стр. 141
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 2554
الشرح الكبير لمختصر الأصول
أبو المنذر المنياوي
Полный текст (642 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
بحال على المذهب ... وللثاني أمثلة كثيرة: (منها) الصلاة بالنجاسة وبغير سترة وأشباه ذلك وللثالث أمثلة كثيرة: (منها) الوضوء بالماء المغصوب (ومنها) الصلاة في الثوب المغصوب والحرير وفي الصحة روايتان ... ومنها الصلاة في البقعة المغصوبة وفيها الخلاف ... وللرابع أمثلة منها الوضوء من الإناء المحرم ومنها صلاة من عليه عمامة غصب أو حرير أو في يده خاتم ذهب وفي ذلك كله وجهان ... ).
بيان أن الخلاف لفظي بين الأحناف والجمهور:
من دقق النظر فيما سبق تبين له أن الخلاف الواقع بين الحنفية والجمهور هو خلاف لفظي، فالحنابلة وإن لم يفرقوا بين الفاسد والباطل من ناحية الأصول فقد
فرقوا بينهما في الفروع لدليل اقتضى ذلك.
قال الشيخ النملة في شرح الروضة "إتحاف ذوي البصائر " (٢/ ٢٤٦): (هل الخلاف بين الحنفية والجمهور لفظي أو معنوي؟
أقول - في الجواب عن ذلك أن الجمهور قالوا: لا فرق بين الباطل والفاسد فهما اسمان لمسمى واحد، وأما الحنفية فقد فرقوا بينهما، والخلاف بينهما خلاف لفظي.
قال المحلى في "شرح جمع الجوامع ": وفات المصنف - يعني ابن السبكي - أن يقول: والخلاف لفظي كما قال في الفرض والواجب إذ حاصله أن مخالفة ذي الوجهين للشرع بالنهي عنه لأصله كما تسمى بطلانا هل تسمى فسادا؟ أو لوصفه كما تسمى فسادا هل تسمى بطلانا؟ فعندهم لا، وعندنا نعم ".
وقال الزنجاني في "تخريج الفروع على الأصول": "واعلم أن هذا أصل عظيم فيه اختلاف الفئتين وطال فيه نظر الفريقين، وهو على التحقيق نزاع لفظي، ومراء جدلي".
بيان ذلك أن الحنفية وإن فرقوا بين الباطل والفاسد في بعض المسائل حيث أثبتوا للفاسد وجودا معترفا به عندهم، ورتبوا عليه بعض الأحكام الشرعية في حالة تنفيذ العقد والقبض، إلا أن وجوده هذا وجود ناقص في الحقيقة، ولذلك فلا حكم له قبل
стр. 143
القبض: أي أنه لم يرتب عليه بذاته أثره الشرعي، وإنما ترتبت عليه بعض الآثار نظرا لتنفيذ العقد فكان التنفيذ محل رعاية عندهم؛ لوجود الشبهة القائمة بسبب العقد، ولما قد يترتب في حق الغير بعد التنفيذ فكان الاعتراف ببعض هذه الآثار مراعاة لذلك الحق مع وجود الحرمة والإثم في جميع صوره.
كما أن الجمهور قد يفرقون بين الفاسد والباطل أحيانا ويخرجون عما قرروه من قاعدة الترادف بينهما إذا قام لهم دليل على ذلك من الفروع.
قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية": " ... إذا تقرر هذا فقد ذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل " إلى أن قال: " والذي يظهر أن ذلك ليس مخالفا لقاعدة الترادف وإنما وقع التفريق في مسائل لدليل"، وقال مثل ذلك الإسنوي في "نهاية السول"، والزركشي في "البحر المحيط".
بذلك تبين أن الفرق بين الفاسد والباطل قد عمل به الجمهور والحنفية في مسائل لدليل.
فالحنفية لم يفرقوا بين الفاسد والباطل إلا لما قام عندهم من الدليل الذي فهموا منه هذه التفرقة، وجعلهم يعتدون بالفاسد في بعض عقود المعاملات.
فيمكن أن يعتبر اعتدادهم بالفاسد - خلافا للجمهور - في كثير من المسائل خلافا فقهيا لا أصوليا، وهذا لم ينشأ عن التسمية، وإنما نشأ عن دليل خاص لدى المجتهد، فنتج من ذلك أن الخلاف لفظي بين الجميع).
العلم
تعريف العلم:
قال الشيخ: (العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً).
الإدراك في التعريف جنس يشمل كل مدرك سواء كان على سبيل الجزم، أو الشك، أو التوهم، وسواء كان مطابقا لما في نفس الأمر، أم لا.
معنى الإدراك:
قال الشيخ الميداني في "ضوابط المعرفة" (ص/٢٢): (الإدراك هو حصول صورة ما لأي شيء في الذهن سواء أبلغ مبلغ التحقق والجزم، أو لم يبلغ ذلك، وسواء أكان
стр. 144
مطابقا للواقع والحقيقة أو غير مطابق لذلك).
وقد وضح الشيخ أن كلمة الشيء عام أريد به الخصوص يعني ما يصلح لأن يدرك فلا يدخل فيها حقيقة صفات الله ولا حقيقة ذاته وأهل السنة تفوض في الكيف دون المعنى فتثبت لله صفات لها كيف ومعنى ولكنها لا تعرف حقيقة هذا الكيف.
ومعنى التعريف أن العلم هو أن ندرك ونحيط بالشيء على حقيقته يعني إدراكا مطابقا له جازما يعني بلا شك.
فخرج بقوله (إدراك الشيء) عدم إدراكه بالكلية ويسمى الجهل البسيط كمن تسأله متى غزوة بدر فيقول: لا أدري.
وخرج بقوله (على ما هو عليه) إدراكه على وجه مخالف لما هو عليه ويسمى الجهل المركب كمن تسأله متى غزوة بدر فيقول في السنة الثالثة للهجرة فهذا جهل مركب لأن صاحبه جاهل وجاهل أنه جاهل.
وخرج بقوله: (إدراكاً جازماً) إدراك الشيء إدراكاً غير جازم بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه فلا يسمى ذلك علماً.
ثم أن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وهم، وإن تساوى الأمران فهو شك.
وبهذا تبين أن تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي:
١ - علم وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
٢ - جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية.
٣ - جهل مركب وهو: إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه.
٤ - ظن وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح.
٥ - وهم وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح.
٦ - شك وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو.
تنبيهات وفوائد:
مطابقا:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٩٠): (بعضهم قال: "جازمًا مطابقًا"، ونحن نقول: لا حاجة لـ: "مطابقًا" ما دمنا قلنا: "على ما هو عليه "؛ لأنه يكشف عن كلمة "مطابقًا"-
стр. 145
يعني لو حذف وقال: "إدراك الشيء إدراكًا مطابقًا" لصح التعريف ولما كان فيه زيادة).
الحد لا يشمل العلم بالمعدوم:
اعترض على الحد بأنه غير جامع لعدم شموله للعلم بالمعدوم فمن المقرر عند أهل السنة والجماعة أن المعدوم ليس بشيء خلافا للمعتزلة - كما سبق بيانه -، وكونه ليس بشيء فلا يدخل في الحد المذكور.
قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢١٩): (الشيء لا يكون إلا للموجود، فخرج غيره - أي المعدوم -، فليس بجامع) (١).
قال الباجي في الحدود (ص/٢٤) بعد أن عرف العلم بأنه (معرفة المعلوم على ما هو به): (وإنما قلنا المعلوم ليدخل تحته المعلوم المعدوم، والموجود، ولا يصح أن يقال إنه "معرفة الشيء على ما هو به" على قولنا أن المعدوم ليس بشيء؛ لأن ذلك كان يخرج المعلوم المعدوم عما حددناه، ويوجب ذلك بطلان الحد لقولنا وقول أكثر الأئمة أن المعدوم يصح أن يعلم. بل نعلم ذلك من أنفسنا ضرورة إن علومنا تتعلق بما عُدم من غزوة بدر وأحد، وظهور النبي ﷺ وكثير من الصحابة ﵃ ممن وقع لنا العلم به من جهة الخبر المتواتر ... ).
وإنما يعترض على تعريف الباجي بأمور ذكرها المرداوي في "التحبير" (١/ ٢١٩): معترضا بها على من عرف العلم بأنه (معرفة المعلوم) فقال: (الثاني قاله القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، والقاضي أبو يعلى، وأبو الفرج في مقدمة ' الإيضاح '، وأبو الخطاب، وأبو المعالي في ' الورقات '، وغيرهم هو: (معرفة المعلوم).
ورد بوجهين: أحدهما: بكون المعرفة مرادفة للعلم، وتعريف الشيء بمرادفه لا يصح. والثاني: أن لفظ معلوم مشتق من العلم، ولا بد من معرفته، فيحتاج في معرفة العلم إلى معرفة العلم، وهو دور. ولكن المعلوم يشمل الموجود وغيره، فكان أجمع من التعريف الذي قبله. قال في ' نهاية المبتدئين ': (فيه دور يمتنع، وتعريف بالأخفى، وعلم الله لا يسمى معرفة فلا يعمه)).
стр. 146
وعليه فالأولى أن نستبدل كلمة الشيء بقولنا مثلا: المراد.
