أيها يقدم من الحقائق الثلاث:
قال الشيخ في الأصل: (وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية).
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٢/ ٢٣٨): (المقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو التحقيق خلافاً لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملاً لاحتمال هذا وذاك).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢٨٦): (ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم).
تعريف المجاز:
قال الشيخ: المجاز هو: (اللفظ المستعمل في غير ما وضع له).
قال في الأصل: (فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " في غير ما وضع له " الحقيقة).
وهذا الحد غير مانع فقد يدخل فيه ما لا يصح أن يكون مجازا على جميع الأقوال لعدم وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، ولا وجود قرينة للصرف للمعنى المجازي كقولنا: رأيت خبرا، وتقول الخبز مجاز عن الرجل. ولذلك أضاف البعض قيودا لهذا التعريف فقالوا: لعلاقة وزاد بعضهم لعلاقة مع قرينة، وأسلم منه ما حده به ابن قدامة في الروضة (ص/١٧٥) حيث قال: (هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح) (١).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٠٥): (وقولنا: على وجه يصح نريد به وجود شروط المجاز المذكورة بعد احتراز من استعماله على وجه لا يصح،
стр. 177
وهو ما إذا انتفت شروطه أو بعضها، بأن كان لا لعلاقة، أو لعلاقة خفية (١)، ونحو ذلك).
وقال ابن بدران في نزهة الخاطر (١/ ١٢٢): (عدل عن قولهم لعلاقة إلى قوله على وجه يصح ليعم المذهبين مذهب من يقول على وجه يصح أي بحسب غير وضع أول بل بمجرد المناسبة (٢) كما هو رأي الأكثر، ومذهب من يقول على وجه يصح أي بوضع ثان ملحوظ فيه الوضع السابق كما هو رأي البعض بخلاف ما إذا قيل هو اللفظ المستعمل في غير وضع أول لعلاقة فإنه لا يصح إلا على مذهب الأكثرين. والحاصل أن قولنا على وجه يصح أعم من قولنا لعلاقة وقيد الصحة يخرج مثل استعمال لفظ الأرض في السماء).
شروط المجاز:
قال الشيخ: (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان ب القرينة . ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة).
وكلام الشيخ واضح في اشتراط وجود علاقة وقرينة ليصح المجاز.
القرينة:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٢٥): (ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة.
فهذا من أهم ما يكون، يعني: أننا لا يمكن أن نحمل الكلام على المجاز إلا بدليل صحيح.
стр. 178
وإذا ضربنا لهذا مثلاً في صفات الله تبين: قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، فحقيقة الاستواء هو: العلو، فإذا حرَّفه أحد إلى الاستيلاء! قلنا: لا نقبل مثل هذا؛ لأن تحريفه إلى الاستيلاء إخراج له عن حقيقته، ولا يقبل إلا بدليل.
وإذا قال قائل: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤]،- يعني: يدي الله وأن المراد بهما النعمة! قلنا له: لا نقبل؛ لأن استعمال اليد في النعمة مجاز، ولا يمكن أن يحمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة.
فإذا قال: عندي دليل صحيح يمنع إرادة الحقيقة، وهو العقل والنقل:
أما النقل: فلقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١].
وأما العقل: فلظهور التباين بين الخالق والمخلوق!
فالجواب: أن نقول: إن إثبات اليد لا يستلزم المماثلة، فها أنت لك يد، ولبعيرك يد، فهل يداكما سواء؟
وأما الجواب عن العقل، فنقول: نعم، فالتباين بين الخالق والمخلوق صحيح، فكما أنهما متباينان بالذات، فإنهما متباينان في الصفات.
وعلى كل حالٍ أهم شيء عندنا في المجاز هو: أن نمنع حمل الكلام على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة، وهذا الدليل يسميه علماء البلاغة: "القرينة" ثم يقسمون القرينة إلى حالية وإلى لفظية، وليس هذا موضع البحث).
العلاقة:
قال الشيخ في " الشرح" (ص/١٢٦): (قوله: (ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه، وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة): فهذا أيضًا لا بد منه، لابد أن يكون هناك علاقة بين الحقيقة والمجاز، يعني: بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، من أجل أن يصح التعبير به عنه، فإن لم يكن هناك علاقة فلا يصح المجاز، فلو عبرت مثلا بالخبز عن الشاة والبيت، لا يصح؛ لعدم العلاقة، لكن لو عبرت عن العصير بالخمر يصح؛ للعلاقة، لأن أصل الخمر العصير، وتعبر باليد عن النعمة؛ لأن النعم والعطاء تكون باليد، وتعبر عن النفس بالرقبة؛ لأن الرقبة إذا قطعت مات الإنسان، لكن هل تعبر عن
стр. 179
الإنسان بالظفر، فإذا نزلت إلى السوق وجدت ظفرًا يُحَرّج عليه- أي: يساوم عليه- فاشتريت هذا الظفر وأعتقته، فإن هذا لا يصح، فليست هناك علاقة؛ أولا: لأن الظفر لا يطلق على الإِنسان. وثانيًا: لأن الظفر جزء يسير لو فقد لا يموت الإِنسان بخلاف الرقبة.
وكذلك لو قال: نزلت إلى السوق فوجدت أصبغا يُساوم عليه فاشتريته، وأعتقته؛ فإن ذلك لا يصح ... ).
أنواع العلاقة:
قال الشيخ: (والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها).
المجاز له أربعة أنواع (١):
١ - المجاز المفرد وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي.
- والعلاقة إن كانت المشابهة كقولك رأيت أسداً يرمي سمي هذا النوع من المجاز استعارة، وحد الاستعارة مجاز علاقته المشابهة.
- وإن كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية ونحو ذلك سمي مجازاً مفرداً مرسلاً كقول الشاعر:
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر (٢)
أطلق الدم وأراد الدية مجازاً مرسلاً علاقته السببية لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
стр. 180
٢ - المجاز المركب وضابطه أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة.
- وعلاقته إن كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال السائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت إمكان فرصته، ثم بعد أن فات إمكان فرصته جاء يطلبه (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وأصل المثل أن امرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها: (الصَّيفُ ضَيَّعتِ اللَبَن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين.
- وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله:
هَوايَ مع الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ ... جَنِيبٌ وجُثْمانِي بمَكَّةَ مُوثَقُ (١)
فالبيت كلام خبري أريد به إنشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحسر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية ...
٣ - المجاز العقلي (٢): التجوز فيه في خصوص الإسناد لا في لفظ المسند إليه ولا المسند كقول المؤمن: (أنبت الربيعُ البقلَ) فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع.
٤ - مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب.
مجاز النقص مثلوا له بقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] والمراد أهل القرية.
стр. 181
والتحقيق أنه لا مجاز في هذه الآية (١)، وإنما هي أساليب استعملتها العرب، ومعان حقيقية جاءت بها اللغة، فقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فيه حذف مضاف، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب العربية معروف، لأنه مما يعلم وحذف ما علم جائز كما قرره علماء العربية.
ولتعلم أنه جاء استعمال العرب للقرية تارة للمكان، وتارة للسكان، وقد جاء القرآن بذلك كله، قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأعراف: ٤، ٥])، وقال في آية أخرى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد: ١٣]، فالمراد بالقرية هنا السكان، وكذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) [الكهف: ٥٩]، والمراد السكان.
وقد أطلق لفظ القرية، وأريد به المكان، قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البقرة: ٢٥٩] الآية.
فالحاصل أن العرب تطلق هذا اللفظ، وتريد به تارة المكان، وتارة السكان، والسياق هو الذي يحدد ذلك، وليس هذا اللفظ مجازا، وإنما أسلوب من أساليب العربية المعروفة (٢).
ومثال مجاز الزيادة عندهم قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:١١].
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٣٢): (وقوله: (مثلوا للمجاز بالزيادة بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فقالوا: إن "الكاف" زائدة، لتأكيد نفي المثل عن الله):
قالوا: لا يمكن أن يجتمع كلمتان دالتان على التشبيه؛ لأنه، لو اجتمع كلمتان دالتان على التشبيه لكان هذا عين التشبيه، لأن نفي النفي إثبات.
فلو كان المعنى: ليس مثلَ مثلِ اللَّه شيء، لثبت المثلُ! وهذا مستحيل، والكاف: حرف يدل على التشبيه.
стр. 182
فقالوا: "الكاف" زائدة في الكلام من حيثُ التركيب فلو قيل: ليس مثله شيء. أي ليس شيء مثله، لاستقام الكلام، إذًا فنحمل الآية الكريمة على أن "الكاف " زائدة مجازًا (١).
