← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

صلّى الله عليه وسلّم: (افعل ولا حرج)، في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض). وقال في "الشرح" (ص/١٦٢): (هذا الأمر وقع جوابا لما يتوهم أنه محظور فلا يكون للاستحباب ولا للطلب ولكنه للإباحة). لم أقف على من ذكر هذه القاعدة غير الشيخ ﵀ ومن وجهة نظري أن معنى هذه القاعدة أن أمر النبي ﷺ إنما يكون لدفع توهم الحظر، وبيان المشروعية، لا لمجرد كون الأمر مباحا. ومن الأمثلة الدالة على أنه قد يرد مرادا به الوجوب: قوله ﷺ لأصحابه عندما تحرجوا من التحلل من العمرة: (هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) (١). فقوله: (فليحل) لبيان وجوب التحلل من العمرة لمن كان متمتعا، ودفعا لتوهم الحظر فقد كانوا يعتقدون حظر العمرة في أشهر الحج فبين لهم النبي الجواز ودفع عنهم هذا التوهم. التهديد: قال في الأصل: (التهديد كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً)، فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد). قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٢٣) وهو يتكلم عن المعاني التي ترد لها صيغة الأمر: ((و) الحادي عشر: كونها بمعنى (تهديد) نحو قوله تعالى (اعملوا ما شئتم) وقوله تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم). (و) الثاني عشر: كونها بمعنى (إنذار) نحو قوله تعالى (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) وقد جعله قوم قسما من التهديد، وهو ظاهر البيضاوي، والصواب المغايرة.

стр. 212

والفرق: أن التهديد هو التخويف، والإنذار: إبلاغ المخوف. كما فسره الجوهري بهما. وقيل: الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كالآية والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون مقرونا ... ). وبه تعلم ما في عبارة الشيخ من ذكره أنه الوعيد بعد الأمر دليل على أنه للتهديد. ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي: سبق وأن ذكرت أن الأمر المطلق الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور، أو على تراخي، ولم يكن محددا لفعله وقت معين الراجح فيه أنه على الفور. والآن يتكلم الشيخ عن الأمر الذي دلت القرينة على أنه على التراخي. قال في "الشرح" (ص/١٦٦): (. قوله: (ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي): وهذا يكون في الموقت الموسع، فكل عبادة ذات وقت موسع فهي على التراخي ما دام وقتها باقيًا. فمثلًا قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨]: دلوكها يعني زوالها - يعني: أقم الصلاة إذا زالت الشمس، فظاهر الآية الكريمة أنه تجب الصلاة فور الزوال، ولكن دلت النصوص الأخرى على أن وقت الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وعلى هذا نقول: العبادة الموقتة بوقت مضيق (١)، فعلها على الفور. كذلك الواجب المربوط بسبب لا يجب قبل وجود سببه، فإذا وُجد سببه، فإن كان موقتًا فهو على حسب الوقت، وإن لم يكن موقتًا فهو فوري- يجب على الفور ... كفارة اليمين إذا حنث هل هي فورية أم على التراخي؟ ج: هي على الفور فمن حين أن يحنث وجب عليه أن يكفِّر. وإذا حلق الإنسان رأسه في الإحرام، فهل يجب عليه أن يبادر بالفدية أم لا؟ ج: نعم، يجب؛ لأن السبب وجد وليست الفدية بمؤقتة، فيجب عليه أن يبادر، بناء على القول بأن الواجب على الفور).

стр. 213

مناقشة مثال قضاء رمضان: قال في "الأصل" (ص/٢٦): (مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دل الدليل على أنه للتراخي فعن عائشة ﵂ قالت: " كان يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وذلك لمكان رسول الله، صلي الله عليه وسلم. ولو كان التأخير محرماً ما أُقِرّت عليه عائشة ﵂. قال في "الشرح" (ص/١٦٧): (وقضاء رمضان- قال الله تعالى فيه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]، فهل يجب قضاء رمضان فور زوال العذر أم يجوز فيه التراخي؟ ج: نقول: الأصل أنه يجب فور زوال العذر لكن وجد دليل على أنه للتراخي، وهو حديث عائشة: (كان يكون عليَّ الصوم في رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان). وقضاء رمضان واجب، والأصل أنه على الفور، لكن هذا الحديث يدل على أنه ليس على الفور، فعائشة تقول: (ما أقضيه إلا في شعبان). فإن قلت: يرد عليك في هذا الحديث واردان: الوارد الأول: قولها: "فما أستطيع " وهذا يدل على أنها كانت تؤخره لعذر، ونحن نوافقك أنه إذا كان لعذر فهو على التراخي حتى يزول العذر، فكيف تقول: قضاء رمضان- يجوز فيه التوسع، وهي تقول: "ما أستطيع ". الوارد الثاني: أن عائشة لم تذكر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك حتى يكون من باب التقرير، فمن الجائز أن الرسول ﷺ لم يعلم، وفِعْلُ الصحابي ليس بحجة لجواز أن يفعله عن اجتهاد - والمسألة خلافية، فما هو الجواب عن هذين الواردين؟ الجواب: أما الأول: وهو قولها: "لا أستطيع " فإنها لا تقصد بعدم الاستطاعة أن هناك مانعًا بدنيًا منعها منه، كالسفر والمرض، فهي في المدينة وهي صحيحة، لكن المانع هو: لمكان رسول اللَّه ﷺ ، وهذا المانع ليس مانعًا من الواجب بدليل أنها كانت تصلي الصلوات مع مكان الرسول ﷺ -

стр. 214

منها، وبدليل أنها تصوم رمضان مع مكان الرسول ﷺ ، فلو كان القضاء واجبًا على الفور لكان مكان الرسول ﷺ لا يمنعها من القضاء؛ لأن هذا مكان لا يمنع من الواجبات. إذًا "فما أستطيع ": ليس المراد نفي القدرة البدنية، ولكن القدرة التي يراد بها مراعاة الرسول ﷺ وهذه المراعاة لا تسقط الواجب. والجواب على الإِيراد الثاني من وجهين: الوجه الأول: يبعد أن النبي ﷺ لا يعلم بما يكون لعائشة، وهي زوجته وأحب النساء إليه، ويبعد جدًا ألا يعلم أنها تؤخر القضاء. ثانيًا: على فرض أن النبي ﷺ لم يكن يعلم فإن اللَّه تعالى قد علم، واللَّه تعالى لا يقر أحدًا على خطأ فيِ زمن الوحي، والدليل على أن اللَّه لا يقر أحدًا في زمن الوحيِ قوِله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: ١٠٨]، فهؤلاء القوم لا يَعلم أحد عنهم شيئًا؛ لأنهم يستخفون من الناس، فالناس لا يعلمون عنهمِ شيئًا، ولكن اللَّه يعلم، فبيَّن ما يبيتونه فقال: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) فالناس لا يعلمون ولكن الله يعلم، ولما كان هذا الأمر لا يرضاه بيَّنه- ، فهذه الآية واضحة في أن اللَّه لا يقر أحدًا على خطأ في عهد النبوة). ما لا يتم المأمور إلا به . قال المرداوي في التحبير (٢/ ٩٣١): (هذه المسألة هي المعبر عنها في الأصول: بما لا يتم الواجب إلا به واجب، وربما قيل: ما لا يتم المأمور إلا به يكون مأموراً به، وهو أجود وأشمل من حيث إن الأمر قد يكون للندب، فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة). قال الشيخ في الأصل: (إذا توقف فعل المأمور به على شيء كان ذلك الشيء مأموراً به فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً. مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبا.