الحد يدخل فيه التقليد:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (١/ ١٧١): (والذي فهم من كلام فخر الدين في أثناء تقسيم ذكره: أن العلم هو الحكم الجازم المطابق لموجب.
فالحكم، هو إسناد الذهن أمرا إلى آخر بإيجاب أو سلب، كقولنا: العالم محدث أو ليس بقديم، والجازم: القاطع الذي لا تردد فيه، وبه يخرج الظن والشك والوهم، والمطابق: الموافق لما في نفس الأمر، وهو معنى قول غيره: والأمر في نفسه كذلك، وبه يخرج الجهل المركب، وهو الحكم الجازم غير المطابق، كقول القائل: زيد في الدار، وليس فيها، وقوله: لموجب، أي: لمدرك، استند الحكم إليه من عقل أو حس أو ما تركب منهما، وهو احتراز عن اعتقاد المقلد المطابق، فإنه حكم جازم مطابق وليس بعلم، لأنه ليس لموجب) (١).
وعليه فلابد من إضافة هذا القيد، وهو (لموجب).
هل يدخل ما يدرك بالحواس في التعريف ؟
تمهيد:
قال الشنقيطي في "آداب البحث والمناظرة" (ص/٨): (اعلم أن العلم الحادث ينقسم أربعة أقسام، لأنه إما علم تصور، وإما علم تصديق، وكل واحد منهما إما ضروري، وإما نظري، فالمجموع أربعة من ضرب اثنين في اثنين.
الأول: علم تصور ضروري.
الثاني: علم تصور نظري.
والثالث: علم تصديق ضروري.
والرابع: علم تصديق نظري.
واعلم أن علم التصور في الاصطلاح هو إدراك معنى المفرد من غير تعرض لإِثبات شيء له، ولا لنفيه عنه كإدراك معنى اللذة، والألم، ومعنى المرارة، ومعنى الحلاوة، وإدراك معنى الإِنسان، ومعنى الكاتب، فإدراك كل مفرد مما ذكرنا ونحوه
стр. 147
أي فهم المعنى المراد به ذلك المفرد من غير تعرض لإثبات شيء، وأما علم التصديق فهو إثبات أمر لأمر بالفعل، أو نفيه عنه بالفعل، وتقريبه للذهن. فلو قلت مثلاً، الكاتب إنسان، فإدراكك معنى الكاتب فقط علم تصور وإدراكك معنى الإِنسان فقط علم تصور، وإدراكك كون الإِنسان كاتباً بالفعل، أو ليس كاتباً بالفعل، هو المسمى بالتصديق. وإنما سمي تصديقاً لأنه خبر، والخبر بالنظر إلى مجرد ذاته يحتمل التصديق والتكذيب
فسموه تصديقاً، تسمية بأشرف الاحتمالين).
وقد اختلف العلماء في المقصود بالعلم هل هو المعنى الأعم المنقسم إلى التصور والتصديق، أو العلم بالمعنى الأخص الذي هو قسم من أقسام التصديق (١)، فمن قال بالأول أدخل فيه المحسوس، ومن قال بالثاني لم يدخله في الحد.
قال المرداوي في "التحبير" (١/ ٢٢٣): (ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يدخل إدراك الحواس فيما لا يحتمل النقيض؟ وهل هو من العلم أم لا؟ والصحيح عدم الدخول، فلذلك قلنا: ﴿فلا يدخل إدراك الحواس خلافاً للأشعري وجمع﴾ ... قال ابن قاضي الجبل: (عند الأشعري أن إدراك الحواس نوع من العلم)، قال: (وفيه نظر لجواز غلط الحس). قال الأصفهاني بعد كلام الأشعري: (ولقائل أن يقول: هذا الحد إما أن يكون للعلم بالمعنى الأخص الذي هو قسم من التصديق، أو يكون للعلم بالمعنى الأعم، المنقسم إلى التصور والتصديق، فإن كان للثاني فقيد: (لا يحتمل النقيض) غير صحيح؛ لأن الظنون والاعتقادات علم بهذا المعنى وهما يحتملان النقيض، وأيضاً التصورات الساذجة - وهو حصول صورة الشيء من غير كون اعتباره مطابقاً أو غير مطابق - علم بهذا المعنى، ولم يعتبر عدم احتمال النقيض فيه. وإن كان الأول؛ فلا نسلم اندراج إدراك الحواس تحت الحد؛ لأن إدراك الحسي من قبيل التصورات) انتهى. وقال القطب الشيرازي في ' شرح المختصر ': (في دخوله نظر؛ لأنا لا نسلم أن إدراك الحواس مما يوجب تمييزاً لا يحتمل النقيض؛ لأن الحس قد يدرك الشيء لا على ما هو عليه، كالمستدير مستوياً،
стр. 148
والمتحرك ساكناً، ونحوهما) انتهى).
ولنصطلح أننا نعرف العلم بالمعنى الأخص الذي هو قسم من أقسام التصديق وليس المقصود بالحد هنا العلم بالمعنى الأعم المنقسم إلى التصور والتصديق.
قال المرداوي في " التحبير" (١/ ٢٢٨): (اعلم أن للعلم إطلاقات لغة وعرفاً. أحدها: اليقيني، وهو الذي لا يحتمل النقيض، وهو المراد بالحد الأول، وهو الأصل. الثاني: مجرد الإدراك، سواء كان جازماً، أو مع احتمال راجح، أو مرجوح، أو مساو، مجازاً، ومن هذا القبيل: قوله تعالى: (ما علمنا عليه من سوء) [يوسف: ٥١]، إذ المراد: نفي كل إدراك .... ) وقد سبق ذكر كلامه بتمامه.
والراجح عندي دخول المدرك بالحواس في العلم إذا كان جازما مطابقا للمدرك، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل /٧٨) قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٧٥): (قال المفسرون ومقصود الآية أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم جهالا بالأشياء وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم) , سوى الله تعالى بين السمع والبصر والفؤاد في كونها أدوات للعلم، ومن المعلوم أن الحواس قد تردك الشيء إدراكا جازما مطابقا.
قال الباجي في الحدود (ص/٢٦): (والعلم الضروري يقع من ستة أوجه: الحواس الخمس ... وقد يقع بالخبر المتواتر، ويقع العلم الضروري ابتداءً من غير إدراك حاسة من الحواس كعلم الإنسان بصحته وسقمه وفرحه وحزنه وغير ذلك من أحواله، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان وغير ذلك من المعاني ... ).
وعليه فإطلاق القول بعدم دخول ما تدركه الحواس في حد العلم فيه نظر لا يخفى، وعليه فالصواب دخولها إلا فيما تبين أن إدراكها له غير جازم أو غير مطابق. والله أعلم.
التعريف المختار:
مما سبق يتبين أن تعريف المختار للعلم هو التعريف الذي ذكره الإمام الرازي
стр. 149
ونقله عنه الطوفي حيث عرفه بأنه (١) (حكم الذهن بأمر على أمر حكما جازما مطابقا لموجب).
أقسام العلم:
قال الشيخ: (ينقسم العلم إلى قسمين ضروري ونظري:
١ - فالضروري: ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريّاً بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال.
٢ - والنظري: ما يحتاج إلى نظر واستدلال).
سبق بيان أن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، وكل منهما إما ضروري، وإما نظري.
والضروري ما يكون إدراك المعلوم به ضروريا بحيث لا يحتاج إلى نظر واستدلال فيجد الإنسان نفسه مضطرا إليه بحيث لا يمكن دفعه.
وأما العلم النظري هو ما يحتاج لنظر واستدلال نظر في الأدلة الشرعية أو في المقدمات ليصل إلى العلم به.
قال الشنقيطي في "آداب البحث والمناظرة" (ص/١٠): (فاعلم أن الضروري في الاصطلاح هو ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل. والنظري في الاصطلاح هو ما يحتاج إدراكه إلى التأمل. فالتصور الضروري كتصور معنى الواحد ومعنى الاثنين.
والتصديق الضروري كإدراك أن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء.
والتصور النظري مثل له بتصور الملائكة، والجنة، فإنه نظري (٢) ومن أمثلته تشخيص الطبيب لعين المرض (٣) فهو تصور له بعد بحث وتأمل ونظر. والتصديق النظري كقولك: الواحد نصف سدس الاثنى عشر وربع عشر الأربعين).
стр. 150
الكلام
سبب ذكر هذا الفصل في علم الأصول:
قال المرداوي في التحبير (١/ ٢٨٠): (قد سبق أن أصول الفقه يستمد من اللغة، وذلك لما كان الاستدلال من الكتاب والسنة اللذين هما أصل الإجماع بل وأصل القياس محتاجاً إلى معرفة اللغة - التي لا تعرف دلالتهما إلا بمعرفتها؛ لأنهما عربيان، وفهم معانيهما متوقف على معرفة لغة العرب، بل هما أفصح الكلام العربي - احتيج إلى معرفتها. قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) [النحل: ١٠٣]، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤]، وغير ذلك من الآيات).
قال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٧٨): (ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ ولن يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة والعربية).
وعليه فالاستدلال بالكتاب والسنة مبني على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلها إنما يتبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم وتكلم الرسول ﷺ بها.
تعريف الكلام:
اختلفت اصطلاحات اللغويين والنحويين في تعريف الكلام، فهو عند اللغويين
يشمل المفيد وغير المفيد بخلاف النحويين فلا يدخل عندهم فيه غير المفيد.
