Полный текст (6 237 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
﴿وإذاً لآتيناهم من لدنَّا﴾ أَيْ: ممَّا لا يقدر عليه غيرنا ﴿أجراً عظيماً﴾ أَيْ: الجنَّة
стр. 562
﴿ولهديناهم﴾ أرشدناهم ﴿صراطاً مستقيماً﴾ إلى دينٍ مستقيمٍ وهو دين الحنيفيَّة لا دين اليهوديَّة
стр. 563
﴿ومَن يطع الله﴾ الآية قال المسلمون للنبي ﷺ : ما لنا منك إلاَّ الدُّنيا فإذا كانت الآخرة رُفِعَت في الأعلى فحزن وحزنوا فنزلت ﴿ومَنْ يطع الله﴾ في الفرائض ﴿والرسول﴾ في السُّنن ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبيين﴾ أَيْ: إنَّه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم فلا يتوهمنَّ أنَّه لا يراهم ﴿والصديقين﴾ أفاضل أصحاب الأنبياء ﴿والشهداء﴾ القتلى في سبيل الله ﴿والصالحين﴾ أَيْ: أهل الجنَّة من سائر المسلمين ﴿وحسن أولئك﴾ الأنبياء وهؤلاء ﴿رفيقاً﴾ أَيْ: أصحاباً ورفقاء
стр. 564
﴿ذلك﴾ أَيْ: ذلك الثَّواب وهو الكون مع النَّبييِّن ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ تفضَّل به على مَنْ أطاعه ﴿وكفى بالله عليماً﴾ بخلقه أي: إنه عالم لا يخفى عليه شيء ولا يضيع عنده عمل ثمَّ حثَّ عباده المؤمنين على الجهاد فقال:
стр. 565
﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾ سلاحكم عند لقاء العدوِّ ﴿فانفروا﴾ أَيْ: فانهضوا إلى لقاء العدوِّ ﴿ثباتٍ﴾ جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول ﴿أو انفروا جميعاً﴾ إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد
стр. 566
﴿وإنَّ منكم لَمَنْ ليُبطئنَّ﴾ أَيْ: ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد وهم المنافقون وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر ﴿فإن أصابتكم مصيبةٌ﴾ من العدوِّ وجهدٌ من العيش ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عليَّ﴾ بالقعود حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابكم
стр. 567
﴿ولئن أصابكم فضلٌ من الله﴾ فتحٌ وغنيمة ﴿ليقولنَّ﴾ هذا المنافق قولَ نادمٍ حاسدٍ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: لأسعد بمثل ما سعدوا به من الغنيمة وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ في المعنى بقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة﴾ أَيْ: كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر ثمَّ أمر المؤمنين بالقتال فقال:
стр. 568
﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون﴾ أَيْ: يبيعون ﴿الحياة الدُّنيا بالآخرة﴾ أَيْ: بالجنَّة أَيْ: يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا ﴿ومَنْ يُقاتل في سبيل الله فيقتل﴾ فيستشهد ﴿أو يغلب﴾ فيظفر فكلاهما سواءٌ وهو معنى قوله: ﴿فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ ثواباً لا صفة له ثمَّ حضَّ المؤمنين على الجهاد في سبيله لاستنقاذ ضعفة المؤمنين من أيدي المشركين فقال:
стр. 569
﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمستضعفين من الرجال والنساء والوِلدان﴾ وهم قومٌ بمكَّة استُضعفوا فَحُبسوا وعُذِّبوا ﴿الذين يقولون ربنا أخرجنا﴾ إلى دار الهجرة ﴿من هذه القرية﴾ مكَّة ﴿الظالم أهلها﴾ أَيْ: جعلوا لله شركاء ﴿واجعل لنا من لَدُنْكَ ولياً﴾ أَيْ: ولِّ علينا رجلاً من المؤمنين يوالينا ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ينصرنا على عدوِّك فاستجاب الله دعاءَهم وولَّى عليهم رسولُ الله ﷺ عتَّابَ بن أسيد وأعانهم (الله) به فكانوا أعزَّ بها من الظَّلمة قبل ذلك
стр. 570