س: فما الفائدة؟
ج: الفائدة: توكيد النفي، كأن هذه الجملة صارت جملتين، كل جملة فيها ما يدل على نفي الماثلة، كأنه قال: "ليس كهو شيء"، "ليس مثله شيء"، فيكون المراد بالزيادة هنا التوكيد.
وبهذا التقرير نسلم من معارضات واعتراضات كثيرة وإلا فإن الناس تكلموا في هذه الآَية كلامًا طويلًا عريضًا. لكن اخترنا هذه الآية من أجل تقريب المعنى فيها، ولا نلتفت إلى ما سطره بعض العلماء حول هذه الآية، فقد أوردوا من الإِشكالات والاعتراضات والإِجابات الأشياء الكثيرة، نقول: التوكيد في اللغة العربية جارٍ مجرى التكرار، كما لو قلتَ: "جاء زيد نفسه " كأنك تقول: "جاء زيد زيد").
الأمر
تعريف الأمر:
قال الشيخ: (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء).
وهذا التعريف قريب من تعريفات الحنابلة للأمر وموافق لأصولهم.
قال الشيخ (٢): فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه.
стр. 183
وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي؛ لأنه طلب ترك، وليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا الإيجاد ولو كان قولا. فإذا قلت لك: قل لاإله إلاالله، فهذا أمر؛ لأنني أمرتك أن توجد هذا القول، فيسمى أمرا.
وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن.
الالتماس يكون من مساو، أما الدعاء فيقولون إن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء وهو صحيح بالنسبة لله عزوجل، فلا شك أنه دعاء، أننا إن سألنا الله عزوجل فإننا ندعوه. لكن إن كان من أدنى إلى أعلى فينبغي أن لا نسميه دعاء، بل نسميه سؤالا؛ لأنه لا ينبغي أن يكون الدعاء إلا إلى الله عزوجل.
تنبيهات:
التنبيه الأول - معنى العلو والاستعلاء:
هناك ألفاظ تترد عند الكلام على تعريف الأمر وهي: العلو، والاستعلاء وبينهما فرق وقد اختلف الأصوليون في اشتراطهما، أو أحدهما في حد الأمر على أقوال أربعة يأتي بيانها بإذن الله في التنبيه التالي.
قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢١٧٦): (قوله: ﴿فالاستعلاء طلب بغلظة، والعلو كون الطالب أعلى رتبة، قاله القرافي﴾. فقال في ' التنقيح ': الاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع وإظهار القهر والعلو يرجع إلى هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور. انتهى ... قال ابن العراقي: فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام).
التنبيه الثاني - الخلاف في اشتراط العلو أو الاستعلاء في حد الأمر:
الشيخ ﵀ اختار اشتراط الاستعلاء دون العلو وهو واضح من تعريفه، وقال في شرح الأصول (ص/١٣٧): (والعلماء اختاروا "على وجه الاستعلاء"؛ لأنها أصح من كلمة "على وجه العلو".
ثم الاستعلاء إما أن يكون بجدارة وأحقية، وإما أن يكون بالسيطرة والقوة.
فالاستعلاء إما أن يكون بحق وجدارة كالأوامر الواردة من الله إلينا وكذلك من رسول الله ﷺ إلينا، وكذلك من الأب لابنه، وما أشبه ذلك، فهذا
стр. 184
واضح أن المستعلى فيها أهل للعلو، وعال على مرتبة المأمور، وقد يكون من باب الادعاء والسيطرة بلا حق).
وقال الشيخ في "شرح نظم الورقات" (ص/٨٠) معقبا على اشتراط العمريطي للعلو في حد الأمر: (وقوله ﵀: (ممن كان دون الطالب) أي لابد أن يكون الآمر أعلى من المأمور، وهذه العبارة فيها تسامح، وذلك لأن الأدنى قد يأمر الأعلى استذلالا له، ولهذا عبر بعضهم بقوله: على وجه الاستعلاء؛ ليشمل من وضع نفسه أعلى من المأمور، وليس بعالٍ.
فلو أن الرقيق انفرد بسيده وقال له: افعل كذا وإلا رميتك بهذا السهم، وهو يقدر على هذا فماذا يكون هذا؟ هو أمر، لذا فغن السيد سوف ينفذ؛ لن العبد يرى نفسه الآن أعلى من سيده. ولذلك نقول: تحرير العبارة على وجه الاستعلاء).
وقال المرداوي في التحبير (٥/ ٢١٧٢): (قوله: ﴿فائدة اعتبر أبو الخطاب، والموفق، و﴾ أبو محمد ﴿الجوزي، والطوفي، وابن مفلح، وابن قاضي الجبل، وابن برهان﴾ في ' الأوسط '، ﴿و﴾ الفخر ﴿الرازي، والآمدي، وغيرهم فيه الاستعلاء﴾، وهو قول أبي الحسين من المعتزلة، وصححه ابن الحاجب، وغيره. ﴿و﴾ اعتبر أكثر أصحابنا، منهم: ﴿القاضي، وابن عقيل، وابن البنا، والفخر﴾ إسماعيل ﴿والمجد﴾ ابن تيمية ﴿وابن حمدان﴾ وغيرهم، ونسبه ابن عقيل في ' الواضح ' إلى المحققين، ﴿وأبو الطيب﴾ الطبري، وأبو إسحاق ﴿الشيرازي﴾ - نقل عنه البرماوي -، ﴿والمعتزلة: العلو، فالمساوي﴾ عندهم ﴿التماس﴾، أعني: أمر المساوي لغيره يسمى عندهم التماسا، ﴿والأدون سؤالا﴾. ونقله البرماوي عن ابن الصباغ، وحكاه ابن الصباغ عن أصحابهم، والباقلاني، وعبد الوهاب في ' الملخص '، وأبو الفضل ابن عبدان. قال القاضي عبد الوهاب في ' الملخص ': هذا عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم. واعتبر الاستعلاء والعلو معا ابن ﴿القشيري والقاضي عبد الوهاب﴾ المالكي، نقله عنهما البرماوي.
تلخص في المسألة أربعة أقوال: أحدها: اعتبار العلو والاستعلاء، والثاني: عكسه، والثالث: اعتبار الاستعلاء فقط، والرابع: اعتبار العلو فقط).
والراجح من هذه الأقوال ما اختاره الشيخ العثيمين وهو اشتراط الاستعلاء لا العلو
стр. 185
لأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف.
قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الورقات: (والأَوْلى أنْ نقول في تعريف الأمر: أنّ الأمر استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء.
استدعاء الفعل ممن هو دونه على وجه الاستعلاء، ما معناها؟ يعني أن يكون الآمر في أمره مؤكِّدا جازما، وبعض علماء الأصول يقولون على وجه العلو، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ العلو صفة الآمر، والاستعلاء صفة للأمر في نفسه، فيكون على وجه الاستعلاء؛ يعني الأمر فيه جزم، أو فيه شدة، وفيه غلظة، ونحو ذلك، حتى يخرج منها الالتماس والسؤال وإلى آخره).
التنبيه الثالث - توجيه بعض أدلة المخالف:
ليس المجال هنا لاستيعاب أدلة المخالف، وإنما سوف أذكر أشهر الأدلة والتي قد تترد في ذهن البعض من عدم اشتراط الاستعلاء.
- استدلوا بقوله تعالى في سورة الشعراء: (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) والمعنى بماذا تشيرون (١).
- واستدلوا بقوله تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف: ٧٧] وتعقب بأن هذا دعاء وليس أمرا.
- واستشهدوا بقول عمرو بن العاصِ لمعاوية:
أَمَرْتُكَ أَمْراً جَازِماً فَعَصَيْتَنيِ ... وَكَانَ مِنَ التَّوْفِيقِ قَتْلُ ابنِ هَاشِمِ
ومعلوم أنه ليس هناك علو ولا استعلاء من عمرو على معاوية.
قال العسكري في "الفروق اللغوية" (ص / ٤٩٤) على هذا البيت:
(هو على وجه الازدراء بالمخاطب والتخطئة له ليقبل لرأيه ومعلوم أن التابع لا يأمر المتبوع ثم يعنفه على مخالفته أمره).
- والذي يظهر لي أن الخلاف هنا لفظيا فمن اشترط الاستعلاء اعتبر الأوامر التي ليس فيها استعلاء من باب الدعاء والالتماس.
