مكَّة (٤)، والله لا يبلُغُنِي أنَّ أحدًا منكم تخلَّفَ عن الصَّلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربتُ عُنُقَه» (٥). وشَكَرَ أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصَّنِيع، وزاده رفعةً في أعينهم. فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحدٍ التخلُّف عن الجماعة في المسجد، إلَّا من عذرٍ. والله أعلم.

стр. 307

فصْلٌ وأمَّا المسألة العاشرة (١)، وهي: حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يتمَّ ركوعها ولا سجودها. فهذه المسألة قد شفى فيها (٢) رسول الله ﷺ وكفى، وكذلك أصحابه من بعده. فلا مَعْدل لناصحِ نفسِهِ عمَّا جاءت به السُّنَّة في ذلك. ونحن نسوق مذهب رسول الله ﷺ وأصحابه في ذلك بألفاظه. فعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فرَدَّ عليه¬ السَّلام، فقال: «ارجع، فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ» ثلاثًا (٣). فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحْسِن غيره! فعلِّمْنِي. قال: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فأسْبِغ الوضوء، ثُمَّ استقبل القِبْلة، فكبِّر، ثُمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثُمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثُمَّ ارفع حتى تعتدل (٤) قائمًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثُمَّ ارفع حتى تطمئنَّ جالسًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا (٥)، ثُمَّ افعل ذلك في

стр. 308

صلاتك (١) كلِّها». متَّفقٌ على صِحَّته، وهذا لفظُ البخاري (٢). وفيه دليلٌ على تعيُّن التَّكبير للدُّخول في الصَّلاة، وأنَّ غيره لا يقوم مقامَه، كما يتعيَّن (٣) الوضوء، واستقبال القبلة. وعلى وجوب القراءة وتقيِيدها (٤) بما تيسَّر لا ينفي تعيُّن الفاتحة بدليلٍ آخر؛ فإنَّ الذي قال هذا هو الذي قال: «كُلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأُمِّ القرآن فهي خداجٌ» (٥)، وهو الذي قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٦). ولا تُضْرَبُ سُنَّتُه (٧) بعضُها ببعضٍ. وفيه (٨) دليلٌ على وجوب الطُّمأنينة، وأنَّ مَنْ تَرَكَها لم يفعل ما أُمِرَ به، فيبقى مُطَالبًا بالأمر. وتأمَّل أمره بالطُّمأنينة في الركوع، والاعتدال في الرَّفع منه؛ فإنَّه لا يكفي مجرَّد الطُّمأنينة في ركن الرفع حتى يعتدل

стр. 309

قائمًا، فيجمع (١) بين الطُّمأنينة والاعتدال. خلافًا لمن قال (٢): إذا ركع ثُمَّ سجد من ركوعه ولم يرفع رأسه صحَّت صلاتُه! فلم يكتف مَنْ شَرَع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملًا، بحيث يكون (٣) معتدلًا فيه. ولا ينفي هذا وجوب التَّسبيح في الركوع والسُّجود، والتَّسميع والتَّحميد في الرفع منه (٤) بدليلٍ آخر؛ فإنَّ الذي قال هذا وأَمَر به هو الذي أمر بالتَّسبيح في الركوع، فقال لمَّا نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة/٧٤] (٥): «اجعلوها في ركوعكم» (٦). وأَمَرَ بالتَّحميد

стр. 310

في الرَّفع، فقال: «إذا قال الإمام (١): سَمِع اللهُ لمن حمِدَه فقولوا: ربَّنا ولك الحمد» (٢). فهو الذي أَمَرَنا (٣) بالرُّكوع، وبالطُّمأنينة فيه، وبالتَّسبيح، والتَّحميد. وقال في الرَّفع من السُّجود: «ثم ارفع حتى تطمئنَّ جالِسًا» (٤)، وفي

