← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال (٣/ ١٣٣): ("و"من صيغ العموم أيضا "مفرد محلى بلام غير عهدية لفظا" كالسارق والزاني والمؤمن والفاسق والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء) وقال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (١/ ٢٣٣): (من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا). ونحو هذا كثير في كلامهم. تنبيه: إذا تقرر هذا علمت ما في قول الشيخ: (وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص). أل التي لبيان الجنس: قال عباس حسن في"النحو الوافي" (١/ ٤٢٥): ("أل الجنسية" فهي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضيء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره ... فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات "وشأن النكرات كشأن اسم الجنس (١) لا تدل على واحد معين" وليس في الكلام ما يدل على العهد. ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف. ١ - فمنها التي تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حي، الإنسان مفكر، المعدن نافع ... فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حي، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع ... يحذف "أل" في الأمثلة كلها وضع كلمة: "كل" مكانها - لبقي المعنى على حالته الأولى. وما تدخل عليه "أل" من هذا النوع يكون لفظه معرفة؛ تجري عليه أحكام المعرفة، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة: كل؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها، مثل كلمة "المَلِك" في قول الشاعر:

стр. 247

إذا الملك الجبَّار صَعَّر خَدَّه ... مَشَيْنا إليه بالسيُوف نعاتبهْ (١) ٢ - ومنها التي تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد ... نحو: أنت الرجل علمًا، وصالحٌ هو الإنسان لطفًا، وعليّ هو الفتى شجاعة. تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أي: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة "صفة العلم" إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك علي؛ بمنزلة الفتيان كلهم في الشجاعة؛ أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين. وحكم ما تدخل عليه "أل" من هذا النوع كحكم سابقه لفظًا ومعنى. ٣ - ومنها التي لا تفيد نوعًا من نوعي الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة في الذهن. ومادته التي تكوّن منها في العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد "أي: مادته وطبيعته" أصلب من حقيقة الذهب "أي: من مادته وعنصره" من غير نظر لشيء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هي أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذي ينص على أن الحديد في حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما -كما سبق- إذ إنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها في الثاني؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أي: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز -لا من حيث أفراده- أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هي كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء؛ لأنك

стр. 248

لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال في: الذهب أنفس من النحاس، وفي: الصوف أغلى من القطن، وفي: الفحم أشد نارًا من الخشب ... وفي الماء، والتراب، والهواء، والجماد، والنبات. تقول: الماء سائل: أي: أن عنصره وطبيعته من حيث هي مادة تجعله في عِداد السوائل، من غير نظر في ذلك إلى أنواعه، أو أفراده، أو شيء آخر منه؛ فتلك حقيقته؛ أي: مادته الأصلية التي قام عليها. وتقول: التراب غذاء النبات، أي: أن عنصره وطبيعته كذلك؛ فهي حقيقته الذاتية، وماهيته التي عرف بها من حيث هي. وتقول: الهواء لازم للأحياء؛ أي: أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك ... وهكذا. وتسمى "أل" الداخلة على هذا النوع "أل" التي للحقيقة، أو: للطبيعة، أو للماهية فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد، أو بصفاتهم، أو بعدم الإحاطة. وتفيد ما دخلت عليه نوعًا من التعريف يجعله في درجة عَلَم كالجنس لفظًا ومعنى. فمعاني "أل الجنسية" إما إفادة الإحاطة والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة، لا مجازًا، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء ... وإما بيان الحقيقة الذاتية، دون غيرها. تنبيه: وبعد هذا التفصيل وبيان أنواع أل الجنسية يتبين أن مقصود الشيخ الإشارة للنوع الثالث دون النوعين الآخرين. قال في "الشرح" (ص/٢٥٨): (وأما المعرف "بأل" التي لبيان الجنس؛ فلا يعم الأفراد، فإذا قلت: الرجل خير من المرأة، أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس، وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال. إذًا التي لبيان حقيقة الجنس لا تدل على العموم، والسبب لأنها ليس فيها شيء عام، عندما أقول: الرجل أو الرجال خير من المرأة، ليس معناه أن كل رجل خير من كل امرأة بدليل أنه يوجد من بعض النساء من هو خير من بعض الرجال، فلما لم تصدق هذه الكلية على سبيل العموم علمنا أن "أل " هنا ليست للعموم).

стр. 249

فائدة (كان يفعل): قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٦): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " ... ). وقال الشيخ في منظومته في أصول الفقه وقواعده: وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالباً ... وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِباً واعلم أن العلماء اختلفوا في صيغة الفعل المضارع إذا دخلت عليه "كان" ماذا تفيد على خمسة أقوال: الأول - أنها تفيد التكرار، وقد اختلف القائلون بهذا فجزم القاضي أبو بكر بأنها تقتضيه لغة، ونقل أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار أنها تقتضيه عرفا لا لغة، وقال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (وهو قوي جدا). الثاني - المواظبة والدوام. الثالث - العموم. الرابع - مطلق الفعل (١). الخامس - أنه لا تقتضي التكرار لا لغة ولا عرفا، واختاره في المحصول وقال النووي في شرح مسلم إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين. وجميعها أقوال في المذهب (٢)

стр. 250

وقد توسع الشيخ الأشقر في عرض الأقوال الثلاثة الأول وناقشها فقال في "أفعال الرسول" (١/ ٤٨٩): ((كان يفعل) والمراد به الفعل المضارع الذي دخلت عليه كان إذا عبّر به الصحابي عن شيء من أفعال النبي ﷺ ، فهل هي دالة على مجرد وقوع الفعل منه، أم على التكرار والمواظبة، وهل تدل على العموم؟ ا- التكرار: أما دلالتها على التكرار، فذلك واضح لا خفاء به. وقال ابن دقيق العيد: (يقال: كان فعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله وكان عادة له، كما يقال: كان فلان يقري الضيف. وقد اختلف الأصوليون من أين جاءت الدلالة على التكرار: فقيل من (كان)، وهو ظاهر كلام الشاطبي ... وبه قال ابن الحاجب. وقيل من مجموع كان والفعل المضارع. وهو ظاهر كلام المحلى. ونقله صاحب تيسير التحرير. وقيل من الفعل المضارع وحده. وهذا عندي هو الصحيح من هذه الأقوال. فإن المضارع وحده يدل على التكرار والعادة المستمرة، كقولهم فلان يقري الضيف، وينفق ماله في أبواب الخير. وقد يدل على المرة الواحدة لكن بشرط استمراره برهة قبل زمن التكلم حتى وقت التكلم. فإذا جاءت (كان) قبل المضارع نقلت معنى التكرار من الحاضر إلى الماضي، ولم تزد على ذلك، فمن أين جاءت بالتكرار؟ وأيضا: لو أنها دلت على التكرار مع المضارع لدلت عليه مع الفعل الماضي لكنها لم تدل عليه، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ) [الأحزاب: ١٥] لا يعني أنهم عاهدوه أكثر من مرة. وقد ذكر ابن دقيق العيد أنه يجوز أن تستعمل (كان يفعل) لإفادة مجرد وقوع الفعل، وذلك صادق بالمرة الواحدة، فلا يدل على التكرار. لكنه يقول: الأول- وهو إفادة التكرار - أكثر في الاستعمال.