стр. 186
وأما من لم يشترطه فالأمر عنده يتناول مطلق الطلب فيدخل فيه الدعاء والالتماس وهذه المسألة متعلقة بالأمر المتجرد عن القرائن هل هو للوجوب أم لغيره، وسوف يأتي بإذن الله الكلام على هذه المسألة.
إلا أن هناك خلافا حقيقيا ومرجعه عقدي في تعريف الأمر وهل له صيغة أم لا؟ وهذا ما سوف نعرض له في التنبيه التالي:
التنبيه الرابع - للأمر صيغة موضوعة في اللغة أو (الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده):
قال الشنقيطي في المذكرة (ص/٢٤): (اعلم أن كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:
الأول أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا أسكن مثلا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغاً هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق وهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهى.
قال مقيده عفا الله عنه:
الذي يظهر والله أعلم أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهى عن ضده، مبنى على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي، وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهى عن الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهى ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، النهى استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهى عن الضد وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهياً عن الضد أن يكون الأمر نفسياً يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة ... أصل هذا الكلام مبنى على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضى أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح.
стр. 187
المذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهى عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال لأن قولك أسكن مثلا يستلزم نهيك عن الحركة لان المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم الواجب إلا به واجب، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلانى في آخر مصنفاته وكان يقول بالأول.
المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالى من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده وإذا كان ذاهلا عنه فليس ناهياً عنه إذ لا يتصور النهى عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزوما لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده فالأمر مستلزم ضرورة للنهى عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين) (١).
стр. 188
والكلام على تعريف الأمر يطول جدا فقد عرض الآمدي في إحكامه لتعاريف كثيرة جدا للأمر واستطرد في نقدها ثم عرفه بأنه (طلب الفعل على جهة الاستعلاء) ولعل هذا بناء على مذهبه باعتبار الكلام النفسي، فلم يشترط أن يكون قولا، وهو مردود كما سبق والأولى أن نعرفه بما عرفه به الشيخ العثيمين بأنه: (قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء).
صيغ الأمر:
قال الشيخ: (صيغ الأمر أربع:
١ - فعل الأمر.
٢ - اسم فعل الأمر.
٣ - المصدر النائب عن فعل الأمر.
٤ - المضارع المقرون بلام الأمر.
وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو على تركه عقاب).
ذكر الشيخ هنا بعض الصيغ التي يستفاد منها الأمر وسوف نشرح كلامه في الجزئيات التالية:
أولا- فعل الأمر:
هو الفعلُ الّذي يدلُّ على طلبِ حدوثِ العملِ في المستقبلِ على وجهِ الاستعلاءِ، وهو مبنيٌّ دائماً:
١ - يُبنى على السّكونِ: أ- إذا لم يتصلْ به شيءٌ، مثلُ: (اسمعْ)
стр. 189
ب-أو إذا اتّصلَتْ به نونُ النّسوةِ (اسمعْن).
٢ - يُبنى على الفتحِ: إذا اتّصلَت به إحدى نوني التّوكيدِ الخفيفةُ أو الثقيلةُ، مثالٌ: اسمعَنْ- اسمعَنَّ.
٣ - يُبنى على حذفِ حرفِ العلّةِ: إذا كانَ معتلَّ الآخرِ، مثالٌ: اسعَ- ادنُ- امضِ.
٤ - يُبنى على حذفِ النّونِ: إذا كانَ مضارعُه من الأفعالِ الخمسةِ، أي إذا اتّصلَتْ به ألفُ الاثنين أو واوُ الجماعةِ أو ياءُ المؤنّثةِ المخاطبةِ. مثالٌ: اكتبا-اكتبوا- اكتبي.
ومثل له الشيخ بقوله تعالى: (﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) [العنكبوت: ٤٥] فهذا فعل أمر مبني على حذف الواو.
ثانيا - اسم فعل الأمر:
وهو الذي يدل على معنى فعل الأمر، ولا يقبل علامة من علاماته كياء المخاطبة أو نون التوكيد، ومنه:
- إيهِ: بمعنى زِدْ. (إيهِ من حديثِك الطريف).
- صهْ بمعنى: اسكت. (صهْ عن بذئِ الكلام).
- مَهْ بمعنى: كُفَّ. (تماديت في الأذى فمه).
- آمين بمعنى: استَجِب. (ربنا أعنا على فعل الخير آمين).
- حيَّ بمعنى: أَقْبِل. (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح).
ثالثا - المصدر النائب عن فعل الأمر:
هو مصدر ينوب عن فعل الأمر:
- كقول الله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤] فضرب المصدر نائب عن فعل الأمر يعني اضربوا الرقاب.
- قوله تعال: (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: ١١] فسحقا: أي فبعدا شديدا، وهو مصدر "سحق" بمعنى: بعد أشد البعد، وقد ناب عن فعل الأمر، والمعنى: "اسحقوا" أي: ابتعدوا ابتعادا شديدا".
- قول قطري بن الفجاءة:
فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ... فَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ
فصبرا: أي: فاصبر.
стр. 190
رابعا - المضارع المقرون بلام الأمر:
قال ابن أم قاسم في "الجنَى الداني في حروف المعاني": (لام الأمر، والأولى أن يقال: لام الطلب، ليشمل: الأمر نحو (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق: ٧]، والدعاء نحو (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، قيل: والالتماس، كقولك لمن يساويك: لتفعل، من غير استعلاء. وذلك لأن الطلب إذا ورد من الأعلى فهو أمر، وإذا ورد من الأدنى فهو دعاء، وإذا ورد من المساوي فهو التماس.
وهذه اللام التي للطلب كصيغة افعل، في أنها قد ترد لمعان أخر، غير الطلب، كالتهديد نحو قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (١) [العنكبوت: ٦٦] والأصل في ذلك معنى الطلب.
مسألة:
حركة هذه اللام الكسر. ونقل ابن مالك أن فتحها لغة، وحكاه الفراء عن بني سليم. ويجوز إسكانها بعد الواو والفاء، وهو أكثر من تحريكها نحو (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) [البقرة: ١٨٦]، ويجوز إسكانها بعد ثم، وليس بضعيف، ولا مخصوص بالضرورة، خلافاً لزاعم ذلك. وبه قرأ الكوفيون، وقالون، والبزي (ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج: ١٥]).
تنبيه - الفرق بين لام الأمر ولام التعليل:
فرق الشيخ في شرح الأصول (ص/١٤٠) بين لام الأمر ولام التعليل فقال: (إذا كانت للتعليل فهي لام كي، لا تسمى أمرا، وإذا كانت لغير التعليل وتفيد الطلب فهي لام الأمر، وهناك فرق لفظي بينهما: إذا وقعت ساكنة بعد ثم والواو والفاء فهي لام الأمر مثل قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ) [الحج: ١٥]، اللام هنا في الموضعين لام الأمر، وكذلك في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) [الحج: ٢٩] اللام أيضا لام الأمر ولو كانت لام كي لوجب أن تكسر مثل قوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) [العنكبوت: ٦٦]).
стр. 191
والفرق بين اللامين يتبين في هذه النقاط:
١ - فالفرق هو فرق في المعنى الذي يظهر من التعليل أو الأمر. فلام التعليل تدخل على الفعل المضارع، ويكون ما بعدها علة لما قبلها، وهذه اللام دائما تأتي مجرورة، ويسميها البعض لام كي، لأنها كثيرة المجئ مع (كي) أو بمعنى كي.
أما لام الأمر: فإنها تدل على الطلب من أعلي لأقل مرتبة، أو من متساوٍ في الرتبة أو غيرهما وذلك من حيث المعنى.
٢ - لام الأمر تجزم الفعل ولام التعليل تنصبه.
مناقشة المثال الذي ذكره الشيخ:
مثَّل الشيخ للام التعليل بقوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) [العنكبوت: ٦٦].
واعتبر الشيخ الشعراوي هذه اللام لام الأمر لا لام التعليل، فقال في "تفسيره": (واللام في ﴿لِيَكْفُرُواْ ... ﴾ [العنكبوت: ٦٦] ليست لام التعليل؛ لأن الكفر لم يكُنْ مقصداً لهم، وحين عادوا بعد أن نجاهم الله إنما عادوا إلى أصلهم، فاللام هنا لام الأمر كما لو قلت: قم يا زيد وليقم عمرو، وعلامة لام الأمر أن تكون ساكنة، وهي هنا مكسورة لأنها في بداية الكلام، حيث لا يُبدأ بساكن، ولو وضعنا قبلها حرفاً لتبيَّن سكونها).
وعلى كل من القولين جماعة من العلماء.
قال البغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٥٥): (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) هَذَا لَامُ الْأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ، كَقَوْلِهِ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فُصِّلَتْ: ٤٠]، أَيْ: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِي إِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: سَاكِنَةَ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: (لِيَكْفُرُوا)، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَقِيلَ: مَنْ كَسَرَ اللَّامَ جَعَلَهَا لَامَ كَيْ وَكَذَلِكَ فِي لِيَكْفُرُوا، وَالْمَعْنَى لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي الْإِشْرَاكِ إِلَّا الْكُفْرُ وَالتَّمَتُّعُ بِمَا يَتَمَتَّعُونَ به في العالجة مِنْ غَيْرِ نَصِيبٍ فِي الْآخِرَةِ) (١).
وقال القرطبي في " تفسيره" (١٣/ ٣٦٣): (قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا) قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)
стр. 192
[العنكبوت: ٦٥] ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي أكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا).
قال الشربيني في "تفسير السراج المنير" (٣/ ٢٠١): (وفي اللام في قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) وجهان: أظهرهما أن اللام فيه لام كي أي: يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلاً وهم يتحاشون عن مثل ذلك، والثاني: كونها للأمر (وَلِيَتَمَتَّعُوا) باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادّهم عليها، وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالكسر وهي محتملة للوجهين المتقدّمين، والباقون بالسكون وهي ظاهرة في الأمر فإن كانت اللام الأولى للأمر فقد عطف أمراً على مثله، فإن قيل كونها للأمر مشكل إذ كيف يأمر الله تعالى بالكفر وهو متوعد عليه؟
أجيب: بأن ذلك على سبيل التهديد كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠]
وإن كانت للعلة فقد عطف كلاماً على كلام فيكون المعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يستمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة).
والأقوى عندي كلام الشيخ العثيمين من كون اللام هي لام التعليل.
قال الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦١): (لام قوله: (لِيَكْفُرُوا) صلُحت أن تكون بمعنى كي؛ لأنها شرط، لقوله: إذا هم يشركون بالله كي يكفروا بما آتيناهم من النعم).
قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٤٤٢): (هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة لأنهم لا يقصدون ذلك ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل).
خامسا - صيغ أخرى للأمر:
قال الشيخ: (وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو على تركه عقاب).
هذه الصيغ التي ذكرها الشيخ هنا تدل على مطلق الطلب للفعل سواء أكان جازما أم غير جازم فيدخل فيها الواجب والمندوب.
стр. 193
وقد مثل الشيخ في شرح الأصول لما ذكر فقال (ص/١٤١) ما ملخصه: (قد نستفيد طلب الفعل بغير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض مثل قوله تعالى لما ذكر أصناف الزكاة قال: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٦٠]، وقال النبي ﷺ لمعاذ: (أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، وكقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم).
كقوله هذا مندوب، ويندب له أن يفعل كذا.
وقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقوله: (كل معروف صدقة).
أو يمدح فاعله مثل أن يرتب عليه الثواب: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) [البقرة: ٢٦١]) وهكذا ...
وقد عقد الشيخ مناع القطان بحثا في مجلة البحوث الإسلامية العدد الأول بعنوان " وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها" وقدم لبحثه بمقدمة ومما ذكر فيها: وليست صيغة الأمر قاصرة على صيغة واحدة فإن أساليب طلب الفعل في القرآن كثيرة منها:
- الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة: ١٧٨]، وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣].
- اقتران الفعل بألا، كقوله تعالى: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) [التوبة: ١٣]- قال القرطبي: (توبيخ وفيه معنى التحضيض) -.
- الاستفهام التعجبي والإنكاري مقرونا بترك الفعل، كقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) [آل عمران: ٨٣].
- الإخبار بأن ترك الفعل كفر، أو ظلم، أو فسق، كقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤].
وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٥]، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: ٤٧].
- الإخبار بأن إتيان الفعل من الإيمان أو أن تركه يناقض الإيمان، كقوله تعالى:
стр. 194
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥]، وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: ٣٦].
ثم قال: قال الغزالي في المستصفى: (إن قول الشارع أمرتكم بكذا، وأنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: أوجبت عليكم، أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا أو أنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب).
الأمر المتجرد عن القرائن للوجوب إلا لصارف:
قال الشيخ ﵀: (صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي وجوب المأمور به).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو مذهب الحنابلة (١) والأكثر.
قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٢٠٢): ((أحمد وأصحابه، والأكثر: الأمر المجرد عن قرينة حقيقة في الوجوب). هذا مذهب إمامنا وأصحابه وجمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم. قال أبو إسحاق الشيرازي في ' شرح اللمع '، وابن برهان في ' الوجيز ': هذا مذهب الفقهاء).
وفي المسألة أقوال أخري كثيرة أشهرها ثلاثة أنه للوجوب، للندب، للإباحة.
قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٩): ((الأمر) في حالة كونه (مجردا عن قرينة) (حقيقة في الوجوب) عند جمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة ... وقيل: إن الأمر المجرد عن قرينة حقيقة في الندب. ونقله الغزالي والآمدي عن الشافعي. ونقله أبو حامد عن المعتزلة بأسرها ... وقيل: إن الأمر المجرد عن قرينة حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب.
فيكون من المتواطئ (٢). اختاره الماتريدي من الحنفية، لكن قال: يحكم بالوجوب ظاهرا في حق العمل احتياطا دون الاعتقاد ... وفي المسألة اثنا عشر قولا غير هذه الثلاثة أضربنا عن ذكرها خشية الإطالة وذكر في القواعد الأصولية خمسة عشر
стр. 195
قولا).
قال الشنقيطي في المذكرة (ص/١٨٩): (والحق أنها للوجوب إلا بدليل صارف عنه لقيام الأدلة , كقوله (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب.
وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب: ٣٦]، فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعاً من الاختيار وذلك دليل الوجوب. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) [المرسلات: ٤٨] فهو ذم على ترك امتثال الأمر بالركوع وهو دليل الوجوب وقوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [الأعراف: ١٢] فقرعه على مخالفة الأمر. وهو دليل الوجوب وقوله: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [طه: ٩٣] فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية. وذلك دليل الوجوب. وقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أن السيد لو قال لعبده افعل فلم يمتثل فأدبه لأنه عصاه أن ذلك واقع موقعه مفهوم من نفس صيغة الأمر ... والحق أن دليل اقتضاء ((افعل)) للوجوب الشرع واللغة كما ذكرنا وقيل العقل ... ).
ومذهب الحنابلة أنه يقتضيه شرعا، قلت: ولا مانع من أنه يقتضيه لغة وعقلا أيضا إذا تجرد عن القرائن.
الأمر للفور:
قال الشيخ: (صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي المبادرة بفعله - أي المأمور به - فوراً).
الخلاف إنما هو بالنسبة للأمر المطلق وهو الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين، وذلك كإخراج زكاة المال
стр. 196
ودفعها إلى مستحقيها عند حلول الحول، وكقضاء الفوائت، وكالكفارات والنذور غير المؤقتة بوقت ...
قال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٢٢٦): (اتفق العلماء على أن الأمر إذا صحبته قرينة تدل على الفور يحمل على ذلك، وإذا صحبته قرينة تدل على جواز التراخي حمل على ذلك، وإذا حدد له وقت معين حمل على ذلك.
واختلفوا في الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور ولا على تراخي، ولم يوقت بوقت معين علام يحمل؟ ... ).
والمقصود من كون الأمر للفور أن يبادر المكلف لامتثال الأمر وتنفيذه بعد سماعه دون تأخير، فإن تأخر عن الأداء كان مؤاخذا - إلا لعذر -.
وما اختاره الشيخ هو ظاهر المذهب (١)، قال الكلوذاني في التمهيد (١/ ٢١٧)
: (الأمر المطلق يقتضي تعجيل فعل المأمور به في ظاهر المذهب٠٠٠ وقد أومأ إليه أحمد ﵀ أي القول بأنه على التراخي - في رواية الأثرم).
وقال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٢٢٦): (وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه لا يقتضي الفور، وقاله: أكثر الشافعية، نقله الأستاذ أبو منصور، وسليم الرازي، ونصره الباقلاني، والغزالي، والآمدي، والرازي. وأخذت هذه الرواية عن أحمد من قوله عن قضاء رمضان: يفرق، قال الله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤] ... ).
والراجح أنه للفور.
قال الشيخ في الأصل: (ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨] والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة.
ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية، حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس.
стр. 197
ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها).
وقد ساق الشنقيطي في أضواء البيان بعض الأدلة بعبارة مختصره وأجاب عن بعض أدلة المخالفين فقال (٤/ ٣٣٨): (جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور.
أما الشرع - قوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣]، وكقوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [الحديد: ٢١]- قوله: (سَابِقُواْ) وقوله (وَسَارِعُواْ) يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فوراً. ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [الأنبياء: ٩٠]. وقوله تعالى (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: ٦١].
وأما اللغة: فإن أهل اللسان العربي، مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء، فلم يفعل، فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة أفعل في قولك: اسقني ماء، تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخ عن الأمر بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فوراً، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والتراخي.
وأما العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معينة ينتهي عندها، وإما لا. والقسم الأول ممنوع، لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه، دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه. إن قلنا: إنه ليس على الفور. والحاصل: أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع.
والقسم الثاني الذي هو: أن تراخيه، ليس له غاية، يقتضي عدم وجوبه، لأن ما جاز تركه جوازاً، لم تعين له غاية ينتهي إليها، فإن تركه جائز إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه والمفروض وجوبه.
فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.
فالجواب: أن البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؟ لأن الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، وقد قدمنا قوله تعالى في
стр. 198
ذلك (وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) [الأعراف: ١٨٥].
فهذه جملة أدلة القائلين: بأن وجوب الحج على الفور، ومنعوا أدلة المخالفين قالوا إن قولكم: إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النَّبي ﷺ وجوب الحج، وأن قوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: ١٩٦]. نزلت عام ست في عمرة الحديبية. دلت على أن الحج مفروض عام ست، وأنه ﷺ أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.
وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه: وزعم الواقدي أن قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر. وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أن قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح اهـ. منه، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه عام تسع. هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام، وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فهو أنه لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب. وقد أجمع أهل العلم على أن من أحرم بحج أو عمرة، وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب ... ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف ... بل الذي أجمعوا عليه: هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع، لأن آية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧] هي الآية التي فرض بها الحج: وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزلت عام الوفود وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النَّبي ﷺ على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريباً، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النَّبي ﷺ الحج عام فتح مكة، لأنه
стр. 199
انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج. لأنه لم يفرض.
فإن قيل: سلمنا تسليماً جدلياً أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضاً في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع، وهو ﷺ لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر.
فالجواب والله تعالى أعلم: أن عام تسع لم يتمكن فيه النَّبي، وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت، وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [التوبة: ٢٨]، وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل علياً ﵁ بعد أبي بكر ينادي ببراءة: وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا عريان، فلو بادر ﷺ إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت، وهم عراة وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافياً من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه والعلم عند الله تعالى، وأجابوا عن قولهم: كونه ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي، أن يفسخوا حجهم في عمرة، دليل على تأخير الحج، لأنهم بعد ما أحرموا فيه فسخوه في عمرة، وحلوا منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة بعينها، وتأخير الحج: إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى، وذلك ليس بواقع هنا، فلا تأخير للحج في الحقيقة، لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من لم يفسخ حجه في عمرة، فلا تأخير كما ترى.
وأجابوا عن قولهم: إنه لو أخره من سنة إلى أخرى، أو سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤدياً لا قاضياً بالإجماع، ولو حرم التأخير، لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين. ثم خرج ذلك الوقت المعين لها كما هو مقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي
стр. 200
وجوب المبادرة خوفاً من طرو العوائق، أو نزول الموت قبل الأداء كما تقدم إيضاحه.
وأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره. ولو كان التأخير حراماً لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حراماً وشبهة الأدلة التي أقاموها على ذلك، هذا هو حاصل أدلة الفريقين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض هو: أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت كقوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣]، وما قدمنا معها من الآيات وكقوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) [الأعراف: ١٨٥] ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه ﷺ لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر، والعلم عند الله تعالى ... ).
خروج الأمر عن الوجوب للندب لقرينة:
قال الشيخ: (وقد يخرج الأمر عن الوجوب لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى معان منها: الندب).
سبق تعريف الواجب وهو (ما أمر به الشارع على وجه الإلزام) والمندوب وهو (ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام) والمقصود بيان أنه قد تأتي قرينة أو دليل يبين أن الأمر ليس على سبيل الإلزام.
مثال: وقد مثل الشيخ في الأصل لذلك فقال: (كقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) [البقرة: ٢٨٢] فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد).
فعل النبي ﷺ هنا من عدم الإشهاد عند البيع بيَّن أن الأمر بالإشهاد للإرشاد والندب، والدليل الصارف هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
стр. 201
﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفي مسائل الإمام أحمد (٢/ ١١) مسألة رقم (١٨٠٧): (قُلْتُ - والقائل هو إسحاق بن منصور صاحب المسائل -: قول اللهِ (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] إِذا بَاع بَالنقدِ أَيُشهدُ أمْ لا؟ قَالَ: إِنْ أشْهدَ فلا بأسَ، وإِنْ لمْ يشهدْ فلا بأسَ لقولِ الله : (﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾).
مثال آخر له تعلق بهذا المثال ويوضحه، فآية الدين والآية التالية لها بينتا أن توثيق الدين له طرق منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد.
قال الشنقيطي في تفسيره (١/ ١٨٤) فقال: (قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة: ٢٨٢] ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب. ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: ٢٨٣] فالتحقيق أن الأمر في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس قاله القرطبي).
وقد بيَّن ﵀ أن قيد (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ) لا مفهوم مخالفة له لأنه جرى مجرى الغالب إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالبا في السفر، وعليه فالرهن جائز حضرا وسفرا وقد ثبت أن النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي.
فوائد:
الفائدة الأولى - الفرق بين الندب والإرشاد:
قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢١٨٦): (والضابط فيه - أي الإرشاد - أن يرجع لمصلحة في الدنيا بخلاف الندب فإنه لمصالح الآخرة. وأيضا الإرشاد لا ثواب فيه والندب فيه الثواب) (١).
стр. 202
والإرشاد إنما يكون بالنظر للعادات، أو الأمور الدنيوية لذاتها (العادات المحضة) بقطع النظر عن نية الامتثال أو شائبة التعبد، كالأكل لنيل حظ النفس من الشبع، والشرب للري، والنوم لراحة الجسد، ونحو ذلك. وشأن هذه الأفعال أن تكون مباحة ما لم تخالف نصا عاما للشريعة فتكون معصية، كمن أسرف في الأكل أو الشرب، أو تناول محرما منهما، أو تعمد النوم لإضاعة الصلاة، ونحو ذلك مما هو معلوم.
أما إن خالطت نية فعل هذا الأمر الإرشادي نية الامتثال - كمن نام ليتقوى على قيام الليل -، أو انفردت نية الامتثال، وتجردت عند الفاعل وانقطع نظره من مراعاة حظ نفسه، فلا شك أنه يؤجر على نية الامتثال في هاتين الحالتين، وقد فصل السبكي هذه الحالات فقال في "الإبهاج " (٢/ ١٧): (والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، ولا يتعلق به ثواب البتة؛ لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه، وقد يقال إنه يثاب عليه لكونه ممتثلا، ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب؛ لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه، ويكون الفارق إذا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة والآخر لمنافع الدنيا، والتحقيق أن الذي فعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب، وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال) (١).
تنبيه:
مما سبق يتبين أن الأمر الإرشادي هو ما كان بالنظر للمصالح الدنيوية فقط، وتحصيل حظ النفس، فإن اجتمع معه نية الامتثال فقد اجتمع الندب مع الإرشاد. وكذا الأمر بالنسبة للمكروه والنهي الإرشادي.
стр. 203
قال الزركشي في "تشنيف المسامع" (١/ ٣١٧): (الفرق بين الإرشاد والكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في كراهة المشمس شرعية، أو إرشادية، أي متعلق الثواب، أو ترجع إلى مصلحة طبية).
وقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (١/ ٤٩٧): (الفرق بينه - أي الإرشاد - وبين الكراهة أن المفسدة المطلوب درؤها فيه دنيوية وفي الكراهة دينية).
قال أبو زرعة العراقي في " طرح التثريب" (٨/ ١١١) في شرح حديث: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون): (هذا النهي ليس للتحريم بل ولا للكراهة وإنما هو للإرشاد، والفرق بينه وبين ما كان للندب في الفعل وللكراهة في الترك أن ذلك لمصلحة دينية والإرشاد يرجع لمصلحة دنيوية وقد بين ﵊ المعنى في ذلك بقوله في حديث جابر في الصحيحين وأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم وأراد بالفويسقة الفأرة لخروجها على الناس من جحرها بالفساد وقوله تضرم بضم التاء وإسكان الضاد أي تحرق سريعا ... ).
ومن أمثلة النهي الإرشادي أيضا: النهي عن المشي في نعل واحدة، وعن الانتعال من قيام.
وأما ما كان من النواهي التي في تكون في باب المعاملات والتي لا ينفك عنها الوجه الامتثالي فلا تدخل في هذا الباب على الراجح عندي، مثل النهي عن بيع الدين بالدين، والبيعتان في بيعة، وبيع المعدوم، والمجهول، ونحو ذلك.
والضابط في ذلك أن الإرشاد ما كان الأمر أو النهي فيه خاصا بالأمور الدنيوية وقاصرا على العبد، وأما ما كان منها متعديا ومنظما لعلاقته مع غيره، فالحكم يكون بالندب أو الكراهة كما قال القرافي في الفروق (٢/ ٣٧٣): (كل حق للعبد فيه حق لله تعالى وهو أمره بإيصاله إلى مستحقه كأداء الديون ورد الغصوب والودائع).
الفائدة الثانية - الأوامر والنواهي التي في الآداب:
محل النزاع هو الأوامر أو النواهي التي لم يدل على صرفها للندب، أو الكراهية دليل شرعي كإجماع، أو نص من كتاب، أو سنة، وإنما قيل بصرفها لكونها في باب الآداب، وقد نص كثير من العلماء على أن ما كان في الآداب فهو للندب، أو
стр. 204
الكراهة ومثل هذا في ثنايا كلامهم ممّا يدل على أن هذه القاعدة مستعملة عندهم.
قال الشيخ في شرح منظومته في الأصول: (ومن العلماء من فصل فقال: أما الأمر حين يتعلق بالآداب والأخلاق فإنه للاستحباب؛ لأنه كمال، والكمال ليس بواجب، وكذلك يقال النهي حين يتعلق بالآداب والأخلاق إنه للكراهة، أما ما يتعلق بالعبادات فإن الأمر فيه للوجوب والنهي للتحريم؛ وذلك لأنك إذا استتبعت كثيرا من الأوامر فيما يتعلق بالآداب والأخلاق وجدتها للاستحباب والندب لا للوجوب، وكذلك إذا تأملت كثيرا من النواهي في الأخلاق والآداب وجدتها للكراهة لا للتحريم.
وهذا الحكم في ما لم يجمع العلماء على خلافه، فإن أجمع العلماء على خلافه فإن إجماعهم حجة معصومة).
وقال في شرح الأصول (ص/١٥٨): (بعض العلماء يقولون: إن الأوامر التي لا تتعلق بالعبادة كلها للإرشاد، وان الشارع أرشدك إلى ما فيه المصلحة ولم يلزمك بها إلزاما ... فيقول كل شيء لا يتعلق بالعبادة فالأصل أنه للإرشاد ... لكن الجمهور على خلاف ذلك يقولون: كل أوامر الشرع كلها عبادة حتى ما يتعلق بالعادة فهو عبادة).
محصل كلام الشيخ الأخير أنه رد على هذه القاعدة بالتفريق بين الأوامر في العبادات وغيرها من العادات والآداب، وأعاد الكل إلى أصل الخلاف في مسألة الأمر هل يفيد الوجوب، وقد سبق بيان الراجح وأنه للوجوب وهذا القول الثاني للشيخ من عدم التفريق هو الأقوى وذلك لما يأتي:
١ - عموم الأدلة التي سبق ذكرها والدالة على أن الأوامر للوجوب ولم تفرق بين ما كان في الآداب وما كان في الأحكام.
٢ - أنه لا يوجد ضابط صحيح منضبط لهذا التفريق.
وقد فرق بينهما ابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/ ١٧٧) بقوله: (نهيه ﷺ عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنهيت عن شيء من تصرفه والعمل به فإنما هو نهي أدب؛ لأنه ملكك تتصرف فيه كيف شئت ولكن التصرف على سنته لا تتعدى وهذا باب مطرد ما لم يكن ملكك حيوانا فتنهى عن أذاه فإن أذى المسلم في غير حقه حرام وأما
стр. 205
النهي عما ليس في ملكك إذا نهيت عن تملكه أو استباحته إلا على صفة ما في نكاح أو بيع أوصيد أو نحو ذلك فالنهي عنه نهي تحريم فافهم هذا الأصل).
وهذا التفريق لا ينضبط فالقيد الذي ذكره يعود على تعليله بالإبطال، إذ أن مفاد التعليل جواز التصرف فيه كيف شاء ثم قيد هذا الجواز بعدم التعدي في التصرف على سنته، وهذا القيد هو بعينه مفاد النهي؛ إذ أننا ما عرفنا كون هذا الفعل فيه تعدي أو غيره إلا من النهي، فإن فعل المنهي عنه يكون قد تعدي وخرج النهي عن باب الأدب.
ومن الأمثلة التي تبين عدم انضباط هذا التفريق النهي عن حلق اللحية، وعن وطء المرأة وفي بطنها جنين لغيره، وعن الأكل بالشمال والشرب بها، وعن الاستنجاء باليمين، وكل هذه المناهي فيما هو مملوك لنا، وقد ذهب ابن عبر البر إلى أنها محرمة.
وعليه فجعل مطلق الأمر للوجوب، وكذا مطلق النهي للتحريم - إلا لقرينة -، سواء أكان في العبادات أم الآداب هو الأولى، وخاصة أنه إن فتح مثل هذا الباب مع عدم انضباط وجه التفريق فسيكون سبيلا للتخلص من أوامر ونواهي الشريعة بزعم أنها إنما وردت في الآداب.
تتمة:
بقيت نقطة أشار إليها الشيخ في "شرح الأصول" (ص/١٥٦) حيث قال: (العلماء في أصول الفقه أصَّلوا هذه القاعدة - الأصل في الأمر الوجوب - لكن تطبيقها في كل مسألة جزئية فيه شيء من الصعوبة. ووجهه ما أشرتُ، أنك تجد أوامر كثيرة في القرآن وفي السنة قال العلماء فيها: إنها ليست للوجوب، فيبقي الإنسان متحيراً هل العلماء قالوا هذا بناءً علي أن الأصل في الأوامر عدم الوجوب، أو لهم قرائن وأدلة تخرج هذه الأمر المعين عن الوجوب؟ إن كان الثاني فالأمر واضح، والإنسان يبقي مطمئناً ينشرح الصدر إذا وجد دليلاً يخرجه عن الوجوب، لكن أحياناً لا يجد دليلاً يخرجه عن الوجوب، ولا ينشرح صدره بالإيجاب، ولا تطمئن نفسه للوجوب، ويخشى أن يُلزم نفسه أو يُلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به فيقع في هلكة وفي محظور. لكن الطريقة السليمة أن نقول: نمسك هذا الأصل - وهو أن الأصل في
стр. 206
الأمر الوجوب- هذا هو الأصل، ثم إذا وقع أمر نشك في كونه للوجوب، ولأن نفس المؤمن قد تدله و (الإثم ما حاك في نفسك) (١) قد تدله نفسه أن هذا ليس بواجب وأن الإنسان لو تركه لا يأثم، فحينئذٍ نلتمس لهذه المسألة المعنية دليلاً يخرجها عن الوجوب.
س: إذا كان جمهور العلماء علي عدم الوجوب مثلاً، فهل هذه قرينة تصرفه؟
ج: لا؛ لأن الدليل هو الإجماع؛ لكن لا شك أن الإنسان يكون عنده تردد فيما إذا رأى أن جمهور العلماء يرون أن هذا الأمر ليس للوجوب).
ثم قال ﵀: (وعلى كل حال إذا رأيت الجمهور على الاستحباب؛ فهنا يجب عليك أن تتوقف عن القول بالوجوب، وعلى الأقل تقول للناس افعلوا كذا، ما دام هذا هو أمر اللَّه ورسوله فافعلوه، ولا تقل هو واجب أم ليس بواجب! بل قل: افعلوه. كما لو ورد النهي نقول: اتركوه سواء قلنا مكروه أو محرم).
والأولى عندي في حمل هذا التردد، أو التوقف الذي أشار إليهما الشيخ ﵀ بأن يحمل على الأخذ الإجماعات الفقهية، أو الأقوال التي يكون فيها الخلاف شاذ.
ويوضحه أننا نفهم الكتاب والسنة بفهم وعمل سلف الأمة، ولا نتمسك بشواذ الأقوال، وعليه فإن لم يكن هناك خلافا معتبرا في حمل الأمر أو النهي على ظاهره، وإنما كان التمسك بظاهرهما قول شاذ، فلا نقول بظاهر الأمر أو النهي، وهذا هو روح الفقه، فما كان إغفال سلف الأمة للقول بالظاهر إلا لعلة فيه، أو لدليل خفي علينا (٢).
خروج الأمر عن الوجوب للإباحة لقرينة:
قال الشيخ: (وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى الإباحة وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور).
стр. 207
١ - الأمر (١) بعد الحظر.
قال الشيخ في الأصل: (مثاله بعد الحظر قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]. فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ١]).
قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٢٤٦) ما مختصره: ((أحمد، ومالك، وأصحابهما، والشافعي، والأكثر: الأمر بعد الحظر للإباحة)، هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور ومحل ذلك: إذا فرعنا على أن اقتضاء الأمر الوجوب فورد بعد حظر ففيه هذا الخلاف. والصحيح أنه للإباحة حقيقة؛ لتبادرهما إلى الذهن في ذلك؛ لعلية استعماله فيها حينئذ، والتبادر علامة للحقيقة. وأيضا: فإن النهي يدل على التحريم فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم وهو المتبادر، فالوجوب أو الندب زيادة لا بد لها من دليل ... (وذهب الشيخ) تقي الدين، وجمع - وهو ظاهر كلام القفال الشاشي - والبلقيني (أنه كما قبل الحظر) فهو لدفع الحظر السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر، فإن كان مباحا كانت للإباحة نحو: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]، أو واجبا كانت للوجوب ... قال الشيخ تقي الدين: وعليه يخرج (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) [التوبة: ٥] الآية. (وقال: هو المعروف عن السلف والأئمة). انتهى).
وفي المسألة أقوال أخر، وإنما اكتفيت بهذين القولين لأنهما الأقوى ولشهرتهما، ولأن الخلاف بينهما لفظي في وجه كما سيأتي بعد قليل - بإذن الله -.
стр. 208
قال الكلوذاني في التمهيد (١/ ١٧٩): (لنا أن الشرع لم يرد بأمر بعد الحظر إلا والمراد به الإباحة بدليل قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]، (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)، (فإذا تطهرن فأتوهن)، وقوله ﵇: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها) فدل أن هذا مقتضاه، فإن قيل قد ورد أيضا والمراد به الوجوب بدليل قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين). قيل: لا نسلم أن قتل المشركين استفيد بهذه الآية وإنما استفيد بآيات آخر نحو قوله: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم)، وقوله: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين)، وغير ذلك من الآيات والأخبار).
ومما يشكل على استقراء الكلوذاني أمثلة كثيرة منها:
قال ابن اللحام في قواعده (ص/١٦٦): (الأمر بزيارة القبور للرجال أخذ غير واحد من أصحابنا من كلام الخرقى أنها مباحة لأن الأمر بزيارتها أمر بعد حظر فيقتضى الإباحة بناء على القاعدة ولكن المذهب المنصوص عن أحمد أنها مستحبة وذكره بعضهم إجماعا لأنه وإن كان بعد حظر لكنه علله ﵊ بتذكر الموت والآخرة وذلك أمر مطلوب شرعا ...
ومنها أمره ﷺ بالنظر إلى المخطوبة هو أمر بعد حظر فيقتضى الإباحة بناء على القاعدة وهذا أحد الوجهين لأصحابنا وهو إباحة النظر لا استحبابه، والوجه الثاني وجزم به جماعة من الأصحاب منهم أبو الفتح الحلوانى وابن عقيل وصاحب الترغيب استحباب النظر إلى المخطوبة؛ لأنه وإن كان أمرا بعد حظر لكنه معلل بعلة تدل على أنه أريد بالأمر الندب وهى قوله ﷺ : (فهو أحرى أن يؤدم بينكما) ... ) وذكر أمثلة وفروعا أخرى كثيرة على هذه القاعدة فلينظرها من شاء.
سبب الخلاف:
اتفق أصحاب القولين على أن تقدم الحظر على الأمر قرينة توجب صرف الأمر
стр. 209
عن ظاهره (١).
ومن ذهب أنه الأمر بعد الحظر للإباحة فقد علله بأن ورود الأمر بعد الحظر يرفع التحريم ويتبادر إلى الذهن الإباحة.
ومن قال أنه يعود إلى ما كان عليه قبل الحظر علله بأن تقدم الحظر على الأمر قرينة تبطل الوجوب (٢) فيعود إلى ما كان عليه قبل الحظر.
وهذا الأخير هو الأقوى عندي وهو الذي يجمع بين ما كان للوجوب، وللإباحة ولغيرهما.
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/١٩٠): (الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم وهو أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر فان كان قبله جائزاً رجع إلى الجواز , وان كان قبله واجباً رجع إلى الوجوب.
فالصيد مثلا كان مباحاً ثم منع للإحرام ثم أمر به عند الإجلال فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقتل المشركين كان واجباً ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم ... الآية)) فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اخترنا قال به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى ((فإذا حللتم فاصطادوا)).
ومن الأدلة أيضا التي تدل على أنه للوجوب ما روت عائشة ﵂: (أن فاطمة بين أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال (ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (٣).
стр. 210
بيان أن الخلاف لفظي إذا دلت قرينة على الحكم:
قال المرداوي في " التحبير" (٥/ ٢٢٤٧) بعد أن رجح أنه للإباحة: (النهي يدل على التحريم فورود الأمر بعده يكون لرفع التحريم وهو المتبادر، فالوجوب أو الندب زيادة لا بد لها من دليل).
ثم قال (٥/ ٢٢٥٢) بعد أن ذكر الأقوال في المسألة: (تنبيه: قال الكوراني: هذا الخلاف إنما هو عند انتفاء القرينة (١)، وأما عند وجودها فيحمل على ما يناسب المقام بلا خلاف. انتهى).
هذا التعليل من المرداوي يشعر بأن الإباحة المستفادة من الأمر بعد الحظر قد لا تكون حكما نهائيا إذا دل الدليل على غيرها، وهذا ما صرح به من كلام الكوراني.
ويشعر بأن الخلاف بين المذهبين لفظيا فكون وجوب قتال الكفار مستفاد من رفع الحظر وعود الأمر إلى ما كان عليه قبل الحظر أو من دليل آخر بعد استقرار الأمر على الإباحة المستفادة من الأمر بعد الحظر، فكلا المذهبين اتفقا مآلا من حيث النظر في الأدلة لمعرفة حكم قتال المشركين قبل الحظر، أو بعد الإباحة.
وقد رأيت الشيخ عياض السلمي أشار إلى نحو ما اخترته فقال في " أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله" (ص/٢٦٣) بعد أن رجح القول الأول بأنه للإباحة: (وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأمر بعد الحظر يعيد الفعل إلى ما كان عليه قبل ورود الحظر، فقد نسب للمزني، واختاره بعض المتأخرين، وقد يفسر به قول بعض المتقدمين كالقفال الشاشي، وهو قريب من حيث التطبيق من القول الأول، وفيه جمع بين الآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الإباحة، مثل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، والآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الوجوب، نحو: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]).
ما كان جوابا لما يتوهم أنه محظور:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٢٦): (ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور؛ قوله
стр. 211
صلّى الله عليه وسلّم: (افعل ولا حرج)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن
تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض).
وقال في "الشرح" (ص/١٦٢): (هذا الأمر وقع جوابا لما يتوهم أنه محظور فلا يكون للاستحباب ولا للطلب ولكنه للإباحة).
لم أقف على من ذكر هذه القاعدة غير الشيخ ﵀ ومن وجهة نظري أن معنى هذه القاعدة أن أمر النبي ﷺ إنما يكون لدفع توهم الحظر، وبيان المشروعية، لا لمجرد كون الأمر مباحا.
ومن الأمثلة الدالة على أنه قد يرد مرادا به الوجوب: قوله ﷺ لأصحابه عندما تحرجوا من التحلل من العمرة: (هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم
القيامة) (١).
فقوله: (فليحل) لبيان وجوب التحلل من العمرة لمن كان متمتعا، ودفعا لتوهم الحظر فقد كانوا يعتقدون حظر العمرة في أشهر الحج فبين لهم النبي الجواز ودفع عنهم هذا التوهم.
التهديد:
قال في الأصل: (التهديد كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً)، فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد).
قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٢٣) وهو يتكلم عن المعاني التي ترد لها صيغة الأمر: ((و) الحادي عشر: كونها بمعنى (تهديد) نحو قوله تعالى (اعملوا ما شئتم) وقوله تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم). (و) الثاني عشر: كونها بمعنى (إنذار) نحو قوله تعالى (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) وقد جعله قوم قسما من التهديد، وهو ظاهر البيضاوي، والصواب المغايرة.
стр. 212
والفرق: أن التهديد هو التخويف، والإنذار: إبلاغ المخوف. كما فسره الجوهري بهما.
وقيل: الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كالآية والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون مقرونا ... ).
وبه تعلم ما في عبارة الشيخ من ذكره أنه الوعيد بعد الأمر دليل على أنه للتهديد.
ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي:
سبق وأن ذكرت أن الأمر المطلق الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو
على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين الراجح فيه أنه على الفور.
والآن يتكلم الشيخ عن الأمر الذي دلت القرينة على أنه على التراخي.
قال في "الشرح" (ص/١٦٦): (. قوله: (ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي): وهذا يكون في الموقت الموسع، فكل عبادة ذات وقت موسع فهي على التراخي ما دام وقتها باقيًا.
فمثلًا قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨]: دلوكها يعني زوالها - يعني: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فظاهر الآية الكريمة أنه تجب الصلاة فور الزوال، ولكن دلت النصوص الأخرى على أن وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وعلى هذا نقول: العبادة الموقتة بوقت مضيق (١)، فعلها على الفور.
كذلك الواجب المربوط بسبب لا يجب قبل وجود سببه، فإذا وُجد سببه، فإن كان موقتًا فهو على حسب الوقت، وإن لم يكن موقتًا فهو فوري- يجب على الفور ...
كفارة اليمين إذا حنث هل هي فورية أم على التراخي؟
ج: هي على الفور فمن حين أن يحنث وجب عليه أن يكفِّر.
وإذا حلق الإنسان رأسه في الإحرام، فهل يجب عليه أن يبادر بالفدية أم لا؟
ج: نعم، يجب؛ لأن السبب وجد وليست الفدية بمؤقتة، فيجب عليه أن يبادر، بناء على القول بأن الواجب على الفور).
стр. 213
مناقشة مثال قضاء رمضان:
قال في "الأصل" (ص/٢٦): (مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دل الدليل على أنه للتراخي فعن عائشة ﵂ قالت: " كان يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وذلك لمكان رسول الله، صلي الله عليه وسلم.
ولو كان التأخير محرماً ما أُقِرّت عليه عائشة ﵂.
قال في "الشرح" (ص/١٦٧): (وقضاء رمضان- قال الله تعالى فيه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]، فهل يجب قضاء رمضان فور زوال العذر أم يجوز فيه التراخي؟
ج: نقول: الأصل أنه يجب فور زوال العذر لكن وجد دليل على أنه للتراخي، وهو حديث عائشة: (كان يكون عليَّ الصوم في رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان).
وقضاء رمضان واجب، والأصل أنه على الفور، لكن هذا الحديث يدل على أنه ليس على الفور، فعائشة تقول: (ما أقضيه إلا في شعبان).
فإن قلت: يرد عليك في هذا الحديث واردان:
الوارد الأول: قولها: "فما أستطيع " وهذا يدل على أنها كانت تؤخره لعذر، ونحن نوافقك أنه إذا كان لعذر فهو على التراخي حتى يزول العذر، فكيف تقول: قضاء رمضان- يجوز فيه التوسع، وهي تقول: "ما أستطيع ".
الوارد الثاني: أن عائشة لم تذكر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك حتى يكون من باب التقرير، فمن الجائز أن الرسول ﷺ لم يعلم، وفِعْلُ الصحابي ليس بحجة لجواز أن يفعله عن اجتهاد - والمسألة خلافية، فما هو الجواب عن هذين الواردين؟
الجواب: أما الأول: وهو قولها: "لا أستطيع " فإنها لا تقصد بعدم الاستطاعة أن هناك مانعًا بدنيًا منعها منه، كالسفر والمرض، فهي في المدينة وهي صحيحة، لكن المانع هو: لمكان رسول اللَّه ﷺ ، وهذا المانع ليس مانعًا من الواجب بدليل أنها كانت تصلي الصلوات مع مكان الرسول ﷺ -
стр. 214
منها، وبدليل أنها تصوم رمضان مع مكان الرسول ﷺ ، فلو كان القضاء واجبًا على الفور لكان مكان الرسول ﷺ لا يمنعها من القضاء؛ لأن هذا مكان لا يمنع من الواجبات.
إذًا "فما أستطيع ": ليس المراد نفي القدرة البدنية، ولكن القدرة التي يراد بها مراعاة الرسول ﷺ وهذه المراعاة لا تسقط الواجب.
والجواب على الإِيراد الثاني من وجهين:
الوجه الأول: يبعد أن النبي ﷺ لا يعلم بما يكون لعائشة، وهي زوجته وأحب النساء إليه، ويبعد جدًا ألا يعلم أنها تؤخر القضاء.
ثانيًا: على فرض أن النبي ﷺ لم يكن يعلم فإن اللَّه تعالى قد علم، واللَّه تعالى لا يقر أحدًا على خطأ فيِ زمن الوحي، والدليل على أن اللَّه لا يقر أحدًا في زمن الوحيِ قوِله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: ١٠٨]، فهؤلاء القوم لا يَعلم
أحد عنهم شيئًا؛ لأنهم يستخفون من الناس، فالناس لا يعلمون عنهمِ شيئًا، ولكن اللَّه يعلم، فبيَّن ما يبيتونه فقال: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) فالناس لا يعلمون ولكن الله يعلم، ولما كان هذا الأمر لا يرضاه بيَّنه- ، فهذه الآية واضحة في أن اللَّه لا يقر أحدًا على خطأ في عهد النبوة).
ما لا يتم المأمور إلا به .
قال المرداوي في التحبير (٢/ ٩٣١): (هذه المسألة هي المعبر عنها في الأصول: بما لا يتم الواجب إلا به واجب، وربما قيل: ما لا يتم المأمور إلا به يكون مأموراً به، وهو أجود وأشمل من حيث إن الأمر قد يكون للندب، فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة).
قال الشيخ في الأصل: (إذا توقف فعل المأمور به على شيء كان ذلك الشيء مأموراً به فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً.
مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبا.
стр. 215
ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبا.
وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: " الوسائل لها أحكام المقاصد " فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها).
تنبيه- الفرق بين مقدمة الوجوب ومقدمة الوجود:
قال الشيخ عفانة في "شرح الورقات": (هذه المسألة المعروفة عند الأصوليين بمقدمة الواجب ويقولون ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب.
ومقدمة الواجب تنقسم إلى قسمين:
مقدمة وجوب وتسمى مقدمة تكليف وهي ما يتوقف وجوب الواجب عليه سواء كانت سبباً أو شرطاً مثال السبب دخول الوقت للصلاة ومثال الثاني الاستطاعة للحج.
ومقدمة وجود وتسمى مقدمة صحة وهي ما يتوقف وجود الواجب عليه مثل الوضوء بالنسبة للصلاة.
ومقدمة الوجوب تحصيلها ليس واجباً على المكلف أما مقدمة الوجود فتحصيلها واجب على المكلف إن كانت تحت مقدوره كالوضوء بالنسبة للصلاة.
وأما إن لم تكن تحت قدرته فليست واجبة عليه كحضور أربعين لصحة الجمعة عند من يشترط ذلك العدد. وخلاف الأصوليين في مقدمة الوجود فقط).
قال ابن اللحام في "قواعده" (ص/ ٩٤): (ما لا يتم الواجب إلا به للناس في ضبطه طريقان: إحداهما وهى طريقة الغزالي وأبى محمد المقدسي وغيرهما أنه ينقسم - إلى ما بكون غير - مقدور كالقدرة والأعضاء وإلى فعل غيره كالإمام والعدد في الجمعة فلا يكون واجبا وإلى ما يكون مقدورا له كالطهارة وقطع المسافة إلى الجمعة والمشاعر فيكون واجبا، قال أبو البركات وهذا ضعيف في القسم الأول إذ لا واجب هناك وفى الثاني باطل باكتساب المال في الحج والكفارات ونحو ذلك.
الطريقة الثانية أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب كالقسم الأول وكالمال في الحج والكفارات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقا، وهذه طريقة الأكثرين من أصحابنا وغيرهم، قال أبو البركات وهى أصح وسواء كان شرطا وهو ما يلزم