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعة اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أَيْ: في طاعة الشَّيطان ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾ عبدة الأصنام ﴿إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾ يعني: خذلانه إيَّاهم يوم قُتلوا ببدرٍ
стр. 571
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكم﴾ عن قتال المشركين وأَدُّوا ما فُرض عليكم من الصَّلاة والزَّكاة نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبي ﷺ وهم بمكَّة في قتال المشركين فلم يأذن لهم ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾ بالمدينة ﴿إذا فريقٌ منهم يخشون الناس﴾ أَيْ: عذاب النَّاس بالقتل ﴿كخشية الله﴾ كما يخشى عذاب الله ﴿أو أشدَّ﴾ أكبرَ ﴿خشية﴾ وهذه الخشية إنَّما كانت لهم من حيث طبع البشريَّة لا على كراهية أمر الله بالقتال ﴿وقالوا﴾ جزعاً من الموت وحرصاً على الحياة: ﴿ربنا لمَ كتبت﴾ فرضتَ ﴿علينا القتال لولا﴾ هلاًّ ﴿أخرتنا إلى أجل قريب﴾ وهو الموت أَيْ: هلاَّ تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل ﴿قل﴾ لهم يا محمَّدُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قليل﴾ أجل الدُّنيا قريبٌ وعيشها قليلٌ ﴿والآخرة﴾ الجنَّةُ ﴿خيرٌ لمن اتقى﴾ ولم يُشرك به شيئاً ﴿ولا تظلمون فتيلاً﴾ أَيْ: لا تُنقصون من ثواب أعمالكم مثل فتيل النَّواة ثمَّ أعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تمنَّعوا بأمنع الحصون فقال:
стр. 572
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بروج﴾ حصونٍ وقصور ﴿مشيدة﴾ مطوَّلة مرفوعة وقيل: بروج السَّماء ﴿وإن تصبهم﴾ يعني: المنافقين واليهود ﴿حسنة﴾ خصب ورخص سعر ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سيئة﴾ جدبٌ وغلاءٌ ﴿يقولوا هذه من عندك﴾ من شؤم محمد وذلك أن النبي ﷺ لمَّا قدم المدينة وكفرت اليهود أمسك الله عنهم ما كان قد بسط عليهم فقالوا: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا فقال الله تعالى: ﴿قل كلٌّ﴾ أًي: الخصب والجدب ﴿من عند الله﴾ من قِبَل اللَّهِ ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حديثاً﴾ لا يفهمون القرآن
стр. 573
﴿ما أصابك﴾ يا ابن آدم ﴿من حسنة﴾ فتح وغنيمةٍ وخصبٍ فمن تفضُّل الله ﴿وما أصابك من سيئة﴾ من جدبٍ وهزيمةٍ وأمرٍ تكرهه ﴿فمن نفسك﴾ فبذنبك يا ابن آدم ﴿وأرسلناك﴾ يا محمدُ ﴿للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً﴾ على رسالتك
стр. 574
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ يعني: إنَّ طاعتكم لمحمد طاعةٌ لله ﴿ومَنْ تولى﴾ أعرض عن طاعته ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ أَيْ: حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع أَيْ: ليس عليك بأسٌ لتولِّيه لأنَّك لم ترسل عليهم حفيظاً من المعاصي
стр. 575
﴿ويقولون﴾ أَي: المنافقون ﴿طاعةٌ﴾ أَيْ: طاعةٌ لأمرك ﴿فإذا برزوا﴾ خرجوا ﴿من عندك بيَّت﴾ قدَّر وأضمر ﴿طائفة منهم غير الذي تقول﴾ لك من الطَّاعة أَيْ: أضمروا خلاف ما أظهروا وقدَّروا ليلاً خلاف ما أعطوك نهاراً ﴿واللَّهُ يكتب ما يبيِّتون﴾ أَيْ: يحفظ عليهم ليُجَازَوا به ﴿فأعرض عنهم﴾ أَيْ: فاصفح عنهم وذلك أنه نُهي عن قتل المنافقين في ابتداء الإِسلام ثمَّ نُسخ ذلك بقوله: ﴿جاهِد الكفَّار والمنافقين﴾
стр. 576
﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أَي: المنافقون (أفلا) يتأمَّلون ويتفكرون فيه ﴿ولو كان﴾ القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كثيراً﴾ بالتَّناقض والكذب والباطل وتفاوت الألفاظ
