ورقا من عين فإنه راجع إلى الاستثناء من الجنس غاية ما فيه أنه استثنى من الجنس البعيد وهو المال).
وقال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٥٤٨ (: (﴾ أحمد، وأصحابه، ومحمد، وزفر، وحكي عن الأكثر لا يصح الاستثناء من غير الجنس﴾، حكاه الآمدي عن الأكثر. وذكر التميمي أن أصحاب الإمام أحمد اختلفوا، وقال ابن برهان: قول عدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء قاطبة، وهو المنصور، نقله ابن مفلح عنه ... وحكاه جماعة عن أبي حنيفة، واختاره ألكيا، وابن برهان، وحكي عن ابن الباجي، وابن خويزمنداد. وعن الإمام أحمد ﵀ رواية بصحة استثناء أحد النقدين من الآخر، فإذا قال: له عندي مائة إلا دينارا، أو مائة دينار إلا ألف درهم، صح اختاره الخرقي، وجماعة من أصحابنا، منهم: أبو حفص العكبري والحلواني صاحب ' التبصرة '، وقدمه في ' الخلاصة ' لابن الْمُنَجَّى و ' شرح ابن رزين '.
ثم اختلف الأصحاب في مأخذ هذه الرواية، فقال في ' روضة فقه أصحابنا ' بناء على أنه جنس، أو جنسان، وإن قلنا: هما جنس صح، وإلا فلا. وقال القاضي في ' العدة '، وابن عقيل في ' الواضح ': لأنهما كالجنس في أشياء فكذا في الاستثناء. وقال الموفق في ' المغني ': يمكن حمل هذه الرواية على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر، أو يعلم قدره منه. وقال الطوفي في ' شرح مختصره ' في الأصول: إنما صح ذلك استحسانا، وأجراه بعض أصحابنا على ظاهره، وأنهما نوعان، فيصح استثناء نوع من نوع آخر، فقال: يلزم من هذه الرواية صحة استثناء نوع من آخر. فقال أبو الخطاب: يلزم منها صحة استثناء ثوب ونحوه من دراهم.
وقاله المالكية، وابن الباقلاني، وجماعة من المتكلمين، والنحاة. قال الموفق في ' المغني ': وقال مالك، والشافعي: يصح الاستثناء من غير الجنس مطلقا؛ لأنه ورد في الكتاب العزيز ولغة العرب. انتهى. قال البرماوي: ولهذا نقل الأستاذ أبو إسحاق الاتفاق على صحة الاستثناء من غير الجنس. وللشافعية كالقولين، قاله ابن مفلح، والأشهر عن أبي حنيفة صحته في مكيل أو موزون من أحدهما فقط ...
قوله: ﴿ويشترط لصحته مخالفة في نفي الحكم، أو في أن المستثنى حكم آخر
стр. 282
له مخالفة بوجه﴾. لابد في الاستثناء المنقطع من مخالفة المستثنى للمستثنى منه في نفي الحكم، نحو: ما جاءني القوم إلا حمارا، أو ما جاء زيد إلا عمرا. أو إن في المستثنى حكم آخر، له مخالفة مع المستثنى منه ...
فائدة: قال ابن قاضي الجبل: ينقسم الاستثناء إلى منقطع ومتصل، وفي ضبط المنقطع إشكال، فكثير من العقلاء يعتقدون أن المنقطع الاستثناء من غير الجنس، وليس كذلك فإن قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] منقطع على الأصح مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو نقيض المحكوم عليه أولا ومن جنسه. وكذلك قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) [النساء: ٢٩] منقطع، مع أن المحكوم عليه بعد إلا هو عين الأموال التي حكم عليها قبل إلا، بل المحقق أن يعلم أن المتصل عبارة عن أن تحكم على جنس كما حكمت عليه أولا بنقيض ما حكمت فيه أولا، فمتى انخرم قيد من هذين القيدين كان منقطعا ويكون المنقطع بحكم على جنس كما حكمت عليه أولا بغير ما حكمت عليه أولا، وعلى هذا يكون الاستثناء في الآيتين منقطعا، فإن نقيض (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ) يذوقون فيها الموت ولم يحكم به بل بالذوق في الدنيا، ونقيض: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) كلوها بالباطل ولم يحكم به، وعلى هذا تخرج أقوال العلماء في الكتاب والسنة ولسان العرب. انتهى).
فتحصل مما سبق أن القول الصحيح في المذهب هو أنه يشترط لصحة الاستثناء أن يكون المستثنى من نفس جنس المستثنى منه، وأنه لا يصح الاستثناء المنقطع، إلا في النقدين ففي رواية الإمام أحمد جواز استثناء أحد النقدين من الآخر وقد اختلف الأصحاب في توجيه هذه الرواية، واختار أبو الخطاب وغيره إجراءها على ظاهرها وأنهما نوعان فيصح استثناء نوع من آخر كثوب من دراهم كما سبق نقله عن الطوفي.
وهذه الرواية المخرجة على قول الإمام أحمد في النقدين هي الموافقة لقول الجمهور بصحة الاستثناء المنقطع وهذا القول هو الراجح.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (٣/ ٤٦٦):) قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]. ذكر جل وعلا في هذه الآية
стр. 283
الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا) أي في الجنات المذكورة (لَغْوًا) أي كلاماً تافهاً ساقطاً كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله ...
ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان:
. وَما بِالرَبعِ مِن أَحَدِ
إِلّا الأَوارِيَّ ... (١)
(فالأواري) التي هي مرابط الخيل ليست من جنس (الأحد).
وقول الفرزدق:
وبنتِ كريمٍ قدْ خطبنا ولمْ يكنْ ... لها خاطبٌ إلاَّ السنانُ وعاملهْ
وقول جران العود
وبَلْدةٍ لَيس بها أَنِيْسُ ... إِلاَّ اليَعافِيرُ وإِلاَّ العِيسُ
(فالسنان) ليس من جنس (الخاطب) و (اليعافير والعيس) (٢) ليس واحد منهما من جنس (الأنيس) ...
وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين خلافاً للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلاً حتى يخرج بالاستثناء.
تنبيهان:
الأول - اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل. وإن اختل واحد منهما فهو منقطع: الأول أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلا زيداً. فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلا حماراً. والثاني أن يكون الحكم على
стр. 284
المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس. ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً. فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩] وإنما كان منقطعاً في الآيتين لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ): هو يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض (لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) كلوها بالباطل ولم يحكم به في المستثنى.
فتحصل أن انقطاع الاستثناء قسمان: أحدهما بالحكم على غير جنس المستثنى منه. كقولك: رأيت أخويك إلا ثوباً. الثاني: بالحكم بغير النقيض. نحو: رأيت أخويك إلا زيداً لم يسافر.
التنبيه الثاني:
اعلم أنه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية. فلو أقر رجل لآخر فقال له: علي ألف دينار إلا ثوباً. فعلى القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله (إلا ثوباً) لغواً وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله (إلا ثوباً) وتسقط قيمة الثوب من الألف ... ).
ثانيًا - التخصيص بالشرط:
تعريف الشرط:
أ- لغة:
قال الشيخ ﵀: (الشرط وهو لغة: العلامة).
الشرْط بالسكون: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه من العقود، وجمعه شروط.
والشرَط - بفتح الراء- وهو العلامة. وجمعه: أشراط، ومنه أشراط الساعة أي
стр. 285
علاماتها (١).
ب- اصطلاحا:
سبق وأن ذكرنا تعريف الشرط فقلنا: الشرط عرفه ابن النجار بقوله: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته) ويزاد عليه قيد (وكان خارجا عن حقيقة الشيء). فمثلا الوضوء شرط لصحة الصلاة، عدم وجوده يلزم منه عدم صحة الصلاة، ووجوده لا يلزم منه صحة ولا فساد للصلاة لاحتمال وجود مانع من الصحة غيره.
وأما القيد الأخير فللتفرقة بين الشرط والركن فالركن داخل ماهيته الشيء فقراءة الفاتحة ركن من الصلاة بخلاف الوضوء فهو شرط لصحتها.
تنبيهات:
الأول - الشرط ينقسم لأربعة أقسام:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٤٥٥): ((وهو) أي الشرط منحصر في أربعة أنواع.
الأول: شرط (عقلي كحياة لعلم) لأنها إذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجودها وجوده.
(و) الثاني (شرعي، كطهارة لصلاة.
و) الثالث (لغوي، كأنت طالق إن قمت، وهذا) النوع (كالسبب) فإنه يلزم من وجود القيام وجود الطلاق ومن عدم القيام عدم الطلاق المعلق عليه.
