← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 253

الصلاة - ابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (501 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا أنَّه نَقَصَ من صلاته في آخر حياته ﷺ ، ولا أنَّ تلك (١) الصَّلاة التي كان يصلِّيها منسوخةٌ. بل استمرَّ خلفاؤُه الرَّاشدون على منهاجه في الصَّلاة، كما استمرُّوا على منهاجه في غيرها. فصلَّى الصِّدِّيق صلاة الصَّبح، فقرأ فيها بالبقرة كلِّها، فلمَّا انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشَّمس تطلع! قال: «لو طَلَعَت لم تجدنا غافلين» (٢). وكان عمر يصلِّي الصُّبح بالنَّحل، ويونس، وهود، ويوسف، ونحوها من السُّور (٣).

стр. 352

قال المخفِّفُون: إنَّكم وإنْ تمسَّكْتُم بالسُّنَّة في التَّطويل فنحن أسعدُ بها منكم في الإيجاز والتَّخفيف؛ لكثرة الأحاديث بذلك وصحَّتِها، وأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بالإيجاز والتَّخفيف، وشدَّة غضبِه على المطوِّلين، وموعظته لهم، وتسميتهم منفِّرين. فعن أبي موسى (١): أنَّ رجلًا قال: والله يا رسول الله إنِّي لأتأخَّر (٢) عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ؛ ممَّا (٣) يطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله ﷺ في موعظةٍ أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: «أيُّها النَّاس إنَّ منكم (٤) منفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاس فليتجوَّز، فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وذا

стр. 353

الحاجة». رواه البخاري، ومسلم (١). وفي رواية البُخاريِّ (٢): «فإنَّ فيهم المريض والضَّعيف وذا الحاجة». وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أمَّ أحدُكُم فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير (٣) والضَّعيف والمريض، وإذا صلَّى وحده فلْيُصلِّ كيف شاء». رواه البخاري ومسلم، واللَّفظ لمسلمٍ (٤). وعن عثمان بن أبي العاص الثَّقفي: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «أُمَّ قومَك». قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي شيئًا. قال: «اُدْنُه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كَفَّه في صدري بين ثديَيَّ (٥)، ثمَّ قال: «تحوَّل»، فوضعها في ظهري، بين كتِفَيَّ، ثم قال: «أُمَّ قومك، فمَنْ أَمَّ قومًا فلْيُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الكبير، وإنَّ فيهم المريض، وإنَّ فيهم الضَّعيف (٦)، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدُكُم وحْدَه فلْيُصَلِّ

стр. 354

كيف شاء». رواه مسلم (١). وفي روايةٍ: «إذا أَمَمْتَ قومًا فأخِفَّ (٢) بهم الصَّلاة» (٣). وقال أنس بن مالكٍ: «كان النَّبيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلاة ويكملها». وفي لفظٍ: «يُوجِز ويُتِمُّ». متَّفقٌ عليه (٤). وقال أنس أيضًا «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً، ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ ، وإن كان ليَسْمَعُ بكاء الصَّبيِّ فيُخَفِّف؛ مخافة أنْ تُفْتَن (٥) أُمُّه». متَّفق عليه، وسياقه للبخاري (٦). وعن عثمان بن أبي العاص أنَّه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، فاقتد بأضْعَفِهم، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا». رواه الإمام أحمد (٧)، وأهل السُّنن (٨).

стр. 355

ورواه أبوداود في «سُنَنه» (١)، من حديث الجُرَيْري (٢) عن السَّعدي عن أبيه أوعمِّه قال: «رَمَقْتُ النَّبيَّ ﷺ في صلاته، فكان يتمكَّن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثًا». ورواه أحمد أيضًا في «مسنده» (٣). وروى أبوداود في «سننه» (٤)، من حديث ابن وهبٍ: أخبرني سعيد

стр. 356

ابن عبد الرحمن (١) بن أبي العمياء أنَّ سهل بن أبي أمامة حدَّثه: أنَّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالكٍ بالمدينة، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تُشدِّدُوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم، فشدَّد الله عليهم (٢)، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيارات؛ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد/٢٧]». هذا الذي في رواية اللُّؤْلُؤي عن أبي داود. وفي رواية ابن داسة عنه: أنَّه دخل وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر بن عبد العزيز ـ وهو أمير المدينة ـ فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً، كأنَّها صلاة مسافر، أوقريبًا منها، فلمَّا سلَّم قال: يرحمك الله، أرأيْتَ هذه الصَّلاة، هي المكتوبة أوشيءٌ تنفَّلْتَ به؟ قال: إنَّها المكتوبة، وإنَّها لصلاة رسول الله ﷺ ! كان يقول: «لا تُشَدِّدُوا على أنفسكم، فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيار؛ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد/٢٧]». ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب؛ لتنظر وتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا بدِيارٍ باد أهلها، وانقضوا وفنوا،