стр. 577
﴿وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن﴾ نزلت في أصحاب الأراجيف وهم قومٌ من المنافقين كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله ﷺ ويُخبرون بما وقع بها قبل أن يُخبرَ به النبي ﷺ فَيُضعفون قلوب المؤمنين بذلك ويُؤذون النبيَّ ﵇ بسبقهم إيَّاه بالإِخبار وقوله: ﴿أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ﴾ حديثٌ فيه أمنٌ ﴿أو الخوف﴾ يعني: الهزيمة ﴿أذاعوا به﴾ أَيْ: أفشوه ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ منهم﴾ ولو سكتوا عنه حتى يكون الرَّسول هو الذي يفشيه وأولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وقيل: أمراء السَّرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه ويطلبون علمَ ذلك ﴿منهم﴾ من الرسول وأولي الأمر ﴿ولولا فضلُ الله﴾ أي: الإِسلام ﴿ورحمته﴾ القرآن ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ ممَّن عصم الله كالذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان بغير رسولٍ ولا كتابٍ نحو زيد بن عمرو وورقة بن نوفل وطُلاَّب الدِّين وهذا تذكيرٌ للمؤمنين بنعمة الله عليهم حتى سلموا من النِّفاق وما ذُمَّ به المنافقون
стр. 578
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نفسك﴾ أَيْ: إلاَّ فعلَ نفسك على معنى: أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حُضَّهم على القتال ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ واجبٌ من الله ﴿أن يكفَّ﴾ يصرف ويمنع ﴿بأس الذين كفروا﴾ شدَّتهم وشوكتهم ﴿واللَّهُ أشدُّ بأساً﴾ عذاباً ﴿وأشدُّ تنكيلاً﴾ عقوبة
стр. 579
﴿مَنْ يشفع شفاعة حسنةً﴾ هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين ﴿يكن له نصيبٌ منها﴾ كان له فيها أجر ﴿ومَنْ يشفع شفاعة سيئة﴾ أَيْ: ما لا يجوز في الدين أن يشفع فيه ﴿يكن له كفلٌ منها﴾ أيْ: نصيبٌ من الوِزر والإِثم ﴿وكان الله على كلِّ شيءٍ مقيتاً﴾ مقتدراً
стр. 580
﴿وإذا حييتم بتحيَّةٍ﴾ أَيْ: إذا سُلِّم عليكم بسلامٍ ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ أَيْ: أجيبوا بزيادةٍ على التحيَّة إذا كان المُسَلِّم من أهل الإِسلام ﴿أو ردُّوها﴾ إذا كان من أهل الكتاب (فقولوا: عليكم ولا تزيدوا على ذلك) ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (حفيظاً) مجازياً
стр. 581
﴿الله لا إله إلاَّ هو ليجمعنَّكم﴾ أَيْ: واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور ﴿إلى يوم القيامة لا ريبَ فيه﴾ لا شكَّ فيه ﴿ومَنْ أصدقُ من الله حديثاً﴾ أَيْ: قولاً وخبراً يريد: أنَّه لا خُلفَ لوعده
стр. 582
﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ نزلت في قومٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المدينة فأقاموا ما شاء الله ثمَّ قالوا: إنَّا اجتوينا المدينة فأذن رسول الله ﷺ لهم أَنْ يخرجوا فلمَّا خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المؤمنون فيهم فقال بعضهم: إنَّهم كفار مرتدُّون وقال آخرون: هم مسلمون حتى تعلم أنَّهم بدَّلوا فبيَّن الله كفرهم في هذه الآية والمعنى: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين على فئتين على فرقتين ﴿والله أركسهم﴾ ردَّهم إلى حكم الكفَّار من الذُّلِّ والصَّغار والسَّبي والقتل ﴿بما كسبوا﴾ بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النِّفاق ﴿أتريدون﴾ أيُّها المؤمنون ﴿أن تهدوا﴾ أَيْ: ترشدوا ﴿مَنْ أضلَّ الله﴾ لم يرشده الله أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون والله قد أضلَّهم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فلن تجد له سبيلاً﴾ أَيْ: ديناً وطريقاً إلى الحجَّة