(و) الرابع (عادي، كغذاء الحيوان) إذ العادة الغالبة: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة ومن وجوده وجودها؛ إذ لا يتغذى إلا الحي.
فعلى هذا: يكون الشرط العادي كالشرط اللغوي في كونه مطردا منعكسا) (٢).
стр. 286
الثاني - الشروط اللغوية أسباب:
ومعنى قولنا: (الشروط اللغوية أسباب) أن الشرط اللغوي يسمى شرطا من حيث الاسم، وهو سبب من حيث المعنى والحكم؛ لأنه ينطبق عليه تعريف
السبب؛ لأنه يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.
قال المرداوي في " التحبير" (٣/ ١٠٦٨ (: (الشرط اللغوي، والمراد به: صيغ التعليق ب ' إن ' ونحوها من أدوات الشرط، وهو ما يذكر في أصول الفقه في المخصصات للعموم، نحو: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: ٦]، ومنه قولهم في الفقه: الطلاق والعتق المعلق بشرط، ونحوهما، نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو حرة، وقولهم: لا يجوز تعليق البيع على شرط ونحوه، فإن دخول الدار ليس شرطا لوقوع الطلاق شرعا ولا عقلا، بل من الشروط التي وضعها أهل اللغة. وهذا - كما قال القرافي وغيره -: (يرجع إلى كونه سببا يوضع للمعلق، حتى يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته).
قال ابن النجار في "الكوكب المنير" (٣/ ٣٤٠): ("ويختص" الشرط "اللغوي منه" أي من الشرط المطلق "بكونه" أي بكون الشرط اللغوي "مخصصا" قال البرماوي، في شرح منظومته: الشرط ثلاثة أقسام، ثم قال: الثاني اللغوي، والمراد به صيغ التعليق "بإن" ونحوها، وهو ما يذكر في أصول الفقه في المخصصات للعموم نحو "قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) [الطلاق: ٦]، ومنه قولهم في الفقه: العتق المعلق على شرط، والطلاق المعلق على شرط. وهذا -كما قال القرافي وغيره- يرجع إلى كونه سببا، حتى يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، ووهم من فسره هناك بتفسير الشرط المقابل للسبب والمانع، كما وقع لكثير من الأصوليين كالطوفي، فجعل (١) المخصص هنا من الشرط اللغوي، ووهم من قال غيره).
стр. 287
قال القرافي في "الفروق" (١/ ١٠٧): (الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم، أو الشرعية كالطهارة مع الصلاة، أو العادية كالسلم مع صعود السطح فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، فقد يوجد المشروط عند وجودها كوجوب الزكاة عند دوران الحول الذي هو شرط، وقد يعدم لمقارنة الدين لدوران الحول مع وجود النصاب، وأما الشروط اللغوية التي هي التعاليق كقولنا: إن دخلت الدار فأنت طالق، يلزم من الدخول الطلاق ومن عدم الدخول عدم الطلاق، إلا أن يخلفه سبب آخر كالإنشاء بعد التعليق وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم إلا أن يخلفه سبب آخر فإذا ظهر أن الشروط اللغوية أسباب دون غيرها ... ثم إن الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه والإخلاف والبدل كما إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم يقول لها أنت طالق ثلاثا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا عن الثلاث المعلقة، وكقوله إن أتيتني بعبدي الآبق فلك هذا الدينار، ولك أن تعطيه إياه قبل أن يأتي بالعبد هبة فتخلف الهبة استحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ويمكن إبطال شرطيته كما إذ أنجز الطلاق فإن التنجيز إبطال للتعليق).
الثالث - إشكال:
قال الشيخ السلمي في " أصوله" (ص / ٣٤٦ (: (ولا يقال: قد يوجد الطلاق ولو لم يوجد الخروج بلا إذن، لأن المقصود وقوع الطلاق بسبب الخروج، وأما وقوعه بسبب آخر فلا يمتنع، وهذا جار في الأسباب الأخرى فإنهم يقولون ـ مثلا ـ: الردة سبب للقتل، مع أن القتل قد يكون لأجل الزنى مع الإحصان.
وقد زاد المحققون في تعريف السبب قولهم: لذاته، أي: بالنظر إلى هذا السبب دون غيره من الأسباب، حتى لا يرد مثل هذا الاعتراض على قولهم: السبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم).
الرابع- قد يكون الشرط اللغوي شرعيا:
قال الشيخ عباس الحكمي في رسالته "تخصيص العام" (ص/٢١٠): (وقد يكون الشرط شرعيا لغويا من حيثيتين، فهو من حيث حكم به الشرع شرعيا، ومن حيث أنه مدخول لأداة الشرط لغويا. وكل الشروط الشرعية الواردة في القرآن والسنة من
стр. 288
هذا القبيل).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (١/ ٤٥٦): ((و) الشرط (اللغوي: أغلب استعماله في) أمور (سببية عقلية) نحو إذا طلعت الشمس فالعالم مضيء (و) سببية (شرعية) نحو قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦] فإن طلوع الشمس سبب ضوء العالم عقلا والجنابة سبب لوجوب التطهير شرعا ... ).
الخامس - تعريف الشرط اللغوي:
عرفه الشيخ بقوله: (تعليق شيء بشيء وجوداً أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها).
وعرفه الزركشي في "البحر المحيط" (٣/ ١١٩) بقوله: (الشرط في اصطلاح النحاة ما دخل عليه أحد الحرفين إن وإذا أو ما يقوم مقامهما من الأسماء والظروف الدالة على سببية الأول ومسببية الثاني).
وعرفه التفتازاني في "التلويح على التوضيح" (١/ ٢٧٤) بقوله: (وفي اصطلاح النحاة ما دخل عليه شيء من الأدوات المخصوصة الدالة على سببية الأول ومسببية الثاني ذهنا أو خارجا، سواء كان علة للجزاء مثل إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود أو معلوما مثل إن كان النهار موجودا فالشمس طالعة أو غير ذلك مثل إن دخلت الدار فأنت طالق).
السادس - أما باقي أنواع الشرط فهي من المخصصات المنفصلة.
قال الشيخ عياض السلمي في " أصوله" (ص/٢٣٨): (والصواب أن مقصودهم بالشرط في باب التخصيص الشرط اللغوي، وأما الشرط العقلي والشرعي فإنهما من المخصصات المنفصلة، فالأول تخصيص بالعقل، والثاني تخصيص بنص أو قياس ونحوهما، مما ثبت به كون الشيء شرطا شرعيا، فإن ثبت بنص قيل إن المخصص للعموم النص، وإن ثبت بقياس قيل المخصص القياس).
أدوات الشرط:
أدوات الشرط كثيرة ومنها: إن المخففة - إذا - إذْ ما - لو - لولا - أنى - حيثما - متى - مهما - كيفما - مَنْ - ما - أي - أين - أيان ...
كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق:
стр. 289
٦]، وكقول: إن جاء زيد أكرمته. وكقول: إذا أحمر البُسْر فأتنا وهكذا ...
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٨٨): (ولا فرق بين أن تكون أداة الشرط عاملة أو غير عاملة، ولا بين أن تكون الأداة اسمية أو حرفية. (فإن) حرف شرط، وم (مَنْ) اسم شرط).
أحكام الشرط:
قال الشيخ: (والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر).
قال في "الأصل" (ص/٤٠): (مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥]. ومثال المتأخر قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣]).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٣٤٣): ("ويتقدم" الشرط "على الجزاء لفظا" أي في اللفظ "لتقدمه" أي تقدم الشرط على الجزاء "في الوجود طبعا" لأن الجزاء إنما يكون بعد شيء يجازى عليه).
فإن تأخر في اللفظ كان كالمتقدم من ناحية المعنى.
ثم قال - أي الشيخ في "الشرح" في نفس الموضع السابق: (يشترط في الشرط ما يشترط في الاستثناء، يعني أن يكون من متكلم واحد، وأن يكون متصلا به حقيقة أو حكما، فإن لم يكن من متكلم واحد لم يصح، فلو قال قائل: (أكرم زيدا)، قال الآخر: (إن زارك) لا يصح؛ لأن المتكلم غير واحد. ولو قال: (أكرم زيدا) ثم بعد مدة يمكنه الكلام فيها قال: (إن زارك) لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون متصلا).
تتمة:
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٢٤ (: (قوله: ﴿ويجوز إخراج الأكثر به﴾. قال في ' المحصول ': اتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط أن يكون الخارج منه أكثر من الباقي، وإن اختلفوا فيه في الاستثناء. انتهى. فلو قال: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، وكان الجهال أكثر جاز، بل ولو كان الكل جهالا، يخرج الكل بالشرط).