قال الشيخ العثيمين في "شرح الألفية": (الكلام في اللغة أعم مما قاله ﵀ أي عند النحويين -، الكلام في اللغة يطلق على ما تكلم به الإنسان من مفيد وغير مفيد؛ أما عند النحويين فهو لفظ مفيد).
قال الشيخ: (الكلام لغة: اللفظ الموضوع لمعنى) .
لغة - أي عند اللغويين -، قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٩٩): (كل لفظ موضوع لمعنى يسمى كلاما سواء أكان فعلا، أو حرفا، أو اسما، أو جملة مفيدة، أو
стр. 151
جملة غير مفيدة المهم أنه لفظ وضع لمعنى، فأصوات المدافع وإشارة الأخرس لا تسمى كلاما؛ لأنها ليست لفظا).
ثم قال: (أما في اصطلاح النحويين فهو اللفظ المفيد)
قال في "الشرح" (ص/٩٩): (فخرج باللفظ: الإشارة، ولو أفادت معنى فلا تسمى كلامًا، والكتابة لو أفادت معنى لا تسمى كلامًا.
وخرج بقوله: "المفيد" ما لم يفد، كقولك: قام، أكل، شرب، وقولك: زيد، عمرو، خالد، وقولك: في، إلى، عن، كلا.
فكل هذا لا يسمى- اصطلاحًا- كلامًا.
وخرج به أيضًا قولك: إن قام زيد. فهذا ليس بكلام؛ لأنه غير مفيد، فإذا قام زيد فما الذي يحصل؟ فالجملة الآن معلقة، فلا تسمى كلامًا (١).
стр. 152
وخرج به على رأي بعض العلماء: "السماء فوقنا، والأرض تحتنا"؛ فهذا غير مفيد؛ فكلنا يعرف هذا.
لكن هذا غير صحيح، لأنا لو قلنا بهذا لقلنا: كل ما كان معلومًا إذا وقع خبرًا فإنه ليس بكلام.
فعلى هذا إذا قلت: من أكل شبع، ومن شرب روي، ومن نام استراح، ومن استظل بالسقف سلم من حرارة الشمس، لا يعد هذا كلامًا، لأن هذا معلوم، وعلى رأيهم يكون قول الشاعر:
كأننا والماء من حولنا ... قومٌ جلوس حولهم ماء
فهذا على قولهم ليس كلامًا، فإذا كنت جالسًا والماء من حولك، ومعك ناس فأنتم قوم جلوس حولكم ماء.
فالصحيح أنه لا يُشترط أن تكون الفائدة متجددة، وأنه يجوز أن يكون الكلام كلامًا ولو كانت فيه فائدة غير متجددة).
وقد عرف ابن أجروم الكلام بقوله: (اللفظ المركب المفيد بالوضع) فزاد قيدين، وهما: المركب، الوضع.
وقال الشيخ العثيمين في "شرحه على الأجرومية" (ص/٥٦): (المركب: يعني الذي يتركب من كلمتين فأكثر، تحقيقا أو تقديرًا.
стр. 153
فإذا قلت: هل. فهذا لفظ لكنه ليس مركبًا، فلا يسمى كلامًا عند النحويين ...
لا بدّ أن يتركب من كلمتين فأكثر تحقيقًا أو تقديرًا.
فمثلاً تحقيقًا إذا قلت: قام زيد. هذا مركب من "قام" و "زيد" تحقيقا.
ومثال تقديرًا إذا قلت: قُم. فهذا لم يتركب من كلمتين تحقيقا، لكن تقديرا؛ لأن قُم فيها ضمير مستتر في قوة البارز فهي مركبة من كلمتين ...
قوله (بالوضع) مراده بالوضع أحد أمرين:
الأول: أن يكون الواضع له قاصدًا وضعه، فخرج بذلك كلام السكران والمجنون والنائم والهاذي. فهذا لا يسمى كلامًا؛ لأن واضعه غير قاصدًا له.
الثاني: بالوضع. أي بالوضع العربي، بمعنى أنه مطابق للغة العربية، فلو جاءنا كلام يفيد فائدة لا يتشوف السامع بعدها إلى شيء، لكن العرب لا يفهمونه؛ فإنه لا يسمى كلامًا عند النحويين).
وقد اختار الشيخ أحمد الحازمي أن المقصود بالوضع المعنى الثاني فقال (١) ما
محصله: بالوضع، وهذا لم يذكره ابن مالك، قيل المفيد يستلزمه؛ لأنه لا يحسن السكوت من المتكلم على كلام إلا إذا كان قاصدا له، وهذا إذا فسرنا الوضع بمعنى القصد وهو ضعيف.
وقالوا حتى يخرج كلام النائم والساهي والمجنون، ونحوهم، فمن طلق زوجته وهو نائم لا تطلق باتفاق.
وأجيب بأن كلام النائم يسمى وكلاما وإن لم يقصده، وإنما لم يقع الطلاق لرفع التكليف عنه حال نومه لا لأن ما قاله لم يسم كلاما.
والصواب أن يفسر الوضع في حد الكلام بالوضع العربي يعني أن يكون منظوما بلفظ عربي احترازا عن غيره من اللغات الأجنبية، فإن تكلم بلغة غير عربية فليس بكلام عند النحاة، وإذا اشترطنا القصد دخل معنا كلام البربري ونحوه، وخرج عن الحد كلام الساهي، والنائم، والمجنون، ومن جرى على لسانهم ما لا يقصدون.
وعليه فالكلام عند النحويين يعرف بأنه: (اللفظ المركب المفيد بالوضع).
стр. 154
أقل ما يتألف منه الكلام والكلم، والفرق بينهما:
قال الشيخ في الشرح (ص/٩٩): (أقل ما يتكون منه الكلام: اسمان، أو فعل واسم، وقد يتألف من أكثر من ذلك لكن أقله اثنان، اسمان مثل أن نقول "زيد قائم" أو "محمد رسول". أو فعل واسم مثل "قام زيد" أو "استقام محمد").
قال عباس حسن في " النحو الوافي" (١/ ١٥): (الكلام "أو: الجملة": هو: "ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل". مثل: أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجبًا ... فلا بد في الكلام من أمرين معًا؛ هما: "التركيب"، و"الإفادة المستقلة" ...
ثم قال: الكَلِم: هو: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أكان لها معنى مفيد، أم لم يكن لها معنى مفيد. فالكلم المفيد مثل: النيل ثروة مصر - القطن محصول أساسي في بلادنا. وغير المفيد مثل: إن تكثر الصناعات ...
ثم قال: الموازنة بين "الكلم" و"الكلام" تدل على أمرين:
أحدهما: أن "الكلم" و"الكلام" يشتركان معًا في بعض الأنواع التي يصدق على كل منها أنه: "كلم" وأنه: "كلام"؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك؛ كالعبارات التي تتكون من ثلاث كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا". وكالعبارات التي تتكون من أربع كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا" وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.
ثانيهما: أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر، فيصير أعم من نظيره أنواعًا، وأوسع أفرادًا، مثال ذلك: أن "الكلم" وحده يصدق على كل تركيب يحوي ثلاث كلمات أو أكثر، سواء أكانت مفيدة، مثل: "أنت خير مرشد" أم غير مفيدة، مثل: "لما حضر في يوم الخميس" فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد، فيكون -بسبب هذا- أقل أنواعًا وأفرادًا؛ فهو أخص.
لكن "الكلام" -من جهة أخرى- ينطبق على نوع لا ينطبق عليه "الكلم" كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين؛ مثل: "أنت عالم" وهذا يجعل الكلام أعم. وأشمل من نظيره، ويجعل الكلم أخص ...
فخلاصة الموازنة بين الاثنين ... "إن بينهما العموم من وجه، والخصوص من
стр. 155
وجه." أو: " بينهما العموم والخصوص الوجهي" ... فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة اللفظ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.
و"الكلام" أعم من جهة اللفظ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى؛ لأنه لا يطلق على غير المفيد ... ).
اللغة نوعان: مفرد ومركب:
اللغة نوعان مفرد ومركب، هذا قدر متفق عليه بين النحاة والأصوليين ومعهم المناطقة، ولكنهم اختلفوا في تعريف المفرد والمركب، وقد وافق الشيخ طريقة الأصوليين والمناطقة لا النحويين في تعريف المفرد والمركب، وهذا أجود لتعلقه بعلم الأصول وهو المعني بالدراسة هنا.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠١): (واحد الكلام: كلمة وهي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد.
كل لفظٍ موضوع لمعنى مفرد - يعني: غير مركب.
فإذا قلت: "عبد اللَّه " فهي كلمة يعني: لفظ موضوع لمعنى مفرد، ولا يتم بها الكلام وإن كان في اعتبار العدد كلمتين ...
يعني هي: لفظ موضوع لمعنى مفرد وإن كان جملاً، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) [المؤمنون: ١٠٠]. قال النبي ﷺ : (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل) والرسول ﷺ قال: (كلمة)).
وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ١٠٨): (اللغة نوعان: مفرد، ومركب. المفرد في اصطلاح النحاة: هو الكلمة الواحدة كزيد. وعند المناطقة والأصوليين: لفظ وضع لمعنى، ولا جزء لذلك اللفظ يدل على جزء المعنى الموضوع له.
فشمل ذلك أربعة أقسام.