стр. 311

لفظٍ (١): «حتى تعتدل جالسًا» (٢). فلم يكتف بمجرَّد الرَّفع كحدِّ السَّيف حتى تحصل الطُّمأنينة والاعتدال. ففيه أمرٌ بالرَّفع، والطُّمأنينة فيه، والاعتدال. ولا يمكن التمسُّك بما لم يُذْكَر في هذا الحديث على إسقاط وجوبه عند أحدٍ من الأئمَّة؛ فإنَّ الشَّافعي يوجب الفاتحة، والتَّشهُّد الأخير، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، ولم يُذْكَر فيه. وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهُّد، والخروج من الصَّلاة بالمنافي، ولم يُذْكَر ذلك فيه. ومالكٌ يوجب التَّشهُّد، والسَّلام، ولم يُذْكَر فيه. وأحمد يوجب التَّسبيح في الركوع والسُّجود، والتَّسميع والتَّحميد، وقول: «ربِّ اغفر لي»، ولم يُذْكَر في الحديث. فلا يمكن لأحدٍ أنْ يُسْقِط كُلَّ ما لم يذكر فيه. فإنْ قيل: فرسول الله ﷺ قد أقرَّه على تلك الصَّلاة مرَّتين، ولو كانت باطلةً لم يقرَّه عليها؛ فإنَّه لا يُقِرُّ على باطلٍ (٣). قيل: كيف يكون قد أقرَّه وهو ﷺ يقول له: «ارجع فصَلِّ، فإنَّك لم تُصَلِّ»؟ فأَمَرَه (٤)، ونفى عنه مُسَمَّى الصَّلاة التي شرعها، وأيُّ إنكارٍ أبلغ من هذا!

стр. 312

فإنْ قيل: فهو لم يُنْكِر عليه في نفس الصَّلاة. قيل: نعم؛ لما في ذلك من التَّنفير له، وعدم تمكينه (١) من التَّعليم كما ينبغي، كما أقرَّ الذي بال في المسجد على إكمال بولته (٢) حتى قَضَاها، ثمَّ علَّمه (٣). وهذا من رِفْقِه، وكمال تعليمه، ولطفه. صلوات الله وسلامُه عليه. فإنْ قيل: فهلَّا قال له في نفس الصلاة: اقطعها. قيل: كما (٤) لم يَقُل للبَائِل: «اقطع بولك»، (٥) وأولى. نعم، لو أقرَّهُ على تلك الصَّلاة، ولم يأمره بإعادتها، ولم ينف عنه مسمَّى الصَّلاة الشَّرعية كان فيه متمسَّكًا لكم.

стр. 313

فإنْ قيل: قوله: «لم تُصَلِّ» أي: لم تصلِّ صلاةً كاملةً. قلنا: وكذلك نقول سوى أنَّ من لم تصحَّ صلاته لم يُصَلِّ صلاةً كاملةً (١)، وإنَّما الممتنع أنْ تكون له صلاةٌ صحيحةٌ، قد أخلَّ ببعض مستحبَّاتها، ثم يقول (٢) له: «ارجع، فصَلِّ، فإنَّك لم تصل»، هذا في غاية البطلان! وعن رفاعة بن رافعٍ: أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد يومًا ونحن معه إذْ جاء رجلٌ كالبَدَويِّ، فصلَّى فأخفَّ صلاته، ثم انْصَرَف، فسَلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «وعليك (٣)، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ». ففعل ذلك مرَّتين أوثلاثًا، كُلَّ ذلك يأتي النَّبيَّ ﷺ ، فيُسلِّم على النَّبيِّ ﷺ ، فيقول النَّبيُّ ﷺ (٤): «وعليك، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ». فعاف (٥) النَّاس وكبُرَ عليهم أنْ يكون مَنْ أخَفَّ صلاتَه

стр. 314

لم يُصَلِّ. فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلِّمْنِي؛ فإنَّما أنا بشرٌ، أصيب وأخطئ! فقال: «أجل، إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة، فتوضَّأ كما أمر الله، ثم تشهَّد، وأقم، فإنْ كان معك قرآنٌ فاقرأ، وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه، ثم اركع فاطمئنَّ راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد فاعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئنَّ جالسًا (١)، ثم قُمْ، فإذا فعلت ذلك فقد تمَّتْ صلاتُك، وإنْ انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك». قال: فكان هذا أهون عليهم من الأوَّل (٢)، أنَّه من انتقص من ذلك (٣) شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب (٤) كلُّها. رواه الإمام أحمد (٥)، وأهل «السُّنَن» (٦).