стр. 290
ثالثًا - التخصيص بالصفة:
قال الشيخ: (ثالثاً: الصفة وهي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال).
أولا - تعريفها:
الصفة المرادة هنا التي تخصص العام عند الأصولين ليس المقصود بها النعت فقط، بل ما هو أعم من ذلك، فكل وصف أو معنى يمكن أن يحصر عموم العام في بعض الأفراد أو يخرج بعض الأفراد هذا يسمونه صفة، سواءً كان جاراً ومجروراً أو كان نعتاً أو كان حالاً فهذه كلها يعدونها من التخصيص بالصفة (١).
وعرفها الشيخ بقوله: (ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام).
وعرفها ابن النجار (٢) بقوله: (ما أشعر بمعنى يتصف به أفراد العام).
وعرفها المرداوي (٣) بقوله: (ما أشعر بمعنى ينعت به أفراد العام) وكلاهما فيه دور فتعريف الشيخ أفضل من تعريفهما.
وعليه فالتعريف المختار للصفة هنا: (ما أشعر بمعنى يختص به بعض
أفراد العام).
ثانيا - أمثلة عليها:
ومثل لها الشيخ بقوله: (من نعت أو بدل أو حال)
١ - (من نعت):
وقال في "الأصل" (ص/٤١): (مثال النعت: قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥]).
فلفظ (فَتَيَاتِكُمُ) هنا جمع مضاف إلى معرفة وهي من صيغ العموم، ثم قال في وصفهن: (المُؤْمِنَاتِ) هذا قيد خصص عموم قوله (فَتَيَاتِكُمُ) فذهب جمهور العلماء إلى أن من لم يستطع مهر الحرة يجوز له أن يتزوج أمة لكن لابد وأن تكون مؤمنة.
стр. 291
٢ - (أو بدل):
قال في "الأصل": (ومثال البدل: قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]).
البدل نوع مستقل من المخصصات المتصلة ولم أقف على من ذكره كمثال للتخصيص بالصفة غير الشيخ، بل ما وقفت عليه من كلامهم التفريق بينهما.
قال الزركشي في البحر المحيط (٢/ ٤٨٦): (البدل قائم بنفسه وليس تبيينا للأول كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت وهو معه كالشيء الواحد)
وقد اختلف العلماء في عده من المخصصات المنفصلة.
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٥٢٩): (قوله: ﴿فالمتصل: استثناء متصل [وشرط]، وصفة، وغاية، وزاد الآمدي ومن تبعه﴾ - كابن الحاجب - ﴿بدل البعض﴾. أما الأربعة الأول فلا خلاف في أنها من المخصصات، وأما بدل البعض فذكره الآمدي ومن تبعه من المخصصات. قال الأصفهاني في ' شرح المختصر ' وغيره: وقد زاد المصنف بدل البعض عن الكل؛ لأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ. قال: وفيه نظر، فإن المبدل في حكم المطرح والبدل قد أقيم مقامه فلا يكون مخصصا له ... انتهى. قال البرماوي: من المخصصات المتصلة بدل البعض من الكل، مثل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]، (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ) [المزمل: ٢، ٣]، (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) [المائدة: ٧١]، عده ابن الحاجب من المخصص، وأنكره الصفي الهندي في ' الرسالة السيفية '، قال: لأن المبدل منه كالمطرح فلم يتحقق فيه معنى الإخراج والتخصيص لا بد فيه من الإخراج، فلذلك قدروا في آية الحج: ولله الحج على المستطيع. وكذا انظر الأصفهاني كما تقدم، ومن ثم لم يذكره الأكثر - منهم: السبكي -، وعللوه بما تقدم. لكن قال البرماوي: فيما قالوه نظر من وجهين: أحدهما: أن أبا حيان نقل التخصيص بالبدل عن الشافعي؛ إذ قال في قصيدته التي مدح فيها الشافعي: إنه هو الذي استنبط الفن الأصولي، وإنه الذي يقول بتخصيص العموم بالبدلين. ومراده بدل البعض، وبدل الاشتمال، فاستفدنا منه أن بدل
стр. 292
الاشتمال في معنى بدل البعض في التخصيص عند من يقول به، ومعناه ظاهر؛ لأن قولك: أعجبني زيد علمه، يكون الأول معبرا به عن مجموع ذاته وعلمه وسائر أوصافه، فإذا قلت: علمه، تخصص الحكم بعلمه فقط، وفهم بعضهم من البدلين بدل البعض، وبدل المطابقة. والوجه الثاني: أن ما قالوه في اطراح المبدل منه إنما هو تفريع على أن المبدل منه مطرح، وهو أحد الأقوال في المسألة، والأكثر على خلافه. انتهى).
قال الشيخ عباس الحكمي في رسالته "تخصيص العام" (ص/٢٤٣): (ثم إن كون المبدل منه في نية الطرح هو أنه غير منظور إليه من حيث الحكم على جميع أفراده لا أنه غير مذكور، والتخصيص من عوارض الألفاظ، وقد ذكر اللفظ العام في الكلام وذكر التخصيص، فلا وجه لإنكار عد البدل من المخصصات).
٣ - (أو حال):
قال في "الأصل" (ص/٤١): (ومثال الحال: قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]. الآية).
قال الزركشي في "البحر المحيط" (٢/ ٤٨٦): (التخصيص بالحال هو في المعنى كالصفة).
قال الشيخ السلمي في "شرح الورقات": (- قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء: ٩٣]، لو لم تأتي كلمة (مُّتَعَمِّداً) وهي حال هنا والأصوليون يسمونها صفة ويجعلونه من التخصيص بالصفة، لو لم ترد كلمة: (مُّتَعَمِّداً) أصبحت من يقتل مؤمنا فجزائه جنهم، لكن هل كل من قتل مؤمناً يعني ولو خطأ يستحق هذا العقاب؟ الجواب لا، بدليل قوله تعالى: (مُّتَعَمِّداً) فقوله (مُّتَعَمِّداً) هذا تخصيص بالصفة، كانت الآية عامة لولا هذا التخصيص، فهذا هو التخصيص بالصفة).
المخصصات المنفصلة .
تمهيد - الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص:
وقبل الكلام على هذه المخصصات أذكر الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص لتعلقه المباشر بها.
стр. 293
اهتم العلماء ببيان الفرق بينهما وذكروا فروقا كثيرة غالبها لا يسلم من الاعتراض.
- بداية نذكر مثالا للعام الذي أريد به الخصوص ليتضح الكلام:
العام الذي أريد به الخصوص، هو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع لهم. فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد به في الأولى: نعيم بن مسعود، أو ركب عبد القيس، وفي الثانية: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب (١).
- أصح الفروق بينهما (٢):
١ - قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٣٨١): (قال البرماوي: قول بعض متأخري الحنابلة فالذي أريد به خصوص يحتاج لدليل معنوي يمنع إرادة الجميع فتعين له البعض، والمخصوص يحتاج لدليل لفظي غالبا، كالشرط والاستثناء والغاية والمنفصل) (٣).
٢ - قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ١٦٠): (وقال شيخ الإسلام البلقيني: الفرق بينهما ... أن قرينة المخصوص قد تنفك عنه؛ وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه).
بعض الفروق الأخرى وبيان وجه الاعتراض عليها:
١ - قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ١٦٦): (وفرق بينهما أبو حامد بأن الذي أريد به الخصوص: ما كان المراد به أقل. وما ليس بمراد هو الأكثر.
قال ابن هبيرة: وليس كذلك العام المخصوص: لأن المراد به هو الأكثر، وما ليس بمراد: هو الأقل).
стр. 294
وهذا التفريق إنما يتأتى على قول من رجح أنه لا يستثنى من العام أكثر من النصف، وقد سبق وأن بينا أن هذا القول مرجوح وأنه يجوز أن يستثنى من العام أكثر من النصف، وعليه فقد يكون المراد من العام المخصوص الأقل (١).
٢ - قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٣٨١): (قال البرماوي بعد أن حكى الفروق في ذلك: ويعلم من ذلك أن قول بعض متأخري الحنابلة في الفرق بأن العام الذي أريد به الخصوص أن يطلق المتكلم اللفظ العام ويريد به بعضا معينا والعام المخصوص هو الذي أريد به سلب الحكم عن بعض منه).