стр. 357

خاويةً على عروشها (١). قال: أتعرف هذه الدِّيار؟ قال: ما أعْرَفَني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديارٍ (٢) أهلكهم البغي والحسد. إنَّ الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أويكذِّبه، والعين تزني، والكفُّ والقَدَم والجَسَد واللِّسان (٣)، والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه». فأمَّا سهل بن أبي أمامة فقد وثَّقه يحيى بن معين وغيره (٤)، وروى له مسلمٌ. وأمَّا ابن أبي العَمْياء فمِن (٥) أهل بيت المقدس، وهو وإنْ جُهِلَت حاله فقد رواه أبوداود وسكَتَ عنه؛ وهذا يدلُّ على أنَّه حسنٌ عنده (٦). قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أنس من تغيير الصَّلاة هو شِدَّة تطويل الأئمَّة لها، وإلَّا تناقضت أحاديث أنس؛ ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام. وقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من رسول الله ﷺ » ظاهرٌ في إنكاره التَّطويل. وقد جاء هذا مفسَّرًا عن أنس نفسه.

стр. 358

فروى النَّسائي (١)، من حديث العطَّاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالكٍ، فقال: (٢) أصلَّيْتُم؟ فقلنا: نعم. قال: «يا جارية هلمِّي لي وَضُوءًا، ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أشبه (٣) بصلاة رسول الله ﷺ مِنْ إمامكم هذا». قال زيدٌ: «وكان عمر بن عبد العزيز يتمُّ الركوع والسُّجود، ويخفِّف القِيَام والقُعُود (٤)». وهو حديثٌ صحيحٌ. وقد صرَّح بذلك (٥) عمران بن الحصين لمَّا صلَّى خلف عليٍّ بالبصرة، قال عمران: «لقد ذكَّرني هذا صلاةَ رسول الله ﷺ ،

стр. 359

وكانت (١) صلاة النَّبيِّ ﷺ معتدلة، كان يخفِّف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسُّجود». وهو حديثٌ صحيحٌ (٢). وفي «الصَّحِيحَين» (٣)، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لمعاذٍ ـ لمَّا طوَّل بقومه في عشاء الآخرة ـ: «أفتَّانٌ أنت (٤)؟»، أو قال: «أفاتنٌ أنت؟، ثلاث مرات؛ فلولا صلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى/١]، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس/١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [اللَّيل/١]؛ فإنَّه يُصَلِّي وراءك الكبير والضَّعيف وذو الحاجة (٥)». وعن معاذ بن عبد الله الجهني: أنَّ رجلًا من جُهَينة أخبره: «أنَّه سمع النَّبيَّ (٦) ﷺ يقرأ في الصُّبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة/١] في الركعتين كلتيهما، فلا أدري نسي (٧) رسول الله ﷺ ، أم قَرَأ ذلك عمدًا».

стр. 360

رواه أبوداود (١). وفي «صحيح مسلمٍ» (٢) عن عمرو بن حريث: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (٣)﴾ [اللَّيل/١]. وعن عقبة بن عامر قال: «كنتُ أقود برسول الله ﷺ ناقته، فقال لي: أَلَا أعلِّمُك سورتين لم يُقْرَأ بمثلهما؟ قلت: بلى، فعلَّمَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فلم يَرَني أُعْجِبْتُ (٤) بهما، فلمَّا نزل للصُّبح قرأ بهما، ثم قال: كيف رأيت يا (٥) عقبة؟» (٦). وفي لفظٍ (٧): «أَلَا أُعَلِّمُك خير سورتين قُرِئَتَا (٨)؟» قلتُ: بلى.

стр. 361

قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فلمَّا نَزَل ﷺ صلَّى بهما صلاة (١) الغداة. قال: «كيف ترى يا عقبة؟». رواه الإمام أحمد، وأبو داود (٢).

стр. 362

وفي «مسند الإمام أحمد» (١)، و «سُنن النَّسائي» (٢)، من حديث عمار بن ياسر أنَّه صلَّى صلاةً (٣) فأوجز فيها، فأنكروا ذلك (٤)، فقال: ألم أُتِمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال: «أَمَا إنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ، كان رسول الله ﷺ يدعو به: اللَّهُمَّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحْيِنِي ما علِمْتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرِّضا، والقصد في الفقر والغِنى، ولذَّة النَّظَر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضرَّاء مُضِرَّة، ومن فتنة مُضِلَّة، اللَّهُمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».

