← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التَّرتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في الحديث: «اقرأ بأمِّ القرآن، ثم اقرأ بما شئت» تقييدٌ لمطلق قوله: «اقرأ بما تيسَّر معك من القرآن». وهذا معنى قوله (١): «وتقرأ بما شئت من القرآن»، وقال: «فإنْ كان معك قرآنٌ وإلَّا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه». فألفاظ الحديث يبيِّنُ (٢) بعضُها بعضًا، وهي تبيُّن مراده ﷺ ، فلا يجوز أنْ يُتَعَلَّق بلفظٍ منها، ويترك بقيَّتها (٣). وقوله: «ثم تقول (٤): الله أكبر» فيه تعيين هذا اللَّفظ دون غيره،

стр. 317

وهو التَّكبير المعهود في قوله: «تحريمها التَّكبير» (١). وقوله: «فإذا رَفَعْتَ رأسك فأقِمْ صُلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» صريحٌ في وجوب الرَّفع، والاعتدال منه، والطُّمأنينة فيه. وعن أبي مسعود البدْرِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُجزئ صلاةُ الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسُّجود». رواه الإمام أحمد (٢)،

стр. 318

وأهل «السُّنن» (١)، وقال التِّرمذي: «حديث حسنٌ صحيحٌ». وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الرَّفع من الرُّكوع، وبين السَّجدتين (٢)، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه (٣) ركنٌ لا تصحُّ الصلاة إلَّا به. وعن علي بن شيبان قال: خَرَجْنا حتى قَدِمْنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلَّيْنَا خلفه، فلَمَحَ بمُؤْخِرِ عينه (٤) رجلًا لا يُقِيْم صلاتَه ــ يعني: صُلْبَه في الركوع والسُّجود ــ، فلمَّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ قال: «يا معشر المسلمين، لا صلاة لمن لم يُقِمْ صُلْبَه في الركوع والسُّجُود». رواه

стр. 319

الإمام أحمد (١)، وابن ماجه (٢). وقوله: «لا صلاة» يعني: تجزئه (٣)؛ بدليل قوله: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسُّجود». ولفظ أحمد في هذا الحديث: «لا ينظر الله إلى رجلٍ لا يقيم صُلْبه بين ركوعه وسجوده». وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال (٤): «لا ينظر الله إلى صلاة رجلٍ لا يقيم صُلْبَه بين ركوعه وسجوده». رواه الإمام أحمد (٥).

стр. 320

وفي «سنن البيهقي» (١)، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسُّجود». وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن نَقْر المصلِّي صلاته، وأخبر أنَّها صلاة المنافقين. ففي «المسند» (٢)، و «السُّنن» (٣)، من حديث عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن نقرة (٤) الغراب، وافتراش السبع، وأنْ

стр. 321

يوطِّن (١) الرجل المكان في المسجد كما يوطِّن (٢) البعير». فتضمَّن الحديث النَّهي في الصَّلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات؛ بالغراب في النقرة (٣)، وبالسَّبع بافتراشه ذراعيه في السُّجود، وبالبعير في لزومه مكانًا معيَّنًا من المسجد، يوطِّنُه كما يوطِّن البعير (٤). وفي حديثٍ آخر: «نهى عن التفاتٍ كالتفات الثَّعلب، وإقْعَاء كإقْعَاء الكلب، ورفع الأيدي كأذناب الخيل». أخرجه أحمد (٥) (٦). فهذه ستُّ حيواناتٍ نهى عن التشبُّه (٧) بها.