قال الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام" عن هذا الفرق: (غير صحيح؛ لأن الأدلة العامة إنما سيقت لبيان الحكم في الأفراد، لا لسلب الحكم عن بعضها، وإنما يستفاد نفي الحكم عن البعض من دليل آخر ... ).
وهناك فروقا أخرى بينهما أهملت ذكرها والكلام عليها، وهذا التفريق وان اهتم به بعض الأصوليين إلا أنه لا يترتب عليه عمل؛ لأنهم كالمتفقين على أن العام المخصوص لم يرد به جميع أفراده منذ أن تكلم الله به كالعام المراد به الخصوص (٢).
أولاً - التخصيص بالحس:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢٧٨): (المراد بالحس المشاهدة) (٣).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٥٥٢): (قوله: «والمخصصات»، أي: والأدلة المخصصات، يعني أدلة التخصيص «تسعة «: -» الحس»، أي: أحدها الحس، «كخروج السماء والأرض من» قوله في صفة الريح العقيم: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) [الأحقاف: ٢٥]؛ فإننا علمنا بالحس أنها لم تدمر السماء والأرض مع أشياء كثيرة؛ فكان الحس مخصصًا لذلك.
قلت: وفي الاستدلال بالآية الكريمة نظر كما سبق في صدر الباب) - يشير لقوله في الصفحة السابقة -: (وقوله في صفة الريح التي أهلكت عادًا: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، وهو مخصوص بأشياء كثيرة لم تدمرها،
стр. 295
كالسماوات والأرض.
قلت: هذه الآية يحتج بها الأصوليون على إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا حجة فيها؛ لأنها جاءت في موضع آخر مقيدة بما يمنع الاستدلال بها على ذلك، وهو قوله : (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات: ٤١، ٤٢]، والقصة واحدة؛ فدل على أن قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مقيد بما أتت عليه، كأنه سبحانه قال: تدمر كل شيء أتت عليه، وحينئذ يكون التدمير مختصًا بذلك؛ فتكون الآية خاصة أريد بها الخاص؛ فلا يصح الاحتجاج بها على ما يذكرون).
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٨): (قوله: ﴿منه الحس﴾. يجوز التخصيص بالحس، أي: المشاهدة، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) [الأحقاف: ٢٥] فنحن نشاهد أشياء كثيرة لم تؤتها بلقيس كملك سليمان، ونحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسموات، والجبال، وغيرها. ونحوه قوله تعالى: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات: ٤٢]، (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص: ٥٧] فإنا نشاهد أشياء لم تجعلها كالرميم، وأن ما في أقصى المغرب والمشرق لم يجب إليه. واعلم أن هنا ثلاثة أشياء: الأول: أن هذه الأمثلة لا تتعين أن تكون من العام المخصوص بالحس، فقد يدعى أنها من العام الذي أريد به الخصوص. الثاني: أن ما كان خارجا بالحس قد يدعى أنه لم يدخل حتى يخرج، كما يأتي نظيره في التخصيص بالعقل، فليكن هذا على الخلاف الذي هناك. الثالث: يؤول التخصيص بالحس إلى أن العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، فلم يخرج عن كونه خارجا بالعقل فليكونا قسما واحدا، وإن اختلف طريق الحصول (١)).
وقد رجح الشيخ ﵀ أن التخصيص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص بل هو من العام الذي أريد به الخصوص ووصفه بأنه قول قوي جدا (٢).
стр. 296
ثانيا - التخصيص بالعقل:
قال مجد الدين في "المسودة" (ص/١٠٦): (مسألة يجوز تخصيص العموم بدليل العقل نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم وقال قوم لا يجوز ذلك وهم من المتكلمين. قال الجويني: أبى بعض الناس تسمية ذلك تخصيصا وهى مسألة قليلة الفائدة ولست أراها خلافية وأشار إلى أنه نزاع في عبارة وأنهم جعلوا ذلك بيانا ويقال لهم بل التخصيصات بيان. قلت: الذين يجعلون العقل مخصصا فانه والله أعلم لأن العقل مثل المخصصات اللفظية المتصلة ... ).
وقال القاضي في العدة (٢/ ٥٤٧): (يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل) (١).
وهذا هو أحد الأقوال في المذهب (٢) والراجح أن هذا ليس تخصيصا وإنما من باب العام الذي أريد به الخصوص كما سبق في التخصيص بالحس.
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٣٩): (قوله: ﴿والعقل أيضا﴾ من المخصصات المنفصلة. العقل ضروريا كان أم نظريا، فالضروري كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]، فإن العقل قاض بالضرورة أنه لم يخلق نفسه الكريمة، ولا صفاته (٣). والنظري كتخصيص قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧] فإن العقل بنظره اقتضى عدم دخول الطفل، والمجنون بالتكليف بالحج؛ لعدم فهمهما، بل هما من جملة الغافلين الذين هم غير مخاطبين بخطاب التكليف. قال بعض أعيان الشافعية: لا خلاف في ذلك. قال البرماوي: نعم، منع كثير من العلماء أن ما خرج من الأفراد بالعقل من باب التخصيص، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفرق بين عدم دخوله في لفظ العام، وبين خروجه بعد أن دخل ... ).
стр. 297
ومما سبق يتضح رجحان ما أشار إليه الشيخ في الأصل بقوله: (ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص).
بيان أن الخلاف لفظي:
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٦٤١): (قال البرماوي: نعم اختلف في أن هذا الخلاف هل هو معنوي، أو لفظي لا فائدة فيه؟ وبالثاني قال الباقلاني، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والغزالي، وألكيا، وغيرهم، ووافقهم القرافي، والتاج السبكي، وغيرهم - وهو الذي صححناه في المتن -. وقال أبو المعالي: الخلاف لفظي عند التحقيق، ويشهد له قول الأستاذ أبو منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حكم العموم، واختلفوا في تسميته تخصيصا ... ).
ثالثا التخصيص بالشرع:
قال الشيخ: (وأما التخصيص بالشرع فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما وبالإجماع والقياس).
ومحصل ما ذكر الشيخ هنا تخصيص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب والسنة بالسنة، والكتاب بالإجماع، والسنة بالإجماع، والكتاب بالقياس، والسنة بالقياس. وقد مثل الشيخ في الأصل لهذه الأنواع إلا السادس، ولم يتعرض للخلاف الوارد في بعضها كالخلاف في تخصيص القرآن والسنة المتواترة بالسنة الآحادية، والخلاف في تخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس (١).
стр. 298
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ٣٥٩): ((يخصص الكتاب ببعضه و) يخصص أيضا (بالسنة مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا (و) تخصص (السنة به) أي بالقرآن (وببعضها) أي تخصص السنة ببعضها (مطلقا) أي سواء كانت متواترة أو آحادا.
فمن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] فإن عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: ٤٩].
ونحو ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: ٢٣٤] خص بقوله : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ونحو ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) [البقرة: ٢٢١] خص بقوله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [المائدة: ٥] والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ فلا يكون إلا بالسنة، " لقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤] ... وأجيب بأن التخصيص لا يخرج عن كونه مبينا إذا بين ما أنزل بآية أخرى منزلة كما بين ما أنزل إليه من السنة. فإن الكل منزل (١).
ومثال تخصيص الكتاب بالسنة، حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي ﵃: قوله : (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: ٢٤] فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) متفق عليه.
стр. 299
ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك ...
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ : (ما أبين من حي فهو ميت) رواه ابن ماجه، خص بقوله : (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠].
ومن أمثلته أيضا: قوله ﷺ فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم) والمقصود بيان السبيل في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) فقوله ﷺ : (البكر بالبكر، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) يشمل الحرة والأمة، ولكن الأمة خصت بقوله : (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] فدل على أنه ليس عليهن قتل لأن القتل لا ينصف كما أن عليهن جلد خمسين لا مائة جلدة وهكذا.
ومن ذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خص بقوله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩].
ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) فإنه مخصوص بقوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وهو كثير ...
(وبإجماع) يعني أن العام يخص بإجماع (والمراد دليله) أي دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه (١).
стр. 300
ومثلوه بقوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤] خص بالإجماع على أن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر، لكن قال البرماوي: في التمثيل بذلك نظر، لاحتمال أن يكون التخصيص بالقياس (١) ...
وجعل بعض العلماء من أمثله المسألة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩] خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد (٢) والمرأة (٣) ...
(و) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا (بالقياس) قطعيا كان أو ظنيا، ثم إن كان قطعيا خص به العام قطعا، قاله الإبياري في شرح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا، فالذي عليه الأئمة الأربعة والأشعري والأكثر: جواز التخصيص به، وعند ابن
стр. 301
سريج والطوفي من أصحابنا: يخصص القياس الجلي دون غيره، وهو قول جماعة من الشافعية ... ).