الأول: ما لا جزء له ألبتة، كباء الجر.
الثاني: ما له جزء، ولكن لا يدل مطلقا، كالزاي من زيد.
стр. 156
الثالث: ما له جزء يدل، لكن لا على جزء المعنى. كإن من حروف إنسان. فإنها لا تدل على بعض الإنسان، وإن كانت بانفرادها تدل على الشرط أو النفي.
الرابع: ما له جزء يدل على جزء المعنى، لكن في غير ذلك الوضع كقولنا: حيوان ناطق، علما على شخص.
والمركب عند النحاة: ما كان أكثر من كلمة، فشمل التركيب المزجي، كبَعْلَبَكّ (١)، ونحوها، والمضاف، ولو علما، كعبد الله. وعند المناطقة والأصوليين: ما دل جزؤه على جزء معناه الذي وضع له، فشمل الإسنادي، كقام زيد، والإضافي: كغلام زيد، والتقييدي، كزيد العالم).اهـ بتصرف يسير.
فائدة: الكلمة واحد الكلم، أم الكلام ؟
ذكر الشيخ هنا أن الكلمة واحد الكلام. والمشهور عند غالب النحاة أن الكلم جمع الكلمة لا الكلام، غير أن ابن دريد لم يفرق بين الكلم والكلام في أنهما جمع للكلمة، فقال في "جمهرة اللغة": (الكَلِمَة: معروفة، الواحدة من الكَلِم والكلام ... ).
وقد وافق الشيخ العثيمين قول جمهور النحاة في شرحه على ألفية ابن مالك، حيث قال معقبا على قول ابن مالك: (الكلم واحده كلمة): (يعني أن واحد الكلم الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام كلمة، وعلى هذا فهو اسم جنس جمعي ... واسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء، مثل شجرة وشجر، وبالياء مثل رومي وروم وإنس وإنسي).
الكلم اسم جنس جمعي .
وقد اختلف العلماء في (الكلم) هل هو اسم جنس جمعي، أم اسم جنس.
قال السيوطي في " همع الهوامع" (١/ ٥٥): (وفي شرح التسهيل لناظر الجيش اختلف النحاة في الكلم فذهب جماعة منهم الجرجاني إلى أنه جمع للكلمة وذهب الفارسي وغيره من المحققين إلى أنه اسم جنس لها).
стр. 157
اسم الجنس هو المطلق (١).
وأما اسم الجنس الجمعي فقال عباس حسن في "النحو الوافي" (١/ ٢١): (حين نسمع لفظ: "كَلِم" نفهم أمرين:
أولهما: أنه يدل على جماعة من الكلمات، لا تقل عن ثلاث، وقد تزيد؛ "لأن "الكَلِم" في الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع في الدلالة العددية؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر".
ثانيهما: أن "للكلم" مفردًا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث في آخره؛ فيصير بزيادتها -وموافقة اللغة- دالا على الواحد، بعد أن كان دالًا على الجمع، فتكون: "كلمة" هى مفردة: "الكلم"؛ مع أنهما متشابهان في الحروف، وفى ضبطها، ولا يختلفان في شيء؛ إلا في زيادة التاء في آخر: "الكلمة" - بموافقة اللغة -. وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردًا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره. ولذلك لا يسمونه جمعًا، وإنما يسمونه: "اسم جنس جمعيًّا". ويقولون في تعريفه: "إنه لفظ معناه معنى الجمع، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث -غالبًا- صار مفردًا". أو هو: "ما يُفْرَق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث -غالبًا- في آخره"، ومن أمثلته: تفاح وتفاحة -عنب وعنبة- تمر وتمرة -شجر وشجرة- وهذا هو النوع الغالب، كما أشرنا.
وهناك نوع يُفرَق بينه وبين مفرده بالياء المشددة، مثل: عرب وعربيّ، جُنْد وجندي، رُوم ورومي، تُرْك وترْكيّ.
وقد يُفْرَق بينه وبين واحده بالتاء في جمعه، لا في مفرده؛ مثل كَمْأة، وكمْء").
أقسام الكلمة:
الكلمة إما اسم، أو فعل، أو حرف.
١ - الاسم:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٣): (الاسم: ما دل على معنى في نفسه من غير إشعار بزمن):
стр. 158
"ما دلَّ على معنى" وهذا جنس يدخل فيه الفعل والحرف.
"ما دلَّ على معنى في نفسه " نقول: هذا لا يشمل الحرف؛ لأنه دل على معنى في غيره.
وقولنا: "من غير إشعار بزمن " هذا فصل يخرج الفعل لأنه- أي الفعل- دل على معنى في نفسه مع إشعار بزمن.
وقوله: (وهو ثلاثة أنواع:
الأول: ما يفيد العموم كالأسماء الموصولة.
الثاني: ما يفيد الإطلاق، كالنكرة في سياق الإثبات.
الثالث: ما يفيد الخصوص كالأعلام)
وقوله: (منها ما يفيد العموم): يعني الشمول لجميع أفراد ما دل عليه.
وقوله: (كالأسماء الموصولة):الاسم الموصول: اسم دال على العموم، والمحلى بأل غير العهدية دال أيضًا على العموم (﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ) [العصر: ١، ٢] الإِنسان " أي: كل إنسان ...
وقوله: (ما يفيد الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات):إذا قلت: أكرم رجلاً: فهذه لا تعم كل رجل، إنما يراد بها رجلاً واحدًا، فهي لا تعم جميع الرجال. لكن النكرة فيها شمول بدلي، وليس شمولاً عموميًا ...
وقوله: (ما يفيد الخصوص، كا لأعلام): "الأعلام "يعني الأسماء التي وضعت علمًا على مسماها، مثل: محمد، عمر، خالد، زيد، بكر ... إلى آخره. نقول: هذه أسماء تفيد الخصوص، ولهذا تعين مسماها. و"اسم الإشارة" يُعيِّن مسماه، إذًا فهو دال على الخصوص).
٢ - الفعل:
قال الشيخ "الشرح" (ص/١٠٥): (والفعل: ما دل على معنى في نفسه وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة: وهو إما ماضٍ: كفهم، أو مضارع: كيفهم، أو أمر: كافهم، والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق، فلا عموم له.
قوله: (والفعل مما دل على معنى في نفسه): وهذا جنس يدخل فيه الاسم.
وقوله: (أشعر بهيئته): مثل: "ضرب" يشعر بهيئته بزمن ماضٍ، "اضرب " يشعر
стр. 159
بهيئته بزمن مستقبل، "يضرب " يشعر بهيئته بزمن حاضر.
أما ما أشعر بمادته لا بهيئته فإن هذا ليس فعلاً، مثل الصباح، فقول القائل: ما زرتك صباحًا، فهذا يدل على الزمن صباحًا، لكن بمادته، ونقول: زرتك ليلاً، فهذا يدل على الزمن لكن بمادته، ولهذا نقول: "أشعر بهيئته "، ليخرج ما دل على الزمان بمادته كالصباح والمساء، والليل والنهار، وما أشبه ذلك فهذا ليس بفعل.
فإذا قلتَ: أصبح زيد وأمسى زيد، فهو فعل؛ لأن كلمة "أصبح" تدل على الزمن بهيئتها.
وقوله: (بأحد الأزمنة الثلاثة): فالفعل ثلاثة أقسام.
وقوله: (إما ماضٍ كـ "فهم" أو المضارع كـ "يفهم" أو أمر كـ "افهم".
إذًا الماضي كـ "فهم " يشعر بهيئته بزمن مضى، و"يفهم" مضارع يشعر بهيئته بزمن حاضر، و"افهم" أمر يشعر بهيئته بزمن المستقبل).
هل الفعل يفيد الإطلاق مطلقا ؟
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٦): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " ... ).
تضمن كلام الشيخ هنا مبحثا هاما، وهو هل الفعل يفيد الإطلاق مطلقا؟ والصواب أن الفعل المثبت (١) يفيد الإطلاق إلا في حالتين، وفي الحالة الثالثة خلاف، وهي:
١ - أن يكون في معرض الامتنان كقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨] فيعم كل الماء الذي ينزل من السماء كالثلج والبرد والمطر.
٢ - أن تكون في سياق الشرط فيعم. وسوف يأتي بإذن الله بيانهما في باب العام.
стр. 160
٣ - أن يكون الفعل مضارعا ومقرونا بـ: " كان " فهل يفيد الدوام والعموم أم لا؟ فيها خلاف، وسوف نعرض لها في باب العام - بإذن الله - فهو أليق بها.
٣ - الحرف:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٧): (قوله: (الحرف: ما دل على معنى في غيره): أما في نفسه فلا يدل أبدًا، ولهذا إذا قلت: الرجل في المسجد، فـ " في " ما دلت على شيء، فلولا المسجد ما دلت على شيء إطلاقًا، فالظرف هو ما بعد " في " وهو الذي استفدنا منه الظرفية، كذلك بقية الحروف ليس لها معنى في نفسها، إنما يظهر معناها بما بعدها.
أ- الواو: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، ولا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل.
الواو لها معان كثيرة منها ما ذكره الشيخ أنها لمطلق الجمع أي القدر المشترك بين الترتيب والمعية، وهذا لا ينافي أنها تأتي للترتيب أو المعية لدليل.