стр. 322

وأمَّا ما وَصَفَه من صلاة النَّقَّار بأنَّها صلاة المنافقين، ففي «صحيح مسلمٍ» (١) عن العلاء بن عبد الرحمن: أنَّه دخل على أنس بن مالكٍ في داره بالبصرة، حين انصرف من الظُّهر، قال: فلمَّا دخلنا عليه قال: أصلَّيْتُم العصر؟ فقلنا: إنَّما انصرفنا السَّاعة من الظُّهر، قال: تقدَّمُوا (٢) فصلُّوا العصر، فقمنا فصلَّيْنَا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس (٣) يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشَّيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلَّا قليلًا». وقد تقدَّم قول ابن مسعود: «ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّف عنها ـ يريد: الجماعة ـ إلَّا منافقٌ معلوم النِّفاق» (٤). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّساء/١٤٢]. فهذه سِتُّ صفاتٍ في الصَّلاة من علامات النِّفاق ؛ الكَسَل عند القيام إليها، ومُراءاة النَّاس في فعلها، وتأخيرها (٥)، ونقرها، وقلَّة ذكر الله فيها، والتَّخلُّف عن جماعتها.

стр. 323

وعن أبي عبد الله الأشعري قال: صلَّى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم جلس في طائفةٍ منهم، فدخل رجلٌ (١)، فقام يصلِّي، فجعل يركع وينقر في سجوده، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال: «تُرَوْنَ هذا لو ماتَ ماتَ على غير مِلَّة محمَّدٍ ﷺ ، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدَّم، إنَّما مثل الذي يصلِّي ولا يركع، وينقر في سجوده كالجائع؛ لا يأكل إلَّا تمرة أو تمرتين، فما يغنيان عنه. فأسْبِغُوا الوضوء، وويلٌ للأعقاب من النَّار، فأتمُّوا الرُّكُوع والسُّجود». وقال أبوصالحٍ: فقلتُ لأبي عبد الله الأشعريِّ: من حدَّثَك بهذا الحديث؟ قال: أمراء الأجناد، خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان. كُلُّ هؤلاء سمعه من رسول الله ﷺ . رواه أبو بكر ابن خزيمة في «صحيحه» (٢).

стр. 324

فأخبر أنَّ نقَّار الصَّلاة لو مات مات على غير الإسلام. وفي «صحيح البخاري» (١)، عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلًا لا يتِمُّ الركوع ولا السُّجود فقال: «ما صلَّيْتَ، ولو مِتَّ مِتَّ على غير الفِطرة التي فطر الله عليها محمَّدًا ﷺ ». ولو أجزأت (٢) صلاةُ النَّقَّار وصحَّت لما أخرجه عن فِطرة الإسلام بالنَّقر. وقد جعل رسول الله ﷺ لِصَّ الصَّلاة وسارقها شرًّا من لصِّ الأموال وسارقها، ففي «المسند» (٣)، من حديث أبي قتادة قال: قال

стр. 325

رسول الله ﷺ : «أسوأ النَّاس سرقةً الذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتمُّ ركوعها ولا سجودها»، أو قال: «لا يقيم صُلْبَه في الركوع والسُّجود». فصرَّح بأنَّه أسوأ حالًا من سارق الأموال، ولا ريب أنَّ لص الدِّين شرٌّ من لِصِّ الدُّنيا. وفي «المسند» (١)، من حديث سالم بن (٢) أبي الجعد عن سلمان ــ هو الفارسي ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصَّلاة مِكيال، فمَنْ وَفَى وُفِّيَ له (٣)، ومن طفَّف فقد علمتم ما قاله الله في المطفِّفين». قال مالكٌ (٤): «وكان يُقَال: في كُلِّ شيءٍ وفاءٌ وتطفيفٌ». فإذا توعَّدَ الله سبحانه بالويل للمطفِّفِين في الأموال، فما الظنُّ بالمطفِّفِين في الصَّلاة! وقد ذكر أبوجعفر العقيلي (٥)، عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن

стр. 326

معدان عن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضَّأ العبدُ (١) فأحسن وضوءه، ثم قام إلى الصَّلاة، فأتمَّ ركوعها وسجودها، والقراءة فيها قالت له الصَّلاة: حفِظَك الله كما حفظتني، ثم يُصْعَد (٢) بها إلى السَّماء ولها ضوءٌ ونورٌ، وفُتِحَت لها أبواب السَّماء، حتى تنتهي إلى الله ﵎، فتشفع لصاحبها، وإذا ضيَّع وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها قالت له الصَّلاة: ضيَّعَك الله كما ضيَّعْتَني، ثم صُعِد بها إلى السَّماء، فغُلِّقَت دونها أبواب السَّماء، ثم تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثَّوب الخَلَق، ثم يُضْرَب بها وجه صاحبها». وقال الإمام أحمد في «رواية مهنَّا بن يحيى الشَّامي» (٣): «جاء الحديث: إنَّ العبد (٤) إذا توضأ فأحسن الصلاة» (٥)، ثم ذكره تعليقًا.

