Полный текст (6 237 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
﴿للفقراء﴾ أَيْ: هذه الصَّدقات والإِنفاق التي تقدَّم ذكرها ﴿للفقراء الذين أحصروا﴾ أَيْ: حُبسوا أَيْ: هم فعلوا ذلك حبسوا أنفسهم ﴿في سبيل الله﴾ في الجهاد يعني: فقراء المهاجرين ﴿لا يستطيعون ضرباً﴾ أَيْ: سيراً ﴿في الأرض﴾ لا يتفرَّغُون إلى طلب المعاش لأنهم قد ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التَّصرُّف حثَّ الله تعالى المؤمنين على الإِنفاق عليهم ﴿يحسبهم الجاهل﴾ يخالهم ﴿أغنياء من التعفف﴾ عن السُّؤال ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ بعلامتهم التَّخشُّع والتَّواضع وأثر الجهد ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ أَيْ: إلحاحاًً إذا كان عندهم غداءٌ لم يسألوا عشاءً وإذا كان عندهم عَشاءٌ لم يسألوا غداءً
стр. 282
﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار﴾ نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كان عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فَتَصدَّق بدرهمٍ سرَّاً ودرهمٍ علانيةً ودرهمٍ ليلاً ودرهمٍ نهاراً
стр. 283
﴿الذين يأكلون الربا﴾ أيْ: يُعاملون به فَنَبَّه بالأكل على غيره ﴿لا يقومون﴾ من قبورهم يوم القيامة ﴿إلاَّ كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان﴾ يصيبه بجنونٍ ﴿من المس﴾ من الجنون وذلك أنَّ آكل الرِّبا يُبعث يوم القيامة مجنوناً ﴿ذلك﴾ أَيْ: ذلك الذي نزل بهم ﴿بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ وهو أنَّ المشركين قالوا: الزِّيادة على رأس المال بعد مَحِلِّ الدَّين كالزِّيادة بالرِّبح في أوَّل البيع فكذَّبهم الله تعالى فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جاءه موعظة من ربه﴾ أَيْ: وُعظ ﴿فانتهى﴾ عن أكل الرِّبا ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أَّيْ: ما أكل من الرِّبا ليس عليه ردُّ ما أخذ قبل النَّهي ﴿وأمره إلى الله﴾ والله وليُّ أمره ﴿ومَنْ عاد﴾ إلى استحلال الرِّبا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
стр. 284
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أَيْ: ينقصه ويذهب بركته وإن كان كثيراً كما يمحق القمر ﴿ويربي الصدقات﴾ يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فصيله ﴿والله لا يحبُّ كل كفار﴾ بتحريم الرِّبا مستحلٍّ له ﴿أثيم﴾ فاجر بأكله (مصر عليه)
стр. 285
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾
стр. 286
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ من الربا﴾ نزلت في العباس وعثمان ﵄ طلباً رباً لهما كانا قد أسلفنا قبل نزول التَّحريم فلمَّا نزلت هذه الآية سمعها وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما ومعنى الآية: تحريم ما بقي ديناً من الرِّبا وإيجاب أخذ رأس المال دون الزِّيادة على جهة الرِّبا وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أَيْ: إنَّ مَنْ كان مؤمناً فهذا حكمه
стр. 287
﴿فإن لم تفعلوا﴾ فإن لم تذروا ما بقي من الرِّبا ﴿فأذنوا﴾ فاعلموا ﴿بحرب من الله ورسوله﴾ أَيْ: فأيقنوا أنَّكم في امتناعكم من وضع ذلك حربٌ لله ورسوله ﴿وإن تبتم﴾ عن الرِّبا ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون﴾ بطلب الزِّيادة ﴿ولا تُظلمون﴾ بالنُّقصان عن رأس المال
стр. 288
﴿وإنْ كان ذو عسرة﴾ أَيْ: وإن وقع غريم ذو عسرة ﴿فنظرةٌ﴾ أَيْ: فعليكم نظرةٌ أَيْ: تأخيرٌ ﴿إلى ميسرة﴾ إلى غنىً ووجود المال ﴿وأن تصدقوا﴾ على المعسرين برأس المال ﴿خيرٌ لكم﴾
стр. 289
﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ يعني: يوم القيامة تُرَدُّون فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كسبت﴾ أي: جزاء ما كسبت من الأعمال ﴿وهم لا يظلمون﴾ لا ينقصون شيئاً فلمَّا حرَّم الله تعالى الرِّبا أباح السِّلَم فقال:
стр. 290
﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مسمى﴾ أي: تباعيتم بدين ﴿فاكتبوه﴾ أمرَ الله تعالى في الحقوق المؤجَّلة بالكتابة والإِشهاد في قوله: ﴿واشهدوا إذا تبايعتم﴾ حفظاً منه للأموال ثمَّ نسخ ذلك بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ الآية ﴿وليكتب بينكم﴾ بين المُستدين والمدين ﴿كاتب بالعدل﴾ بالحقِّ والإِنصاف ولا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ أي: لا يمتنع من ذلك إذا أُمر وكانت هذه عزيمةً من الله واجبة على الكاتب والشَّاهد فنسخها قوله: ﴿وَلا يضار كاتب ولا شهيد﴾ ثمَّ قال ﴿كما علَّمه الله فليكتب﴾ أَيْ: كما فضَّله الله بالكتابة ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ أي: الذي عليه الدِّين يملي لأنَّه المشهود عليه فيقرُّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ﴿ولا يَبْخَسْ منه شيئاً﴾ أُمِرَ أَنْ يُقِرَّ بمبلغ المال من غير نقصان ﴿فإن كان الذي عليه الحق﴾ (أي: الدَّين) ﴿سفيهاً﴾ طفلاً ﴿أو ضعيفاً﴾ عاجزاً أحمق ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هو﴾ لخرسٍ أو لعيٍّ ﴿فليملل وليه﴾ وارثه أو مَنْ يقوم مقامه ﴿بالعدل﴾ بالصدق والحقِّ ﴿واستشهدوا﴾ وأشهدوا ﴿شهيدين من رجالكم﴾ أَيْ: من أهل ملَّتكم من الأحرار البالغين وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ أَيْ: من أهل الفضل والدِّين ﴿أن تضلّ أحداهما﴾ تنسى إحداهما ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ الشَّهادة ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ لتحمُّل الشَّهادة وأدائها ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه﴾ لا يمنعكم الضَّجر والملالة أن تكتبوا ما أشهدتم عليه من الحقِّ ﴿صغيراً أو كبيراً إلى أجله﴾ إلى أجل الحقِّ ﴿ذلكم﴾ أَيْ: الكتابة ﴿أقسط﴾ أعدل ﴿عند الله﴾ في حكمه ﴿وأقوم﴾ أبلغ في الاستقامة ﴿للشهادة﴾ لأنَّ الكتاب يُذكِّر الشُّهود فتكون شهادتهم أقوم ﴿وأدنى أن لا تَرْتَابُوا﴾ أيْ: أقرب إلى أن لا تشكُّوا في مبلغ الحقِّ والأجل ﴿إلاَّ أن تكون﴾ تقع ﴿تجارة حاضرة﴾ أَيْ: متجرٌ فيه حاضر من العروض وغيرها ممَّا يتقابض وهو معنى قوله: ﴿تديرونها بينكم﴾ وذلك أنَّ ما يُخاف في النَّساء والتأجيل يؤمن في البيع يداً بيدٍ وذلك قوله: ﴿فليس عليكم جناحٌ أن لا تكتبوها وأَشْهِدوا إذا تبايعتم﴾ قد ذكرنا أنَّ هذا منسوخ الحكم فلا يجب ذلك ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ نهى الله تعالى الكاتب والشَّاهد عن الضِّرار وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرِّف وأن يشهد الشَّاهد بما لم يُستشهد عليه أو يمتنع من إقامة الشَّهادة ﴿وإنْ تفعلوا﴾ شيئاً من هذا ﴿فإنه فسوق بكم﴾
стр. 291
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ الآية أمر الله تعالى عند عدم الكاتب بأخذ الرَّهن ليكون وثيقةً بالأموال وذلك قوله: ﴿فَرِهَانٌ مقبوضة﴾ أَيْ: فالوثيقةُ رهنٌ مقبوضةٌ ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أَيْ: لم يخف خيانته وجحوده الحقَّ ﴿فليؤدّ الذي اؤتمن﴾ أَيْ: أُمن عليه ﴿أمانته وليتق الله ربه﴾ بأداء الأمانة ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ إذا دُعيتم لإِقامتها ﴿ومن يكتمها فإنه آثمٌ﴾ فاجرٌ ﴿قلبه﴾
стр. 292
﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ ملكا فهو مالك أعيانه ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يحاسبكم به الله﴾ لمَّا نزل هذا جاء ناس من الصَّحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحبُّ أن يثبت في قلبه فنحن نحاسب بذلك؟ فقال النبيُّ: فلعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا وقولوا: سمعنا وأطعنا فقالوا: سمعنا وأطعنا فأنزل الله تعالى الفرج بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ فنسخت هذه الآية ما قبلها وقيل: إنَّ هذا في كتمان الشَّهادة وإقامتها ومعنى قوله: ﴿يحاسبكم به الله﴾ يخبركم به ويُعرِّفكم إيَّاه