стр. 363

قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التَّطويل صِحَّةً وكثرةً وصراحةً. وحينئذٍ فيتعيَّن حملها على أنَّها كانت في أوَّل الإسْلام؛ لمَّا كان في المصلين قِلَّة، فلمَّا كثروا، وانتشرت رفعة (١) الإسلام شُرِعَ التَّخفيف، وأُمِرَ به؛ لأنَّه أدْعَى إلى القبول (٢) ومحبَّة العبادة، فيدخل فيها برغبةٍ، ويخرج (٣) منها باشتياقٍ، ويبادر (٤) بها الوَسْواس؛ فإنَّها متى طالت استولى الوَسْواس فيها على المصلِّي، فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره. قالوا: وكيف يُقاس على رسول الله ﷺ غيرُه من الأئمَّة؟ من (٥) محبَّة الصَّحابة له، والقيام خلفَه؛ وسماع (٦) صوته بالقرآن غَضًّا كما أُنْزِل، وشِدَّة رغبة القوم في الدِّين، وإقبال قلوبهم على الله، وتفريغها له في العبادة، ولهذا قال: «إنَّ منكم منفِّرين»، ولم يكونوا يَنْفِرُون من طول صلاته ﷺ (٧)، فالذي كان يحصل للصَّحابة خلفه في الصَّلاة كان

стр. 364

يحملهم (١) على أنْ يَرَوا صلاته وإنْ طالت= خفيفةً على قلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ الإمام يحمل (٢) المأمومين بقلبه، وخشوعه، وصوته، وحاله. فإذا عَرِيَ من ذلك كلِّه كان كَلًّا على المأمومين، وثِقَلًا عليهم؛ فليخفِّف من ثقله عليهم ما أمكنه؛ لئلَّا يُبَغِّضهم الصِّلاةَ (٣). وقد ذَمَّ رسول الله ﷺ الخوارج بشدَّة تنطُّعهم في الدِّين (٤)، وتشدُّدهم في العبادة، بقوله: «يحقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتهم (٥)، وصيامه مع صيامهم» (٦). ومَدَح الرِّفق وأهله، وأخبر عن محبَّة الله له، وأنَّه يعطي عليه ما لا يعطي على العُنْف (٧)، وقال: «لن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبَه» (٨)، وقال: «إنَّ هذا الدِّين متينٌ، فأوغلوا فيه برفقٍ (٩)» (١٠).

стр. 365

فالدِّين كلُّه في الاقتصاد في السَّبيل والسُّنَّة، والله تعالى يحبُّ ما داوم عليه العبد من الأعمال، والصَّلاةُ القصْدُ هي التي يمكن المداومة عليها، دون المتجاوزة في الطُّول. فصْلٌ قال المكمِّلُون للصَّلاة: أهلًا وسهلًا بكُلِّ ما جاء عن رسول الله ﷺ ، فعلى الرأس والعينين، وهل نُدَنْدِنُ إلَّا حول الاقتداء به، ومتابعة هدْيِهِ

стр. 366

وسُنَّته، ولا نضرب سُنَّته بعضها ببعضٍ، ولا نأخذ منها ما سهل، ونترك منها ما شقَّ علينا؛ لكسلٍ وضعف عزيمةٍ واشتغالٍ بدنيا قد ملأت القلوب، ومَلَكَت الجوارح، وقرَّت بها العيون، بدل قُرَّتِها (١) بالصَّلاة. فصارت أحاديث الرُّخصة في حقِّها شُبْهةً صادَفَت شهوةً، وفتورًا في العزم، وقِلَّة رغبةٍ في بذل الجهد في النَّصيحة في الخدمة، واستسهلت (٢) حقَّ الله تعالى. وجعلت (٣) كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التَّفريط فيه، وإضاعته، وفعله بالهوينا (٤) تحلَّة القَسَم، ولهجت بقولها: ما استقصى كريمٌ حقَّه قطُّ، وبقولها: حقُّ الله مبنيٌّ على المسامحة والمساهلة والعفو، وحقُّ العباد مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق والاستقصاء. فقامت في خدمة المخلوقين؛ كأنَّها على الفرش الوثيرة، والمراكب الهنيَّة (٥)، وقامت في حقِّ خدمة ربِّها وفاطرها كأنَّها على الجمر المُحْرِق، تعطيه الفضلة (٦) من قواها وزمانها، وتستوفي لأنفسها كمال الحظِّ.