قال المرداوي في التحبير (٢/ ٦٠٠) ما ملخصه: (قوله: ﴿الواو العاطفة لمطلق الجمع﴾. أي: للقدر المشترك بين الترتيب والمعية، عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وعليه أكثر النحاة، وذكره الفارسي، والسيرافي، والسهيلي، إجماع نحاة البصرة والكوفة. فلا تدل على ترتيب ولا معية، وهي تارة تعطف الشيء على مصاحبه كقوله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت: ١٥]، وعلى سابقه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ) [الحديد: ٢٦] وعلى لاحقه: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) [الشورى: ٣]، وقد اجتمعا في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: ٧] وعلى هذا إذا قيل: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة معان: المعية، والترتيب، وعدمه).
ومن الأدلة التي تدل على أن الواو ليست للترتيب:
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الشورى: ٣]. وما أخرجه أبو داود من قوله ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان)، فلو كانت الواو للترتيب لساوت ثم ولما فرق بينهما ﵊.
стр. 161
من الأدلة التي تدل على أن الواو للترتيب:
قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]، وما رواه مسلم في صحيحه: (أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله) أبدأ بما بدأ به الله، فبدأ بالصفا فرقى عليه ... ) الحديث.
وللواو معان أخرى غير ذلك تراجع في كتب حروف المعاني، أو المطولات.
ب- قال الشيخ: (الفاء: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل).
الفاء لها معان كثيرة منها ما ذكره الشيخ أنها لاشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل.
"الفاء العاطفة" تكون "لترتيب" كـ "قام زيد فعمرو"، "و" تأتي الفاء أيضا لـ "تعقيب" والتعقيب لا يلزم منه الفورية تقول: "تزوج فلان فولد له".
والسببية كقوله تعالى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) [القصص: ١٥]، وقوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) [البقرة: ٣٧].
ج - قال الشيخ: (اللام الجارَّة: ولها معان منها التعليل، والتمليك، والإباحة).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (١/ ٢٥٥): ("تأتي "اللام" الجارة "للملك حقيقة، لا يعدل عنه" أي عن الملك إلا بدليل. قاله أبو الخطاب من أصحابنا في "التمهيد". "ولها معان كثيرة":
أحدها: التعليل (١). نحو "زرتك لشرفك"، ومنه قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء: ١٠٥]، وقوله: "أنت طالق لرضى زيد"، فتطلق في الحال، رضي زيد أو لم يرض، لأنه تعليل لا تعليق ...
الخامس: التمليك. نحو: "وهبت لزيد دينارا". ومنه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) [التوبة: ٦٠] ... ).
ومثل الشيخ في الشرح للإباحة بقوله: (للإِنسان أن يصلي النفل جالسًا مع القدرة على القيام).
стр. 162
د- قال الشيخ: (على الجارة ، ولها معان منها الوجوب).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١١٠): ("على الجارة" فهل هناك "على " غير جارة؟ نعم، إذا دخلت عليها "من" صارت بمعنى فوق، تقول: "دخلت عليه من على الجدار"، أي: من فوق وهذه ليست جارة فلا تدخل في كلامنا هذا.
يقول: "على الجارة ولها معانٍ منها الوجوب "، فتقول: "عليك أن تخلص العبادة لله "- يعني: يجب عليك- وفي كلام الفقهاء من هذا كثير، يقولون مثلاً: "وعليه أن يقول كذا"، و"عليه أن يتوب "، و"عليه أن يسجد"، وما أشبه ذلك).
وقد ذكر الشيخ أحمد الحازمي في شرحه لرسالة الأصول: أنه ليس المقصود هنا الوجوب الشرعي، وإنما المقصود الإلزام اللغوي.
أقسام الكلام
بدأ الشيخ بذكر أقسام الكلام من ناحية إمكان وصفه بالصدق أو الكذب فقسمه إلى خبر وإنشاء. وفيه مسائل:
تعريف الخبر:
قال الشيخ: (فالخبر: ما يمكن أن يوصف بالصدق، أو الكذب لذاته).
قال الشيخ في الأصل: (فخرج بقولنا: "ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب" الإنشاء؛ لأنه لا يمكن فيه ذلك فإن مدلوله ليس مخبراً عنه حتى يمكن أن يقال إنه صدق، أو كذب.
وخرج بقولنا: " لذاته " الخبر الذي لا يحتمل الصدق أو لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به وذلك أن الخبر من حيث المخبر به ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يمكن وصفه بالكذب كخبر الله ورسوله الثابت عنه.
الثاني: ما لا يمكن وصفه بالصدق كالخبر عن المستحيل شرعاً أو عقلاً فالأول كخبر مدعي الرسالة بعد النبي، صلي الله عليه وسلم، والثاني كالخبر عن اجتماع النقيضين كالحركة والسكون في عين واحدة في زمن واحد.
الثالث: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب إما على السواء أو مع رجحان أحدهما كإخبار شخص عن قدوم غائب ونحوه).
стр. 163
اعتراضات على هذا الحد:
١ - استخدام "أو" التشكيكية وقد سبق بيان عدم جواز دخولها في الحد الحقيقي.
قال ابن النجار في شرح الكوكب (٢/ ٢٩٣): (وبمنافاة أو للتعريف؛ لأنها للترديد. فلهذا أتى الطوفي في مختصره وغيره بالواو).
٢ - قال شيخ الإسلام في الرد على المنطقيين (ص/٨١): (يقال إدخال الصدق والكذب أو التصديق والتكذيب في حد الخبر لا يصلح؛ لأنهما نوعا الخبر وتعريفهما إنما يمكن بالخبر فلو عرف الخبر بهما لزم الدور).
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٩): (وقد قيل في حده ما ذكرناه أولًا، وهو ما تطرق إليه التصديق والتكذيب، وقيل: ما يحتمل التصديق والتكذيب، وأورد عليه أن التصديق هو الإخبار عن كون الخبر صدقًا، أو كذبًا؛ فيكون تعريفًا للخبر بنفسه، وهو دور.
قلت: هذا سؤال قوي؛ لأن قول القائل: قام زيد، جملة خبرية، فإذا قال له السامع: كذبت أو صدقت؛ فقد أجابه بجملة خبرية أيضًا، وكلا الجملتين خبر؛ فلو عرفنا الأولى بتطرق الثانية إليها، عرفنا الخبر بتطرق الخبر عليه. فالأجود إذن في تعريف الخبر ما ذكره الآمدي، وهو أن الخبر هو: (اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم، أو سلبها عنه، مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك، على وجه يحسن السكوت عليه).
ومعنى تعريف الأمدي (١) أنه عرفه بأنه اللفظ، واللفظ بالنسبة للخبر جنس بعيد وكان الأولى أن يقول القول لأنه جنس قريب للخبر، يوضحه أن اللفظ أعم من القول فاللفظ يطلق على أي صوت اعتمد على مخرج الحروف بخلاف القول فهو اللفظ الموضوع لمعنى، وهو مقصوده هنا بقرينة باقي القيود التي ذكرها في التعريف.
وقوله (الدال بالوضع) يعني أن اللفظ دل على المعني ذاته بنفسه وقد احترز بذلك القيد عن أن يكون اللفظ دالا بجهة الملازمة وهي أن يكون المعنى من لوازم أو مقتضيات اللفظ - مثلا إن قلنا هذا الشراب مسكر، وعللناه بلازم الإسكار وهي
стр. 164
الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة؛ لأن الرائحة ليست نفس العلة.
وقوله: (على نسبة) أي كقولنا: قام زيد، فنسبنا القيام لزيد واحترز به عن أسماء الأعلام وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة.
وقوله (مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك) احتراز عن صيغة الخبر إذا وردت ولا تكون خبرا كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي لها أو لقصد الأمر كقوله تعالى (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥] وقوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣] (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة: ٢٢٨] (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران: ٩٧] ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها.
وقوله (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم.
وقوله (أو سلبها عنه) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار
وقوله (يحسن السكوت عليه) احتراز عن اللفظ الدال على المركب التقييدي وهو: المركب من اسمين، أو اسم وفعل، يكون الثاني قيداً في الأول، ويقوم مقامهما لفظ مفرد مثل: حيوان ناطق، وزيد كاتب، فإنه يقوم مقام الأول الإنسان، ومقام الثاني الكاتب.
وهذا المركب التقييدي لا يصدق عليه حد الجملة؛ لأنه لم يفد نسبة يحسن السكوت عليها (١).
وقد ذكر المرداوي في التحبير (٤/ ١٦٩٩) وما بعدها تعاريف كثيرة للخبر قل أن يسلم منها حد من خدش.
ومنها ما نقله عن ابن حمدان حيث قال: (وقال ابن حمدان في ' المقنع ': هو قول يدل على نسبة معلوم إلى معلوم، أو سلبها عنه، ويحسن السكوت عليه) وهو قريب من تعريف الآمدي إلا أن الآمدي أضاف بعض القيود ليكون الحد جامعا مانعا، وعليه فنجمع بين التعريفين ونستبدل كلمة لفظ في تعريف الآمدي بكلمة قول في تعريف ابن حمدان فيكون تعريف الخبر هو (القول الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم، أو سلبها عنه، مع قصد المتكلم به الدلالة على ذلك، على وجه يحسن السكوت عليه).
стр. 165
تعريف الإنشاء:
قال الشيخ ﵀: (والإنشاء: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق والكذب).