стр. 293
﴿آمن الرسول﴾ الآية لمَّا ذكر الله تعالى في هذه السُّورة الأحكام والحدود وقصص الأنبياء وآيات قدرته ختم السورة بذكر تصديق نبيه ﵇ والمؤمنين بجميع ذلك ﴿لا نفرق بين أحد﴾ أَيْ: يقولون: لا نفرق بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رسله كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض بل نجمع بينهم في الإِيمان بهم ﴿وقالوا سمعنا﴾ قوله ﴿وأطعنا﴾ أمره ﴿غفرانك﴾ أَيْ: اغفر غفرانك
стр. 294
﴿لا يكلف الله نفسا إلاَّ وسعها﴾ ذكرنا أنَّ هذه الآية نسخت ما شكاه المؤمنين من المحاسبة بالوسوسة وحديث النَّفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ (من العمل بالطاعة) ﴿وَعَلَيْهَا ما اكتسبت﴾ (من العمل بالإثم) أَيْ: لا يُؤَاخَذ أحدٌ بذنب غيره ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾ أَيْ: قولوا ذلك على التَّعليم للدُّعاء ومعناه: لا تعاقبنا إن نسينا كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئاً ممَّا شرع لهم عُجِّلت لهم العقوبة بذلك فأمر الله نبيَّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك ﴿أو أَخْطأْنا﴾ تركنا الصَّواب: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ أَيْ: ثقلاً والمعنى: لا تحمل علينا أمراً يثقل ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ نحو ما أُمر به بنو إسرائيل من الأثقال التي كانت عليهم ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا به﴾ أَيْ: لا تعذِّبنا بالنَّار ﴿أنت مولانا﴾ ناصرنا والذي تلي علينا أمورنا ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ في إقامة حجَّتنا وغلبتنا إيَّاهم في حربه وسائر أمورهم حتى يظهر ديننا على الدِّين كلِّه كما وعدتنا
стр. 295
﴿الم﴾
стр. 296
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
стр. 297
﴿نزل عليك الكتابَ﴾ أي: القرآن ﴿بالحق﴾ بالصِّدق في إخباره ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ مُوافقاً لما تقدَّم الخبر به في سائر الكتب ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾
стр. 298
﴿من قبل هدىً للناس وأنزل الفرقان﴾ ما فرق به بين الحقِّ والباطل يعني: جميع الكتب التي أنزلها ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شديدٌ والله عزيز ذو انتقام﴾ ذو عقوبة
стр. 299
قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾
стр. 300
﴿هو الذي يصوركم﴾ يجعلكم على صورٍ في أرحام الأُمَّهات ﴿كيف يشاء﴾ ذكراً وأنثى قصيراً وطويلاً وأسود وأبيض
стр. 301
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ محكماتٌ﴾ وهنَّ الثَّلاث الآيات في آخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ إلى آخر الآيات الثَّلاث ﴿هنَّ أمُّ الكتاب﴾ هنَّ أمُّ كلِّ كتاب أنزله الله تعالى على كلِّ نبيٍّ فيهنَّ كلُّ ما أحلَّ وحرَّم ومعناه: أنهنَّ أصل الكتاب الذي يُعمل عليه ﴿وأخر﴾ أَيْ: آياتٌ أُخر ﴿متشابهات﴾ يريد: التي تشابهت على اليهود وهي حروف التَّهجِّي في أوائل السُّور وذلك أنَّهم أوَّلوها على حساب الجُمَّل وطلبوا أن يستخرجوا منها مدَّة بقاء هذه الأُمَّة فاختلط عليهم واشتبه ﴿فأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ﴾ وهم اليهود الذين طلبوا علمَ أجل هذه الأمَّة من الحروف المقطَّعة ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ من الكتاب يعني: حروف التَّهجِّي ﴿ابتغاء الفتنة﴾ طلب اللَّبس ليضلُّوا به جُهَّالهم ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ طلب أجل أمَّة محمد ﷺ ﴿وما يعلم تأويله إلاَّ الله﴾ يريد: ما يعلم انقضاء ملك أمَّة محمَّدٍ ﷺ إلاَّ الله لأنَّ انقضاء ملكهم مع قيامِ السَّاعة ولا يعلم ذلك أحد إلاَّ الله ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿والراسخون في العلم﴾ أَي: الثَّابتون فيه يعني: علماء مؤمني أهل الكتاب ﴿يقولون آمنا به﴾ أَيْ: بالمتشابه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربنا﴾ المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ ما يتعَّظ بالقرآن إلاَّ ذوو العقول
стр. 302
﴿ربنا﴾ أي: ويقول الرَّاسخون في العلم ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا تُملها عن الهدى والقصد كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ للإِيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك
стр. 303
﴿ربنا إنك جامع الناس﴾ حاشرهم ﴿ليوم﴾ الجزاء في يوم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الميعاد﴾ للبعث والجزاء
стр. 304
﴿إنَّ الذين كفروا﴾ يعني: يهود قريظة والنَّضير ﴿لن تغني عنهم﴾ أي: لن تنفع ولن تدفع عنهم ﴿أموالهم﴾ ﴿وَلا أولادهم﴾ يعني: التي يتفاخرون بها ﴿من الله﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار﴾ هم الذين تُوقد بهم النَّار
стр. 305
﴿كدأب آل فرعون﴾ كصنيع آل فرعون وفعلهم في الكفر والتَّكذيب كفرت اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم
стр. 306
﴿قل للذين كفروا﴾ يعني: يهود المدينة ومشركي مكَّة ﴿ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد﴾ بئس ما مُهِّد لكم
стр. 307
﴿قد كان لكم آية﴾ علامة تدلُّ على صدق محمَّدٍ ﵇ ﴿في فئتين﴾ يعني: المسلمين والمشركين ﴿التقتا﴾ اجتمعتا يوم بدرٍ للقتال ﴿فئةٌ تقاتل في سبيل الله﴾ وهم المسلمون ﴿وأخرى كافرة يرونهم مثليهم﴾ وهم كانوا ثلاثة أمثالهم ولكنَّ الله تعالى قلَّلهم في أعينهم وأراهم على قدر ما أعلمهم أنَّهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أنَّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفَّار ﴿رأي العين﴾ أَيْ: من حيث يقع عليهم البصر ﴿والله يؤيد﴾ يقوّي ﴿بنصره﴾ بالغلبة والحجَّة مَنْ يشاء ﴿إنَّ في ذلك لعبرة﴾ وهي الآية التي يُعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم ﴿لأولي الأبصار﴾ لذوي العقول
стр. 308
﴿زُيِّن للناس حبُّ الشهوات﴾ جمع الشَّهوة وهي تَوَقَانُ النَّفس إلى الشَّيء ﴿والقناطير المقنطرة﴾ الأموال الكثيرة المجموعة ﴿والخيل المسوَّمة﴾ الرَّاعية وقيل: المُعلَّمة كالبلق وذوات الشِّياتِ وقيل: الحسان والخيل: الأفراس ﴿والأنعام﴾ الإِبل والبقر والغنم ﴿والحرث﴾ وهو ما يُزرع ويغرس ثمَّ بيَّن أنَّ هذه الأشياء متاع الدُّنيا وهي فانيةٌ زائلةٌ ﴿واللَّهُ عنده حسن المآب﴾ المرجع ثمَّ أعلم أنَّ خيراً من ذلك كلِّه ما أعده لأوليائه فقال
стр. 309
﴿قل أؤنبئكم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرت ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعباد﴾
стр. 310
قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾
стр. 311
﴿الصابرين﴾ على دينهم وعلى ما أصابهم ﴿والصادقين﴾ في نيَّاتهم ﴿والقانتين﴾ المطيعين لله ﴿والمنفقين﴾ من الحلال في طاعة الله ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ المُصلِّين صلاة الصُّبح قيل: نزلت في المهاجرين والأنصار
стр. 312
﴿شهد الله﴾ بيَّن وأظهر بما نصب من الأدلَّة على توحيده ﴿أنَّه لا إله إلاَّ هو والملائكة﴾ أَيْ: وشهدت الملائكة بمعنى: أقرت بتوحيد الله ﴿وأولو العلم﴾ هم الأنبياء والعلماء من مؤمني أهل الكتاب والمسلمين ﴿قائماً بالقسط﴾ أَيْ: قائماً بالعدل يُجري التَّدبير على الاستقامة في جميع الأمور
стр. 313