ومن أمثلة تخصيص عموم القرآن بالقياس تخصيص عموم قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] .. فان عموم الزانية خصص بالنص وهو قوله في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥]. فقيس عليها العبد بجامع الرق فيلزم جلد العبد خمسين لقياسه على الأمة ويخرج بذلك من عموم ((الزاني)) الذي يجلد مائة.
- وهذا القياس للعبد على الأمة بجامع الرق خصص قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» في تنصيف الحد والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.
- ومن أمثلة تخصيص القياس لعموم القرآن: تخصيص عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة: ٢٧٥] بقياس الأرز على البر في تحريم بيعه متفاضلا أو نسيئة وكذلك كل ما وجدت فيه علة الربا الموجودة في الأجناس الربوية المنصوص عليها في قوله ﷺ (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء بسواء) فمقتضى الآية حل جميع أنواع البيع، وخصها الحديث بتحريم بيع الأجناس الربوية المذكورة بجنسها إلا يدا بيدا مثلا بمثل ثم استنبط الفقهاء من حديث النهي علة التحريم - على خلاف بينهم فيها - وألحقوا بتلك الأجناس كل ما وجدت فيه العلة وخصوا الآية بذلك.
بقيت لنا أمثلة على تخصيص السنة بالإجماع.
قال المرداوي في "التحبير" (٢/ ٢٦٧٠): (وأما تخصيص السنة العامة بالإجماع فلم أرهم تعرضوا له كأنهم استغنوا بمثال تخصيص القرآن).
ومن أشهر الأمثل على ذلك تخصيص عموم قوله ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) إذ أن (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم لكن هذا
стр. 302
العموم مخصوص بما تغير بالنجاسة بالإجماع (١)(٢).
- هناك أنواعا من المخصصات لم يذكرها الشيخ ﵀ ومنها: التخصيص بفعله وتقريره ﷺ ، والتخصيص بالمفهوم، وبالعرف والعادة وبمذهب الصحابي وبالمصالح المرسلة وغير ذلك، وليس المجال هنا للكلام عن هذه الأنواع حتى لا نخرج عن مقصودنا.
وأما مسألة تعارض العام والخاص فقد عرض لها الشيخ في باب التعارض فلنؤجله إلى محله هناك، والله المستعان.
المطلق والمقيد
تعريف المطلق:
١ - لغة:
قال الشيخ: (المطلق لغة: ضد المقيد).
المطلق في اللغة: من الإطلاق بمعنى الإرسال، فهو المرسل، أي: الخالي من القيد.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٣/ ٣٩٢): ("المطلق" مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد).
قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" مادة (ط ل ق): (الطاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ مطّرد واحد، وهو يدلُّ على التَّخلية والإرسال. يقال انطلقَ الرّجل ينطلق انطلاقاً. ثمَّ ترجع الفروع إليه، تقول أطْلَقْتهُ إطلاقاً. والطِّلْق: الشيء الحلال، كأنَّه قد خُلِّيَ عنه فلم يُحظَر ... والطَّالق: النّاقة تُرسَل ترعى حيث شاءت. ويقال للظَّبْي إذا مرَّ لا يُلوِي على شيء: قد تَطلَّق ... ) (٣).
стр. 303
٢ - اصطلاحا:
قال الشيخ: (ما دل على الحقيقة بلا قيد).
وهذا التعريف موافق لما عرفه به السبكي حيث عرفه في "جمع الجوامع" بقوله: (الدال على الماهية بلا قيد) (١).
وعرفه الآمدي وابن الحاجب بأنه: (ما دلَّ على شائع في جنسه).
وقريبا منه تعريف الحنابلة فقد عرفه ابن قدامة في الروضة (ص/٢٥٩): (المطلق هو المتناول لواحد لا بعينه باعتباره حقيقة شاملة لجنسه) (٢).
وقد سلك العلماء مسلكين في تعريف المطلق فمنهم من سوى بينه وبين النكرة فلم يفرق بين هذه التعاريف، ومنهم من فرق بينهما وهو الراجح:
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢١٧) تعليقا على تعريف ابن قدامة السابق: (مشى المؤلف إلى اتحاد النكرة والمطلق (٣) الذي هو اسم الجنس وكثير من الأصوليين يفرقون بينهما).
стр. 304
وإليك بيان الفرق بين المطلق (اسم الجنس) والنكرة ليتضح الفرق بين هذه التعريفات:
الفرق بين اسم الجنس (المطلق) والنكرة:
قال الشنقيطي في "رحلة الحج إلى بيت الله الحرام" (ص/٣٦): (المطلق هو اسم الجنس بعينه عند جمهور الأصوليين، وجمهورهم على أن النكرة والمطلق الذي هو اسم الجنس أمران متغايران خلافا لابن الحاجب والآمدي وطائفة والفرق بينهما عند القائل به: أن المطلق هو ما دل على الماهية بلا قيد، والنكرة ما دل على الواحد الشائع في جنسه.
ومما يوضح الفرق بينهما أن المطلق الذي هو اسم الجنس يكون موضوع القضية الطبيعية، ولا يكون موضوع كلية ولا جزئية، والنكرة تكون موضوع الكلية والجزئية، ولا تكون موضوع الطبيعية فبهذا يظهر الفرق.
والقضية الطبيعية عند المناطقة هي التي حكم بمحمولها على ماهية موضوعها (١) الذهنية من حيث هي ماهية وحقيقية، مع قطع النظر عن وجود تلك الماهية الذهنية في أفرادها الخارجية ولذا لو حمل محمولها على أفراد موضوعها الخارجية لكذبت باعتبار كونها طبيعية ومثالها أعني الطبيعية قولك حيوان جنس وإنسان نوع فحكمك بالجنسية على الحيوانية، وبالنوعية على الإنسانية إنما هو باعتبار ماهية الحيوان والإنسان الذهنية دون أفرادها الخارجية، فالجنسية المحكوم بها على الحيوان والنوعية المحكوم بها على الإنسان كلتاهما لا يصدق الحكم بها إلا على الماهية، وإن حكمت بها على الأفراد كذبت لأن أفراد الإنسان مثلا كزيد وعمرو ليس واحد منها يصح الحكم عليه بالنوعية لأنها كلها أشخاص فلو قلت زيد نوع وعمرو نوع لكان كذبا مع صدق قولك إنسان نوع فظهر قصد الماهية دون الأفراد.
وكذلك أفراد الحيوان لا يصدق الحكم على واحد منها بأنه جنس، فلو قلت الإنسان جنس والفرس جنس مثلا لكان كذبا لأن أفراد الحيوان أنواع لا أجناس والحكم على النوع بأنه جنس كذب ظاهر، فكذب قولك الفرس جنس والإنسان جنس مع صدق
стр. 305
قولك الحيوان جنس يظهر به قصد الماهية دون الأفراد، وهذا يخالف الكلية والجزئية اللتين موضعهما النكرة فالحكم بالمحمول فيهما إنما هو على أفراد الموضوع لا على ماهيته العارية من اعتبار الأفراد فقولك كل إنسان حيوان الحكم في هذه الكلية بالمحمول الذي هو الحيوان على كل فرد من أفراد الموضوع الذي هو الإنسان، لصدق قولك زيد حيوان وعمرو حيوان مثلا، وليس الحكم على الماهية لأن ماهية الإنسان شيء واحد مركب عندهم من حيوانية وناطقية والشيء الواحد لا يجوز دخول السور عليه لعدم تعدده، فلا يجوز مع اعتبار الماهية قولك كل إنسان؛ لأن ماهية الإنسان شيء واحد كما هو مقرر في مبحث أطراف السور وما ذكرنا من الحكم بالمحمول على أفراد الموضوع في الكلية، ومثلنا له هو بعينه في الجزئية؛ لأن الفرق بين الكلية والجزئية إنما هو بشمول الحكم جميع الأفراد وعدمه، فإن شمل الحكم بالمحمول جميع أفراد الموضوع فهي كلية، نحو كل إنسان حيوان، وإلا فجزئية نحو بعض الحيوان إنسان، والحكم في كل منهما على الأفراد لا على الماهية، فظهر الفرق بين اسم الجنس الذي هو المطلق وبين النكرة، بأن الأول موضوع الطبيعية، والأخير موضوع الكلية والجزئية.
