Полный текст (6 237 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
﴿إنَّ الذين اتقوا﴾ يعني: المؤمنين ﴿إذا مسَّهم﴾ أصابهم ﴿طائف من الشيطان﴾ عارضٌ من وسوسته ﴿تذكَّروا﴾ استعاذوا بالله ﴿فإذا هم مبصرون﴾ مواقع خَطَئِهِمْ فينزعون من مخالفة الله
стр. 1157
﴿وإخوانهم﴾ يعني: الكفَّار وهم إخوان الشَّياطين ﴿يمدونهم﴾ أَي: الشَّياطين يطوِّلون لهم الإِغواء والضَّلالة ﴿ثم لا يقصرون﴾ عن الضلالة ولا يبصرونها كما أقصر المُتَّقي عنها حين أبصرها
стр. 1158
﴿وإذا لم تأتهم﴾ يعني: أهل مكَّة ﴿بآية﴾ سألوكها ﴿قالوا لولا اجتبيتها﴾ اختلقتها وأنشأتها من قبل نفسك ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ ربي﴾ أَيْ: لستُ آتي بالآيات من قبل نفسي ﴿هذا﴾ أَيْ: هذا القرآن الذي أتيتُ به ﴿بصائر من ربكم﴾ حججٌ ودلائلُ تعود إلى الحق
стр. 1159
﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ الآيةُ نزلت في تحريم الكلام في الصَّلاة وكانوا يتكلَّمون في الصَّلاة في بدء الأمر وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإِمام وقيل: نزلت في السُّكوت للخطبة وقوله: ﴿وأنصتوا﴾ أَيْ: عمَّا يحرم من الكلام في الصَّلاة أو عن رفع الصَّوت خلف الإِمام أو اسكتوا لاستماع الخطبة
стр. 1160
﴿واذكر ربك في نفسك﴾ يعني: القراءة في الصَّلاة ﴿تضرُّعاً وخيفة﴾ استكانةًَ لي وخوفاً من عذابي ﴿ودون الجهر﴾ دون الرَّفع ﴿من القول بالغدو والآصال﴾ بالبُكُر والعشيَّات أُمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإِسرار ودون الجهر فيما يرفع به الصَّوت ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ الذين لا يقرؤون في صلاتهم
стр. 1161
﴿إنَّ الذين عند ربك﴾ يعني: الملائكة وهم بالقرب من رحمة الله ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ أَيْ: هم مع منزلتهم ودرجتهم يعبدون الله كأنَّه قيل: مَنْ هو أكبر منك أيُّها الإِنسان لا يستكبر عن عبادة الله ﴿ويسبحونه﴾ يُنزِّهونه عن السُّوء ﴿وله يسجدون﴾
стр. 1162
﴿يسألونك عن الأنفال﴾ الغنائم لمن هي؟ نزلت حسن اختلفوا في غنائم بدر فقال الشُّبان: هي لنا لأنَّا باشرنا الحرب وقالت الأشياخ: كنا رداءا لكم لأنَّا وقفنا في المصافِّ مع رسول الله ﷺ ولو انهزمتم لانحزتم إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا فأنزل الله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها فقسمها بينهم على السَّواء ﴿فاتقوا الله﴾ بطاعته واجتناب معاصية ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ حقيقة وصلكم أَيْ: لا تَخَالفوا ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ سلِّموا لهما في الأنفال فإنَّهما يحكمان فيها ما أرادا ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ثمَّ وصف المؤمنين فقال:
стр. 1163
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قلوبهم﴾ أَيْ: المؤمن الذي إذا خُوِّف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ تصديقاً ويقيناً ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ بالله يثقون لا يرجون غيره
стр. 1164
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
стр. 1165
﴿أُولَئِكَ هم المؤمنون حقاً﴾ صدقاً من غير شكٍّ لا كإيمان المنافقين ﴿لهم درجات عند ربهم﴾ يعني: درجات الجنَّة ﴿ومغفرة ورزق كريم﴾ وهو رزق الجنَّة
стр. 1166
﴿كما أخرجك﴾ أيْ: امض لأمر الله في الغنائم وإن كره بعضهم ذلك لأنَّ الشُّبان أرادوا أن يستبدُّوا به فقال الله تعالى: أعط مَنْ شئت وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج وهم له كارهون ومعنى ﴿كما أخرجك ربُّك من بيتك﴾ أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش ﴿بالحقِّ﴾ بالوحي الذي أتاك به جبريل ﴿وإنَّ فريقاً من المؤمنين لكارهون﴾ الخروج معك كراهة الطَّبع لاحتمال المشقَّة لأنَّهم علموا أنَّهم لا يظفرون بالعير دون القتال
стр. 1167
﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبيَّن﴾ في القتال بعد ما أُمرت به وذلك أنَّهم خرجوا للعير ولم يأخذوا أُهبة الحرب فلمَّا أُمروا بحرب النَّفير شقَّ عليهم ذلك فطلبوا الرُّخصة في ترك ذلك فهو جدالهم ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: لشدَّة كراهيتهم للقاء القوم كأنَّهم يُساقون إلى الموت عياناً
стр. 1168
﴿وإذْ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ العير أو النَّفير ﴿أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تكون لكم﴾ أَيْ: العير التي لا سلاح فيها تَكُونُ لَكُمْ ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يُظهره ويُعليَه ﴿بكلماته﴾ بِعِدَاتِه التي سبقت بظهور الإِسلام ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ آخر مَنْ بقي منهم يعني: إنَّه إنَّما أمركم بحرب قريشٍ لهذا
стр. 1169
﴿ليحقَّ الحق﴾ أَيْ: ويقطع دابر الكافرين ليُظهر الحقَّ ويُعليَه ﴿ويبطل الباطل﴾ ويُهلك الكفر ويُفنيه ﴿ولو كره المجرمون﴾ ذلك
стр. 1170
﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ تطلبون منه المغفرة بالنَّصر على العدوِّ لقلَّتكم ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مردفين﴾ متتابعين جاؤوا بعد المسلمين ومَنْ فتح الدَّال أراد: بألفٍ أردف الله المسلمين بهم
стр. 1171
﴿وما جعله الله﴾ أَيْ: الإِرداف ﴿إلاَّ بشرى﴾ الآية ماضية في سورة آل عمران
стр. 1172
﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ وذلك أنَّ الله تعالى أمَّنهم أمناً غشيهم النُّعاس معه وهذا كما كان يوم أُحدٍ وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وذلك أنَّهم لمَّا بايتوا المشركين ببدرٍ أصابت جماعة منهم جنابات وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء فوسوس إليهم الشَّيطان وقال لهم: كيف ترجون الظَّفر وقد غلبوكم على الماء؟ وأنتم تُصلُّون مُجنِبين ومُحدِثين وتزعمون أنَّكم أولياء الله وفيكم نبيُّه؟ فأنزل الله تعالى مطراً سال منه الوادي حتى اغتسلوا وزالت الوسوسة فذلك قوله: ﴿ليطهركم به﴾ أَيْ: من الأحداث والجنابات ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ وسوسته التي تكسب عذاب الله ﴿وليربط﴾ به ﴿على قلوبكم﴾ باليقين والنَّصر ﴿ويثبت به الأقدام﴾ وذلك أنَّهم كانوا قد نزلوا على كثيبٍ تغوص فيه أرجلهم فلبَّده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام
стр. 1173
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة﴾ الذين أمدَّ بهم المسلمين ﴿إني معكم﴾ بالعون والنُّصرة ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ بالتَّبشير بالنَّصر وكان المَلَك أمام الصَّف على صورة رجلٍ ويقول: أبشروا فإنَّ الله ناصركم ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ الخوف من أوليائي ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ أَيْ: الرُّؤوس ﴿واضربوا منهم كلَّ بنان﴾ أَيْ: الأطراف من اليدين والرِّجلين
стр. 1174
﴿ذلك﴾ الضَّرب ﴿بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ باينوهما وخالفوهما
стр. 1175
﴿ذلكم﴾ القتل والضَّرب ببدرٍ ﴿فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النار﴾ بعدما نزل بهم من ضرب الأعناق
стр. 1176
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ مُجتمعين مُتدانين إليكم للقتال ﴿فلا تولوهم الأدبار﴾ لا تجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم
стр. 1177
﴿ومن يُوَلَّهِمْ يومئذٍ﴾ أَيْ: يوم لقاء الكفَّار ﴿دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ مُنعطفاً مُستَطرداً يطلب العودة ﴿أو متحيزاً﴾ مُنضمَّاً ﴿إلى فئة﴾ لجماعةٍ يريدون العود إلى القتال ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ الآية وأكثر المفسرين على أنَّ هذا الوعيد إنَّما كان لمَنْ فرَّ يوم بدرٍ وكان هذا خاصَّاً للمنهزم يوم بدرٍ
стр. 1178
﴿فلم تقتلوهم﴾ يعني: يوم بدرٍ ﴿ولكنَّ الله قتلهم﴾ بتسبيبه ذلك من المعونة عليهم وتشجيع القلب ﴿وما رميت إذ رميت﴾ وذلك أنَّ جبريل ﵇ قال للنبيِّ ﵇ يوم بدرٍ: خذ قبضةً من تراب فارمهم بها فأخذ رسول الله ﷺ قبضةً من حصى الوادي فرمى بها في وجوه القوم فلم يبقَ مشركٌ إلاَّ دخل عينيه منها شيء وكان ذلك شبب هزيمتهم فقال الله تعالى ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أَيْ: إنَّ كفَّاً من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بَشرٍ ولكنَّ الله تعالى تولَّى إيصال ذلك إلى أبصارهم ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً﴾ وينعم عليهم نعمةً عظيمةً بالنَّصر والغنيمة فعل ذلك ﴿إنَّ الله سميع﴾ لدعائهم ﴿عليم﴾ بنيَّاتهم
стр. 1179
﴿ذلكم وأنَّ الله موهن كيد الكافرين﴾ يُهنِّىء رسوله بإيهانه كيد عدوِّه حتى قُتلت جبابرتهم وأُسِر أشرافهم
стр. 1180
﴿إن تستفتحوا﴾ هذا خطابٌ للمشركين وذلك أنَّ أبا جهلٍ قال يوم بدرٍ: اللَّهم انصر أفضل الدِّينَيْن وأهدى الفئتين فقال الله تعالى: ﴿إن تستفتحوا﴾ تستنصروا لأَهْدى الفئتين ﴿فقد جاءكم الفتح﴾ النَّصر ﴿وإن تنتهوا﴾ عن الشِّرك بالله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تعودوا﴾ لقتال محمَّدٍ ﴿نعد﴾ عليكم بالقتل والأسر ﴿ولن تغني عنكم﴾ تدفع عَنْكُمْ ﴿فِئَتُكُمْ﴾ جماعتكم ﴿شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ في العدد ﴿وأنَّ الله مع المؤمنين﴾ فالنَّصر لهم
стр. 1181
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عنه﴾ لا تُعرضوا عنه بمخالفة أمره ﴿وأنتم تسمعون﴾ ما نزل من القرآن
стр. 1182
﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا﴾ سماع قابلٍ وليسوا كذلك يعني: المنافقين وقيل: أراد المشركين لأنَّهم سمعوا ولم يتفكَّروا فيما سمعوا فكانوا بمنزلة مَنْ لم يسمع
стр. 1183
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الذين لا يعقلون﴾ يريد نفراً من المشركين كانوا صمَّاً عن الحقِّ فلا يسمعونه بُكماً عن التَّكلُّم به بيَّن الله تعالى أنَّ هؤلاء شرُّ ما دبَّ على الأرض من الحيوان
стр. 1184
﴿ولو علم الله فيهم خيراً﴾ لو علم أنَّهم يصلحون بما يُورده عليهم من حججه وآياته ﴿لأسمعهم﴾ إيَّاها سماع تفهمٍ ﴿ولو أسمعهم﴾ بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك و ﴿لَتَوَلَّوْا وهم معرضون﴾
стр. 1185
﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾ أجيبوا لهما بالطَّاعة ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ يعني: لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى ولأنَّه سبب الشَّهادة والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنَّة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ يحول بين الإِنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلاَّ بإذنه ولا أن يكفر فالقلوب بيد الله تعالى يُقلِّبها كيف يشاء ﴿وأنَّه إليه تحشرون﴾ للجزاء على الأعمال
стр. 1186
﴿واتقوا فتنة﴾ الآية أمر الله تعالى المؤمنين ألا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمَّهم الله بالعذاب والفتنة ها هنا: إقرار المنكر وترك التَّغيير له وقوله: ﴿لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾ أَيْ: تصيب الظَّالم والمظلوم ولا تكون للظَّلمة وحدهم خاصَّة ولكنَّها عامَّة والتَّقدير: واتَّقوا فتنةً إن لا تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصَّة أَيْ: لا تقع بالظَّالمين دون غيرهم ولكنها تقع بالصَّالحين والطَّالحين ﴿واعلموا إن الله شديد العقاب﴾ حثٌّ على لزوم الاستقامة خوفاً من الفتنة ومن عقاب الله بالمعصية فيها
стр. 1187
﴿واذكروا﴾ يعني: المهاجرين ﴿إذ أنتم قليل﴾ يعني: حين كانوا بمكَّة في عنفوان الإسلام قبل أن يكلموا أربعين ﴿مستضعفون في الأرض﴾ يعني: أرض مكَّة ﴿تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ المشركون من العرب لو خرجتم منها ﴿فآواكم﴾ جعل لكم مأوىً ترجعون إليه وضمَّكم إلى الأنصار ﴿وأيَّدكم بنصره﴾ يوم بدرٍ بالملائكة ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ يعني: الغنائم أحلَّها لكم ﴿لعلكم تشكرون﴾ كي تطيعوا
стр. 1188
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله﴾ بترك فرائضه ﴿والرسول﴾ بترك سنَّته ﴿وتخونوا﴾ أَيْ: ولا تخونوا ﴿أماناتكم﴾ وهي كلُّ ما ائتمن الله عليها العباد وكلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افترض الله عليه ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنَّها أمانةٌ من غير شبهةٍ وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابة حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قُريظة لمَّا حاصرهم وكان أهله وولده فيهم فقالوا له: ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعدٍ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه أنَّه الذَّبح فلا تفعلوا وكانت منه خيانةً لله ورسوله
стр. 1189
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: محنةٌ يظهر بها ما في النَّفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبه ولذلك مال أبو لبابة إلى قُريظة في إطلاعهم على حكم سعد لأنَّ ماله وولده كانت فيهم ﴿وإنَّ الله عنده أجر عظيم﴾ لمن أدى الأمانة ولم يخن
стр. 1190
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ باجتناب الخيانة فيما ذُكر ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفرق بينكم وبين ما تخافون فتنجون ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ لا يمنعكم ما وعدكم على طاعته
стр. 1191
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ وذلك أنَّ مشركي قريش تآمروا في دارة النَّدوة في شأن محمَّد ﵇ فقال بعضهم: قيدوه نترص به ريب المنون وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه وقال أبو جهل - لعنه الله -: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كلِّ بطنٍ رجلٌ فيضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلِّها فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه بذلك وأمره بالهجرة فذلك قوله: ﴿ليثبتوك﴾ أَيْ: ليوثقوك ويشدُّوك ﴿أو يقتلوك﴾ بأجمعهم قتلةَ رجلٍ واحدٍ كما قال اللَّعين أبو جهل ﴿أو يخرجوك﴾ من مكَّة إلى طرفٍ من أطراف الأرض ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ أَيْ: يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أفضل المجازين بالسيئة العقوبة وذلك أنَّه أهلك هؤلاء الذين دبَّروا لنبيِّه الكيد وخلَّصه منهم
стр. 1192
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ الآية كان النَّضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة فكان يقعد به مع المستهزئين فيقرأ عليهم فلمَّا قصَّ رسول الله ﷺ شأن القرون الماضية قال النَّضرُ بن الحارث: لو شئتُ لقلتُ مثل هذا إنْ هذا إلاَّ ما سطَّر الأوَّلون في كتبهم وقال النَّضر أيضاً:
стр. 1193
﴿اللهم إن كان هذا﴾ الذي يقوله محمَّدٌ حقَّاً ﴿من عندك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السماء﴾ كما أمطرتا على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ: ببعض ما عذَّبت به الأمم حمله شدَّة عداوة النبي ﷺ على إظهار مثل هذا القول ليوهم أنَّه على بصيرةٍ من أمره وغاية الثِّقة في أمر محمَّد أنَّه ليس على حقٍّ
стр. 1194
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وَمَا كان الله ليعذِّب المشركين وأنت مقيمٌ بين أظهرهم لأنَّه لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبيُّ منها والذين آمنوا معه ﴿وما كان الله﴾ معذِّبَ هؤلاء الكفَّار وفيهم المؤمنون ﴿يستغفرون﴾ يعني: المسلمين ثمَّ قال:
стр. 1195
﴿وما لهم أن لا يعذبهم الله﴾ أي: ولمَ لا يعذِّبهم الله بالشيف بعد خروج مَنْ عنى بقوله: ﴿وهم يستغفرون﴾ من بينِهم ﴿وهم يصدون﴾ يمنعون النبيِّ والمؤمنين ﴿عن المسجد الحرام﴾ أن يطوفوا به ﴿وما كانوا أولياءه﴾ وذلك أنَّهم قالوا: نحن أولياء المسجد فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿إن أولياؤه إلاَّ المتقون﴾ يعني: المهاجرين والأنصار ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ غيبَ علمي وما سبق في قضائي
следующие страницы →