مثل له الشيخ في "الأصل" (ص/٥٣) بقوله ﷺ : (كنت أذنت لكم
في الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة) (١).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الثاني من طريق معرفة تأخر الناسخ (قوله ﷺ نحو (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) وقريب من هذا: أن ينص الشارع على خلاف ما كان مقررا بدليل، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين على تأخر أحدهما، فيكون ناسخا للمتقدم).
ثانيًا- خبر الصحابي:
مثل له الشيخ في "الأصل" بقول عائشة ﵂ " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات" (٢).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الرابع من طرق معرفة تأخر الناسخ (قول الراوي) للناسخ (كان كذا ونسخ، أو رخص في كذا ثم نهي عنه ونحوهما) كقول جابر ﵁ (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) وكقول علي ﵁ (أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة، ثم قعد) وفي معنى ذلك كثير فإن قيل: قول الراوي ينسخ به القرآن والسنة المتواترة، على تقدير وجودها، مع أنه خبر آحاد، والآحاد لا ينسخ به المتواتر؟ قيل: هذا حكاية للنسخ، لا نسخ، والحكاية بالآحاد يجب العمل بها كسائر أخبار الآحاد وأيضا: فاستفادة النسخ من قوله: إنما هو بطريق التضمن، والضمني: يغتفر فيه ما لا يعتبر فيما إذا كان أصلا، كثبوت الشفعة في الشجر تبعا للعقار ونحوه (لا) قول الراوي (ذي الآية) منسوخة (أو ذا الخبر منسوخ، حتى يبين الناسخ) للآية أو الخبر.
стр. 352
قال ابن مفلح: وإن قال صحابي: هذه الآية منسوخة لم يقبل حتى يخبر بماذا نسخت قال القاضي: أومأ إليه أحمد، كقول الحنفية والشافعية قالوا: لأنه قد يكون عن اجتهاد فلا يقبل.
وذكر ابن عقيل رواية أنه يقبل، كقول بعضهم بعلمه، فلا احتمال؛ لأنه لا يقوله غالبا إلا عن نقل وقال المجد في المسودة: إن كان هناك نص يخالفها عمل بالظاهر).
ثالثًا- التاريخ:
مثل له الشيخ في "الأصل" بقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الأنفال: ٦٦]. الآية، فقوله: (الْآنَ) (١) يدل على تأخر هذا الحكم وكذا لو ذكر أن النبي، ﷺ ، حكم بشيء قبل الهجرة ثم حكم بعدها بما يخالفه فالثاني ناسخ).
رابعًا- الإجماع:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣): ("وطريق معرفته" أي معرفة تأخر الناسخ من وجوه. أحدها: "الإجماع" على أن هذا ناسخ لهذا، كالنسخ بوجوب الزكاة سائر الحقوق المالية.
ومثله ما ذكر الخطيب البغدادي: أن زر بن حبيش قال لحذيفة (أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب، مع بيان ذلك من قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: ١٨٧] الآية قال العلماء في مثل هذا: إن الإجماع مبين للمتأخر، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ).
خامسًا- فعله ﷺ :
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣) وهو يتكلم عن طرق معرفة تأخر الناسخ: ((و) الوجه الثالث (فعله) ﷺ في ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ واختاره القاضي وأبو الخطاب، وبعض الشافعية، وقد جعل العلماء من ذلك نسخ الوضوء مما مست النار بأكله ﷺ من الشاة ولم يتوضأ
стр. 353
وهو ظاهر ما قدمه ابن قاضي الجبل، ومنع ابن عقيل القول بفعله ﷺ ، وحكي عن التميمي، واختاره المجد في المسودة لأن دلالته دونه).
٣ - ثبوت الناسخ:
قال الشيخ وهو يتكلم عن شروط النسخ: (ثبوت الناسخ واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى؛ لأن محل النسخ الحكم ولا يشترط في ثبوته التواتر).
محصل هذا الشرط أن الشيخ يشترط في الناسخ أن يصح نسبته للنبي ﷺ فلا يكون ضعيفا، فلم يشترط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ بل اكتفى بمجرد صحة نسبته للشرع فينسخ خبرُ الآحاد المتواترَ والقرآنَ.
تنبيه:
قوله: (لأن محل النسخ الحكم ولا يشترط في ثبوته التواتر).
المقصود من هذا التعليل بيان أن الحكم (١) - عند الشيخ - لا يشترط فيه أن يكون قطعيا، بمعنى أنه يمكن أن يكون قطعيا أو ظنيا، وعليه فمحل الإشكال لا يزال قائما، وهو إن كان الحكم قطعيا هل ينسخ بالظني؟
وأما قوله: (لأن محل النسح الحكم) فقد يتوهم منه أن اللفظ ليس محلا للنسخ مع أنه أحد أنواع النسخ، ويجاب عن ذلك بأن التلاوة حكم، أو في معناه، قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٢/ ٢٧٤): (التلاوة حكم، والمراد بها متعلق الحكم ; فلأنه يجب تلاوتها في الصلاة، وتصح وتنعقد بها، وتستحب كتابتها، والوجوب، والصحة، والاستحباب أحكام متعلقة بالتلاوة ; فهي حكم أو في معنى الحكم).
وسيأتي مزيد بيان لذلك بإذن الله - تعالى - عند الكلام على أنواع النسخ في المسالة التالية.
стр. 354
وكان الأولى أن يعلل الشيخ اختياره بقوله: (لأن الكل شرع من عند الله، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [سورة النجم: ٣، ٤].
أو يقول: (إن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًا، فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي) (١).
الخلاف في نسخ المتواتر بالآحاد:
اختلف العلماء في نسخ القرآن والمتواتر بخبر الآحاد على ثلاثة أقوال:
قال ابن عقيل في "الواضح" (٤/ ٢٥٨): (في نسخ القرآن بالسنة، عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يجوز نسخه إلا بالقرآن، وبها قال الشافعي، وأكثر أصحابه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز بالسنة المتواترة.
وعن مالك، وابن سريج من أصحاب الشافعي مثله.
وأنه يجوز بالمتواتر منها، وهو مذهب المعتزلة والأشعرية.
وأختلف أهل الظاهر في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد، وعن أحمد مثله لأنه استدل في النسخ بالآحاد بقصة أهل قباء، فصار قائلا بالنسخ بالتواتر من طريق التنبيه رواها عنه الفضل بن زياد، وهي تشبه مذهبه في إثبات الصفات بأخبار الآحاد، وإثبات الصفات لله سبحانه أكثر من النسخ.
واختلف القائلون بذلك والمانعون منه، هل وجد ذلك؟ فقال قوم: لم يوجد ذلك، وإليه ذهب شيخنا الإمام أبو يعلى وابن سريج من أصحاب الشافعي، وقوم من المتكلمين).
وما اختاره الماتن من جواز نسخ المتواتر بما ثبت من أخبار الآحاد هو الأقوى.
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٨٦): (التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع.
أما قولهم أن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غلطوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم وإيضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين (٢) مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته وقد أجمع جميع النظار أنه
стр. 355
لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمانهما أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس وقلت أيضاً لم يصل إلى بيت المقدس وعنيت بالأولى ما قبل النسخ وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها.
ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية مثلاً المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥] الآية. بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك والطروء ليس منافاة لما قبله وإنما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) بصيغة الماضي ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل وهو واضح كما ترى والله أعلم.
وأما آية الوصية للوالدين والأقربين فالتحقيق أنها منسوخة بآية المواريث والحديث بيان للناسخ وبيان المتواتر لا يشترط فيه التواتر كما تقدم والحديث يشير إلى أن الناسخ لها آيات المواريث لأن ترتيبه ﷺ نفى الوصية للوارث بالفاء على إعطاء كل ذي حق حقه يعني الميراث في قوله ﷺ (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) يدل على ذلك.
وأما قول عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا) الخ، فالحق في ذلك ليس معه ﵁ بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس رضي الله
стр. 356
عنها قالت إن زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى وعندما سمعت قول عمر لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة الخ .. قالت بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١] حتى قال: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) فأي أمر يحدث بعد الثلاث وصرح أئمة الحديث بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديثها، فالسنة معها وكتاب الله معها فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سمعته من النبي ﷺ لأن من حفظ حجة علي من لم يحفظ (والذي يظهر والله تعالى أعلم أن عمر لم يخالفها ولكنه لم يثق في روايتها وعلى هذا فلا منافاة إذا).