وقد بنى الأصوليون على هذا الفرق مسألة تزيده إيضاحا وبيانا وهي ما لو قال لزوجته: إن ولدت ذكرا فأنت طالق، فولدت ذكرين. فعلى مراعاة المطلق الذي هو اسم الجنس الدال عندهم على الماهية بلا قيد تطلق زوجته؛ لأنه علق طلاقها على ماهية الذكر، وقد وجدت، ولا نظر إلى الأفراد في المطلق وعلى مراعاة النكرة الدالة على الواحد الشائع لا تطلق زوجته؛ لأنه علق على ولادتها واحدا بمقتضى النكرة الدالة على الواحد الشائع، فلم تلد واحدا بل ولدت اثنين، فجاءت بغير المعلق عليه ... ).
- قال الزركشي في "البحر المحيط" (٣/ ٣): (المطلق ما دل على الماهية بلا قيد من حيث هي هي وقال في المحصول ما دل على الماهية من غير أن يكون له دلالة على شيء من قيودها ...... وقال ابن الزملكاني في البرهان جعل صاحب المحصول المطلق والنكرة سواء وخطأ القدماء في حدهم له بما سبق ... ورد عليه الأصفهاني في شرح المحصول وقال لم يجعل الإمام المطلق والنكرة سواء بل غاير بينهما فإن
стр. 306
المطلق الدال على الماهية من حيث هي هي والنكرة الدال عليها بقيد الوحدة الشائعة).
وحاصل هذا الفرق أن النكرة يعتبر فيها قيد الوحدة على مذهب أغلب العلماء بعكس المطلق إن عُرِّف بدلالته على الماهية من حيث هي هي ـ فإنه يَرِدُ فيه التعدد، والكثرة. وعليه فيكون المطلق أعم من النكرة لدلالة الماهية على الوحدة وغيرها، فاسم الجنس روعي فيه القدر المشترك لا بقطع النظر عن وجوده في بعض الأفراد ويوضحه المثال السابق الذي ذكره الشنقيطي فإنما طلقت المرأة مراعاة للماهية التي علق عليها الرجل الطلاق التي تحقق بولادة ذكرين، وأما إن نظرا إلى النكرة فلا تطلق لدلالتها على الوحدة والتعيين فلم تأت بالشرط المعلق عليه طلاقها.
ومن هذا ظهر قوة التعريف الذي أختاره الشيخ ﵀ حيث عرف المطلق باعتبار الحقيقة، أو الماهية لا باعتبار الوحدة.
تعقب:
ولما كان المطلق عكس المقيد، وقد استخدم الشيخ في تعريف المطلق كلمة: (قيد) فيخشى من ذلك الدور، ولذلك فالأولى أن نعدل عن كلمة (قيد) بكلمة: (وصف زائد عليها) فيكون تعريف المطلق: (الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها) (١).
فائدتان:
الفائدة الأولى - النكرة في سياق الإثبات:
اعلم أن النكرة في سياق الإثبات من صيغ الإطلاق لا العموم إلا أن يكون ممتنا بها أو في صيغة الشرط، فحينئذ تكون من صيغ العموم.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٢٤٣): (النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا كانت في سياق الامتنان، فإنها تكون للعموم، فالنكرة إذا كانت في سياق الامتنان فإنها للعموم لأننا لو جعلناها محصورة لا تدل على العموم لم يكن الامتنان كاملا، فإذا جاءت نكرة في سياق الامتنان فهي دالة على العموم).
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٢٨٩): (قال ولي الدين والفعل في سياق الثبوت لا يعم كالنكرة المثبتة إلا أن تكون في معرض الامتنان كقوله تعالى: (
стр. 307
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]). اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو). أي: فتعم كل الماء الذي ينزل من السماء كالثلج والبرد والمطر، ونحو ذلك.
قال الزركشي في "معنى لا إله إلا الله" (ص/ ١٠٠): (النكرة في سياق الإثبات لا تعم كذا أطلق جماعة من الأصوليين والحق غيره وأنها بحسب المقامات.
والذي أريده هنا أنه تستثنى من ذلك صورتان إحداهما إذا كانت في سياق الشرط نبه عليه الإمام في البرهان.
الثانية إذا كانت في سياق الامتنان نص عليه القاضي أبو الطيب الطبري).
الفائدة الثانية - الفعل المثبت لا يعم:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/١٠٦): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " ... ).
تضمن كلام الشيخ هنا مبحثا هاما، وهو هل الفعل يفيد الإطلاق مطلقا؟
والجواب أن الفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق، وذلك لأن الفعل مضمن المصدر.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ٢٨٩): (وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة فالمصدر كامن في معناه إجماعا والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات وعلى هذا جماهير العلماء).
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٣٤): («يقال: فعل مقيد، أو مطلق، باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله، من ظرف» زمان أو مكان، ونحوه من المفاعيل، كالمصدر، والعلة، والآلة، ومحل الفعل، وعدم اختصاصه بذلك ...
وقد يقيد الفعل ببعض مفاعيله دون بعض ; فيكون مطلقا مقيدا، بالإضافة إلى
стр. 308
بعضها دون بعض، كقوله: صم يوم الاثنين ; فالصوم مقيد من جهة ظرف الزمان ; مطلق من جهة ظرف المكان، ولو قال: صم في مكة يومين لكان على العكس من ذلك) (١).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٢١٣): () فعله) أي فعل النبي ﷺ المثبت وإن انقسم إلى جهات وأقسام لا يعم أقسامه وجهاته)؛ لأن الواقع منها لا يكون إلا بعض هذه الأقسام من ذلك ما روي ﴿أنه ﷺ صلى داخل الكعبة﴾ فإنها احتملت الفرض والنفل، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معا، فلا يمكن الاستدلال به على جواز الفرض والنفل داخل الكعبة، فلا يعم أقسامه ﴿وكان النبي ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر، لا يعم وقتيهما﴾ أي وقت الصلاة الأولى ووقت الصلاة الثانية، فإنه يحتمل وقوعهما في وقت الصلاة الأولى ويحتمل وقوعهما في وقت الصلاة الثانية، والتعيين موقوف على الدليل، فلا تعم وقتي الأولى والثانية، إذ ليس في نفس وقوع الفعل المروي ما يدل على وقوعه في وقتيهما.
ومثله ما روي ﴿أن النبي ﷺ صلى بعد غيبوبة الشفق﴾ فإن صلاته احتملت أن تكون بعد الحمرة، واحتملت أن تكون بعد البياض، ولا يحتمل أن تكون بعدهما. إلا على رأي من يجوز حمل المشترك على معنييه (
ولا) يعم (كل سفر) كسفر النسك وغيره، فإنه لا يدل عليه الفعل أيضا) (٢).
تعريف المقيد:
أ- لغة:
قال الشيخ: (المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه).
المقيد في اللغة: مقابل المطلق، تقول العرب: قيدته وأقيده تقييدًا، فرس مقيد، أي:
стр. 309
ما كان في رجله قيد أو عقال مما يمنعه من التحرُّك الطبيعي.
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة (ق ي د): (القَيْد، وهو معروفٌ، ثُمَّ يستعارُ في كل شيءٍ يَحْبِس. يقال: قيَّدْتُه أُقََيِّده تقييداً. ويقال: فرَسٌ قَيْدُ الأَوَابِدِ، أي فكأنَّ الوحشَ من سُرعةِ إدراكه لها مُقيَّدة ... ).
ب- اصطلاحاً:
قال الشيخ: (ما دل على الحقيقة بقيد).
اختلف الأصوليون في تعريفه بناء على اختلافهم في تعريف المطلق؛ لأن المقيد عكس المطلق فلما عرف الشيخ المطلق بقوله: (ما دل على الحقيقة بلا قيد) عرف المقيد بأنه: (ما دل على الحقيقة بقيد) وهكذا.
وعرفه ابن قدامة في "الروضة" (ص/٢٦٠) بأنه: (المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٣١) " («والمقيد ما تناول معينا»، نحو: أعتق زيدا من العبيد ; أو موصوفا بوصف زائد على حقيقة جنسه، نحو: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢]، و (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [النساء: ٩٢]، وصف الرقبة بالإيمان، والشهرين بالتتابع، وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الرقبة والشهرين؛ لأن الرقبة قد تكون مؤمنة وكافرة، والشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين) (١).
تعقب:
يؤخذ على تعريف الشيخ بأنه استخدم في تعريف المقيد كلمة (قيد) مما يجعل التعريف فيه دور، والأولى أن نعدل عنها بقولنا (بوصف زائد عليه) فيكون المقيد هو: (ما دل على الحقيقة بوصف زائد عليها).