стр. 251

وأشار إلى ذلك أيضا صاحب تيسير التحرير، فإنه قال: إن إفادة (كان يفعل) التكرار أكثرية لا كلية. وعندي أن إفادة (كان يفعل) للمرة الواحدة، حق، ولكن في بعض المواقع دون بعض. فإنا قد ذكرنا أن المضارع المجرّد من (كان) قد يدل على المرة إن كان الفعل مستمرا إلى زمن التكلم، فإذا دخلت عليها (كان) أفادت ذلك الاستمرار في الزمن الماضي إلى لحظة معينة من الماضي. ومثاله أن تقول: (الخطيب يتكلم الآن على المنبر) فإذا أردت نقل ذلك إلى الماضي مع استمرار الفعل إلى وقت معين، تقول مثلاَ: دخلت المسجد وكان الخطيب يتكلم. فهذا استعمال آخر غير الاستعمال الأول، ولكل منهما موضعه، ولا يتوارد الاستعمالان على موضع واحد. وعلامة هذا النوع أن يذكر أمر كالدخول في المثال السابق، ويكون الفعل سابقا له مستمراً إليه. فما عدا هذا النوع تكون دلالته على التكرار كلية لا أكثرية فقط. فهذا تو ضيح لما في كلام ابن دقيق العيد من الإجمال. ٢ - المواظبة والدوام: ومعناه عدم تخلل الترك. فهو أخص من التكرار. فإن تكرار الشيء هو فعله مرتين أو ثلاثاً أو أكثر، وهو واضح في (كان يفعل). أما الدوام الذي لا يتخلله ترك، فقد ادعاه في هذا التركيب (كان يفعل) بعض الحنابلة، ونسبه ابن تيمية (١) إلى أبي يعلى وأبي الخطاب الحنبليين. واستدل به أبو يعلى على الوجوب، وقال في حديث عبدالله بن زيد في استيعاب مسح الرأس: (هذا إخبار عن دوام فعله، وإنما يداوم على الواجب) ويعني بالدوام ما لم يتركه ولو مرة ... الذي أريد هنا بيانه أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية. ودليلنا على أن (كان يفعل) لا تدل على الدوام، أنها تدل في الماضي على ما يدل عليه (يفعل) في الحاضر، وقولنا (زيد يقري الضيف) لا يدل على أن قراه للضيف لا

стр. 252

يتخلف البتة، بل يدل على أن عادته وأغب أحواله أن يقري الضيف. فكذلك (كان يقري الضيف) تدل على مثل ذلك في الماضي. ٣ - العموم: وقد ادعى الكثيرون أن (كان يفعل) تدل أيضا على العموم في أقسام الفعل وأوجهه. وهي غير مسألة دلالة هذا التركيب على المواظبة فان المواظبة تعني تكرار الفعل دائماً عند تكرر المناسبات، وأما العموم فأن يفعله بجميع أقسامه، وعلى جميع الأوجه من الهيئات أو الأماكن أو غير ذلك. وروى القول بالعموم في صيغة (كان يفعل) (١) أبو يعلى، وهو ظاهر كلام الأمدي (٢). وقد روى البخاري الحديث (كان ﷺ يجمع الصلاتين في السفر) فقال البعض بأن ذلك يعم الجمع في السفر القصير، وفي السفر الطويل. وقول من ادّعى العموم مردود بما قال ابن قاسم في شرح الورقات: (يمكن أن يجاب بأن كان يفعل، وإن أفادت التكرار، فان كل مرة من مرات التكرار لا عموم فيها، لأنها إنما تقع في أحد السفرين، فالمجموع لا عموم فيه، إذ المركب مما لا عموم فيه لا عموم فيه. واحتمال أن بعض المرات في أحد السفرين، وبعضهما في الآخر، غير معلوم ولا ظاهر (٣). فصار اللفظ مجملاً بالنسبة للسفر القصير كما أشار إليه الشيخ أبو إسحاق في اللمع) ... ).

стр. 253

ومن تتبع الأدلة الشرعية الوارد فيها استعمال صيغة (كان يفعل) يجد أن بعضها يدل على عدم التكرار، والبعض يدل على التكرار، وقد رأيت البعض يقول أن الأصل فيها أن تستعمل للمرة الواحدة، والتكرار يحتاج لدليل، والبعض يعكس ويقول أنها تستعمل للتكرار إلا لدليل. قال النووي في "شرح مسلم" (٦/ ٢١): (المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظه كان لا يلزم منها الدوام ولا التكرار وإنما هي فعل ماض يدل على وقوعه مرة فإن دل دليل على التكرار عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها وقد قالت عائشة ﵂ كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله قبل أن

стр. 254

يطوف ومعلوم أنه ﷺ لم يحج بعد أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع فاستعملت كان في مرة واحدة ولا يقال لعلها طيبته في إحرامه بعمرة لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالإجماع فثبت أنها استعملت كان في مرة واحدة كما قاله الأصوليون). وقال أيضا (٩/ ٦٨): ((عن جابر بن عبد الله قال كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة) هذا فيه دليل للمذهب الصحيح عند الأصوليين أن لفظ كان لا يقتضي التكرار لأن إحرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبي ﷺ إنما وجد مرة واحدة وهي حجة الوداع والله أعلم). قال المرداوي في " التحبير" (٥/ ٢٤٣٩): (قال البرماوي: والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرار كثيرا، كما يقال: كان فلان يقري الضيف، ومنه كان النبي أجود الناس. الحديث. ولمجرد الفعل قليلا من غير تكرر، نحو: كان النبي يقف بعرفات عند الصخرات، وقول عائشة: كنت أطيب النبي لحله وحرمه. ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة واحدة. ومنه: ما في سنن أبي داود بسند صحيح عن عائشة، وهي تذكر شأن خيبر: كان النبي يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل. فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن فتح خيبر كان سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان). الترجيح: الأقوى عندي هو أن كان يفعل تدل على التكرار إلا لقرينة. العمل بالعام: قال الشيخ: (يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه). وقال في "الشرح" (ص/٢٦٠): (يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه. وعندنا دليل وهو أن الرسول ﷺ لما سئل عن الحمر قال: (لم ينزل علي َّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)) [سورة الزلزلة]) فهنا استعمل الرسول ﵊ العمل بالعموم. فإذا العمل بالعموم واجب؛ لأن النبي

стр. 255

- ﷺ عمل به وهو المشرِّع، فكأنه بعمله هذا يقول لنا اعملوا كذلك. وهذا تعليل عقلي). وهذا الذي اختاره الشيخ هو أحد قولي المذهب. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (١٩/ ١٦٦): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض). وقد بحث هذه المسألة الشيخ عياض السلمي (١) حيث قال: (الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ.

стр. 256

أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما ... ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: (وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف) (١). الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها ... ). فرع - هل يكفى غلبة الظن بعدم المخصص: قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (ص/١٣): (إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفى غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر الأول وابن سريج وإمام الحرمين والغزالي الثاني) ونص عبارة الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٧): (والمختار عندنا أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن

стр. 257

العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر). ولا شك أن من عجز عن تمام اليقين فليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: قال الشيخ: (وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها). وقال في "الأصل" (ص/٣٦): (مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت والحكم فيه عام فيه وفي غيره. ومثال ماد دل الدليل على تخصيصه قوله صلي الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) فإن سببه أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: (ما هذا؟ قالوا صائم. فقال: " ليس من البر الصيام في السفر) فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل وهو من يشق عليه الصيام في السفر والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه ولا يفعل ﷺ ما ليس ببر). هذا الذي اختاره الشيخ هو الراجح من قولي الحنابلة في المسألة. قال ابن اللحام في " القواعد والفوائد" (ص/ ٢٤٠): (إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب في ذلك مذهبان: أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه ... والمذهب الثاني العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد ... وحكاه القاضي في الكفاية عن بعض أصحابنا ... ). قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٠٩): (تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات:

стр. 258

الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم إجماعا كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] لأن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي ﷺ يدها والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالإتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضاً. الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص إجماعا كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: ٥٠]. الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان النازلة من عويمر العجلاني وهلال. وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عجرة. وآية: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) [النساء: ٧] النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا. (تنبيه) فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله ﷺ فأفتى بذلك , وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] الآية. قال للنبي: ألي هذا وحدي يا رسول الله. ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ بأن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع. ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه ﷺ لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على ﵁: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي ﷺ يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤]، فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه ﷺ لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل

стр. 259

على الخصوص. وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب ... ). الخاص تعريف الخاص: أ - لغة: قال الشيخ: (الخاص لغة: ضد العام). العام لغة بمعنى الشامل، والخاص ضده فيكون بمعنى: المنفرد من قولهم: اختص فلان بكذا أي انفرد به. قال ابن منظور في "لسان العرب" مادة: خ ص ص: (خصّه بالشيء يخُصّه خَصّاً وخُصوصاً وخَصُوصِيّةً وخُصُوصِيّةً، والفتح أَفصح، وخِصِّيصَى وخصّصَه واخْتصّه: أَفْرَدَه به دون غيره. ويقال: اخْتصّ فلانٌ بالأَمر وتخصّصَ له إذا انفرد، وخَصّ غيرَه واخْتصّه بِبِرِّهِ. ويقال: فلان مُخِصٌّ بفلان أَي خاصّ به وله به خِصِّيّة). قال الفيومي في "المصباح المنير": (خَصَّصْتُهُ بِكَذَا أَخُصُّهُ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَخُصُوصِيَّةً بِالْفَتْحِ وَالضَّمُّ لُغَةٌ إذَا جَعَلْتَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَخَصَّصْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ وَاخْتَصَصْتُهُ بِهِ فَاخْتَصَّ هُوَ بِهِ وَتَخَصَّصَ وَخَصَّ الشَّيْءَ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ خِلَافُ عَمَّ فَهُوَ خَاصٌّ وَاخْتَصَّ مِثْلُهُ وَالْخَاصَّةُ خِلَافُ الْعَامَّةِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْكِيدِ). ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد). وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ من أجود تعارف العام إلا أنه غير جامع فلا يشمل نوعا من الخاص وهو الخاص بالنوع كلفظ الإنسان فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ الحيوان ولم يخرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته. وقد يقال أن لفظ الناس مثلا خاص بالنسبة للحيوان لأنها أحد أنواعه فالنظر إليها من ناحية كونها أحد أفراد الجنس يعطيها خصوصية نسبية لا مطلقة، ولكن لما كان

стр. 260

لفظ (شخص) (١) المذكور في التعريف يدل على الخصوصية المطلقة، ودخول النسبية فيه بنوع من التكلف حسن إضافة قيد يشملهما كما سيأتي. وقد توسع في تعريف الخاص الآمدي (٢)، والشوكاني (٣)، وقد اطلعت على رسالة تخصيص العام وأثره في الأحكام الفقهية" للشيخ: علي عباس الحكمي فوجدته قد استوعب غالب كلامهما وزاد عليهما وخلص إلى هذا التعريف: الخاص هو (اللفظ الموضوع لواحد ولو بالنوع، أو لمتعدد محصور) وقال (ص/٤٩): (وهذا التعريف قد أشار إليه صدر الشريعة وابن الهمام. فاللفظ جنس، و"الموضوع" قيد مخرج المهمل الذي لم يوضع لشيء). أي أن وضعه هنا كقيد تحسبا لمن عرف الخاص بأنه: (ما ليس بعام) فاعترض عليه بدخول المهمل فيه فهو ليس بعام ولا خاص. وقال: ("ولواحد" احترازا من العام و"لو بالنوع" قيد لإدخال المطلق والنكرة في الإثبات لأنهما من الخاص باعتبار وحدة النوع، وقولنا " أو لمتعدد محصور" قيد ليشمل التعريف أسماء الأعداد والمثنى المنكر لأنها وضعت لأكثر من واحد مع الحصر). ملاحظة: "أو" في التعريف للتنويع لا التشكيك، فهي تبين نوعي الخاص الذي يطلق عليهما، قال الآمدي في "الإحكام" (٢/ ٢١٩) بعد أن عرض لعدة تعاريف للخاص وبين وجوه الاعتراض عليها: (والحق أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين: الأول وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ونحوه الثاني ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه ... ). تعريف التخصيص: أ-لغة: قال الشيخ: (التخصيص لغة: ضد التعميم). سبق أن ذكرنا أن الخاص لغة بمعنى المنفرد، وعليه فالتخصيص في اللغة مصدر

стр. 261

خصص، بمعنى خص، والتخصيص: إفراد وتمييز بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف التعميم (١). ب- اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام). فائدة - الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص: وقبل الكلام على هذا التعريف نمهد ببيان الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص ففي حالة النسخ الجزئي يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد ابتداء ثم رفع بالنسبة إلى بعض الأفراد وبقي الحكم فيما عداهم. وأما في حالة التخصيص فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء، ولهذا يشترط في النسخ أن يكون متراخيا عن وقت العمل بالعام، بخلاف التخصيص فإنه لا يشترط أن يكون متأخرا عن وقت العمل بالعام سواء جاء مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه - وذلك على القول الراجح من أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل به ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة للعمل به -. مثال النسخ الجزئي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٦]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه وأحمد من حديث عبد الله قال: (كنا في المسجد ليلة الجمعة. فقال رجل لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرن ذلك النبي ﷺ ، فذكره النبي ﷺ ، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته) الحديث.

стр. 262

وأما مثال التخصيص فقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ) [العنكبوت: ١٤] الظاهر أن الألف كاملة لكن قوله: (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف بداية وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون عاما. وسوف يأتي أمثلة أخرى كثيرة في محلها بإذن الله. وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ قريب من تعريف البيضاوي في المنهاج حيث عرفه بقوله: (إخراج بعض ما يتناوله اللفظ). وقال البدخشي في شرح المنهاج (٢/ ٧٥): (الإخراج فرع تناول اللفظ فحيث لا تناول فلا إخراج). وعليه فهذا التعريف غير جامع لدخول النسخ الجزئي فيه، فالأولى أن يزاد قيد: (قبل تقرر الحكم) لمنع دخول النسخ الجزئي (١). أو يقال في تعريفه كما قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢٥٠٩): (قصر العام على بعض أجزائه) فقال: (قصر) بدلا من إخراج، وذلك لأن نسخ البعض ليس قصرا بل هو رفع بعد إثبات، والتخصيص قصر للدليل العام عن إثبات الحكم قبل دخوله وقت العمل فلا يدخل النسخ في التعريف (٢). قال الشيخ النملة في "شرح الروضة" (٦/ ٢١١): (والمراد من (قصر العام) قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقيا على عمومه، لكن لفظا لا حكما. وبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص، فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام لا قصر حكمه). قيود أخرى: وهناك بعض القيود الأخرى التي ينبغي أن تضاف لهذا التعريف ليكون جامعا مانعا منها: تقييد أفراده أو أجزائه بالغالبة: قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ٣١\): (ينبغي تقييد أفراده بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة فإن القصر على أحدهما ليس تخصيصا خلافا للحنفية ولذلك ضعف تأويلهم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على