стр. 327

فصْلٌ وأما المسألة الحادية عشرة (١)، وهي: مقدار صلاة رسول الله ﷺ . فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب. وقد ضيَّعَها النَّاس من عهد أنس بن مالك ﵁. ففي «صحيح البخاري» (٢)، من حديث الزهري قال: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلتُ له (٣): ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا ممَّا أدركت إلَّا هذه الصَّلاة، وهذه الصَّلاة قد ضُيِّعت». وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهديٌّ عن غيلان عن أنسٍ قال: ما أعرف شيئًا ممَّا كان على عهد النَّبيِّ ﷺ ! قيل: فالصَّلاة؟ قال: «أليس قد صنعتم ما صنعتم فيها! (٤)». أخرجه البخاريُّ (٥) عن موسى. وأنسٌ ﵁ تأخَّر حتى شاهَدَ من إضاعة أركان الصَّلاة، وأوقاتها، وتسبيحها (٦) في الركوع والسجود، وإتمام تكبيرات الانتقال

стр. 328

فيها= ما أنكره، وأخبر أنَّ هَدْي رسول الله ﷺ كان بخلافه، كما ستقف عليه مفصَّلًا إنْ شاء الله. ففي «الصَّحِيْحَين» (١)، من حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُوْجِزُ الصَّلاة ويكملها». وفي «الصَّحِيْحَين» (٢)، عنه أيضًا قال: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخف صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ ﷺ ». زاد البخاريُّ: «وإنْ كان ليسمع بكاء الصَّبيِّ فيخفِّف مخافة أنْ تُفْتَن (٣) أُمُّه». فوَصَف صلاته ﷺ بالإيجاز والتَّمام. والإيجاز هو الذي كان يفعله، لا الإيجاز الذي (٤) يظنُّه من لم يقف على مِقْدار صلاته؛ فإنَّ الإيجاز أمرٌ نسبيٌّ (٥) إضافيٌّ، راجِعٌ إلى السُّنَّة، لا إلى شهوة (٦) الإمام ومَنْ خلفه. فلمَّا كان يقرأ في الفجر بالسِّتين إلى المائة (٧) كان هذا إيجازًا

стр. 329

بالنِّسبة إلى ستمائة آيةٍ (١) إلى ألفٍ. ولمَّا قرأ في المغرب بالأعراف (٢) كان هذا الإيجاز (٣) بالنِّسبة إلى البقرة. ويدلُّ على هذا أنَّ أنسًا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبوداود (٤)، والنَّسائي (٥)، من حديث عبد الله بن إبراهيم بن كيسان (٦) حدثني أبي عن وهب بن مانوس (٧) سمعت سعيد بن جبير يقول:

стр. 330

سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صلَّيْتُ وراء أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ مِنْ هذا الفتى». يعني: عمر بن عبد العزيز. فحَزَرْنَا (١) في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحاتٍ. وأنسٌ أيضًا هو القائل في الحديث المتَّفق عليه (٢): «إنِّي لا آلو أن أصلِّي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا». قال ثابت: «كان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع (٣) انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي (٤)، وإذا رفع رأسه من السَّجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي». وأنسٌ هو القائل هذا، وهو القائل: «ما صَلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ (٥) صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ ﷺ ». وحديثُه لا يُكَذِّب بعضُه بعضًا. وممَّا يبيِّن ما ذكرناه ما رواه أبوداود في «سُنَنه» (٦)، من حديث

