Полный текст (6 237 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ وذلك أنَّ مشركي قريش تآمروا في دارة النَّدوة في شأن محمَّد ﵇ فقال بعضهم: قيدوه نترص به ريب المنون وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه وقال أبو جهل - لعنه الله -: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كلِّ بطنٍ رجلٌ فيضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلِّها فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه بذلك وأمره بالهجرة فذلك قوله: ﴿ليثبتوك﴾ أَيْ: ليوثقوك ويشدُّوك ﴿أو يقتلوك﴾ بأجمعهم قتلةَ رجلٍ واحدٍ كما قال اللَّعين أبو جهل ﴿أو يخرجوك﴾ من مكَّة إلى طرفٍ من أطراف الأرض ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ أَيْ: يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أفضل المجازين بالسيئة العقوبة وذلك أنَّه أهلك هؤلاء الذين دبَّروا لنبيِّه الكيد وخلَّصه منهم
стр. 1192
﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ الآية كان النَّضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة فكان يقعد به مع المستهزئين فيقرأ عليهم فلمَّا قصَّ رسول الله ﷺ شأن القرون الماضية قال النَّضرُ بن الحارث: لو شئتُ لقلتُ مثل هذا إنْ هذا إلاَّ ما سطَّر الأوَّلون في كتبهم وقال النَّضر أيضاً:
стр. 1193
﴿اللهم إن كان هذا﴾ الذي يقوله محمَّدٌ حقَّاً ﴿من عندك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السماء﴾ كما أمطرتا على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أَيْ: ببعض ما عذَّبت به الأمم حمله شدَّة عداوة النبي ﷺ على إظهار مثل هذا القول ليوهم أنَّه على بصيرةٍ من أمره وغاية الثِّقة في أمر محمَّد أنَّه ليس على حقٍّ
стр. 1194
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وَمَا كان الله ليعذِّب المشركين وأنت مقيمٌ بين أظهرهم لأنَّه لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبيُّ منها والذين آمنوا معه ﴿وما كان الله﴾ معذِّبَ هؤلاء الكفَّار وفيهم المؤمنون ﴿يستغفرون﴾ يعني: المسلمين ثمَّ قال:
стр. 1195
﴿وما لهم أن لا يعذبهم الله﴾ أي: ولمَ لا يعذِّبهم الله بالشيف بعد خروج مَنْ عنى بقوله: ﴿وهم يستغفرون﴾ من بينِهم ﴿وهم يصدون﴾ يمنعون النبيِّ والمؤمنين ﴿عن المسجد الحرام﴾ أن يطوفوا به ﴿وما كانوا أولياءه﴾ وذلك أنَّهم قالوا: نحن أولياء المسجد فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿إن أولياؤه إلاَّ المتقون﴾ يعني: المهاجرين والأنصار ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ غيبَ علمي وما سبق في قضائي
стр. 1196
﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وتصديةً﴾ أي: صفيرا وتصفيفا وكانت قريش يطوفون بالبيت عُراةً يُصفِّرون ويُصفِّقون جعلوا ذلك صلاةً لهم فكان تقربهم إلى الله بالتصفير والصَّفيق ﴿فذوقوا العذاب﴾ ببدرٍ ﴿بما كنتم تكفرون﴾ تجحدون توحيد الله تعالى
стр. 1197
﴿إنَّ الذين كفروا﴾ نزلت في المُنفقين على حرب رسول الله ﷺ أيَّام بدرٍ وكانوا اثني عشر رجلاً قال تعالى: ﴿فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة﴾ بذهاب الأموال وفوات المراد
стр. 1198
﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ أي: إنما تحشرون إلى جهنَّم ليميِّز بين أهل الشَّقاوة وأهل السَّعادة ﴿ويجعل الخبيث﴾ أي: الكافر وهو اسم الجنس ﴿بعضه على بعض﴾ يلحق بعضهم ببعض ﴿فيركمه جميعاً﴾ أَيْ: يجمعه حتى يصير كالسَّحاب المركوم ثمَّ ﴿فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون﴾ لأنَّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة
стр. 1199
﴿قل للذين كفروا﴾ أبي سفيان وأصحابه: ﴿إن ينتهوا﴾ عن الشِّرك وقتال المؤمنين ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ تقدَّم من الزِّنا والشِّرك لأنَّ الحربيَّ إذا أسلم عاد كَمِثْلِهِ يوم ولدته أمه ﴿وإن يعودوا﴾ للقتال ﴿فقد مضت سنَّة الأولين﴾ بنصر اللَّهِ رسلَه ومَنْ آمن على مَنْ كفر
стр. 1200
﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ كفرٌ ﴿ويكون الدين كله لله﴾ لا يكون مع دينكم كفرٌ في جزيرة العرب ﴿فإن انتهوا﴾ عن الشِّرك ﴿فإنَّ الله بما يعملون بصير﴾ يُجازيهم مُجازاة البصير بهم وبأعمالهم
стр. 1201
﴿وإن تولوا﴾ أَبَوا أن يدعوا الشِّرك وقتال محمد ﴿فاعلموا أنَّ الله مولاكم﴾ ناصركم يا معشر المؤمنين
стр. 1202
﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ أخذتموه قسراً من الكفَّار ﴿فَأَنَّ لله خمسه﴾ هذا تزيينٌ لافتتاح الكلام ومصرف الخمس إلى حيث شكر وهو قوله: ﴿وللرسول﴾ كان له خمس الخمس يصنع فيه ما يشاء واليوم يُصرف إلى مصالح المسلمين ﴿ولذي القربى﴾ وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين حُرِّمت عليهم الصَّدقات المفروضة لهم خمس الخمس من الغنيمة ﴿واليتامى﴾ وهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم يُنفق عليهم من خُمس الخمس ﴿والمساكين﴾ وهم أهل الحاجة والفاقة من المسلمين لهم أيضاً خمس الخمس ﴿وابن السبيل﴾ المنقطع به في سفره فخمس الغنيمة يقسم على خمسة أخماس كما ذكره الله تعالى وأربعة أخماسها تكون للغانمين وقوله: ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾ أَيْ: فافعلوا ما أُمرتم به في الغنيمة إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عبدنا﴾ يعني: هذه السُّورة ﴿يوم الفرقان﴾ اليوم الذي فرَّقت به بين الحقِّ والباطل ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ حزب الله وحزب الشَّيطان ﴿والله على كل شيء قدير﴾ إذ نصركم الله وأنتم قلة أذلَّةٌ
стр. 1203
﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا﴾ نزولٌ بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكَّة ﴿والركب﴾ أبو سفيان وأصحابه وهم أصحاب الإِبل يعني: العير ﴿أسفل منكم﴾ إلى ساحل البحر ﴿ولو تواعدتم﴾ للقتال ﴿لاختلفتم في الميعاد﴾ لتأخَّرتم فنقضتم الْمِيعَادِ لكثرتهم وقلَّتكم ﴿ولكن﴾ جمعكم الله من غير ميعاد ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ في علمه وحكمه من نصر النبي ﷺ والمؤمنين ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة﴾ أي: فعل ذلك ليضلَّ ويكفر مَنْ كفر من بعد حجَّةٍ قامت عليه وقطعت عذره ويؤمن من آمن على مثل ذلك وأراد بالبيِّنة نصرة المؤمنين مع قلَّتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم ﴿وإنَّ الله لسميع﴾ لدعائكم ﴿عليمٌ﴾ بنيَّاتكم
стр. 1204
﴿إذ يريكهم الله في منامك﴾ عينك وهو موضع النَّوم ﴿قليلاً﴾ لتحتقروهم وتجترؤوا عليهم ﴿ولو أراكهم كثيراً لفشلتم﴾ لجّبُنْتُم ولَتأخَّرتم عن حربهم ﴿ولتنازعتم في الأمر﴾ واختلفت كلمتكم ﴿ولكنَّ الله سلَّم﴾ عصمكم وسلَّمكم من المخالفة فيما بينكم ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ علم ما في صدوركم من اليقين ثمَّ خاطب المؤمنين جميعأً بهذا المعنى فقال:
стр. 1205
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا﴾ قال ابن مسعودٍ: لقد قُلَّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة وأسرنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً ﴿ويقللكم في أعينهم﴾ ليجترئوا عليكم ولا يرجعوا عن قتالكم ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ في علمه بنصر الإسلام وأهله وذلِّ الشِّرك وأهله ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ وبعد هذا إليَّ مصيركم فأكرم أوليائي وأعاقب أَعدائي
стр. 1206
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة﴾ جماعةً كافرةً ﴿فاثبتوا﴾ لقتالهم ولا تنهزموا ﴿واذكروا الله كثيراً﴾ ادعوه بالنَّصر عليهم ﴿لعلكم تفلحون﴾ كي تسعدوا وتبقوا في الجنة فإنَّهما خصلتان إمَّا الغنيمة وإمَّا الشَّهادة
стр. 1207
﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا﴾ ولا تختلفوا ﴿فتفشلوا﴾ تجبنوا ﴿وتذهب ريحكم﴾ جَلَدكم وجرأتكم ودولتكم
стр. 1208
﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم﴾ يعني: النَّفير ﴿بطراً﴾ طُغياناً في النِّعمة للجميل مع إبطان القبيح ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ لمعاداة المؤمنين وقتالهم ﴿والله بما يعملون محيط﴾ عالم فيجازيهم به
стр. 1209
﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم﴾ الآية وذلك أنَّ قريشا لما اجتمعت المسير خافت كنانة وبني مدلج لطوائلَ كانت بينهم فتبدَّى لهم إبليس في جنده على صورة سُراقة بن مالك بن جشعم الكنانيِّ ثمَّ المدلجيِّ فقالوا له: نحنُ نريد قتال هذا الرَّجل ونخاف من قومك فقال لهم: أنا جارٌ لكم أَيْ: حافظٌ من قومي فلا غالب لكم اليوم من النَّاس ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ التقى الجمعان ﴿نكص على عقبيه﴾ رجع مولياً فقيل له: يا سراقة أفراراً من غير قتال؟ ! فقال: ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ وذلك أنَّه رأى جبريل مع الملائكة جاؤوا لنصر المؤمنين ﴿إني أخاف الله﴾ أن يهلكني فيمن يهلك ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
стр. 1210
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم قومٌ أسلموا بمكة ولم يهاجروا فلمَّا خرجت قريش لحرب رسول الله ﷺ حرجوا معهم وقالوا: نكون مع أكثر الفئتين فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ إذ خرجوا مع قلَّتهم يقاتلون الجمع الكثير ثمَّ قُتلوا جميعاً مع المشركين قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يُسلم أمره إلى الله ﴿فإنَّ الله عزيز﴾ قويٌّ منيع ﴿حكيم﴾ في خلقه
стр. 1211
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كفروا الملائكة﴾ يأخذون أرواحهم يعني: مَنْ قُتلوا ببدرٍ ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ مقاديمهم إذا أقبلوا إلى المسلمين ومآخيرهم إذا ولًّوا ﴿وذوقوا﴾ أَيْ: ويقولون لهم بعد الموت: ذوقوا بعد الموت ﴿عذاب الحريق﴾
стр. 1212
﴿ذلك﴾ أَيْ: هذا العذاب ﴿بما قدَّمت أيديكم﴾ بما كسبتم وجنيتم ﴿وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد﴾ لأنَّه حكم فيما يقضي
стр. 1213
﴿كدأب آل فرعون﴾ الآية يريد: عادة هؤلاء في التَّكذيب كعادة آل فرعون فأنزل الله تعالى بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ قادرٌ لا يغلبه شيء ﴿شديد العقاب﴾ لمَنْ كفر به وكذَّب رسله
стр. 1214
﴿ذلك بأنَّ الله﴾ الآية إنَّ الله تعالى أطعم أهل مكَّة من جوعٍ وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمداً رسولاً وكان هذا كلُّه ممَّا أنعم عليهم ولم يكن يُغيِّر عليهم لو لم يُغيِّروا هم وتغييرهم كفرهم بها وتركهم شكرها فلمَّا غيَّروا ذلك غيَّر اللهُ ما بهم فسلبهم النِّعمة وأخذهم ثمَّ نزل في يهود قريظة:
стр. 1215
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وكل كانوا ظالمين﴾
стр. 1216
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فهم لا يؤمنون﴾
стр. 1217
﴿الذين عاهدت منهم﴾ الآية وذلك أنَّهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه مشركي مكَّة بالسِّلاح ثمَّ اعتذروا وقالوا: أخطأنا فعاهدهم ثانيةً فنقضوا العهد يوم الخندق وذلك قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يتقون﴾ عقاب الله في ذلك
стр. 1218
﴿فإمَّا تثقفنَّهم في الحرب﴾ فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خلفهم﴾ فافعل بهم فعلاً من التَّنكيل والعقوبة يفرق به جمعُ كلِّ ناقضِ عهدٍ فيعتبروا بما فعلت بهؤلاء فلا ينقضوا العهد فذلك قوله تعالى: ﴿لعلهم يذكرون﴾
стр. 1219
﴿وإمَّا تخافنَّ من قوم﴾ تعلمنَّ من قومٍ ﴿خيانة﴾ نقضاً للعهد بدليلٍ يظهر لك ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ أَي: انبذ عهدهم الذي عاهدتهم عليه لتكون أنت وهم سواءً في العداوة فلا يتوهموا أنَّك نقضت العهد بنصب الحرب أَيْ: أعلمهم أنَّك نقضت عهدهم لئلا يتوهَّموا بك الغدر ﴿إنَّ الله لا يحبُّ الخائنين﴾ الذين يخونون في العهود وغيرها
стр. 1220
﴿ولا يحسبنَّ الذين كفروا سبقوا﴾ وذلك أنَّ مَنْ أفلت من حرب بدرٍ من الكفَّار خافوا أن ينزل بهم هلكة في الوقت فلمَّا لم ينزل طغوا وبغوا فقال الله: لا تحسبنَّهم سبقونا بسلامتهم الآن فـ ﴿إنهم لا يعجزون﴾ نا ولا يفوتوننا فيما يستقبلون من الأوقات
стр. 1221
﴿وأعدوا لهم﴾ أَيْ: خذوا العُدَّة لعدوِّكم ﴿ما استطعتم من قوة﴾ ممَّا تتقوون به على حربهم من السِّلاح والقسي وغيرهما ﴿ومن رباط الخيل﴾ ممَّا يرتبط من الفرس في سبيل الله ﴿ترهبون به﴾ تخوِّفون به بما استطعتم ﴿عدو الله وعدوكم﴾ مشركي مكَّة وكفَّار العرب ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ وهم المنافقون ﴿لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ لأنَّهم معكم يقولون: لا إله إلاَّ الله ويغزون معكم والمنافق يريبه عدد المسلمين ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ من آلةٍ وسلاحٍ وصفراء وبيضاء ﴿في سبيل الله﴾ طاعة الله ﴿يوف إليكم﴾ يخلف لكم في العاجل ويوفَّر لكم أجره في الآخرة ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون من الثَّواب
стр. 1222
﴿وإن جنحوا للسلم﴾ مالوا إلى الصُّلح ﴿فاجنح لها﴾ فملْ إليها يعني: المشركين واليهود ثمَّ نسخ هذا بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ ﴿وتوكَّل على الله﴾ ثق به ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم
стр. 1223
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصُّلح لتكفَّ عنهم ﴿فإنَّ حسبك الله﴾ أَيْ: فالذي يتولَّى كفايتك الله ﴿هو الذي أيدك﴾ قوَّاك ﴿بِنَصْرِهِ﴾ يوم بدرٍ ﴿وبالمؤمنين﴾ يعني: الأنصار
стр. 1224
﴿وألف بين قلوبهم﴾ بين قلوب الأوس والحزرج وهم الأنصار ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم﴾ للعداوة التي كانت بينهم ﴿ولكنَّ الله ألف بينهم﴾ لأنَّ قلوبهم بيده يُؤلِّفها كيف يشاء ﴿إنَّه عزيز﴾ لا يمتنع عليه شيء ﴿حكيم﴾ عليمٌ بما يفعله
стр. 1225
﴿يا أيها النبيُّ حسبك الله﴾ الآية أسلم مع النبي ﷺ ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً وستُّ نسوةٍ ثمَّ أسلم عمر ﵁ فنزلت هذه الآية والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتَّبعك من المؤمنين
стр. 1226
﴿يا أيها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال﴾ حُضَّهم على نصر دين الله ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ يريد: الرَّجل منكم بعشرة منهم في الحرب ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون﴾ أَيْ: هم على جهالةٍ فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خلاف مَنْ يقاتل على بصيرةٍ يرجو ثواب الله وكان الحكم على هذا زماناً يُصابر الواحد من المسلمين العشرة من الكفَّار فتضرَّعوا وشكوا إلى الله ضعفهم فنزل:
стр. 1227
﴿الآن خفف الله عنكم﴾ هوَّن عليكم ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ألف يغلبوا ألفين﴾ فصار الرَّجل من المسلمين برجلين من الكفَّار وقوله: ﴿بإذن الله﴾ أَيْ: بإرادته ذلك
стр. 1228
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ الآية نزلت في فداء أسارى بدر فادوهم بأربعة ألاف ألف فأنكر الله على نبيه ﷺ ذلك بقوله: لم يكن لنبيِّ أن يحبس كافراً قَدَر عليه للفداء فلا يكون له أيضاً حتى يُثخن في الأرض: يُبالغ في قتل أعدائه ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ أي: الفِداء ﴿والله يريد الآخرة﴾ يريد لكم الجنة بقتلهم وهذه الآية بيان عمَّا يجب أن يجتنب من اتِّخاذ الأسرى للمنِّ أو الفِداء قبل الإِثخان في الأرض بقتل الأعداء وكان هذا في يوم بدر ولم يكونوا قد أثخنوا فلذلك أنكر الله عليهم ثمَّ نزل بعده: ﴿فإمَّا منَّاً بعدُ وإمَّا فداءً﴾
стр. 1229
﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ يا محمَّد أنَّ الغنائم وفداء الأسرى لك ولأمَّتك حلال ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفِداء ﴿عذاب عظيم﴾ فلمَّا نزل هذا أمسكوا أيديهم عمَّا أخذوا من الغنائم فنزل:
стр. 1230
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته ﴿إنَّ الله غفور﴾ غفر لكم ما أخذتم من الفِداء ﴿رحيم﴾ رحمكم لأنَّكم أولياؤه
следующие страницы →