الفرق بين المجمل والمشترك (١):
نقل الزركشي عن أبي العز المقترح أن الإجمال بالنسبة إلى الفهم، والاشتراك بالنسبة إلى وضع اللفظ واستعماله.
قال السلمي: (ولبيان ذلك أقول: كون الدليل مجملا أمر نسبي يختلف من عالم لآخر، فقد يكون الدليل مجملا عند عالم ومبينا عند غيره، وذلك بحسب ما يصل إليه اجتهاد كل منهما.
وأما الاشتراك فهو من حيث الوضع في اللغة، فاللفظ قد يكون مشتركا ولكنه يستعمل في أحد معانيه فلا يكون مجملا، وقد يغمض المراد منه فيكون مجملا.
وأيضا فإن الإجمال في الأدلة الشرعية قد بين، ولم يبق لفظ مجمل لا بيان له على الأرجح من قولي العلماء.
أما الاشتراك فلا أحد يدعي انتهاءه من اللغة العربية، ولهذا فإن الكلام في الاشتراك بحث لغوي صرف لا ينبغي أن يحشر في أصول الفقه، وأما الكلام في الإجمال فهو أصل يجب أن لا يخلو منه كتاب في أصول الفقه).
الفرق بين المجمل والمبهم:
قال الشيخ الشنقيطي في "مقدمة تفسيره" (ص/٢٨): (المبهم أعم من المجمل عموما مطلقا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملا، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملا؛ لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود).
تعريف المُبْيَّن:
أ- لغة:
قال الشيخ: (المُبْيَّن لغة: المُظْهَّر والمُوْضَّح).
قال الفيومي في "المصباح" (٢): (بَانَ الْأَمْرُ يَبِينُ فَهُوَ بَيِّنٌ وَجَاءَ بَائِنٌ عَلَى الْأَصْلِ وَأَبَانَ إبَانَةً وَبَيَّنَ وَتَبَيَّنَ وَاسْتَبَانَ كُلُّهَا بِمَعْنَى الْوُضُوحِ وَالِانْكِشَافِ وَالِاسْمُ الْبَيَانُ).
стр. 317
ب- اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه).
قال الشيخ في الأصل: (مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ، سماء، أرض، جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها.
ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل ولكن الشارع بينهما فصار لفظهما بينا بعد التبيين).
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٧٩٧): (تقدم أن للمجمل تعريفات وتقسيمات فخذ ضدها في المبين، فإن قلت: المجمل ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء فقل: المبين ما نص على معنى معين من غير إبهام. وإن قلت: المجمل ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين، فقل: المبين ما فهم منه عند الإطلاق معنى معين من نص، أو ظهور بالوضع، أو بعد البيان، وكذا سائر التعريفات الصحيحة).
والشيخ ﵀ قد ذهب في تعريف المُبْيَّن إلى أنه يطلق على الدليل المحتاج إلى بيان، كالمجمل بعد ورود بيانه، كما يطلق على الخطاب الذي ظهر معناه ابتداء، وهذا أحد الأقوال الثلاث في تعريف المبين، والقول الثاني أنه يطلق على الدليل الذي حصل به التبيين وهو المبيِّن، والقول الثالث أنه يطلق محل التبيين وهو المدلول وتبعا لاختلاف وجهات النظر اختلفت عبارات العلماء في تعريفه (١).
والخطب يسير، فإنه لا حاجة لعقد باب مستقل له، وإنما ينبغي أن يلحق بالمجمل.
العمل بالمجمل:
قال الشيخ: (يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه) ومفهومه أنه لا يعمل به قبل التبيين.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٥٥): (قوله: «وحكمه التوقف على البيان الخارجي»، أي: وحكم المجمل أن يتوقف فيه على الدليل المبين للمراد به، خارجًا عن لفظه، كما أن حكم النص والظاهر المبادرة إلى العمل بما ظهر منهما،
стр. 318
ولأن الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به؛ فلا نكلف بالعمل به. فهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل.
والدليل على أنه لا يجوز لنا ذلك أيضًا: هو أن في العمل به تعرضًا بالخطأ في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه تعرضًا بالخطأ؛ لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين؛ فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر؛ فهذه أربعة أقسام، يسقط منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة واحدة منها.
فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن نوافق مراد الشرع؛ فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه؛ فنخطئ حكمه؛ فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.
وأما أن ذلك لا يجوز؛ فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه؛ فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، وذلك لا يجوز).
مراتب البيان:
قال الشيخ: (وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً).
قال في "الأصل" (ص/٤٧): (والنبي ﷺ قد بين لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً.
وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً.
مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر". بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ).
ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧].
وكذلك صلاة الكسوف على صفتها هي في الواقع بيان لمجمل قوله صلى الله عليه
стр. 319
وسلم: (فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا).
ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال ﷺ : (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) الحديث.
وكان بالفعل أيضاً كما في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. الحديث، وفيه ثم أقبل على الناس وقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)).
فروع:
١ - ذكر الشيخ البيان بالفعل ومنه أيضا: البيان بالكتابة وذلك مثل كتابه لأهل اليمن الذي فيه بيان زكاة بهيمة الأنعام، والديات. وكالبيان بالإشارة: كقوله: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا) الحديث (١). وبالترك، والمقصود به أن يترك النبي ﷺ فعل الشيء مع وجود المقتضي وانتفاء الموانع، كما ترك الوضوء مما مسته النار مع أنه كان يتوضأ من الأكل مما مسته النار (٢). وهذه الأنواع من البيان بالفعل على القول الراجح.
٢ - لا يشترط في المُبْيِّن أن يكون أقوى سنداً أو دلالة من المُبْيَّن بل يجوز بيان مجمل القرآن أو السنة المتواترة بأخبار الآحاد، والمنطوق بالمفهوم.
ومثال الأول بيان الكتاب بالسنة كقوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]، بين ﷺ نكاح الزوج الثاني بأنه الوطء بقوله لامرأة رفاعة القرظي: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك).
ومثال البيان بالمفهوم: قوله ﷺ : (في أربعين شاة شاة) فقد بين مفهوم قوله ﷺ : (في الغنم السائمة زكاة) أن ذلك خاص بغير المعلوفة.
стр. 320
٣ - لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع وهو مذهب الجمهور.
٤ - ليس من شرط البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلا به، ومثال ذلك أن النبي ﷺ بين أن عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١]، لا يتناول الأنبياء بقوله: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فلا يقدح في هذا البيان أن فاطمة ﵂ لم تعلم به وجاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها منه ﷺ . (١)
الظاهر والمؤول
تعريف الظاهر:
أ- لغة:
قال الشيخ: (الظاهر لغة: الواضح والبين).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٤٥٩): ("الظَّاهِرِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ خِلافُ الْبَاطِنِ، وَهُوَ "الْوَاضِحُ" الْمُنْكَشِفُ. وَمِنْهُ ظَهَرَ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ الْمُرْتَفِعِ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي).
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": (الظاء والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قوّةٍ وبروز. من ذلك ظَهَرَ الشيءُ يظهرُ ظهوراً فهو ظاهر، إذا انكشفَ وبرزَ. ولذلك سمِّيَ وقت الظُّهرِ والظَّهيرة، وهو أظهر أوقات النّهار وأَضْوَؤُها. والأصل فيه كلّه ظهر الإنسان، وهو خلافُ بطنه، وهو يجمع البُروزَ والقوّة ... ) (٢).
ب- اصطلاحا:
عرفه الشيخ بقوله: (واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره).
стр. 321
اعلم أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهذا هو النص (١) نحو قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. وإما أن يحتمل معنيين فأكثر، فان كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ومقابله المحتمل المرجوح. وان كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني فهو المجمل. كالعين والقرء ونحوهما.
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٤٩): (فخرج بقولنا: " ما دل بنفسه على معنى " المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه. وخرج بقولنا: " راجح " المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة. وخرج بقولنا: " مع احتمال غيره " النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً).
تنبيه:
قول الشيخ في التعريف (ما) هي من صيغ العموم فيدخل فيها كل ما يدل بنفسه من قول أو فعل على معنى راجح مع احتمال غيره.
ومثال الأفعال الظاهرة كمن وزع على الناس رسائل مفيدة، فهذا ظاهر في الوقف، ولكنه يحتمل أنه وزعها كعارية مردودة.
وعليه فقول الشيخ في "الشرح" (ص/٣٥٨): (ما بمعنى لفظ ... ) يجعل الحد غير جامع والأولى بقاء التعريف على عمومه ليشمل القول والفعل.