﴿إنَّ الدين عند الله الإِسلام﴾ افتخر المشركون بأديانهم فقال كلُّ فريقٍ: لا دين إلاَّ ديننا وهو دين الله فنزلت هذه الآية وكذَّبهم الله تعالى فقال: ﴿إنَّ الدين عند الله الإِسلام﴾ الذي جاء به محمد ﵇ ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ أَي: اليهود لم يختلفوا في صدق نبوَّة محمد ﷺ لما كانوا يجدونه في كتابهم ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني: النبي ﷺ سمِّي علماً لأنَّه كان معلوماً عندهم بنعته وصفته قبل بعثه فلمَّا جاءهم اختلفوا فيه فآمن به بعضهم وكفر الآخرون ﴿بغياً بينهم﴾ طلباً للرِّياسة وحسداً له على النُّبوَّة ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحساب﴾ أَي: المجازاة له على كفره
стр. 314
﴿فإن حاجوك﴾ أَيْ: جادلوك ﴿فقل أسلمتُ وجهي لله﴾ أَيْ: أخلصت عملي لله وانقدت له ﴿ومن اتبعني﴾ يعني: المهاجرين والأنصار ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين﴾ يعني: العرب ﴿أأسلمتم﴾ استفهامٌ معناه الأمر أَيْ: أسلموا وقوله: ﴿عليك البلاغ﴾ أَي: التَّبليغ وليس عليك هداهم ﴿والله بصيرٌ بالعباد﴾ أيْ: بمَنْ آمن بك وصدَّقك ومَنْ كفر بك وكذَّبك وكان هذا قبل أنْ أُمر بالقتال
стр. 315
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بغير حق﴾ قد مضى تفسيره في سورة البقرة وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يأمرون بالقسط من الناس﴾ قال [رسول الله ﷺ : قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبياً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدةٍ فقام مائةٌ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا مَنْ قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فَقُتلوا جميعاً من آخر النَّهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية] وهؤلاء الذين كانوا في عصر النبي ﷺ كانوا يتولَّونهم فهم داخلون في جملتهم
стр. 316
﴿أولئك الذين حبطت أعمالهم﴾ بطلت أعمالهم التي يدَّعونها من التَّمسُّك بالتَّوراة وإقامة شرع موسى ﵇ ﴿في الدنيا﴾ لأنَّها لم تحقن دماءَهم وأموالهم ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ لأنهم لم يستحقوا بها ثواباً
стр. 317
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكتاب﴾ يعني: اليهود ﴿يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم﴾ وذلك أنَّهم أنكروا آية الرَّجم من التَّوراة وسألوا رسول الله ﷺ عن حدِّ المحصنين إذا زنيا فحكم بالرَّجم فقالوا: جُرْتَ يا محمد فقال: بيني وبينكم التَّوراة ثمَّ أتوا بابن صوريا الأعور فقرأ التَّوراة فلمَّا أتى على آية الرَّجم سترها بكفِّه فقام ابن سلاَّم فرفع كفَه عنها وقرأها على رسول الله ﷺ وعلى اليهود فغضب اليهود لذلك غضباً شديداً وانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ثمَّ يتولى فريق منهم﴾ يعني: العلماء والرؤساء ﴿وهم معرضون﴾
стр. 318
﴿ذلك﴾ أَْيْ: ذلك الإِعراض عن حكمك بسبب اغترارهم حيث قَالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ افتراؤهم وهو قوله: ﴿لن تمسنا النار﴾ وقد مضى هذا في سورة البقرة
стр. 319
﴿فكيف إذا جمعناهم﴾ أَيْ: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ﴿ل﴾ جزاء ﴿يومٍ لا ريبَ فيه ووفيت كلُّ نفس﴾ جزاء ﴿ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ بنقصان حسناتهم أو زيادة سيئاتهم
стр. 320
﴿قل اللهم مالك الملك﴾ لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكَّة ووعد أُمَّته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات (الفارس والروم أعزُّ وأمنع من أن يُغْلَبَ على بلادهم) فأنزل الله تعالى هذه الآية وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ محمداً وأصحابه ﴿وَتَنْزِعُ الملك ممن تشاء﴾ أبي جهلٍ وصناديد قريشٍ ﴿وتعزُّ من تشاء﴾ المهاجرين والأنصار ﴿وتذلُّ مَنْ تشاء﴾ أبا جهلٍ وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وأُلْقُوا في القليب ﴿بيدك الخير﴾ أَيْ: عزُّ الدُّنيا والآخرة وأراد: الخير والشَّرَّ فاكتفى بذكر الخير لأنَّ الرغبة إليه في فعل الخير بالعبد دون الشَّر
следующие страницы →