стр. 315

وفي رواية أبي داود (١): «وتقرأ بما شئت من القرآن، ثم تقول: الله أكبر». وعنده: «فإنْ كان معك قرآنٌ فاقرأ به». وفي روايةٍ لأحمد (٢): «إذا أردْتَ أنْ تصلِّي فتوضَّأ، فأحْسِن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبِّر، ثم اقرأ بأمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شِئْت، فإذا رَكَعْت فاجعل راحتَيْك (٣) على رُكبَتَيْك، وامدُد ظهرَك، ومكِّن لركوعك، فإذا رَفَعْتَ رأسك فأقم صُلْبَك، حتى ترجع العِظام إلى مفاصلها، فإذا سجدْتَ فمكِّن لسجودك، فإذا رَفَعْتَ رأسك فاعتمد (٤) على فخذك اليُسْرَى، ثم اصنع ذلك في كُلِّ ركعةٍ وسجدةٍ». فإذا ضَمَمْتَ قولَه في هذا الحديث: «توضَّأ كما أَمَرَك الله» إلى قوله في الصَّفا والمروة: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (٥) أفاد وجوب الوضوء على

стр. 316

التَّرتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في الحديث: «اقرأ بأمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شئت» تقييدٌ لمطلق قوله: «اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن». وهذا معنى قوله (١): «وتقرأ بما شئت من القرآن»، وقال: «فإنْ كان معك قرآنٌ وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه». فألفاظ الحديث يبيِّنُ (٢) بعضُها بعضًا، وهي تبيُّن مراده ﷺ ، فلا يجوز أنْ يُتَعَلَّق بلفظٍ منها، ويترك بقيَّتها (٣). وقوله: «ثم تقول (٤): الله أكبر» فيه تعيين هذا اللَّفظ دون غيره،

стр. 317

وهو التَّكبير المعهود في قوله: «تحريمها التَّكبير» (١). وقوله: «فإذا رَفَعْتَ رأسك فأقِمْ صُلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» صريحٌ في وجوب الرَّفع، والاعتدال منه، والطُّمأنينة فيه. وعن أبي مسعود البدْرِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُجزئ صلاةُ الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسُّجود». رواه الإمام أحمد (٢)،

стр. 318

وأهل «السُّنن» (١)، وقال التِّرمذي: «حديث حسنٌ صحيحٌ». وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الرَّفع من الرُّكوع، وبين السَّجدتين (٢)، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه (٣) ركنٌ لا تصحُّ الصلاة إلَّا به. وعن علي بن شيبان قال: خَرَجْنا حتى قَدِمْنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلَّيْنَا خلفه، فلَمَحَ بمُؤْخِرِ عينه (٤) رجلًا لا يُقِيْم صلاتَه ــ يعني: صُلْبَه في الركوع والسُّجود ــ، فلمَّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ قال: «يا معشر المسلمين، لا صلاة لمن لم يُقِمْ صُلْبَه في الركوع والسُّجُود». رواه

стр. 319

الإمام أحمد (١)، وابن ماجه (٢). وقوله: «لا صلاة» يعني: تجزئه (٣)؛ بدليل قوله: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسُّجود». ولفظ أحمد في هذا الحديث: «لا ينظر الله إلى رجلٍ لا يقيم صُلْبه بين ركوعه وسجوده». وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال (٤): «لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يقيم صُلْبَه بين ركوعه وسجوده». رواه الإمام أحمد (٥).

стр. 320

وفي «سنن البيهقي» (١)، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسُّجود». وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن نَقْر المصلِّي صلاته، وأخبر أنَّها صلاة المنافقين. ففي «المسند» (٢)، و «السُّنن» (٣)، من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن نقرة (٤) الغراب، وافتراش السبع، وأنْ
следующие страницы →