стр. 331

حماد بن سلمة أخبرنا (١) ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: «ما صلَّيْتُ خلف رجلٍ أوجز صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمِعَ الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوْهَم، ثم يكبِّر (٢)، ثم يسجد، وكان يقعد بين السَّجدتين حتى نقول (٣): قد أوْهَم». هذا سياق حديثه. فجمع أنس ﵁ في هذا الحديث الصَّحيح بين (٤) الإخبار بإيجاز النَّبيِّ ﷺ الصلاة وإتمامها، وبيَّن فيه أنَّ من إتمامها الذي أخبر به إطالة الاعتدالين، حتى يظنَّ الظَّانُّ أنَّه قد أوْهَم أونسي من شدَّة الطُّول، فجمع بين الأمرين في الحديث. وهو القائل: إنَّه (٥) ما رأى أوْجَزَ من صلاة رسول الله ﷺ ولا أتمَّ. فيشبه أنْ يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمامُ إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما؛ لأنَّ القيام لا يكاد يُفْعَل إلَّا تامًّا، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسُّجود والاعتدالين.

стр. 332

وسرُّ ذلك: أنَّه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود والاعتدالين (١) تصير الصَّلاة تامَّة؛ لاعتدالها وتقاربها، فيَصْدُق قوله: «ما رأيتُ أوجز ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ ». وهذا هو الذي كان (٢) يعتمده صلوات الله وسلامه عليه في صلاته؛ فإنَّه كان يعدلها، حيث يعتدل قيامها، وركوعها، وسجودها، واعتدالها. ففي «الصَّحيحين» (٣) عن البراء بن عازب قال: «رَمَقْتُ الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدتُ قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسَجْدَته، فجلسته بين السَّجدتين، فسَجْدَته، فجلسته ما بين التَّسليم والانصراف= قريبًا من السواء». وفي لفظٍ لهما (٤): «كانت صلاة رسول الله ﷺ ، قيامه، وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السَّجدتين= قريبًا من السَّواء». ولا يناقض (٥) هذا ما رواه البخاريُّ (٦) في هذا الحديث: «كان

стр. 333

ركوع النَّبيِّ ﷺ ، وسجوده، وبين (١) السَّجدتين، وإذا رفع رأسه، ما (٢) خلا القيام والقعود قريبًا من السَّواء»؛ فإنَّ البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنَّه في السِّياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهُّد. وليس مراده أنَّهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلَّا ناقض السِّياقَ الثَّاني (٣)؛ وإنَّما المراد أنَّ طولهما كان مناسبًا لطول الرُّكوع والسُّجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التَّفاوت الشَّديد في طول هذا وقِصَر هذا؛ كما يفعله كثيرٌ ممَّن (٤) لا علم عنده بالسُّنَّة، يُطيل القيام جدًّا، ويخفِّف الركوع والسُّجود، وكثيرًا ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنسٌ بقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من صلاة (٥) رسول الله ﷺ »؛ فإنَّ كثيرًا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدًّا، فيثقل على المأمومين، ويخفِّف الركوع والسُّجود والاعتدالين، فلا يكمل الصَّلاة. فالأمران اللَّذان وصف بهما أنسٌ صلاةَ رسول الله ﷺ هما اللَّذان كان الأمراء يخالفونهما، وصار ذلك ـ أعني: تقصير الاعتدالين ـ شعارًا، حتى

стр. 334

استحبَّه بعض الفقهاء، وكرِهَ إطالتهما؛ ولهذا قال ثابتٌ: «وكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي». فهذا الذي فعله أنسٌ هو الذي كان رسول الله ﷺ يفعله، وإنْ كرِهَهُ مَنْ كَرِهَه، فسُنَّة رسول الله ﷺ أولى وأحقُّ بالاتباع. وقول البراء في السِّياق الآخر: «ما خلا القيام والقعود» بيان أنَّ ركن القراءة والتشهُّد أطول من غيرهما. وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع، وقعود الفصل بين السَّجدتين، وجعلوا الاستثناء عائدًا إلى تقصيرهما، وبنوا على ذلك أنَّ السُّنَّة تقصيرهما، وأبطل من غلا منهم (١) الصلاةَ بتطويلهما. وهذا غلطٌ؛ فإنَّ لفظ الحديث وسياقه يُبْطِل ذلك، وفِعْلُ رسول الله ﷺ وهَدْيُه الثابت عنه (٢) يبطل ظنَّ هؤلاء؛ فإنَّ لفظ البراء: «كان ركوعه، وسجوده، وبين السَّجدتين، وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء». فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع؟! هذا باطلٌ قطعًا. وأمَّا فِعْل النَّبيِّ ﷺ فقد تقدَّم حديث أنسٍ: «أنَّه صلَّى بهم صلاة النَّبيِّ ﷺ ، فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي، ويمكث