стр. 215

ومثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبا. وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: " الوسائل لها أحكام المقاصد " فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها). تنبيه- الفرق بين مقدمة الوجوب ومقدمة الوجود: قال الشيخ عفانة في "شرح الورقات": (هذه المسألة المعروفة عند الأصوليين بمقدمة الواجب ويقولون ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. ومقدمة الواجب تنقسم إلى قسمين: مقدمة وجوب وتسمى مقدمة تكليف وهي ما يتوقف وجوب الواجب عليه سواء كانت سبباً أو شرطاً مثال السبب دخول الوقت للصلاة ومثال الثاني الاستطاعة للحج. ومقدمة وجود وتسمى مقدمة صحة وهي ما يتوقف وجود الواجب عليه مثل الوضوء بالنسبة للصلاة. ومقدمة الوجوب تحصيلها ليس واجباً على المكلف أما مقدمة الوجود فتحصيلها واجب على المكلف إن كانت تحت مقدوره كالوضوء بالنسبة للصلاة. وأما إن لم تكن تحت قدرته فليست واجبة عليه كحضور أربعين لصحة الجمعة عند من يشترط ذلك العدد. وخلاف الأصوليين في مقدمة الوجود فقط). قال ابن اللحام في "قواعده" (ص/ ٩٤): (ما لا يتم الواجب إلا به للناس في ضبطه طريقان: إحداهما وهى طريقة الغزالي وأبى محمد المقدسي وغيرهما أنه ينقسم - إلى ما بكون غير - مقدور كالقدرة والأعضاء وإلى فعل غيره كالإمام والعدد في الجمعة فلا يكون واجبا وإلى ما يكون مقدورا له كالطهارة وقطع المسافة إلى الجمعة والمشاعر فيكون واجبا، قال أبو البركات وهذا ضعيف في القسم الأول إذ لا واجب هناك وفى الثاني باطل باكتساب المال في الحج والكفارات ونحو ذلك. الطريقة الثانية أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب كالقسم الأول وكالمال في الحج والكفارات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقا، وهذه طريقة الأكثرين من أصحابنا وغيرهم، قال أبو البركات وهى أصح وسواء كان شرطا وهو ما يلزم

стр. 216

من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم أو سببا وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ... ) (١). النهي لما كان الأمر مستلزم للنهي عن الضد فالكلام الذي ذكرناه عن الأمر ينسحب على النهي. قال ابن قدامة في روضة الناظر (ص/٢١٦): (اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكام النواهي إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي على العكس فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير). تعريف النهي: قال الشيخ: (قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء). سبق في باب الأمر بيان أن الراجح في حد الأمر اشتراط الاستعلاء دون العلو وعللته بأن الاستعلاء صفة للأمر والعلو صفة للآمر وهو خارج عن ماهية التعريف. وهذا الكلام ينسحب على تعريف النهي فيكون تعريفه: (قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء). وقد عرفه صفي الدين الحنبلي في "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" (ص/٦٦) بقوله: (وهو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء). وعرفه الطوفي في مختصر الروضة (ص/٩٥) بقوله: (النهي: اقتضاء كف على جهة الاستعلاء). وعرفه ابن بدران في المدخل (ص / ٢٣٢) بقوله: (وأما النهي فهو القول الإنشائي الدال على طلب كف عن فعل على جهة الاستعلاء). وتلاحظ أن البعض يعبر بالترك والآخر بالكف والترك أعم من الكف.

стр. 217

فائدتان: الأولى: الفرق بين الترك والكف . الترك ينقسم قسمان (١): الأول - ترك عدمي، وهو الترك لما لم يوجد سببه المقتضي لوجوده كمن ترك معصية لأنها لم تعرض له، ولم توجد في زمانه. الثاني - ترك وجودي، وهو أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول فيترك المكلف الفعل والقول ويمتنع عنهما. وهذا الأخير هو بمعنى الكف، وهو المراد هنا؛ وعليه فلا فرق بين الكف والترك الوجودي. قال الكفوي في الكليات (ص/٩٠٣): (والنية في التروك لا يتقرب بها إلا إذا صار كفاً. وهو فعل، وهو المكلف به في النهي، لا الترك بمعنى العدم لأنه ليس داخلاً تحت القدرة للعبد) قال الأشقر في أفعال الرسول (٢/ ٤٦): (وأما الترك المقصود فهو الذي يعبر عنه بالكف، أو الإمساك، أو الامتناع). الثانية - هل الكف فعل ؟ قال الأشقر في أفعال الرسول (٢/ ٤٦ - ٤٧): (يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي. ونُسِب إلى قوم منهم أبو هاشم الجبائي أن الكف انتفاء محضّ، فليس بفعل. والأول أولى، كما هم معلوم بالوجدان. وأيضاً نجد في الكتاب والسنة إشارات إلى أن الكف فعل ... ]. وقال الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٣١٧: ٣٢٠) عند قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: ٣٠]: (اعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة «الفرقان» مسألة أصولية،

стр. 218

وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلّة تدلّ على أن الكفّ فعل لم أرَ أحدًا عثر عليها. أحدها: قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: ٣٠]، فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه، انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب «نشر البنود، شرح مراقي السعود»، في الكلام على قوله: فكفّنا بالنهي مطلوب النبيّ. قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له -: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكفّ فعل وتفسيره لها بما يدلّ على ذلك، لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلّت عليه، وهو كون الكفّ فعلاً دلّت عليه آيتان كريمتان من سورة «المائدة»، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية «الفرقان» هذه، فإنه قد بيّنته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة «المائدة». أمّا الأولى منهما، فهي قوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: ٦٣]، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخصّ من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح؛ كما ترى. وأمّا الآية الثانية، فهي قوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: ٧٩]، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلاً، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذمّ في قوله: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، أي: وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكر واضحة، كما ترى. وقد دلَّت أحاديث نبويّة على ذلك؛ كقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فقد سمّى ﷺ في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا، ومما يدلّ من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة:

стр. 219

لئن قَعَدْنا والنبي يَعْمَل ** لذاك مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ فسمّى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملاً مضللاً .... والصحيح أن الكفّ فعل، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة واللغة؛ كما تقدّم إيضاحه). صيغة النهي: قال الشيخ: (بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية). قال الكلوذاني في التمهيد (١/ ٣٦٠): (للنهي صيغة موضوعة في اللغة تدل بمجردها عليه وهو قول القائل لغيره: لا تفعل على وجه الاستعلاء. وقالت المعتزلة: لا يكون نهيا لصيغة وإنما يكون لكراهة الناهي للفعل. وقالت الأشعرية: لا صيغة له كالأمر عندهم). قال الشيخ في الأصل: (وخرج بقولنا: " بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية مثل قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) [الأنعام: ١٥٠] ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل دع، اترك، كف ونحوها فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً). تتمة: قال الشيخ: (وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي مثل أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب أو نحو ذلك). ذكر الشيخ وغيره (١) بعض الصيغ الأخرى التي يستفاد منها التحريم ومنها: ١ - أن يوصف الفعل بالتحريم كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣] الآية، وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير) [المائدة: ٣] الآية. ٢ - لعن الله أو رسوله للفاعل، مثل قوله ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فهذا دليل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد.

стр. 220

وقوله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة). ٣ - توعد الفاعل بالعقاب كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) [الفرقان: ٦٨]. ٤ - إيجاب الحد على الفاعل، مثل قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢]. ٥ - وصف العمل بأنه من صفات المنافقين أو من صفات الكفار نحو قوله تعالى ـ عن المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: ١٤٢]. ٦ - الخبر، مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩]. النهي للتحريم إلا لصارف: قال الشيخ: (صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه). قال الكلوذاني في "التمهيد" (١/ ٣٦٢): (النهي يقتضي التحريم خلافا لمن قال يقتضي التنزيه بمطلقه وخلافا للأشعرية في قولهم يقتضي الوقف (١).

стр. 221

لنا أن الصحابة ﵃ عقلوا من النهي الكف عن الفعل والترك، فروى عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "كنا نخابر (١) أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فتركناها" (٢) ولأن السيد إذا نهى عبده عن فعل الشيء فخالفه عاقبه، ولم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة ... هل النهي للبطلان أم الفساد ؟ قال الشيخ: (صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده. وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم كما يلي: ١ - أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلاً. ٢ - أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه فلا يكون باطلاً). سبق وأن تكلمنا على الفاسد والباطل ومتعلقاته بما أغنى عن إعادته هنا. قد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل: قال الشيخ: (وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل يقتضي ذلك فمنها: ١ - الكراهة. ٢ - الإرشاد). سبق في باب الأمر وأن ذكرنا أن الأمر المطلق للوجوب إلا لصارف، والأمر كما هو هنا فالنهي الأصل أنه للتحريم إلا لدليل، وقد ترد بعض الأدلة التي تبين أن النهي

стр. 222

لـ (١): كراهة: نحو قوله ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول). وتحقير: نحو قوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٨]. وبيان العاقبة: نحو قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: ٤٢]. ودعاء: نحو قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: ٨]. ويأس: نحو قوله تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦]. وإرشاد: نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] قيل: وفيه نظر، بل هي للتحريم. والأظهر الأول. لأن الأشياء التي يسأل عنها السائل لا يعرف حين السؤال هل تؤدي إلى محذور أم لا؟ ولا تحريم إلا بالتحقق. ومثل له الشيخ بقوله ﷺ لمعاذ: (لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة أعني اللهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). وتهديد: نحو قول السيد لعبده - وقد أمره بفعل شيء فلم يفعله - لا تفعله، فإن عادتك أن لا تفعله بدون المعاقبة. والتماس: كقولك لنظيرك: لا تفعل. وتصبر: نحو قوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠]. وتسوية: نحو قوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور: ١٦]. وتحذير: نحو قوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ١٠٢]. وبعض هذه المعاني متداخل كما أن بعض الأمثلة المضروبة لا تخلو من نظر، للخلاف الوارد في قوة ودلالة الدليل الصارف إلا أنه ينبغي أن نتقيد بفهم وعمل السلف الصالح وألا ننشئ قولا ليس لنا فيه سلف.