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/١١٣): (كل كلام لا يصلح أن يقال عنه صدق أو كذب فهو إنشاء ومنه الأمر والنهي كقوله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦]) الأمر (وَاعْبُدُوا اللَّهَ) والنهي (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) فهذا إنشاء وليس بخبر. ومنه الاستفهام والترجي والتمني).
تعقيب:
بقيت أنواع أخرى لم يتكلم عليها الشيخ وهي في المذهب من الإنشاء.
فال ابن النجار في شرح الكوكب (٢/ ٣٠١): ((ومنه) أي من غير الخبر (الأمر) نحو قم (ونهي) نحو لا تقعد (واستفهام) نحو هل عندك أحد؟ (وتمن) نحو ليت الشباب يعود (وترج) نحو قوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) [البقرة: ٢١٦]﴾ والفرق بين التمني والترجي: أن التمني يكون في المستحيل والممكن، والترجي لا يكون إلا في الممكن (وقسم) نحو قوله تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) [الأنبياء: ٥٧] (ونداء) نحو: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) [النساء: ١] (وصيغة عقد) نحو وهبت ونحو قبلت (و) صيغة (فسخ) نحو أقلت).
وسوف يأتي مزيد بيان لصيغ العقود ونحوها قريبا بإذن الله - تعالى -.
تنبيه:
التمنى، والترجي، والقسم، والنداء، ويدخل معهم العرض والتخضيض - العرض، نحو: ألا تنزل عندنا؟ والتحضيض، نحوه: هلا تنزل عندنا؟ وهو أشد وأبلغ من العرض - تسمى تنبيها.
والتنبيه ليس طلباً صريحاً، بل هو إيماء إلى الطلب، فهو شبيه بالطلب الصريح، ولكونه ليس طلباً بالوضع جعله قوم كالبيضاوي قسيماً له بحيث قال: إن الكلام إما أن يفيد طلباً بالوضع، وهو الأمر والنهي، والاستفهام، أو لا، فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملهما الخبر. والمذهب أن الإنشاء والتنبيه مترادفان، وهو
стр. 166
ظاهر كلام الشيخ العثيمين حيث جعل الترجي والتمني من الإنشاء (١).
صيغ العقود ونحوها:
قال الشيخ: (وقد يكون الكلام خبر وإنشاء باعتبارين كصيغ العقود).
قال الشيخ في " الشرح" (ص/١١٤) ما ملخصه: (مثل صيغ البيع، والإجارة، والوقف، والرهن، والنكاح، وغير ذلك، فكل صيغ العقود لا تصلح أن نطلق عليها أنها خبر، ولا أن نطلق عليها أنها إنشاء؛ لأنها خبر وإنشاء باعتبارين ... فهي خبر باعتبار دلالتها على ما في نفس العاقد، وإنشاء باعتبار ترتب العقد عليها).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو الراجح على خلاف قول الأصحاب.
قال المرداوي في التحبير ٤/ ١٧١٢): (قوله: ﴿وصيغة عقد وفسخ ونحوها إنشاء﴾ الصحيح من مذهبنا، ومذهب أكثر العلماء: أن صيغة العقود والفسوخ ونحوها إنشاء، وهو الذي يقترن معناه بوجود لفظه، نحو: بعت، واشتريت، وأعتقت، وطلقت، وفسخت، ونحوها مما يشابه ذلك مما تستحدث به الأحكام فهي أخبار في الأصل بلا شك، ولكن لما استعملت في الشرع في معنى الإنشاء اختلف فيها: هل هي باقية على أصلها من الإخبار أو نقلت؟ فأصحابنا، والأكثر على الثاني، والحنفية على الأول ... ودليل الأكثر: أنه لو كان خبراً لكان إما عن ماض، أو حال، أو مستقبل، والأولان باطلان لئلا يلزم أن لا يقبل الطلاق ونحوه التعليق؛ لأنه يقتضي توقف شيء لم يوجد على ما لم يوجد، والماضي والحال قد وجدا لكن قبوله التعليق إجماع، والمستقبل يلزم منه أن لا يقع به شيء؛ لأنه بمنزلة (سأطلق) والغرض (٢) خلافه، إلى غير ذلك من أدلته ... وقال القاضي من أصحابنا: هي إخبار في العقود ... وقال شيخنا - يعني الشيخ تقي الدين -: هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم، وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في
стр. 167
النفس. انتهى) (١).
مثال تطبيقي:
قال ابن النجار في شرح الكوكب (٢/ ٣٠٣): ("ولو قال لرجعية: طلقتك، طَلُقَت" على الصحيح الذي عليه الأكثر لأنه إنشاء للطلاق.
فعلى هذا: لا يقبل قوله: أنه أراد الإخبار، وهو المراد بقوله "وفي وجه وإن ادعى ماضيا" وقد تقدم في خطبة الكتاب "أني متى قلت في وجه: كان المقدم خلافه" فعلم منها: أن الصحيح أنها تطلق، ولو قال: أردت الإخبار وذهب
بعضهم إلى أنها لا تطلق، وكأنه يعني أنه قصد الإخبار عن الطلاق الماضي).
والراجح عندي أنه يدان بنيته إن قصد الإخبار عن الطلاق الماضي بالإفهام أو الإسماع أو التأكيد فلا تحسب عليه طلقة جديدة، وإن قصد التأسيس أو لم يكن له نية فطلقة جديدة. والله أعلم.،
مسألة:
قال الشيخ: (وقد يأتي الكلام بصورة الخبر والمراد به الإنشاء وبالعكس لفائدة).
قال الشيخ في "الأصل": (مثال الأول: قول تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]. فقوله: (يَتَرَبَّصْنَ) بصورة الخبر والمراد به الأمر وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة من صفات المأمور.
ومثال العكس: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) [العنكبوت: ١٢]. فقوله: (وَلْنَحْمِلْ) بصورة الأمر والمراد بها الخبر أي ونحن نحمل وفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنه منزل المفروض الملزم به).
نختم بمثال تطبيقي:
نختم بمثال تطبيقي لنتعرف على أهمية هذا الباب في الاستدلال، قال تعالى في سورة الواقعة: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)) فقوله (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) هل هي خبر أم إنشاء؟
стр. 168
بداية اختلف العلماء في المراد هنا على قولين: الأول أنه القرآن، والثاني: اللوح المحفوظ.
فإن قلنا أنه القرآن فهل الآية خبر أم إنشاء؟
فإن قلنا أنها خبر فيكون معناه أن الله يخبر أن القرآن لا يمسه إلا المطهرون، وهذا منتقض بأن القرآن يمسه الطاهر وغير الطاهر، فدل على أن الله لم يعن بالمصحف المذكور في الآية هذا الذي بأيدي الناس، وإنما عني كتابًا آخر، وهو الذي في السماء.
كما أن المراد بالمطهرين في الآية الملائكة لأنهم طهروا من الشرك والذنوب، وليسوا بني آدم؛ لأن المطهر من طهره غيره، ولو أريد بهم بنوا آدم لقيل: المتطهرون.
أجاب جمهور العلماء عن اعتراض القائلين بجواز مس المحدث المصحف على أدلة التحريم بما يأتي:
أولاً: أنا نمنع أن قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ) خبر فقط، بل هو خبر تضمن نهيًا؛ لأن خبر الله لا يكون خلافه، وقد وجد من يمس المصحف على غير طهارة، فتبين بهذا أن المراد النهي، وليس الخبر، وقد ورد مثل هذا كثير في الكتاب والسنة، ومنه قوله : (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) [البقرة: ٢٣٣] فإنه خبر تضمن نهيًا، ومنه في السنة قوله ﷺ : (لا يبيع أحدكم على بيع أخيه) بإثبات الياء، فإنه خبر تضمن نهيًا.
وأما القول بأن الضمير في قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ) إنما يعود على الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، لا على المصحف الذي بأيدي الناس، فالجواب: أن قوله سبحانه: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الواقعة: ٨٠] بعد قوله سبحانه: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح.
كما أن القول بأن المراد بـ المطهرين في الآية هم الملائكة وليسوا بني آدم؛ لأن المطهرين هم الذين طهرهم غيرهم، وأنه لو أريد بهم بنو آدم لقيل (المتطهرون).
فالجواب: أن المتوضئ يطلق عليه طاهر ومتطهر، وهذا سائغ لغة.
стр. 169
ومع التسليم بأن المراد بالمطهرين: الملائكة، كما هو قول جمهور المفسرين، فإنه يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (من باب التنبيه والإشارة؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية).
وليس الغرض التعرض لمناقشة هذه المسألة وإنما الغرض معرفة كيفية الاستدلال بالآية في محل النزاع (١).
الحقيقة والمجاز
بعد أن تكلم الشيخ عن تقسيم الكلام من حيث إمكان وصفه بالصدق وعدمه (خبر، وإنشاء) ثم تكلم عن تقسيم الكلام باعتبار آخر وهو من حيث الاستعمال وقسمه بهذا الاعتبار إلى حقيقة ومجاز، وفي كلامه مسائل.