стр. 335

بين السَّجدتين حتى يقول القائل: قد نسي (١)، وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، اللَّهُم ربَّنا لك (٢) الحمد، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكُلُّنا لك عبدٌ، اللَّهُم (٣) لا مانع لما أعطيت، ولامُعْطِي لما مَنَعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ». رواه مسلم، من حديث أبي سعيد (٤). ورواه من حديث ابن أبي أوفى (٥)، وزاد فيه بعد قوله: «من شيءٍ بعد»: «اللَّهُمَّ طهِّرْني بالثَّلج والبَرَد والماء البارد، اللَّهُمَّ طهِّرْني من الذُّنوب والخطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيضُ من الدَّنَس (٦)». وكذلك كان هَدْيُه في صلاة اللَّيل؛ يركع قريبًا من قيامه، ويرفع رأسه بقدر (٧) ركوعه، ويسجد بقدر ذلك، ويمكث بين السَّجدتين بقدر

стр. 336

ذلك (١). وكذلك فعل في صلاة الكسوف، أطال ركن الاعتدال قريبًا من القراءة (٢). فهذا هديه الذي كأنَّك تشاهده وهو يفعله (٣). وهكذا فعل خلفاؤه الرَّاشدون من بعده. قال زيد بن أسلم: «كان عمرُ يخفِّفُ القيام والقعود، ويتمُّ الركوع والسجود» (٤).

стр. 337

فأحاديث أنسٍ ﵁ كلُّها تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطيل الركوع والسُّجود والاعتدالين، زيادةً على ما يفعله أكثر الأئمَّة ـ بل (١) كلُّهم ـ إلَّا النَّادر. فأنسٌ أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله ﷺ يفعله، وأنكر تقصير الركوع والسُّجود والاعتدالين عمَّا كان رسول الله ﷺ يفعله (٢)، وقال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربةً»، أي: (٣) يقرب بعضها من بعض. وهذا موافقٌ لرواية البراء بن عازب: «أنَّها كانت قريبًا من السواء». فأحاديث الصَّحابة في هذا الباب يصدِّق بعضها بعضًا (٤). فصْلٌ وأمَّا قدْر قيامِه للقراءة فقال أبو بَرْزَة الأسْلميُّ: «كان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الصُّبح، فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أوإحداهما ما بين السِّتِّين إلى المائة». متَّفقٌ على صِحَّته (٥).

стр. 338

وفي «صحيح مسلمٍ» (١)، عن عبد الله بن السَّائب قال: «صلَّى لنا النَّبيُّ (٢) ﷺ الصُّبح بمكَّة، فاستفتح سورة المؤمنين (٣)، حتى جاء ذِكر موسى وهارون ـ أوذِكر عيسى ـ أخَذَت النَّبيَّ ﷺ سَعْلةٌ فرَكَع». وفي «صحيح مسلمٍ» (٤)، عن قطبة بن مالك: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقرأ (٥) في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق/١٠]، وربَّما قال: ﴿ق﴾. وفي «صحيح مسلمٍ» (٦) أيضًا عن جابر بن سمرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق/١]، وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا». فقوله: «وكانت (٧) صلاته بعدُ تخفيفًا» أي: بعد صلاة الصُّبح أخفَّ من قراءتها، ولم يُرِدْ أنَّه كان بعد ذلك يخفِّف قراءة الفجر عن ﴿ق﴾.

стр. 339

ويدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» (١)، من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]، وفي العصر نحو ذلك (٢)، وفي الصُّبح أطول من ذلك». وفي «صحيح مسلمٍ» (٣)، عن زهير عن سماك بن حرب (٤) قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النَّبي ﷺ ، فقال: «كان يخفِّف الصَّلاة، ولا يصلِّي صلاة هؤلاء». قال: وأنبأني أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق/١] ونحوها. فأخبر أنَّ هذا كان تخفيفه. وهذا ممَّا يبيِّن أنَّ قوله: «وكانت صلاته بعدُ (٥) تخفيفًا» أي: بعد الفجر؛ فإنَّه جمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتَّخفيف، وبين قراءته فيها بـ ﴿ق﴾، ونحوها. وقد ثبت في «الصَّحِيح» (٦)، عن أمِّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ

стр. 340

يقرأ في الفجر بالطُّور، في حجَّة الوداع، وهي تطوف من [وراء (١)] النَّاس، تسمع قراءته. وما عاش بعد حجَّة الوداع (٢) إلَّا قليلًا. والطُّور قريبٌ (٣) من ﴿ق﴾. وفي (٤) «الصَّحِيح» (٥)، عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أمَّ الفضل سمِعَتْهُ وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات/١]، فقالت: «يا بُنيَّ لقد ذكَّرْتَنِي بقراءَتِك هذه السُّورة، فإنَّها لآخر ما سمعتُ من النَّبيِّ (٦) ﷺ يقرأ بها في المغرب». فقد أخْبَرَت أمُّ الفضل أنَّ ذلك آخر ما سمِعَتْهُ يقرأ بها في المغرب، وأمُّ الفضل لم تكن من المهاجرات (٧)، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباسٍ: «كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين الذين عذر الله» (٨). فهذا السَّماع كان متأخِّرًا بعد فتح مكة قطعًا.

стр. 341

وفي «صحيح البخاري» (١) عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد (٢) بن ثابتٍ: «مالَكَ تقرأ في المغرب بقِصَار المفصَّل، وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ فيها بطُولَى الطُّولَيَين». وسُئِل ابنُ أبي مليكة (٣) ـ أحد (٤) رواته ـ ما طُولَى الطُّولَيَين؟ فقال مِنْ قِبَل نفسه: «المائدة والأعراف». ويدلُّ على صِحَّة تفسيره حديث عائشة أمِّ المؤمنين ﵂: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين». رواه النَّسائي (٥).

стр. 342

وروى النَّسائي (١) أيضًا من حديث ابن مسعودٍ: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالدُّخان». وفي «الصَّحِيحَين» (٢) عن جُبَير بن مطعمٍ قال: «سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ (٣) بالطُّور في المغرب». فأمَّا العِشاء: فقال البراء بن عازب: «سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين/١]، وما سمعتُ أحدًا أحسن صوتًا منه». متَّفقٌ عليه (٤). وفي «الصَّحِيحَين» (٥) أيضًا عن أبي رافعٍ قال: «صلَّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق/١]، فسَجَد، فقلتُ له، فقال: سجدْتُ بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها

стр. 343

حتى ألقاه». وفي «المسند» (١)، والتِّرمذي (٢)، من حديث بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿الشَّمْسِ (٣) … وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ونحوها من السُّور». قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ». وقال لمعاذٍ في صلاة العشاء (٤) الآخرة: «اقرأ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق/١]، و ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]». متَّفقٌ عليه (٥). وأمَّا الظُّهر والعصر ففي «صحيح مسلمٍ» (٦)، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: «كانت صلاة الظهر تُقام فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي

стр. 344

حاجته، ثمَّ يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم (١) يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الرَّكعة الأولى». وعن أبي قتادة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الرَّكعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين (٢)، ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا، وكان يطوِّل (٣) الرَّكعة الأولى من الظُّهر، ويقصِّر الثَّانية، ويقرأ في الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن (٤) بفاتحة الكتاب». متَّفقٌ عليه، ولفظه لمسلمٍ (٥). وفي روايةٍ للبخاري (٦) (٧): «وكان يطوِّل الأولى من صلاة الصُّبح، ويقصِّر في الثَّانية». وفي روايةٍ لأبي داود (٨) قال: «فظنَّنا أنَّه يريد أنْ (٩) يُدْرِك النَّاسُ الرَّكعة الأولى».

стр. 345

وفي «مسند الإمام أحمد» (١)، عن عبد الله بن أبي أوفى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقوم في الرَّكعة الأولى من صلاة الظُّهر حتى لا يُسْمَع وقع (٢) قدمٍ». وقال سعد بن أبي وقاصٍ لعمر: «أمَّا أنا فأمدُّ في الأُولَيَيْن، وأحذفُ في الأُخْرَيَيْن (٣)، وما آلو ما اقتديتُ به من صلاة رسول الله ﷺ »، فقال له

стр. 346

عمر: «ذاك ظنِّي فيك (١)». رواه البخاري ومسلم (٢). وقال أبو سعيد الخدري: «كُنَّا نَحْزِرُ قيام رسول الله ﷺ في الظُّهر والعصر، فحزرنا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَيْن من الظُّهر قدر ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وحَزَرْنا قيامه (٣) في الأُخرَيَيْن قدر النِّصف من ذلك (٤). وحَزَرْنا (٥) قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَين من العصر على قدر قراءته (٦) في الأُخْرَيَيْن من الظُّهر، وفي الأُخرَيَيْن من العصر (٧) على النِّصف من ذلك». وفي روايةٍ بدل قوله: «﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة»: «قدر ثلاثين آية، وفي الأُخْرَيَيْن قدر خمس (٨) عشرة آية. وفي العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعةٍ قدر خمس عشرة، وفي الأُخْرَيَيْن قدر نِصْف ذلك». هذه الألفاظ كلُّها في «صحيح مسلمٍ» (٩).

стр. 347

وقد احتجَّ به من استحبَّ قراءة السُّورة بعد الفاتحة في الأُخْرَيَيْن، وهو ظاهر الدلالة لو لم يجئ (١) حديث أبي قتادة المتَّفق على صِحَّته (٢)، أنَّه كان يقرأ في الأُوْلَيَيْن بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب. فذِكْرُه (٣) السُّورتين في الرَّكعتين الأُولَيين، واقتصاره على الفاتحة في الأُخرَيَيْن يدلُّ على اختصاص (٤) كُلِّ ركعتين بما ذكر من قراءتهما. وحديث سعدٍ يحتمل لما (٥) قال أبوقتادة، ولما قال أبوسعيد. وحديث أبي سعيدٍ ليس صريحًا في قراءة السُّورة في الأُخْرَيَيْن (٦)، فإنَّما هو حَزْرٌ و تخمينٌ. وقال جابر بن سمرة: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطول من ذلك». رواه مسلمٌ (٧).

стр. 348

وعنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقرأ في الظُّهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، وفي الصُّبح بأطول من ذلك». رواه مسلمٌ (١) أيضًا. وعنه: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر ﴿وَالسَّمَاءِ (٢) ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج/١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق/١]، ونحوهما (٣) من السُّور». أخرجه أحمد (٤)، وأهل «السُّنَن» (٥). وفي «سنن النَّسائي» (٦)،

стр. 349

عن البراء بن عازب (١) قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا الظُّهر، فنسمع (٢) منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذَّاريات». وفي «السُّنَن» (٣)، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله ﷺ سجد في صلاة الظُّهر، ثم قام فركع، فرأينا أنَّه قرأ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة».

стр. 350

وفيه دليلٌ على أنَّه لا يُكْرَه قراءة السَّجدة في صلاة السِّرِّ، وأنَّ الإمام إذا قرأها سجد، ولا يخيَّر المأمومون بين اتِّباعه وتركِه (١)، بل يجب عليهم متابعته. وقال أنسٌ: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ صلاة الظُّهر، فقرأ لنا بهاتين السُّورتين في الرَّكعتين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾». رواه النَّسائي (٢). والصَّحابة ﵃ أنكروا (٣) على من كان يبالغ في تطويل القيام، وعلى من كان يخفِّف الأركان، ولا سيَّما رُكْنَي الاعتدال، وعلى من كان لا يتمُّ التَّكبير، وعلى من كان يؤخِّر الصَّلاة إلى آخر وقتها، وعلى من كان يتخلَّف عن جماعتها. وأخبروا عن صلاة رسول الله ﷺ ، التي ما زال يصلِّيها حتى مات،

стр. 351

ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا أنَّه نَقَصَ من صلاته في آخر حياته ﷺ ، ولا أنَّ تلك (١) الصَّلاة التي كان يصلِّيها منسوخةٌ. بل استمرَّ خلفاؤُه الرَّاشدون على منهاجه في الصَّلاة، كما استمرُّوا على منهاجه في غيرها. فصلَّى الصِّدِّيق صلاة الصَّبح، فقرأ فيها بالبقرة كلِّها، فلمَّا انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشَّمس تطلع! قال: «لو طَلَعَت لم تجدنا غافلين» (٢). وكان عمر يصلِّي الصُّبح بالنَّحل، ويونس، وهود، ويوسف، ونحوها من السُّور (٣).

стр. 352

قال المخفِّفُون: إنَّكم وإنْ تمسَّكْتُم بالسُّنَّة في التَّطويل فنحن أسعدُ بها منكم في الإيجاز والتَّخفيف؛ لكثرة الأحاديث بذلك وصحَّتِها، وأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بالإيجاز والتَّخفيف، وشدَّة غضبِه على المطوِّلين، وموعظته لهم، وتسميتهم منفِّرين. فعن أبي موسى (١): أنَّ رجلًا قال: والله يا رسول الله إنِّي لأتأخَّر (٢) عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ؛ ممَّا (٣) يطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله ﷺ في موعظةٍ أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: «أيُّها النَّاس إنَّ منكم (٤) منفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاس فليتجوَّز، فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وذا

стр. 353

الحاجة». رواه البخاري، ومسلم (١). وفي رواية البُخاريِّ (٢): «فإنَّ فيهم المريض والضَّعيف وذا الحاجة». وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أمَّ أحدُكُم فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير (٣) والضَّعيف والمريض، وإذا صلَّى وحده فلْيُصلِّ كيف شاء». رواه البخاري ومسلم، واللَّفظ لمسلمٍ (٤). وعن عثمان بن أبي العاص الثَّقفي: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «أُمَّ قومَك». قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي شيئًا. قال: «اُدْنُه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كَفَّه في صدري بين ثديَيَّ (٥)، ثمَّ قال: «تحوَّل»، فوضعها في ظهري، بين كتِفَيَّ، ثم قال: «أُمَّ قومك، فمَنْ أَمَّ قومًا فلْيُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الكبير، وإنَّ فيهم المريض، وإنَّ فيهم الضَّعيف (٦)، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدُكُم وحْدَه فلْيُصَلِّ

стр. 354

كيف شاء». رواه مسلم (١). وفي روايةٍ: «إذا أَمَمْتَ قومًا فأخِفَّ (٢) بهم الصَّلاة» (٣). وقال أنس بن مالكٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلاة ويكملها». وفي لفظٍ: «يُوجِز ويُتِمُّ». متَّفقٌ عليه (٤). وقال أنس أيضًا «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً، ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ ، وإن كان ليَسْمَعُ بكاء الصَّبيِّ فيُخَفِّف؛ مخافة أنْ تُفْتَن (٥) أُمُّه». متَّفق عليه، وسياقه للبخاري (٦). وعن عثمان بن أبي العاص أنَّه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، فاقتد بأضْعَفِهم، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا». رواه الإمام أحمد (٧)، وأهل السُّنن (٨).

стр. 355

ورواه أبوداود في «سُنَنه» (١)، من حديث الجُرَيْري (٢) عن السَّعدي عن أبيه أوعمِّه قال: «رَمَقْتُ النَّبيَّ ﷺ في صلاته، فكان يتمكَّن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثًا». ورواه أحمد أيضًا في «مسنده» (٣). وروى أبوداود في «سننه» (٤)، من حديث ابن وهبٍ: أخبرني سعيد
следующие страницы →