стр. 223

التكليف تعريف المكلف: عرفه الشيخ بقوله: (هو البالغ العاقل). وقال في الأصل: (فخرج بقولنا: " البالغ " الصغير فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها. وخرج بقولنا: " العاقل " المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه. ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلى الفاعل). تنبيه: هذا التعريف غير مانع فقد عرفه المرداوي في التحبير (٢/ ٧٩٧): (والمراد بالمكلف: البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ) وسوف يأتي بإذن الله الكلام على نوعي الإكراه الملجئ وغير الملجئ. فائدة: عرف الشيخ الحازمي في "شرحه على معاقد الفصول" المكلف بقوله: (الآدمي البالغ العاقل غير الملجئ بشرطه). وهذا يجرنا للكلام على تكليف الجن، والجن مكلفون في الجملة ولكن تكليفهم لا على حد تكليف الإنس بها. قال الطوفي في شرح الروضة (١/ ٢١٨): (وقع النزاع بين بعض الفقهاء في سنتنا هذه- وهي سنة ثمان وسبع مائة للهجرة - في أن الجن مكلفون بفروع الدين أم لا؟ واستفتي فيها شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية بالقاهرة- أيده الله تعالى- فأجاب فيها بما ملخصه أنهم مكلفون بها بالجملة، لكن لا على حد تكليف الإنس بها، لأنهم مخالفون للإنس بالحد فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف.

стр. 224

قلت: مثاله، أن الجن قد أعطي بعضهم قوة الطيران في الهواء، فهذا يخاطب بقصد البيت الحرام للحج طائرا. والإنسان لعدم تلك القوة فيه، لا يخاطب بذلك، فهذا في طرف زيادة تكليفهم على تكليف الإنس. وأما من جهة نقص تكليفهم عن تكليف الإنس، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة الإنس، ينتفي في حق الجن، لعدم تلك الخصوصية فيهم. والدليل على تكليف الجن بالفروع، الإجماع على أن النبي ﷺ أرسل بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو: (آمِنُوا بِاللَّهِ) [النساء: ١٣٦]، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]. وقد تضمن هذا الدليل، على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن، لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم). ومما سبق يعرف المكلف بأنه: (الآدمي البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ). تكليف المميز: قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٢): (وفي تكليف المميز، قولان: الإثبات، لفهمه الخطاب. والأظهر النفي، إذ أول وقت يفهم فيه الخطاب، غير موقوف على حقيقته، فنصب له عدم ظاهر يكلف عنده، وهو البلوغ. ولعل الخلاف في وجوب الصلاة والصوم عليه، وصحة وصيته وعتقه وتدبيره وطلاقه وظهاره وإيلائه ونحوها، مبني على هذا الأصل). وقال الشنقيطي في المذكرة (ص/٢٨): (وأما الصبي المميز فجمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقاً لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب ولا بارتكاب حرام لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب، فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعي (١) صبى، وقالت: (يا رسول الله ألهذا حج؟ قال

стр. 225

: نعم ولك أجر). وقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم) رواه أصحاب السنن من حديث علي ﵁ نص في المسألة وأن تكليف الصبي لا يكون إلا بعد احتلامه. تكليف الكفار: قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٣): (الكفار مخاطبون بفروع الإسلام في أصح القولين، وهو قول الشافعي، والثاني: لا يخاطبون منها بغير النواهي، وهو قول أصحاب الرأي، والمشهور عنهم عدم تكليفهم مطلقا ... لنا: القطع بالجواز، بشرط تقديم الإسلام، كأمر المحدث بالصلاة، بشرط تقديم الطهارة. ومنع الأصل، يستلزم أن لو ترك الصلاة عمره لا يعاقب إلا على ترك الوضوء. والإجماع على خلافه والنص، نحو (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا) [البقرة: ٢١]. قالوا: وجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام غير مفيد (١).

стр. 226

قلنا: الوجوب بشرط تقديم الشرط، كما سبق. والقضاء بأمر جديد، أو بالأمر الأول، ولكن انتفى بدليل شرعي، نحو: «الإسلام يجب ما قبله». وفائدة الوجوب، عقابهم على تركها في الآخرة، وقد صرح به النص، نحو: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٦، ٧] (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر: ٤٢، ٤٣]. والتكليف بالمناهي، يستدعي نية الترك تقربا. ولا نية لكافر) (١). قال الشيخ العثيمين في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: ١٦٨] : (من فوائد الآية أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ وهم داخلون في هذا الخطاب؛ ومخاطبتهم بفروع الشريعة هو القول الصحيح؛ ولكن ليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ والدليل على الأول قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤]؛ فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؛ هذا عبث، وظلم؛ وأما الدليل على الثاني فقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]؛ ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أحداً ممن أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات حال كفره؛ والفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها - كما قال أهل العلم - زيادة عقوبتهم في الآخرة؛ وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)) [المدثر: ٣٩ - ٤٧]) (٢).

стр. 227

الجهل: مسألة العذر بالجهل من المسائل الكبار والتي صنفت فيها مصنفات كثيرة، ولن نتعرض الآن لما يتعلق بالأحكام العلمية فهذا له مجال آخر، ولنقتصر على ما يتعلق بالأحكام الشرعية العملية. وقد تكلم الشيخ ﵀ في "شرح الأصول" على قاعدة هامة وفصل فيها تفصيلا جيد فقال (ص/٢٢١): (الجهل بالمحرم لا شك أن الإنسان لا يؤاخذ به ولا يترتب عليه شيء من أحكامه مهما كان هذا الشيء المحرم. أما الجهل بالواجب فنقول أنه لا يؤاخذ به الإنسان من حيث الإثم؛ لأنه جاهل لكن من حيث القضاء فهذا فيه تفصيل: فإن كان حصل منه تفريط فإنه لا يمكن أن يتساهل معه، وإن لم يحصل منه تفريط فإن كان جاهلا بالحكم يعذر به ويرفع عنه القضاء ولنا في هذا حجج: ومنها حديث المسيء في صلاته. ومنها: حديث المستحاضة التي كانت تستحيض حيضة كبيرة تمنعها الصلاة حتى سألت النبي ﷺ فقال: (اجلسي قدر ما كانت الحيضة) ولم يأمرها بالقضاء لأنها بانية على أصل يعني لها عذر، والأصل أن هذا الدم حيض ولهذا قالت: إني أستحيض حيضة شديدة كبيرة، فهذه معذورة لم يأمرها النبي ﷺ بالقضاء. ومنها: حديث أهل قباء حيث صلوا بعض الصلوات إلى غير القبلة لكن لأنهم لم يعلموا بالنسخ وبنوا على أصل، والأصل: البقاء على القبلة وبقاء ما كان على ما كان). وهذه القاعدة في التفريق بين المأمورات والمحظورات في العذر فيها بالجهل تكلم بها كثير من العلماء فمنهم من أطردها، ومنهم من قيدها كالشيخ وغيره بأن تكون في حقوق الله دون حقوق العباد ومنهم من زاد على ذلك شروطا أخرى، ولن استطرد في ذكر أقوال هؤلاء، وإنما أشير إلى بعضها: قال الشيخ في "الأصل" (ص/٣٣) عقب ذكره لهذه الموانع: (وتلك الموانع إنما هي في حق الله؛ لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من

стр. 228

ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه). وذكر الزركشي هذا القيد وبيَّن سبب التفريق بين الأوامر والنواهي فقال في "المنثور" (٢/ ١٩): (الجهل والنسيان يعذر بهما في حق الله تعالى المنهيات دون المأمورات والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي وحديث يعلى بن أمية حيث أمره النبي ﷺ بنزع الجبة عن المحرم ولم يأمره بالفدية لجهله واحتج به الإمام الشافعي ﵁ على أن من وطئ في الإحرام جاهلا، أو ناسيا فلا فدية عليه، والفرق بينهما من جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها وذلك لا يحصل إلا بفعلها والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلف بالانفكاك عنها وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها ومع النسيان والجهالة لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي فعذر بالجهل فيه ... ) (١). قال تقي الدين ابن تيمية في "شرح العمدة" (٤/ ٣٤٣): (لا تسقط السترة بجهل وجوبها ولا نسيان لها كما تسقط بالعجز فلو نسي الاستتار وصلى، أو جهل وجوبه، أو أعتقت الأمة في أثناء الصلاة ولم تعلم حتى فرغت لزمتهم الإعادة قاله أصحابنا؛ لأن الزينة من باب المأمور به فلا تسقط بالجهل والنسيان كطهارة الحدث وهذا لأن الناسي والجاهل يجعل وجود ما فعله كعدمه؛ لأنه معفو عنه فإذا كان قد فعل محظورا كان كأنه لم يفعله فلا إثم عليه ولا تلحقه أحكام الإثم وإذا ترك واجبا ناسيا أو جاهلا فلا إثم عليه بالترك لكنه لم يفعله فيبقى في عهدة الأمر حتى يفعله إذا كان الفعل ممكنا). فقيد الشيخ فعل الواجب بألا يكون الفعل ممكنا حتى يعذر صاحبه. والأقرب عندي في تفسير الإمكان عند شيخ الإسلام: أن يكون الفعل مقدورا بمعنى أن المكلف لم يعرض له عارض يمنعه من آداء الفعل، وأيضا أن يكون وقته باقيا. فلكي يعذر المكلف بالجهل في ترك المأمورات لابد وأن يكون الفعل غير ممكنا بأن يعرض له عارض يجعله غير قادر على آداء الفعل كمن أصيب بشلل فلا يقدر

стр. 229

على القيام في الفريضة - داخل وقته -، أو يخرج وقت الفعل. وللشيخ شامي بن عجيبان في رسالته: "الجهل بأحكام المناسك" في (ص/٢٥٤) كلاما دقيقا زاد فيه قيودا أخرى فقال ما ملخصه: (المبحث الأول: وقوع الجهل فيما يتعلق بحقوق الله تعالى. المطلب الأول: وقوع الجهل في ترك المأمورات. جاء في القاعدة المشهورة: (الجهل عذر في حق الله في المنهيات دون المأمورات). فإذا تعلق الجهل بترك فهل مأمور به، فإن الجهل حينئذ لا يكون عذرا في إسقاطه، وذلك (لأن الأمر يقتضي إيجاد الفعل، فما لم يفعل لم يخرج من العهدة، كما أن تارك الأمر يمكنه تلافيه بإيجاد الفعل، فلزمه ولم يعذر بجهله). أما إذا تعلق الجهل بفعل منهي عنه لا إتلاف فيه فإن الجهل حينئذ يكون عذرا في إسقاط ما يترتب على فعله؛ (لأن النهي يقتضي الكف، فالمفعول من غير قصد للمنهي عنه كلا قصد، كما أن مرتكب النهي لا يمكنه تلافيه، إذ ليس في قدرته نفي فعل حصل في الوجود، فعذر فيه). وبهذه القاعدة قال المالكية والشافعية والحنابلة، ويظهر لي أن الحنفية يتفقون مع الجمهور في القول بهذه القاعدة متى كان الجهل بالحكم في دار الإسلام، وذلك بناء على أصلهم أن الجهل في دار الإسلام ليس بمعتبر، وإنما يختلفون معهم في الجهل المتعلق بترك الواجبات الشرعية في دار الحرب، حيث يرى الحنفية أن الجهل بالواجبات في دار الحرب عذر مقبول، بينما يخالفهم الجمهور في ذلك. من ترك واجب عليه فعله، أو أتى بما يفسده جاهلا بذلك، فلا يخلو الأمر من حالين: الأول - أن يمكن تدارك ذلك الواجب المتروك فعله أو الذي أتى المكلف بما يفسده جهلا منه بذلك. فإن كان وقته باقيا فإنه يجب حينئذ على المكلف تداركه مما تركه بفعله، فإن كان ذلك الواجب مما ينبني بعضه على بعض فإنه يلزمه حينئذ إعادة جميعه. ومثال الأول - من ترك الإحرام من الميقات فإنه يلزمه الرجوع إليه والإحرام منه. وكذا حاج ترك طواف الوداع جاهلا بوجوبه، وعلم به قبل ابتعاده عن مكة،

стр. 230

فإنه يلزمه الرجوع للإتيان به. ومثال الثاني - إذا أحدث المحرم في الشوط الثالث من الطواف، أو دخل في بعض طوافه من خلال الحجر، ولم يتوضأ ولم يعد ذلك الشوط الذي تخلله الدخول في الحجر فورا ثم سعى بعد ذلك، فعليه إعادة جميع الطواف؛ لفساده بالحدث. وأما ما فات وقته من الواجبات المتروكة جهلا بوجوبه، فقد اختلف العلماء في وجوب تداركها بالقضاء على قولين: الأول - أنه يجب على المكلف قضاء تلك الواجبات استدراكا لمصلحتها، إذ القصد من الأمر حصول الثواب، ومن لم يأتمر لم يرج له ثواب. وبهذا قال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وبه يقول الحنفية إذا كان الجهل يتلك الواجبات في دار الإسلام. القول الثاني - أنه يجب على المكلف قضاء ما فات وقته من الواجبات المتروكة جاهلا بوجوبها لسقوطها بفوات وقتها. وهذا قال الظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. الحال الثاني - أن لا يمكن تدارك ذلك الواجب المتروك أو المفسد بفعل ما يفسده مع الجهل، وليس له بدل، فإنه حينئذ يسقط، إذ لا سبيل إلى فعله. ومثال ذلك: من ترك الجمعة جاهلا بلزومها له حتى فاتت، أو ترك الجهاد المتعين حضوره حتى فات. وكذا امرأة تركت الإحداد حتى انقضت عدتها. المطلب الثاني: وقوع الجهل في فعل المنهيات. إذا تعلق الجهل بفعل منهي عنه فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال: ١ - أن يكون لك الفعل المنهي عنه ليس من باب الإتلاف: والحكم حينئذ أنه لا يجب بفعله شيء، سوى تركه والإقلاع عنه إن كان متلبسا به عند العلم بحكمه. ومثال ذلك: محرم لبس مخيطا، أو غطى رأسه بملاصق، أو تطيب في ثوبه او بدنه جاهلا بالحكم، فمتى علم بتحريم ذلك عليه وجب عليه أن يخلع المخيط ويكشف رأسه ويغسل ما أصابه من الطيب، ولا يلزمه دم .. ٢ - أن يكون ذلك الفعل المنهي عنه من باب الإتلاف: واحكم حينئذ أنه لا يعذر الجاهل بجهله في هذه الحال، ويلزمه جميع ما يترتب

стр. 231

على ذلك الإتلاف، إذ الإتلاف سبب، وهو من الحكم الوضعي الذي لا يشترط فيه علم المكلف. وقد اتفق على هذا فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. والقاعدة: (لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل). ٣ - أن يكون ذلك الفعل المنهي عنه يترتب على ارتكابه عقوبة، فإذا تعلق به الجهل فإنه يكون شبهة في إسقاط تلك العقوبة: وبهذا قال جميع فقهاء المذاهب الأربعة، وكذلك الظاهرية. والقاعدة في هذا: (أن من جهل حرمة شيء مما يجب فيه الحد أو العقوبة وفعله لم يحد). قال في شرح مختصر الروضة: (أسباب العقوبات كالقصاص، لا يجب على مخطئ في القتل؛ لعدم العلم، وحد الزنى لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته؛ لعدم العلم أيضا ... إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تنتهك بها حرمة الشرع زجرا عنها وردعا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم ... والجاهل قد انتفى ذلك فيه، وهو شرط تحقق الانتهاك، فينتفي الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها). المبحث الثاني: وقوع الجهل فيما يتعلق بحقوق العباد إذا تعلق الجهل بحق من حقوق العباد، كإتلاف مال الغير جهلا، فإن الضمان يجب، ولا ينتهض الجهل عذرا لدفع الضمان. وبهذا قال فقهاء المذاهب الربعة، وأيضا الظاهرية. فالجهل لا يكون عذرا في حقوق العباد؛ لأنها مبنية على المشاحة والمضايقة). فتحصل مما سبق أن ترك المأمورات يعذر فيها المكلف بالجهل بشروط: ١ - ألا يكون مفرطا وهذا ذكره الشيخ العثيمين. ٢ - ألا يكون الفعل ممكنا وهذا ذكره تقي الدين وفسرناه بأن يعرض له عارض يجعله غير قادر على أداء الفعل - داخل وقته -، أو يخرج وقت الفعل والجمهور على أن المكلف يقضي الفعل سواء أكان الوقت باقيا أم خرج الوقت وقولهم أقوي وأحوط وأبرأ للذمة لعموم حديث (فدين الله أحق أن يقضي) والمسألة فيها نزاع طويل لعدم ورود أمر جديد.

стр. 232

٣ - ألا يكون في حق العباد، ذكره العثيمين الزركشي، وشامي. ٤ - ألا يمكن تدراكه بألا يكون له بدل. وأما ما يتعلق بالمحظور فشرط قيام العذر بالجهل: ١ - ألا يكون فيه إتلاف. ٢ - ألا يكون في حق العباد، وأما ما يتعلق بالحدود فالجهل شبهة لدرء الحد. وهذه القاعدة التي ذكرناها بعض فروعها فيه خلاف، وقد يخرج عنها بعض الفروع، وهذا لا يخرجها عن كونها كلية. قال الشاطبي في الموافقات (٢/ ٥٣٩): (الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا وأيضا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت). النسيان: قال الشيخ في الأصل: (فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسياً. ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه؛ ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي ﷺ : "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"). وقيد الثاني في الشرح بألا يكون هذا الواجب مقيدا بسبب وزال السبب فقال (ص/٢٢٤): (مثل لو نسيت أن تصلي الكسوف حتى انجلى، وقلنا بوجوب صلاة الكسوف، فإنك لا تقضيها لأنها لسبب وقد زال). الإكراه: قال الشيخ في الأصل: (من أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه). فائدة: قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/٨٧): (الإكراه الملجئ عند الجمهور: هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما

стр. 233

لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها. وغير الملجئ عندهم ماعدا ذلك من أنواع الإكراه كالتهديد بالقتل أو الضرب أو السجن ... ). وقال الشيخ الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٣٠): (وأما المكره فجزم المؤلف ﵀ بأنه مكلف وإطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، إذ الإكراه قسمان: قسم لا يكون فيه المكره مكلفاً بالإجماع كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلا، فقهره من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهراً حتى أدخله فيها فهذا النوع من الإكراه صاحبه غير مكلف كما لا يخفى، إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه. وقسم هو محل الخلاف الذي ذكره المؤلف، وهو ما إذا قيل له افعل كذا مثلا وإلا قتلتك، جزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الإكراه مكلف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذي أكره عليه هذا النوع من الإكراه لكان آثماً والظاهر أن في ذلك تفصيلا. فالمكره على القتل بأن قيل أقتله وإلا قتلتك أنت، لا يجوز له قتل غيره، وإن أدى ذلك إلى قتله هو، وأما في غير حق الغير الظاهر أن الإكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦]. وفى الحديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (١) والحديث وان أعله أحمد وابن أبى حاتم فقد تلقاه العلماء بالقبول وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة). وقد ختم الشيخ هذه الموانع بقوله: (وتلك الموانع إنما هي في حق الله؛ لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه) وسبق وأن ذكرنا وجه هذا التفريق وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمضايقة.

стр. 234

العام تعريف العام: لغة: قال الشيخ: (العام لغة: الشامل ( وقال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٤٢): (العام اسم فاعل من عمَّ يعم إذا شمل. ويمكن أن يقال: إن العِمَامة من هذا الباب؛ لأنها تعم الرأس). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٤٥٤): (العموم في اللغة الشمول. يقال: هذا الكساء يعم من تحته، أي: يشملهم). فائدة - الفرق بين العام والعموم، وبين العام والأعم: قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ١٨٠): (الفرق بين العموم والعام فالعام هو اللفظ المتناول والعموم تناول اللفظ لما صلح له فالعموم مصدر والعام اسم الفاعل مشتق من هذا المصدر وهما متغايران لأن المصدر الفعل والفعل غير الفاعل ومن هذا يظهر الإنكار على عبد الجبار وابن برهان وغيرهما في قولهم العموم اللفظ المستغرق فإن قيل أرادوا بالمصدر اسم الفاعل قلنا استعماله فيه مجاز ولا ضرورة لارتكابه مع إمكان الحقيقة. وفرق القرافي بين الأعم والعام بأن الأعم إنما يستعمل في المعنى والعام في اللفظ فإذا قيل هذا أعم تبادر الذهن للمعنى وإذا قيل هذا عام تبادر الذهن للفظ). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٤٢): (والعموم والخصوص من عوارض الألفاظ، فيقال: لفظ عام، والأعميّة والأخصية من عوارض المعنى، والعوارض بمعنى صفات، فيقال: معنى أعم ومعنى أخص، فإذا سمعتَ في كلام أهل العلم: "عام وخاص " فهو وصف للفظ، ولو سمعت "أعم، أخص" فهذا وصف للمعنى، فيقال: هذا المعنى: أعم، وهذا المعنى: أخص، معنى هذا اللفظ: أعم، ومعنى هذا اللفظ: أخص، أما اللفظ نفسه فيقال فيه: "العام "، و"الخاص "، ولهذا نقول: "العموم " و"الخصوص " من عوارض الألفاظ بخلاف "الأعميّة"، و"الأخصية" فهي من عوارض المعاني).

стр. 235

اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر (. قال في "الأصل" (ص/٣٤): (فخرج بقولنا: " المستغرق لجميع أفراده " مالا يتناول إلا واحداً كالعلم، والنكرة في سياق الإثبات كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢] لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول وإنما تتناول واحداً غير معين (١). وخرج بقولنا: " بلا حصر " ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد مئة وألف ونحوهما). فوائد وتنبيهات: ١ - اعلم أن النكرة في سياق الإثبات من سيق الإطلاق لا العموم إلا أن يكون ممتنا بها أو في صيغة الشرط، فحينئذ تكون من صيغ العموم. وسوف يأتي بإذن الله بيان ذلك في باب المطلق. ٢ - لابد من إضافة قيدين لهذا الحد ليكون مانعا وهما: (دفعة - بحسب وضع واحد). - قال الشنقيطي في المذكرة (ص/١٩٧): (وخرج بقوله: دفعة، النكرة في سياق الإثبات كرجل , فإنها مستغرقة , ولكن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة). قال ابن بدران في المدخل (ص/ ٢٤٤): (العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة والفرق بينهما أن عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل فرد فرد وعموم البدل كلي من حيث إنه لا يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ولكن لا يحكم فيه على كل فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمطلق (٢).

стр. 236

- قال الطوفي في شرح مختصر الروضة (٢/ ٤٥٨): (وقوله: بحسب وضع واحد، احتراز من المشترك، كلفظ العين والقرء؛ فإنه لفظ مستغرق لما يصلح له من مسمياته، لكنه ليس بوضع واحد، بل بأكثر منه؛ فالقرء الدال على الحيض إنما وضع له، وكذلك القرء الدال على الطهر إنما وضع له بوضع غير الأول (١)، بخلاف قولنا: الرجال، فإن دلالته على جميع ما يصلح له بوضع واحد). وهذه فائدة في بيان الفرق بين العام والمشترك . ملاحظة: هذا القيد الأخير إنما يخرج المشترك ما لم تقم قرينة تبين أحد معانيه (مجمل)، وأما إذا قلنا مثلا: قتلت العيون، أو غورت العيون، فالعيون هنا عامة لقيان قرينة تبين أحد معانيها. وعليه فالعام يعرف بأنه: (اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر بحسب وضع واحد دفعة). صيغ العموم: ١ - قال الشيخ: (ما دل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة). قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ١٢٣) ما ملخصه: (من صيغه أيضا (كل) وهي أقوى صيغه. فمادتها تقتضي الاستغراق والشمول كالإكليل لإحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالوالد والولد. فلهذا كانت أصرح صيغ العموم لشمولها العاقل وغيره، المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع. وهنا: فوائد منها: أن محل عمومها إذا لم يدخل عليها نفي متقدم عليها نحو لم يقم كل الرجال. فإنها حينئذ للمجموع، والنفي وارد عليه.

стр. 237

وسميت سلب العموم، بخلاف ما لو تأخر عنها. نحو: كل إنسان لم يقم. فإنها حينئذ لاستغراق النفي في كل فرد، ويسمى عموم السلب. قاله البرماوي (و) من صيغ العموم أيضا (جميع) وهي مثل كل، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فلا يقال: جميع رجل، وتقول جميع الناس، وجميع العبيد. (ونحوهما) أي ومن صيغ العموم أيضا: كل ما كان نحو كل وجميع، مثل أجمع وأجمعين (و) كذلك (معشر ومعاشر وعامة وكافة وقاطبة) قال الله ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ وقال رسول الله ﷺ ﴿إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة﴾ وقالت عائشة ﵂ " لما مات رسول الله ﷺ : ارتدت العرب قاطبة " قال ابن الأثير: أي جميعهم، لكن معشر ومعاشر: لا يكونان إلا مضافين، بخلاف قاطبة وعامة وكافة فإنها لا تضاف). ٢ - أسماء الشرط . مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) [فصلت: ٤٦]، وقول: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]. فاسم الشرط في الآية الأولى (من) وفي الثانية (أين). وأدوات الشرط إما أن تكون جازمة تجزم فعلين مثل: إن (وهذا حرف خارج شرطنا ولا يفيد العموم والباقي أسماء تفيد العموم) - مَنْ - ما - مهما - متى - أيان - أين - أَنَّى - حيثما - كيفما - أَيّ. وغير جازمة مثل: إذا - لو - لولا - كلما - لَمَّا. ٣ - أسماء الاستفهام . مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) [الملك: ٣٠]، وقوله: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥]، وقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير: ٢٦]. فأسماء الاستفهام هي: (مَنْ - ما - متى - أين - كم - كيف - أي).

стр. 238

وأما: (الهمزة، هل) فهما حرفان لا يفيدان العموم. فائدة: قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٣٤٥): (قال ابن قاضي الجبل وغيره: من، وما في الاستفهام للعموم، فإذا قلنا: من في الدار؟ حسن الجواب بواحد، فيقال مثلا: زيد، وهو مطابق للسؤال. فاستشكل ذلك قوم. وجوابه: أن العموم إنما هو باعتبار حكم الاستفهام، لا باعتبار الكائن في الدار، فالاستفهام عم جميع الرتب، فالمستفهم عم بسؤاله كل واحد يتصور كونه فيها، فالعموم ليس باعتبار الوقوع، بل باعتبار الاستفهام، واشتماله على كل الرتب المتوهمة. انتهى) وسبقه إلى ذلك القرافي، بل هو أخذه من كلامه). ٤ - الأسماء الموصولة . مثل الشيخ لها في الأصل بقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣] وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩] وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [النازعات: ٢٦] وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [آل عمران: ١٠٩]. وأسماء الموصولة هي: (الذي - التي - اللَّذان - اللَّتان - الَّذين - الَّلاتي - الَّلائي - مَنْ - ما - أيَّ. ملاحظة: لاحظ أن ((ما))، و ((من))، و ((أي)) تعم مطلقاً سواء كانت شروطاً، أو موصولات، أو استفهامية. فائدة - مَنْ للعاقل، وما لغير العاقل غالبا . - قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور: ٤٥] فجاءت من لغير العاقل. - وأما قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٣] فقال الشنقيطي في الأضواء (١/ ٢٢٣): (عبر تعالى عن النساء في هذه الآية بما التي هي لغير العاقل في قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ولم يقل من طاب؛ لأنها هنا أريد بها الصفات لا الذوات. أي: ما طاب لكم من بكر أو ثيب أو ما طاب لكم لكونه حلالا وإذا كان المراد الوصف عبر عن العاقل بما كقولك ما زيد في الاستفهام تعنى أفاضل؟.

стр. 239

وقال بعض العلماء: عبر عنهن ب (مَا) إشارة إلى نقصانهن وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض والله تعالى أعلم.!). - وقد تستخدم ما للدلالة على العاقل وغير العاقل معا باعتبار تغليب أحدهما على الآخر كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الفرقان: ١٧] قال الشنقيطي في الأضواء (٦/ ٣٣): (الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين للأصنام، مع الملائكة، وعيسى، وعزير ... عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل فلفظة ما تدل على شمول غير العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته). ٥ - النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري . قال الشيخ في الأصل: (النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: ٦٢]، [ص: ٦٢ - ٨٣]. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦]. (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: ٥٤]. (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١]). فائدتان: الأولى- النكرة المنفية أقوى في الدلالة على العموم من النكرة في سياق النفي: قال الزركشي في "معنى لا إله إلا الله" (ص / ٩٩): (النكرة المنفية كما في كلمة الشهادة أقوى في الدلالة على العموم من النكرة في سياق النفي ولذلك قال سيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار إن النكرة في سياق النفي لا تعم وإنما تعم النكرة المنفية). الثانية - النكرة في سياق الاستفهام الإِنكاري للعموم. قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٥٤): (قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) [الأنعام: ٤٦]، هذا أيضًا نكرة في سياق الاستفهام الإِنكاري، وأما إذا كانت في سياق الاستفهام غير الإِنكاري فإنها لا تدل على العموم بل هي للإطلاق؛ لأنه لا يراد به النفي، وهي إنما كانت للعموم فِي سياق الاستفهام الإنكاري؛ لأن الاستفهام الإنكاري بمنزلة النفي، فإن قوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ) [القصص: ٧١] يوازن قوله: "لا إله غير الله يأتيكم بضياء " ولهذا كانت النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري دالة على العموم. أما في سياق الإثبات فلا تدل على العموم، فلو قلتُ لك: " أكرِمْ رجلاً " فأكرمت

стр. 240

رجلاً واحدً، فقد امتثلت؛ لأنه يصدق عليه أنه رجل، ولو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " .. استفهام يقصد به الاستعلام لا الإِنكار .. فلو قلتُ: "أرجلاً أكرمتَ " فهذا للعموم أم لا؟ ليس للعموم؛ لأنها نكرة في سياق الاستفهام لغير الإِنكار ولكنها للاستعلام؛ ولهذا لو قلتُ: أرجلاً أكرمتَ أم رجلين؟ صح الكلام، ولو كانت للعموم ما صح). ٦، ٧ - المعرف بالإضافة أو بأل الاستغراقية. ذكر الشيخ أن من صيغ العموم المعرف بالإضافة، أو بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً. قال ابن النجار في"شرح الكوكب" (٣/ ١٢٩): ((و) من صيغ العموم أيضا (جمع مطلقا) أي سواء كان لمذكر أو لمؤنث، وسواء كان سالما أو مكسرا، وسواء كان جمع قلة أو كثرة (معرف) ذلك الجمع (بلام أو إضافة) مثال السالم من المذكر والمؤنث المعرف باللام: قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ومثال جمع الكثرة من المذكر والمؤنث الرجال والصواحب. وجمع القلة (١): الأفلس (٢) والأكباد، ومثال الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى: " ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وقيل: إن الجمع المذكر لا يعم، فلا يفيد الاستغراق. واستدل للأول الذي عليه أكثر العلماء والصحيح عنهم بقول النبي ﷺ في ﴿السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين﴾ في التشهد: ﴿فإنكم إذا قلتم ذلك: فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض﴾ رواه البخاري ومسلم. وعلى هذا الأصح: أن أفراده آحاد في الإثبات وغيره. وعليه أئمة التفسير في استعمال القرآن نحو قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كل محسن وقوله تعالى ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي كل واحد منهم. ويؤيده صحة استثناء الواحد منه، نحو جاء الرجال إلا زيدا، وقيل: إن أفراده جموع، وكونه في الآيات آحاد