فوائد:
- قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٣٩٣): (وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها، فما كثرت فيه قيوده كقوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ
стр. 310
أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) (سورة التحريم / آية ٥) الآية أعلى رتبة مما قيوده أقل، (وقد يجتمعان) أي الإطلاق والتقييد (في لفظ) واحد (با) عتبار (الجهتين) فيكون اللفظ مقيدا من وجه مطلقا من وجه آخر، نحو قوله تعالى (رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (سورة النساء آية ٩٢) قيدت الرقبة من حيث الدين والإيمان فتتعين المؤمنة للكفارة، وأطلقت من حيث ما سوى الإيمان من الأوصاف، ككمال الخلقة والطول والبياض وأضدادها ونحو ذلك، فالآية مطلقة في كل رقبة مؤمنة وفي كل كفارة مجزئة، مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقاب ومطلق الكفارات.
ثم اعلم أن الإطلاق والتقييد تارة يكونان في الأمر، كأعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة، وتارة في الخبر، كلا نكاح إلا بولي وشاهدين، ولا نكاح إلا بولي رشيد وشاهدي عدل).
- الفرق بين العام والمطلق:
محصل ما ذكره الشيخ في "الشرح" (ص/ ٢٥١) من فروق بين العام
والمطلق ثلاثة:
ا- أن العام يشمل جميع أفراده على سبيل العموم، وأما المطلق فلا يعم جميع الأفراد إلا على سبيل البدل بمعنى أن العام عمومه شمولي والمطلق عمومه بدلي (١).
٢ - العام يدخله التخصيص، والمطلق يدخله التقييد (٢).
٣ - العام يصح الاستثناء منه استثناء متصلاً، ولا يصح الاستثناء من المطلق إلا استثناء منقطعًا (٣).
العمل بالمطلق:
قال الشيخ: (يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده).
وهنا مسألتان:
стр. 311
الأولى - العمل بالمطلق قبل البحث عن مقيد والقول فيها كالقول في العام وقد سبق، قال الزركشي في "البحر المحيط" (٣/ ٥): (العمل بالمطلق قبل البحث عن المقيد ينبغي أن يكون على الخلاف السابق في العموم).
الثانية - الدليل الشرعي المطلق إذا لم يرد ما يقيده يجب حمله على إطلاقه، كما أن العام إذا لم يرد ما يخصصه يجب حمله على عمومه (١).
حمل المطلق على المقيد:
قال الشيخ: (وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد).
وقال في الأصل: (مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) (سورة المجادلة / آية ٣)، وقوله في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (سورة النساء / آية ٩٢). فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما.
ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (سورة المائدة / آية ٣٨). وقوله في آية الوضوء: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (سورة المائدة / آية ٦). فالحكم مختلف ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق).اهـ
ومثال ما اتحد حكمه وسببه: كما لو قال في كفارة الظهار: (اعتق رقبة)، وقال عن نفس الكفارة في موضع آخر: (اعتق رقبة مؤمنة) فهنا يحمل المطلق على المقيد، وتقيد الرقبة بالإيمان.
ومثال ما اختلف حكمه واتحد سببه: مثل آية الوضوء؛ قال الله - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، وقال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]؛ ففي
стр. 312
الآية: تقييد غسل اليدين إلى المرفقين، وفي التيمم إطلاق الأيدي، وسببهما واحد وهو الحدث فلا يحمل المطلق على المقيد هنا، وفي بعض هذه الحالات خلاف في المذهب وغيره، والراجح هنا ما اختاره الشيخ من حمل المطلق على المقيد عند إتحاد الحكم سواء اتحد السبب أم اختلف.
شروط حمل المطلق على المقيد:
اشترط القائلون بالحمل شروطا كثيرة وقد ذكرها الزركشي في البحر المحيط
ولخصها عنه الشوكاني في إرشاد الفحول، والسلمي في أصوله، ومن هذه
الشروط (١):
١ ـ أن يكون القيد من باب الصفات، كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، ولذلك لا يصح أن يقال: يجب أن يُيَمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم.
٢ ـ أن لا يعارض القيد قيدٌ آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح.
مثاله: حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب، ورد بلفظ: فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، وورد بلفظ: أولاهن، وبلفظ أخراهن، وكلها صحيحة السند، فالأولى مطلقة، والثانية والثالثة مقيدتان بقيدين متضادين فلا يمكن حمل المطلق على المقيد هنا إلا بترجيح.
٣ ـ أن يكون ورود المطلق في باب الأوامر والإثبات، أما في سياق النفي والنهي فلا يحمل المطلق على المقيد، فلو قال: لا تعتق مكاتبا، ثم قال: لا تعتق مكاتبا كافرا، فلا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لو أعتق مكاتبا مؤمنا لأخل بعموم اللفظ الأول.
كذا قالوا، ولا يخفى أن النكرة في سياق النفي والنهي تكون للعموم فلا يكون تقييدها من تقييد المطلق بل من تخصيص العام، والعام لا يخصص بما يدل على ثبوت الحكم لبعض أفراده.
стр. 313
٤ ـ أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز، ويمكن أن نمثل له بإطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، [المجادلة: ٣] وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: ٩٢] فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار، ولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على اجزاء الرقبة الكافرة نحو: فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة، لكان ذلك دليلا مانعا من حمل المطلق على المقيد، فيجزئ في الظهار رقبة مؤمنة، أو كافرة (١).
المجمل والمُبْيَّن
تعريف المجمل:
أ- لغة:
قال الشيخ: (المجمل لغة: المبهم والمجموع).
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٧٤٩): ((المجمل لغة المجموع)، أو المبهم، (أو المحصل). قال ابن مفلح: المجمل لغة المجموع من أجملت الحساب. وقيل: أو المبهم ... وقال البرماوي: المجمل أصله من الجمل وهو الجمع، ومن معانيه اللغوية أيضا الإبهام، من أجمل الأمر، أي: أبهمه، ومنه التحصيل، من أجمل الشيء حصله.) (٢).
ب- اصطلاحا:
قال الشيخ: (ما يتوقف فهم المراد منه على غيره).
قال الشيخ في "الأصل": (ما يتوقف فهم المراد منه على غيره إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره.
مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل.
стр. 314
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣] فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإن
مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان).
وقريب من تعريف الشيخ تعريف القاضي في العدة (١) (١/ ١٤٢) حيث عرفه بقوله: (وأما المجمل فهو ما لا ينبئ عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة تفسره مجمل في جنس الحق وفي قدره، ويحتاج إلى دليل يفسره ويبين معناه.
فأما قوله تعالى: (أَقِيمُوا الْصَّلاَةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) فإن ذلك مجمل؛ لأن الصلاة في اللغة: دعاء، فكان كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) [سورة الأنفال: ٣٥]، وفي الشريعة هي: التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والسلام، ولا يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة.
فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينبئ عنه وجب أن يكون مجملا.
وكذلك الزكاة في اللغة: النَّمَاء والزيادة، من قولهم: زكا الزرع إذا زاد ونما. والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك، واللفظ لا يدل عليه ولا ينبئ عنه ... ).
- وللحنابلة تعريف آخر له، قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٧٥٠): (قوله: (واصطلاحا: ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء). قاله الطوفي في ' مختصره '، لكن قال: اللفظ المتردد إلى آخره فيرد عليه الأفعال، نحو القيام من الركعة الثانية قبل التشهد؛ لتردده بين الجواز والسهو فلذلك حذفتها ليدخل الإجمال الفعلي فإن المجمل يتناول القول والفعل والمشترك والمتواطئ. واحترز بقوله: (بين محتملين) عما له محتمل واحد كالنص. وقوله: على السواء، احتراز عن الظاهر، وعن الحقيقة التي لها مجاز).
стр. 315
- العلاقة بين المجمل والمشترك:
المشترك هو: هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، ومعنى ذلك
أن يتحد اللفظ ويتعدد المعنى كالعين فإنها وضعت للباصرة، والجارية، والجاسوس، والذهب.
- اختلف العلماء في حمل المشترك على معانيه والراجح الجواز بشرط ألا تكون المعاني متنافية ويمكن أن تكون مراده من اللفظ:
قال الشنقيطي في " أضواء البيان" (١/ ٣٣٦): (التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة ﵏.