стр. 367

ولم تحفظ (١) من السُّنَّة إلَّا «أفتَّان أنت يا معاذ؟» (٢)، و «أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين» (٣)! ووَضَعَت (٤) الحديث على غير موضعه، ولم تتأمَّل ما قبله وما بعده. ومن لم تكن (٥) قُرَّةُ عيْنِهِ في الصَّلاة، ونعيمُه وسرورُه ولذَّتُه فيها، وحياةُ قلبه، وانشراحُ صدره= فإنَّه لا يناسبه إلَّا هذا الحديث وأمثاله، بل لا يناسبه إلَّا صلاة السُّرَّاق والنَّقَّارين، فنقر (٦) الغراب أولى به من استفراغ وسْعِهِ في خدمة ربِّ الأرباب. وحديث: «أفتَّانٌ أنت يامعاذ»، الذي لم يفهمه، أولى به من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يُدْرِك رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى» (٧)! وحديث صلاته ﷺ الصُّبح بالمعوِّذَتَيْن (٨)، وكان هذا في السَّفر،

стр. 368

أولى به من حديث صلاته في الحضر بمائة آية (١) إلى ستِّين (٢)! وحديث صلاته ﷺ المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، الذي انفرد ابن ماجه (٣) بروايته، أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه» (٤): «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ فيها

стр. 369

بطُولَى الطُّولَيَيْن»، وهي الأعراف. فهو يميل (١) من السُّنَّة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها بما يوافقه، ويتلطَّف إنْ أحسن (٢) في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن! ونحن نبرأُ إلى الله من سلوك هذه الطَّريقة، ونسأله أنْ يعافينا ممَّا ابتلى به (٣) أربابها، بل ندين الله (٤) بكُلِّ ما صحَّ عن رسوله ﷺ ، ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنُقِرُّ مالنا على ظاهره، ونتأوَّل ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكُلُّ لنا، لا نفرِّق بين شيءٍ من سُنَنِه، بل نتلقَّاها كُلَّها بالقبول، ونقابلها بالسَّمع والطَّاعة، ونتبعها أين توجَّهت ركائبها (٥)، وننزل معها أين نزلت مضاربها. فليس الشأن في الأخذ ببعض سُنَّة رسول الله ﷺ ، وترك بعضها؛ بل الشأن في الأخذ (٦) بجميعها، وتنزيل كُلِّ شيءٍ منها منزلته، ونضعه بموضعه. فنقول وبالله التَّوفيق: الإيجاز والتَّخفيف المأمور به، والتَّطويل المنهي عنه لا يمكن أنْ يُرْجَع فيه إلى عادة طائفةٍ، وأهل بلدٍ، وأهل

стр. 370

مذهبٍ، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمَّة الذين يصلُّون بالناس، ورأيهم في ذلك؛ فإنَّ ذلك لا ينضبط، وتضطرب (١) فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب، ويفسد وضع الصَّلاة، ويصير مقدارها تبعًا لشهوة النَّاس. ومثل هذا لا تأتي به شريعةٌ؛ بل المرجع في ذلك والتَّحاكم إلى ما كان يفعله من شَرَع الصَّلاة للأمَّة (٢)، وجاءهم بها من عند الله، وعلَّمهم حقوقها، وحدودها، وهيئاتها، وأركانها. وكان يصلِّي وراءَه الصغير، والكبير، والضعيف، وذو الحاجة (٣)، ولم يكن بالمدينة إمامٌ غيره، صلوات الله وسلامه عليه. فالذي كان يفعله صلوات الله وسلامه عليه (٤) هو الذي كان يأمر به؛ فإنَّه كان إذا أمر بأمرٍ كان (٥) أوَّل الناس وأولاهم أخذًا به، وإذا نهى عن شيءٍ كان أحقَّ الناس وأولاهم بتركه؛ ولهذا قال شعيبٌ صلوات الله وسلامه عليه (٦): ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود/٨٨].

стр. 371

وقد سُئِل بعض أصحاب رسول الله ﷺ بعد موته عن صلاته؛ فأجابوا من سألهم بصلاته التي كان يصلِّيها حتى قَبَضَه الله. كما روى قَزَعة (١) قال: رأيتُ أبا سعيدٍ الخدري وهو مكثورٌ عليه، فلمَّا تفرَّق الناس عنه قلتُ: إنِّي لا أسألك (٢) عمَّا يسألك هؤلاء عنه؟ أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ (٣)، فقال: مالَكَ في ذلك من خيرٍ (٤)؟ فأعادها عليه، فقال: «كانت صلاة الظهر تُقَام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثُمَّ يأتي أهلَه، فيتوضَّأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الرَّكعة الأولى؛ ممَّا يطوِّلها». رواه مسلم في «الصَّحيح» (٥). وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أبوسعيد، وأنس، وعمران بن حصين (٦)، والبراء بن عازب= إنَّما هو حذف الصَّلاة، والاختصار فيها (٧)، والاقتصار

стр. 372

على بعض (١) ما كان رسول الله ﷺ يفعله. ولهذا لمَّا صلَّى بهم أنسٌ قال: «إنِّي لا آلو أنْ أصلِّي بكم صلاة رسول الله ﷺ ». قال ثابتٌ: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا انتصب قائمًا يقوم حتى يقول (٢) القائل: قد أوْهَمَ، وإذا جلس بين السَّجدتين مَكَث (٣) حتى يقول القائل: قد أوْهَمَ (٤)» (٥). فهذا ممَّا أنكره أنسٌ على الأئمَّة؛ حيث كانوا يقصرون هذين الرَّكنين، كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسُّجود، وأخبر أنَّ أشبههم صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، فحَزَرُوا تسبيحه في الركوع والسُّجُود عشرًا عشرًا. ومن المعلوم أنَّه لم يكن يسبِّحها هذًّا مسرعًا (٦) من غير تدبُّرٍ! فحالهم (٧) أجلُّ من ذلك. وقد بُلِيَ أنسٌ بِمَنْ وهَّمَه في ذلك، كما (٨) بُلِي بمن وهَّمَه في

стр. 373

روايته ترك رسول الله ﷺ في صلاته الجهر بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وقالوا: كان صغيرًا يصلِّي وراء الصُّفوف، فلم يكن يسمع جهرهم بها. وكما بُلِيَ بِمَن وهَّمَه في إحرام رسول الله ﷺ بالحجِّ والعمرة معًا، وقالوا: كان بعيدًا منه، لا يسمع إحرامه، حتى قال لهم: «ما تعدُّونَنا إلَّا صبيانًا (١)! كنت تحت بطن ناقة رسول الله ﷺ ، فسمِعْتُه يُهِلُّ (٢) بهما جميعًا» (٣). وقَدِم رسول الله ﷺ المدينة ولأنسٍ عشر سنين، فخَدَمَه واختصَّ به، وكان يُعَدُّ من أهل بيته، وكان غلامًا كيِّسًا فَطِنًا، وتوفِّي رسول الله ﷺ وهو رجلٌ كاملٌ، له عشرون سنةً، ومع هذا كلِّه فيغلط على رسول الله ﷺ في قراءته، وقدر (٤) صلاته، وكيفية إحرامه! ويستمرُّ غلَطُه على خلفائه الراشدين من بعده، ويستمرُّ على صلاته في مؤخر المسجد، حيث لا يسمع قراءة (٥) أحدٍ منهم؟

стр. 374

وقد اتَّفق الصَّحابة ﵃ على أنَّ صلاة رسول الله ﷺ كانت معتدلةً، فكان ركوعه، ورفعه منه، وسجوده، ورفعه منه= مناسبًا لقيامه، فإذا كان يقرأ في الفجر بمائة آية إلى ستِّين آيةً فلا بُدَّ أنْ يكون ركوعُه وسجودُه مناسبًا لذلك؛ ولهذا قال البراء بن عازبٍ: «إنَّ ذلك كلَّه كان قريبًا من السَّواء» (١). وقال عمران بن حصين: «كانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة» (٢). وكذلك كان قيامه باللَّيل وصلاة الكسوف (٣). وقال عبد الله بن عمر: «إنْ كان رسول الله ﷺ ليأمُرُنا بالتَّخفيف، وإنْ كان ليَؤُمُّنا (٤) بالصَّافات». رواه الإمام أحمد (٥)، والنَّسائي (٦).

стр. 375

فهذا أمرُهُ، وهذا فعلُه المفسِّر له، لا ما يظنُّ الغالط المخطئُ، أنَّه كان يأمرهم بالتَّخفيف، ويفعل هو خلاف ما أَمَر به. وقد أمر ـ صلاة (١) الله وسلامه عليه ـ الأئمَّة أنْ يصلُّوا بالنَّاس كما كان (٢) يصلِّي بهم. ففي «الصَّحِيحَين» (٣) عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأَقَمْنَا (٤) عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسَأَلَنا عمَّن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّمُوهم، ومُرُوهم، فلْيُصلُّوا (٥) صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا، وإذا حَضَرَت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبرُكم، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». والسِّياق للبُخاري. فهذا خطابٌ للأئمَّة قطعًا، وإنْ لم يختصَّ بهم. فإذا أَمَرَهم (٦) أنْ يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهم بالتَّخفيف عُلِمَ بالضَّرورة أنَّ الذي كان يفعله هو الذي (٧)