стр. 241

بدلالة القرينة (١)). فوائد: الأولى: قال الشيخ المعرف بأل، وذكر ابن النجار المعرف باللام . قال السبكي في "الأشباه والنظائر" وهو يتكلم عن صيغ العموم (٢/ ١١٩): (الألف واللام تكون اسمًا موصولًا بمعنى الذي وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين وهذه عامة عموم الموصولات بأسرها وليست هي المعقودة لها المسألة (٢). وتكون هي حرف تعريف - وإياه نعني - وللنحاة اختلاف في أن التعريف باللام أو مجموع الألف واللام واختلاف في أن "أل" حرف ثنائي همزته وصل؛ وذلك مذهب سيبويه أو همزته قطع وهو رأي ابن مالك، ومن أجل هذا الخلاف يقال: الألف واللام ويقال: أل وهو قول من جعله ثنائيًا همزته أصلية؛ فإنه يقول: أل ولا يقول: الألف واللام، كما لا نقول في قد: الدال والقاف: ويقال اللام وهو قول من جعل التعريف بها. والشأن في هذا سهل). قال ابن أم قاسم في "الجنى الداني": (أل لفظ مشترك؛ يكون حرفاُ، واسماً. فالاسم أل الموصولة، على الصحيح. وما سوى ذلك من أقسامها، فهو حرف. وجملة أقسامها أحد عشر قسماً: الأول: أن تكون حرف تعريف، ومذهب سيبويه أنه حرف ثنائي، وهمزته همزة وصل، معتد بها في الوضع، كالاعتداد بهمزة الوصل في استمع ونحوه، بحيث لا يعد رباعياً. وهذا هو أقرب المذاهب إلى الصواب، وقوفاً مع ظاهر اللفظ. وتقدم ذكر بقية المذاهب. واختار ابن مالك مذهب الخليل، وهو أن حرف التعريف ثنائي، وهمزته همزة قطع أصلية، ولكنها وصلت، لكثرة الاستعمال. ونصره في شرح التسهيل بأوجه، لا يسلم أكثر من الاعتراض. وقد بينت ذلك في غير هذا

стр. 242

الكتاب. ثم أعلم أن من جعل حرف التعريف ثنائياً، وهمزته أصلية، عبر عنه ب أل. ولا يحسن أن يقول: الألف واللام، كما لا يقال في قد: القاف والدال. وكذلك ذكر عن الخليل. قال ابن جني: كان يقول أل، ولا يقول: الألف واللام. ومن جعل حرف التعريف اللام وحدها عبر باللام، كما فعل المتأخرون. ومن جعل حرف التعريف ثنائياً، وهمزته همزة وصل زائدة، فله أن يقول أل، وأن يقول: الألف واللام. وقد وقع في كتاب سيبويه التعبير بالأمرين. ولكن الأول أقيس). الثانية: قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٥٦): (علامة الاستغراقية أن يحل محلها "كل" ... (إذا بلغ الأطفال) احذف "أل" وضع مكانها "كل" وإذا بلغ كل أطفال منكم الحلم فليستأذنوا فصارت "أل" الاستغراقية من صيغ العموم). الثالثة: قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٠٠): (قال محققو الأصوليين: لا فرق في الجموع المعرفة ((بأل)) بين جمع القلة والكثرة؛ لأن الاستغراق فيها مفهوم من الألف واللام. ولذا عم معهما المفرد - كما في: (السارق، السارقة، الزاني، الزانية) فأل هنا اسم موصول - كما ذكرنا آنفاً فكيف بالجمع).اهـ ومعنى قوله: (لا فرق) أي أن كل من هذه الصيغ يفيد العموم وإن كان بعضها أقوي في الدلالة على الاستغراق من بعض كما سيأتي التنبيه على ذلك قريبا بإذن لله تعالى. الرابعة: قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٣٦٠): (قال البرماوي: زعم بعضهم أن القول بعموم الجمع المعرف إذا كان جمع قلة مشكل؛ لأنه إلى عشرة والعموم ينافي ذلك، وعنه أجوبة كثيرة: منها: جواب أبي المعالي: حمل كلام سيبويه والنحاة على المنكر وكلام الأصوليين على المعرف. ومنها: أن أصل الوضع في القلة ذلك، ولكن استعماله كالكثرة إما بعرف الاستعمال أو بعرف الشرع. ومنها: أن المقتضى للعموم إذا دخل على الواحد لا تدفعه وحدته فدخوله على جمع القلة لا يدفعه تحديده بهذا العدد من باب أولى ... ).

стр. 243

نعم فهناك فرق بين قولي: أعطيت الرجل أفلسا، وبين: أعطيت الرجل الأفلس، فالأولى صيغة إطلاق وهي تبين أنني أعطيت الرجل إما اثنين، أو ثلاثة - على الخلاف في أقل الجمع - أو أربعة أو خمسة إلى عشرة. بخلاف الثانية فهي عامة في غير المحصور. الخامسة: قال الزركشي في "معنى لا إله إلا الله" (ص/ ٩٠): (استغراق المفرد أكثر تناولا لأفراد المسمى من استغراق الجمع بدليل صحة لا رجال في الدار إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل فإنه لا يصدق إذا كان فيها رجل أو رجلان ... إذا عرفت هذا فلا يخفى عليك لطف نفي المفرد في كلمة الشهادة). ومحل هذا في النفي (١) وأما في الإثبات فلا. فقال البستي كما نقله عنه ابن قدامة في "الروضة" (١/ ٢٢٢): (الكامل في العموم هو الجمع لوجود صورته ومعناه وما عداه قاصر في العموم لأنه بصيغته إنما يتناول واحدا لكنه ينتظم جمعا من المسميات معنى فالعموم قائم بمعناها لا بصيغتها) وقال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٤٧٤): (وحاصل كلامه أن لفظ الجمع؛ كالمسلمين والمشركين، أكمل في باب العموم من غيره من ألفاظ العموم كالمفرد المعرف باللام، نحو: الزاني، والسارق، والفرق بينهما أن العموم قام بصيغة الجمع ومعناه. وتحقيق ذلك أن لفظه يفيد التعدد كما أن معناه متعدد، بخلاف اللفظ المفرد، فإن التعدد إنما هو في مدلوله لا في لفظه؛ فإنا إذا قلنا: الرجال، دل هذا اللفظ بوضعه على جماعة متعددة من ذكور بني آدم، بخلاف الرجل والسارق؛ فإنه إنما يدل بوضعه على واحد وهو ذات اتصفت بالسرقة، وعموم مدلوله إنما استفدناه من دليل منفصل، وهو كون هذا اللفظ أريد به الجنس أو غير ذلك. فعلى هذا: الجمع الذي له واحد من لفظه، كالمؤمنين، والذي لا واحد له من لفظه، كالناس، والجمع المضاف، كعبيد زيد، وكل وجميع أكمل عمومًا من أدوات الشرط،

стр. 244

ومن النكرة في سياق النفي نحو: لا رجل في الدار؛ لأن ألفاظها ليست جمعًا بالوضع على حد الرجال والمسلمين، وأدوات الشرط والنكرة المذكورة أكمل من المفرد المعرف؛ لأن ألفاظها وإن لم تكن صرائح في الجمع كما ذكرنا؛ فهي موضوعة له وتفيده بالجملة). أل العهدية: قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٣): (فأما"العهدية" فهي التي تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردًا معينًا بعد أن كان مبهمًا شائعًا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتي: ١ - أن النكرة تذكر في الكلام مرتين بلفظ واحد، تكون في الأول مجردة من "أل" العهدية، وفي الثانية مقرونة "بأل" العهدية التي تربط بين النكرتين، وتحدد المراد من الثانية: بأن تحصره في فرد واحد هو الذي تدل عليه النكرة الأولى. نحو: نزل مطر؛ فأنعش المطر زروعنا. أقبلت سيارة، فركبت السيارة. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. فكل كلمة من الثلاث: "مطر - سيارة - رسول" وأشباهها قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير "أل" فبقيت على تنكيرها، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التي وظيفتها الربط بين النكرتين ربطًا معنويًّا يجعل معنى الثانية فردًا محدودًا محصورًا فيما دخلت عليه وحده، والذي معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذي جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدًا ذِكْريًّا، أي: معلومة المراد والدلالة، بسبب ذكر لفظها في الكلام السابق ذكرًا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك، وأن المراد في الثانية فردٌ معين؛ هو السابق، وهذا هو ما يسمى: "بالعهد الذِّكْري". ٢ - وقد يكون السبب في تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن "أل" تحدد المراد من تلك النكرة، وتحصره في فرد معين تحديدًا أساسه علم سابق في زمن انتهى قبل الكلام، ومعرفة قديمة في عهد مضى قبل النطق، وليس أساسه ألفاظًا مذكورة في الكلام الحالي. وذلك العلم السابق ترمز إليه "أل" العهدية وتدل عليه، وكأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، وعن محاضرة وبيت

стр. 245

معهودين لهما كذلك. ولا شيء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: "أل"؛ فإنها هي التي توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى: "العهد الذهني" أو: "العهد العِلمي". ٣ - وقد يكون السبب في تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه في وقت الكلام، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه؛ كأن تقول: "اليوم يحضر والدي". "يبدأ عملي الساعة"، "البرد شديد الليلة" ... تريد من "اليوم" و"الساعة" و"الليلة"؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذي أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أي: أصبْ الطائر الحاضر وقت الكلام. وهذا هو"العهد الحضوري". فأنواع العهد ثلاثة: "ذِكْرِيّ"، و"ذهنيّ أو علميّ"، و"حضوري" ... ). قال السيوطي في "الإتقان " (١/ ٤٣٩): (العهدية إما أن يكون مصحوبها معهودا ذكريا نحو ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ﴾ وضابط هذه أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها أو معهودا ذهنيا نحو ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ أو معهودا حضوريا نحو ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ قال ابن عصفور وكذا كل واقعة بعد اسم الإشارة، أو أي في النداء وإذا الفجائية، أو في اسم الزمان الحاضر نحو الآن) (١). فائدة: قال ابن بدران في "نزهة الخاطر" (٢/ ٨٢): (ما عرف بلام العهد لا يكون عاما؛ لأنه يدل على ذات معينة نحو لقيت رجلا فقلت للرجل) (٢). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ١٣٢): (و "لا" يعم " - أي: "اسم جنس معرف تعريف جنس" - مع قرينة عهد" اتفاقا. وذلك كسبق تنكير نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ لأنه يصرفه إلى ذلك فلا يعم إذا عرف ونحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ... ).