стр. 583
﴿ودُّوا﴾ أَيْ: هؤلاء ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون﴾ أنتم وهم ﴿سواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لا تُوالوهم ولا تُباطنوهم ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حتى يرجعوا إلى رسول الله ﴿فإن تولوا﴾ عن الهجرة وأقاموا على ما هم عليه ﴿فخذوهم﴾ بالأسر ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نصيراً﴾ أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم
стр. 584
﴿إلاَّ الذين يصلون﴾ أَيْ: فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلاَّ الذين يتصلون ويلتجئون ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ فيدخلون فيهم بالحلف والجوار ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ يعني: أو يتصلون بقوم جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وهم بنو مدلجٍ كانوا صلحا للنبي ﷺ وهذا بيان أنَّ مَن انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهد مع النبي ﷺ فله مثلُ حكمهم في حقن الدم والمال ثمَّ نُسخ هذا كلُّه بآية السَّيف ثمَّ ذكر الله تعالى مِنَّته بكفِّ بأس المعاهدين فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾ يعني: إن ضيق صدوركم عن قتالهم إنَّما هو لقذف الله تعالى الرُّعب في قلوبهم ولو قوَّى الله تعالى قلوبهم على قتالكم لقاتلوكم ﴿فإن اعتزلوكم﴾ أَيْ: في الحرب ﴿وألقوا إليكم السلم﴾ أَي: الصُّلح ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ في قتالهم وسفك دمائهم ثمَّ أمره بقتال مَنْ لم يكن على مثل سبيل هؤلاء فقال:
стр. 585
﴿ستجدون آخرين﴾ الآية هؤلاء قومٌ كانوا يظهرون الموافقة لقومهم من الكفَّار ويظهرون الإسلام للنبي ﷺ والمؤمنين يريدون بذلك الأمن في الفريقين فأطلع الله نبيَّه ﵇ على نفاقهم وهو قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ وقوله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ كلَّما دُعوا إلى الشِّرك رجعوا فيه ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً﴾ أَيْ: حجَّة بيِّنةً في قتالهم لأنَّهم غَدَرةٌ لا يُوفون لكم بعهدٍ
стр. 586
﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً﴾ ألْبَتَّةَ ﴿إلاَّ خطأ﴾ إلاَّ أنَّه قد يخطئ المؤمن بالقتل ﴿ومَنْ قتل مؤمناً خطأ﴾ مثل أن يقصد بالرَّمي غيره فأصابه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى جميع ورثته ﴿إلاَّ أن يصدقوا﴾ أَيْ: يعفوا ويتركوا الدية ﴿فإن كان﴾ المقتول ﴿من قوم﴾ حربٍ لكم وكان مؤمناً ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ كفارةً للقتل ولا دية لأنَّ عصبته وأهله كفَّار فلا يرثون ديته ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ كأهل الذِّمة فتجب فيه الدِّية والكفَّارة ﴿فمن لم يجد﴾ الرَّقبة ﴿فصيام شهرين متتابعين توبة من الله﴾ أَيْ: ليقبل الله توبة القاتل حيث لم يبحث عن المقتول وحاله وحيث لم يجتهد حتى لا يخطئ
стр. 587
﴿ومَنْ يقتل مؤمناً متعمداً﴾ الآية غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر
стр. 588
