← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومما يزيد الأمر وضوحا قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣] فهذا خبر وليس طلبًا، فلا يدخل في تعريف الشيخ عطاء ويدخل في تعريف الشيخ العثيمين؛ مضمن معنى الطلب. يوضحه أن قول (يتضمن) الذي ذكره الشيخ العثيمين في تعريف الأمر (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء)، يُدِخل باقي الصيغ التي تدل على الأمر وليست مستفادة من صيغه الحقيقية، فالتعبير بأن الأمر فرض أو حتم ونحو ذلك متضمن لطلب الفعل وإن لم يكن بصيغة الطلب. - وأيضا نجد أن الشيخ العثيمين قد زاد قيد الاستعلاء، ولم يشر إليه الشيخ عطاء في تعريف الواجب، فأصبح تعريفه مدخول (غير مانع) فيدخل فيه الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة طلب الفعل لا على وجه الاستعلاء. الوجه الثاني - أنه لا يشمل الواجب الموسع، والكفائي، والمخير، وأفاد أنه لابد من إضافة قيد: (في بعض الوجوه)، أو (بوجه ما)، أو بحالة ما) على التعريف الذي اختاره وهو: (ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم) ليشمل الواجب الموسع، والكفائي، والمخير. فقال ما محصله: أن التعريف بدون هذا القيد يتجه فيه اللزوم لطلب الفعل على وجه الجزم مطلقا، فلابد وأن يأتي بالواجب الموسع في كل أوقاته ولابد وأن يأتي بكل خصال الكفارة بالنسبة للواجب المخير، ولابد وأن يأتي بالواجب الكفائي كل المكلفين لأن كل هذا يدخل تحت قوله (ما طلب الشارع فعله على وجه الجزم). وعليه ففائدة القيد (في بعض الوجوه)، أو (بوجه ما)، أو (بحالة ما) أن يخرج الواجب المخير إذا قام ببعض خصاله، ويخرج الواجب الموسع إذا قام به في آخر وقته ويخرج به الواجب الكفائي إذا قام به البعض دون البعض. وهذا التعقب غير سديد؛ وذلك لأن الخطاب التكليفي بالواجب الموسع، والمخير، والكفائي متعلق بحصة من القدر المشترك، وهو في الموسع الواجب فيه، وفي الكفائي: الواجب عليه، وفي المخير: الواجب نفسه. وهذا القدر المشترك واجب على المكلف الإتيان به، فهذه الواجبات بالنظر للقدر المشترك تكون كالواجب العيني، وعليه فلا حاجة لهذا القيد.

стр. 107

قال الزركشي في "البحر المحيط" (١/ ١٥٠): (وقال ابن الحاجب متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها (١) وقال الأصفهاني شارح المحصول لا نقول في الواجب المخير هو القدر المشترك بل الواجب هو حصة منه يصدق عليها القدر المشترك ولا سبيل إلى القول بإيجاب المشترك ويكون من صور التخيير بين الخصال الثلاث بأنه واحد ولا يتصور التخيير في الواحد). ووجه الدقة فيما قاله الأصفهاني أن ذلك يقطع النزاع مما قد يفهم من أن تعلق الوجوب بالقدر المشترك ينتج عنه تعلق الوجوب بالجميع، مع أن هذا ينافي التخيير كما ذهب إليه بعض المعتزلة مما أدى إلى إنكارهم لهذا القسم، فعبارة الأصفهاني تبين أن تعلق الوجوب إنما هو لحصة من القدر المشترك، والتي تتعلق بالفعل الواجب فعله، قال الموفق (٢): أجمعت الأمة على أن جميع خصال الكفارة غير واجب - أي الفعل -. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٣٣٢): (الخطاب في الموسع والمخير وفرض الكفاية جميعا متعلق بالقدر المشترك، فيجب تحصيله، ويحرم تعطيله. فالمشترك في الموسع وهو مفهوم الزمان ومطلقه من الوقت المقرر المحدود شرعا، بمعنى أن الواجب إيقاعه فيما يصدق عليه اسم زمن من أزمنة الوقت الشرعي. أعني ما بين زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الظهر مثلا، فمتى أوقع الصلاة في هذا الزمن المطلق كان آتيا بالمشترك، فيخرج عن عهدة الواجب أداء، وإن أخره حتى خرج الوقت الشرعي، كان معطلا للمشترك عن العبادة الواجبة فيه، فيحرم عليه التأخير، ويلزمه استدراكه قضاء. والمشترك في المخير هو مفهوم أحد الخصال، فهو متعلق الوجوب وأما متعلق التخيير، فهو خصوصيات الخصال، من إطعام أو كسوة أو عتق، فالواجب عليه أن يأتي بإحدى الخصال ولا بد، وهو المشترك بين جميعها، لأن كل واحدة منها يصدق

стр. 108

عليها أنها إحدى الخصال، ولا يجوز له ترك الجميع، لئلا يتعطل المشترك، لأن الجميع أعم من المشترك، وتارك الأعم تارك للأخص ومعطل له، وله الخيار بين خصوصيات الخصال، إن شاء أطعم، أو كسا، أو عتق، فالواجب - وهو المشترك - لا تخيير فيه، إذ لا قائل بأنه إن شاء فعل إحدى الخصال، وإن شاء ترك، والمخير فيه - وهو خصوصيات الخصال - لا وجوب فيه، إذ لا قائل بأن الواجب عليه جميع الخصال على الجمع. والمشترك في فرض الكفاية هو مفهوم أي طوائف المكلفين، كإحدى الخصال في الواجب المخير، غير أن الخطاب تعلق بالجميع في أول الأمر، لتعذر خطاب بعض مجهول أو معين، مع تساوي الجميع فيه، فيكون ترجيحا من غير مرجح، ولا جرم أنه سقط الوجوب عن الجميع بفعل إحدى الطوائف، لحصول المشترك الوافي بالمقصود، وأثم الجميع بترك جميع الطوائف له، لتعطل المشترك، فهذا هو التحقيق في الأبواب الثلاثة. ثم قال: الفرق بين الأبواب الثلاثة: وهو أن المشترك في فرض الكفاية هو الواجب عليه، وهو المكلف، وفي المخير هو الواجب نفسه، وهو إحدى الخصال، وفي الموسع هو الواجب فيه، وهو الزمان. وبهذا يندفع عنا سؤال قد يستصعب، وهو أن يقال: لم لم تقولوا: إن الواجب في المخير جميع الخصال، ويسقط بفعل بعضها، كما قلتم: إن الوجوب في فرض الكفاية على الجميع، ويسقط بفعل البعض؟ فيقال: لأن إيجاب أحد هذين، أو هذه الأشياء على زيد معقول، ويجعل الخيار في التعيين إليه، فلا يلزم منه تعطيل الواجب. بخلاف إيجاب شيء ما على أحد هذين، أو هؤلاء الأشخاص، لأنه يفضي إلى أن يتواكلوا، ويحيل بعضهم على بعض، ولا مرجح فيه، فيتعطل الواجب بالكلية، إلا أن يعود الموجب، فيعين للفعل أحدهم، فيكون إيجابا مبتدأ معينا، لكن فيه تطويل لطريق تحصيل مصلحة الواجب، وتماد في إيقاعها، فكان ما سلكناه في فرض الكفاية أقرب، وهو أن يخاطب الجميع بالواجب، فإذا علموا ذلك توفرت دواعيهم، أو داعية طائفة منهم على الخروج عن العهدة، فيخرج الجميع بذلك، ولا يسعهم التواكل).

стр. 109

وعليه فتعريف الواجب بالحد الحقيقي هو: (ما أمر به الشارع على وجه الإلزام). ويكون تعريفه الرسمي: (ما ذم تاركه شرعا قصدا مطلقا). وهذه التنبيهات تنسحب على باقي الأحكام الخمسة ولن أكرر ذكرها مع كل تعريف، والله الموفق. قال الشيخ: (والواجب يثاب فاعله امتثالًا ويستحق العقاب تاركه) . امتثالًا أي يفعله على وجه الطاعة والقربة، فمن نوى التبرد فغسل أعضاء الوضوء لا يعد متوضئا وهكذا. وأما قوله (ويستحق) فقال الشيخ ولم نقل (ويعاقب تاركه)؛ لأنه من الجائز أن الله قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. نكتة: يجزم بإثابة فاعل الثواب، وكذا تارك الحرام؛ لأنه وعد كما قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]، ولكن لابد من تقييده بالامتثال. وذلك بخلاف الوعيد على ترك الواجب، وفعل الحرام فلا يجزم بلحوق العقاب؛ لأنه من الجائز أن الله قد يعفو عنه، فهو مستحق للعقاب، لكن قد يعاقب وقد لا يعاقب. أسماء الواجب: قوله: (ويسمى فرضاً، وفريضة، وحتماً، ولازماً). القول بعدم التفريق بين الفرض والواجب عند الحنابلة هو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عن الإمام أحمد في هذه المسألة. قال مجد الدين في المسودة (ص/ ٤٤): مسألة: الفرض والواجب سواء وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره). ومن النتائج المترتبة على هذا الخلاف في ترادف، أو تباين الفرض والواجب:

стр. 110

١ - مسائل عقدية وهو أن من أنكر الفرض كفر ومن أنكر الواجب لا يكفر وهذا على رأي الحنفية (١) ومن وافقهم والصحيح أن من أنكر حجية ما ثبت من السنة فهو كافر، وإن كانت خبر آحاد. قال الشيخ العثيمين في "القول المفيد" (١/ ٨٢): (أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفا أجمع القراء عليه، لكان كافرا، بخلاف الأحاديث القدسية، فإنه لو أنكر شيئا منها مدعيا أنه لم يثبت، لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي ﷺ قاله، لكان كافرا لتكذيبه النبي ﷺ . قال السيوطي في "مفتاح الجنة" (ص/ ٥): (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة). ٢ - ترتب أيضًا على الخلاف فيها مسائل أصولية منها أن الزيادة على النص نسخ وهذا لا يجوز عند الحنفية، ويعنون بالنص الكتاب والسنة المتواترة، والزيادة ما ثبت بخبر الآحاد إلا أنهم لم يلتزموا ذلك بل خالفوه في مسائل كثيرة جدا (في أكثر من ثلاثمائة موضع كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين)، ومنها على سبيل التمثيل: قولهم بفرضية الوتر، وجواز الوضوء بنبيذ التمر، وكذلك إنهم اشترطوا في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم. ٣ - كما ترتب على الخلاف في هذه المسألة الأصولية مسائل فقهية كثيرة جدًا ومن تتبع مذهب الحنابلة وجد أنهم تبعا لاختلاف الروايات والأقوال في هذه المسألة اختلفت التطبيقات عليها في المسائل الفقهية فأحيانا لا يفرقون بين الفرض والواجب وأحيانا

стр. 111

يفرقون تبعا للمسلك المختار، وتتبع هذا يطول ويخرجنا عن المقصود، وقد ذكر طائفة من ذلك مجد الدين في المسودة (١). ملاحظة لم يتكلم الشيخ عن أقسام الواجب، وهناك مسائل أخرى هامة متعلقة بالواجب لم يتكلم الشيخ عنها هنا، وسوف يأتي بعضا منها عند الكلام على مبحث الأمر، فالله المستعان. المندوب تعريف المندوب لغة: قال الشيخ: (والمندوب لغة: المدعو). قال المرداوي في التحبير (٢/ ٩٧٦): ﴿المندوب لغة: المدعو لمهم، من الندب وهو: الدعاء. قال الشاعر: لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا وهو الطلب، ومنه الحديث ' ' انتدب الله لمن يخرج في سبيله '، أي: أجاب له طلب مغفرة ذنوبه. ويطلق أيضاً على التأثير، ومنه حديث موسى ﵇: ' وإن بالحجر ندَباً بفتح الدال ستة أو سبعة ضرب موسى ' وأصله: الجرح). فائدة: فرْق بين المندوب، والمندوب إليه، فالمندوب هو المكلف ذاته، والمندوب إليه هو الفعل نفسه محل التعريف هنا. وقد اشتهر عند العلماء تعريف المندوب، وحذف كلمة (إليه) لفهم المعنى. قال الصنعاني في "إجابة السائل" (ص / ٣٣): (المندوب لغة المدعو إليه يقال ندبته لكذا فانتدب وأصله المندوب إليه فتوسع فيه بحذف حرف الجر فاستتر فيه الضمير ثم صار اسما لهذا القسم من الأحكام).

стр. 112

قال الفيومي في "المصباح" مادة (ن د ب): (نَدَبْتُهُ إلَى الْأَمْرِ نَدْبًا مِنْ بَابِ قَتَلَ دَعَوْتُهُ وَالْفَاعِلُ نَادِبٌ وَالْمَفْعُولُ مَنْدُوبٌ وَالْأَمْرُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالِاسْمُ النُّدْبَةُ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَمِنْهُ الْمَنْدُوبُ فِي الشَّرْعِ وَالْأَصْلُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ لَكِنْ حُذِفَتْ الصِّلَةُ مِنْهُ لِفَهْمِ الْمَعْنَى) (١). تعريف المندوب اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام). شرح التعريف: (ما أمر) ليخرج غير المأمور به كالمحرم والمكروه، والمباح لذاته، بقي الواجب يشمله التعريف ولذلك قيده بقوله (لا على وجه الإلزام) لأن الواجب مأمور به على وجه الإلزام. وسوف يأتي في باب الأمر بإذن الله كيفية معرفة أنواع الأوامر ومتى يكون هذا الأمر لازما ومتى يكون على سبيل الفضيلة. تعقب والرد عليه: عرف الشيخ عطاء المندوب بقوله: (ما طلب الشارع فعله لا على وجه الجزم في حالة ما) قد يستفاد ندب الفعل من ترغيب الشارع في الفعل وعدم وضع عقاب على الترك كقوله ﷺ : (من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا) (٢). وتعبير الماتن بلفظ الأمر أولى من التعبير بطلب الفعل كما سبق في الواجب، وذلك لأن مما يستفاد منه الندب فعل النبي ﷺ الذي يكون على وجه القربة، ولم يكن بيانا لمجل، أو امتثالا لأمر كقول ابن مسعود ﵁: (كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل هلال وقلما

стр. 113

كان يفطر يوم الجمعة) (١)، وهذا ليس بطلب فلا يدخل في تعريف الشيخ عطاء، ولكنه قد يدخل في تعريف الشيخ العثيمين لأن حكاية الفعل الذي ظهر فيه القربة تتضمن الاقتداء به ﷺ وهو مأمور به شرعا؛ لقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: ١٥٨]، قال الأشقر في "أفعال الرسول ﷺ " (١/ ١٩٣): (فقد أمرنا الله بإتباع نبيه ﷺ ، والإتباع في اللغة أن يسير الإنسان خلف آخر، والمراد هنا أن نتخذه ﷺ رئيسًا، وقائدًا إلى أعمال الخير والبر نهتدي بهديه. والاتباع يكون في الأقوال والأفعال فمن استعمال الإتباع في طاعة الأقوال قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨]، ومن إتباع الأفعال قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) [البقرة: ١٤٥] ... ثم نقل عن القاضي عبدالجبار أن الإتباع إذا أطلق انصرف إلى إتباع الأفعال كإتباع الإمام، أما طاعة الأقوال فتسمى امتثالًا ولا تسمى إتباعًا إلا مقيدًا). وعليه فتدخل في تعريف الأمر. وقد أضاف الشيخ عطاء هذا القيد الأخير ليخرج النائم والساهي، فالنائم وقت نومه ليس مكلفا، فالشارع لم يطلب منه التكليف أثناء نومه، وكذلك الساهي إذا فعل الفعل وكان ناسيا فالنسيان عذر فإن الناسي لا يكون مطالبا بهذا الفعل حال نسيانه. وهذا التعقب لا يصح وذلك لأن الندب حكم تكليفي فالمطالب به هو المكلف فلا يصح توهم دخول غير المكلف ثم إخراجه بعد. تنبيه: المندوب مأمور به حقيقة: قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (١/ ٤٠٥) "وهو" أي المندوب "تكليف". قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني، وابن عقيل

стр. 114

والموفق، والطوفي، وابن قاضي الجبل وغيرهم، إذ معناه طلب ما فيه كلفة. وقد يكون أشق من الواجب. وليست المشقة منحصرة في الممنوع عن نقيضه، حتى يلزم أن يكون منه. ومنعه ابن حمدان من أصحابنا وأكثر العلماء. قاله ابن مفلح في "أصوله". "و" هو "مأمور به حقيقة" عند أحمد والشافعي وأكثر أصحابهما. وحكاه ابن عقيل عن علماء الأصول والفقهاء، لدخوله في حد الأمر، لانقسام الأمر إليهما. وهو مستدعى ومطلوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإطلاق الأمر عليه في الكتاب والسنة. والأصل: الحقيقة، ولأنه طاعة لامتثال الأمر). قال الشنقيطي في المذكرة (ص/١٤): (والتحقيق أن المندوب مأمور به؛ لأن الأمر قسمان: أمر جازم أي في تركه العقاب وهو الواجب. وأمر غير جازم، أي لا عقاب في تركه وهو المندوب. والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) [الحج: ٧٧] أي ومنه المندوب، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ) [لقمان: ١٧]، أي ومنه المندوب: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) [النحل: ٩٠]، أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو مندوب، واحتج من قال أن الندب غير مأمور به بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] قالوا في الآية التوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندب لا يستلزم تركه شيئا من ذلك، والحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) مع أنه ندبهم إلى السواك قالوا فدل ذلك على أن الندب غبر مأمور به والجواب أن الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمر الواجب، فلا ينافى أن يطلق الأمر أيضا على غير الواجب، فلا ينافى أن يطلق الأمر أيضا على غير الواجب، وقد قدمنا أن الأمر يطلق على هذا وهذا وزعم من قال أن الندب تخيير بدليل جواز تركه والأمر استدعاء وطلب. والتخيير والطلب متنافيان، زعم غير صحيح، لان الندب ليس تخييرا مطلقا بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه، ولان المندوب أيضا مطلوب الا أن طلبه غير جازم والندب في اللغة الدعاء إلى الفعل ... ).

стр. 115

قال الشيخ: والمندوب يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه. ولا يعاقب تاركه في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن أفاد الشيخ العثيمين في شرح الأصول أن الإنسان قد يوبخ ويلام على ترك المستحب إذا كان هذا الترك يدل على زهده في الخير ورغبته عنه. قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٢٠): (وذكر القاضي وابن عقيل: يأثم بترك السنن أكثر عمره، لقوله ﵊ ﴿من رغب عن سنتي فليس مني﴾ متفق عليه. ولأنه متهم أن يعتقده غير سنة، واحتجا بقول أحمد ﵁ فيمن ترك الوتر -: رجل سوء، مع أنه سنة. قال في شرح التحرير: والذي يظهر: أن إطلاق الإمام أحمد: أنه رجل سوء، إنما مراده من اعتقد أنه غير سنة، وتركه لذلك. فيبقى كأنه اعتقد السنة التي سنها الرسول ﷺ غير سنة، فهو مخالف للرسول ﷺ ومعاند لما سنه، أو أنه تركه بالكلية، وتركه له كذلك يدل على أن في قلبه ما لا يريده الرسول ﷺ . أسماء المندوب: قال الشيخ: ويسمى: سنة، ومسنوناً، ومستحبّاً، ونفلاً. قال ابن النجار في شرح الكوكب (١/ ٤٠٤): ("وأعلاه" أي أعلا المندوب "سنة، ثم فضيلة، ثم نافلة". قال الشيخ أبو طالب - مدرس المستنصرية، من أئمة أصحابنا في "حاويه الكبير"-: إن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام. أحدها: ما يعظم أجره، فيسمى سنة. والثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلة. والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين"، فيسمى فضيلة ورغيبة).اهـ وأما تسميته بالسنة فقد فصل الشيخ فيه فقال في شرح الأصول (ص/٥٣): (عند الأصوليين إذا قال: هذا سنة: يعني ليس بواجب، وكذلك مسنونا وكذلك مستحبا، وكذلك نفلا ... لكن السنة في لسان الشارع أعم من المندوب، إذ قد تطلق على الشيء الواجب، ومنه قول ابن عباس حين قرأ الفاتحة وجهر بها في صلاة الجنازة قال:

стр. 116

(لتعلموا أنها سنة) ... فالسنة في لسان الشرع أعم من السنة في اصطلاح الفقهاء لأنها تشمل الواجب والمستحب). المحرم تعريف المحرم لغة: قال الشيخ المحرم لغة: الممنوع. قال الجوهري في الصحاح مادة (ح ر م): "حَرَمَهُ الشَّيءَ يَحْرِمُهُ حَرِماً وحِرْمَةً وحَريمة وحِرْماناً، وأَحْرَمَهُ أيضاً، إذا منعَه إيَّاه".اهـ ومن ذلك قوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي منعناه منهن.، وقال: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ)، وقال: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال ابن عقيل في الواضح (١/ ٢٨): (والحظر منع الشيء، فالمحظور: ما منع منه الشرع، واصله المنع، ومنه سمى المُحتَظِر مُحتظرا؛ إذ جعل حول إبله أو متاعه - في الجملة - مانعا من العَوْسَج - (شجر من شجر الشوك) -. وسميت الحظيرة بذلك من المنع).اهـ ومنه قوله ﷺ فيما ورواه الشيخان من حديث النعمان بن بشير ﵁ (وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه) معناه أن ملوك العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله كالقتل والزنى والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية فلا يدخل في شيء من الشبهات.

стр. 117

تعريف المحرم اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام بالترك). قوله: (ما نهى عنه) خرج ما أمر به كالمندوب والواجب، وما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالمباح. وقوله: (على وجه الإلزام) أخرج المكروه لأن النهي عنه ليس على سبيل الحتم واللزوم كما سيأتي. وأما قوله: (بالترك) في آخر هذا التعريف فزيادة لا حاجة لها ويستقيم التعريف بدونها، ويكون جامعا مانعا، فهي لم تضف معنى جديدا بل معناها مضمن في قوله (ما نهى عنه). تعقب والرد عليه (١): تعقب الشيخ عطاء الماتن في تعريفه للمحرم بأنه غير مانع، وذكر أنه لابد من إضافة قيد: (من بعض الوجوه)، أو (بوجه ما)، أو (على جهة ما)، أو بوجه من الوجوه) حتى يخرج من التعريف المكلف الذي كان نائمًا، أو كان ناسيًا، أو كان مكرهًا. وهذا التعقب غير سديد، وقد سبق ذكر أن النائم والناسي غير مكلفين فلا يصح دخولهم في الحد أساسا، وأما الإكراه فقد اختلف العلماء فيه (٢) هل هو مانع من التكليف أم لا، وظاهر كلام الشيخ العثيمين وكذا الشيخ عطاء أنه مانع من التكليف فلا يصح التعقب به بل يكون لاحق بالنائم والناسي في عدم التكليف حال قيام المانع فلا يصح دخولهم في الحد، وأما على قول من ذهب إلى أن الإكراه ليس بمانع من التكليف فيكون داخلا في الحد ولا يصح خروجه منه، فعلى كلا التقديرين لا يصح

стр. 118

ذكر هذا القيد الأخير في تعريف المحرم. قال الشيخ: (المحرم يثاب تاركه امتثالاً ويستحق العقاب فاعله) . قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٥٧): (فهذا حكمه، وأنتم ربما تقرءون في بعض الكتب المختصرة يقولون: "المحرم هو ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله" وهذا تساهل من وجهين: الوجه الأول: أنه تعريف للشيء بحكمه. والحكم يقولون هو "فرع عن التصور" فأنت صوِّره أولا بحده ثم بعد ذلك احكم عليه. أما أن تعرفه بحكمه فهذا مردود. وعندهم من جملة المردود ... أن تُدخل الأحكام في المحدود الوجه الثاني: أنهم يقولون "يعاقب" وكلمة "يعاقب" مقتضاها الجزم بالعقاب، مع أن فاعل المحرم قد لا يعاقب فقد يغفر الله له (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨، ١١٧]. وأيضا قولهم "يثاب تاركه" فهذا أيضا ليس على إطلاقه، فلابد أن تُقيِّد فتقول: "يثاب تاركه امتثالا"). فائدة . قد يترك المكلف فعل المحرم ويعاقب، وقد يتركه ولا يثاب ولا يعاقب، وقد يتركه ويثاب: أما الأول - فإن تركه عجزا كما قال النبي ﷺ فيما رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ (مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله فينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو كان لي مثل ما لهذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال قال رسول الله ﷺ فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مال مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال قال رسول الله

стр. 119

صلى الله عليه وسلم فهما في الوزر سواء) (١) وأيضا كمن سعي في طريق المعصية ولكنه حال بينه وبين فعلها حائل وهكذا. وأما الثاني - كمن ترك فعله غافلا فلم يطرأ على باله مطلقا كرجل مشغول في دنياه فما فكر في يوم أن يشرب الخمر، أو إنه ما يعرف شيئا عن هذه المعصية فلم تطرأ على باله فهذا لا يثاب ولا يعاقب. وأما الثالث فهي الحالة العامة ويشترط أن يتركه امتثالا. أسماء المحرم: قال الشيخ: (يسمى: محظوراً أو ممنوعاً). للمحرم أسماء كثيرة قال ابن النجار في شرح الكوكب (١/ ٣٨٦): ("ويسمى" الحرام "محظورا وممنوعا ومزجورا ومعصية وذنبا وقبيحا وسيئة وفاحشة وإثما وحرجا وتحريجا وعقوبة". فتسميته محظورا من الحظر. وهو المنع. فيسمى الفعل بالحكم المتعلق به، وتسميته معصية للنهي عنه، وذنبا لتوقع المؤاخذة عليه، وباقي ذلك لترتبها على فعله). وسوف يأتي في باب الفاسد، وباب النهي متعلقات كثيرة وهامة للمحرم. المكروه تعريف المكروه لغة: قال الشيخ: (المكروه لغة: المبغض). قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٦١): (المكروه اسم مفعول من كره بمعنى أبغض، ومنه قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) يعني: أبغضهم، فهو إذا في اللغة: المبغض سواء كان عينا أو وصفا أو عملا، فأي شيء تبغضه فهو مكروه عندك).

стр. 120

تعريف المكروه اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك). قوله: (ما نهى عنه) خرج ما أمر به كالمندوب والواجب، وما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالمباح. وقوله: (لا على وجه الإلزام) أخرج المحرم لأن النهي عنه على سبيل الحتم واللزوم. وكما سبق أن قيد بالترك زيادة لا داعي منها. قال الشيخ: (المكروه: يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله) . قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤٢٠) ما مختصره: ((ويقال لفاعله) أي فاعل المكروه (مخالف، ومسيء، وغير ممتثل) مع أنه لا يذم فاعله، ولا يأثم على الأصح. وظاهر كلام بعضهم: تختص الإساءة بالحرام. فلا يقال: أساء إلا لفعل محرم). فائدة: قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٤١٨) ما مختصره: ((وهو) أي المكروه (في عرف المتأخرين: للتنزيه) يعني أن المتأخرين اصطلحوا على أنهم إذا أطلقوا الكراهة، فمرادهم التنزيه، لا التحريم، وإن كان عندهم لا يمتنع أن يطلق على الحرام، لكن قد جرت عادتهم وعرفهم: أنهم إذا أطلقوه أرادوا التنزيه لا التحريم. وهذا مصطلح لا مشاحة فيه. (ويطلق) المكروه (على الحرام) وهو كثير في كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وغيره من المتقدمين. - (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) -. ومن كلامه " أكره المتعة، والصلاة في المقابر " وهما محرمان، لكن لو ورد عن الإمام أحمد الكراهة في شيء من غير أن يدل دليل من خارج على التحريم ولا على التنزيه: فللأصحاب فيها وجهان.

стр. 121

أحدهما - واختاره الخلال وصاحبه عبد العزيز وابن حامد وغيرهم - أن المراد التحريم. والثاني - واختاره جماعة من الأصحاب - أن المراد التنزيه. ومن كلام أحمد " أكره النفخ في الطعام، وإدمان اللحم والخبز الكبار " وكراهة ذلك للتنزيه. وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى (﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾). المباح تعريف المباح لغة: قال الشيخ: (المباح لغة: المعلن والمأذون به). قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٦٤): والمباح لغة المعلن، كقولهم: أباح سرَّه أي أعلنه. (والمأذون فيه) أي أذنت لك في الانتفاع به، مثل: أبحتك سيارتي هذه الليلة، وأبحتك بيتي لمدة شهر. أي أذنت لك في الانتفاع به. تعريف المباح اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته). قوله (ما لا يتعلق به أمر) خرج الواجب والمندوب. قوله (أو نهي) خرج المحرم والمكروه. قوله (لذاته) أي بقطع النظر عن أمر آخر، فلو نظرنا إلى تناول الطعام أو الشراب لحظ النفس فهو مباح ولكن إن كان للتقوي على الصوم فهو مندوب، وكذلك القيلولة لقوى على قيام الليل فهي مندوبة أيضا. وأيضا بيع العنب مباح، ولكن إن كان لمن يعصره خمرا فهو محرم. وعليه فالحكم على الفعل بالإباحة إنما يكون بالنظر إلى لذاته بقطع النظر عن أمر آخر. وإن كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وإن كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وإن كان

стр. 122

وسيلة لواجب فهو واجب، وإن كان وسيلة لمندوب فهو مستحب. وهذا التعريف غير جامع لدخول الإباحة العقلية فيه، وهي غير مرادة بالحد هنا، وإنما المراد المباح الشرعي، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي الحكم قبل ورود الشرع، ورفعها لا يكون نسخا، فتحريم الربا لم يكن ناسخا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنه إباحته كانت عقلية لا شرعية، وقد يجاب عن ذلك بأن المقصود آصالة من بداية هذا المبحث هو تعريف الأحكام الشرعية لا العقلية، والمقصود هنا تعريف الإباحة الشرعية فلا وجه لتوهم دخول الإباحة العقلية في التعريف. وعلى فرض صحة هذا التعقب فالأولى تعريفه بأنه: (خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل)، فصدرناه بأنه خطاب الشارع مشيا على طريقة الأصوليين في تعريف الحكم الشرعي بأنه نفس الخطاب، وأيضا لإخراج الإباحة العقلية، فإنها غير منسوبة للشرع، والقيد الأخير ليخرج الواجب الموسع في أول الوقت، والواجب المخير (١). المباح حكم شرعي: قال الآمدي في "إحكامه" (١/ ١٦٨): (اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة مصيرا منه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه، وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده فلا يكون حكما شرعيا، ونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية وإنما الإباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه، وذلك غير ثابت قبل ورود الشرع، ولا يخفى الفرق بين القسمين، فإذا ما أثبتناه من الإباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه). هل يدخل المباح في الأحكام التكليفية ؟ قال الشيخ: (المباح مادام على وصف الإباحة فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب).

стр. 123

هذا كالشرح لكلمة بذاته. ومن هنا ومن كونه لا يتعلق به أمر ولا نهي فهو لا يدخل في الأحكام التكليفية ويسمى الحكم التخييري، وهو ظاهر كلام الشيخ العثيمين حيث أنه عرف الحكم الشرعي اصطلاحا بقوله: (ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع) فالطلب الحكم التكليفي، والتخيير المباح والثالث الوضعي. قال الشنقيطي في المذكرة (ص/٨): (وحده - أي التكليف - في الاصطلاح قيل: إلزام ما فيه مشقة، وقيل طلب ما فيه مشقة (١)، فعلى الأول لا يدخل في حده الا الواجب والحرام إذ لا إلزام بغيرهما وعلى الثاني يدخل معهما المندوب والمكروه لأن الأربعة مطلوبة، وأما الجائز فلا يدخل في تعريف من تعاريف التكليف إذ لا طلب به أصلا، فعلا ولا تركا، وإنما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحة وتكميلا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع أما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أو التخير بينهما فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر فأن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب وإلا فيكون إيجابا والذي يرد باقتضاء الترك نهى فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة وإلا فحظر) كلامه واضح). يعني وتتمة القسمة فإن ورد بالتخيير فهو مباح. وقال الشيخ النملة في "إتحاف ذوي البصائر في شرح روضة الناظر" (٢/ ٥٣): (الإباحة ليست تكليفا ولا تدخل تحت الأحكام التكليفية، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح؛ لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة ... ). وذهب البعض إلى إدخال المباح في الأحكام التكليفية وذلك راجع إلى تعريف التكليف عندهم. قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٩): (التكليف .. معناه: ليس هو المُشِّق على الإنسان! لكن الذي يتعلق بفعل المكلفين، سواء كان مباحًا أو واجبًا أو محرمًا أو مكروهًا ...

стр. 124

فبعض العلماء يقولون: نعم (١). وأجاب عن هذا بجوابين (٢)، الجواب الأول: أن المراد بالتكليف التزام الشرع ولو كان الشيء مباحًا، وبعضهم أجاب قال: إن المباح فيه شيء من التكليف، وذلك باعتقاد إباحته، وفعله على سبيل الإباحة). والقول الأول الذي ذكره الشيخ هو نحو قول المجد، حيث قال في المسودة (ص/٣٢): (والتحقيق في ذلك عندي أن المباح من أقسام (أحكام) التكليف بمعنى أنه يختص بالمكلفين أي أن الإباحة والتخيير لا يكون الا لمن يصح إلزامه بالفعل أو الترك فأما الناسي والنائم والمجنون فلا إباحة في حقهم كما لا حظر ولا إيجاب فهذا معنى جعلها في أحكام التكليف لا بمعنى أن المباح مكلف به). وفيه بعد فالناظر في عبارته يجد أنه ربط بين الأحكام التكليفية الخمسة بالقدر المشترك بينهم وهو المكلف، وهذا خارج عن محل النزاع فإن الكلام إنما هو بالنظر إلى ذات الفعل لا إلى الفاعل. وأما ما نقله الشيخ عن البعض من قولهم: (أن المراد بالتكليف التزام الشرع ولو كان الشيء مباحًا) فلم أقف على قائله مع ما فيه من نظر، فمعنى الالتزام ينافي التخيير الذي في المباح، وقد سبق ذكر أن من معاني الواجب اللزوم، ولذا تجد ابن عقيل عندما عرف الواجب قال: (إلزام الشرع)، وقد سبق الكلام عليه. وقد يكون المراد بالتزام الشرع الثبوت والدوام على أحكامه، بمعنى أنه يسير على نهجه، ولما كان المباح حكما شرعيا فيدخل في تعريف التكليف الذي ذكره الشيخ بأنه: التزام الشرع. ولا يخلو هذا أيضا فيه نظر؛ إذ أن الالتزام يكون لما فيه طلب بالفعل أو الترك، والمباح ليس فيه واحد منهما. وأما القول الثالث الذي نقله الشيخ عن البعض من أن المباح فيه شيء من التكليف، وذلك باعتقاد إباحته، وفعله على سبيل الإباحة) فهو ضعيف قال الشيخ في "الأصل" (ص/١٠) وهو يعرف الحكم الشرعي بقوله (المتعلق بأفعال المكلفين): (فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح).

стр. 125

قال ابن قدامة في " الروضة" (ص / ٤١): (فإن قيل فهل الإباحة تكليف قلنا من قال التكليف الأمر والنهي فليست الإباحة كذلك ومن قال التكليف ما كلف اعتقاد كونه من الشرع فهذا كذلك وهذا ضعيف إذ يلزم عليه جميع الأحكام). ومعنى جواب ابن قدامة أن من فسر التكليف بأنه ما كلف اعتقاده فإن تعريفه يكون منقوضا بدخول حتى الأحكام الوضعية فيه فالسبب نكلف بأن نعتقد كونه سببًا، وكذا المانع والشرط، وغيرهم. والأليق بتعريف التكليف وبحسب القواعد أن المباح لا يدخل في الأحكام التكليفية، وإنما هو قسم خاص يسمي بالأحكام التخييرية، إلا أن الأمر فيه تساهل، ولا يترتب عليه كبير فائدة من جهة تخطئة هذا القائل، أو ذاك، والخطب يسير ولا مشاحة في الاصطلاح. قال الآمدي في "إحكامه" (١/ ١٧٠): (اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف، واتفاق جمهور من العلماء على النفي خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، والحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، فإن النافي يقول إن التكليف إنما يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقة، ومنه قولهم كلفتك عظيما أي حملتك ما فيه كلفة ومشقة، ولا طلب في المباح ولا كلفة لكونه مخيرا بين الفعل والترك، ومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحا، والوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محزّ واحد). أسماء المباح: قال الشيخ: (ويسمى: حلالاً، وجائزاً). قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (١/ ٤٢٧): ((ويطلق) مباح (وحلال على غير الحرام) فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح، لكن المباح يطلق على الثلاثة، والحلال على الأربعة. فيقال للواجب والمندوب والمكروه: مباح. ويقال لهذه الثلاثة، وللمباح حلال، لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل).

стр. 126

وأما الجائز فخصه قوم بما عدا الحرام كالمشروع والحلال. ومن أسماءه أيضا: المأذون فيه، الطِلْق. الأحكام الوضعية سبب تسميته بالحكم الوضعي: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (١/ ٤١١): (ويسمى هذا النوع: خطاب الوضع والإخبار. أما معنى الوضع، فهو أن الشرع وضع، أي: شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع وانتفاء الأسباب والشروط. وأما معنى الإخبار، فهو أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه أو انتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة، فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة. وكذا الكلام في القصاص، والسرقة، والزنى، وكثير من الأحكام، بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، وعكس ذلك ... التكليف بالشريعة لما كان دائما إلى انقضاء الوجود بقيام الساعة، كما أجمع عليه المسلمون، وكان خطاب الشارع مما يتعذر على المكلفين سماعه ومعرفته في كل حال على تعاقب الأعصار وتعدد الأمم والقرون، لأن الشارع إما الله ، وخطابه لا يعرفه المكلفون إلا بواسطة الرسل ﵈ الملائكة إلى الأنبياء، أو الرسول ﷺ إلى الناس، وهو غير مخلد في الدنيا حتى يعرف خطاب الله تعالى وأحكامه في الحوادث بواسطته في كل وقت، بل هو بشر عاش بين الناس زمانا حتى عرفهم أحكام معاشهم ومعادهم، ثم صار إلى رحمة الله وكرامته، اقتضت حكمة الشرع نصب أشياء تكون أعلاما على حكمه ومعرفات له، فكان ذلك كالقاعدة الكلية في الشريعة، تحصيلا لدوام حكمها وأحكامها مدة بقاء المكلفين في دار

стр. 127

التكليف، وتلك الأشياء التي نصبت معرفات لحكم الشرع هي الأسباب والشروط والموانع ... ) (١). تعريف الأحكام الوضعية: قال الشيخ: (الأحكام الوضعية: ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت، أو انتفاء، أو نفوذ، أو إلغاء). قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٦٩): " ما وضعه الشارع من أمارات" أي علامات. قوله: (لثبوت، أو انتفاء، أو نفوذ، أو إلغاء) مثلا: كون الشهود رجلين، فهذا ثبوت، وإذا كان الشاهد قريبا للمشهود له، فهذا انتفاء، كذلك أيضا القرابة سبب للميراث يثبت به الإرث، واختلاف الدين ينتفي به الميراث. قوله: (أو نفوذ، أو إلغاء) البيع الصحيح يقول الشارع أنه نافذ، والبيع الفاسد يقول الشارع أنه ملغي). وأقرب التعاريف وأكثرها فائدة في فهم تعريف الشيخ ما ذكره الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٥٥) حيث عرفه بقوله: (خطاب الله تعالى بجعْلِ الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً). وعليه فمقصود الشيخ بـ "ثبوت": السبب، والشرط. وبـ "انتفاء": المانع، وبـ "النفوذ": الصحيح، وبـ "الإلغاء": الفاسد. أقسام خطاب الوضع هي ما يظهر به الحكم وهي العلل والأسباب، والثاني: الشروط والثالث: الموانع، والرابع: الصحة، والخامس: الفساد، وينجر الكلام إلى الرخصة، والعزيمة، والقضاء، والآداء، والإعادة، وفي بعضها خلاف في عده من الخطاب الوضعي. والشيخ لم يتكلم على أي من هذه الأقسام غير الصحة والفساد، ولكنه في شرح الأصول عرج قليلا على بعضها.

стр. 128

تنبيهات وفوائد: وقفات مع تعريف الشيخ: ١ - من نظر في تعريف الشيخ يجد أنه ما سار على طريقة الأصوليين في تعريف الحكم الوضعي فكان الأولى أن يقول: (خطاب الله ... ). ٢ - من دقق في التعريف المذكور يجد أنه غامض حيث لم يتبين من عبارة الشيخ أن هذه الأحكام الموضوعة من الشارع كعلامات لثبوت أو انتفاء أو نفوذ أو إلغاء ماذا؟! فمثلا إن قلنا أن هذه الأحكام الوضعية هي (ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت) وسكتُ ثم قلتَ لي: لثبوت ماذا؟ لكان سؤالك متجها، وجوابه لثبوت الحكم، وعليه فالأولى إضافته للتعريف فيقال: (ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت الحكم الشرعي، أو انتفاءه، أو نفوذه، أو إلغاءه). ٣ - ذكر الشيخ كلمة (ما وضع) في تعريفه للحكم الوضعي مما يلزم منه الدَّوْر. ٤ - وقد يتعقب البعض هذا التعريف بأنه معيب على كلام المناطقة إذ أنه يحتوي على أو التشكيكية. قال الأخضري في شرحه على السلم وهو يتكلم على شروط المعرفات: (ولا يجوز أيضاً دخول "أو" في الحقيقي). أي لا تدخل في الحد الحقيقي المحتوي على الفصل والجنس، وأما في الرسمي فجائز، مثالَه تقَوْل مَا الَإنسان؟ بالْحَدّ تقَوْل: حَيَوَان ناطق مَن غَيْر (أو) التشكيكية. وبالرسم تقَوْل: حَيَوَان ضاحك أو قابَل للتعلَم أو الْكِتَابَة أو ... الخ فهذا تعريف بالخاص (رسمي) وليس بالجنس والفصل (حقيقي). ويجاب بأن أو هنا للتنويع، وليس للتشكيك. قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (١/ ٢٥٣) عند تعريفه الحكم بقوله: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير: (ويورد المتعنتون على مثل قولنا: أو التخيير، أن «أو» للشك والترديد، والمراد من الحدود الكشف والتحقيق، وهما متنافيان. وأجيب عنه، بأن «أو» لها معان منها التنويع، نحو: الإنسان إما ذكر، أو أنثى، والعدد: إما زوج، أو فرد، أي: هو متنوع إلى هذين النوعين، وهذا المعنى هو المراد

стр. 129

هنا، أي: الحكم له نوعان: اقتضاء وتخيير، والتنويع، هو نفس الكشف والتحقيق، لا مناف له. وأجاب بعض الفضلاء عن مثل هذا، أنه حكم بالترديد، لا ترديد في الحكم، والشك، هو الثاني دون الأول، لأنه جزم لا شك. فإن قيل: إذا كان لـ «أو» معان، فهي مشتركة، والمشتركات لا تصلح في الحدود لإجمالها. قلنا: لا يلزم من الاشتراك الإجمال، لجواز تعيين المراد بقرينة أو غيرها، فيزول الإجمال، فيجوز). ٥ - الأولى في صياغة تعريف الشيخ أن نقول: (خطاب الله الدال على ثبوت الحكم، أو انتفاءه، أو نفوذه، أو إلغاءه)، وهذا التعريف غير جامع فلم تدخل فيه بعض أنواع الحكم الوضعي الأخرى: كالرخصة، والعزيمة، والقضاء، والآداء، والإعادة، وإن كان في بعضها خلاف في عدِّه من الخطاب الوضعي، وقد يجاب عن ذلك بأنه اقتصر على الأسباب والشروط والموانع لكونها كليات الحكم الوضعي المتفق عليها، وقد ذكر معها الصحة والفساد مع أنهما مختلف في كونها من الأحكام العقلية، أم التكليفية، أم الوضعية، فكان الأولى التنصيص على باقي الأفراد. والتعريف المشهور عند الحنابلة هو: (ما استفيد من نصب الشارع علَما معرفا لحكمه) (١) وللعلَم المنصوب أصناف منها: العلة، والسبب، والشرط وعكسه المانع، والصحة والفساد، ونحو ذلك مما يدخل في الخطاب الوضعي. وهذا التعريف كتعريف الشيخ يسير على طريقة الفقهاء فقد عرف الحكم الوضعي بأنه الأثر المستفاد من خطاب الشرع، والأولى في تعريفه على طريقة الأصوليين أن نقول: (خطاب الله المتعلق بما نصب عَلَمًا معرفًا لحكمه).