стр. 263

المكاتبة أو المملوكة لأنه نادر فلا يقصر عليه الحكم ... ). قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٧٩ (: (فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج النادر من العام قريب، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه (١)، وقصر العموم على النادر ممتنع، كقصر حديث النكاح على المكاتبة) (٢). وزاد الشنقيطي قيدا آخر فعرفه في المذكرة (ص/٦٦، ٢٠٨) بقوله: (قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك). وأدلة التخصيص تنقسم إلى متصلة ومنفصلة كما سيأتي قريبا. وعليه فالتخصيص هو: (قصر العام على بعض أفراده الغالبة بدليل يقتضي ذلك). المخصِّص: قال الشيخ: (والمخصِّص - بكسر الصاد - فاعل التخصيص وهو الشارع ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص). المخصِّص بصيغة الفاعل - أي فاعل التخصيص - يطلق على الشارع. ويطلق على الدليل الأخص الدال على قصر العام على بعض أفراده، فيقال القرآن

стр. 264

مخصص للسنة والسنة مخصصة للقرآن، وهكذا. قال ابن النجار في " شرح الكوكب المنير" (٣/ ٢٧٧): ("وهو المراد هنا" فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة عرفية). وقد يطلق المخصِّص على المجتهد الذي رأى تخصيص دليل بدليل، فيقال خصص الإمام أحمد عموم الآية بكذا. المخصص المتصل والمنفصل: قال الشيخ: (ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل. فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه. والمنفصل: ما يستقل بنفسه). فالمتصل لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ونحوهم وسيأتي الكلام تفصيليا على أنواعه، ومثال الاستثناء قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)). والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه من غير حاجة إلى كلام سابق عليه فقوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) عام في النوع والمقدار، وقد خصص في المقدار بقوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة). فرع - يؤخذ بالتخصيص سواء تقدم المخصِّص أو تأخر: ذكر الشيخ في شرح الأصول (ص/٢٧٤) مسألة هل يؤخذ بالتخصيص سواء تقدم المخصِّص أو تأخر؟ واختار الشيخ أنه ليس بشرط وأنه يحمل العام على الخاص سواء علمنا التاريخ أم لم نعلم. وهذا الذي اختاره الشيخ هو الراجح وهو أحد قولي المذهب. قال الكلوذاني في "التمهيد" (٢/ ١٥١): (يقدم العام على الخاص سواء تقدم الخاص أو تأخر أو جهل التاريخ. وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تأخر الخاص كقولنا، وإن تقدم الخاص قدم العام عليه، وحكم بنسخ الخاص، وإن جهل التاريخ يتوقف فيهما، أو يرجع إلى غيرهما أو إلى ترجيح أحدهما على الآخر، وقد روي عن عبدالله عن احمد ما يدل على هذا فقال في كلام طويل: تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر فيكون الأخير أولى لأن يؤخذ به إلا أن

стр. 265

شيخنا تأوله على الخبرين إذا كان خاصين يكون الأخير أولى وفيه نظر). وقال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢١٣): (واعلم أيضاً أن التحقيق هو تخصيص العام بالخاص سواء تقدم عنه أو تأخر خلافاً لأبي حنيفة القائل بأن المتأخر منهما ناسخ , محتجاً بقول ابن عباس أو الزهري كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث وبأن العام قطعي الشمول للأفراد عنده، وعليه إن جهل التاريخ يلزم التوقف حتى يدل دليل على أحدهما (١). وهذا المذهب رواية أيضاً عن أحمد. والدليل على تقديم الخاص على العام مطلقاً أمران: الأول: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه كما قاله المؤلف وغيره ومن تتبع قضاياهم تحقق ذلك عنهم (٢). الثاني: أن دلالة الخاص أقوى من تناول العام له فلا شك أن دلالة ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) على عدم أرث فاطمة له ﷺ أقوى من دلالة عموم (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١] الآية. على ارثها له ﷺ ورضي عنها).

стр. 266

المخصصات المتصلة: أولًا - الاستثناء: تعريفه: قال الشيخ: (فمن المخصص المتصل: أولاً: الاستثناء وهو لغة: من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل. واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها). ١ - الاستثناء لغة: قال الفيومي في المصباح المنير: (الِاسْتِثْنَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ ثَنَيْثُ الشَّيْءَ أَثْنِيهِ ثَنْيًا مِنْ بَابِ رَمَى إذَا عَطَفْته وَرَدَدْتُهُ وَثَنَيْتُهُ عَنْ مُرَادِهِ إذَا صَرَفْتُهُ عَنْهُ وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ صَرْفُ الْعَامِلِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُسْتَثْنَى ... ) (١). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (٢/ ٥٨٠): (اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا؛ فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد؛ فهي جملتان، أو من: ثني الفارس عنان فرسه، إذا عطفه؛ لأن المستثنى يعطف على الجملة؛ فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء) (٢). ٢ - الاستثناء اصطلاحا: عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها). فائدة ما يطلق عليه لفظ الاستثناء في عرف الأصوليين: وهذه الفائدة هامة لابد من الوقوف عليها قبل شرح تعريف الشيخ فقد اختلفت أقوال الأصوليين فيما يطلق عليه الاستثناء وتبعا لذلك اختلفت تعريفاتهم. قال الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام" (ص/١٢٧): (ما يطلق عليه لفظ الاستثناء عرفا:

стр. 267

اعلم أنه إذا قيل:" قام القوم إلا زيدا " فلفظ الاستثناء يطلق على أربعة أشياء: أحدها - المعنى المصدري المفهوم من الكلام، وهو الإخراج أو المنع من إرادة البعض مما تناوله صدر الكلام بالحكم أو المخالفة. الثاني - المخرج، وهو المستثنى من الحكم. الثالث - لفظ المستثنى وهو "زيد" في المثال المذكور. الرابع - مجموع لفظ "إلا زيدا" أي الأداة مع ما بعدها (١). قال: والذي يناسب بحثنا هو الاستثناء بمعنى الأداة وما بعدها؛ لأن الكلام هنا في أدلة التخصيص، ودليل التخصيص إنما هو اللفظ الدال على أن بعض ما تناوله العام في الظاهر غير مراد بالحكم وهو هنا الأداة مع ما بعدها). وبعد فتعريف الشيخ إنما هو باعتبار المعنى المصدري وهو الإخراج (٢). وقد وافق الشيخ على تعريف الاستثناء بالمعنى المصدري جماعة من الأصوليين منهم: ابن النجار والطوفي، وابن الحاجب وتبعه العضد، وعرفه بذلك أيضا البيضاوي وابن السبكي وصدر الشريعة، وغيرهم. قال ابن النجار في "مختصر التحرير": " وهو إخراج ما لولاه لوجب دخوله لغة بإلا أو إحدى أخواتها" وعرفه الطوفي في مختصر الروضة (ص/١١١) بقوله: (الاستثناء إخراج بعض الجملة بإلا أو ما قام مقامها). اعتراضان: وقد توجه لهذا الحد اعتراضات ومنها: الأول - قوله: (إخراج) وقد عرض الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٥٨١) لهذه الشبهة وأجاب عنها فقال: («قول من يزعم أن التعريف» يعني تعريف الاستثناء «بالإخراج»، أي:

стр. 268

بقولنا: هو إخراج بعض الجملة، «تناقض» لأن هؤلاء قالوا: تعريف الاستثناء بإخراج بعض الجملة يقتضي أن ذلك البعض دخل في الجملة المستثنى منها، ثم أخرج بالاستثناء؛ فيكون تناقضًا؛ لأنه إذا قال: قام القوم، اقتضى قيام زيد فيهم، فإذا قال: إلا زيدًا، اقتضى أنه لم يقم فيهم؛ فصار التقدير: قام زيد، لم يقم زيد، وذلك تناقض، وعلى هذا بني أبوبكر من أصحابنا أن الاستثناء في الطلاق لا يصح؛ لأنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا، وقعت ثلاث، فإذا قال: إلا واحدة، لم ينفعه؛ لأن الطلاق إذا وقع، لا يرتفع، ولأنه يلزم التناقض المذكور في الطلقة الثالثة. - قوله: «وليس بشيء»، أي: هذا السؤال ليس بشيء، ولا تناقض في تعريف الاستثناء بالإخراج لوجهين: أحدهما: أن متقدمي أهل العربية عرفوه بالإخراج، قال ابن جني، وحسبك به مقدمًا في هذا الشأن: الاستثناء: أن تخرج شيئًا أدخلت فيه غيره، أو تدخله فيما أخرجت منه غيره، وحينئذ يجب المصير إلى ما قالوه، واعتقاد أن لا تناقض في ذلك؛ لأنهم أهل اللغة، وهي وأهلها بريئون من التناقض فيها. الوجه الثاني: أنا إذا قلنا: قام القوم؛ فقد أسندنا القيام إلى جميعهم لعموم اللفظ فيهم، وذلك يتناول زيدًا وغيره، ولا معنى لدخوله في المستثنى منه، إلا أن القيام منسوب إليه كغيره، فإذا قلنا بعد ذلك: إلا زيدًا؛ فقد أخرجناه منهم بعد دخوله فيهم، نعم، دخوله فيهم دخول لفظي لا معنوي؛ لأن القائل يقول: قام القوم، مع اعتقاده أن زيدًا لم يقم معهم، ولذلك عطف عليه؛ فاستثناه منهم، وإذا كان دخول المستثنى وإخراجه لفظيًا: لم يلزم منه تناقض ... ) هذه المسألة سبق وأن تكلمنا عليها في الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص وأنه يزاد في تعريف التخصيص قيد "قبل تقرر الحكم". والطوفي هنا بين أن المقصود من دخول المستثني إنما هو دخول لفظي لا حكمي، وهذا نحو ما سبق وأن قررناه من أن التخصيص هو قصر حكم العام لا قصر لفظه وعليه فيكون الخلاف لفظيا (١) ولكن الإخراج المذكور في عبارة الطوفي يحتمل أن

стр. 269

يكون من عموم اللفظ أو الحكم؛ فينبغي أن يزاد قيد ليوضح مقصوده من هذا الإخراج فيقال مثلا: (إخراج بعض الجملة قبل إسناد الفعل إليه بإلا أو ما قام مقامها) أو يقال: (إخراج بعض الجملة من عموم حكمها بإلا أو ما قام مقامها). قال الكفوي في "الكليات": " الاستثناء ودخول المستثنى في المستثنى منه ثم إخراجه بإلا وأخواتها إنما كان قبل إسناد الفعل أو شبهه إليه، فلا تناقض في مثل: (جاءني القوم إلا زيدا) لأنه بمنزلة قولك: (القوم المخرج منهم زيد جاؤوني)، وذلك لأن المنسوب إليه الفعل وإن تأخر عنه لفظا، لكن لا بد له من التقديم وجودا على النسبة التي يدل عليها الفعل، إذ المنسوب إليه والمنسوب سابقان على النسبة بينهما ضرورة، والمنسوب إليه في الاستثناء هو المستثنى منه مع إلا والمستثنى فلا بد من وجود هذه الثلاثة قبل النسبة، فلا بد إذن من حصول الدخول والإخراج قبل النسبة، فلا تناقض"). والأولى أن نعدل في تعريفه على هذه الطريقة بقولنا: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلا وأخواتها) (١) وهذا التعريف لصدر الشريعة. الثاني: قال الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام" (ص/١٢٨): (انتقده العضد بأن قوله: "وأخواتها" إن كان يريد بأخوات إلا ما يدل على الإخراج، فالحد غير مانع لدخول الغاية والعطف بلا، فإنهما يدلان على الإخراج في بعض التراكيب، وليس شيء منها استثناء، فتعين أنه يريد بقوله "وأخواتها" ألفاظ الاستثناء المشهورة، وحينئذ كان الأولى أن يضع موضع "إلا وأخواتها" قيدا يدخلها ويخرج ما عداها فيقول: "بحرف وضع له".

стр. 270

ومما سبق نختار في تعريف الاستثناء بناء على هذه الطريقة بأنه: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بحرف وضع له). تتمة: قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٢٨٣): (أدوات الاستثناء المشهورة ثمانية، منها: حروف باتفاق، وهي " إلا " أو وحروف على الأصح، وهي حاشا " فإنها حرف عند سيبويه دائما. ويقال فيها: حاش وحشا. ومنها ما هو فعل بالاتفاق، كـ لا يكون، أو فعل على الأصح، وهي " ليس ". ومنها ما هو متردد بين الحرفية والفعلية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعده كان فعلا، وإن جر ما بعده كان حرفا، وهو " خلا " بالاتفاق، و " عدا " عند غير سيبويه. ومنها ما هو اسم، وهو " غير " و " سوى " ويقال فيه " سوى " بضم السين، و " سواء " بفتحها والمد، وبكسرها والمد، سواء قلنا هو ظرف، أو يتصرف تصرف الأسماء). شروط الاستثناء: الشرط الأول - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً . قال الشيخ في "الأصل" (ص/٣٩): (شروط الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء شروط منها: ١ - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً. فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل. والمتصل حكماً: ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس. فإن فصل بينهما فاصل أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول: عبيدي أحرار ثم يسكت أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول إلا سعيداً فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع. وقيل يصح الاستثناء مع السكوت أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه "

стр. 271

فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لِقَيْنِهِمْ وبيوتهم (١) فقال: " إلا الإذخر ". وهذا القول الراجح لدلالة هذا الحديث عليه (٢)). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢٩٧): ((وشروطه) أي شروط الاستثناء (اتصال معتاد) ثم إما أن يكون الاتصال المعتاد (لفظا) كذكر المستثنى عقب المستثنى منه، (أو) يكون الاتصال المعتاد (حكما) كانقطاعه عنه بتنفس أو سعال أو عطاس. ويأتي به عقب ذلك، فيشترط ذلك (كبقية التوابع) ... وعن أحمد رضي الله تعالى عنه: يصح في اليمين متصلا في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره. وعنه أيضا: وفي المجلس. واختاره الشيخ تقي الدين وغيره. وروي عن الحسن وعطاء. وقيل: يصح ما لم يأخذ في كلام آخر ... ). والقول باعتبار هذا الشرط صححه الكلوذاني والمرداوي وابن النجار وغيرهم وهو مذهب جمهور العلماء قال الكلوذاني في "التمهيد" (٢/ ٧٣): (وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له على عشرة إلا درهما، وأما الذي في حكم المتصل بالكلام فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام نحو أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق أو سعال وما أشبهه وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم). ولا يشكل عليه إلا ما روى عن ابن عباس ﵄ وبعض التابعين من القول بالجواز، وسوف نعرض - بإذن الله - لقول ابن عباس وتوجيهه بإذن الله تعالى وأدلة الجمهور باختصار، فالله المستعان. أدلة الجمهور: ١ - قال ابن النجار في شرح الكوكب (٣/ ٣٠١): (واستدل للمذهب الصحيح الذي في المتن بقول النبي ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه؛ وليأت الذي هو خير" (٣) ولم يقل: أو ليستثن).

стр. 272

٢ - قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٥٦٣): (وكذلك لما أرشد الله - أيوب ﵊ بقوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص: ٤٤] جعل طريق بره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يحصل به البر لما جعل الله تعالى له الوسيلة إلى البر ذلك. وفي ' تاريخ بغداد ' لابن النجار أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. انتهى) (١). ٣ - قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٣٠): (ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ) [المائدة: ٨٩] فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن لشرع الكفارة وإيجابها معنى لأنه كان يستثنى). ٤ - وقد استدل الكلوذاني بأدلة من اللغة وأدلة عقلية فقال في "التمهيد" (٢/ ٧٤): (والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة وقد بينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة وذلك لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيدا، ثم قال أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغوا. ثم قال: دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر: فله درهم. لم يحسن ذلك، كذلك الاستثناء. دليل ثالث: أنه لو جاز ذلك وصح لم يستقر عقد ولا إيقاع طلاق ولا عتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل على بطلانه.

стр. 273

دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع). توجيه أثر ابن عباس: ومن أقوى ما استدل به القائلون بالجواز (١) أثر ابن عباس ﵄ قال: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال إذا ذكر استثنى) (٢). وهذا الأثر ضعيف، وعلى فرض صحته فيوجه بأحد الوجوه التالية: ١ - أنه على فرض صحة إسناده، فهو مضطرب المتن فقد ورد عنه الأثر بلفظ: ولو بعد حين، ولفظ: إلى أربعة أشهر، وشهر، وسنة، وعنه أبدا (٣).

стр. 274

٢ - أنه لم يقصد الاستثناء، وإنما قصد امتثال الآية، وقد ذهب إلى هذا التوجيه جماعة منهم: أبو عبيد (١)، والطبري، والبيهقي، والقرافي، وابن الملقن، وغيرهم. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٨/ ١٢٤): (قال - أي البيهقي -: ويحتمل قول ابن عباس أن يكون المراد به أنه كان مستعملا للآية، وإن ذكر الاستثناء بعد حين، كما في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) لا فيما يكون يمينا قلت: وهذا ما قرره القرافي فى «الأصول» في تعليقه على الحنث، حيث قال: المروي عن ابن عباس إنما هو في استثناء المشيئة، لقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) [الكهف: ٢٤] (فإنه قال: إن سبب نزولها ترك النبي ﷺ الاستثناء بالمشيئة وتقديرها كما قال ابن العصري في التفسير (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي إذا شئت الاستثناء): أي إذا تذكرت ولو بعد سنة فقل: إن شاء الله؛ فإنه يسقط عنك المؤاخذة في ترك الاستثناء، وقدره العراقي بأن: الذكر في زمن النسيان محال، فدل على أنه أراد طرف بمنع النسيان في جزء منه، والذكر في جزء آخر، ولم يحدده الشرع، فجاز على التراخي). ٣ - أنه محمول على أنه نوى الاستثناء عند بداية كلامه فيدان به. قال الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٨): (ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه وأن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل فيرد عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما). قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٣١): (وقال ابن ظفر في الينبوع إذا حققت هذه المسألة ضعف أمر الخلاف فيها وتحقيقها أنه لا يخلو الحالف التارك للاستثناء من أحد ثلاثة أمور إما أن يكون نوى الجزم وترك الاستثناء فما أظن الخلاف يقع في مثل هذا أو يكون نوى أن يستثني ولم ينطق بالاستثناء ثم ذكر فتلفظ

стр. 275

به فلا يحسن أن يعد استثناؤه لغوا وإما أن يكون ذاهلا عن الأمرين معا فهذه الصورة صالحة للاختلاف ولا يظهر فيها قول من صحح الاستثناء). الترجيح: وعليه فالأقوى هو قول جمهور العلماء من أهل اللغة والأصول من أنه لابد وأن يكون الاستثناء متصل بحيث لا يفصل بينه وبين صدر الكلام فاصل من كلام آخر، أو سكوت يعد فاصلا عرفا، ولا يضر الفصل بالسعال، أو التنفس، ونحوهما مما لا يعد فاصلا عرفا (١). وأما استدلال الماتن بحديث استثناء الإذخر فقيل فيه أن الاستثناء فيه كان منقطعًا، وأن الإذخر لم يكن من الخلا ولم يتناوله الكلام بداية، وإنما أراد العباس ﵁ تأكيد ذلك فصدقه النبي ﷺ . وعلى فرض كونه من الاستثناء المتصل فيجمع بينه وبين أدلة الجمهور بأن هذا الفصل هنا كان يسيرا، ولا يعد فاصلا عرفا. وعلى هذا الوجه تتجه الرواية المنقولة عن الإمام أحمد بجواز الفصل بزمان يسير ما دام في المجلس (٢)، وقد اختار هذه الرواية ابن تيمية (٣) مع أنها خلاف الرواية الصحيحة في المذهب. قال ابن عقيل في "الواضح" (٣/ ٤٦١): (وقد حكى شيخنا عن أحمد اختلاف الرواية، وليس يظهر من ذلك ما يوجب اختلافا؛ لأنه سهل في اليمين إذا سكت قليلا، ثم قال: إن شاء الله. وهذا يجب أن يكون محمولا على يسير لا يُعدُّ في الكلام فصلا ولا قطعا). الشرط الثاني - ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه: قال الشيخ: (ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، وقيل لا يشترط ذلك فيصح الاستثناء وإن كان المستثنى أكثر من النصف. أما إن استثنى الكل فلا

стр. 276

يصح على القولين. وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل أو الأكثر). وهنا أربعة صور في حالتين فيكون المجموع ثمانية: أولًا - بالنسبة للاستثناء من للعدد: وصورها أنه يشترط أن يكون المستثنى أكثر أو أقل أو مساو للنصف أو مستغرقا، عرض الشيخ للأولى والثانية والرابعة، ولم يتكلم عن الثالثة وهي استثناء النصف، إلا أنه أختار في الشرح عدم اشتراط ذلك وصحح استثناء النصف. قال في "الشرح" (ص/٢٨٣): (فإذا كان أقل أو مساويًا، فالاستثناء صحيح. وإلا فلا يصح ... قال بعض العلماء: إن الاستثناء يصح ولو كان المستثنى أكثر من المستثنى منه، فلو قال: له عليَّ عشرة إلا ستة، صح الاستثناء ولزمه أربعة، وكذا لو قال: عشرة إلا سبعة أو إلا ثمانية أو إلا تسعة. قالوا: لأنه متى أمكن تصحيح كلام المكلف وجب تصحيحه، إذ إن الأصل في النطق الصحة حتى يقوم دليل على البطلان، فمتى أمكن تصحيح كلام المكلف وجب أن يصحح، وهذا يمكن. وقولكم: خلاف الفصيح، نقول: وليكن خلاف الفصيح، فلا يغير الحكم، فلا يضر أن يكون خلاف الفصيح (١). وأما قولكم: لماذا لم يقل أربعة بدلاً من عشرة، نقول: ولماذا لم يقل سبعة بدلاً من عشرة إلا ثلاثة، ولماذا لم يقل ستة بدلاً من عشًرة إلا أربعة، والإِنسان قد يكون له ملاحظة في التعميم ثم الإِخراج والاستثناء. وعلى كل حال: القول الراجح: أن هذا ليس بشرط، وأنه يجوز أن يكون المستثنى أكثر من النصف).

стр. 277

وقال (ص/٢٨٣): (إذا استثنى الكل فإنه لا يصح، لماذا؟ لأن استثناء الكل يستلزم رفع الكل!! ورفع الشيء بعد الإِقرار به لا يصح. فلو قال: له علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها). فتحصل من ذلك أن الاستثناء إن كان من عدد فيصح أن يكون المستثنى أقل، أو مساو، أو أكثر من النصف، ولا يصح أن يستثنى الكل. ثانيًا - بالنسبة للاستثناء من الصفة: واختيار الشيخ هنا واضح، وأنه يصح الاستثناء، وإن خرج الكل، أو الأكثر. قال في "الشرح" (ص/٢٨٥): (أما إن كان من صفة، فيصح، وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله: قوله تعالى لإبليس: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢] المراد بالآية هنا على حسب ما سقناها .. المراد بالعبودية فيها: "العبودية العامة" يعني: إن الناس الذين هم عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين. أما إذا جعلنا العبودية هنا "عبودية خاصة" فالاستثناء هنا منقطع، وليس له تعلق بما ذكرنا؛ لأن يكون معناه: إن عبادي الذين تعبَّدوا لي ليس لك عليهم سلطان، لكن من اتبعك من الغاوين فلك عليهم سلطان. وحينئذ فلا يدخل في الباب الذي نحن فيه، فكلامنا في أن "عبادي " هنا يراد بها العبودية العامة، ويستثنى منها: إلا من اتبعك من الغاوين. ولو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا). تحرير المذهب (١): قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١١٢): (وأن لا يكون مستغرقًا إجماعًا. وفي الأكثر والنصف خلاف. واقتصر قوم على الأقل، وهو الصحيح من مذهبنا). وقال في "شرح مختصر الروضة " (٢/ ٥٩٧): (يشترط لصحة الاستثناء أن لا يكون مستغرقًا فإن كان مستغرقًا نحو: له علي عشرة إلا عشرة، بطل «إجماعًا (٢) وفي

стр. 278

الأكثر والنصف» نحو: له علي عشرة إلا ستة، أو: خمسة - «خلاف. واقتصر قوم على الأقل» أي: على صحة الاستثناء الأقل، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، «وهو الصحيح من مذهبنا». قال صاحب «المحرر» من أصحابنا: يصح استثناء الأقل دون الأكثر في عدد الطلاق والمطلقات والأقارير نص عليه. وفي النصف وجهان، وقيل: يصح في الأكثر أيضًا. قلت: المصحح لاستثناء الأكثر هم أكثر الفقهاء والمتكلمين، والمانع منه أصحابنا وبعض الفقهاء والقاضي أبو بكر في آخر أقواله. - ولنذكر توجيه الأقوال المذكورة: - أما عدم صحة الاستثناء المستغرق؛ فلإفضائه إلى العبث وكونه نقضًا كليًا للكلام، ورجوعًا عن الإيجاد إلى الإعدام؛ فعلى هذا يلغو الاستثناء، ويلزم المستثنى، فإذا قال: له علي عشرة إلا عشرة، أو: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ لزمه عشرة، وطلقت ثلاثًا. وأما وجه الخلاف في استثناء الأكثر؛ فمن صححه، احتج بوجوه: أحدها: قوله حكاية عن إبليس: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) [سورة ص]، وقال في آية أخرى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]؛ فاستثنى في الأولى العباد المخلصين من بني آدم، وفي الثانية الغاوين من العباد، وأيهما كان

стр. 279

الأكثر حصل المقصود. ولتقرير الدليل من ذلك وجه آخر، وهو أنه استثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر؛ بدليل قوله : (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف: ١٧]، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: ٦٣]، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ١٠٠] ... والجواب الصحيح عن الآية: هو أنا نمنع من استثناء الأكثر إذا صرح بعدد المستثنى منه، أما إذا لم يصرح به؛ فهو جائز باتفاق، كما إذا قال: خذ ما في هذا الكيس من الدراهم إلا الزيوف، وكانت أكثر، والآية من هذا الباب لم يصرح فيها بعدد المستثنى منه، بل قال : (إِنَّ عِبَادِي)، وهو مقدار غير معين، بخلاف: له عندي مائة إلا تسعين؛ فهذا هو الممنوع). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٣٠٦): ((ويصح استثناء النصف) في أحد الوجهين لأصحابنا. قال في الإنصاف: وهو المذهب. قال ابن هبيرة: الصحة ظاهر المذهب، وصححه في التصحيح، وتصحيح المحرر، والرعايتين، والحاوي الصغير، واختاره ابن عبدوس في تذكرته وجزم به في الإرشاد والوجيز والمنور، ومنتخب الآدمي ... والوجه الثاني: لا يصح. (لا الأكثر) يعني أنه لا يصح استثناء أكثر من النصف من عدد مسمى، كقوله: له علي عشرة إلا ستة، عند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه وأبي يوسف وابن الماجشون، وأكثر النحاة. وذكر ابن هبيرة: أنه قول أهل اللغة. ونقله أبو حامد الإسفراييني وأبو حيان في الارتشاف عن نحاة البصرة. ونقله ابن السمعاني وغيره عن الأشعري. وقيل: بلى. قال ابن مفلح: وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين: يصح. ويستثنى من القول بعدم صحة استثناء الأكثر ما أشير إليه بقوله (إلا إذا كانت الكثرة من دليل خارج عن اللفظ) نحو قوله : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)) وقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣] لأن هذا تخصيص بصفة ... فلو قال: اقتل من في الدار إلا بني تميم، أو إلا البيض، فكانوا كلهم ` بني تميم أو بيضا لم يجز قتلهم، بخلاف العدد ... ).

стр. 280

الترجيح: ظهر مما سبق أنه يصح في المذهب استثناء الأقل، ولا يصح استثناء الكل، وأما استثناء النصف ففيه خلاف، وظاهر المذهب أنه يصح، وأما استثناء الأكثر فالراجح في المذهب أنه لا يصح، وما اختاره الشيخ العثيمين من صحة الاستثناء للأكثر هو الأولى، وهو قول أكثر الفقهاء، والمتكلمين، واختاره الغزالي وابن الحاجب، والبيضاوي، وغيرهم (١). وهناك شروطًا أخرى لصحة الاستثناء لم يتكلم عليها المؤلف كأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، وكأن يلي الاستثناء الكلام بلا حرف عطف، وأن لا يكون الاستثناء من شيء معلوم مشار إليه، وأن يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه قصدا لا تبعا، وأن ينوي الاستثناء حين النطق بالمستثنى منه ... ولن نستطرد في الكلام على هذا الشروط؛ لأن هذا يخرجنا عن منهجنا في شرح الكتاب إلا أن مسألة الاستثناء المنقطع تكلم عليها الشيخ في الشرح عند مسألة الفرق بين العام والمطلق، وهي من الأهمية بمكان نظرا لتعلق كثير من الفروع الفقهية بها، وعليه فسوف نناقشها الآن - بإذن الله -. هل يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى من نفس جنس المستثنى منه ؟ اشترط الحنابلة هذا الشرط ولم يحكموا بصحة الاستثناء المنقطع. قال ابن بدران في "المدخل" (ص/ ٢٥٤ (: (يشترط أن لا يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه فلا يصح أن يقال قام القوم إلا حمارا مع إرادة الحقيقة فإن أراد المجاز صح هنا بأن يجعل الحمار كناية عن البليد والكلام هنا في فن الأصول لا في فن النحو لأن كلامنا في التخصيص وعدمه والنحاة يتكلمون على الجواز لغة لا شرعا على أن أهل العربية يسمون الاستثناء من غير الجنس منقطعا ويقدرون إلا فيه بمعنى لكن لاشتراكهما في معنى الاستدراك بها فافترقا وأما قول الخرقي في مختصره ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلا إلا أن يستثني عينا من ورق أو

стр. 281

ورقا من عين فإنه راجع إلى الاستثناء من الجنس غاية ما فيه أنه استثنى من الجنس البعيد وهو المال). وقال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٥٤٨ (: (﴾ أحمد، وأصحابه، ومحمد، وزفر، وحكي عن الأكثر لا يصح الاستثناء من غير الجنس﴾، حكاه الآمدي عن الأكثر. وذكر التميمي أن أصحاب الإمام أحمد اختلفوا، وقال ابن برهان: قول عدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء قاطبة، وهو المنصور، نقله ابن مفلح عنه ... وحكاه جماعة عن أبي حنيفة، واختاره ألكيا، وابن برهان، وحكي عن ابن الباجي، وابن خويزمنداد. وعن الإمام أحمد ﵀ رواية بصحة استثناء أحد النقدين من الآخر، فإذا قال: له عندي مائة إلا دينارا، أو مائة دينار إلا ألف درهم، صح اختاره الخرقي، وجماعة من أصحابنا، منهم: أبو حفص العكبري والحلواني صاحب ' التبصرة '، وقدمه في ' الخلاصة ' لابن الْمُنَجَّى و ' شرح ابن رزين '. ثم اختلف الأصحاب في مأخذ هذه الرواية، فقال في ' روضة فقه أصحابنا ' بناء على أنه جنس، أو جنسان، وإن قلنا: هما جنس صح، وإلا فلا. وقال القاضي في ' العدة '، وابن عقيل في ' الواضح ': لأنهما كالجنس في أشياء فكذا في الاستثناء. وقال الموفق في ' المغني ': يمكن حمل هذه الرواية على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر، أو يعلم قدره منه. وقال الطوفي في ' شرح مختصره ' في الأصول: إنما صح ذلك استحسانا، وأجراه بعض أصحابنا على ظاهره، وأنهما نوعان، فيصح استثناء نوع من نوع آخر، فقال: يلزم من هذه الرواية صحة استثناء نوع من آخر. فقال أبو الخطاب: يلزم منها صحة استثناء ثوب ونحوه من دراهم. وقاله المالكية، وابن الباقلاني، وجماعة من المتكلمين، والنحاة. قال الموفق في ' المغني ': وقال مالك، والشافعي: يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقا؛ لأنه ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب. انتهى. قال البرماوي: ولهذا نقل الأستاذ أبو إسحاق الاتفاق على صحة الاستثناء من غير الجنس. وللشافعية كالقولين، قاله ابن مفلح، والأشهر عن أبي حنيفة صحته في مكيل أو موزون من أحدهما فقط ... قوله: ﴿ويشترط لصحته مخالفة في نفي الحكم، أو في أن المستثنى حكم آخر

стр. 282

له مخالفة بوجه﴾. لابد في الاستثناء المنقطع من مخالفة المستثنى للمستثنى منه في نفي الحكم، نحو: ما جاءني القوم إلا حمارا، أو ما جاء زيد إلا عمرا. أو إن في المستثنى حكم آخر، له مخالفة مع المستثنى منه ... فائدة: قال ابن قاضي الجبل: ينقسم الاستثناء إلى منقطع ومتصل، وفي ضبط المنقطع إشكال، فكثير من العقلاء يعتقدون أن المنقطع الاستثناء من غير الجنس، وليس كذلك فإن قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو نقيض المحكوم عليه أولا ومن جنسه. وكذلك قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) [النساء: ٢٩] منقطع، مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو عين الأموال التي حكم عليها قبل إلا، بل المحقق أن يعلم أن المتصل عبارة عن أن تحكم على جنس كما حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت فيه أولا، فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان منقطعا ويكون المنقطع بحكم على جنس كما حكمت عليه أولا بغير ما حكمت عليه أولا، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعا، فإن نقيض (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ) يذوقون فيها الموت ولم يحكم به بل بالذوق في الدنيا، ونقيض: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) كلوها بالباطل ولم يحكم به، وعلى هذا تخرج أقوال العلماء في الكتاب والسنة ولسان العرب. انتهى). فتحصل مما سبق أن القول الصحيح في المذهب هو أنه يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى من نفس جنس المستثنى منه، وأنه لا يصح الاستثناء المنقطع، إلا في النقدين ففي رواية الإمام أحمد جواز استثناء أحد النقدين من الآخر وقد اختلف الأصحاب في توجيه هذه الرواية، واختار أبو الخطاب وغيره إجراءها على ظاهرها وأنهما نوعان فيصح استثناء نوع من آخر كثوب من دراهم كما سبق نقله عن الطوفي. وهذه الرواية المخرجة على قول الإمام أحمد في النقدين هي الموافقة لقول الجمهور بصحة الاستثناء المنقطع وهذا القول هو الراجح. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٤٦٦):) قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]. ذكر جل وعلا في هذه الآية

стр. 283

الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا) أي في الجنات المذكورة (لَغْوًا) أي كلاماً تافهاً ساقطاً كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله ... ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان: . وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ إِلّا الأَوارِيَّ ... (١) (فالأواري) التي هي مرابط الخيل ليست من جنس (الأحد). وقول الفرزدق: وبنتِ كريمٍ قدْ خطبنا ولمْ يكنْ ... لها خاطبٌ إلاَّ السنانُ وعاملهْ وقول جران العود وبَلْدةٍ لَيس بها أَنِيْسُ ... إِلاَّ اليَعافِيرُ وإِلاَّ العِيسُ (فالسنان) ليس من جنس (الخاطب) و (اليعافير والعيس) (٢) ليس واحد منهما من جنس (الأنيس) ... وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين خلافاً للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلاً حتى يخرج بالاستثناء. تنبيهان: الأول - اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل. وإن اختل واحد منهما فهو منقطع: الأول أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلا زيداً. فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلا حماراً. والثاني أن يكون الحكم على

стр. 284

المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس. ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً. فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩] وإنما كان منقطعاً في الآيتين لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ): هو يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض (لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) كلوها بالباطل ولم يحكم به في المستثنى. فتحصل أن انقطاع الاستثناء قسمان: أحدهما بالحكم على غير جنس المستثنى منه. كقولك: رأيت أخويك إلا ثوباً. الثاني: بالحكم بغير النقيض. نحو: رأيت أخويك إلا زيداً لم يسافر. التنبيه الثاني: اعلم أنه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية. فلو أقر رجل لآخر فقال له: علي ألف دينار إلا ثوباً. فعلى القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله (إلا ثوباً) لغواً وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله (إلا ثوباً) وتسقط قيمة الثوب من الألف ... ). ثانيًا - التخصيص بالشرط: تعريف الشرط: أ- لغة: قال الشيخ ﵀: (الشرط وهو لغة: العلامة). الشرْط بالسكون: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه من العقود، وجمعه شروط. والشرَط - بفتح الراء- وهو العلامة. وجمعه: أشراط، ومنه أشراط الساعة أي

стр. 285

علاماتها (١). ب- اصطلاحا: سبق وأن ذكرنا تعريف الشرط فقلنا: الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء). فمثلا الوضوء شرط لصحة الصلاة، عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة، ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره. وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهيته الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها. تنبيهات: الأول - الشرط ينقسم لأربعة أقسام: قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٤٥٥): ((وهو) أي الشرط منحصر في أربعة أنواع. الأول: شرط (عقلي كحياة لعلم) لأنها إذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجودها وجوده. (و) الثاني (شرعي، كطهارة لصلاة. و) الثالث (لغوي، كأنت طالق إن قمت، وهذا) النوع (كالسبب) فإنه يلزم من وجود القيام وجود الطلاق ومن عدم القيام عدم الطلاق المعلق عليه. (و) الرابع (عادي، كغذاء الحيوان) إذ العادة الغالبة: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة ومن وجوده وجودها؛ إذ لا يتغذى إلا الحي. فعلى هذا: يكون الشرط العادي كالشرط اللغوي في كونه مطردا منعكسا) (٢).
следующие страницы →