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم﴾ أَيْ: سرتم في الأرض ﴿فتبيَّنوا﴾ أَيْ: تأنَّوا وتثَّبتوا نزلت في رجلٍ كان قد انحاز بغنمٍ له إلى جبلٍ فلقي سريةً من المسلمين عليهم أسامة ين زيد فأتاهم وقال: السَّلام عليكم لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وكان قد أسلم فقتله أسامة واستاقوا غنمه فنزلت نهياً عن سفك دم مَنْ هو على مثل هذه الحالة وذلك أنَّ أسامة قال: إنَّما قالها مُتعوِّذاً فقال الله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ أَيْ: حيَّاكم بهذه التَّحيَّة ﴿لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾ أَيْ: متاعها من الغنائم ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يعني: ثواباً كبيراً لمَنْ ترك قتل مَنْ ألقى إليه السَّلام ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ كُفَّاراً ضُلالاً كما كان هذا المقتول قبل إسلامِهِ ثمَّ منَّ الله عليكم بالإِسلام كما منَّ على المقتول أَيْ: إنَّ كلَّ مَنْ أسلم ممَّن كان كافراً فبمنزلة هذا الذي تعوَّذ بالإِسلام قُبِلَ منه ظاهرُ الإِسلام ثمَّ أعاد الأمر بالتبيُّن فقال: ﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ أَي: علم أنَّكم قتلتموه على ماله ثمَّ حمل رسول الله ﷺ ديته إلى أهله وردَّ عليهم غنمه واستغفر لأسامة وأمره بعتق رقبةٍ
стр. 589
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضرر﴾ أي: الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد لا يستوي هؤلاء ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ من أهل العذر ﴿درجةً﴾ لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة والقاعدين من أهل العذر قصدوها وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة ﴿وكلاً﴾ من المجاهدين والقاعدين المعذورين ﴿وعد الله الحسنى﴾ الجنَّة ﴿وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين﴾ من غير عذرٍ ﴿أجراً عظيماً﴾
стр. 590
﴿درجاتٍ منه﴾ أَيْ: منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ من منازل الكرامة
стр. 591
﴿إنَّ الذين توفاهم الملائكة﴾ أَيْ: قبضت أرواحهم نزلت في قومٍ كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر فخرجوا معهم فقتلوا يوم بدرٍ فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وقوله: ﴿ظالمي أنفسهم﴾ بالمقام في دار الشِّرك والخروج مع المشركين لقتال المسلمين ﴿قالوا فيم كنتم﴾ أَيْ: قالت الملائكة لهؤلاء سؤال توبيخٍ وتقريع: أكنتم في المشركين أم كنتم في المسلمين؟ فاعتذروا بالضَّعف عن مقاومة أهل الشِّرك في دارهم فـ ﴿قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾ أَيْ: في مكة فحاجَّتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم و ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ أخبر الله تعالى أنَّ هؤلاء من أهل النَّار ثمَّ استثنى من صدق في أنَّه مستضعفٌ فقال:
стр. 592
﴿إلاَّ المستضعفين﴾ أي: الذين يوجدون ضعفاء ﴿لا يستطيعون حيلة﴾ لا يقدرون على حيلةٍ ولا نفقةٍ ولا قوَّةٍ للخروج ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ لا يعرفون طريقاً إلى المدينة
стр. 593
قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
стр. 594
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مراغماً﴾ أَيْ: مهاجراً ومتحوَّلاً ﴿كثيراً وسعة﴾ في الرِّزق ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية نزلت في حبيب بن ضمرة اللَّيثي وكان شيخاً كبيراً خرج متوجِّهاً إلى المدينة فمات في الطَّريق فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لو وافى المدينة لكان أتمَّ أجراً فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر أنَّ مَنْ قصد طاعةً ثمَّ أعجزه العذر عن تمامها كتب الله ثواب تمام تلك الطَّاعة ومعنى ﴿وقع أجره على الله﴾ وجب ذلك بإيجابه