بيان لابد منه:
المستقرئ للجانب التاريخي لظهور المجاز يجد أن العرب لم يعرف عنهم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر عنهم التعبير بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل الأصول، وإنما هذا اصطلاح حدث بعد القرون المفضلة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في مجموع الفتاوى (٧/ ٨٨، ٨٩)، (١٢/ ٢٧٧): (فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، .. بل ولا تكلم به أئمة اللغة، .. ولا من سلف الأمة، وعلمائها وإنما هو اصطلاح حادث، .. فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة، ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة، وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودا في المائة الثانية) (٢).
وقد اختلف العلماء في المجاز بين مجيز، ومانع، ومفصل فالجمهور على الجواز
стр. 170
والوقوع مطلقا، وذهب بعض العلماء والمحققين منهم أبو إسحاق الاسفرائيني من الشافعية، وأبو علي الفارسي من أهل اللغة وتقي الدين وتلميذه ابن القيم والشنقيطي إلى المنع مطلقا، وذهب بعض العلماء منهم داود بن علي، ومن الشافعية ابن القاص، ومن المالكية ابن خويز منداد، ومن الحنابلة جمع منهم: أبو الفضل التميمي، وأبو عبد الله بن حامد وأبو الحسن الخرزي، وغيرهم إلى المنع في القرآن وحده دون اللغة، وانفرد داود الظاهري بالقول بالمنع في القرآن والسنة دون غيرهما، وذهب ابن حزم إلى التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره، فما فيه حكم شرعي لا مجاز فيه وما لا فلا.
والشيخ العثيمين كان يرى القول الأول وهو الجواز والوقوع مطلقا ثم تبين له قول تقي الدين ووجهه فرجع إليه.
قال في "شرح الأصول" (ص/١١٩): (على كل حال نحن وضعنا في هذا الكتاب الحقيقة والمجاز وهو من تأليفنا لكن إنما وضعناه قبل أن يتبين لنا الصحة، أو يتبين لنا بيانا واضحا أنه لا مجاز).
وقال في الأصل: (تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القرآن وغيره، وقال بعض أهل العلم لا مجاز في القرآن، وقال آخرون لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الاسفرائيني ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب).
ولقد كانت تعجبني طريقة العلامة الشنقيطي ﵀ في الرد على القائلين بالمجاز في رسالته "منعُ جَوازِ المَجازِ في المُنزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعجَازِ" وذلك ببيان أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنها حقائق تكلم بها العرب، ولا يجوز نفيها (١).
والكلام في مناقشة المسألة وأدلة كل فريق يطول وليس هذا محله.
стр. 171
تعريف الحقيقة:
قال الشيخ الحقيقة هي: (اللفظ المستعمل فيما وضع له).
قال في شرح الأصول (ص/١٢٠): (خرج باللفظ الإشارة، فالإشارة لا توصف بحقيقة ولا مجاز - حتى لو فهمت - لأنها ليست بلفظ، والكتابة أيضا عندهم لا تسمى حقيقة ولا مجازا من حيث الكتابة ولكن من حيث المكتوب قد يكون حقيقة أو مجازا.
وقال: فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا:" فيما وضع له "المجاز؛ لأن المجاز مستعمل في غير ما وضع له).
تنبيهات:
التنبيه الأول:
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/١٢٠): (فنحن قلنا اللفظ المستعمل ولم نجعل اللفظ فصلا؛ لأنه جنس).
نعم هو جنس ولكنه بعيد وكان الأولى استعمال الجنس القريب وهو القول كما سبق وأن نبهنا على ذلك قريبا.
قال المرداوي في التحبير: (١/ ٣٨٢): (﴿الحقيقة: قول مستعمل في وضع أول﴾ فقولنا في الحد: (قول)، أولى من قول من قال: (لفظ)؛ لأن القول
جنس قريب، لكونه لم يشمل المهمل؛ بخلاف اللفظ).
التنبيه الثاني:
قال المرداوي (١/ ٣٨٥): (وخرج بقولنا: (مستعمل)، اللفظ قبل الاستعمال، فإنه لا حقيقة ولا مجاز على ما يأتي، إذ المجاز يعتبر له الاستعمال أيضاً).
قلت: وما قاله الشيخ العثيمين له وجه فقولنا: (لفظ مستعمل) تكافئ قولنا: (قول) فأصبحت كلمة مستعمل في تعريف المرداوي زائدة ومضمنة في معنى قوله (قول) ولما كان كلامنا بداية في تقسيم الكلام من ناحية الاستعمال أصبح دخول كلمة (مستعمل) في التعريف هام كفصل للجنس القريب أو البعيد، ولذلك حسن العدول عن الجنس القريب إلى البعيد.
وإن دققت في كلام المرداوي السابق وكلام ابن النجار التالي عرفت حقيقة ذلك،
стр. 172
قال ابن النجار في شرح الكوكب (١/ ١٤٩): ("قول" أي لفظ غير مهمل "مستعمل"؛ لأنه قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز) فتجد أنه فسر القول بأنه لفظ مستعمل.
التنبيه الثالث -
قوله (فيما وضع له) يدخل فيه الحقيقة الشرعية، واللغوية، والعرفية، وذلك أن الوضع هو تعيين اللفظ للمعنى، فإن كان التعيين من جهة الشارع فوضع شرعي، وإن كان من جهة واضع اللغة فوضع لغوي، وإن كان من جهة قوم مخصوصين فوضع عرفي إما عام، وإما خاص.
ولذلك فقد قسم الشيخ الحقيقة باعتبار الواضع إلى ثلاثة أقسام فإن كان الواضع الشارع فحقيقة شرعية، وإن كان اللغوي فلغوية، وإن كان العرف فعرفية.
وقد عرف المرداوي الحقيقة بقوله: (قول مستعمل في وضع أول) (١).
ثم قال في "التحبير" (١/ ٣٨٥): (وخرج بقولنا: (في وضع أول)، المجاز؛ فإنه بوضع ثان، بناء على أنه موضوع وهو الصحيح على ما يأتي، أما من يقول: إنه غير موضوع، فيخرج بقيد الوضع، ولا حاجة حينئذ إلى التقييد بكونه أولاً. ودخل في قولنا: (في وضع أول) ما وضع لغة، أو شرعاً، أو عرفاً، والألفاظ الشرعية والعرفية، هي بالوضع الأول باصطلاح الشرع والعرف، وإن كانت بالوضع الثاني باعتبار اللغة، فإن الوضع الأول أعم من الوضع باعتبار اللغة، فحينئذ تكون الألفاظ المنقولة شرعية أو عرفية، بالوضع الأول باصطلاح الشرع والعرف، وإن كانت بالوضع الثاني باعتبار اللغة ... ).
، وإنما الغرض بيان أن الوضع يدخل فيه الحقيقة الشرعية والعرفية مع اللغوية، وأما وصفه بالأول، فسوف يأتي الكلام عليه في التنبيه التالي.
وبذلك تعرف عدم صحة ما أشكل به البعض على هذا التعريف من أنه غير جامع، وأنه خاص بالحقيقة اللغوية، ولا يدخل فيه الحقيقة الشرعية، والعرفية، وأنه لابد من زيادة قيد: (في اصطلاح التخاطب)، فهذا القيد يؤدي نفس مؤداه قوله (فيما
стр. 173
وضع له).
التنبيه الرابع -
ولتعلم أن من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز أثبت أن الكلام له وضع أول أي حقيقي استعملته فيه العرب كالأسد للحيوان المفترس، فإن استعملته في وضع ثان أي في الرجل الشجاع مثلا - بشروط تأتي - يقال أن هذا مجاز.
ويشكل على هذا التقسيم أمران:
الأول - أن من لوازم هذا التقسيم للوضع الأول والثاني للكلام أن اللغة توقيفية، وأن الوضع الأول معروف بتوقيف من الله، ويشكل على هذا أمور منها: أن علماء اللغة مختلفون في اللغة هل هي توقيفية أم اصطلاحية أم إلهامية على أقوال ستة مبسوطة في غير هذا الموضوع، فكيف السبيل للجزم بأن هذا هو الوضع الأول، بمعنى أنهم إن احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال تعذر عليهم ذلك للخلاف الوارد في أصل اللغة هل هي توقيفية أم لا؟
وأيضا إن عكس القول عليهم بأن الوضع الثاني أول لما استطاعوا رده.
وأيضا من لوازم قولهم أن اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز فإن استعمل في غير موضوعه صار مجاز لا حقيقة له.
الثاني- قولهم أن كل مجاز يجوز نفيه.
قال الشيخ في "شرح نظم الورقات" (ص/٧١): (ونحن نجيب عن كل هذه الأمثلة - أي التي ذكرها العمريطي انتصار للقول بالمجاز في القرآن واللغة - ونقول: الصواب أنه لا مجاز في اللغة العربية، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في غيرهما؛ وذلك لأن المجاز أصدق ما يكون فيه هو الذي يصح نفيه ونفي المعنى المراد بمقتضى سياقه، أو لفظه لا يمكن أبدا) ثم أخذ ﵀ في الرد على الأمثلة المذكورة.
قال العلامة الشنقيطي في رسالته " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " (ص ٣٥: ٣٨): (كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً فهو - عند من يقول بنفي المجاز - أسلوب من أساليب اللغة العربية.
فمن أساليبها إطلاق الأسد مثلاً على الحيوان المفترس المعروف، وأنه
стр. 174
ينصرف إليه عند الإطلاق، وعدم التقييد بما يدل على أن المراد غيره.
ومن أساليبها إطلاقه على الرجل الشجاع إذا اقترن بما يدل على ذلك. ولا مانع من كون أحد الإطلاقين لا يحتاج إلى قيد، والثاني يحتاج إليه؛ لأن بعض الأساليب يتضح فيها المقصود فلا يحتاج إلى قيد، وبعضها لا يتعين المراد فيه إلا بقيد يدل عليه، وكل منهما حقيقة في محله. وقس على هذا جميع أنواع المجازات.
وعلى هذا، فلا يمكن إثبات مجاز في اللغة العربية أصلاً، كما حققه العلامة ابن القيم-﵀ في الصواعق. وإنما هي أساليب متنوعة بعضها لا يحتاج إلى دليل، وبعضها يحتاج إلى دليل يدل عليه، ومع الاقتران بالدليل يقوم مقام الظاهر المستغني عن الدليل، فقولك: " رأيت أسداً يرمي " يدل على الرجل الشجاع، كما أن لفظ الأسد عند الإطلاق على الحيوان المفترس. ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن ... والذي ندين به، ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز مطلقاً على كلا القولين.
أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلاً - وهو الحق - فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن. وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقاً في نفس الأمر، فتقول لمن قال: رأيت أسداً يرمي، ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجاز أن في القرآن ما يجوز نفيه.
ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهد في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم.
وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا: لا يد ولا استواء ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات، لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها، بل هي عندهم مجازات، فاليد مستعملة - عندهم - في النعمة أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز ... ).
стр. 175
الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية:
قال الشيخ: (وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية، وشرعية، وعرفية.
فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة.
والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع.
والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف).
قال المرداوي في التحبير (١/ ٣٨٩): (الحقيقة ثلاثة أنواع: أحدها: اللغوية، وهي الأصل، كالأسد على الحيوان المفترس. الثاني: الحقيقة العرفية، وحدها: ما خص عرفاً ببعض مسمياته، يعني: أن أهل العرف خصوا أشياء كثيرة ببعض مسمياتها، وإن كان وضعها للجميع حقيقة، وهي قسمان: عامة، وخاصة. فالعامة: ما انتقلت من مسماها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول، وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة بالنسبة إلى ذات الحافر، فإن الدابة وضعت في أصل اللغة لكل ما يدب على الأرض فخصصها أهل العرف بذات الحافر من الخيل والبغال والحمير ... وإما باشتهار المجاز، كإضافتهم الحرمة إلى الخمر، وإنما المحرم الشرب، وكذلك ما يشيع استعماله في غير موضوعه اللغوي، كالغائط، والعذرة، والراوية، وحقيقتها: المطمئن من الأرض، وفناء الدار (١)، والجمل الذي يستقى عليه الماء (٢). والخاصة: ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم، كاصطلاح النحاة، والنظار، والأصوليين، وغيرهم على أسماء خصوها بشيء من مصطلحاتهم، كالمبتدأ، والخبر، والفاعل، والمفعول، والنقض، والكسر، والقلب، وغير ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فن).
والحقيقة الشرعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الشرع كالصلاة للعبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، وكّالإيمان، للاعتقاد والقول والعمل.
стр. 176
أيها يقدم من الحقائق الثلاث:
قال الشيخ في الأصل: (وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية).
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٢/ ٢٣٨): (المقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو التحقيق خلافاً لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملاً لاحتمال هذا وذاك).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢٨٦): (ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم).
تعريف المجاز:
قال الشيخ: المجاز هو: (اللفظ المستعمل في غير ما وضع له).
قال في الأصل: (فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " في غير ما وضع له " الحقيقة).
وهذا الحد غير مانع فقد يدخل فيه ما لا يصح أن يكون مجازا على جميع الأقوال لعدم وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، ولا وجود قرينة للصرف للمعنى المجازي كقولنا: رأيت خبرا، وتقول الخبز مجاز عن الرجل. ولذلك أضاف البعض قيودا لهذا التعريف فقالوا: لعلاقة وزاد بعضهم لعلاقة مع قرينة، وأسلم منه ما حده به ابن قدامة في الروضة (ص/١٧٥) حيث قال: (هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح) (١).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٠٥): (وقولنا: على وجه يصح نريد به وجود شروط المجاز المذكورة بعد احتراز من استعماله على وجه لا يصح،
стр. 177
وهو ما إذا انتفت شروطه أو بعضها، بأن كان لا لعلاقة، أو لعلاقة خفية (١)، ونحو ذلك).
وقال ابن بدران في نزهة الخاطر (١/ ١٢٢): (عدل عن قولهم لعلاقة إلى قوله على وجه يصح ليعم المذهبين مذهب من يقول على وجه يصح أي بحسب غير وضع أول بل بمجرد المناسبة (٢) كما هو رأي الأكثر، ومذهب من يقول على وجه يصح أي بوضع ثان ملحوظ فيه الوضع السابق كما هو رأي البعض بخلاف ما إذا قيل هو اللفظ المستعمل في غير وضع أول لعلاقة فإنه لا يصح إلا على مذهب الأكثرين. والحاصل أن قولنا على وجه يصح أعم من قولنا لعلاقة وقيد الصحة يخرج مثل استعمال لفظ الأرض في السماء).
شروط المجاز:
قال الشيخ: (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان ب القرينة . ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة).
وكلام الشيخ واضح في اشتراط وجود علاقة وقرينة ليصح المجاز.
القرينة:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٢٥): (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة.
فهذا من أهم ما يكون، يعني: أننا لا يمكن أن نحمل الكلام على المجاز إلا بدليل صحيح.
стр. 178
وإذا ضربنا لهذا مثلاً في صفات الله تبين: قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، فحقيقة الاستواء هو: العلو، فإذا حرَّفه أحد إلى الاستيلاء! قلنا: لا نقبل مثل هذا؛ لأن تحريفه إلى الاستيلاء إخراج له عن حقيقته، ولا يقبل إلا بدليل.
وإذا قال قائل: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤]،- يعني: يدي الله وأن المراد بهما النعمة! قلنا له: لا نقبل؛ لأن استعمال اليد في النعمة مجاز، ولا يمكن أن يحمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة.
فإذا قال: عندي دليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة، وهو العقل والنقل:
أما النقل: فلقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١].
وأما العقل: فلظهور التباين بين الخالق والمخلوق!
فالجواب: أن نقول: إن إثبات اليد لا يستلزم المماثلة، فها أنت لك يد، ولبعيرك يد، فهل يداكما سواء؟
وأما الجواب عن العقل، فنقول: نعم، فالتباين بين الخالق والمخلوق صحيح، فكما أنهما متباينان بالذات، فإنهما متباينان في الصفات.
وعلى كل حالٍ أهم شيء عندنا في المجاز هو: أن نمنع حمل الكلام على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهذا الدليل يسميه علماء البلاغة: "القرينة" ثم يقسمون القرينة إلى حالية وإلى لفظية، وليس هذا موضع البحث).
العلاقة:
قال الشيخ في " الشرح" (ص/١٢٦): (قوله: (ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة): فهذا أيضًا لا بد منه، لابد أن يكون هناك علاقة بين الحقيقة والمجاز، يعني: بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، من أجل أن يصح التعبير به عنه، فإن لم يكن هناك علاقة فلا يصح المجاز، فلو عبرت مثلا بالخبز عن الشاة والبيت، لا يصح؛ لعدم العلاقة، لكن لو عبرت عن العصير بالخمر يصح؛ للعلاقة، لأن أصل الخمر العصير، وتعبر باليد عن النعمة؛ لأن النعم والعطاء تكون باليد، وتعبر عن النفس بالرقبة؛ لأن الرقبة إذا قطعت مات الإنسان، لكن هل تعبر عن
стр. 179
الإنسان بالظفر، فإذا نزلت إلى السوق وجدت ظفرًا يُحَرّج عليه- أي: يساوم عليه- فاشتريت هذا الظفر وأعتقته، فإن هذا لا يصح، فليست هناك علاقة؛ أولا: لأن الظفر لا يطلق على الإِنسان. وثانيًا: لأن الظفر جزء يسير لو فقد لا يموت الإِنسان بخلاف الرقبة.
وكذلك لو قال: نزلت إلى السوق فوجدت أصبغا يُساوم عليه فاشتريته، وأعتقته؛ فإن ذلك لا يصح ... ).
أنواع العلاقة:
قال الشيخ: (والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها).
المجاز له أربعة أنواع (١):
١ - المجاز المفرد وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
- والعلاقة إن كانت المشابهة كقولك رأيت أسداً يرمي سمي هذا النوع من المجاز استعارة، وحد الاستعارة مجاز علاقته المشابهة.
- وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية ونحو ذلك سمي مجازاً مفرداً مرسلاً كقول الشاعر:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر (٢)
أطلق الدم وأراد الدية مجازاً مرسلاً علاقته السببية لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
стр. 180
٢ - المجاز المركب وضابطه أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة.
- وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها: (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين.
- وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله:
هَوايَ مع الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ ... جَنِيبٌ وجُثْمانِي بمَكَّةَ مُوثَقُ (١)
فالبيت كلام خبري أريد به إنشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية ...
٣ - المجاز العقلي (٢): التجوز فيه في خصوص الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع.
٤ - مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب.
مجاز النقص مثلوا له بقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] والمراد أهل القرية.