أقسام الظاهر:
والظاهر إما أن يكون ظاهرا بوضع اللغة، أو بوضع العرف، أو بوضع الشرع، وزاد الكلوذاني قسما رابعا وهو الظاهر بالدليل.
стр. 322
فمثال الظاهر باللغة: الأمر يحتمل الإيجاب ويحتمل الندب والاستحباب إلا أنه في الإيجاب أظهر، ومثل النهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، إلا أنه في التحريم أظهر. (١)
ومثاله عند القائلين بالحقيقة والمجاز - لفظ الأسد فإنه إن أطلق يراد به الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع.
ومثال الظاهر بالعرف: لفظ الغائط، فإنه إن أطلق يراد به عرفا الخارج المخصوص من الإنسان لا المطمئن من الأرض.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٤٥٩): (الظاهر (اصطلاحا) أي في اصطلاح الأصوليين (ما) أي لفظ (دل دلالة ظنية وضعا) كأسد (أو عرفا) كغائط. فالظاهر الذي يفيد معنى مع احتمال غيره، لكنه ضعيف، فبسبب ضعفه خفي. فلذلك سمي اللفظ لدلالته على مقابله - وهو القوي - ظاهرا كالأسد، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس ويحتمل أن يراد به الرجل الشجاع مجازا. لكنه احتمال ضعيف، والكلام في دلالة اللفظ الواحد ليخرج المجمل مع المبين؛ لأنه - وإن أفاد معنى لا يحتمل غيره - فإنه لا يسمى مثله نصا).
ومثال الظاهر بالشرع: الصلاة والصيام فإن الصيام إمساك مخصوص في زمن مخصوص، وكذلك الصلاة (٢).
ومثل له الشيخ في الأصل بقوله: (مثاله قوله ﷺ : (توضئوا من لحوم الإبل) (٣). فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة).
وأما القسم الرابع وهو الظاهر بالدليل، فقد مثل له الكلوذاني في التمهيد بقوله (١/ ٨) بقوله: (وأما الظاهر بالدليل فمثل قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ
стр. 323
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: ٢٣٣]، ومثل قوله عز اسمه: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩]، فإن هذا ظاهره ظاهر الخبر، غير أنا حملناه على الأمر بدليل أنا لو حملناه على ظاهره لأدى أن يكون خبر الله بخلاف مُخبَرِه؛ لأنا نجد الوالدات يرضعن أولادهن أكثر من حولين وأقل من حولين، نرى المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر فحملنا قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) أي يجب على الوالدة أن ترضع الولد، وحملنا قوله: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أي لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون).
وإذا دققت النظر في هذين المثالين تجد أن الشيخ قد ذكر أن المعنى المتبادر منهما هو الخبر، وهناك احتمال بعيد بأن المراد منهما الإنشاء، وقد اختار الشيخ العدول إلى هذا الاحتمال البعيد لما ذكره من دليل حسي، وهذا هو التأويل - كما سيأتي - لا الظاهر، وعليه فلا يصح هذا القسم من أقسام الظاهر (١).
تعريفات الظاهر عند الحنابلة:
حول معنى التعريف الذي ذكره تدور تعريفات الحنابلة ومن هذه التعريفات:
ما قاله أبو يعلى في "العدة" (١/ ١٤٠): (الظاهر: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر).
ونحوه تعريف ابن قدامة في "روضة الناظر" (١/ ١٧٨): (الظاهر وهو ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى مع تجويز غيره، وإن شئت قلت: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر).
ونقله الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/٤٢) فقال: (والظاهر: اللفظ المحتمل معنيين فأكثر، هو في أحدها أظهر، أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى مع تجويز غيره).
ثم تعقيه في الشرح (١/ ٥٥٨) بقوله: («اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدها أظهر» وينبغي أن يقال: هو في أحدها أرجح دلالة، لئلا يصير تعريفا للظاهر بنفسه.
فقولنا: هو اللفظ المحتمل معنيين: احتراز من اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، فإن ذلك هو النص كما سبق.
стр. 324
وقولنا: فأكثر. لأن اللفظ قد يحتمل معنيين ومعاني، ولهذا قلنا: هو في أحدها أرجح، لأن المعنيين فأكثر جمع لا تثنية، فكان ذلك أجود من قول الشيخ أبي محمد: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر.
قوله: «أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى، مع تجويز غيره».
هذا تخيير بين التعريفين، أي: الظاهر هو اللفظ المحتمل، إلى آخره، أو اللفظ المتبادر منه معنى، مع تجويز غير، بأيهما شئت عرفه، لأنهما سواء.
فقولنا: «ما بادر منه عند إطلاقه» احتراز مما لا يتبادر منه عند إطلاقه معنى، لأن ذلك هو المجمل، كالقرء عند إطلاقه، لا يتبادر منه حيض ولا طهر.
وقولنا: عند إطلاقه: احتراز مما كانت مبادرة المعنى منه لا عند إطلاقه فقط، بل مع قرينة أو دليل آخر، فإن ذلك، وإن سمي ظاهرا باعتبار ظهور المراد منه، إلا أنه مجاز، إذ ليس ظاهرا بذاته، بل بالدليل الخارج، ونحن كلامنا في الظاهر بذاته).
وعرفه مجد الدين في "المسودة" (ص / ٥١٣) بقوله: (الظاهر هو لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى مع تجويز غيره ممالا يبتدره الظن والفهم) هذا حد الاسفرائينى وصوبه الجوينى وزيف ما سواه).
وقال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٨٤٧): (قوله: (واصطلاحا: ما دل دلالة ظنية وضعا: كأسد، وعرفا: كغائط). قاله الآمدي وغيره. فالظاهر الذي يفيد معنى مع احتمال غيره، لكنه ضعيف؛ فبسبب ضعفه خفي فلذلك سمي اللفظ لدلالته على مقابله وهو القوي ظاهرا كالأسد؛ فإنه ظاهر في الحيوان في دلالة اللفظ الواحد ليخرج المجمل مع المبين؛ لأنه وإن أفاد معنى لا يحتمل غيره، فإنه لا يسمى مثله نصا).
فائدة:
التعاريف السابقة تدل على أن الظاهر صفة للفظ؛ لأن اللفظ هو الذي احتمل معنيين، وهذا من ناحية الاستعمال، وأما حقيقة الظاهر فتطلق على المعنى الراجح الذي دل عليه اللفظ مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، فيكون تعريف الظاهر بناء على هذا بأنه: الاحتمال الراجح ...
قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/٤٢): (والظاهر: حقيقة، هو الاحتمال
стр. 325
المتبادر، واستعمالا، اللفظ المحتمل معنيين فأكثر، هو في أحدها أظهر ... ) (١)
ثم قال في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٥٨): (قوله: «والظاهر حقيقة» أي: في نفس الأمر، هو الشاخص المرتفع ... وكما أن المرتفع من الأشخاص هو الظاهر الذي تبادر إليه الأبصار، فكذلك المعنى المتبادر من اللفظ، هو الظاهر الذي تبادر إليه البصائر والأفهام.
أما إطلاق الظاهر على اللفظ المحتمل أمورا، هو في أحدها أرجح، فهذا اصطلاح لا حقيقة. قوله: «واستعمالا»، أي: والظاهر في استعمال الفقهاء: هو «اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدها أظهر» ... )
العمل بالظاهر:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٤٩): (العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، ولأنه أحوط، وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد، والانقياد).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو أحد أقوال المذهب، وقد اختاره جماعة منهم ابن قدامة، والطوفي، وابن بدران، واختاره أيضا الشيخ الشنقيطي وغيرهم (٢).
والقول هنا كالقول في العام والمطلق فلا تستعمل ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض (٣).
قال مجد الدين في "المسودة" (ص/ ١١): (في إتباع الظواهر ثلاث روايات إحداهن إتباعها مطلقا ابتداء إلا أن يعلم ما يخالفها ويبين المراد بها والثاني لا تتبع حتى يعلم ما يفسرها وهو الوقف المطلق ولا أبعد أنه قول طائفة من المحدثين كما في القياس
стр. 326
وكذلك حكى أبو حاتم في اللامع أن أكثر ظواهر القرآن تدل على الأشياء بأنفسها ومن الناس من قال كل شيء منه محتاج إلى تفسير الرسول والأئمة التي أخذت عن الرسول والثالث وهو الأشبه بأصوله وعليه أكثر أجوبته أنه يتوقف فيها إلى أن يبحث عن المعارض فإذا لم يوجد المعارض عمل بها وهذا هو الصواب إن شاء الله كما اختاره أبو الخطاب.
ثم إن هنا لطيفة وهي أن أحمد لم يقف لأجل الشك في اللغة كما هو مذهب الواقفة في الأمر والعموم وقد سلم الظهور في اللغة ولكن هل يجوز العمل بالظن المستفاد من الظواهر والأقيسة هذا مورد كلامه فتدبره ففرق بين وقف لتكافؤ الاحتمالات عنده وان سلم ظهور بعضها في اللغة لكن لأن التفسير والبيان قد جاء كثيرا بخلاف الظهور اللغوي إما لوضع شرعي أو عرفي أو لقرائن متصلة أو منفصلة فصاحب هذه الرواية يقف وقفا شرعيا والمحكى خلافهم في الأصول يقفون وقفا لغويا).
وقال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٧/ ٣٩٢): (فالأمور الظنية لا يعمل بها حتى يبحث عن المعارض بحثا يطمئن القلب إليه وإلا أخطأ من لم يفعل ذلك ... ).
تعريف المؤول:
أ- لغة (١):
قال الشيخ: (المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع).
قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (٣/ ٤٦٠): ("وَالتَّأْوِيلُ لُغَةً: الرُّجُوعُ" وَهُوَ مِنْ آلَ يَئُولُ: إذَا رَجَع. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران: ٧] أَيْ طَلَبَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَوَّلْت الشَّيْءَ، أَيْ فَسَّرْته، مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ؛ لأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى ذَلِكَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ فِي دَلالَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) [الأعراف: ٥٣] أَيْ مَا يَئُول إلَيْهِ بَعْثُهُمْ وَنُشُورُهُمْ).
ب- اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٣٦٣): (المؤول لابد وأن يكون له معنيان: أحدهما
стр. 327
راجح، والثاني مرجوح - قلت: وهذا على الأغلب وإلا فقد يكون له عدة معان -، فخرج بذلك النص؛ لأنه لا يدل إلا على معنى واحد.
وخرج المجمل؛ لأنه لا يدل على معنى (١)، أو يدل على معنيين لا يترجح أحدهما على الآخر (٢).
وخرج الظاهر؛ لأنه يدل على المعنى الراجح. وبهذا الفصل خرجت هذه المحترزات).
إذا علم ذلك فحمل اللفظ على ظاهره ليس تأويلا، وكذا حمل المشترك ونحوه من المساوي على أحد محمليه، أو محامله لدليل لا يسمى تأويلا، وحمله على المجموع لا يسمى تأويلا أيضا.
تنبيه:
كما سبق وأن نبهت في تعريف الظاهر من إنه يشمل القول والفعل فكذلك المؤول، وعليه فهذا التعريف غير جامع لتقييده باللفظ.
قال المرداوي في " التحبير" (٦/ ٢٨٥٠): (قال أبو محمد (الجوزي: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل). قال ابن قاضي الجبل: قلت الحد غير جامع؛ لأن التأويل قد يكون في الفعل).
وقيل في تعريفه (٣): "حمل ظاهر على محتمل مرجوح". وهذا يشمل التأويل الصحيح والفاسد، فإن أردت الصحيح زدت في الحد: "بدليل يصيره راجحا". وهذا التعريف جيدا إلا أن فيه تعريف للتأويل بالظاهر، فيتوقف تعريفه على تعريفه، وهذا عيب في الحد الحقيقي، قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٧) وهو يتكلم عن شروط الحد الحقيقي: (أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة والمشتركة
стр. 328
المترددة ... ).
فالأولى في تعريفه أن يعمم هذا التعريف أو تعريف الشيخ فيقال: (ما حمل على المعنى المرجوح) أو (ما حمل على محتمل مرجوح) والأول أجود وأعم من الثاني؛ لأن قوله في الثاني: (محتمل) فيه إشارة إلى أن المعنى المحمول عليه وإن كان مرجوحا إلا أن هناك علاقة احتمالية بين المعنى الأول والثاني، وهذا يخرج بعض أنواع التأويل الفاسد من الحد وهي التي لا علاقة بين معنى الكلمة، والمعنى المحمول عليه.
ومن الأمثلة على هذا النوع من التأويل الفاسد ما ذكره الشيخ عطية في "تتمة أضواء البيان" (٨/ ٥٨٠): (التأويل المسمى باللعب عند علماء التفسير، وهو صرف اللفظ عن ظاهره، لا لقرينة صارفة ولا علاقة رابطة.
ومن اللعب في التأويل في هذه الآية، ما يفعله بعض العوام: رأيت رجلاً عامياً عادياً، قد لبس حلة كاملة من عمامة وثوب صقيل وحزام جميل مما يسمونه نصبة، أي بدلة كاملة، فقال له رجل: ما هذه النصبة يا فلان؟ فقال له: لما فرغت من عملي نصبت، كما قال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) [الشرح: ٧].
كما سمعت آخر يتوجع لقلة ما في يده، ويقول لزميله: ألا تعرف لي شخصًا أنصب عليه، أي آخذ قرضة منه، فقلت له: ولم تنصب عليه؟ والنصب كذب وحرام. فقال: إذا لم يكن عند الإنسان شيء، ويده خالية فلا بأس، لأن الله قال: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ)، وهذا وأمثاله مما يتجرأ عليه العامة لجهلهم، أو أصحاب الأهواء لنحلهم).
وعليه فالتعريف الصحيح للتأويل هو: (ما حمل على المعنى المرجوح)، وهذا يشمل التأويل الصحيح والفاسد، فإن أردت الصحيح زدت في الحد: "بدليل يصيره راجحا".
مثال للتأويل الصحيح:
قوله ﷺ : (الجار أحق بصقبه) رواه البخاري، والصقب القرب والملاصقة والمراد به الشفعة فهذا الحديث ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضا مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط، لكن هذا الاحتمال
стр. 329
ضعيف بالنسبة إلى الظاهر فلما نظرنا إلى قوله ﵊: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) رواه البخاري، صار هذا الحديث مقويا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم حتى ترجحا على ظاهره فقدمناهما وقلنا لا شفعة إلا للشريك المقاسم وحملنا عليه الجار في الحديث الأول وهو حمل سائغ في اللغة. (١)
أقسام التأويل:
قال الشيخ: (والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
١ - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح.
٢ - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح).
شروط التأويل الصحيح (٢):
١ - أن يكون المُؤَوِل من أصحاب الملكات الاجتهادية.
٢ - أن يكون اللفظ مما يقبل التأويل أصلا فلا يكون نصا.
٣ - أن يكون اللفظ محتملا للمعنى الذي يؤول إليه، وان يكون احتمال اللفظ له على أساس من وضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو مما عرف من استعمال القواعد الشرعية كنحو تخصيص عام أو تقييد مطلق.
٤ - أن يقوم التأويل على دليل صحيح قوي يؤيده.
٥ - ألا يعارض التأويل نصوصا صريحة قطعية الدلالة في التشريع.
أنواع دليل التأويل التي تقوي الاحتمال المرجوح على الظاهر (٣):
١ - دليل التأويل قد يكون نصا يوافق الاحتمال المرجوح.
ومثاله قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [المائدة: ٣] وقد خص بقوله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان).
٢ - قد يكون ظاهرا آخر أقوى من الأول.
стр. 330
ومثاله قوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) فظاهرها أنها عامة في تحريم الأكل والانتفاع إلا أن قوله ﷺ (هلا انتفعتم بإهابها) بين أن هذا الظاهر غير مراد وأنه ينتفع من الميتة بإهابها بعد دبغه.
٣ - قد يكون قياسا راجحا.
ومثاله تخصيص عموم قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [سورة النور: آية ٢] .. فان عموم الزانية خصص بالنص وهو قوله في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [سورة النساء: آية ٢٥]. فقيس عليها العبد بجامع الرق فيلزم جلد العبد خمسين لقياسه على الأمة ويخرج بذلك من عموم ((الزاني)) الذي يجلد مائة.
٤ - قد يكون قرينة.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (١/ ٥٦٤): (القرينة المتصلة، كالمناظرة التي حصلت بين أحمد والشافعي ﵄.
قال أحمد في رواية صالح وحنبل: كلمت الشافعي في هذه المسألة، يعني أن الواهب ليس له الرجوع فيما وهب، لقوله ﵇: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، فقال الشافعي- وكان يرى أن له الرجوع-: ليس بمحرم على الكلب أن يعود في قيئه قال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي ﷺ : «ليس لنا مثل السوء»، فسكت، يعني الشافعي.
قلت: فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في قيئه، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم، لأن الظاهر من التشبيه استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه احتمالا قويا جدا، فضعف حينئذ جانب أحمد في الاستدلال جدا، لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف جدا، فقواه بالقرينة المذكورة وهي قوله ﵇ في صدر الحديث المذكور: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» وهي دليل قوي، وجعل ذلك مقدما على المثل المذكور، وهو دليل الاهتمام به، فأفاد ذلك لغة وعرفا، أن الرجوع في الهبة مثل سوء، وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك أن جواز الرجوع في الهبة يحرم إثباته، فيجب نفيه، وهو
стр. 331
المطلوب).
تنبيهان:
الأول - التأويل مشترك (١):
التأويل في عرف السلف يطلق بمعنى تفسير الكلام وبيان معناه، ويطلق
بمعنى مآل الشيء فإن كان في طلب فبامتثاله، وإن كان في خبر فبوقوعه.
وأما التأويل في عرف المتأخرين فهو الذي نتكلم عنه.
الثاني:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٥٠): (والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
١ - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح كتأويل قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
٢ - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح كتأويل المعطلة قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] إلى معنى استولى. والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل).
وعلق في "شرح الأصول" (ص/٣٨٥) على المثال الأول بقوله: ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) هذا حقيقة، ولا داعي للقول بالتأويل أصلا. وهذا هو الصحيح، وهذا هو الذي اخترناه أخيرا بناء على ألا مجاز في القرآن ... وشيخ الإسلام ومن تبعه يقولون: ليس للفظ معنى ذاتي خلق معه، بل معنى اللفظ ما يدل عليه سياقه. وهذا الذي جعلهم يقولون ليس هناك مجاز).
стр. 332
النسخ
تعريف النسخ:
أ- لغة:
قال الشيخ: (النسخ لغة: الإزالة والنقل).
يطلق النسخ في اللغة على الإزالة سواء أقيم شيء مكانه أم لا. وعلى النقل والتحويل سواء أكان النقل حسيا من مكان لآخر، أو معنويا من حالة إلى أخرى فهذه أربعة معان للنسخ.
المعنى الأول:
قال ابن منظور في اللسان مادة (ن س خ): (والنَّسْخ: إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه؛ وفي التنزيل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦] ... ).
وقال الزبيدي في "تاج العروس": (نسخ: (نَسخه) بِهِ، (كَمَنَعَه)، ينسَخُه، وانتَسَخَه: (أَزَالَهُ) به وأَدالَهُ. والشيءُ يَنسَخ الشيْءَ نَسْخاً، أَي يُزِيله ويكون مكانَه. والعرب تقول: نَسَخَت الشَّمسُ الظِّلَّ وانتَسَخَتْه: أَزالَتْه، والمعنَى أَذْهَبَت الظِّلَّ وَحلَّتْ مَحلَّه ... ).
المعنى الثاني:
ومن هذا المعنى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) [الحج: ٥٢].
المعنى الثالث:
قال الزبيدي في "تاج العروس": (والنَّسْخ: نَقْلُ الشَّيءِ من مَكانٍ، إِلى مَكَانٍ وهو هو ... (و) نَسَخَ (الكِتَابَ: كَتَبَهُ عن مُعَارَضَةٍ). وفي (التهذيب): النَّسخ اكتِتَابُك كِتَاباً عن كِتَابٍ حَرْفاً بحرّف، (كانْتَسَخَه واسْتَنْسَخَه)، والكاتب ناسخ ومُنْتَسِخ. (و) المكتوب (المَنْقُولُ منه النُّسْخَة، بالضّم)، وهو الأَصْل المُنَتَسَخُ منه. وفي التنزيل: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجاثية: ٢٩] أَي نستنسِخ ما تَكتُب الحَفَظَةُ فيثبتُ عند الله تعالى ... (و) نَسَخَ (ما في الخَلِيَّة: حَوَّلَه إِلى غَيْرِهَا).
стр. 333
المعنى الرابع:
قال الزبيدي في "تاج العروس": ((والتَّنَاسُخُ والمُنَاسَخَةُ في) الفرائض و (المِيرَاثِ: مَوْتُ وَرَثَةٍ، بَعْدَ وَرَثةٍ وأَصْلُ المِيرَاث قائمٌ لم يُقْسَمْ)، (و) كذالك (تَناسُخُ الأَزْمِنَة)، وهو (تَدَاوُلُهَا)، وفي الحديث (لم تكن نُبُوَّةٌ إِلاّ تَنَاسَخَتْ) (١)، أَي تَحوَّلتْ من حالٍ إِلى حالٍ، أَي أَمْر الأُمّةِ وتغايُر أَحوالِها. (أَو انقراضُ قَرْنٍ بَعْدَ قَرْنٍ آخَرَ (٢). ومنه) الفِرقَةُ (التَّنَاسُخِيَّةُ)، وهي طائفةٌ تقولُ بتناسُخِ الأَرواحِ وأَنْ لا بَعْثَ).
- وكون النسخ لغة بمعنى الإزالة هو الأنسب لمعناه الاصطلاحي - كما سيأتي -.
ب- اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة).
قال الشيخ (٣): فالمراد بقولنا: " رفع حكم " أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً. فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب أو وجوب الصلاة لوجود الحيض فلا يسمى ذلك نسخاً.
"رفع حكم دليل" يعني: رفع حكم دليل والدليل باق، "أو لفظه": ولكن حكمه باق،"أو لفظه وحكمه": وهذا ممكن، ولهذا نقول: "أو" هنا ليست للتنويع بل هي مانعة
стр. 334
خلو - يعني: لا يخلو أن يكون رفع حكم أو رفع لفظ أو رفع حكم ولفظ، فله ثلاثة أوجه.
ما دمنا قلنا: "رفع" فإنه يلزم أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ؛ لأن الرافع يكون بعد المرفوع (١).
وقوله: (دليل شرعي) يخرج ما ليس دليلا شرعيا كالأوامر الصادرة من الحكام والولاة والأمراء وما أشبه ذلك، فإذا رفعوا الأمر الأول وأتوا بأمر جديد لا يسمى نسخا اصطلاحا؛ لأن هذا ليس من الأمور الشرعية بل من الأمور العرفية الوضعية. ونحن إنما نتكلم عن الشرعية (٢).
وخرج بقولنا: " بدليل من الكتاب والسنة " ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما.
تنبيهات:
الأول - شرح وبيان محترزات أخرى لقيود التعريف:
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٥٦): (فسر الرفع بأنه إزالة الحكم على وجه، لولاه لبقي ثابتًا، كرفع الإجارة بالفسخ؛ فإنه يغاير زوالها بانقضاء مدتها؛ لأن فسخها قطع لدوامها، لسبب خفي عن المتعاقدين عند ابتداء العقد وانقضاء مدتها هو ارتفاع حكمها لسبب علماه عند ابتداء العقد، وهو انقضاء الأجل؛ فمن استأجر أرضًا سنة، علم عند ابتداء العقد أن عند انتهاء السنة، يرتفع حكم الإجارة، ولو انقطع ماء الأرض، أو بانت مستحقة في أثناء السنة؛ فللمستأجر الفسخ، مع عدم علمه عند ابتداء العقد بانقطاع ماء الأرض، واستحقاقها؛ فكذلك نسخ الحكم، هو قطع لدوامه، لا
стр. 335
بيان انتهاء مدته في علم الله تعالى، إذ ذلك لا يسمى نسخًا، كما أن انقضاء مدة الإجارة لا يسمى فسخًا).
قوله: (رفع حكم) أي رفع تعلقه بأفعال المكلفين لا رفعه هو، فإنه أمر واقع، والواقع لا يمكن رفعه.
قوله: (رفع) يخرج المخصصات المتصلة كالاستثناء والشرط ونحوهما؛ لأن المتصل يكون مبينا لا رافعا (١).
قوله: (دليل شرعي) يخرج النقل عن البراءة الأصلية أو العقلية، فلا تسمى نسخا (٢).
قوله: (بدليل من الكتاب والسنة) يخرج ما رفع حكمه بدليل عقلي، كسقوط غسل الأعضاء المقطوعة من جسم المكلف.
ويخرج أيضا ما زال حكمه لانتهاء غايته، وانقضاء وقته. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٥٨): (وأيضا احتراز من زوال الحكم بالموت والجنون، فإن من مات، أو جن، انقطعت عنه أحكام التكليف، وليس ذلك بنسخ ; لأن انقطاع الأحكام عنهما لم يكن بخطاب، وكذلك ارتفاع حكم الصوم بمجيء الليل، وحكم
стр. 336
الفطر بمجيء النهار ليس نسخا ; لأنه لم يكن بطريق شرعي، بل بانتهاء غاية الحكم، وانقضاء وقته، ويلزم من عرف النسخ بانتهاء مدة الحكم، أن يجعل دخول الليل نسخا للصوم؛ لأن بدخوله بان انتهاء مدة الصوم، لكن لم يسم الأصوليون ذلك نسخا).
قوله (السنة) يدخل في عمومها النسخ بالفعل والتقرير.
ثانيا - مناقشة قيد التراخي في الناسخ:
سبق وأن ذكرت قول الشيخ: (ما دمنا قلنا: "رفع" فإنه يلزم أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ؛ لأن الرافع يكون بعد المرفوع) فالشيخ يرى أن تعريف النسخ بأنه رفع يغني عن ذكر قيد التراخي.
وتعقب الطوفي هذه الملازمة فقال في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٥٨): (الاحتراز الثالث: اشتراط التراخي في الخطاب الرافع، حيث قلنا: رفع الحكم بخطاب متراخ: احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل، كالشرط والاستثناء، نحو: أنت طالق إن دخلت الدار، فإن قوله: إن دخلت الدار. قد رفع حكم عموم وقوع الطلاق، الذي دل عليه: أنت طالق. وقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، هذا الاستثناء رفع عموم الطلاق الثلاث، حتى رده إلى اثنتين. وقوله تعالى: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]؛ فالغاية المذكورة رفعت عموم التحريم؛ فهذا كله وأمثاله ليس بنسخ؛ لأنه وإن كان رفعًا لحكم بخطاب، لكن ذلك الخطاب غير متراخ؛ فهو تخصيص لا نسخ، وهو معنى قولنا: فإنه بيان لا نسخ؛ لأن التخصيص بيان).
وأعلم أن هذا القطع للملازمة لا يلزمنا، فالتخصيص عندنا قصر وليس بإخراج ولا رفع، ويلزم من ذلك أن يكون التخصيص بيانا لا رفعا للحكم، وعليه فالمستثني لم يدخل في الحكم حتى يخرج منه، وعليه فيلزم من تعريف النسخ بأنه رفع عدم دخول التخصيص في التعريف، فلا يلزم ذكر قيد التراخي.
إلا أن الأولى ذكر هذا القيد للدلالة على ضرورة تأخر الناسخ عن المنسوخ، وخروجا من الإجمال إلى البيان لا لإخراج التخصيص.
وأولى التعريفات ما اختاره الطوفي بأنه: (رفع الحكم الثابت بطريق شرعي، بمثله، متراخ عنه).
قال في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٥٩): (قوله: «والأجود»، أي: في
стр. 337
تعريف النسخ، «أن يقال: رفع الحكم الثابت بطريق شرعي، بمثله متراخ عنه»، وإنما كان هذا أجود، لما ذكرنا من أنه يتناول ما ثبت بالخطاب، أو ما قام مقامه من إشارة أو إقرار فيهما، أي: في المنسوخ والناسخ، فإن كل واحد منهما ثبت تارة بالخطاب، وتارة بما قام مقام الخطاب، ورفع ذلك والرفع به يسمى نسخًا، ولو اقتصرنا على قولنا: رفع الحكم بالخطاب، كما سبق في التعريف الأول، لخرج منه ما ثبت بغير الخطاب، كالإشارة، والفعل، والإقرار، أعني: التقرير الذي هو أحد أقسام السنة، كما سبق فيها؛ فلا يكون الحد جامعًا) (١).
النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً:
قال الشيخ: (والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً).
قال في الأصل: (أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر وله الحكم؛ لأنه الرب المالك فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعبادة أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح والله عليم حكيم.
وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها:
١ - قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦].
٢ - قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الأنفال: ٦٦]. (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)
[البقرة: ١٨٧] فإن هذا النص في تغيير الحكم السابق.
٣ - قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" (٢) فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور).
стр. 338
تنبيهان:
الأول - قول الأصفهاني في نفيه جواز النسخ شرعا:
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٧٠): («وخالف أبو مسلم» يعني: الأصفهاني، في جواز النسخ شرعًا، أي: أن الذي دل على امتناع النسخ هو الشرع، لا العقل، «لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: ٤١، ٤٢]، والنسخ إبطال» قوله: «وليس بشيء»، يعني: ما احتج به أبو مسلم لا حجة فيه؛ لأن المراد من قوله تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ)، أي: لا يأتيه الكذب، (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) يعني الكتب السالفة لا تكذبه، بل هي موافقة له، (وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، أي: من بعد نزوله وانقضاء عصر النبوة، بأن يقع بعض ما وعد به من المخبرات، على خلاف ما تضمنه من الإخبارات ...
قوله: «ثم الباطل غير الإبطال»، هذا رد آخر على أبي مسلم، وهو أن الآية إنما دلت على نفي الباطل عن القرآن، لا على نفي الإبطال، والنسخ إبطال للحكم، لا باطل لاحق بالقرآن، ولله أن يبطل من أحكام شرعه ما شاء، ويثبت ما شاء؛ فما نفته الآية غير ما أثبتناه.
ومعنى إبطال الحكم بالنسخ: أن ما كان مشروعًا صار غير مشروع. ثم إن أبا مسلم يدعي امتناع النسخ شرعًا دعوى عامة، والآية التي احتج بها، إنما تدل - لو دلت - على امتناع النسخ في القرآن خاصة، والدعوى العامة لا تثبت بالدليل الخاص.
ثم هو محجوج بإجماع الأمة على نسخ شريعة محمد ﷺ ، لما قبلها من الشرائع، مع أنها شرائع حق صحيحة، لا يأتيها الباطل. فجوابه عنها هو جوابنا عن لحوق النسخ للقرآن، غير أن أبا مسلم يجعل كل ما سماه غيره نسخًا، من باب انتهاء الحكم بانتهاء مدته ووجود غايته، لا من باب ارتفاعه بورود مضاده؛ فهو معنى قول بعض الأصوليين: إن النسخ بيان انتهاء مدة الحكم ... ).
- وقد اختلف في قول الأصفهاني المعتزلي - على فرض ثبوته عنه (١) - فهو قول شاذ مخالف للكتاب والسنة وإجماع من سبق وقد وصفه بذلك أبو الحسين البصري
стр. 339
وهو معتزلي أيضا فقال في "المعتمد" (١/ ٣٧٠): (اتفق المسلمون على حسن نسخ الشرائع إلا حكاية شاذة عن بعض المسلمين أنه لا يحسن ذلك).
وقال الشوكاني في "إرشاد الفحول" (٢/ ٥٢): (النسخ جائز عقلا واقع سمعا بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يروي عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال أنه جائز غير واقع وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلا فظيعا وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية).
- فقيل - يعني في توجيه هذا القول الشاذ -: أنه محمول على إنكار التسمية فهو يسميه تخصيصا لا نسخاً فيكون الخلاف في الاصطلاح لا الجواز.
قال الشيخ في تفسير البقرة: (من فوائد الآية - أي قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) -: ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلاً، وواقع شرعاً؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه؛ بل أمدها إلى يوم القيامة؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم.؛ فمثلاً: وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجباً إلى يوم القيامة شاملاً لجميع الأزمان؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصاً؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافاً لفظياً؛ لأنهم متفقون على جواز هذا الأمر؛ إلا أنه يسميه تخصيصاً؛ وغيره يسمونه نسخاً؛ والصواب تسميته نسخاً؛ لأنه صريح القرآن: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف .. ) (١).
قال البعلي في "المختصر" (ص/ ١٣٧): (وخالف أكثر اليهود في الجواز وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع وسماه تخصيصا فقيل خالف فالخلاف إذا لفظي).
وقال المحلي في "شرح جمع الجوامع" (٢/ ٨٨ - حاشية البناني): (النسخ واقع عند كل المسلمين، وسماه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصاً، لأنه قصر الحكم
стр. 340
على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان كالتخصيص في الأشخاص. فقيل: خالف في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، فالخلف الذي حكاه الآمدي وغيره عنه من نفيه وقوعه لفظي لما تقدم من تسميته تخصيصاً) (١).
الثاني - الحجة الثانية عند من أنكر النسخ هو القول بالبداء:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٣٦): ("ولا يجوز البداء على الله" سبحانه و"تعالى"، "وهو تجدد العلم"، "وهو" أي القول بتجدد علمه جل وعلا "كفر" بإجماع أئمة أهل السنة قال الإمام أحمد ﵀: من قال: إن الله تعالى لم يكن عالما حتى خلق لنفسه علما فعلم به فهو كافر. وقال ابن الزاغوني: البداء: هو أن يريد الشيء دائما، ثم ينتقل عن الدوام لأمر حادث لا بعلم سابق قال: أو يكون سببه دالا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول، بأن يأمره لمصلحة لم تحصل فيبدو له ما يوجب رجوعه عنه. اهـ).
قال الشنقيطي في " أضواء البيان" (٢/ ٤٤٦): (وما زعمه المشركون واليهود: من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء، وهو الرأي المتجدد ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل؛ لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة، بل الله جل وعلا يشرِّع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة. فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء؛ لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح.
وقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) [النحل: ١٠١] وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: ١٠٦]، وقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا
стр. 341
تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) [الأعلى: ٦، ٧] فقوله: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) بعد قوله: (إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ) يدل على أنه أعلم بما ينزل. فهو عالم بمصلحة الإنسان، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي).
ما يمتنع نسخه:
قال الشيخ: (ما يمتنع نسخه:
١ - الأخبار إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر فلا يمتنع نسخه.
٢ - الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان).
أولا - الكلام على نسخ الأخبار (١):
اعلم أن الخبر يتعلق به ثلاثة أمور:
تلاوته، والإخبار به، والنسبة التي اشتمل عليها الخبر والتي بمقتضاها يحكم بصدق الكلام، أو كذبه، أما الأول والثاني فهما من باب نسخ الأحكام التكليفية لا من باب نسخ الأخبار إلا أن الأصوليين يذكرون الكلام عليهما نظرا لتعلقهما بالأخبار.
أما الخبر من حيث تلاوته فيجوز نسخة بلا خلاف بين العلماء سواء أكان مما يتغير كقولنا: زيد مؤمن، أو كان مما لا يتغير كقولنا: الله موجود.
أما من حيث التكليف بالإخبار به فإن كان مما يتغير كقولنا: أخبر زيدا بأن عمرا آمن، فلا خلاف في جواز نسخه.
وأما إن كان مما لا يتغير كأخبر زيدا بأن الله موجود.
فإن كان من غير أن يكلف بالإخبار بنقيضه كأن يقول لا تخبره بأن الله موجود فلا خلاف في جواز نسخه.
وإن كان نسخه بالتكليف بالإخبار بنقيضه كأن يقول له أخبر محمدا بأن الله ليس بموجود.
فقد اختلف فيه، فالمعتزلة يمنعون ذلك بناء على أن ذلك يفضي إلى الكذب وهو قبيح عقلا فكيف يجوز التكليف به.
стр. 342
والأشاعرة يجوزونه بناء على قولهم بأن الحسن ما أمر به الشارع، والقبيح ما نهى عنه الشارع، وقالوا إن سلمنا فرضا قبح الكذب فقبحه إنما هو باعتبار فاعله لا باعتبار التكليف به، ولا مانع عقلا من أن يبيحه الشرع لغرض المكلف من جلب مصلحة أو درء مفسدة.
وهذا الخلاف بينهم قائم على أساس أقوالهم في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وقد اختلفت فيها الأقوال إلى ثلاثة:
القول الأول:
أن حُسْن الأشياء وقُبْحها، والثواب عليها والعقاب يعرف من جهة الشرع، وهو قول جماهير الأشاعرة.
القول الثاني:
أن حُسْن الأشياء وقُبْحها، والثواب عليها والعقاب يعرف من جهة العقل، وهو قول المعتزلة والرَّافضة.
القول الثالث:
أن حُسْن بعض الأشياء وقُبْحها قد يعرف من جهة العقل دون ترتيب ثواب أو عقاب على ذلك، وهو قول أهل السنة والجماعة من السلف ومن تبعهم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم واختاره الزركشي من الشافعية، وهو قول الماتريديَّة والكرَّاميَّة.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٤٣١): (الناس في مسألة التحسين والتقبيح (على ثلاثة أقوال طرفان ووسط:
(الطرف الواحد) قول من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف ...
وأما الطرف الآخر فهو قول من يقول إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر.
ويقولون أنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله وينهى عن عبادته وحده ويجوز أن
стр. 343
يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى والأحكام التي توصف بها الأحكام مجرد نسبة وإضافة فقط وليس المعروف في نفسه معروفا عندهم ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم ....
قد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
(أحدها) أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح فإنهم قالوا إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [سورة الإسراء: الآية ١٥] ... والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم.
(النوع الثاني) أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
و (النوع الثالث) أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح ... فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب).
وبناء على هذا فالراجح في هذه المسألة القول بمنع النسخ في هذه الحالة.
وأما الخبر من حيث النسبة التي اشتمل عليها والتي بمقتضاها يصدق الكلام، أو يكذب:
فإن كان المضمون مما لا يتغير فلا يجوز نسخه بالإجماع، حكاه أبو إسحاق
стр. 344
المروزي، وابن برهان، وذلك كصفات الله تعالى، وأخبار ما كان وما يكون، وأخبار الأنبياء ﵈، وأخبار الأمم السالفة، والأخبار عن الساعة وأمارتها ونحوه. قال ابن مفلح: ونسخ مدلول خبر لا يتغير محال إجماعا.
قال القاضي في " العدة" (٣/ ٨٢٥): (الخبر هل يصح نسخه أم لا؟ ينظر فيه: فإن كان لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به، فلا يصح نسخه، كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين، والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان ونحو هذا، فهذا لا يصح نسخه؛ لأن نسخه والرجوع عنه يفضي إلى الكذب، وهذا لا يجوز على الله تعالى، فلم يجز ذلك).
وأما إن كان مما يتغير كإيمان زيد - مثلا - وكفره، ففيه أقوال كثيرة منها:
القول الأول - أنه لا يجوز نسخه، وهو الأصح في المذهب وعليه الأكثر.
قال ابن مفلح: منعه جمهور الفقهاء والأصوليين، فمن أصحابنا ابن الأنباري، وابن الجوزي، والموفق، وجزم به في ' الروضة '. ومن الشافعية وغيرهم كالصيرفي، وأبي إسحاق المروزي، والباقلاني، والجبائي، وابنه أبي هاشم، وابن السمعاني، وابن الحاجب، قال الأصفهاني: هو الحق.
القول الثاني - يجوز نسخ ذلك:
وهو قول القاضي أبي يعلى، والفخر الرازي، وأبو عبد الله، وأبو الحسين البصريان، وعبد الجبار، ونسبه ابن برهان للمعظم. واختاره الشيخ تقي الدين.
قال أبو يعلى في "العدة" (٣/ ٨٢٥): (وإن كان مما يصح أن يتغير، ويقع على غير الوجه المخبر عنه، فإنه يصح نسخه كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر، أو عبد أو فاسق، فهذا يجوز نسخه، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن، جاز أن يقول بعد ذلك: هو كافر. وكذلك يجوز أن يقول: الصلاة على المكلف في المستقبل، ثم يقول بعد مدة: ليس على المكلف فعل الصلاة؛ لأن نسخ ذلك لا يفضي إلى الكذب في الخبر؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال، كما يجوز أن يتغير حكم المكلف عن العبادة
стр. 345
من زمان إلى زمان) (١).
القول الثالث - التفصيل بين الخبر عن الماضي فيمتنع نسخه؛ لأنه يكون تكذيبا، دون المستقبل؛ لجريانه مجرى الأمر والنهي، فيجوز أن يرفع به، وهذا القول اختيار ابن عقيل، والخطابي، وابن القطان، وسليم الرازي، والبيضاوي في ' مختصره '.
وهذا التفصيل مبني على أن الكذب لا يكون في المستقبل، بل في الماضي، ومنصوص أحمد أنه يكون في المستقبل كالماضي.
وقد بين الرزكشي أن الخلاف في مسألة النسخ في الأخبار بين من جوزه ومن منعه يرجع إلى الخلاف في حد النسخ عنده.
فقال في "البحر المحيط" (٣/ ١٧٧): (أن الخلاف مبني على تفسير النسخ وهل هو رفع أو بيان كما صرح به القاضي فقال: ذهب كل من قال بأن النسخ بيان (٢) وليس برفع حقيقي إلى جواز النسخ في الأخبار على هذا التأويل، قال: وأما نحن إذا صرنا إلى أنه رفع لثابت حقيقي وأن المبين ليس بنسخ أصلا فلا نقول على هذا بنسخ الأخبار لأن في تجويزه حينئذ تجويز الخلف في خبر الله وهو باطل وهذا بخلاف تجويز النسخ في الأوامر والنواهي لأنه لا يدخلها صدق ولا كذب. اهـ، ومن هذا يعلم أن من وافق القاضي في تفسيره بالرفع وقال بتجويز النسخ في الأخبار فلم يتحقق ولم يقف الهندي على كلام القاضي فقال لا يتجه الخلاف إن فسرنا النسخ بالرفع لأن نسخه حينئذ يستلزم الكذب وإنما يتم إذا فسرناه بالانتهاء فإنه لا يمتنع حينئذ أن يراد من الدليل على ثبوت الحكم في كل الأزمنة لا بعضها).
والذي أراه في هذه المسألة أن كلا القولين بالمنع والجواز لم يتواردا على محل واحد وأن الخلاف بينهما خلافا لفظيا، فمن قال بالمنع نظر للخبر قبل وقوعه، ومن قال بالجواز نظر إليه بعد وقوعه.
стр. 346
وعليه فلا بد من تقييد إطلاق كلا القولين، فمن قال بالمنع يقيد قوله بأن يكون الرفع قبل وقوع الخبر، ومن قال بالجواز يقيد قوله بأن يكون البيان بعد وقوع الخبر على نحو ما أُخبر به.
ولنتوقف مع ما مثلوا به عن الخبر الذي يقبل التغيير من إيمان زيد، فلو أخبر الشارع بإيمان زيد فهو لا محالة واقع وصدق، والقول بجواز نسخ هذا الخبر يحتمل أحد أمرين أن ينسخ قبل وقوعه، أو بعد وقوعه، فإن كان الأول لزم تكذيب الخبر ويمتنع نسخه على كلا القولين، وإن كان بعد وقوعه فلا مانع من نسخه على كلا القولين.
فرع: يجوز نسخ الخبر إذا كان مرادا به الإنشاء:
إن كان الخبر عن حكم جاز نسخه قطعا بلا خلاف؛ لأنه في الحقيقة إنشاء، قاله البرماوي وغيره.
وذلك كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]، وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [سورة البقرة: الآية ٢٤٠] وقوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [سورة آل عمران: الآية ٩٧].
ثانيا - لا تنسخ الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان:
قال في "الأصل" (ص/٥٣): (الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان كالتوحيد وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك فلا يمكن نسخ الأمر بها وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك، إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم).
تضمن كلام الشيخ جملة من الأحكام التي لا يدخلها النسخ، وسوف نفصل الكلام عن جزئيات الكلام.
١ - النسخ في مكارم الأخلاق ومساوئها:
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٣١٠٩): (وأما ما قبح وحسن لذاته كمعرفة الله تعالى، وتحريم الكفر، والظلم، والكذب، والقبائح العقلية، وشكر المنعم، فهل
стр. 347
يجوز نسخ وجوبه وتحريمه أم لا؟ فمن نفى الحسن والقبح، ورعاية الحكمة في أفعاله يجوز نسخ ذلك ومن أثبت ذلك منع النسخ، ذكره الآمدي وغيره؛ لأن المقتضى للحسن والقبح حينئذ صفات وأحكام لا تتغير بتغير الشرائع فامتنع النسخ لاستحالة الأمر بالقبيح، والنهي عن الحسن. وأما من نفى ذلك - وهو الصحيح - فإنه يجوز نسخ هذه الأمور لقول الله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) [سورة الرعد: الآية ٣٩]، وقوله تعالى: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [سورة إبراهيم: الآية ٢٧]).
والأقوى جواز النسخ لما يقبل التغير.
فمثلا الكذب قبيح، ولكن قد يبيحه الشرع لغرض المكلف من جلب مصلحة أو درء مفسدة.
قال ابن حجر في " فتح الباري" (٥/ ٣٠٠): (واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم).
وقال ابن حزم في " مراتب الإجماع" (ص/ ١٥٦): (واتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة. واتفقوا على تحريم الكذب في غير الحرب وغير مداراة الرجل امرأته وإصلاح بين اثنين ودفع مظلمة).
قال ابن حجر في " فتح الباري" (٦/ ١٥٩): (قال النووي الظاهر إباحة
حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة (١) لكن التعريض أولى وقال بن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا انتهى).
٢ - لا نسخ في القواعد الكلية:
وقد قرر الشاطبي أن النسخ لم يقع في القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينات.
стр. 348
فقال في "الموافقات" (٣/ ١٠٤): (النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ ...
ثم قال: (لم يثبت نسخ لكلي ألبتة ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها).
وقال (٣/ ١١٧): (القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ وإنما وقع النسخ في أمور جزئية بدليل الاستقراء فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة ثابت وإن فرض نسخ بعض جزئياتها فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل فأصل الحفظ باق إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس ... ).
٣ - لا نسخ في أصل التوحيد:
وقال السرخسي في " أصوله" (٢/ ٥٩): (ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه؛ لأن الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه ألا ترى أن الأمر بالإيمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل
التوقيت بالنص وأنه لا يجوز أن يكون غير مشروع بحال من الأحوال).
وقال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٩٩٥): (لا يدخل النسخ أصل التوحيد بحال؛ لأن الله تعالى بأسمائه، وصفاته لم يزل، ولا يزال) (١).
تتمة - في بيان ما يمتنع نسخه من الأحكام:
- الأحكام الحسية والعقلية:
جاء في " التوضيح في حل عوامض التنقيح" (٢/ ٧٠): (الحكم إما أن لا يحتمل النسخ في نفسه كالأحكام العقلية مثل وحدانية الله وأمثالها وما يجري مجراها كالأمور الحسية).
وقال المريني في "القواعد الأصولية عند الإمام الشاطبي من خلال كتابه الموافقات"
стр. 349
(ص/٣٣٥) (١): (أما الأحكام الحسية: فلقد أجمع العلماء على أن الأحكام الحسية لا يدخلها نسخ، ولا تكون محالًّا له؛ وذلك لأنها من الأمور المشاهدة التي تراها العيون، ولا تختلف تلك الرؤية بالنسبة لعالم، وعالم آخر، وبالنسبة لزمن، وزمن آخر. ومثل الأمور الحسية: كون النار محرقة، والعالم حادث، والسماء فوق الأرض. فهذه الأمور، ومثيلاتها لا تتبدل، إلا أن يشاء الله - تعالى - كالمعجزة التي حصلت لإبراهيم الخليل ﵇.
- الوعود من الله لا من غيره:
قال تعالي: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة الروم: آية ٦] فالنسخ في الوعود كذب والكذب محال علي الله .
قال السبكي في "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" (٤/ ٧٩): (ونسخ الوعد لا يفضي إلى الكذب كما عرفت؛ لأنه إنشاء، ولكنه لا يقع؛ لأنه إخلاف في الإنعام، وهو على الرب - تعالى - مستحيل.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: سبحان من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا).
وجاء في "المسودة" (ص / ١٧٨): (فضابط القاضي أن الخبر إن قبل التغيير جاز النسخ وإلا فلا وعلى هذا فيجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل كقوله (من بنى هذا الحائط فله درهم) ثم رفع ذلك والفقهاء يفرقون بين التعليق وبين التخيير).
شروط النسخ:
١ - تعذر الجمع بين الدليلين:
قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (تعذر الجمع بين الدليلين).
قال المرداوي في " التحبير" (٦/ ٢٩٨٣): (قوله: (لا نسخ مع إمكان الجمع)؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منسوخ إذا تعذر علينا الجمع بينهما، فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بمقبول فلا نسخ. قال المجد في ' المسودة ' (٢) وغيره: لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا، وقول من قال: نسخ صوم عاشوراء برمضان، أو نسخت الزكاة كل صدقة سواها، فليس يصح إذا حمل على ظاهره؛
стр. 350
لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه، وإنما وافق نسخ عاشوراء صوم فرض رمضان، ونسخ سائر الصدقات فرض الزكاة فحصل النسخ معه، لا به، وهو قول القاضي (١) وغيره. انتهى).
قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص/٢٣): (الشروط المعتبرة في ثبوت النسخ خمسة: الشرط الأول أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضا بحيث لا يمكن العمل بهما جميعا فإن كان ممكنا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر وذلك قد يكون على وجهين:
الوجه الأول أن يكون أحد الحكمين متناولا لما تناوله الثاني بدليل العموم والآخر متناولا لما تناوله الأول بدليل الخصوص فالدليل الخاص لا يوجب نسخ دليل العموم بل يبين أنه إنما تناوله التخصيص لم يدخل تحت دليل العموم.
والوجه الثاني أن يكون كل واحد من الحكمين ثابتا في حال غير الحالة التي ثبت فيها الحكم الآخر مثل تحريم المطلقة ثلاثا فإنها محرمة على مطلقها في حال وهي ما دامت خالية عن زوج وإصابة فإذا أصابها زوج ثان ارتفعت الحالة الأولى وانقضت بارتفاعها مدة التحريم فشرعت في حالة أخرى حصل فيها حكم الإباحة للزوج المطلق ثلاثا فلا يكون هذا ناسخا لاختلاف حالة التحريم والتحليل).
٢ - العلم بتأخر الناسخ:
قال ابن الجوزي في " نواسخ القرآن" (ص/٢٣): (الشرط الثاني أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ ... فمتى ورد الحكمان مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين امتنع ادعاء النسخ في أحدهما).
طرق معرفة تأخر الناسخ:
قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ).
أولًا- النص:
стр. 351
مثل له الشيخ في "الأصل" (ص/٥٣) بقوله ﷺ : (كنت أذنت لكم
في الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة) (١).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الثاني من طريق معرفة تأخر الناسخ (قوله ﷺ نحو (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) وقريب من هذا: أن ينص الشارع على خلاف ما كان مقررا بدليل، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين على تأخر أحدهما، فيكون ناسخا للمتقدم).
ثانيًا- خبر الصحابي:
مثل له الشيخ في "الأصل" بقول عائشة ﵂ " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات" (٢).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الرابع من طرق معرفة تأخر الناسخ (قول الراوي) للناسخ (كان كذا ونسخ، أو رخص في كذا ثم نهي عنه ونحوهما) كقول جابر ﵁ (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) وكقول علي ﵁ (أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة، ثم قعد) وفي معنى ذلك كثير فإن قيل: قول الراوي ينسخ به القرآن والسنة المتواترة، على تقدير وجودها، مع أنه خبر آحاد، والآحاد لا ينسخ به المتواتر؟ قيل: هذا حكاية للنسخ، لا نسخ، والحكاية بالآحاد يجب العمل بها كسائر أخبار الآحاد وأيضا: فاستفادة النسخ من قوله: إنما هو بطريق التضمن، والضمني: يغتفر فيه ما لا يعتبر فيما إذا كان أصلا، كثبوت الشفعة في الشجر تبعا للعقار ونحوه (لا) قول الراوي (ذي الآية) منسوخة (أو ذا الخبر منسوخ، حتى يبين الناسخ) للآية أو الخبر.
стр. 352
قال ابن مفلح: وإن قال صحابي: هذه الآية منسوخة لم يقبل حتى يخبر بماذا نسخت قال القاضي: أومأ إليه أحمد، كقول الحنفية والشافعية قالوا: لأنه قد يكون عن اجتهاد فلا يقبل.
وذكر ابن عقيل رواية أنه يقبل، كقول بعضهم بعلمه، فلا احتمال؛ لأنه لا يقوله غالبا إلا عن نقل وقال المجد في المسودة: إن كان هناك نص يخالفها عمل بالظاهر).
ثالثًا- التاريخ:
مثل له الشيخ في "الأصل" بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الأنفال: ٦٦]. الآية، فقوله: (الْآنَ) (١) يدل على تأخر هذا الحكم وكذا لو ذكر أن النبي، ﷺ ، حكم بشيء قبل الهجرة ثم حكم بعدها بما يخالفه فالثاني ناسخ).
رابعًا- الإجماع:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣): ("وطريق معرفته" أي معرفة تأخر الناسخ من وجوه. أحدها: "الإجماع" على أن هذا ناسخ لهذا، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر الحقوق المالية.
ومثله ما ذكر الخطيب البغدادي: أن زر بن حبيش قال لحذيفة (أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب، مع بيان ذلك من قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: ١٨٧] الآية قال العلماء في مثل هذا: إن الإجماع مبين للمتأخر، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ).
خامسًا- فعله ﷺ :
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الثالث (فعله) ﷺ في ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ واختاره القاضي وأبو الخطاب، وبعض الشافعية، وقد جعل العلماء من ذلك نسخ الوضوء مما مست النار بأكله ﷺ من الشاة ولم يتوضأ
стр. 353
وهو ظاهر ما قدمه ابن قاضي الجبل، ومنع ابن عقيل القول بفعله ﷺ ، وحكي عن التميمي، واختاره المجد في المسودة لأن دلالته دونه).
٣ - ثبوت الناسخ:
قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (ثبوت الناسخ واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى؛ لأن محل النسخ الحكم ولا يشترط في ثبوته التواتر).
محصل هذا الشرط أن الشيخ يشترط في الناسخ أن يصح نسبته للنبي ﷺ فلا يكون ضعيفا، فلم يشترط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ بل اكتفى بمجرد صحة نسبته للشرع فينسخ خبرُ الآحاد المتواترَ والقرآنَ.
تنبيه:
قوله: (لأن محل النسخ الحكم ولا يشترط في ثبوته التواتر).
المقصود من هذا التعليل بيان أن الحكم (١) - عند الشيخ - لا يشترط فيه أن يكون قطعيا، بمعنى أنه يمكن أن يكون قطعيا أو ظنيا، وعليه فمحل الإشكال لا يزال قائما، وهو إن كان الحكم قطعيا هل ينسخ بالظني؟
وأما قوله: (لأن محل النسح الحكم) فقد يتوهم منه أن اللفظ ليس محلا للنسخ مع أنه أحد أنواع النسخ، ويجاب عن ذلك بأن التلاوة حكم، أو في معناه، قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٧٤): (التلاوة حكم، والمراد بها متعلق الحكم ; فلأنه يجب تلاوتها في الصلاة، وتصح وتنعقد بها، وتستحب كتابتها، والوجوب، والصحة، والاستحباب أحكام متعلقة بالتلاوة ; فهي حكم أو في معنى الحكم).
وسيأتي مزيد بيان لذلك بإذن الله - تعالى - عند الكلام على أنواع النسخ في المسالة التالية.
стр. 354
وكان الأولى أن يعلل الشيخ اختياره بقوله: (لأن الكل شرع من عند الله، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [سورة النجم: ٣، ٤].
أو يقول: (إن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي) (١).
الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد:
اختلف العلماء في نسخ القرآن والمتواتر بخبر الآحاد على ثلاثة أقوال:
قال ابن عقيل في "الواضح" (٤/ ٢٥٨): (في نسخ القرآن بالسنة، عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يجوز نسخه إلا بالقرآن، وبها قال الشافعي، وأكثر أصحابه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز بالسنة المتواترة.
وعن مالك، وابن سريج من أصحاب الشافعي مثله.
وأنه يجوز بالمتواتر منها، وهو مذهب المعتزلة والأشعرية.
وأختلف أهل الظاهر في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد، وعن أحمد مثله لأنه استدل في النسخ بالآحاد بقصة أهل قباء، فصار قائلا بالنسخ بالتواتر من طريق التنبيه رواها عنه الفضل بن زياد، وهي تشبه مذهبه في إثبات الصفات بأخبار الآحاد، وإثبات الصفات لله سبحانه أكثر من النسخ.
واختلف القائلون بذلك والمانعون منه، هل وجد ذلك؟ فقال قوم: لم يوجد ذلك، وإليه ذهب شيخنا الإمام أبو يعلى وابن سريج من أصحاب الشافعي، وقوم من المتكلمين).
وما اختاره الماتن من جواز نسخ المتواتر بما ثبت من أخبار الآحاد هو الأقوى.
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٨٦): (التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع.
أما قولهم أن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غلطوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم وإيضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين (٢) مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته وقد أجمع جميع النظار أنه
стр. 355
لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمانهما أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس وقلت أيضاً لم يصل إلى بيت المقدس وعنيت بالأولى ما قبل النسخ وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية مثلاً المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥] الآية. بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك والطروء ليس منافاة لما قبله وإنما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) بصيغة الماضي ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل وهو واضح كما ترى والله أعلم.
وأما آية الوصية للوالدين والأقربين فالتحقيق أنها منسوخة بآية المواريث والحديث بيان للناسخ وبيان المتواتر لا يشترط فيه التواتر كما تقدم والحديث يشير إلى أن الناسخ لها آيات المواريث لأن ترتيبه ﷺ نفى الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حق حقه يعني الميراث في قوله ﷺ (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) يدل على ذلك.
وأما قول عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا) الخ، فالحق في ذلك ليس معه ﵁ بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس رضي الله