стр. 376

أَمَرَ به. يوضِّحُ ذلك أنَّه ما من فعلٍ في الغالب إلَّا وقد يُسمَّى خفيفًا بالنِّسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمَّى طويلًا بالنِّسبة إلى ما هو أخفُّ منه، فلا حدَّ له في اللُّغة يُرْجَع فيه إليه (١). وليس من الأفعال العُرْفِيَّة التي يُرْجَع فيها إلى العُرْف؛ كالحِرْزِ (٢)، والقبض، وإحياء الموات (٣). والعبادات يُرْجَع (٤) إلى الشَّارع، في مقاديرها، وصفاتها، وهيئاتها، كما يُرْجَع إليه في أصلها. فلو جاز الرُّجوع في ذلك إلى عُرف النَّاس وعوائدهم في مسمَّى التَّخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصَّلاة ومقاديرها اختلافًا متباينًا لا ينضبط. ولهذا لمَّا فهم بعض من نكس الله قلبه أنَّ التَّخفيف المأمور به هو ما يمكن من التَّخفيف اعتقد أنَّ الصَّلاة كلَّما خُفِّفت (٥) وأُوجِزَت كانت أفضل! فصار كثيرٌ (٦) منهم يمرُّ فيها مرَّ السَّهم، ولا يزيد على «الله أكبر» في الركوع والسُّجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق

стр. 377

قراءته (١)، وربَّما ظنَّ أنَّ الاقتصار على تسبيحةٍ واحدةٍ أفضل من ثلاثٍ! ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنَّه رأى غلامًا له يطمئنُّ (٢) في صلاته فضَرَبه، وقال: لو بَعَثك السُّلطان في شغلٍ أكنت تبطئُ في شغله مثل هذا الإبطاء! وهذا كلُّه تلاعبٌ بالصَّلاة، وتعطيلٌ لها، وخداعٌ من الشيطان، وخلافٌ لأمر الله ورسوله، حيث قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا (٣) … الصَّلَاةَ﴾ [البقرة/٤٣]. فأَمَرَنا (٤) بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمةً، تامَّة القيام والركوع والسجود والأذكار. وقد علَّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصَّلاة لم يكن من أهل الفلاح (٥). ويستحيل حصول (٦) الخشوع مع العَجَلة والنَّقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلَّا مع الطُّمأنينة، وكُلَّما زاد طمأنينةً ازداد (٧) خشوعًا، وكُلَّما قَلَّ خشوعُه اشتدَّت (٨) عَجَلَتُه حتى

стр. 378

تصير حركة بدنه (١) بمنزلة العَبَث، الذي لا يصحبُهُ خشوعٌ ولا إقبالٌ على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة (٢) العبوديَّة. والله سبحانه قد قال: ﴿أَقِيمُوا (٣) الصَّلَاةَ﴾ [البقرة/٤٣]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة/٥٥]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود/١١٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النِّساء/١٠٣]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النِّساء/١٦٢]. وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم/٤٠]، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه/١٤]. فلن تكاد (٤) تجد ذكر الصلاة في موضعٍ من التَّنزيل إلَّا مقرونًا بإقامتها. فالمصلُّون في الناس قليلٌ، ومقيمو (٥) الصَّلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: «الحاجُّ قليلٌ، والرَّكب كثير (٦)» (٧).

стр. 379

فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على التَّرويح (١) تحلَّة القَسَم، ويقولون: يكفينا (٢) أدْنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به! ولو علم هؤلاء أنَّ الملائكة تصعد بصلاتهم؛ فتعرضها على الرَّبِّ ﷻ ، بمنزلة الهدايا التي يتقرَّب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم. فليس مَنْ عَمَدَ إلى أفضل ما يقدر عليه، فيزيِّنُه ويحسِّنُه ما استطاع، ثم يتقرَّب به إلى من يرجوه ويخافه= كَمَنْ يعمد إلى أسْقَط ما (٣) عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى مَنْ لا يقع عنده بموقع. وليس من كانت الصَّلاة ربيعًا لقلبه، وحياةً له وراحةً، وقرَّةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهابًا لهمِّه وغمِّه، ومَفْزَعًا له يلجأ (٤) إليه في نوائبه ونوازله= كمن هي سَحْتٌ (٥) لقلبه، وقيدٌ لجوارحه، وتكليفٌ له، وثقلٌ عليه. فهي كبيرةٌ على هذا، وقرَّة عينٍ وراحةٌ لذلك. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا

стр. 380

بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة/٤٥ - ٤٦]. فإنَّما كبرت على غير هؤلاء لخلوِّ (١) قلوبهم من محبَّة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوعِ له، وقِلَّة رغبتهم فيه؛ فإنَّ حضور العبد في الصَّلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وُسْعَه (٢) في إقامتها، وإتمامها= على قدر رغبته في الله. قال الإمام أحمد في رواية مهنَّا بن يحيى: «إنَّما حظُّهُم من الإسلام (٣) على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قَدْر رغبتهم في الصَّلاة. فاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذَر أنْ تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك؛ فإنَّ قدْرَ الإسلام في قلبك كقدر الصَّلاة في قلبك» (٤). وليس حظُّ القلب العامر بمحبَّة (٥) الله وخشيته والرَّغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصَّلاة كحظِّ القلب الخالي الخراب من ذلك. فإذا وقف الاثنان (٦) بين يدي الله في الصَّلاة، وقف هذا بقلبٍ

стр. 381

مُخْبتٍ له (١)، خاشعٍ له، قريبٍ (٢) منه، سليمٍ من معارضات السُّوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة، وسَطَع (٣) فيه نور الإيمان، وكشف عنه حجاب النَّفس، ودخان الشَّهوات؛ فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبَه بشاشةُ الإيمان بحقائق الأسماء والصِّفات، وعلوِّها، وجلالها (٤)، وكمالها الأعظم، وتفرُّد الرَّب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله، فاجتمع همُّه (٥) على الله، وقَرَّت (٦) عينه به، وأحسَّ (٧) بقُرْبِه من الله قربًا لا نظير له، ففرَّغ (٨) قلبه له، وأقبل عليه بكلِّيَّتِه. وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربِّه؛ فإنَّه سبحانه أقبل عليه أوَّلًا، فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلمَّا أقبل (٩) على ربِّه حظي منه بإقبالٍ آخر أتمَّ من الإقبال (١٠) الأوَّل.

стр. 382

وههنا أمرٌ عجيبٌ (١)، يحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني الأسماء والصِّفات (٢)، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكُلِّ (٣) اسمٍ وصفةٍ موضعًا من صلاته، ومحلًّا منها. فإنَّه إذا انتصب قائمًا بين يَدَي الرَّب ﵎ شاهد بقلبه قيُّومِيَّته (٤). وإذا قال: «الله أكبر» شاهد كبرياءه. فإذا قال: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» شاهد بقلبه ربًّا منزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ، سالمًا من كُلِّ نقصٍ، محمودًا بكُلِّ حمدٍ. فحَمْدُه يتضمَّنُ وصْفه بكُلِّ كمالٍ، وذلك يستلزم براءَتَه من كُلِّ نقصٍ، تبارك اسمه. فلا يُذْكَر على قليلٍ إلَّا كثَّره، ولا على خيرٍ إلَّا أنْمَاه وبارك فيه (٥)، ولا على آفةٍ إلَّا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلَّا ردَّه خاسئًا داحِرًا. وكمال الاسم من كمال مسمَّاه، فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا

стр. 383

يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ. و «تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو (١) الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن/٣]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق (٢) الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها (٣). فإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا (٤). فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة/٢] وقف هنيئةً (٥)

стр. 384

يسيرةً، ينتظر جواب ربِّه له، بقوله: «حمدني عبدي». فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة/٣] انتظر الجواب بقوله: «أثْنى علَيَّ عبدي». فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] انتظر جوابه: «يمجِّدُني عبدي» (١). فيا لذَّة قلبه، وقُرَّة عينه، وسرور نفسه بقول ربِّه: «عَبْدِي» ثلاث مرَّاتٍ. فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشَّهوات، وغيم النُّفُوس لاسْتُطِيرت (٢) فرحًا وسرورًا بقول ربِّها وفاطرها ومعبودها: «حمدني عَبْدي»، و «أثنى عليَّ عَبْدي»، و «مجَّدَني عَبْدي». ثم يكون لقلبه مجالٌ في شهود هذه الأسماء الثَّلاثة، التي هي أصول الأسماء الحُسْنى، وهي: «الله»، و «الرَّب»، و «الرَّحمن».