стр. 246

وقال (٣/ ١٣٣): ("و"من صيغ العموم أيضا "مفرد محلى بلام غير عهدية لفظا" كالسارق والزاني والمؤمن والفاسق والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء) وقال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٢٣٣): (من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا). ونحو هذا كثير في كلامهم. تنبيه: إذا تقرر هذا علمت ما في قول الشيخ: (وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص). أل التي لبيان الجنس: قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٥): ("أل الجنسية" فهي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضيء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره ... فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات "وشأن النكرات كشأن اسم الجنس (١) لا تدل على واحد معين" وليس في الكلام ما يدل على العهد. ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف. ١ - فمنها التي تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حي، الإنسان مفكر، المعدن نافع ... فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حي، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع ... يحذف "أل" في الأمثلة كلها وضع كلمة: "كل" مكانها - لبقي المعنى على حالته الأولى. وما تدخل عليه "أل" من هذا النوع يكون لفظه معرفة؛ تجري عليه أحكام المعرفة، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة: كل؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها، مثل كلمة "المَلِك" في قول الشاعر:

стр. 247

إذا الملك الجبَّار صَعَّر خَدَّه ... مَشَيْنا إليه بالسيُوف نعاتبهْ (١) ٢ - ومنها التي تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد ... نحو: أنت الرجل علمًا، وصالحٌ هو الإنسان لطفًا، وعليّ هو الفتى شجاعة. تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أي: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة "صفة العلم" إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك علي؛ بمنزلة الفتيان كلهم في الشجاعة؛ أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين. وحكم ما تدخل عليه "أل" من هذا النوع كحكم سابقه لفظًا ومعنى. ٣ - ومنها التي لا تفيد نوعًا من نوعي الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة في الذهن. ومادته التي تكوّن منها في العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد "أي: مادته وطبيعته" أصلب من حقيقة الذهب "أي: من مادته وعنصره" من غير نظر لشيء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هي أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذي ينص على أن الحديد في حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما -كما سبق- إذ إنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها في الثاني؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أي: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز -لا من حيث أفراده- أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هي كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء؛ لأنك

стр. 248

لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال في: الذهب أنفس من النحاس، وفي: الصوف أغلى من القطن، وفي: الفحم أشد نارًا من الخشب ... وفي الماء، والتراب، والهواء، والجماد، والنبات. تقول: الماء سائل: أي: أن عنصره وطبيعته من حيث هي مادة تجعله في عِداد السوائل، من غير نظر في ذلك إلى أنواعه، أو أفراده، أو شيء آخر منه؛ فتلك حقيقته؛ أي: مادته الأصلية التي قام عليها. وتقول: التراب غذاء النبات، أي: أن عنصره وطبيعته كذلك؛ فهي حقيقته الذاتية، وماهيته التي عرف بها من حيث هي. وتقول: الهواء لازم للأحياء؛ أي: أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك ... وهكذا. وتسمى "أل" الداخلة على هذا النوع "أل" التي للحقيقة، أو: للطبيعة، أو للماهية فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد، أو بصفاتهم، أو بعدم الإحاطة. وتفيد ما دخلت عليه نوعًا من التعريف يجعله في درجة عَلَم كالجنس لفظًا ومعنى. فمعاني "أل الجنسية" إما إفادة الإحاطة والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة، لا مجازًا، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء ... وإما بيان الحقيقة الذاتية، دون غيرها. تنبيه: وبعد هذا التفصيل وبيان أنواع أل الجنسية يتبين أن مقصود الشيخ الإشارة للنوع الثالث دون النوعين الآخرين. قال في "الشرح" (ص/٢٥٨): (وأما المعرف "بأل" التي لبيان الجنس؛ فلا يعم الأفراد، فإذا قلت: الرجل خير من المرأة، أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس، وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال. إذًا التي لبيان حقيقة الجنس لا تدل على العموم، والسبب لأنها ليس فيها شيء عام، عندما أقول: الرجل أو الرجال خير من المرأة، ليس معناه أن كل رجل خير من كل امرأة بدليل أنه يوجد من بعض النساء من هو خير من بعض الرجال، فلما لم تصدق هذه الكلية على سبيل العموم علمنا أن "أل " هنا ليست للعموم).

стр. 249

فائدة (كان يفعل): قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٦): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " ... ). وقال الشيخ في منظومته في أصول الفقه وقواعده: وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالباً ... وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِباً واعلم أن العلماء اختلفوا في صيغة الفعل المضارع إذا دخلت عليه "كان" ماذا تفيد على خمسة أقوال: الأول - أنها تفيد التكرار، وقد اختلف القائلون بهذا فجزم القاضي أبو بكر بأنها تقتضيه لغة، ونقل أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار أنها تقتضيه عرفا لا لغة، وقال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (وهو قوي جدا). الثاني - المواظبة والدوام. الثالث - العموم. الرابع - مطلق الفعل (١). الخامس - أنه لا تقتضي التكرار لا لغة ولا عرفا، واختاره في المحصول وقال النووي في شرح مسلم إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين. وجميعها أقوال في المذهب (٢)

стр. 250

وقد توسع الشيخ الأشقر في عرض الأقوال الثلاثة الأول وناقشها فقال في "أفعال الرسول" (١/ ٤٨٩): ((كان يفعل) والمراد به الفعل المضارع الذي دخلت عليه كان إذا عبّر به الصحابي عن شيء من أفعال النبي ﷺ ، فهل هي دالة على مجرد وقوع الفعل منه، أم على التكرار والمواظبة، وهل تدل على العموم؟ ا- التكرار: أما دلالتها على التكرار، فذلك واضح لا خفاء به. وقال ابن دقيق العيد: (يقال: كان فعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله وكان عادة له، كما يقال: كان فلان يقري الضيف. وقد اختلف الأصوليون من أين جاءت الدلالة على التكرار: فقيل من (كان)، وهو ظاهر كلام الشاطبي ... وبه قال ابن الحاجب. وقيل من مجموع كان والفعل المضارع. وهو ظاهر كلام المحلى. ونقله صاحب تيسير التحرير. وقيل من الفعل المضارع وحده. وهذا عندي هو الصحيح من هذه الأقوال. فإن المضارع وحده يدل على التكرار والعادة المستمرة، كقولهم فلان يقري الضيف، وينفق ماله في أبواب الخير. وقد يدل على المرة الواحدة لكن بشرط استمراره برهة قبل زمن التكلم حتى وقت التكلم. فإذا جاءت (كان) قبل المضارع نقلت معنى التكرار من الحاضر إلى الماضي، ولم تزد على ذلك، فمن أين جاءت بالتكرار؟ وأيضا: لو أنها دلت على التكرار مع المضارع لدلت عليه مع الفعل الماضي لكنها لم تدل عليه، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ) [الأحزاب: ١٥] لا يعني أنهم عاهدوه أكثر من مرة. وقد ذكر ابن دقيق العيد أنه يجوز أن تستعمل (كان يفعل) لإفادة مجرد وقوع الفعل، وذلك صادق بالمرة الواحدة، فلا يدل على التكرار. لكنه يقول: الأول- وهو إفادة التكرار - أكثر في الاستعمال.
следующие страницы →