وقد سبق وأن ذكرت وجهين من وجوه الترجيح، مما يقوي القول بالجواز العقلي والشرعي، وأما الكلام على الوقوع ومناقشة هذه الأمثلة التي ساقها العلامة الشنقيطي فسيأتي قريبا بإذن الله.
وأما حديث: (كلامي لا ينسخ كلام الله وكلام الله ينسخ كلامي وكلام الله ينسخ بعضه بعضا) فهو حديث موضوع (١).
شروط أخرى للنسخ (٢):
الأول: أن يكون المنسوخ شرعيًّا لا عقليًّا.
стр. 357
الثاني: أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ، متأخرا عنه، فإن المقترن كالشرط، والصفة، والاستثناء لا يسمى نسخًا بل تخصيصا.
الثالث: أن يكون النسخ بشرع، فلا يكون ارتفاع الحكم بالموت نسخًا، بل هو سقوط تكليف.
الرابع: أن لا يكون المنسوخ مقيدًا بوقت، أما لو كان كذلك فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخًا له.
الخامس: أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأن الله سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال، وسبق الكلام على تفصيل نسخ الأخبار (١).
أقسام النسخ باعتبار المنسوخ:
قال الشيخ: (ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ بقاء ثواب التلاوة وتذكير الأمة بحكمة النسخ.
الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه، وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى.
الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه).
وقال في "الأصل" (ص/٥٤): (ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا هو الكثير في القرآن.
مثاله: آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [لأنفال: من الآية٦٥]، نسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [لأنفال:٦٦].
وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ، بقاء ثواب التلاوة، وتذكير الأمة بحكمة النسخ.
стр. 358
الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كآية الرجم، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف).
وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة (١).
الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات" (٢) -) (٣).
стр. 359
فوائد:
الأولى:
قال الشنقيطي في المذكرة (ص/ ٦٩) (١): يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة:
١ـ الأول: أن يقال كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله؛ لأن هذا يلزمه الدليل بلا مدلول، وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول.
٢ ـ الثاني: أن يقال تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ لأن الحكم فيه لم يرفع.
٣ ـ الثالث: أن يقال ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليتلى ويثاب عليه فكيف يرفع، إذ رفعه يقتضي انتقاء حكمته.
الجواب عن السؤال الأول هو أنا لا نسلم كون اللفظ دليلاً على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنما يكون دليلاً عليه عند انفكاكه عما يرفع حكمه، فإذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص.
وإيضاحه أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقاً، وتلاوة ذلك اللفظ وكتابته في القرآن وانعقاد الصلاة به كلها أحكام شرعية من أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ.
قال في المراقي:
وكل حكم قابل له وفى ... نفي الوقوع لاتفاق قد قفى
وإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به وأجزائه في الصلاة ونحو ذلك.
стр. 360
فآية الاعتداد بحول مثلاً، نسخ ما دلت عليه من إيجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف، وهو واضح كما ترى.
والجواب عن السؤال الثاني: هو أن نسخ التلاوة فقط معناه نسخ التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم مثلاً لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين كما تقدم مثله فان قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم هذا منسوخ تلاوة لا حكماً لأنه يفهم منه أن نسخ التلاوة مناف لنسخ الحكم.
فالجواب أن الحكم المنفى عنه النسخ في قولهم لا حكماً غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة لأنها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريباً.
الجواب عن السؤال الثالث: هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكماً إنما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول الله ﷺ بلفظ معين ليثبت به الحكم ويستقر الحال، والحال أنه هو المقصود فلا مانع من نسخ اللفظ، لأن المقصود هو مجرد الحكم فانه قيل: فان جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكم معها لأن الحكم تبع للتلاوة فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل.
فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر ودلالتها على ما دلت عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى).
الفائدة الثانية:
قال الشيخ ﵀ في "الشرح" (ص/٤٢١): (هذا وقد اشتهر أن لفظ الآية المنسوخة: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)
стр. 361
ولكن هذا لا يصح لأن هذا النص مخالف لهذا الحديث إذ أن هذا النص ربط الحكم بالشيخوخة، والحديث الصحيح ربط الحكم بالإحصان.
ويتبين ذلك لو أن شابا كان محصنا فزنى فمقتضى الآية التي زُعم أنها منسوخة أن لا يرجم؛ لأنه ليس بشيخ ولو زنى شيخ لم يتزوج فمقتضى الآية المنسوخة أن يرجم!! إذا فهي مخالفة للواقع ولما كانت مخالفة للواقع علم أن لفظها لا يصح.
ثم إنك تشعر بركاكة اللفظ، والقرآن كما نعلم لفظه بليغ جدا، وفيه أيضا راحة يرتاح له الإنسان، فقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) لا تجد فيه الرونق الذي في كلام الله - عزوجل - فهو بعيد عن أن يكون كلام الله باعتبار لفظه وهو لا يمكن أن يكون الحكم الذي نزل ونُسخ لفظه باعتبار مدلوله ومعناه إذا فاللفظ منكر حتى لو فرض أن السند لا بأس به، أو حسن، أو حتى صحيح، فلا يمنع أن يكون شاذا).
وقد اعترض الشيخ على إثبات قرآنية آية الرجم بأمرين:
الأول - مخالفة هذه الآية لما رواه مسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) إذ أن الآية ربطت الحكم بالشيخوخة والحديث ربطه بالثيوبة أو الإحصان، فالعمل على خلاف الظاهر من عمومها (١).
الثاني - ركاكة لفظها.
والجواب عن ذلك بأن يقال:
بداية ورد الحديث في إثبات أن هذه الآية مما نزل على النبي ﷺ وأنها كانت قرآنا يقرأ من حديث: عمر، وزيد، وأبيّ، والعجماء ﵃ (٢) وبعض طرقها فيه كلام وبعضها ثابت إلا أن هذه الطرق بمجموعها تنتهض للاحتجاج.
والجواب عن الاعتراض الأول من مقدمتين:
стр. 362
الأولى - إن قوله (الشيخ والشيخة) عام أريد به الخاص (١)، وهو المحصن من الشيوخ، وإنما قلنا ذلك توفيقا بين عمل النبي ﷺ والخلفاء من رجم المحصن دون غيره، وتوفيقا بين الآية والحديث، وإلى هذا أشار جماعة من السلف، قال الإمام مالك ﵀ في «الموطأ» (٢/ ٨٢٤): «قوله (الشيخ والشيخة) يعني الثيِّب والثَّيبة».
الثانية - أن هذا من باب التعبير عن الجنس بالأنقص، قال الزركشي في "البرهان" (٢/ ٣٥): (وفي هذا سؤالان الأول ما الفائدة في ذكر الشيخ والشيخة وهلا قال المحصن والمحصنة؟
وأجاب ابن الحاجب في أماليه عن هذا بأنه من البديع في المبالغة وهو أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص فالأنقص وفي باب المدح بالأكثر والأعلى فيقال لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده والمراد يسرق ربع دينار فصاعدا إلى أعلى ما يسرق وقد يبالغ فيذكر مالا تقطع به كما جاء في الحديث (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) وقد علم أنه لا تقطع في البيضة وتأويل من أوله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة).
وينتج عن هاتين المقدمتين أن جنس المحصن يرجم إذا زنى، وهو الموافق للحديث وعمل النبي ﷺ والخلفاء ﵃.
وأما الجواب عن الشبهة الثانية - فيقال على التسليم جدلا بركاكة لفظها، فذلك لأنها سيقت بالمعنى.
قال الشيخ مساعد الطيار (٢): (ويعترض البعض أن هذه ليست على نسق القرآن ونظمه المعروف، ونقول: هاهنا قاعدة، وهي: (إن أيَّ آيةٍ نُسِخت فإنه يزول عنها ما للقرآن من خصائصه في نظمه وإعجازه)، ولذا قد تروى بالمعنى، وهنا يزول الإشكال).
تتمة:
قال الآمدي في "الإحكام " (٣/ ١٦٧): (ولا يمكن أن يقال أن ذلك لم يكن قرآنا
стр. 363
بما روي عن عمر أنه قال: لولا أنني أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت: الشيخ والشيخة إذا زنيا على حاشية المصحف وذلك يدل على أنه لم يكن قرآناً.
لأنا نقول: غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآناً).
قال الزركشي في "البرهان" (٢/ ٣٦): (ظاهر قوله (لولا أن يقول الناس) الخ أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ﵁ ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا).
أقسام النسخ باعتبار الناسخ:
قال الشيخ: (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن.
الثاني: نسخ القرآن بالسنة.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن.
الرابع: نسخ السنة بالسنة).
قال في "الأصل" (ص/٥٥): (وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛ ومثاله آيتا المصابرة.
الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛ ولم أجد له مثالاً سليماً.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) [البقرة: ١٤٤].
الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً" (١)).
стр. 364
ذكر الشيخ هنا بعض أنواع النسخ باعتبار الناسخ، وهناك أنواعا أخرى جائزة في المذهب لم يذكرها الشيخ، منها: نسخ متواتر السنة بمتواترها، ونسخ آحاد بمتواتر من السنة، وقاعدة المذهب أنه يشترط أن يكون المنسوخ مثل الناسخ أو أعلى منه، وأما دونه فقد سبق تفصيل الخلاف فيها وبيان أن الراجح الجواز، وفي المذهب يجوز نسخ الفحوى والنسخ بها، ويجوز نسخ حكم مفهوم المخالفة.
وإليك - زيادة في الفائدة - شيئا من التفصيل في النقاط التالية:
مثل الشيخ لبعض الأنواع، ولم يذكر مثالا لنسخ القرآن بالسنة.
١ - أمثلة لنسخ القرآن بالسنة:
المثال الأول - نسخ قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: ١٨٠] بالنسبة للفرع الوارث بآيات المواريث، وكما هو معلوم أن من شروط النسخ التعارض وعدم إمكان الجمع، والجمع ممكن بين هذه الآية وآيات المواريث، فما نسخ وجوبه بقي جوازه أو ندبه - على الخلاف المعروف في المسألة - وعليه فالجمع بينهما ممكن بأن الوصية للوارث جائزة أو مستحبة مع ثبوت الإرث.
إذا تقرر هذا علم أن قوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (١) إنما نسخ ما بقى من الجواز أو الندب للتحريم فلا يجوز الوصية للفرع الوارث.
قال ابن حزم في "الإحكام" (٤/ ٥١١): (ومما نسخ من القرآن بالسنة قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة:١٨٠] نسخ بعضها قوله ﷺ لا وصية لوارث وقد قال قوم إن آيات المواريث نسخت هذه الآية.
قال أبو محمد وهذا خطأ محض لأن النسخ هو رفع حكم المنسوخ ومضاد له وليس في آية المواريث ما يمنع الوصية للوالدين والأقربين إذ جائز أن يرثوا ويوصى لهم مع ذلك من الثلث).
стр. 365
قال الصنعاني في "سبل السلام" (٣/ ١٠٦): (والحديث دليل على منع الوصية للوارث وهو قول الجماهير من العلماء. وذهب الهادي وجماعة إلى جوازها مستدلين بقوله تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) الآية قالوا ونسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز. قلنا نعم لو لم يرد هذا الحديث فإنه ناف لجوازها إذ وجوبها قد علم نسخه من آية المواريث ... ) (١).
قال القرطبي في "تفسيره" (٢/ ٢٦٣): (وقال بن عباس والحسن أيضا وقتادة: الآية عامة وتقرر الحكم بها برهة من الدهر ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض وقد قيل: إن آية الفرائض لم تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى وهي قوله ﵇: (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح فنسخ الآية إنما كان بالسنة الثابتة لا بالإرث على الصحيح من أقوال العلماء ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث بالوصية وبالميراث إن لم يوص أو ما بقى بعد الوصية لكن منع من ذلك هذا الحديث والإجماع ... ونحن وإن كان هذا الخبر بلغنا آحادا لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث فقد ظهر أن وجوب الوصية للأقربين الوارثين منسوخ بالسنة وأنها مستند المجمعين والله أعلم).
المثال الثاني:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦]. وقرأ (وَأَرْجُلَكُمْ) بالجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.
وقد روي المسح على القدمين عن علي وابن عباس وأنس ﵃ وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك (٢).
ورواية الجر هذه تأولها قوم على المسح على الخفين، وذهب الطحاوي وابن حزم إلى أنها في مسح الرجلين وأنها منسوخة.
стр. 366
قال ابن حزم في " الإحكام" (٤/ ٥١٠): (ومما نسخت فيه السنة القرآن قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ... ) الآية) فإن القراءة بخفض أرجلكم وفتحها كلاهما لا يجوز إلا أن يكون معطوفا على الرؤوس في المسح ولا بد لأنه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه لأنه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان لا تقول ضربت محمدا وزيدا ومررت بخالد وعمرا وأنت تريد أنك ضربت عمرا أصلا (١) فلما جاءت السنة بغسل الرجلين صح أن المسح منسوخ عنهما.
وهكذا عمل الصحابة ﵃ فإنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال ﵇ ويل للأعقاب والعراقيب من النار ... ).
قال الطحاوي في " شرح معاني الآثار - (١/ ٣٩): (حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: " تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بلال: " ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا " (٢) ...
قال أبو جعفر: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء وخوفهم فقال: " ويل للأعقاب من النار " فدل ذلك أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا , فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار).
стр. 367
وهناك أمثلة أخرى أعرضت عن ذكرها فالغرض التنبيه وليس الاستقصاء (١).
٢ - نسخ متواتر السنة بمتواترها:
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٣٠٤٠): (وأما نسخ متواتر السنة بمتواترها فجائز عقلا وشرعا، ولكن وقوعهما متعذر في هذه الأزمنة، وقد تقدمت الأحاديث، وأنها قليلة جدا ... ).
٣ - نسخ آحاد بمتواتر من السنة:
قال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٣٠٤١): (وأما نسخ الآحاد من السنة بالمتواترة فجائز، ولكن لم يقع).
٤ - يجوز نسخ الفحوى والنسخ بها:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٤٨١): (فالمفهوم نوعان, أحدهما: مفهوم موافقة والثاني: مفهوم مخالفة، أشير إلى أولهما بقوله:
"فإن وافق" أي وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم "ف" هو "مفهوم موافقة، ويسمى فحوى الخطاب ولحنه" أي لحن الخطاب (٢).
فلحن الخطاب ما لاح في أثناء اللفظ "و"يسمى أيضا "مفهومه" أي مفهوم الخطاب. قاله القاضي أبو يعلى في العدة، وأبو الخطاب في التمهيد. "وشرطه" أي شرط مفهوم الموافقة "فهم المعنى" من اللفظ "في محل النطق" و "أنه" أي المفهوم "أولى" من المنطوق "أو مساو" له.
وبعضهم يسمي الأولوي بفحوى الخطاب، والمساوي بلحن الخطاب.
فمثال الأولوي: ما يفهم من اللفظ بطريق القطع؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب؛ لأنه أشد.
ومثال المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] فالإحراق مساو للأكل بواسطة الإتلاف في
стр. 368
الصورتين.
وقيل: إن الفحوى: ما نبه عليه اللفظ، واللحن: ما يكون محالا على غير المراد في الأصل والوضع).
إذا علمت معنى فحوى الخطاب فالمذهب أنه ينسخ وينسخ به.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب": (٣/ ٥٧٦): ((ويجوز النسخ بالفحوى) عند الأئمة الأربعة والمعظم.
قال ابن مفلح: الفحوى يَنسخ ويُنسخ به قال الآمدي: اتفاقا وفي التمهيد: المنع عن بعض الشافعية (١)، وذكره في العدة عن الشافعية، قال فيما حكاه الإسفراييني: واختاره بعض أصحابنا لنا: أنه كالنص، وإن قيل: قياس قطعي. انتهى.
(و) يجوز أيضا (نسخ أصل الفحوى) وهو التأفيف، كما لو قال: رفعت تحريم التأفيف مثلا (دونه) في أنواع الأذى وهو الفحوى؛ لأنه لا يلزم من إباحة الخفيف إباحة الثقيل، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وابن عقيل والفخر إسماعيل البغدادي.
وحكي عن الحنفية وغيرهم وقال الموفق في الروضة، وتبعه الطوفي: بالمنع وذكره الآمدي قول الأكثر؛ لأن الفرع يتبع الأصل فإن رفع الأصل فكيف يبقى الفرع؟ (وعكسه) يعني أنه يجوز نسخ الفحوى - وهو الضرب مثلا - دون أصله وهو التأفيف، كما لو قال: رفعت تحريم كل إيذاء غير التأفيف فيجوز ذلك في ظاهر كلام أكثر أصحابنا، وعليه أكثر المتكلمين، قاله البرماوي؛ لأن الفحوى وأصله مدلولان متغايران فجاز نسخ كل منهما على انفراده ومنع من ذلك المجد وابن مفلح وابن قاضي الجبل وابن الحاجب وغيرهم، وقيل: إن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر قال في جمع الجوامع: والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر، ثم قال المحلي شارحه: واعلم أن استلزام نسخ كل منهما ينافي ما صححه في جمع الجوامع من جواز نسخ كل منهما دون الآخر، فإن الامتناع مبني على الاستلزام، والجواز مبني على عدمه.
стр. 369
وقد اقتصر ابن الحاجب على الجواز مع مقابله، والبيضاوي على الاستلزام وجمع المصنف - يعني صاحب جمع الجوامع - بينهما).
وظاهر كلام الشنقيطي في "المذكرة" قطع هذا التلازم وأنه يجوز أن ينسخ أصل الفحوى دونها، والعكس، قال (ص/ ٨٩): (وجمهور علماء الأصول على أنه مفهوم من نفس اللفظ وليس بقياس خلافاً للشافعي الذي يسميه القياس الجلي، والقياس في معنى الأصل، وإذا كان مدلولاً عليه باللفظ فلا مانع من نسخه دون أصله والنسخ به وهذا قول الجماعة من أهل الأصول، قالوا: يجوز عقلاً أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف كعكسه مثلاً قالوا: ولا مانع عقلاً من ذلك وقد يأمر بعض الملوك بقتل إنسان محترم عنده جداً فينهي عن التأفيف في وجهه وغير ذلك من الازدراء به مع أنه أمر بقتله مع أن القتل أشد ايذاءاً من التأفيف وغيره من الازدراء).
ثم قال (ص/٩٠) تمثيلا لنسخ الفحوى والنسخ بها: (ومثال نسخ الفحوي والنسخ بها يذكرونه عادة على سبيل الفرض والتقدير، ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله ﷺ (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته) ورد قبل نزول آية " فلا تقل لهما أف" وعمل به قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ كما قدمنا وإيضاحه أن قوله في الحديث يحل عرضه، أي بقوله مطلني وعقوبته أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد إذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله " فلا تقل لهما أف" تدل على أنه لا يحبس الوالد في دين عليه لولده لأن الحبس أشد ايذاءاً من التأفيف، فإن ورد هذا المخصص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، وإلا فهو نسخ وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور).
٥ - ويجوز نسخ حكم مفهوم المخالفة:
قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (٣/ ٤٨٨): ("وإن خالف" يعني، وإن خالف المفهوم - وهو المسكوت عنه - حكم المنطوق "ف" هو "مفهوم مخالفة" ويسمى دليل الخطاب.
وإنما سمي بذلك؛ لأن دلالته من جنس دلالات الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه، أو لمخالفته منظوم الخطاب).
وقال في (٣/ ٥٧٨): ("و" يجوز أيضا نسخ "حكم مفهوم المخالفة إن ثبت"، وإلا
стр. 370
فلا. يعني أنه يجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور، مع نسخ الأصل ودونه، قاله كثير من العلماء، وقد قالت الصحابة ﵃ إن قول النبي ﷺ : "الماء من الماء": منسوخ بقوله ﷺ : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" مع أن الأصل باق. وهو وجوب الغسل بالإنزال.
"ويبطل" حكم مفهوم المخالفة "بنسخ أصله" على الصحيح، اختاره القاضي وجزم به الموفق في الروضة، كذلك الطوفي؛ لأن فرعه وعدمه كالخطابين, واختاره ابن فورك.
والقول الثاني: أنه لا يبطل بنسخ أصله, وهو وجه لأصحابنا، ذكره القاضي.
قال البرماوي: وأما نسخ الأصل بدون مفهومه الذي هو مخالف له حكما: فذكر الصفي الهندي فيه احتمالين، قال: وأظهرهما أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار القيد المذكور، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما ينبني عليه. اهـ. وعلى هذا: فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه والمعنى: أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حكم به على المسكوت بضد حكم المذكور (١).
"ولا ينسخ به" أي بمفهوم المخالفة على الصحيح قطع به في جمع الجوامع وصرح به السمعاني، لضعفه عن مقاومة النص (٢).وقيل: بلى؛ لأنه في معنى المنطوق).
مسألة - حكمة النسخ:
قال الشيخ: (حكمة النسخ:
١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم.
٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.
стр. 371
٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.
٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣١): (للنسخ حكم متعددة وكذا جميع الشرع مبني على الحكم، لكن من الحكم ما يعلم ومن الحكم ما لا يعلم، فالحكم المعلومة واضحة، وغير المعلومة يسميها العلماء تعبدية يعني أن الحكمة منها أن الله استعبدنا بها، ولكننا لا ندري ما هو السبب.
وهذه الأمور التعبدية كوجوب غسل اليد إذا قام الإِنسان من نومه ثلاثًا قبل أن يدخلها في الإِناء، ومن العلماء من يحاول أن يجد لها حكمة ولكن نحن لا يهمنا، نحن نعلم أن الله تعالى حكيم، فكل شيء يفعله الله أو يشرعه فهو مبنيٌ على الحكمة، لكن عقولنا بقصورها لا تدرك بعض الحكم فتفوتها ويقول الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥].
فالمهم يجب أن تؤمن بأنه ما من شيء يشرعه الله إلا وهو مبنيٌ على الحكمة.
ومن ذلك النسخ، وكون الحكم ينتقل من شيء لآخر ذلك لابد له من حكمة، وهي كثيرة). وقد سبق بيان بعض حكم النسخ عند الكلام على أقسام النسخ باعتبار النص المنسوخ، وذكر الشيخ هنا بعض الحكم الأخرى للنسخ منها:
١ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم.
فالله إذا نسخ حكما دل على أن الناسخ أنفع للعباد، والأول أيضا كان نافعا ولكنه منفعته كانت مؤقتة، فلما زالت انتقلنا إلى الثاني لمنفعته الدائمة المستمرة.
٢ - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٣٢): (أي أن التشريع يتطور حتى يبلغ الكمال، ولهذا لم تجب الصلاة إلا قبل الهجرة بنحو سنة، أو ثلاث سنين، أو خمس، والزكاة وجبت في السنة الثانية، وقيل: إنها وجبت في مكة ولكن في السنة الثانية بينت الأنواع
стр. 372
والمقادير ... إلخ، والصوم في السنة الثانية، والحج في السنة التاسعة فكل هذا من أجل أن يتطور التشريع حتى يبلغ الكمال.
وهذا كما أنه مقتضى الحكمة شرعًا، فهو مقتضى الحكمة قدرًا وانظر إلى الإِنسان أول ما يولد فهو صغير وضعيف القوة، ثم يزداد ويتطور حتى يصل إلى درجة الكمال).
٣ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.
قال في الشرح (ص/٤٣٣): (وذلك من أشد ما يكون، فبعض الناس لا يرضى أن تتحول الأحكام أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، ولهذا لما حولت القبلة ارتد بعض الناس، كما قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) [البقرة: ١٤٣].
فالمهم أن في النسخ اختبارًا للمكلفين هل يرضون بالأحكام ويتقبلون وإذا قيل لهم هذا حلال فعلوه، وإذا قيل هذا حرام أمسكوا عنه، وإذا قيل هذا واجب التزموا به وقاموا به، وهذا لا شك أنه من أكبر الحكم.
س: فإذا قال قائل: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: ٥٣].
الجواب: بلى هو أعلم بالشاكرين وأعلم بالمتقين. ولكن علمه لا يترتب عليه الجزاء، فلا يترتب الجزاء حتى يجرب العبد الشكر والتقوى، أما قبل ذلك فهو علم لا يتعلق بنا نحن - أي: بالنسبة للتكليف والإِثابة أو العقوبة).
٤ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل.
قال في "الشرح" (ص/٤٣٣): (النسخ قد يكون إلى أخف أو إلى أثقل أو إلى مساوٍ، وهذه ثلاثة أقسام " فلو رأينا نسخ تحريم الخمر لوجدناه إلى أثقل، ولو نظرنا إلى المصابرة لوجدناها إلى أخف، ولو نظرنا إلى الصوم وجدناه إلى أثقل، كان بالأول مخيرًا بين الصوم والفداء ثم تعين الصوم، هذا من جهة أخف: من جهة أنه إذا نام أو صلى العشاء وجب عليه الإمساك، ثم رخص لهم إلى طلوع الفجر فهو من هذه الجهة أخف، واستقبال القبلة مساو لأن الإِنسان من حيث العمل والتكليف: لا يفرق بين أن يستقبل الكعبة أو بيت المقدس. إذًا اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان
стр. 373
النسخ إلى أخف مثل آية المصابرة، لما أوجب الله على المسلمين أن يقاوم الواحد منهم عشرة كان في هذا صعوبة فلما تحول الحكم إلى أن يقابل الواحد اثنين مع زيادة العدد صار في هذا تخفيف.
إذًا فعلى الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة فإذا كان النسخ إلى أثقل فعليه أن يصبر وأن يقول سمعنا وأطعنا، لا يكون متبعًا لهواه: إذا جاءه الحكم موافقًا له قبل وإذا كان مخالفًا لا يقبل، فالمؤمن هو الذي يتبع الهدى لا الهوى: أما أن يتبع الهوى إن كان شيئًا خفيفًا قبله، وإن كان شيئًا ثقيلاً تركه، فهذا ليس بمؤمن حقيقة (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ) [المؤمنون: ٧١] فهذه أربع حكم من حكم النسخ).
الأخبار
تعريف الخبر:
أ- لغة:
قال الشيخ: (تعريف الخبر:
الخبر لغة: النبأ).
قال الزبيدي في "تاج العروس (مادة: ن ب أ): ((النَّبَأُ مُحَرَّكَةً: الخَبَرُ) وهما مترادفانِ، وفرَّق بينهما بعضٌ، وقال الراغبُ: النَّبأُ: خَبَرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ، يَحْصُل بهِ عِلْمٌ أَو غَلَبَةٌ ظَنَ، ولا يُقال للخَبَر في الأَصْلِ نَبَأٌ حتى يَتَضَمَّنَ هذه الأَشياءَ الثلاثةَ ويَكونَ صادِقاً ... ) (١).
ب- المراد به هنا:
قال الشيخ: (والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو ووصف).
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٤٣٥): (فيكون مرادفا للسنة). مقصود الشيخ هنا التكلم على السنة كمصدر للتشريع وأعقب هذا الباب بالكلام على الإجماع
стр. 374
ثم القياس، ولم يتكلم على القرآن كمصدر أول للتشريع.
لم يتكلم الشيخ هنا عن تعريف الخبر اصطلاحا، فقد سبق تعريفه في باب الكلام، وإنما تكلم عن تعريفه المراد هنا، وهو أنه مرادف للسنة، ولا مشاحة في الاصطلاح وقد اختلف العلماء في الخبر، والحديث، والسنة أيهم أعم من الآخر على أقوال:
قال القارئ في "شرح نخبة الفكر" (ص/ ١٥٣): (الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث) وهو في اللغة ضد القديم وفي اصطلاحهم: قول رسول الله ﷺ ، وفعله، وتقريره، وصفته حتى في الحركات، والسَّكَنَات، في اليقظة، والمنام ذكره السخاوي، وفي ' الخلاصة ': أو الصحابي، أو التابعي ... إلخ. ويرادفه السُّنة عند الأكثر. وأما الأثر: فمن اصطلاح الفقهاء: فإنهم يستعملونه في كلام السلف، والخبر في حديث الرسول ﵊. وقيل: الخبر والحديث: ما جاء عن النبي ﵊. والأثر: أعم منهما، وهو الأظهر ... ).
قال الشيخ طاهر الجزائري في " توجيه النظر" (١/ ٤٠): (وأما السنة فتطلق في الأكثر على ما أضيف إلى النبي ﵊ من قول أو فعل أو تقرير فهي مرادفة للحديث عند علماء الأصول).
شرح التعريف:
وقد فصل ابن النجار في تعريف السنة اصطلاحا، وزاد الهم ولم يذكر الوصف، وسيأتي بإذن الله بعد ذكر كلامه الكلام على الهم والوصف.
فقال في "مختصر التحرير" في تعريف السنة: (اصطلاحا قول النبي ﷺ غير الوحي ولو بكتابة وفعله ولو بإشارة وإقراره وزيد الهم).
وشرحها في "شرح الكوكب المنير" (٢/ ١٦٠) (١) بقوله: (السنة في اصطلاح علماء الأصول (قول النبي ﷺ غير الوحي) أي غير القرآن (ولو) كان أمرا منه (بكتابة) (كأمره ﷺ عليا ﵁ بالكتابة يوم الحديبية)، وقوله ﷺ (اكتبوا لأبي شاه) يعني الخطبة التي
стр. 375
خطبها رسول الله ﷺ وأمره بالكتابة إلى الملوك ونحو ذلك.
(وفعله) ﷺ . واعلم أن القول وإن كان فعلا فهو عمل بجارحة اللسان، والغالب استعماله فيما يقابل الفعل كما هنا، حتى (ولو) كان الفعل (بإشارة) على الصحيح؛ لأنه كالأمر به، كما في حديث كعب بن مالك: (لما تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في مسجد النبي ﷺ وارتفعت أصواتهما، حتى سمعها النبي ﷺ ، وهو في بيته، فخرج إليهما، حتى كشف حجرته فنادى فقال يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله - فأشار إليه بيده - أن ضع الشطر من دينك، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : قم فاقضه) رواه البخاري ومسلم.
واسم ابن أبي حدرد: عبد الله، واسم أبيه سلامة بن عمير، ومنه (إشارة النبي ﷺ لأبي بكر أن يتقدم في الصلاة) متفق عليه. (وطاف النبي ﷺ بالبيت على بعير، كلما أتى على ركن أشار إليه).
ومن الفعل أيضا: عمل القلب، والترك فإنه كف النفس، وقد سبق أنه لا تكليف إلا بفعل.
فإذا نقل عن النبي ﷺ أنه أراد فعل شيء كان من السنة الفعلية، كما في حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ أراد أن ينحي مخاط أسامة، قالت عائشة: دعني يا رسول الله حتى أكون أنا الذي أفعل. قال: يا عائشة، أحبيه فإني أحبه) رواه الترمذي في المناقب.
وحديث أنس (أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى رهط - أو أناس - من العجم. فقيل: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، فاتخذ خاتما من فضة) رواه البخاري ومسلم.
ومثله حديث جابر (أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يسمى بيعلى، أو ببركة، أو أفلح، أو يسار أو نافع ونحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد عنه، فلم يقل شيئا، ثم قبض ولم ينه عن ذلك) رواه مسلم.
وإذا نقل عن النبي ﷺ أنه ترك كذا، كان أيضا من السنة الفعلية، كما ورد (أنه ﷺ لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله:
стр. 376
أمسك الصحابة ﵃ وتركوه، حتى بين لهم أنه حلال، ولكنه يعافه)، ولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه ترك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه ترك.
والمراد من أقوال النبي ﷺ وأفعاله: ما لم يكن على وجه الإعجاز.
(وإقراره) يعني أن السنة شرعا واصطلاحا: قول النبي ﷺ وفعله وإقراره على الشيء يقال أو يفعل، فإذا سمع النبي ﷺ إنسانا يقول شيئا، أو رآه يفعل شيئا فأقره عليه، فهو من السنة قطعا.
(وزيد الهم) أي وزاد الشافعية على ما ذكر من أقسام السنة: ما هم النبي ﷺ بفعله ولم يفعله؛ لأنه ﷺ لا يهم إلا بحق محبوب مطلوب شرعا؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات. ومنه: همه ﷺ بمعاقبة المتخلفين عن الجماعة).
تنبيهات:
الأول - سار الشيخ هنا على طريقة المحدثين لا الأصوليين في تعريف السنة .
وقد سلك الأصوليون في تعريف السنة طريقين:
المسلك الأول - الاقتصار على الأقوال والأفعال.
قال السبكي في "جمع الجوامع" (٢/ ١٢٨ - حاشية العطار): (السنة وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله، ومنها تقريره؛ لأنه كف عن الإنكار والكف فعل كما تقدم).
وقال البناني في "حاشيته" (٢/ ٩٤): (قوله: (ومنها تقريره لأنه كف الخ) جواب لما يقال من أن التعريف غير جامع لخروج تقريراته ﷺ بأن التقرير داخل في الفعل؛ لأنه كف عن الإنكار والكف فعل كما تقدم، ويؤخذ من هذا كما قال بعضهم أن من الأفعال أيضا الهم والإشارة فلا يخرجان عن التعريف إذ الهم نفسي كالكف عن الإنكار والإشارة فعل الجوارح، فإذا هم بشيء وعاقه عنه عائق أو أشار لشيء كان ذلك الفعل مطلوبا شرعا؛ لأنه لا يهم ولا يشير إلا بحق، وقد بعث ﷺ لبيان الشرعيات).
وقال الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ١٨): (السنة في اصطلاح الأصوليين ما
стр. 377
صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من الأقوال والأفعال.
وهي في اصطلاح المحدثين لمعنى أوسع من ذلك، إذ هي عندهم: "ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو صفة خَلْقيّة، أو خُلُقيّة ... " وإنما جعلوها كذلك لأنهم أهل العناية برواية الأخبار.
أما في اصطلاح الفقهاء فالسنة بمعنى النافلة والمندوب، أي ما يتقرب به إلى الله تعالى مما ليس بمتحتم على المسلم.
ونلاحظ أن بعض الأصوليين قال في تعريف السنة: إنها ما صدر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، وبعضهم يضيف الترك، وبعضهم يضيف الهم والإشارة ونحو ذلك. والأولى ترك ذكر ما عدا الأقوال والأفعال، كما صنع البيضاوي في المنهاج؛ لأن كل ما ذكر مما سواهما فهو فعل على الراجح.
وأما من ادعي أن شيئا مما ذكر ليس فعلا، وأنه حجة، فيلزمه ذكره في التعريف).
المسلك الثاني - زيادة الإقرار (١).
قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/٤٩): ((والسنة) لغة: الطريقة، (وشرعا)، اصطلاحا: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولا، أو فعلا، أو إقرارا).
قال الزركشي في "البحر المحيط" (٣/ ٢٣٦): (وتطلق - أي السنة - وهو
المراد هنا على ما صدر من الرسول ﷺ من الأقوال والأفعال
والتقرير والهم، وهذا الأخير لم يذكره الأصوليون ولكن استعمله الشافعي في الاستدلال).
ونلحظ مما سبق أمرين:
الأول - أن الأصوليين لم يذكروا الوصف وإنما ذكره المحدثون.
الثاني - أن زيادة الهم في تعريف السنة استعملها الشافعي.
стр. 378
ولنتوقف مع هذين الأمرين في التنبيهين التاليين:
الثاني - الكلام على زيادة الوصف في تعريف السنة:
ذكر الشيخ الصفة في تعريف السنة تمشيا مع اصطلاح المحدثين دون الأصوليين.
عرف السبكي في "جمع الجوامع" السنة بقوله: (وهي أقوال محمد ﷺ وأفعاله) فقال العطار في " حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ١٢٨): (ولم يذكر الصفات مع أنها من السنة لأن الكلام في السنة التي هي من أصول الفقه ولا كذلك الصفات القائمة بذاته ﷺ .
قال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/ ١٠٣): (تعريف السنة: في الاصطلاح: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير. هذا تعريفها عند الأصوليين.
وعند المحدثين: زيادة: الوصف، إذ يقولون السنة: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. ويريدون بالوصف ما ورد عن الصحابة من وصف الرسول ﷺ سواء كان وصفا خَلْقيا أو خلُقيا.
والأصوليون لم يدخلوا هذا النوع في السنة؛ لأنهم يتكلمون عن السنة التي هي دليل يستدل به ويتأسى بالرسول ﷺ فيه، ولا شك أن صفات الرسول التي ليست من فعله لا يمكن أن تكون دليلا على الوجوب أو الاستحباب؛ إذ لا يتعلق بها حكم).
الثالث - هل الهم من أقسام السنة؟ (هل الهم بالفعل حجة ؟)
اختلف العلماء فيه على قولين:
الأول - أنه حجة، وهو مذهب الشافعية (١).
الثاني - أنه ليس بحجة وهو اختيار الشوكاني (٢).
стр. 379
قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٣٣): (قوله: (وزيد الهم). أي: بفعل، رأيت ذلك للشافعية، ومثلوه: بما إذا هم النبي بفعل وعاقه عنه عائق، كان ذلك الفعل مطلوبا شرعا؛ لأنه لا يهم إلا بحق محبوب مطلوب شرعا؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات، وذلك كما في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم فيما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وقال: (صحيح على شرط مسلم): ' استسقى رسول الله وعليه خميصة سوداء، فأراد رسول الله أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه '. فالمراد: لولا ثقل الخميصة، فاستحب الشافعي ﵁ لأجل هذا الحديث للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسه، بجعل أعلاه أسفله. قلت: مذهب الإمام أحمد وأصحابه لا يزيد على التحويل. وقال ابن العراقي: (قلت: وكذا همه بمعاقبة المتخلفين عن الجماعة، استدل به على وجوبها. وقد يقال: الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل، فيكون الاستدلال بأحدهما، فلا يحتاج حينئذ إلى زيادة) (١) انتهى. وعلى القول الأول: الفرق بينه وبين ما تقدم من عمل القلب والترك: أن الذي هنا أخص؛ لأن الهم عزم على الشيء بتصميم وتأكيد، قاله البرماوي) (٢).
وإطلاق كلا القولين ليس بصواب، والصواب التفصيل فاعتبار كون الهم حجة أم لا يختلف تبعا لنوعه، وقد فصل الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (٢/ ١٣٤) فقال بعد أن ذكر قولي العلماء في المسألة ما ملخصه: (الهم بالشيء أمر نفسي لا يظهر لنا إلا بإحدى طريقتين:
الطريق الأولى - أن يخبرنا به النبي ﷺ :
وحينئذ فلا يخلو من أحوال:
١ - إما أن يخبرنا به على سبيل الزجر عن عمل معين. فيدل على تحريم ذلك العمل أو كراهته، بدلالة القول، كقوله ﷺ : (لقد هممت أن
стр. 380
آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار).
دلّ ذلك على وجوب حضورها، وتحريم التخلف عنها، وهي دلالة قولية، من حيث إنه بين بقوله ما يفيد أن ما فعلوه هو ذنب ...
٢ - وإما أن يخبرنا بهمه مبينا لنا أنه ترك ما هم به وعدل عنه لأنه تبين له أن الداعي له غير صحيح، كقوله ﷺ : (بقد هممت أن أنهي عن الغيلة، حتى ذكر لي أن فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم).
والحكم على هذا النوع واضح.
٣ - وإما أن يخبرنا بأنه ترك الفعل اكتفاء بغيره من الدلالات، ولا شك في حجية هذا النوع، ومنه حديث عائشة أنه ﷺ قال: (لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر فأعهد، أن يقول قائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون).
٤ - وإما أن يخبرنا بأنه هم بالشيء ولم يفعله دون زيادة، وهو الهم المجرد ومثاله حديث: (لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي).
قولنا في ذلك: الظاهر أن الهم لا يدل على مثل ما يدل عليه الفعل لو فعله فما قال الشوكاني من أن "الهم ليس تنجيزا للفعل" صحيح، وينبغي أن يعتمد، فهو ﷺ لم يُخْرِج ما هم به إلى حيز الوجود، فيحتمل أن تكون هناك موانع شرعية منعته من ذلك، أو أنه ﷺ وجد السبب أقل من أن يكون كافيا لبناء الحكم عليه. فلا يتم القول بأن الهم المجرد قسم من أقسام السنة ...
الطريق الثانية - أن يحول بينه وبين الفعل حائل جعله يترك الفعل بعد أن عالجه، وهذا النوع هو الذي قال فيه الشافعي ما قال واعتبره حجة ...
ومن أمثلته حديث: (أنه ﷺ أُتِيَ بضب محنوذ فأهوى بيده ليأكل، فقيل " أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل. فقيل: ضب فرفع يده) ففيه دلالة على جواز الإقدام على أكل ما لا يعرفه، غذ لم يظهر فيه علامة التحريم.
قولنا في ذلك: أن هذا النوع عندنا أعلى من الذي قبله؛ لأن المانع خارجي،
стр. 381
والمباشرة قد وقعت، فالقول بأنه من أقسام السنة لا يستبعد.
والتفريق بين النوعين واضح، فإن هذا النوع في حقيقته من أقسام العزم، والعزم أعلى أنواع الهم. وينبغي حمل كلام الشافعي على هذا النوع خاصة، خلافا للزركشي الذي جعل مذهب الشافعي أن الهم مطلقا من السنة ... ).
التعريف المختار:
أولى التعريفات عندي هي الطريقة الأولى للأصوليين من أن السنة هي: (: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولا، أو فعلا).
وقد بينت قبل ذلك أن الكف فعل، ويدخل في الكف التقرير والهم.
ولا يشكل على ذلك أن القول فعل لللسان فيدخل في الفعل؛ لأن الغالب استعمال القول في مقابلة الفعل، وللفوارق بين القول والفعل في الاستدلال والاستنباط، فالأولى التفريق بينهما.
أنواع فعله ﷺ :
قال الشيخ ﵀:
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأموراً به أو منهياً عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين أو منهي عنها كالأكل بالشمال.
الثاني: ما فعله بحسب العادة وقد يكون مأموراً به أو منهّياً عنه لسبب.
الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية فيكون مختصاً به. ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به.
الرابع: ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال.
الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا.
وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً. فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له).
стр. 382
الفعل الجبلي:
الفعل الجبلي إن كان جبليا محضا فمباح، وأما إن كان له صلة بالعبادة فالقول بالندب فيه متجه.
قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (ما كان من أفعاله ﵇ من مقتضى طبع الإنسان وجبلته - كقيام وقعود - فمباح له ولنا اتفاقا).
قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٥٥): (ما كان من أفعاله جبليا واضحا: كالقيام والقعود، والذهاب والرجوع، والأكل والشرب، والنوم والاستيقاظ، ونحوها، ﴿فمباح، قطع به الأكثر﴾ ولم يحكوا فيه خلافا؛ لأنه ليس مقصودا به التشريع، ولا تعبدنا به، ولذلك نسب إلى الجبلة، وهي: الخلقة؛ لكن لو تأسى به متأس فلا بأس، كما فعل ابن عمر (١)، فإنه كان إذا حج يجر بخطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقته تبركا بآثاره. وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكبارا، فلا بأس. ونقل ابن الباقلاني، والغزالي في ' المنخول ' قولا: إنه يندب التأسي به. ونقل أبو إسحاق الأسفراييني وجهين، هذا، وعزاه لأكثر المحدثين، والثاني: لا يتبع فيه أصلا. فتصير الأقوال ثلاثة: مباح، ومندوب، وممتنع. ويحكى قول رابع: بالوجوب في الجبلي وغيره. قيل: وهو زلل. وحكى ابن قاضي الجبل: الندب عن بعض الحنابلة والمالكية. وحكاه القرافي في ' التنقيح '، وقطع به الزركشي شارح ' جمع الجوامع ' فقال: (أما الجبلي: فالندب لاستحباب التأسي به). قوله: ﴿فإن احتمل الجبلي وغيره﴾، من حيث إنه واظب عليه: ﴿كجلسة الاستراحة، وركوبه في الحج، ودخوله مكة من كداء، ولبسه السبتي والخاتم، وذهابه ورجوعه في العيد، ونحوه﴾: كتطيبه عند الإحرام، وعند تحلله، وغسله بذي طوى، والاضطجاع بعد سنة الفجر، ونحوها، ﴿فمباح عند الأكثر﴾، حكاها إلكيا الهراسي؛ لإجماع الصحابة عليه، وقطع به ابن القطان، والماوردي، والروياني، وغيرهم. ﴿وقيل: مندوب، وهو أظهر﴾ وأصح، ﴿وهو ظاهر فعل﴾ الإمام ﴿أحمد، فإنه تسرى، واختفى ثلاثة أيام﴾، ثم انتقل إلى موضع آخر، اقتداء بفعل النبي ﷺ
стр. 383
في التسري، واختفائه في الغار ثلاثا ﴿وقال: ' ما بلغني حديث إلا عملت به، حتى أعطي الحجام دينارا '. وورد﴾ أيضا ﴿عن﴾ الإمام ﴿الشافعي﴾ ذلك، فإنه جاء عنه أنه قال لبعض أصحابه: ' اسقني قائما، فإنه ﷺ شرب قائما '. ومنشأ الخلاف في ذلك: تعارض الأصل والظاهر، فإن الأصل عدم التشريع، والظاهر في أفعاله التشريع؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات. قلت: أكثر ما حكيناه من الأمثلة مندوب، نص عليه إمامنا وأصحابه: كذهابه من طريق ورجوعه في أخرى في العيد، حتى نص عليه الإمام أحمد في الجمعة أيضا، ودخوله مكة من كداء، وتطيبه عند الإحرام، وغسله بذي طوى، والاضطجاع بعد سنة الفجر. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جلسة الاستراحة، هل هي مستحبة أم لا؟ والمذهب أنها ليست مستحبة. قال الإمام أحمد: (أكثر الأحاديث على هذا). وعنه رواية: أنها تستحب، لحديث مالك بن الحويرث: (أن النبي ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض) متفق عليه. وحمله الموفق وجماعة: على أن جلوسه كان في آخر عمره حين ضعف. وحاصل ذلك: أن من رجح فعل ذلك والاقتداء به والتأسي، قال: ليس من الجبلي، بل من الشرعي الذي يتأسى به فيه، ومن رأى أن ذلك يحتمل الجبلي وغيره، فيحمله على الجبلي، فألحقه به) (١).
قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٢٠) ما ملخصه: (الأفعال الجبلية على ضربين:
الضرب الأول:
فعل يقع منه ﷺ اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً وذلك ما نقل أنه كان هذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وإذا كره شيئا رؤى في وجهه، وكتألمه من جرح يصيبه، أو حصول طعم الحلو والحامض في فمه من طعام يأكله ...
стр. 384
الضرب الثاني:
الأفعال الجبلية الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعالا تدعو إليها
ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصداً عند شعوره بتلك الضرورة. إلّا أن إيقاعها تابع لإرادته وقصده، بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.
ومثال هذا الضرب: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل، والملابس، والفراش، والمشي والجلوس والنوم والتداوي من المرض، والنكاح.
والفعل الجبلي الاختياري مهما كان نوعه يدل على الإباحة، ولا يدل على استحباب أو وجوب، ما لم يقترن بقول أو قرينة تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة.
أقسام الفعل الجبلي الاختياري:
الفعل الجبلي الاختياري على قسمين، لأنه إما أن يكون له صلة بالعبادة، أو لا يكون له بها صلة.
القسم الأول - الفعل الجبلي الصرف:
والمراد به ما ليس له صلة بالعبادة، كأكل طعام معين كالتمر واللحم والعسل، وسير في طريق معين، ولبس ثياب ذات شكل معين، كالقباء والعباء والقميص، أو من مادة معينة كالقطن والصوف.
وهذا النوع من الأفعال يقع من النبي ﷺ على سبيل الإباحة. والمشهور عند الأصوليين أنه لا أسوة فيه، بل من شاء أن يفعل مثله فعل، ومن شاء أن يترك تركه، دون أن يكون للفعل ميزة على الترك من ثواب أو غيره، ودون أن يكون في الترك ذم شرعي.
قال ابن تيمية: "لو فعل النبي ﷺ فعلًا بحكم الاتفاق، مثل نزوله في السفر بمكان أو أن يفضل في إداوته ماء فيصبه في أصل شجرة، أو أن تمشي راحلته في أحد جانبي الطريق، ونحو ذلك، فهل يستحب قصد متابعته في ذلك؟ كان ابن عمر يحب أن يفعل مثل ذلك (١). وأما الخلفاء الراشدون وجمهور
стр. 385
الصحابة فلم يستحبوا ذلك؛ لأن هذا ليس بمتابعة لها، إذ المتابعة لا بد فيها من القصد، فإذا لم يقصد هو ذلك الفعل، بل حصل له بحكام الاتفاق، كان غير متابع له في قصده ...
يقول: ولم يكن ابن عمر ولا غيره، يقصدون الأماكن التي كان ينزل فيها، ويبيت فيها، مثل بيوت أزواجه، ومثل مواضع نزوله في مغازيه، وإنما كان الكلام في مشابهته في صورة الفعل فقط وإن كان هو لم يقصد التعبد به. فأما الأمكنة نفسها فالصحابة متفقون على أنه لا يعظم منها إلا ما عظمه الشارع ".
وقد يظن لأول وهلة أن هذا وهم من ابن تيمية، فقد صح عن ابن عمر أنه تحرى الأمكنة التي حصل الفعل النبوي فيها بحكم الاتفاق ... وقد بين ابن تيمية مراده في موضع آخر، حيث بين أن ما فعله ابن عمر لم يزد فيه على أنه كان يختار إحدى الصورتين الممكنتين في الفعل الواحد، وهي الموافقة لما فعله النبي ﷺ دون الأخرى، بأن تحضره الصلاة مثلا في بقعة معينة قد صلى النبي ﷺ في ناحية منها فيختار الصلاة في تلك الناحية ويترك سائر نواحيها. والمستنكر عند ابن تنمية، ويدعى الاتفاق على إنكاره، أن تعظم بقعة لم يقصد النبي ﷺ تعظيمها، ويظهر ذلك بأن ينشئ المسلم لها سفرا طويلا أو قصيراً.
فهذا تقييد جيد في المسألة وتحرير صحيح لمحل النزاع.
هذا وقد عورض ما كان يفعله ابن عمر من هذا النوع، بما فعله والده ﵄. قال ابن حجر: ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان.
стр. 386
فسأل عن ذلك. فقالوا: قد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: (من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا).
ورأينا في مثل ذلك أن الفعل الجبلي الصرف لا يدل على الاستحباب مطلقاً بل يدل على الإباحة. وسواء أكان مما واظب عليه ﷺ كما تقدم الترجيح فيه، أو مما لم يواظب عليه.
ورأينا قي ما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبيد لله بذلك. أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعاً وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي ﷺ ، فهو يسلي نفسه، أو يستثير شوقه، بأن يعمل صورة ما عمل النبي ﷺ .
وأما الذي يقتدي به في هذا فهو عمر ﵁، ثاني الراشدين، اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم.
القسم الثاني: الفعل الذي له علاقة بالعبادة .
وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها، أو قبلها قريبا منها، أو بعدها كذلك.
فمما وقع في أثناء العبادة نزوله ﷺ بالمحصب ليلة النفر، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود، وجلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه ﷺ أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطنا أو صوفا أو غير ذلك.
ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه ﷺ بالبيت راكبا على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته ﷺ من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشيا، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة.
стр. 387
ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه ﷺ قبل صلاة الفجر بعد أن يصلي النافلة.
ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه ﷺ من الصلاة عن يمينه أو عن يساره.
فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله، والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضم إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه).
الفعل العادي:
قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٣٧) ما ملخصه: (نقصد بالفعل (العادي) في هذا المبحث ما فعله النبي ﷺ جريا على عادة قومه ومألوفهم، مما يدل (١) دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية ببن الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة.
ومن أمثلتها أنه ﷺ لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور.
وحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين:
ا- أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية.
٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به).
الفعل الخاص به ﷺ -:
قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (وما اختص به كتخييره نساءه بينه وبين الدنيا، وزياد ته منهن على أربع، ووصاله الصوم- فمختص به اتفاقًا).
стр. 388
قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٥٤): (ما كان من أفعاله مختصا به فواضح. وله خصائص كثيرة، وذكرها أصحابنا وغيرهم في كتاب النكاح، وأفردت بالتصانيف. قال الإمام أحمد ﵁: (خص النبي بواجبات، ومحظورات، ومباحات، وكرامات) (١).
قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٦٢) ما ملخصه: (بعض الأفعال التي كان يفعلها النبي ﷺ هي مما أبيح له خاصة من دون سائر المؤمنين، أو وجب عليه دونهم؛ وبعض ما حرم عليه، حرم عليه خاصة من دونهم. وهذا النوع من الأفعال داخل فيما يسمى الخصائص النبوية.
الخصائص التي تدخل في موضوع بحثنا:
لا يدخل في بحثنا الآتي، ما شاركته أمته ﷺ فيه وانفردوا به عن سائر الأنبياء وأممهم؛ لأن الغرض بيان ما تقتدي به الأمة فيه من أفعاله ﷺ ، والذي تشاركه فيه الأمة أمره واضح لا خفاء به.
وأيضا لا يدخل في بحثنا ما كان من الخصائص في أفعاله ﷺ في الآخرة، لخروجها عن نطاق التكليف.
ولا يدخل ما كان صفة من صفاته البدنية، كخاتم النبوة، وسائر ما ليس من أفعاله ﷺ .
فانحصرت الخصائص النبوية التي سنبحثها في هذا الفصل، هي ما كان حكماً شرعيا لفعل من أفعاله ﷺ ، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد.
عدد الخصائص:
ذكر صاحب كشف الظنون أن السيوطي ذكر في والخصائص الكبرى أنه تتبع الخصائص عشرين سنة حتى زادت عنده على الألف. وهو قد قصد أن يكون كتابه: "مستوعبا لما تناقلته أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة، ... أورد فيه كل ما ورد ".
غير أنه لم يلتزم الصحة، إنما التزم أن لا يذكر خبراً في ذلك موضوعاً. ويفهم من
стр. 389
ذلك أنه لم يلتزم ترك الضعيف من الأخبار، فورد في كتابه أخبار ضعيفة كثيرة. بل ادعى محقق الكتاب أن السيوطي لم يلتزم بشرطه في تنزيه كتابه عن الأخبار الموضوعة.
وبعض ما ذكره من الاختصاص دعوى لا سند لها.
فلو أن ما جعله من الخصائص عرض على ميزان النقد لما ثبت منه في تقديري أكثر من ثلث الألف أو ربعه. وهذا في الخصائص بصفتها العامة.
أما ما اختص به ﷺ في أحكام أفعاله، فإن بعض فقهاء الشافعية والمالكية ذكروها في مؤلفاتهم في أوائل كتاب النجاح، لما كان كثير من خصائصه ﷺ هي في باب النكاح.
وأوله من استطرد إليها المدني صاحب الشافعي ﵄.
وقد ذكرها القرطبي المالكي بالتفصيل، وحصرها في ٣٧ خاصة، قال: إن منها المتفق عليه، والمختلف فيه. وذكرها السيوطي، فجعلها ٦٥ خاصة. وذكرها الرملي الشافعي في شرح المنهاج فجعلها ٤٧ خاصة.
ولعله ما يصح دليله من كل ما ذكر قريب من خمس عشرة خاصة لا أكثر.
منها في الواجبات: التهجد بالليل، وتخيير نسائه.
ومنها في المحرمات: تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، وتحريم التبدل بأزواجه.
ومنها في الجائزات: خُمس خُمسِ الغنيمة، وخُمس الفيء، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، وسقوط القسم بين زوجاته، والقتال بمكة.
الاستدلال بأفعاله ﷺ الخاصة به في الأحكام المماثلة:
إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى.
ثم إنه وأن امتنعت مشاركتنا للنبي ﷺ في خصوصياته، فإن للاقتداء به فيها وجهاً واضحاً، فإنه إذا امتنع من أكل الثوم والبصل لكونهما محرمين عليه خاصة، فيتجه أن يقال: إن من اقتدى به في الامتناع من ذلك يؤجر، ويكون في
стр. 390
حقه مكروهاً وإذا وجب عليه تخيير نسائه إذا بدا منهن الضيق، استُحِبَّ ذلك لغيره.
يرى أبو شامة أن الاقتداء به ﷺ ممنوع في ما أبيح له خاصة، لدلالة الخصوصية على امتناع ذلك قي حقه غيره.
وأن الاقتداء به ﷺ على سبيل الاستحباب ثابت فيما فعله على سبيل الوجوب، وفي ترك ما تركه على سبيل الحرمة.
فيندب لنا على هذا القول: فعل ما فعله يكن مما اختص به من الواجبات، ويندب لنا التنزه عما تركه مما اختص به من المحرمات.
فخصوصيته ﷺ -على هذا القول، إنما هي في تحتم الفعل أو الترك بالنسبة إليه، والمشاركة بيننا وبينه هي في أصل مطلوبية الفعل أو الترك المقتضية للاستحباب أو الكراهة، وتمتنع المشاركة في ما زاد على ذلك وهو تحتّم الفعل أو الترك، لدلالة الخصوصية على هذا الامتناع.
وقال أبو شامة: إن ما ذكره "لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده، ومارس أدلة الشرع ومعاقده ومعانيه".
وقد نقل الشوكاني بعض كلام أبي شامة، ووافقه على ما ذهب إليه ونقله قبله الزركشي في البحر وأقره. إلا أن الشوكاني قيد هذه المسالة بأنه إذا علم بدليل قوي الحكم في حقنا فهو المعتمد، فإن عارض القول ما يستفاد من هذه القاعدة يقدًم الدليل القولي.
ما يختص به ﷺ في أفعال غيره:
وذلك ما شرعه الله تعالى من الأحكام من فعل غيره بسببه ﷺ ، تعظيما لمقامه ورفعاً لشأنه. ومنه أنه لا يرثه أحد من أقاربه ولا زوجاته، ومنه أن ما تركه من ماله صدقة، وأنه لا يحل لأحد نكاح زوجاته بعده، وأنهن أمهات المؤمنين، ومن فعل منهن معصية يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن يقنت منهن لله ورسوله فلها الأجر مرتين، وتحريم رفع الصوت فوق صوته، والكذب عليه عمدا كبيرة، ويجب القتل عله من سبه أو هجاه.
هل يصح تعدية هذه الخصائص إلى غير النبي ﷺ :
ينقل عن بعض الصوفية أنه ادعى لنقسه في أتباعه أشياء من مثل هذا النوع من