стр. 130

العلاقة بين الخطاب الوضعي والطلبي: قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (١/ ٤٣٩): (خطاب الوضع والطلب قد يجتمعان، وقد ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه، أما اجتماعهما فكالزنى هو من جهة كونه سببا للحد خطاب وضعي، ومن جهة كونه حراما خطاب طلبي، وكذا نظائره. وأما انفراد خطاب الوضع، فكزوال الشمس وسائر أوقات الصلوات أسباب لوجوبها، وطلوع الهلال سبب وجوب رمضان، وصلاة العيدين والشك والحيض مانع من الصلاة والصوم، والبلوغ شرط لوجوبها، وحؤول الحول شرط لوجوب الزكاة، فكل هذه متجردة عن خطاب الطلب، ليس هو فيها أنفسها، بل في غيرها، كالوجوب مثلا متعلق بالصلاة لا بالزوال، وبصوم رمضان لا بطلوع الهلال. وأما انفراد خطاب الطلب، فقال القرافي في "الفروق": هو كأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإن كان صاحب الشرع قد جعلها سببا لبراءة الذمة، وترتيب الثواب، ودرء العقاب، غير أن هذه ليست أفعالا للمكلف، ولا نعني بكون الشيء سببا إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل المكلف. وقال في "شرح التنقيح": لا يتصور انفراد خطاب التكليف، إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع. قلت وهذا أشبه بالصواب). الفرق بين الخطاب الوضعي والتكليفي من حيث الحكم: قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (١/ ٤١٦): (أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فهو أن خطاب اللفظ الذي يعبر عنه بخطاب التكليف، يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه، كالصلاة، والصيام، والحج، ونحوها على ما سبق في شروط التكليف. أما خطاب الوضع، فلا يشترط فيه شيء من ذلك إلا ما يستثنى بعد إن شاء الله. أما عدم اشتراط العلم، فكالنائم يتلف شيئا حال نومه، والرامي إلى صيد في ظلمة أو وراء حائل يقتل إنسانا، فإنهما يضمنان ما أتلفا، وإن لم يعلما، وكالمرأة تحل بعقد وليها عليها، وتحرم بطلاق زوجها، وإن كانت غائبة لا تعلم. وأما عدم اشتراط القدرة والكسب، فكالدابة تتلف شيئا، والصبي أو البالغ يقتل خطأ، فيضمن صاحب الدابة والعاقلة، وإن لم يكن الإتلاف والقتل مقدورا ولا مكتسبا لهم،

стр. 131

وطلاق المكره عند موقعه وهو غير مقدور له بمطلق الإكراه أو مع الإلجاء، كما سبق في موضعه. أما المستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة فهو قاعدتان: إحداهما: أسباب العقوبات، كالقصاص لا يجب على مخطئ في القتل لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على من أكره على الزنى لعدم القدرة على الامتناع، إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة والاختيار، والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، والجاهل والمكره قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها. القاعدة الثانية: الأسباب الناقلة للأملاك، كالبيع، والهبة، والصدقة، والوصية، ونحوها: يشترط فيها العلم والقدرة، فلو تلفظ ناقل للملك، وهو لا يعلم مقتضاه لكونه أعجميا بين العرب، أو عربيا بين العجم، أو طارئا على بلد الإسلام، أو أكره على ذلك، لم يلزمه مقتضاه، لقوله ﵇: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وقوله : (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩]، ولا يحصل الرضى إلا مع العلم والاختيار). الصحيح تعريف الصحيح لغة: قال الشيخ: (الصحيح لغة: السليم من المرض). قال ابن منظور في لسان العرب مادة (ص ح ح): الصُّحُّ والصِّحَّةُ والصَّحاحُ: خلافُ السُّقْمِ، وذهابُ المرض؛ وقد صَحَّ فلان من علته واسْتَصَحَّ). تعريف الصحيح اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما ترتبت آثار فعله عليه). قال في الشرح (ص/٧٠): (فكل شيء تترتب آثار فعله عليه فهو الصحيح، سواء

стр. 132

أكان عبادة، أو معاملة، أو عقدًا، فكل شيء تترتب آثاره عليه فهو الصحيح). وأكد ذلك الشيخ بقوله: (فالصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب. والصحيح من العقود: ما ترتب آثاره على وجوده، كترتب الملك على عقد البيع مثلاً). ثم أخذ يبين متى يكون الشيء صحيحا فقال: (ولا يكون الشيء صحيحاً إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه). ومثل لذلك في الأصل فقال (ص/٧٢): (مثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها تامة شروطها وأركانها وواجباتها. ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعًا تامًا شروطه المعروفة مع انتفاء موانعه. فإن فقد شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة. مثال فقد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة. ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع مالا يملك. ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي. ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاً بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح). والأثر المترتب على الفعل يختلف عند المتكلمين عنه عند الفقهاء، فهو عند المتكلمين: موافقة الشرع، وعند الفقهاء يفرقون بين العبادات، والمعاملات، ففي العبادة: إسقاط القضاء، وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه، كما سيأتي قريبًا - بإذن الله - بيان ذلك. ومقصود الشيخ بالآثار المقصودة من العبادة هي براءة الذمة وسقوط الطلب، فمن أدى الصلاة مستوفاة الشروط والأركان وخالية من الموانع فقد برئت بها الذمة وسقط بها الطلب. وأما المعاملة فتختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعا فهي دخول الثمن في ملك البائع والمبيع في ملك المشتري، وإن كانت إجارة فالمقصود منها تمكين المستأجر من العين المستأجرة لينتفع بها، وتمكين المؤجر من تملك الأجرة لينتفع بها، وهكذا.

стр. 133

تنبيهات: التنبيه الأول - تعريف الصحيح عند الفقهاء وعند المتكلمين: لم يذكر الشيخ التفرقة بين تعريف الصحيح عند الفقهاء والمتكلمين وكل من وقفت عليه ممن تكلم عن تعريف الصحيح ذكر هذا الفرق (١). قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/٥٨): (فالصحيح من العبادات - أي عند الفقهاء - ما أجزأ وأسقط القضاء والمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر وإن وجب القضاء كصلاة من ظن أنه متطهر، وأما العقود فكل ما كان سببا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح وإلا فهو باطل فالباطل هو الذي لم يثمر والصحيح الذي أثمر). قال ابن بدران في "نزهة الخاطر العاطر" (١/ ١١١): (ثمرة الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين تظهر في صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين له خلاف ظنه فعلى اصطلاح المتكلمين صلاته صحيحه؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء؛ لأنها غير مجزئة ... ). التنبيه الثاني - هل يشمل تعريف الشيخ للصحة المعاملات والعبادات . بداية تعريف الشيخ إنما هو على طريقة الفقهاء لا المتكلمين، وهو تعريف للصحة عندهم في المعاملات دون العبادات، وقد اختار البعض صحة شمول التعريف لكلاهما. قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٢٥٣): (الصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل- وفي المعاملات: ترتب ثمرة العقد عليه (٢) - عند الفقهاء، وعند المتكلمين: موافقة الأمر، فإِذا وجدت حكم العقل بصحتها بالتفسيرين). قال الآمدي في " الإحكام " (١/ ١٧٥): (أما في العبادات فعند المتكلم الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع وجب القضاء أو لم يجب، وعند الفقهاء الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل فمن صلى وهو يظن أنه متطهر وتبين أنه لم يكن متطهرا

стр. 134

فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة للقضاء، وأما في عقود المعاملات فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه، ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج). وقد نقل الطوفي هذا التوجيه الأخير، وعلله بقوله في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٤٤٥): (قال الآمدي: ولا بأس بتفسير الصحة في العبادات بهذا. قلت: لأن مقصود العبادة إقامة رسم التعبد وبراءة ذمة العبد منها، فإذا أفادت ذلك كان هو معنى قولنا: إنها كافية في سقوط القضاء، فتكون صحيحة). قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٠٨٦): (قوله: ﴿ويجمعهما: ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه﴾. أكثر الأصوليين يفرد كل واحد من الصحة في العبادات، والصحة في المعاملات بحد، لأن جمع الحقائق المختلفة في حد واحد لا يمكن. صرح به ابن الحاجب في تقسيم الاستثناء إلى منقطع ومتصل، لكن ذلك مخصوص بما إذا أريد تمييز الحقيقة عن الأخرى بالذاتيات، وأما غيره فيجوز، فلذلك جمعنا بينهما في تعريف واحد، لصدقه عليهما، تبعا للكوراني ... قال - أي الكوراني -: (لو قيل: الصحة مطلقا: عبارة عن ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه، ليشمل العبادات من غير تطويل، لكان أولى. غايته: أن ذلك الأثر عند المتكلمين: موافقة الشرع، وعند الفقهاء إسقاط القضاء. وعلى هذا يكون الخلاف راجعا إلى تعيين الأثر المطلوب، لا إلى تفسير الصحة) انتهى. وقد قال القطب الشيرازي: (لو قيل: المعاملات ترتب ثمرة المطلوب منه عليه شرعا، اطرد. ولو قيل: العبادة صحيحة بهذا التفسير، فلا حرج) انتهى.) (١). وعليه فالتعريف المختار للصحة هو ما اختاره الشيخ مع حذف القيد الأخير لما فيه من التطويل، ويغني عن ذكره ما في التعريف من عموم: (ما ترتبت آثار فعله عليه).

стр. 135

التنبيه الثالث: التفريق بين الأثر المترتب على آداء الواجب، والمستحب: قال الشيخ العثيمين في "الشرح" (ص/٧١): (العبادات منها "واجب " ففعله يقال فيه: أبرأ الذمة، ومنها "مستحب " ففعله يقال فيه: سقط به الطلب، ولا يمنع أيضا أن نقول حتى في الواجب: إنه سقط به الطلب، فالإنسان إذا صلى الظهر برئت ذمته ولم يطالب بالصلاة مرة ثانية. س: فإذا صلى راتبة الظهر، فهل نقول: برئت ذمته؟ ج: لا؛ لأنها غير مشغولة أصلاً، ولكن نقول: سقط الطلب عنه. بهذه الصلاة؛ لأنه أداها كما أمر). وقد تعقب الشيخ عطاء قول الشيخ العثيمين: (الصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب) فقال ما محصله: (هذه العبارة فيها حشو، وهو قوله: (برئت به الذمة)؛ لأن قوله (سقط به الطلب) يغني عن قوله (برئت به الذمة)، ولا يغني قوله (برئت به الذمة) عن (سقط به الطلب)؛ لأنه إذا كانت العبادة فريضة فلن تكون صحيحة إلا إذا كانت مستوفاة لشروطها وأركانها وواجباتها، وانتفت موانعها فتبرأ بها ذمته ويسقط الطلب عنه، فإذا قلنا سقط الطلب فيكون هذا تعبيرا صحيحا؛ لأن العبادة لما صحت سقط بها الطلب، فسقوط الطلب يلزم منه أن تبرأ ذمته بها. وأما النافلة فلم تشغل ذمته بها أصلا، ولكن إذا صحت النافلة سقط الطلب فلا يستحب له أن يعيدها. فقوله: سقط الطلب يشمل الفريضة والنافلة، وأما قوله برئت به الذمة، فهذا يشمل الفرض دون النافلة. فالأشبه أن يقال: إذا صحت العبادة سقط بها الطلب سواء كانت فريضة، أو نافلة (١)).

стр. 136

من دقق في هذا القيد (برئت به الذمة) يجد أن الشيخ العثيمين زاده للدلالة على لزومه في الواجب. وحذفه الشيخ عطاء للاستغناء عنه بسقوط الطلب، ولو تأملت قول الشيخ عطاء (فسقوط الطلب يلزم منه أن تبرأ ذمته بها) لتعقبته في تعريفه للصحيح من العبادة بطرد هذه الملازمة في المستحب. ولما كان كل من الشيخين قد اتفق على أن الذمة غير مشغولة بالمستحب أصلا، فالذي أراه أن الخلاف بينهما لفظي، وحذف هذا القيد أولى حتى لا يظن من عموم كلام الشيخ العثيمين أن الذمة مشغولة بالمستحب. فائدة - الفرق بين الصحة والقبول: ذكر ابن النجار في شرح الكوكب (١/ ٤٦٩) الأقوال في ذلك ثم قال: (قال ابن العراقي - وهو ولي الدين أبو زرعة ابن الحافظ العراقي الشافعي -: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصية، - كحديث شارب الخمر ونحوه-؛ انتفى، القبول. أي الثواب، لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصية. كحديث: "لا صلاة إلا بطهور" ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط. انتهى) (١). وهو الراجح عندي من الأقوال في المسألة. الشرط والسبب والمانع: أشار الشيخ في الأصل إلى السبب والشرط والمانع، وفي الشرح توسع بعض الشيء في الكلام عليهم. الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء).فمثلا الوضوء

стр. 137

شرط لصحة الصلاة عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره. وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهية الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها. والسبب عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته). ومثاله السفر لإباحة الفطر والإسكار لتحريم الخمر والصغر للحجر والولاية عليه، وكالهلال لصيام رمضان والزوال لوجوب الظهر. والقيد الأخير احترازا مما لو قارن السبب فقدان الشرط، أو وجود المانع كالنصاب قبل تمام الحول، أو مع وجود الدين. فإنه لا" يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط ووجود المانع. والمانع: عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم) ويضاف قيد لذاته احترازا من عدم وجود السبب. والمنع ينقسم لمانع دوام كالطلاق للنكاح، ومانع ابتداء كالإحرام للنكاح، ومانع دوام وابتداء كالرضاعة للنكاح. الفاسد تعريف الفاسد لغة: قال الشيخ: (الذاهب ضياعاً وخسراً). الفساد نقيض الصلاح (١)، قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٧٩): (كل شيء لا يستفاد منه فإنه يسمى في اللغة فاسدا، لو تغير طعم التمر قيل: هذا تمر فاسد؛ لأنه ضاع وخسره الإنسان). تعريف الفاسد اصطلاحاً: قال الشيخ: (ما لا تترتب آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً).

стр. 138

ومن فهم الصحيح ظهر له وجه هذا التعريف وهو واضح فكل مالا يترتب عليه آثاره فهو فاسد سواء كان من العبادات كمن صلى بغير وضوء، أو في المعاملات كمن باع ما لا يملك ونحو ذلك. وقد سبق ذكر وجه حذف القيد الأخير فيكون تعريف الفاسد: (ما لا تترتب آثار فعله عليه). التفريق بين الأثر المترتب على فساد الواجب، والمستحب: قال الشيخ: (فالفاسد من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب كالصلاة قبل وقتها. والفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول). قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٨٠) ما ملخصه: ((الفاسد من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة) وهذا خاص بالواجبات. وقوله: (ولا يسقط به الطلب) وهذا بالنسبة للمستحبات. لأن الواجب إذا برئت به الذمة سقط به الطلب. وهل الذمة مشغولة بالمستحب حتى نقول تبرأ به الذمة؟ ج: لا لكن الإنسان مطالب به، فإذا فعله على وجه صحيح سقط الطلب ... ). وقد سبق مناقشة زيادة قيد: (ما لا تبرأ به الذمة)، وقول الشيخ عطاء أنه يغني عنها: (ما لا يسقط به الطلب). فالأشبه أن يقال: إذا فسدت العبادة لا يسقط بها الطلب سواء كانت فريضة، أو نافلة. وقال: (وقوله: (الفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول) فبيع المجهول لا يصح لحديث أبي هريرة: (نهى عن بيع الغرر). ومعنى عدم ترتب الآثار عليه (بيع المجهول مثلا) عدم انتقال الملك إلى المشتري، ولا يباح له انتفاعه بالمبيع، ولا يتصرف فيه، ولا يتملك البائع الثمن وهكذا. كل فاسد محرم . قال الشيخ: (وكل فاسد من العبادات والعقود والشروط فإنه محرم).

стр. 139

وهنا قاعدة هامة أن كل فاسد محرم؛ لأن الفساد إنما جاء من نهي الشارع عن هذا الفعل، فطالما أنه فاسد فلابد وأن يكون منهيا عنه ومحرما. والكلام ينسحب على الفرق بين الفاسد والباطل . الفاسد والباطل. قال الشيخ: (والفاسد والباطل بمعنى واحد إلا في موضعين: الأول: في الإحرام فرقوا بينهما بأن الفاسد ما وطئ فيه المحرم قبل التحلل الأول، والباطل ما ارتد فيه عن الإسلام. الثاني: في النكاح فرقوا بينهما بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي، والباطل ما أجمعوا على بطلانه كنكاح المعتدة). تمهيد: قال العلائي في "تحقيق المراد" (ص / ٧٢): (والجمهور في عدم التفرقة بين الباطل والفاسد وأنهما مترادفان يطلق كل منهما في مقابلة الصحيح. وأما الحنفية فإنهم فرقوا بينهما وخصصوا اسم الباطل بما لا ينعقد بأصله كبيع الخمر والحر، والفاسد بما ينعقد عندهم بأصله دون وصفه كعقد الربا فإنه مشروع من حيث انه بيع وممنوع من حيث انه عقد ربا فالبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض. وحاصل هذا أن قاعدتهم انه لا يلزم من كون الشيء ممنوعا بوصفه أن يكون ممنوعا بأصله فجعلوا ذلك منزلة متوسطة بين الصحيح والباطل وقالوا الصحيح هو المشروع بأصله ووصفه وهو العقد المستجمع لكل شرائطه والباطل هو الممنوع بهما جميعا والفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه ومذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما أن كل ممنوع بوصفه فإنه ممنوع بأصله). بيان مذهب الحنابلة: قال المرداوي في التحبير (٣/ ١١١٠) بعد أن ذكر مذهب الأحناف بالتفريق بين الفاسد والباطل: (وفائدة التفصيل عندهم: أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض، دون الباطل، والله أعلم. والأصح - دليلا -: أن البطلان يرادف الفساد، وهما

стр. 140

يقابلان الصحة، كما هو مذهبنا ومذهب الشافعي ... قوله: ﴿مع تفريقهما في الفقه بينهما في مسائل﴾ كثيرة. قد فرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الفاسد والباطل في مسائل كثيرة. قال بعض أصحابنا: (قد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل، ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة. والذي يظهر - والله أعلم - أن ذلك ليس بمخالف للقاعدة. وبيانه: أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان، في مقابلة قول أبي حنيفة، حيث قال: ما لم يشرع بالكلية هو الباطل، وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد، فعندنا كل ما كان منهيا إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل، ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصور بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بينهما في مسائل لدليل) انتهى (١). قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، إذا كانت مختلفا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعا عليها، أو الخلاف فيها شاذ. ثم وجدت بعض أصحابنا قال: (الفاسد من النكاح: ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل: ما كان مجمعا على بطلانه. وعبر طائفة من أصحابنا بالباطل عن النكاح الذي يسوغ فيه الاجتهاد أيضا). إذا علم ذلك؛ فقد ذكر أصحابنا مسائل الفاسد غير مسائل الباطل في أبواب منها: باب الكتابة، والنكاح، والحج، وغيرها، وقد ذكر القاضي علاء الدين في قواعده لذلك قاعدة وذكر مسائل كثيرة فليعاودها من أرادها). كلام ابن رجب في المسألة: قال ابن رجب في القواعد (ص/١٢) ما ملخصه: ((القاعدة التاسعة): في العبادات الواقعة على وجه محرم , إن كان التحريم عائدا إلى ذات العبادة على وجه يختص بها لم يصح , وإن كان عائدا إلى شرطها فإن كان على وجه يختص بها فكذلك أيضا , وإن كان - أي الشرط - لا يختص بها ففي الصحة روايتان أشهرهما

стр. 141

عدمها (١) , وإن عاد إلى ما ليس بشرط فيها ففي الصحة وجهان واختار أبو بكر عدم الصحة وخالفه الأكثرون (٢) فللأول أمثلة كثيرة: (منها) صوم يوم العيد فلا يصح

стр. 142

بحال على المذهب ... وللثاني أمثلة كثيرة: (منها) الصلاة بالنجاسة وبغير سترة وأشباه ذلك وللثالث أمثلة كثيرة: (منها) الوضوء بالماء المغصوب (ومنها) الصلاة في الثوب المغصوب والحرير وفي الصحة روايتان ... ومنها الصلاة في البقعة المغصوبة وفيها الخلاف ... وللرابع أمثلة منها الوضوء من الإناء المحرم ومنها صلاة من عليه عمامة غصب أو حرير أو في يده خاتم ذهب وفي ذلك كله وجهان ... ). بيان أن الخلاف لفظي بين الأحناف والجمهور: من دقق النظر فيما سبق تبين له أن الخلاف الواقع بين الحنفية والجمهور هو خلاف لفظي، فالحنابلة وإن لم يفرقوا بين الفاسد والباطل من ناحية الأصول فقد فرقوا بينهما في الفروع لدليل اقتضى ذلك. قال الشيخ النملة في شرح الروضة "إتحاف ذوي البصائر " (٢/ ٢٤٦): (هل الخلاف بين الحنفية والجمهور لفظي أو معنوي؟ أقول - في الجواب عن ذلك أن الجمهور قالوا: لا فرق بين الباطل والفاسد فهما اسمان لمسمى واحد، وأما الحنفية فقد فرقوا بينهما، والخلاف بينهما خلاف لفظي. قال المحلى في "شرح جمع الجوامع ": وفات المصنف - يعني ابن السبكي - أن يقول: والخلاف لفظي كما قال في الفرض والواجب إذ حاصله أن مخالفة ذي الوجهين للشرع بالنهي عنه لأصله كما تسمى بطلانا هل تسمى فسادا؟ أو لوصفه كما تسمى فسادا هل تسمى بطلانا؟ فعندهم لا، وعندنا نعم ". وقال الزنجاني في "تخريج الفروع على الأصول": "واعلم أن هذا أصل عظيم فيه اختلاف الفئتين وطال فيه نظر الفريقين، وهو على التحقيق نزاع لفظي، ومراء جدلي". بيان ذلك أن الحنفية وإن فرقوا بين الباطل والفاسد في بعض المسائل حيث أثبتوا للفاسد وجودا معترفا به عندهم، ورتبوا عليه بعض الأحكام الشرعية في حالة تنفيذ العقد والقبض، إلا أن وجوده هذا وجود ناقص في الحقيقة، ولذلك فلا حكم له قبل

стр. 143

القبض: أي أنه لم يرتب عليه بذاته أثره الشرعي، وإنما ترتبت عليه بعض الآثار نظرا لتنفيذ العقد فكان التنفيذ محل رعاية عندهم؛ لوجود الشبهة القائمة بسبب العقد، ولما قد يترتب في حق الغير بعد التنفيذ فكان الاعتراف ببعض هذه الآثار مراعاة لذلك الحق مع وجود الحرمة والإثم في جميع صوره. كما أن الجمهور قد يفرقون بين الفاسد والباطل أحيانا ويخرجون عما قرروه من قاعدة الترادف بينهما إذا قام لهم دليل على ذلك من الفروع. قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية": " ... إذا تقرر هذا فقد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل " إلى أن قال: " والذي يظهر أن ذلك ليس مخالفا لقاعدة الترادف وإنما وقع التفريق في مسائل لدليل"، وقال مثل ذلك الإسنوي في "نهاية السول"، والزركشي في "البحر المحيط". بذلك تبين أن الفرق بين الفاسد والباطل قد عمل به الجمهور والحنفية في مسائل لدليل. فالحنفية لم يفرقوا بين الفاسد والباطل إلا لما قام عندهم من الدليل الذي فهموا منه هذه التفرقة، وجعلهم يعتدون بالفاسد في بعض عقود المعاملات. فيمكن أن يعتبر اعتدادهم بالفاسد - خلافا للجمهور - في كثير من المسائل خلافا فقهيا لا أصوليا، وهذا لم ينشأ عن التسمية، وإنما نشأ عن دليل خاص لدى المجتهد، فنتج من ذلك أن الخلاف لفظي بين الجميع). العلم تعريف العلم: قال الشيخ: (العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً). الإدراك في التعريف جنس يشمل كل مدرك سواء كان على سبيل الجزم، أو الشك، أو التوهم، وسواء كان مطابقا لما في نفس الأمر، أم لا. معنى الإدراك: قال الشيخ الميداني في "ضوابط المعرفة" (ص/٢٢): (الإدراك هو حصول صورة ما لأي شيء في الذهن سواء أبلغ مبلغ التحقق والجزم، أو لم يبلغ ذلك، وسواء أكان

стр. 144

مطابقا للواقع والحقيقة أو غير مطابق لذلك). وقد وضح الشيخ أن كلمة الشيء عام أريد به الخصوص يعني ما يصلح لأن يدرك فلا يدخل فيها حقيقة صفات الله ولا حقيقة ذاته وأهل السنة تفوض في الكيف دون المعنى فتثبت لله صفات لها كيف ومعنى ولكنها لا تعرف حقيقة هذا الكيف. ومعنى التعريف أن العلم هو أن ندرك ونحيط بالشيء على حقيقته يعني إدراكا مطابقا له جازما يعني بلا شك. فخرج بقوله (إدراك الشيء) عدم إدراكه بالكلية ويسمى الجهل البسيط كمن تسأله متى غزوة بدر فيقول: لا أدري. وخرج بقوله (على ما هو عليه) إدراكه على وجه مخالف لما هو عليه ويسمى الجهل المركب كمن تسأله متى غزوة بدر فيقول في السنة الثالثة للهجرة فهذا جهل مركب لأن صاحبه جاهل وجاهل أنه جاهل. وخرج بقوله: (إدراكاً جازماً) إدراك الشيء إدراكاً غير جازم بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه فلا يسمى ذلك علماً. ثم أن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وهم، وإن تساوى الأمران فهو شك. وبهذا تبين أن تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: ١ - علم وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. ٢ - جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية. ٣ - جهل مركب وهو: إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه. ٤ - ظن وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. ٥ - وهم وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. ٦ - شك وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو. تنبيهات وفوائد: مطابقا: قال الشيخ في "الشرح" (ص/٩٠): (بعضهم قال: "جازمًا مطابقًا"، ونحن نقول: لا حاجة لـ: "مطابقًا" ما دمنا قلنا: "على ما هو عليه "؛ لأنه يكشف عن كلمة "مطابقًا"-

стр. 145

يعني لو حذف وقال: "إدراك الشيء إدراكًا مطابقًا" لصح التعريف ولما كان فيه زيادة). الحد لا يشمل العلم بالمعدوم: اعترض على الحد بأنه غير جامع لعدم شموله للعلم بالمعدوم فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن المعدوم ليس بشيء خلافا للمعتزلة - كما سبق بيانه -، وكونه ليس بشيء فلا يدخل في الحد المذكور. قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢١٩): (الشيء لا يكون إلا للموجود، فخرج غيره - أي المعدوم -، فليس بجامع) (١). قال الباجي في الحدود (ص/٢٤) بعد أن عرف العلم بأنه (معرفة المعلوم على ما هو به): (وإنما قلنا المعلوم ليدخل تحته المعلوم المعدوم، والموجود، ولا يصح أن يقال إنه "معرفة الشيء على ما هو به" على قولنا أن المعدوم ليس بشيء؛ لأن ذلك كان يخرج المعلوم المعدوم عما حددناه، ويوجب ذلك بطلان الحد لقولنا وقول أكثر الأئمة أن المعدوم يصح أن يعلم. بل نعلم ذلك من أنفسنا ضرورة إن علومنا تتعلق بما عُدم من غزوة بدر وأحد، وظهور النبي ﷺ وكثير من الصحابة ﵃ ممن وقع لنا العلم به من جهة الخبر المتواتر ... ). وإنما يعترض على تعريف الباجي بأمور ذكرها المرداوي في "التحبير" (١/ ٢١٩): معترضا بها على من عرف العلم بأنه (معرفة المعلوم) فقال: (الثاني قاله القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، والقاضي أبو يعلى، وأبو الفرج في مقدمة ' الإيضاح '، وأبو الخطاب، وأبو المعالي في ' الورقات '، وغيرهم هو: (معرفة المعلوم). ورد بوجهين: أحدهما: بكون المعرفة مرادفة للعلم، وتعريف الشيء بمرادفه لا يصح. والثاني: أن لفظ معلوم مشتق من العلم، ولا بد من معرفته، فيحتاج في معرفة العلم إلى معرفة العلم، وهو دور. ولكن المعلوم يشمل الموجود وغيره، فكان أجمع من التعريف الذي قبله. قال في ' نهاية المبتدئين ': (فيه دور يمتنع، وتعريف بالأخفى، وعلم الله لا يسمى معرفة فلا يعمه)).
следующие страницы →