стр. 385

فشاهَدَ قلبُه من ذكر اسم «الله» ﵎ إلهًا معبودًا موحَّدًا (١) مخوفًا، لا يستحقُّ العبادة غيره، ولا تنبغي (٢) إلَّا له، قد عَنَت له الوجوه، وخضعت له الموجودات (٣)، وخشعت له الأصوات، ﴿تُسَبِّحُ (٤) لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (٥)﴾ [الإسراء/ ٤٤]، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم/٢٦]. وكذلك خَلَق السَّموات والأرض وما بينهما، وخلق الجنَّ والإنس، والطَّير والوحش، والجنَّة والنَّار، وكذلك أرْسَل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشَّرائع، وألزم العباد الأمر (٦) والنَّهي. وشاهد من ذكر (٧) اسمه «ربِّ العالمين» قيُّومًا قام بنفسه، وقام به كل شيءٍ، فهو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بخيرها وشرِّها، قد استوى على عرشه، وتفرَّد بتدبير ملكه (٨). فالتَّدبير كلُّه بيَدَيْه (٩)، ومصير الأمور كلِّها إليه،

стр. 386

فمراسيم التَّدبير (١) نازلة من عنده، على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتَّولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرِّين، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي (٢) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن/٢٩]، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، ولا مبدِّل لكلماته، تعرج الملائكة والرُّوح إليه، وتُعْرَض الأعمال أول النَّهار وآخره عليه؛ فيقدِّر المقادير، ويوقِّت لها (٣) المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كلِّه وحفظه ومصالحه. ثم يشهد عند ذكر اسم (٤) «الرَّحمن» ﷻ ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحبِّبًا إليهم بصُنُوف النِّعم، وسع كلَّ شيءٍ رحمة وعلمًا، وأوسع (٥) كلَّ مخلوقٍ نعمةً وفضلًا. فوَسِعَت رحمتُه كلَّ شيءٍ، وسَعَت (٦) نعمتُه إلى كلِّ حيٍّ. فبَلَغَت رحمتُهُ حيث بلغ علمُه؛ فاستوى على عرشه برحمته، وخلق

стр. 387

خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته (١)، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنَّة برحمته، والنَّار أيضًا برحمته؛ فإنَّها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنَّته، ويطهِّر بها أدران الموحِّدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته. فتأمَّل ما في أمره ونهيه، ووصاياه ومواعظه؛ من الرَّحمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، وما في حشو مخلوقاته (٢) من الرَّحمة والنِّعمة. فالرحمة (٣) هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم (٤)، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة. ومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه (٥) ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته (٦) به. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] فهنا شهد المجد الذي لا

стр. 388

يليق بسوى الملك الحقِّ المبين؛ فيشهد (١) ملكًا قاهرًا، قد دانت له الخليقة، وعَنَت له الوجوه، وذلَّت لعظمته الجبابرة، وخضع لعِزَّته كلُّ عزيزٍ، فيشهد بقلبه: مَلِيكًا على عَرشِ السَّماء مُهَيْمِنًا (٢) … لِعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتسْجُدُ (٣) وإذا لم يُعَطِّل (٤) حقيقة صفة المُلْكِ أطْلَعَتْهُ على شهود حقائق الأسماء والصِّفات، التي تعطيلها تعطيلٌ لمُلْكِه وجحدٌ له؛ فإنَّ الملِكَ الحقَّ، التَّامَّ المُلْكِ لا يكون إلَّا حيًّا، قيُّومًا، سميعًا، بصيرًا، مُريدًا، قادِرًا، متكلِّمًا، آمِرًا، ناهيًا، مستويًا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي (٥) مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحقُّ الرِّضا، ويثيبُه ويكْرِمُه ويُدْنِيه، ويغضب على من يستحقُّ الغضب، ويعاقبه ويهينُه ويقْصِيه؛ فيعذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء (٦)، ويقرِّب من يشاء، ويُقْصِي من يشاء، له دار عذابٍ (٧) وهي

стр. 389

النَّار، وله دار سعادة وهي الجنَّة. فمَنْ أبطل شيئًا من ذلك، أوجحده، أوأنكر حقيقته= فقد قدح في ملكه ، ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره، فقد أنكر عموم ملكه وكماله، فيشهد المصلِّي مجد الرَّبِّ تعالى في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤]. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة /٤] ففيهما (١) سِرُّ الخلق والأمر، والدُّنيا والآخرة، وهي متضمِّنة لأَجَلِّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديَّتُه (٢)، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحقُّ العبادة إلَّا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل. وقد أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ (٣)، جمع معانيها في أربعة كتبٍ (٤)، وهي التَّوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معانيه في المفصَّل، وجمع معانيه في

стр. 390

الفاتحة، وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) [الفاتحة /٤]. وقد اشتملت هذه الكلمة على نَوْعَي التَّوحيد، وهما توحيد الرُّبُوبية،
следующие страницы →