стр. 595
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تقصروا﴾ الآية نزلت في إباحة قصر الصَّلاة في السَّفر وظاهر القرآن يدل على أنَّ القصر يستباح بالسَّفر والخوف لقوله: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ أَيْ: يقتلكم والإِجماع منعقدٌ على أنَّ القصر يجوز في السَّفر من غير خوف وثبتت السنَّة بهذا عن النبي ﷺ ولكن ذكر الخوف في الآية على حال غالب أسفارهم في ذلك الوقت ثمَّ ذكر صلاة الخوف فقال:
стр. 596
﴿وإذا كنت فيهم﴾ أَيْ: إذا كنت أيُّها النبيُّ مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم ﴿فأقمت لهم الصلاة﴾ أَي: ابتدأت بها إماماً لهم ﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾ نصفهم يصلُّون معك ﴿وليأخذوا﴾ أَيْ: وليأخذ الباقون أسلحتهم ﴿فإذا سجدوا﴾ فإذا سجدت الطَّائفة التي قامت معك ﴿فَلْيَكُونُوا من ورائكم﴾ أَي: الذين أمروا بأخذ السِّلاح ﴿ولتأت طائفة أخرى﴾ أَي: الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم ﴿لم يصلوا﴾ (معك الركعة الأولى) ﴿فليصلوا معك﴾ (الركعة الثانية) ﴿وليأخذوا حذرهم﴾ (من عدوهم) ﴿وأسلحتهم﴾ (سلاحهم معهم) يعني: الذين صلوا أول مرة ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأمتعتكم﴾ في صلاتكم ﴿فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ بالقتال ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تضعوا أسلحتكم﴾ ترخيصٌ لهم في ترك حمل السِّلاح في الصَّلاة وحملُه فرضٌ عند بعضهم وسنة مؤكدة عند بعضهم فرخص الله لهم في تركه لعذر المطر والمرض لأنَّ السِّلاح يثقل على المريض ويفسد في المطر ﴿وخذوا حذركم﴾ أَيْ: كونوا على حذرٍ في الصَّلاة كيلا يتغفَّلكم العدوُّ
стр. 597
﴿فإذا قضيتُمُ الصلاة﴾ فرغتم من صلاة الخوف ﴿فاذكروا الله﴾ بتوحيده وشكره في جميع أحوالكم ﴿فإذا اطمأننتم﴾ رجعتم إلى أهلكم وأقمتم ﴿فأقيموا الصلاة﴾ أتموها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ مفروضاً موقَّتاً فرضه
стр. 598
﴿ولا تهنوا﴾ أَيْ: لا تضعفوا ﴿في ابتغاء القوم﴾ يعني: أبا سفيان ومَنْ معه حين انصرفوا من أُحدٍ أمر الله تعالى نبيه أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيَّام فاشتكى أصحابه ما بهم من الجراحات فقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أَيْ: إنْ ألمتم من جراحكم فهم أيضاً في مثل حالتكم من ألم الجراح ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ من نصر الله إيَّاكم وإظهار دينكم (في الدنيا) وثوابه في العقبى ﴿مَا لا يَرْجُونَ﴾ هم ﴿وكان الله عليماً﴾ بخلقه ﴿حكيماً﴾ فيما حكم
стр. 599
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة طعمة بن أُبيرق سرق درعاً ثمَّ رمى بها يهودياً فلما طُلبت منه الدِّرع أحال على اليهوديِّ ورماه بالسَّرقة فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهوديِّ وأتوا رسول الله ﷺ فسأل قوم طعمة النبيَّ ﷺ أنْ يجادل عن صاحبهم وأن يُبرِّيَه وقالوا: إنك إنْ لم تفعل افتضح صاحبنا وبرئ اليهودي فهم النبي ﷺ أن يفعل فنزل فوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ في الحكم لا بالتَّعدي فيه ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ أَيْ: فيما علَّمك الله ﴿ولا تكن للخائنين﴾ طعمة وقومه ﴿خصيماً﴾ مخاصماً عنهم
стр. 600
﴿واستغفر الله﴾ من جدالك عن طعمة وهمِّك بقطع اليهوديِّ
следующие страницы →