وقيد ذلك الشيخ العثيمين في "شرح الأصول" (ص/٣٤٠) بألا يكون بين المعنيين تضاد فقال: (إذا قال قائل: "ألستم تقولون بجواز استعمال اللفظ المشترك في معنيين"؟ الجواب: بلى، ولكن نقيد ذلك بما إذا كان ليس بينهما تضاد، أما إذا كان بينهما تضاد فلا يمكن أن يستعمل اللفظ بمعنى وضده، فهنا إذا قلنا القرء هو الحيض، فلا يمكن أن نقول: القرء هو الطهر للتنافي لكن إذا كانا لا يتنافيان (١) مثل (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) [التكوير: ١٧] أي: إذا أقبل أو إذا أدبر، فهنا لا يتنافيان، لأن من الممكن أن الله يقسم به حال إقباله، حال إدباره؛ لأن كلا من آيات الله .
- إذا علمت ذلك فاعلم أن المشترك يكون من قبيل المجمل عند من منع من حمله على معانيه، وأما من يحمله على معانيه فليس من قبيل المجمل إلا أن تكون متضادة فلا تحمل على أحد المعاني، وأيضا ما لم تكن هناك قرينة تعين أحد المعاني، فمثلا قول بن عباس ﵄: (في المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها) (٢) فالأمر بترك الصلاة أيام إقرائها قرينة على أن القرء هنا هو الحيض، وأما القرء في الآية فهو من قبيل المجمل.
стр. 316
الفرق بين المجمل والمشترك (١):
نقل الزركشي عن أبي العز المقترح أن الإجمال بالنسبة إلى الفهم، والاشتراك بالنسبة إلى وضع اللفظ واستعماله.
قال السلمي: (ولبيان ذلك أقول: كون الدليل مجملا أمر نسبي يختلف من عالم لآخر، فقد يكون الدليل مجملا عند عالم ومبينا عند غيره، وذلك بحسب ما يصل إليه اجتهاد كل منهما.
وأما الاشتراك فهو من حيث الوضع في اللغة، فاللفظ قد يكون مشتركا ولكنه يستعمل في أحد معانيه فلا يكون مجملا، وقد يغمض المراد منه فيكون مجملا.
وأيضا فإن الإجمال في الأدلة الشرعية قد بين، ولم يبق لفظ مجمل لا بيان له على الأرجح من قولي العلماء.
أما الاشتراك فلا أحد يدعي انتهاءه من اللغة العربية، ولهذا فإن الكلام في الاشتراك بحث لغوي صرف لا ينبغي أن يحشر في أصول الفقه، وأما الكلام في الإجمال فهو أصل يجب أن لا يخلو منه كتاب في أصول الفقه).
الفرق بين المجمل والمبهم:
قال الشيخ الشنقيطي في "مقدمة تفسيره" (ص/٢٨): (المبهم أعم من المجمل عموما مطلقا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملا، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملا؛ لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود).
تعريف المُبْيَّن:
أ- لغة:
قال الشيخ: (المُبْيَّن لغة: المُظْهَّر والمُوْضَّح).
قال الفيومي في "المصباح" (٢): (بَانَ الْأَمْرُ يَبِينُ فَهُوَ بَيِّنٌ وَجَاءَ بَائِنٌ عَلَى الْأَصْلِ وَأَبَانَ إبَانَةً وَبَيَّنَ وَتَبَيَّنَ وَاسْتَبَانَ كُلُّهَا بِمَعْنَى الْوُضُوحِ وَالِانْكِشَافِ وَالِاسْمُ الْبَيَانُ).
стр. 317
ب- اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه).
قال الشيخ في الأصل: (مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ، سماء، أرض، جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها.
ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل ولكن الشارع بينهما فصار لفظهما بينا بعد التبيين).
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٧٩٧): (تقدم أن للمجمل تعريفات وتقسيمات فخذ ضدها في المبين، فإن قلت: المجمل ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء فقل: المبين ما نص على معنى معين من غير إبهام. وإن قلت: المجمل ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين، فقل: المبين ما فهم منه عند الإطلاق معنى معين من نص، أو ظهور بالوضع، أو بعد البيان، وكذا سائر التعريفات الصحيحة).
والشيخ ﵀ قد ذهب في تعريف المُبْيَّن إلى أنه يطلق على الدليل المحتاج إلى بيان، كالمجمل بعد ورود بيانه، كما يطلق على الخطاب الذي ظهر معناه ابتداء، وهذا أحد الأقوال الثلاث في تعريف المبين، والقول الثاني أنه يطلق على الدليل الذي حصل به التبيين وهو المبيِّن، والقول الثالث أنه يطلق محل التبيين وهو المدلول وتبعا لاختلاف وجهات النظر اختلفت عبارات العلماء في تعريفه (١).
والخطب يسير، فإنه لا حاجة لعقد باب مستقل له، وإنما ينبغي أن يلحق بالمجمل.
العمل بالمجمل:
قال الشيخ: (يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه) ومفهومه أنه لا يعمل به قبل التبيين.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٥٥): (قوله: «وحكمه التوقف على البيان الخارجي»، أي: وحكم المجمل أن يتوقف فيه على الدليل المبين للمراد به، خارجًا عن لفظه، كما أن حكم النص والظاهر المبادرة إلى العمل بما ظهر منهما،
стр. 318
ولأن الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به؛ فلا نكلف بالعمل به. فهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل.
والدليل على أنه لا يجوز لنا ذلك أيضًا: هو أن في العمل به تعرضًا بالخطأ في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه تعرضًا بالخطأ؛ لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين؛ فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر؛ فهذه أربعة أقسام، يسقط منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة واحدة منها.
فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن نوافق مراد الشرع؛ فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه؛ فنخطئ حكمه؛ فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.
وأما أن ذلك لا يجوز؛ فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه؛ فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، وذلك لا يجوز).
مراتب البيان:
قال الشيخ: (وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً).
قال في "الأصل" (ص/٤٧): (والنبي ﷺ قد بين لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً.
وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً.
مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر". بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ).
ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧].
وكذلك صلاة الكسوف على صفتها هي في الواقع بيان لمجمل قوله صلى الله عليه
стр. 319
وسلم: (فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا).
ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) الحديث.
وكان بالفعل أيضاً كما في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. الحديث، وفيه ثم أقبل على الناس وقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)).
فروع:
١ - ذكر الشيخ البيان بالفعل ومنه أيضا: البيان بالكتابة وذلك مثل كتابه لأهل اليمن الذي فيه بيان زكاة بهيمة الأنعام، والديات. وكالبيان بالإشارة: كقوله: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا) الحديث (١). وبالترك، والمقصود به أن يترك النبي ﷺ فعل الشيء مع وجود المقتضي وانتفاء الموانع، كما ترك الوضوء مما مسته النار مع أنه كان يتوضأ من الأكل مما مسته النار (٢). وهذه الأنواع من البيان بالفعل على القول الراجح.
٢ - لا يشترط في المُبْيِّن أن يكون أقوى سنداً أو دلالة من المُبْيَّن بل يجوز بيان مجمل القرآن أو السنة المتواترة بأخبار الآحاد، والمنطوق بالمفهوم.
ومثال الأول بيان الكتاب بالسنة كقوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]، بين ﷺ نكاح الزوج الثاني بأنه الوطء بقوله لامرأة رفاعة القرظي: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك).
ومثال البيان بالمفهوم: قوله ﷺ : (في أربعين شاة شاة) فقد بين مفهوم قوله ﷺ : (في الغنم السائمة زكاة) أن ذلك خاص بغير المعلوفة.
стр. 320
٣ - لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع وهو مذهب الجمهور.
٤ - ليس من شرط البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلا به، ومثال ذلك أن النبي ﷺ بين أن عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١]، لا يتناول الأنبياء بقوله: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فلا يقدح في هذا البيان أن فاطمة ﵂ لم تعلم به وجاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها منه ﷺ . (١)
الظاهر والمؤول
تعريف الظاهر:
أ- لغة:
قال الشيخ: (الظاهر لغة: الواضح والبين).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٤٥٩): ("الظَّاهِرِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ خِلافُ الْبَاطِنِ، وَهُوَ "الْوَاضِحُ" الْمُنْكَشِفُ. وَمِنْهُ ظَهَرَ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ الْمُرْتَفِعِ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي).
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": (الظاء والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قوّةٍ وبروز. من ذلك ظَهَرَ الشيءُ يظهرُ ظهوراً فهو ظاهر، إذا انكشفَ وبرزَ. ولذلك سمِّيَ وقت الظُّهرِ والظَّهيرة، وهو أظهر أوقات النّهار وأَضْوَؤُها. والأصل فيه كلّه ظهر الإنسان، وهو خلافُ بطنه، وهو يجمع البُروزَ والقوّة ... ) (٢).
ب- اصطلاحا:
عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره).