← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فسأل عن ذلك. فقالوا: قد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: (من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا). ورأينا في مثل ذلك أن الفعل الجبلي الصرف لا يدل على الاستحباب مطلقاً بل يدل على الإباحة. وسواء أكان مما واظب عليه ﷺ كما تقدم الترجيح فيه، أو مما لم يواظب عليه. ورأينا قي ما نقل عن ابن عمر أنه فعل ذلك لا على سبيل التعبيد لله بذلك. أعني لا على سبيل أنه مستحب شرعاً وإنما فعله بداعي عظم المحبة للنبي ﷺ ، فهو يسلي نفسه، أو يستثير شوقه، بأن يعمل صورة ما عمل النبي ﷺ . وأما الذي يقتدي به في هذا فهو عمر ﵁، ثاني الراشدين، اللذين أمرنا أن نقتدي بسنتهم، وهذا من سنتهم. القسم الثاني: الفعل الذي له علاقة بالعبادة . وهو ما وقع في أثناء العبادة، أو في وسيلتها، أو قبلها قريبا منها، أو بعدها كذلك. فمما وقع في أثناء العبادة نزوله ﷺ بالمحصب ليلة النفر، وقبض الأصابع الثلاث في التشهد، ووضعها على الأرض مضمومة في السجود، وجلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى وبعد الثالثة، والتطيب للإحلال من الإحرام، واتكاؤه ﷺ أثناء الخطبة على قوس أو عصا، ولبس النعلين في الصلاة، يحتمل أنه فعله لكونه من سنة الصلاة، ويحتمل أنه فعله على سبيل الجواز فقط، كما يلبس في الصلاة قطنا أو صوفا أو غير ذلك. ومما وقع في وسيلة العبادة دخوله مكة من طريق كُدَيّ، وخروجه من طريق كَدَاء ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، وطوافه ﷺ بالبيت راكبا على بعير، وكذلك في السعي بين الصفا والمروة، ووقوفه في الموقف بعرفات على بعير، وعودته ﷺ من صلاة العيد من طريق غير طريق الذهاب، وذهابه إلى العيد ورجوعه منه ماشيا، ووقوع صلاته في السفر في مواضع معينة.

стр. 387

ومما وقع قبل العبادة قريباً منها: اضطجاعه ﷺ قبل صلاة الفجر بعد أن يصلي النافلة. ومما وقع بعد انتهاء العبادة انصرافه ﷺ من الصلاة عن يمينه أو عن يساره. فهذا القسم الثاني وهو ما له صلة بالعبادة، بأنواعه الأربعة أعلى من القسم الذي قبله، والقول بالندب فيه أظهر من القسم الأول، وهو ما لا صلة له بالعبادة. فإذا انضم إلى صلته بالعبادة عنصر التكرار والمواظبة عليه قوي القول بالندب فيه). الفعل العادي: قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٣٧) ما ملخصه: (نقصد بالفعل (العادي) في هذا المبحث ما فعله النبي ﷺ جريا على عادة قومه ومألوفهم، مما يدل (١) دليل على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية ببن الأقوام في المناسبات الحيوية، كالزواج والولادة والوفاة. ومن أمثلتها أنه ﷺ لبس المِرْط المُرَحّل، والمخَطط، والجبّة، والعمامة، والقباء. وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، وكان يكتحل، ويستعمل الطيب والعطور. وحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالين: ا- أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية. ٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة، فإن ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به). الفعل الخاص به ﷺ -: قال ابن مفلح في "أصوله" (١/ ٣٢٨): (وما اختص به كتخييره نساءه بينه وبين الدنيا، وزياد ته منهن على أربع، ووصاله الصوم- فمختص به اتفاقًا).

стр. 388

قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٥٤): (ما كان من أفعاله مختصا به فواضح. وله خصائص كثيرة، وذكرها أصحابنا وغيرهم في كتاب النكاح، وأفردت بالتصانيف. قال الإمام أحمد ﵁: (خص النبي بواجبات، ومحظورات، ومباحات، وكرامات) (١). قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٦٢) ما ملخصه: (بعض الأفعال التي كان يفعلها النبي ﷺ هي مما أبيح له خاصة من دون سائر المؤمنين، أو وجب عليه دونهم؛ وبعض ما حرم عليه، حرم عليه خاصة من دونهم. وهذا النوع من الأفعال داخل فيما يسمى الخصائص النبوية. الخصائص التي تدخل في موضوع بحثنا: لا يدخل في بحثنا الآتي، ما شاركته أمته ﷺ فيه وانفردوا به عن سائر الأنبياء وأممهم؛ لأن الغرض بيان ما تقتدي به الأمة فيه من أفعاله ﷺ ، والذي تشاركه فيه الأمة أمره واضح لا خفاء به. وأيضا لا يدخل في بحثنا ما كان من الخصائص في أفعاله ﷺ في الآخرة، لخروجها عن نطاق التكليف. ولا يدخل ما كان صفة من صفاته البدنية، كخاتم النبوة، وسائر ما ليس من أفعاله ﷺ . فانحصرت الخصائص النبوية التي سنبحثها في هذا الفصل، هي ما كان حكماً شرعيا لفعل من أفعاله ﷺ ، في هذه الدنيا، مما ينفرد به عن أمته، سواء شاركه فيه غيره من الأنبياء، أو لم يشاركه فيه منهم أحد. عدد الخصائص: ذكر صاحب كشف الظنون أن السيوطي ذكر في والخصائص الكبرى أنه تتبع الخصائص عشرين سنة حتى زادت عنده على الألف. وهو قد قصد أن يكون كتابه: "مستوعبا لما تناقلته أئمة الحديث بأسانيدها المعتبرة، ... أورد فيه كل ما ورد ". غير أنه لم يلتزم الصحة، إنما التزم أن لا يذكر خبراً في ذلك موضوعاً. ويفهم من

стр. 389

ذلك أنه لم يلتزم ترك الضعيف من الأخبار، فورد في كتابه أخبار ضعيفة كثيرة. بل ادعى محقق الكتاب أن السيوطي لم يلتزم بشرطه في تنزيه كتابه عن الأخبار الموضوعة. وبعض ما ذكره من الاختصاص دعوى لا سند لها. فلو أن ما جعله من الخصائص عرض على ميزان النقد لما ثبت منه في تقديري أكثر من ثلث الألف أو ربعه. وهذا في الخصائص بصفتها العامة. أما ما اختص به ﷺ في أحكام أفعاله، فإن بعض فقهاء الشافعية والمالكية ذكروها في مؤلفاتهم في أوائل كتاب النجاح، لما كان كثير من خصائصه ﷺ هي في باب النكاح. وأوله من استطرد إليها المدني صاحب الشافعي ﵄. وقد ذكرها القرطبي المالكي بالتفصيل، وحصرها في ٣٧ خاصة، قال: إن منها المتفق عليه، والمختلف فيه. وذكرها السيوطي، فجعلها ٦٥ خاصة. وذكرها الرملي الشافعي في شرح المنهاج فجعلها ٤٧ خاصة. ولعله ما يصح دليله من كل ما ذكر قريب من خمس عشرة خاصة لا أكثر. منها في الواجبات: التهجد بالليل، وتخيير نسائه. ومنها في المحرمات: تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم أكل الأطعمة الكريهة الرائحة، وتحريم التبدل بأزواجه. ومنها في الجائزات: خُمس خُمسِ الغنيمة، وخُمس الفيء، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، وسقوط القسم بين زوجاته، والقتال بمكة. الاستدلال بأفعاله ﷺ الخاصة به في الأحكام المماثلة: إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى. ثم إنه وأن امتنعت مشاركتنا للنبي ﷺ في خصوصياته، فإن للاقتداء به فيها وجهاً واضحاً، فإنه إذا امتنع من أكل الثوم والبصل لكونهما محرمين عليه خاصة، فيتجه أن يقال: إن من اقتدى به في الامتناع من ذلك يؤجر، ويكون في

стр. 390

حقه مكروهاً وإذا وجب عليه تخيير نسائه إذا بدا منهن الضيق، استُحِبَّ ذلك لغيره. يرى أبو شامة أن الاقتداء به ﷺ ممنوع في ما أبيح له خاصة، لدلالة الخصوصية على امتناع ذلك قي حقه غيره. وأن الاقتداء به ﷺ على سبيل الاستحباب ثابت فيما فعله على سبيل الوجوب، وفي ترك ما تركه على سبيل الحرمة. فيندب لنا على هذا القول: فعل ما فعله يكن مما اختص به من الواجبات، ويندب لنا التنزه عما تركه مما اختص به من المحرمات. فخصوصيته ﷺ -على هذا القول، إنما هي في تحتم الفعل أو الترك بالنسبة إليه، والمشاركة بيننا وبينه هي في أصل مطلوبية الفعل أو الترك المقتضية للاستحباب أو الكراهة، وتمتنع المشاركة في ما زاد على ذلك وهو تحتّم الفعل أو الترك، لدلالة الخصوصية على هذا الامتناع. وقال أبو شامة: إن ما ذكره "لا نزاع فيه لمن فهم الفقه وقواعده، ومارس أدلة الشرع ومعاقده ومعانيه". وقد نقل الشوكاني بعض كلام أبي شامة، ووافقه على ما ذهب إليه ونقله قبله الزركشي في البحر وأقره. إلا أن الشوكاني قيد هذه المسالة بأنه إذا علم بدليل قوي الحكم في حقنا فهو المعتمد، فإن عارض القول ما يستفاد من هذه القاعدة يقدًم الدليل القولي. ما يختص به ﷺ في أفعال غيره: وذلك ما شرعه الله تعالى من الأحكام من فعل غيره بسببه ﷺ ، تعظيما لمقامه ورفعاً لشأنه. ومنه أنه لا يرثه أحد من أقاربه ولا زوجاته، ومنه أن ما تركه من ماله صدقة، وأنه لا يحل لأحد نكاح زوجاته بعده، وأنهن أمهات المؤمنين، ومن فعل منهن معصية يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن يقنت منهن لله ورسوله فلها الأجر مرتين، وتحريم رفع الصوت فوق صوته، والكذب عليه عمدا كبيرة، ويجب القتل عله من سبه أو هجاه. هل يصح تعدية هذه الخصائص إلى غير النبي ﷺ : ينقل عن بعض الصوفية أنه ادعى لنقسه في أتباعه أشياء من مثل هذا النوع من

стр. 391

الخصائص. فنُقل عن بعضهم أن الولي فِي أتباعه ومريديه كالنبي ﷺ في أصحابه، ولهذا يجعلون لشيوخهم من الخصائص مثل ما هو ثابت لرسول الله ﷺ ، فلا يجوز عندهم نكاح امرأة الشيخ بعد موته، ولا يجوز رفع الصوت عنده. إن ما تقدم ذكره من الإجماع على عدم جواز الاشتراك فيما ثبت من خصائصه ينفي دعوى مشاركة (الأولياء) في خصائصه ﷺ . ولما كانت خصائصه ﷺ لا تدل قي حقنا على المماثلة، فلذلك يكون من حرَّم على الناس لنفسه مثل ما حرّم عليهم لرسول الله ﷺ ، قد حرم ما ليس حراما، وذلك لا يجوز. وكذا من أوجب عليهم لنفسه مثل ما وجب عليهم لرسول الله ﷺ فقد أوجب ما ليس بواجب وذلك لا يجوز. وقد ورد عن أبي بردة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق. قال، فقال أبو برزة: ألا أضرِب عنقه؟ قال: فانتهزه أبو بكر، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله. فلو كان للولي أن يكون له مشاركة في هذا النوع من الخصائص، لكان أول الناس بذلك صديق الأمة أفضلها بعد نبيها وأكرم (أوليائها) على الله. خاصة التبرك بآثاره ﷺ : من خصائصه ﷺ التبرك بآثاره والاستشفاء بها، فقد نقل أنه ﷺ دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه، ومج فيه، ثم قال لأبي موسى وبلال: (اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما، ونحوركما). وتوضأ وصب على جابر، وأمر بشعره أن يقسم بين المسلمين. وكان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه. وبعض ثيابه كانت تغسل بعده ويعطي ماؤها للمرضى. وجمعت أم سليم عرقه لتطيب به. وشرب بعضهم دم حجامته ﷺ . والدليل على أن هذا من خصائصه ﷺ ، أن الصحابة رضي

стр. 392

الله عنهم لم يتبركوا بأفاضلهم. وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. فلم ينقل عن أحد منهم، ولو حادثة واحدة، أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة أو غيرهم، فهذا إجماع على الترْك. والتبرك هنا ليس له وجه إلا اعتقادهم أن ذلك خاص به ﷺ إذ لو كان للتشريع لعملوا به ليبينوه للأمة). الفعل التعبدي: قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٤٣): (وهذا يشتبه كثيرًا بالثاني والأول، فإن الرسول ﷺ قد يفعل فعلاً فيشتبه على الإنسان، هل فعله تعبدًا أو فعله من أجل العادة أو فعله بمقتضى الجبلة فلا بد من تمييز فيقال: ما ظهر فيه ملائمته للنفس فهو جِبِلَّة، وما ظهر منه موافقة للعادة بحيث يقدر الذِّهْنُ أن الناس لو كانوا لا يفعلون هذا ما فعله، أو لو كانوا يفعلون شيئًا آخر لفعله حكمنا بأنه عادة، وما ظهر فيه قصد التعبد بحيث لا يكون ملائمًا لمقتضى الجبِلَّة، ولا موافقًا للعادة فالظاهر أنه إنما فعله على سبيلِ التعبد، ولكن لو بقي الأَمر عليك مشكلاً فهل تقول الأصل أن ما فعله فهو عبادة أو تقول: الأصل المنع حتى يقوم دليل على قصد التعبد؛ لأن العبادة لا تشرع إلا بدليل واضح، فإن لم يكن هناك دليل واضح فالواجب ألا تقدم على التعبد بها لله تعالى، وهذا هو الأقرب. وعُلم من قول المؤلف: (حتى يحصل البلاغ) أنه لو حصل البلاغ بغير الفعل لم يكن الفعل واجبًا، لكن إذا قُدِّر أنه لا طريق لعلم الأمة بمشروعية هذا الفعل إلا فعل الرسول ﷺ كان فعلُ الرسول ﷺ واجبًا؛ يعني يجب عليه أن يفعل من أجل إبلاغ الشرع. علمنا الوجوب من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، ولقوله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى: ٤٨] والآيات في هذا المعنى متعددة. بعد أن يحصل البلوغ ويعلم الناس به يكون مندوبًا في حقه وحقنا، وهذا هو أصح الأقوال، وهناك قول: أنه يجب علينا وعليه، وهناك قول: أنه يندب لنا وله، فالأقوال إذًا ثلاثة:

стр. 393

قول: إنه يجب علينا وعليه. وقول آخر: يندب لنا وله. وقول ثالث: وهو الصحيح يجب عليه ويندب لنا). وقال في "الأصل" (ص/٥٧): (ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه، ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال، وذلك لأن فعله تعبداً يدل على مشروعيته، والأصل عدم العقاب على الترك فيكون مشروعاً لا عقاب في تركه، وهذا حقيقة المندوب. مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: (بالسواك)، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل، فيكون مندوباً). الفعل البياني: البيان واجب على النبي ﷺ لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]، وحكم الفعل البياني يكون بحسب ما هو بيان له، فإن كان الفعل بيانا لآية دالة على الوجوب، دل على الوجوب، وإن كان المبين ندبا كان الفعل البياني ندبا، وإن كان إباحة كان الفعل مباحا. قال المرداوي في "التحبير" (٣/ ١٤٦٢): (قوله: ﴿وما كان بيانا بقوله ﷺ كقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وفعله عند الحاجة كقطع السارق من الكوع﴾، وإدخال المرافق والكعبين في الغسل، ﴿فبيان﴾ لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، ولقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦]، وهذا متفق عليه عند العلماء، وواجب عليه الإعلام به، لوجوب التبليغ عليه. فإن قلت: لا يتعين التبليغ بالفعل. قلت: لا يخرج ذلك عن كونه واجبا، فإن الواجب المخير توصف كل من خصاله بالوجوب. قال العضد: (ومعرفة كونه بيانا، إما بقول، وإما بقرينة. فالقول نحو: (خذوا عني مناسككم)، و (صلوا كما رأيتموني أصلي). والقرينة مثل: أن يقع الفعل بعد إجمال: كقطع يد السارق من الكوع دون المرفق والعضد، بعدما نزل قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ

стр. 394

وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨]، والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق أو إخراجها بعدما نزلت: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:٦] انتهى) (١). قال الشيخ الأشقر في "أفعال الرسول" (١/ ٢٨٤) ما ملخصه: (مرادنا بالفعل البياني، ما وقع بياناً للمشكل من مجمل وغيره مما ورد في القرآن وتكفلت السنة ببيانه، وهر الذي نقصده هنا أيضاً أما الفعلي الواقع بيانا ابتدائية فهو من الفعل المجرد. جهات الفعل البياني: للفعل البياني ثلاث جهات، يستفاد من كل منها نوع من الأحكام: الجهة الأولى: جهة أنه امتثال للأمر أو النهي في العبادة، فإذا بين ﷺ آية الحج بأن حج وقال لهم: (خذوا مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) فإن حجه في حد ذاته امتثال لما أوجب الله عليه من الحج، وبجزيء عنه، فيسقط عنه الفرض بذلك. ويعترض هنا سؤال، وهو أنه هل يمكن أن يتجرد الفعل البياني عن جهة الامتثال هذه، فيتخلص بياناً؟ وصورة ذلك أن يأتي ﷺ بفعل هيئته هيئة العبادة، وهو لا يقصد العبادة، وإنما يقصد مجرد التعليم، كما يفعله المعلّمون أحيانا من أداء صورة الصلاةِ مثلاً على سبيل التمثيل لطلبتهم، دون أن يقصدوا الصلاة. ومثال ذلك أنه ﷺ قال لعمار بن ياسر حين أراد أن يعلمه التيمم: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا .. ) الحديث. فلا يبعد أنه ﷺ كان متوضئا وأن ما فعله من التيمم صوري. وحتى لو لم يكن متوضئا فالظاهر أنه كان بالمدينة، والتيمم للحاضر لا يجزئ. ومن جهة أخرى، قد تنفرد جهة الامتثال، فيكون الفعل امتثالًا مجردا من دون أن يكون بياناً لشيء. ومن ذلك ما كان ﷺ يفعله في خلواته مما لا يطلع عليه أحد من الأمة " لأن ما أريد به البيان يلزم إظهاره ".

стр. 395

الجهة الثانية: جهة أنه امتثال لما أمر به من البيان. وهو من هذه الجهة واجب أو مستحب كما تقدم. وقد يختلف حكم الفعل الواحد من هاتين الجهتين، فيكون مندوبا من حيث إنه امتثال للأمر بعبادة مندوبة، واجبا من حيث إنه امتثال للأمر بالبيان. الجهة الثالثة: جهة ما يحصل بالفعل من البيان، فيعلم به تفاصيل الفعل الذي أمرنا به، ويعلم أنه واجب في حقنا أو مندوب أو مباح، وذلك بتعلقه بما هو بيان له، فإن تعلق بآية دالة على الوجوب، دل على الوجوب، وإن تعلق بآية دالة على الندب دلّ على الندب، وإن تعلق بما دل على الإباحة دلّ على الإباحة. ما يعرف به الفعل البياني: الطريق الأولى: القول الصريح، بأن يقول ﷺ ما فعلته أو ما سأفعله، هو بيان لكذا. وهذه أعلى الطرق. ومثاله قول النبي ﷺ لعمار بن ياسر لما أراد أن يعلمه التيمم: (إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيده إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمن، وظاهر كفيه، ووجهه). فمسح الكفين يبين به الإشكال في المراد باليد في آية التيمم. الطريق الثانية: إجماع العلماء على أن الفعل المعين بيان لآية معينة. كإجماعهم في أعداد الركعات في الصلوات، وما فيها من الأركان التي اتفقوا عليها أن ذلك بيان للصلاة المأمور بها في الكتاب. وأن مقادير الزكاة التي أخذها ﷺ هي بيان للزكاة المأمور بها. الطريق الثالثة: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبينه ﷺ بالقول، وأتى وقت التنفيذ، ففعل ﷺ أمامهم فعلا صالحاً للبيان، فيعلم الحاضرون أنه بيان لذلك المجمل. هذا بالنسبة إلى من شاهد الفعل الواقع بعد المجمل. أما بالنسبة إلى من لم يشاهده، كغير الصحابي، فإننا إذا بلغنا الفعل النبوي يحتمل عندنا أنه ﷺ كان قد بينه بالقول ولم يبلغنا. فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان. قاله الغزالي، ومثاله أنه تعالى أمر بالوقوف بعرفة، ولم يذكر وقت الوقوف، فوقف النبي ﷺ تاسع ذي الحجة، فتبين بذلها وقته للواقفين معه. الطريق الرابعة: أن يُسال ﷺ عن بيان مشكل، فيفعل فعلاً

стр. 396

ويعلم بقرائن الأحوال أنه يريد جواب السائل، كالذي سأل النبي ﷺ عن مواقيت الصلاة، فقال: (صل معنا) فصلى في اليوم الأول في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني في آخره، فعلم بذلك أول الوقت وآخر. ولما قال ﷺ : (أين السائل؟ الوقت ما بين هذين). زاد ما علم من القرائن توكيداً، وانتقل بذلك إلى الطريقة الأول. الطريق الخامسة: وقد قررها أبو نصر القشيري، وخلاصتها أن يعتبر الفعل بيانا للمجمل، إن كان المجمل قد ورد، وفعل النبي ﷺ ما يصلح أن يكون بيانا لذلك المجمل، ولم تقترن بالفعل قرينة تدل على أنه هو البيان، ولم يرد بيان آخر قولي ولا فعلي وتوفى النبي ﷺ قبل أن يرد بيان غير ذلك الفعل الصالح للبيان. قال القشيري: "ولا يخترم ﷺ مع بقاء الالتباس في اللفظ المجمل. فيحمل فعله على البيان في مثل هذه الصورة إجماعا من الأمة". ومثاله الجزية، إذ قد وردت مجملة، وأخذها النبي ﷺ بمقادير معينة. ما يدل عليه الفعل البياني من الأحكام: حكم الفعل البياني عند الأصوليين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبين في معرفة حكمه. فإن كان الفعل بيانا لآية دالة على الوجوب، دل على الوجوب، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣] بيّن ﷺ بفعله ميقات صلاة الظهر مثلاً، فيجب إيقاعها في ذلك الوقت. ويبين أنها أربع ركعات، فلا يجزئ غير ذلك. وبين ما فيها من القيام والركوع والسجود. فوجب الإتيان بها في الصلاة. وكذلك الجمعة، بين ﷺ بفعله أنها ركعتان. ودليل كون الفعل بيانا في أكثر هذه الفروع الإجماع. وإن كان المبين ندبا كان الفعل البياني ندبا كإقامة ثالث أيام التشريق بمنى إلى ما قبل الغروب، وكأفعال العمرة. وإن كان إباحة كان الفعل مباحا.

стр. 397

الأجزاء غير المرادة من الفعل البياني: المشكلة الكبرى في الأفعال البيانية، وخاصة في العبادات، أن النبي ﷺ كان يفعل الفعل بجميع أجزائه، الواجبة والمندوبة، ويفعل في أثنائه بعض الأفعال المباحة أيضا، ولا ينفصل في بادي الرأي واجبه من مندوبه من مباحه. وقد قال ابن الهمام: "أن الاستقراء يدل على أن كثيرا من الأفعال البيانية تشتمل على أفعال غير مرادة من المجمل ". ويمثل كثير من الأصوليين للفعل البياني بصلاة النبي ﷺ ، ويجعلونها بيانا لآيات الأمر بإقام الصلاة، وبحجه ﷺ ، ويجعلونه بيانا لآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: ٩٧] ويقولون: إن دليل كون صلاته ﷺ وحجه، بياناً للآيتين هو الطريق القولي، وهو قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). وقوله: (خذوا عني مناسككم). ففي الصلاة كان ﷺ يقوم فيرفع يديه حذو منكبيه، ويكبِّر، ثم يضع يديه على صدره، ثم يقرأ الفاتحة وسورة سرا في بعض الصلوات، وجهرا في بعضها ... إلى آخر ما يذكر في صفة صلاته ﷺ . ومن المعلوم أن ذلك كله ليس بواجب، بل قد قال ابن قدامة: " إن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة ". وكذلك صفة أداء المناسك من طوافِ القدوم، والرمل، والاضطباع، وركعتي الطواف، والصلاة داخل الكعبة، والشرب من ماء زمزم، والسعي مع الهرولة، إلى غير ذلك. فما يقوله جمهور الأصوليين، من أن الفعل الواقع بيانا لواجب فهو واجب، مشكل؛ لأنه يقتضي أن جميع ما فعله ﷺ في الصلاة التي صلاها بيانا هو واجب، وكذلك جميع أفعاله في أخذ الزكاة، وفي الحج، وغير ذلك مما فعله بياناً. وهذا ما لا يقول به من الفقهاء أحد. وقد أجاب به أبو شامة: سلمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسننها وما يجوز

стр. 398

فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للوجوب خاصة؟. بل الناتج من كون صلاته بياناً أن يكون كله فعل فعله ﷺ في الصلاة دائراً بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلاً. ولذلك قال الجصاص: (أمرنا بالاقتداء به ﷺ على وصف هو أن نصلي كما رأيناه يصلي. فنحتاج أن نعلم كيف صلى من ندب أو فرض فنفعل مثله). قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) لا يتعين أن يكون المراد به ملاحظة أفعاله بخصوصها، بل يصدق على الأخذ عنه ﷺ من أقواله بسؤاله عما يشكل عليهم، والاستماع إلى ما يأمر به ويرشد إليه. فأقصى ما يدل عليه الحديث، أن يدل على مشروعية أفعاله ﷺ في الحج، أما التفريق بين واجبها ومندوبها فلابد من المصير إلى وجه آخر في الدلالة على ذلك. وحكم أفعاله ﷺ من هذه الناحية حكم سائر الأفعال المجردة. والخلاصة: أن هذين الحديثين لا يصلحان دليلا على أن أفعاله ﷺ في الصلاة والحج واجبة، بناء على أنها بيان للواجب. بل أفعاله ﷺ في هاتين العبادتين مختلطة واجبها بمندوبها غير متميزة، والعمدة في تمييز ذلك على الأدلة الأخرى. وينظر في كل فعل بخصوصه ما يحتف به من القرائن. الاختلاف في أن ما ورد عليه الفعل مجمل أو غير مجمل: إن الفعل إذا ورد وله علاقة بنص قرآني، فلا بد من اعتبار كون النصّ مجملًا حتى يكون الفعل بيانا له، فمن لم يثبت أنه مجمل، لم يكن الفعل عنده بياناً ويتبين ذلك بمثالين فرعيين: الأول: قوله تعالى في آية الوضوء: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦]، مع فعله ﷺ في وضوئه، فإنه (أدار الماء على مرفقيه). من العلماء من قال إن (إِلَى) مجمل؛ لأنه يكون بمعنى انتهاء الغاية، ويكون بمعنى (مع)، فهو مشترك، والمشترك مجمل، فجاء الفعل مبينا أن (إِلَى) بمعنى (مع) دون

стр. 399

معنى انتهاء الغاية، واقتضى ذلك وجوب غسل المرفقين. ومنهم من قال إن (إِلَى) واضح لانتهاء الغاية، وذلك بيّن، فلا يكون فعله ﷺ بيانا، ويكون غسله ﷺ لمرفقيه مندوبا. وقد قال بالوجوب عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال بعض أصحاب مالك وداود لا يجب، وحكي ذلك عن زفر. الفرع الثاني: المضمضة في الوضوء، هي واجبة عند أحمد وابن أبن ليلى، مسنونة عند الحنفية والمالكية والشافعية. فمن قال بوجوبها فوجهته عنده أن الله قال في شأن الوضوء (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦] والفم يحتمل أنه داخل في مسمى (الوجه) ويحتمل أنه ليس بداخل لأنه غير مواجه. فكان ما فعله النبي ﷺ من المضمضة بياناً فيدل على أن الفم من الوجه، فيجب غسله. ومن قال بأنها مستحبة فهو يقول: الفم غير داخل قطعا في مسمى الوجه، وما فعله النبي ﷺ من المضمضة زيادة فعلية صرفة، فتكون مستحبة). التقرير: قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٢ (: (السنة النبوية منحصرة في هذه الأقسام: القول، والفعل، والإقرار (١)، أي: تقرير من يسمعه يقول شيئا، أو يراه يفعله، على قوله أو فعله، بأن لا ينكره، أو يضم إلى عدم الإنكار تحسينا له، أو مدحا عليه، أو ضحكا منه على جهة السرور به، كتبسمه من قيافة مجزز المدلجي حين رأى زيدا وأسامة نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة ; فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. وكضحكه من الحبر الذي جاءه ; فقال: إن الله يوم القيامة يضع الأرض على أصبع والسماء على أصبع. الحديث فضحك النبي ﷺ تصديقا لما قال الحبر).

стр. 400

تعريف الإقرار (١): هو كف (٢) النبي ﷺ عن الإنكار على ما علم به من قول، أو فعل. شروط صحة دلالة التقرير (٣): الشرط الأول - أن يعلم النبي ﷺ بالفعل، سواء سمعه، أو رآه مباشرة، وهو الأكثر من الأقارير المحتج بها، أو حصل في غيبته ونقل إليه كما نقل إليه خبر تأخيرهم لصلاة العصر حتى غربت الشمس يوم بني قريظة (٤). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٢ (: (شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارا: علمه بالفعل؛ لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر). ومما يقوم مقام العلم أن يشيع الفعل وينتشر ويكثر وقوعه بين الصحابة فيكون مثل هذا الفعل حجة، وذلك لأحد أمرين: الأول - أنه يغلب على الظن مع كثرة وقوع الفعل وانتشاره اطلاعه ﷺ عليه. الثاني - على فرض عدم علم النبي ﷺ به مع انتشاره، فإن الحجة تكون في إقرار الله - تعالى -، وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المسألة قريبا - بإذن الله - (٥). الشرط الثاني - قال ابن الحاجب أن يكون قادرا على الإنكار. قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٢/ ٦٢ (: (شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارا: قدرته على الإنكار؛ لأنه مع العجز لا يدل على أنه مقر، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته) (٦).

стр. 401

وذهب الباقلاني والزركشي إلى أن إنكار المنكر لا يسقط عن النبي ﷺ من أجل الخوف على نفسه لأمرين: أن الله تعالى ضمن له النصر والظفر على أعدائه بقوله: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [الحجر: ٩٥]، وقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: ٦٧]. والثاني: أن تركه الإنكار يوهم جواز الشيء ونسخ النهي. وتابعهم المرداوي في عدم اعتبار هذا الشرط فقال في "التحبير" (٣/ ١٤٩٢): (لم يقيد المسألة بكونه قادرا عليه، كما ذكره ابن الحاجب وغيره، إذ لا حاجة إليه؛ لأن من خصائصه ﷺ أن وجوب إنكاره المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه، وإن كان ذلك إنما هو لعدم تحقق خوفه، بعد إخبار الله تعالى عنه بعصمته من الناس) (١). وقد أجاب الشيخ الأشقر على أدلة الباقلاني بقوله: (آية العصمة متأخرة في العهد المدني، وأنه ﷺ أنه كان يحرس قبل ذلك حتى نزلت. وأما كفاية المستهزئين فهي خاصة بهم، وليست عامة في من يخاف منهم. ولذلك يظهر لنا أن هذا الشرط معتبر في الإقرار في أوائل العهد المدني، أما في العهد المكي فلم يتبعه ﷺ إلا خلص المؤمنين، فلا خشية منهم. وأما بعد نزول آية العصمة فلا. وأما في العهد المدني قبل نزولها فيمكن تحقيق الخشية من جهة بعض من مردوا على النفاق من أهل المدينة. وإنما يعتبر هذا الشرط بقدره، وحيث يتحقق لخوفه ﷺ على نفسه وجه، والأصل عدم الخوف. وأما استدلال الباقلاني بأن ترك الإنكار خوفا يوهم الجواز، فإن الإمارات لا تخفى على الحاضرين لو حصل شيء من ذلك، فلا يتحقق ما ذكر). ومن دقق في كلامهما علم أنه لا منافاة بينهما، فمقصود من أعتبر هذا الشرط اعتباره في أوائل العهد المدني، ومقصود من لم يعتبره اعتبار ما كان بعد هذه الفترة من حراسة المؤمنين له، ثم نزول آية العصمة بما يحقق للنبي القدرة على الإنكار.

стр. 402

الشرط الثالث - أن يكون المقَر منقادا للشرع، بأن يكون مسلما سامعا مطيعا، أما إن كان كافرا، فإن تقريره لا يدل على رفع الحرج، وقد أقر النبي ﷺ اليهود والنصارى على بِيَعهم وكنائسهم وعلى عباداتهم. الشرط الرابع - أن لا يكون قد علم من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقر ذلك شرعا ثابتا، وحكما راسخا لا يحتمل التغيير ولا النسخ. وذلك كعبادة غير الله ونكاح المحارم. الشرط الخامس - أن لا يمنع من الإنكار مانع سوى ما تقدم. فإن وجد مانع صحيح أمكن إحالة الإقرار عليه، فلا يكون حجة. ومن هذه الموانع أن يسكت النبي ﷺ في انتظار الوحي، ويعلم ذلك من حاله، فلا يكون سكوته قبل البيان حجة على انتفاء الحرج عن الفعل. تقرير الله - تعالى - (١): قال الشيخ: (فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له). وقال في "الأصل" (ص/٦٠): (فأما ما وقع في عهده ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه، ولكنه حجة لإقرار الله له، ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه، قال جابر ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل، متفق عليه، زاد مسلم: قال سفيان: ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز). وهذا القول أشار إليه تقي الدين في "المسودة" (٢). قال تقي الدين في "المسودة" (ص/٥١٢): (البيان من الله يحصل بالفعل كالآيات التي بعث بها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وكالعقوبات التي أنزلها

стр. 403

بالمنذرين ويحصل بالإقرار كقول جابر ﵁ (كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) والتحقيق أن يقال بيان الله تعالى ورسوله ﷺ قسمان فعل وترك أما الترك فقد يدل على عدم التحريم تارة وعلى عدم الوجوب أو الاستحباب أخرى وهذا هو الإقرار على ما فعلوه والثاني الإمساك عن الأمر بالشيء أو فعله على تفصيل في هذا القسم وأما الفعل فإنزال الكتاب أو خطاب الرسول ﷺ إلى تمام التقسيم فلا تغفل عن الدلالة العدمية فإنها أصل معتمد وهى غير استصحاب الحال). وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين" (٢/ ٣٨٧): (وقد احتج به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهي عنه القرآن وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها وهو يدل على أمرين: أحدهما أن أصل الأفعال الإباحة ولا يحرم منها إلا ما حرمه الله على لسان رسوله. الثاني أن علم الرب تعالى بما يفعلون في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوا عنه استصحابا وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرا لحكم الاستصحاب). وقال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٠٢١) وهو يتكلم عن حجية قول الصحابي: كنا نقول أو نرى على عهد النبي ﷺ : (لم يذكر الأصوليون وغيرهم أنه حجة لتقرير الله تعالى، وذكره الشيخ تقي الدين محتجا بقول جابر بن عبد الله ﵄: (كنا نعزل والقرآن ينزل) لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن متفق عليه. وهو ظاهر الدلالة). قال الصنعاني في " إجابة السائل شرح بغية الآمل" (ص / ٣٥): (تستفاد الإباحة من الإقرار على الفعل في زمن الوحي وهو نوعان: إقرار الرب، وإقرار رسوله ﷺ فمن إقرار الرب حديث جابر كنا نعزل والقرآن ينزل ومن إقرار الرسول ﷺ قول حسان لعمر كنت أنشد وفيه من هو خير منك).

стр. 404

من قال بعدم حجيته: وقد ذهب ابن عقيل إلى عدم حجية الإقرار من الله فقال في "كتاب الجدل" (ص/٥): (وتزيد السنة على الكتاب بقسمين يختصانها دون الكتاب: الفعل والإقرار على الفعل ... إقرار الله على ما يعلم قبحه لا يدل على التشريع؛ لأنه إنما أقر بتأخير المؤاخذة والإمهال عن المعالجة، وذلك لإقرار لا يجلب أن يكون ما (١) العاصي عليه شرعا ولا جائزا، مع أنه ما أقر مع النهي على ألسنة الرسل، فالرسل سفراء عنه في إنكار المفاسد والنهي عنها، والحث على المصالح المأمور بها). ومما يدل على هذا القول ما رواه أحمد (٢) وغيره عن رفاعة بن رافع وكان عقبيا بدريا قال: (كنت عند عمر فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتى الناس في المسجد، قال زهير في حديثه: الناس برأيه في الذي يجامع ولا ينزل. فقال: أعجل به، فأتى به فقال يا عدو نفسه، أو قد بلغت أن تفتى الناس في مسجد رسول الله ﷺ برأيك؟ قال: ما فعلت ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله ﷺ . قال: أي عمومتك. قال: أبي بن كعب، قال زهير: وأبو أيوب، ورفاعة بن رافع، فالتفت إلى ما يقول هذا الفتى، وقال زهير: ما يقول هذا الغلام، فقلت: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ ، قال: فسألتم عنه رسول الله ﷺ ؟ قال: كنا نفعله على عهده فلم نغتسل، قال: فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء، إلا رجلين: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين إن أعلم الناس بهذا أزواج رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، قال فتحطم عمر - يعنى تغيظ - ثم قال: لا يبلغني أن أحدا فعله ولا يغسل إلا أنهكته عقوبة). فقول عمر ﵁: (فسألتم عنه رسول الله ﷺ ظاهر في أنه لم يعتبر إلا إقرار النبي إن علم بالأمر.

стр. 405

بيان أن الزيادة التي في حديث جابر مدرجة: قال ابن حجر في " فتح الباري" (٩/ ٣٠٥): (وزاد إبراهيم بن موسى في روايته عن سفيان أنه قال حين روى هذا الحديث أي لو كان حراما لنزل فيه وقد اخرج مسلم هذه الزيادة عن إسحاق بن راهويه عن سفيان فساقه بلفظ كنا نعزل والقرآن ينزل قال سفيان لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن فهذا ظاهر في أن سفيان قاله استنباطا واوهم كلام صاحب العمدة ومن تبعه أن هذه الزيادة من نفس الحديث فأدرجها وليس الأمر كذلك فإني تتبعته من المسانيد فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة). الترجيح: والذي يترجح في هذه المسألة لابد من تقييد كون إقرار الله حجة أن ينتشر الفعل ويكثر وقوعه بين الصحابة. قال الشيخ عياض السلمي في "شرح الورقات": (إقرار الله -جل وعلا- بمعنى عدم نزول ما يخالف ذلك، وعدم تكلم الرسول ﷺ بما يخالف ما هو موجود، فهذا تكلم عنه بعض الأصوليين على ندرته، وقلة الذين تكلموا فيه، لكن له أصل، وأصله ما ثبت عن جابر ﵁ أنه قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه)، فهذا دليل على أنه يرى أن عدم نزول القرآن بالنهي عن واقعة كثيرة الحصول في المجتمع المسلم في عهد الرسول ﷺ وعدم بيان المنع منها أو النهي عنها دليل على أنها جائزة، استدل على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلون ذلك، وأنه كان أمر مشتهراً؛ ولهذا فيمكن أن نقول: أنه إذا فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - شيئًا وكثر ذلك فيهم، ولم يأت قرآن يدل على المنع منه، ولم يمنع منه الرسول ﷺ فيكون هذا من باب التقرير، لكن لابد من شرطه وهو: أن يكون كثير الوقوع، ولا يصح أن نقول أن كل من فعل فعلاً من الصحابة أو ممن كان على عهد الرسول ﷺ حتى من الأعراب الذين لم يَفِدُوا عليه، كل من فعل فعلاً في عهد الرسول ولم يأت القرآن بالمنع منه فيكون جائزاً، هذا ما أعرف أحداً يقول به، وإن وجد من يقول به ففي ظني أنه غير صحيح، لا نقول: إن كل ما كان موجوداً ولو على ندرة أنه إذا

стр. 406

لم ينزل قرآن بالنهي عنه ولم يتكلم الرسول في النهي عنه فمعنى هذا أنه جائز، هذا غير صحيح، لكن حينما يكثر ذلك ويشتهر يكون إقراراً إما من الله -جل وعلا- أو من رسوله ﷺ ، فلابد فيه من الكثرة ومن الاشتهار ... ). أقسام الإسناد باعتبار من انتهى إليه: قال الشيخ: (أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه: ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع). وقول الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٤٥٩): (المراد بالخبر هنا الخبر النبوي، وإنما قلنا ذلك لأجل أن يخرج الحديث القدسي؛ لأنه مضاف إلى الله تعالى) فيه نظر؛ إذ أن محصل كلام الشيخ أن الموقوف، والمقطوع أقسام من الحديث النبوي، وليس كذلك، وقد درج العلماء على أن يجعلوا مورد هذا التقسيم النسبة إلى من أسند إليه. قال ابن حجر في "النخبة": (الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي ﷺ تصريحا أو حكما من قوله أو فعله أو تقريره أو إلى الصحابي ... أو إلى التابعين ... فالأول: المرفوع، والثاني الموقوف، والثالث المقطوع). فائدة: قيد الشيخ الخبر هنا بالنبوي ليخرج الحديث القدسي، وهذا الكلام يستقيم على جهة ولا يستقيم على أخرى. الجهة التي يقصدها الشيخ أن الحديث القدسي أو الإلهي ينسب إلى الله تعالى فلا يقال أنه من السنة. والجهة الثانية التي لا يستقيم عليها إخراج الحديث القدسي من هذا التقسيم أن علم الحديث دراية يشمل الحديث القدسي. قال نور الدين عتر في "منهج النقد في علوم الحديث" (١/ ٣٢١): (وقد تعرض المحدثون لدراسة المتن من جوانبه العديدة الأخرى استكمالا لبحثهم في القبول والرد، واستيفاءًا لما يحتاج إليه الباحث. ولدى استقراء هذه الأنواع من علوم الحديث وجدنا أنه يمكن تقسيمها إلى ثلاث زمر هي:

стр. 407

أولا: علوم المتن من حيث قائله، وهي أربع: الحديث القدسي، المرفوع ، الموقوف، المقطوع ... ). وقد غلَّب الشيخ الجانب الأول إذ أن المراد بالخبر هنا السنة أو الحديث النبوي. المرفوع: قال الشيخ: (فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة، أو حكماً فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله (١)). لم يذكر الشيخ الوصف هنا، ولعله أدخله في المرفوع حكما ؛ إذ الوصف هو ما ورد عن الصحابة من وصف الرسول ﷺ سواء كان وصفا خَلْقيا أو خلُقيا، فالأنسب أن يلتحق بالمرفوع حكما. قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٤٥٩): (سمي مرفوعا لارتفاع رتبته بنسبته إلى النبي ﷺ ؛ ولأن الصحابي رفعه إلى منتهاه وهو الرسول ﷺ ، فالمرفوع حقيقة قول النبي ﷺ وفعله وإقراره، فمثال قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (من غشنا فليس منا)، ومثال فعله ﷺ : (كان إذا سجد فرج بين يديه)، و (كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة)، ومثال إقراره: كإقراره الجارية على قولها إن الله في السماء، وكإقراره الرجل على ختم الصلاة بقل هو الله أحد). المرفوع حكما: قال ابن حجر في النخبة (ص/٤٩): (ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا: أن يقول الصحابي - الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات - ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب؛ كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء ((عليهم الصلاة والسلام))، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة. وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص. وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، ومالا مجال للاجتهاد فيه

стр. 408

يقتضي موقِفا للقائل به، ولا موقِف للصحابة إلا النبي ﵌، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك؛ فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﵌؛ فهو مرفوع؛ سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة). وقد ذكر الشيخ في شرحه للبيقونية بعض الضوابط للمرفوع حكما فقال (ص/٥١): (والعلماء قالوا في الضابط في المرفوع حكماً، هو الذي ليس للاجتهاد، والرأي فيه مجال، وإنما يؤخذ هذا عن الشرع. مثل: ما إذا حدَّث الصحابي عن أخبار يوم القيامة، أو الأخبار الغيبية، فإننا نقول فيه: هذا مرفوع حكماً؛ لأنه ليس للاجتهاد فيه مجال. وكذلك لو أن الصحابي فعل عبادة لم ترد بها السنة، لقلنا هذا أيضاً مرفوع حكماً. ومثَّلوا لذلك بأن علي بن أبي طالب ﵁ صلى في صلاة الكسوف، في كل ركعة ثلاث ركوعات، مع أن السنة جاءت بركوعين في كل ركعة، وقالوا: هذا لا مجال للرأي فيه، ولا يمكن فيه اجتهادٌ، لأن عدد الركعات أمرٌ توقيفي يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، فلولا أن عند علي بن أبي طالب ﵁ علماً بهذا ما صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة، فهذا مرفوعٌ حكماً؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه. وكذلك إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فإنه مرفوع حكماً؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة، فإنما يعني به سنة الرسول ﷺ ، كقول ابن عباس ﵄ حين قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة وجهر بها، قال: لتعلموا أنها سنة، أو ليعلموا أنها سنة. وكما قال أنس بن مالك ﵁: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، فهذا وأمثاله يكون من المرفوع حكماً؛ لأن الصحابي لا يُضيف السنة إلا إلى سنة الرسول ﷺ (١).

стр. 409

وأيضاً لو أخبر أحدٌ من الصحابة عن الجنة والنار لقلنا: هذا مرفوعٌ حكماً، إلا أنه يُشترط في هذا النوع: ألا يكون الصحابي ممن عُرف بكثرة (١) الأخذ عن بني إسرائيل، فإن كان ممن عُرفوا بذلك، فإنه لا يُعتبر له حكم الرفع؛ لاحتمال أن يكون ما نقله عن بني إسرائيل، وهؤلاء كثيرون أمثال: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فإنه أخذ جملة كبيرة عن كتب أهل الكتاب، في غزوة اليرموك، مما خلَّفه الروم أو غيرهم، لأن في هذا رخصة، فإذا عُرف الصحابي بأنه ينقل عن بني إسرائيل، فإنه لا يكون قوله مرفوعاً حكماً .... كذلك من المرفوع حكماً، إذا نسب الشيء إلى عهد النبي ﷺ فقيل: كانوا يفعلون كذا في عهد النبي ﷺ ، فهذا من المرفوع حكماً. وأمثلته كثيرة: مثل قول أسماء بنت أبي بكر ﵄ نحرنا في عهد النبي ﷺ فرساً في المدينة وأكلناه. فهنا لم تصرح بأن النبي ﷺ علم به، لأنها لو صرحت به لكان مرفوعاً صريحاً، فإذاً هو مرفوع حكماً. ووجه ذلك: أنه لو كان حراماً ما أقره الله تعالى، فإقرار الله له يقتضي أن يكون حجة - وقد علمت فيما سبق - أن من العلماء من يقول: هذا ليس مرفوعاً حكماً، ولكنه حجة، وقال: إنه ليس مرفوعاً لأن النبي ﷺ لم يعلم به، لكنه حجة لأن الله تعالى علم به فأقره (٢). كذلك من المرفوع حكماً ما إذا قال الصحابي: روايةً.

стр. 410

مثاله: اتصل السند إلى الصحابي فقال: عن أبي هريرة رواية: من فعل كذا وكذا، أو من قال كذا وكذا، فإن هذا من المرفوع حكماً، لأن قول الصحابي رواية، لم يصرح أنها رواية عن النبي ﷺ ، لكن لما كان الغالب أن الصحابة يتلقون عن الرسول ﷺ ، جعله العلماء من المرفوع حكماً. كذلك من المرفوع حكماً: إذا قال التابعي عن الصحابي: رفعه إلى النبي ﷺ ، مثل ما يقوله بعض التابعين: عن أبي هريرة يرفعه، أو عن أبي هريرة رفعه، أو عن أبي هريرة يبلغ به، كل هذا من المرفوع حكماً وذلك لأنه لم يصرح فيه بنسبته إلى النبي ﷺ . وزاد الشيخ في "الأصل" (ص/٦١): (ومنه قول الصحابي: أمِرنا أو نهينا، أو نحوهما؛ كقول ابن عباس ﵄: أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. وقول أم عطية: نهينا عن إتباع الجنائز، ولم يعزم علينا). وقال ابن حجر في النزهة (ص/٥١): (ويلتحق بقولي: ((حكما))؛ ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ﵌؛ كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو: يرويه، أو: ينميه، أو: رواية، أو: يبلغ به، أو: رواه. وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل، ويريدون به النبي ﵌؛ كقول ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: (تقاتلون قوما) الحديث. وفي كلام الخطيب أنه اصطلاح خاص بأهل البصرة ... ثم قال: (ومن ذلك: أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ((تعالى)) أو لرسوله ﵌، أو معصية؛ كقول عمار: ((من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم ( ﷺ ) فلهذا حكم الرفع أيضا؛ لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عن النبي ﵌. تتمة: إذا خالف قول الصحابي القياس فهل يكون لقوله حكم الرفع ؟ وأما إن عارض القياس فالمسألة خلافية والظاهر عند أحمد حمل قولي الصحابي على التوقيف وتقديمه على القياس، وخالف أبو الخطاب وابن عقيل، وسيأتي مناقشة هذه المسألة - بإذن الله - في باب القياس.

стр. 411

فائدة: وقد عرض الشيخ في شرح الأصول (ص/٤٦٠) لمسألة ما إذا أضيف إلى سنته من غير الصحابة، فقال: (ما أضيف إلى سنته ولو من غير الصحابة فهو مرفوع حكما، لكنه في الواقع إن كان من الصحابي فهو متصل، وإن كان ممن بعده فهو منقطع). وقد نقل ابن عبد البر (١) الاتفاق على أن ذلك في حكم المرفوع كالصحابي، وفي نقل هذا الاتفاق نظر. قال العراقي في التقييد والإيضاح (ص/٦٨): (إذا قال التابعي من السنة كذا كقول عبيدالله بن عبد الله بن عتبة: السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات رواه البيهقي في سننه، فهل هو مرسل مرفوع، أو موقوف متصل؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي حكاهما النووي في شرح مسلم وشرح المهذب وشرح الوسيط قال والصحيح أنه موقوف انتهى. وحكى الداودى في شرح مختصر المزني أن الشافعي ﵁ كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد انتهى. وما حكاه الداودي من رجوع الشافعي عن ذلك فيما إذا قاله الصحابي لم يوافق عليه فقد احتج به في مواضع من الجديد فيمكن أن يحمل قوله ثم رجع عنه أي عما إذا قاله التابعي والله أعلم). وظاهر اختيار ابن حجر التسوية بين الصحابي وغيره بشرط ألا يضيفه التابعي إلى غير النبي كسنة العمرين (٢). تتمة: قال العراقي في التقييد والإيضاح (ص/٦٧): (المسألة الأولى - فإذا قال التابعي: كنا نفعل فليس بمرفوع قطعا، وهل هو موقوف؟ لا يخلو إما أن يضيفه إلى زمن الصحابة، أم لا فيحتمل، فإن لم يضفه إلى زمنهم فليس بموقوف أيضا، بل هو

стр. 412

مقطوع، وإن أضافه إلى زمنهم فيحتمل أن يقال إنه موقوف؛ لأن الظاهر اطلاعهم على ذلك، وتقريرهم، ويحتمل أن يقال ليس بموقوف أيضا؛ لأن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي ﷺ ، فإنه أحد وجوه السنن (١) ... وأما المسألة الثانية - فإذا قال التابعي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فجزم أبو نصر بن الصباغ في كتاب العدة في أصول الفقه أنه مرسل، وذكر الغزالي في المستصفى فيه احتمالين من غير ترجيح هل يكون موقوفا، أو مرفوعا مرسلا ... ). وقال الشيخ العثيمين في "شرح الأصول" (ص/٤٦١): (وليس قول التابعي - أي أُمرنا - كذلك؛ لأنه يحتمل أنه أَمْرُ الخليفة. فلو قال التابعي: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ صار مرفوعا صريحا لكنه منقطع أو مرسل، فإذا قال التابعي: أمرنا رسول الله فهو مرسل). والمذهب التسوية بين الصحابي والتابعي في المسائل الثلاث إلا أن تقي الدين قد نسب للمذهب وجها في قول التابعي: (كانوا يفعلون) واختار أنه ليس بحجة. قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٠٢٧): (قول التابعي: أمرنا، أو نهينا، أو من السنة﴾، كقول الصحابي ذلك عند أصحابنا، وأومأ إليه أحمد في ' من السنة ' لكنه كالمرسل. قال أبو الخطاب في ' التمهيد ': وأصل ذلك المراسيل وفيها روايتان. وقال ابن قاضي الجبل: لو قال تابعي: من السنة كذا، كأنه بمنزلة المرسل، حجة على إحدى الروايتين. وقال الشيخ: هما سواء، وإن كان قول الصحابي أولى. انتهى. وكذا قال الطوفي في ' من السنة ' فقال: وقول التابعي والصحابي في حال حياة الرسول وبعد موته سواء إلا أن الحجة في قول الصحابي أظهر. قوله: ﴿وقوله: ' كانوا يفعلون ' كقول الصحابي ذلك. ذكره القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وغيرهم، وخالف الشيخ﴾ تقي الدين وقال: ليس بحجة؛ لأنه قد يعني من أدركه كقول إبراهيم النخعي: كانوا يفعلون. يريد أصحاب عبد الله بن مسعود، وأشار إلى أنه وجه لنا) (٢).

стр. 413

الموقوف: قال الشيخ: (الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع. وهو حجة على القول الراجح إلا أن يخالف نصاً أو قول صحابي آخر. والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك). تعريف الموقوف: قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/ ٤٦): (وهو ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ). وتعقب الزركشي هذا التعريف في "نكته على مقدمة ابن الصلاح" (١/ ٤١٢) يقوله: (هذا التعريف غير صالح إذ ليس كل ما يروى عن الصحابي من قوله موقوفا فقد تظهر قرينة تقتضي رفعه لكونه مما لا مجال للاجتهاد فيه وأنه لم يقله إلا توقيفا)، وهذا التعقب جيد وله وجه، إذ أن ابن الصلاح جعل وقف القول علي الصحابة وعدم التجاوز به إلى النبي كونه مرويا عن الصحابة. ويستقيم الكلام ويزول الإشكال إن جعلنا عجزها شرطا لتحقق صدرها، بمعنى أننا نحكم بالوقف إذا لم يصح أن نتجاوز به إلى النبي ﷺ ويأخذ حكم الرفع، فيكون التعريف: (ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ). ومقصوده بقوله: (ونحوها) تقريرهم، وقد سبق بيان دخول التقرير في الفعل. وقوله: (ما يروى) يعني مما كان متصلا أم منقطعا. وقوله: (فيوقف) أي أنه لا يأخذ حكم الرفع، إلا أن هذا القيد فيه دور ويمكن الاستغناء عنه بقولنا: (ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ). وكذلك نستبدل قوله (أو) التشكيكية بالواو. فيكون التعريف المختار للموقوف: (ما يروى عن الصحابة ﵃ من

стр. 414

أقوالهم وأفعالهم (١)، ما لم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ). وإن عرفت كذلك، فاعلم أن تعرف الشيخ جيد، إلا أن فيه إجمالا. فائدة: هل تقرير الصحابي حجة: ليس المقصود أن ذلك حجة ملزمة كالكتاب والسنة، وإنما المقصود أنه دلالة على ذهاب الصحابي إلى هذا القول - وسيأتي قريبا الكلام عن حجية قول الصحابي -. وسبق كلام العراقي في الخلاف في اعتبار تقرير الصحابي، وهذه المسألة فرع على مسألة هل ينسب لساكت قول، والكلام فيها معروف قال الشيخ عبدالله الفوزان في "تيسير الوصول إلى قواعد الأصول ومعاقد الفصول": (لا ينسب لساكت قول، ثم إنه لا يجزم بأن هذا الساكت بلغه ذلك القول، أو يكون بلغه وقام مانع من الاعتراض، إمَّا لهيبة القائل، أو لأنه لا يرى الإنكار في مسائل الاجتهاد، أو لكونه يخاف على نفسه، أو أنه أنكر ولم يبلغنا إنكاره، إلى غير ذلك من الاحتمالات الواردة في مثل هذه الحال. وقد جعل المصنف المسألة عامة في مجتهدي الأعصار، وبعض الأصوليين يخص ذلك بالصحابة ﵃ دون من بعدهم؛ لأن منصبهم الشريف لا يقتضي السكوت في موضع المخالفة). وهذا الأخير هو الراجح عندي، فروى الشيخان من عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) ونحن نشهد بالله أنهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئاً منه مخافة سوط ولا عصاً ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم، وعليه فتقرير الصحابي قول له.

стр. 415

حجة قول (١) الصحابي: تحرير محل النزاع: قول الصحابي إما أن يثبت له حكم الرفع أو لا؟ والأول سبق الكلام عنه، وكلامنا فيما لم يثبت له حكم الرفع - وهو لا يخلو من أن يشتهر، أو لا يشتهر، أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر. - والأول وهو ما اشتهر من أقوالهم: إما أن يوافقه سائر الصحابة على ذلك، أو يخالفوه، أو لا ينقل لنا كلامهم في ذلك. - فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع وهو حجة باتفاق. - وإن اشتهر فخالفوه، فهنا ثلاث مسائل: الأولى - أن قول بعضهم ليس حجة على بعض: قال الجويني: [واجمعوا أن قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي] (٢). قال الآمدي: [اتفق الكل على أن مذهب الصحابة في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً] (٣). قال الشوكاني: [اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم] (٤). قال الشنقيطي: [قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعاً] (٥). الثانية - ألا نخرج عن أقوالهم: قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول: (إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه

стр. 416

وسلم حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم) (١) - وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان - بإذن الله - في باب الإجماع -. الثالثة - أننا نرجح من بين أقوالهم ما ترجحه القرائن. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٤): (وان تنازعوا - أي الصحابة - رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء). - وأما أن يشتهر ولا يعلم له مخالف أو موافق فهذا هو الإجماع السكوتي، وهو حجة ظنية على الراجح من أقوال العلماء. قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٤): (وأما أقوال الصحابة فان انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء). وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع. وزاد البعض قيودا أخرى لتخصيص محل النزاع أكثر، وهذه الشروط متفق عليها: - ومنها: ألا يخالف الصحابي نصا من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، وأما إن عارض القياس فالمسألة خلافية والظاهر عند أحمد حمل قولي الصحابي على التوقيف وتقديمه على القياس، وخالف أبو الخطاب. قال الجيزاني في "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" (ص/٢١٩): (قول الصحابي الذي اتفق الأئمة على الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للقياس. أما إن كان مخالفًا للقياس: فالأكثر على أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس باجتهاد من عنده. وقول الصحابي المخالف للقياس - عند هؤلاء - مقدم على القياس؛ لأنه نص

стр. 417

والنص مقدم على القياس، وقد تعارض دليلان والأخذ بأقوى الدليلين متعين. وذهب بعض الأئمة إلى أن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف القياس؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس، وهو لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض). وسيأتي مناقشة هذه المسألة - بإذن الله - في باب القياس. - ومنها: ألا يكون ثبت عنه الرجوع عن قوله كما نقل في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ الرجوع عن قوله بعدم صحة صوم من أصبح جنبا، وهكذا. الأقوال في المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة تزيد على الستة أقوال، ولن استطرد في تتعبها - حتى لا نخرج عن المقصود - وسأكتفي بتحرير أقوال المذاهب الأربعة وخاصة قول الحنابلة، ثم أعرض أقوال الشيخ مع الترجيح: تحرير أقوال الأئمة الأربعة (١): المشهور عن الأحناف القول بحجية قول الصحابي مطلقا، والقول بحجية قول الصحابي قول مشهور عن مالك وقد نسبه إليه كثير من المالكية، وذكر القاضي عبد الوهاب المالكي أن الأصح الذي يقتضيه مذهب مالك أن قول الصحابي ليس بحجة. للإمام الشافعي ﵀ قولان في المسألة: القول الأول: القديم ولا يختلف أصحابه أنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي في قوله القديم. القول الثاني: الجديد وهو القول بعدم حجية قول الصحابي وقد اختلف في نسبة هذا القول للشافعي ﵀ وأكثر أتباعه ينقلون عنه ذلك. للإمام أحمد ﵀ قولان في المسألة: الأول: أن قوله ليس حجة وقد أومأ إلى هذا في عدة روايات منها: ١ - قال في رواية أبي داود: " ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك ما خلا النبي ﷺ " (٢).

стр. 418

٢ - ونقل المروذي عنه أنه قال في حد قاذف أم الولد: " ابن عمر يقول على قاذف أم الولد الحد (١) وأنا لا أجترئ على ذلك إنما هي أمة أحكامها أحكام الإماء " (٢). ٣ - نقل الميموني عنه أنه قيل له: إن قوماً يحتجون في النخل بفعل أبي بكر، فقال: هذا فعل ورأي من أبي بكر ليس هذا عن النبي- ﷺ " (٣). ٤ - ونقل عنه الميموني أنه سأله عن المسح على القلنسوة؟ فقال: ليس فيه عن النبي ﷺ -شيء وهو قول أبي موسى (٤) وأنا أتوقاه " (٥). القول الثاني: أن قوله حجة: ١ - قال ابن هانئ في مسائله (٢/ ١٦٥): (قلت لأبي عبدالله: حديث عن رسول الله مرسل برجال ثبت أحبُّ إليك، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبدالله ﵀: عن الصحابة أعجب إليّ). ٢ - روى أبو يعلى في الطبقات والخلال والحافظ ابن الجوزي في المناقب عن عبدوس بن مالك أبو محمد العطار قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك المراء والجدال والخصومات في الدين). ٣ - قال في رواية أبي طالب: في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار ثم ظهر عليه المسلمون فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قسم فلا حق له كذا قال عمر ولو كان القياس كان له ولكن كذا قال عمر) (٦). ٤ - ونقل عنه أبو الحارث: (ترك الصلاة بين التراويح واحتج بما روي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء فقيل له فعن سعيد والحسن أنهما كانا يريان الصلاة

стр. 419

بين التراويح فقال: أقول لك أصحاب النبي وتقول التابعون) (١). والروايات عن أحمد في هذا القول كثيرة جداً وظاهرة. قول الشيخ: رجح الشيخ القول المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أن قول الصحابي حجة فقال في "الأصل" (ص/٦١): (الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع، وهو حجة على القول الراجح، إلا أن يخالف نصًّا أو قول صحابي آخر، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص، وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح يَا منهما). وخالف الشيخ ذلك فقال في "الشرح" (ص/٤٦٤): (والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: أما من نص النبي ﷺ على أن قولهم حجة فلا ريب في أنه حجة كأبي بكر وعمر، وأما من سواهما فمن كان من العلماء - علماء الصحابة المشهورين بالفقه المعروفين بالإمامة - فإن إتباعهم أولى من إتباع الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وأشباههم، - وقال أيضا: (فهؤلاء القول بأن قولهم حجة قول قوي جدا) -، وأما من كان دون ذلك كرجل أعرابي دخل المدينة وآمن بالرسول وعرف منه حكما، أو حكمين فإن قلنا: "قول هذا حجة" فهو قول فيه نظر قوي، وهو بعيد من الصواب ... وهذا خلاف ما مشينا عليه في الأصل). وحقيقة قول الشيخ هذا أنه مركب من عدة أقوال، فالقول بأن الحجة فيمن نص النبي على قولهم كأبي بكر وعمر، وظاهر عبارته أنه يخصصهما دون غيرهما من باقي الخلفاء لقوله ﷺ : (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وهذا القول لم أقف على قائله، قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/١٦٥): (ذهب آخرون إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر ﵄ وقريب منه ما نسبه العلائي في "إجمال الإصابة" للبعض ولم يسمهم فقال (ص/٥١): (القول باتفاق الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ وأنه هو الحجة دون غيره فقد نقله جماعة من المصنفين دون أن يسموا قائله). وأما تفريق الشيخ بين من اشتهر بالفقه وغيره فهو قول بعض الأحناف.

стр. 420

قال علاء الدين البخاري في " كشف الأسرار" (٣/ ٣٢٤):) وعن الشيخ أبي منصور عن أصحابنا أن تقليد الصحابي واجب إذا كان من أهل الفتوى ولم يوجد من أقرانه خلاف ذلك أما إذا خالفه غيره فلا يجب تقليد البعض ولكن وجب الترجيح بالدليل). وأما القول بعدم حجية قول الصحابي مطلقا فهو قول الأشاعرة وأكثر المتكلمين والمعتزلة، ونسب للشافعي في الجديد - على خلاف في صحة هذه النسبة له -، واختاره أبو الخطاب من أصحابنا. الأدلة والترجيح: ومحصل ما استدل به الشيخ لترجيح هذا القول: قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [النساء: ٨٠]، وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: ٧]، قال: (معلوم أننا لو اتبعنا الصحابة لكنا أطعنا غير الرسول ﷺ وهذا لا دليل على وجوبه، ولا على مشروعيته أيضا؛ ولأن الصحابة ﵃ كغيرهم غير معصومين من الخطأ، تخفى عليهم الحجة، ويحصل منهم السهو والنسيان). وهذه الأدلة العامة التي ذكرها الشيخ من أن إتباع الصحابة طاعة لغير النبي لعدم عصمتهم من الخطأ - على فرض التسليم بشمولها لمحل النزاع - فهي تشمل من كان فقيها وغيره، إلا ما قد يقال أنها مخصصة بأبي بكر وعمر للنص على الإقتداء بهما، ويلحق بهما عثمان وعلي (١)، ويشكل على هذا أن الأمر بالإقتداء بهم ليس فيه الحصر بل إن ذكرهم إنما كان للاهتمام بهم. قال ابن قدامة في " روضة الناظر" (ص/ ١٦٦): (الصحابة أقرب إلى الصواب وأبعد من الخطأ لأنهم حضروا التنزيل وسمعوا كلام الرسول منه فهم أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد فيكون قولهم أولى كالعلماء مع العامة وما ذكروه من عدم العصمة

стр. 421

فلا يلزم فإن المجتهد غير معصوم ويلزم العامي تقليده وقول من خص الأئمة بالاحتجاج بقولهم لا يصح لما ذكرناه من عموم الدليل في غيرهم وتخصيصهم بالأمر بالاقتداء بهم في سيرتهم وعدلهم ويحتمل أنه ذكرهم لكونهم من جملة من يجب الاقتداء بهم). ويوضح هذا الأدلة التي تدل على الإقتداء بمطلق الصحابة، وأن الإقتداء بهم ومتابعتهم في أقوالهم وأفعالهم ليس خارجا عن طاعة الله ورسوله، وإليك طرفا من ذلك: ذكر الشيخ ترحيب الدوسري في رسالته: "حجية قول الصحابي عند السلف" أدلة عامة كثيرة من القرآن استدل بها على حجية قول الصحابة. ثم ذكر بعض الأحاديث، وهي أخص في محل النزاع، ومنها: ١ - ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال:- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقاً. وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير. وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً. فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة. ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها. ٢ - ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا). فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك

стр. 422

المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) -ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء. ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. - وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال. الآثار السلفية: ١ - ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيدالله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (١). ٢ - وقال عبد ربه: كنا عند الحسن في مجلس فذكر كلاما وذكر أصحاب النبي فقال: (أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا ورب الكعبة على الهدى المستقيم) (٢). ٣ - قول إبراهيم النخعي:- لو بلغني أنهم - يعنى الصحابة - لم يجاوزوا بالوضوء ظفراً لما جاوزته به. ٤ - وقوله - أيضاً -: لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في إتباعهم.

стр. 423

٥ - قول الشعبي:- ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه. وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش. - وقد حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال: (إن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به، من غير نكير من أحد. وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً) (١). وبعد فالراجح عندي هو أن قول الصحابي حجة. تعريف الصحابي: قال الشيخ: (والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك). قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٦٩): ((وقوله: (من اجتمع بالنبي ﷺ ): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي ﷺ فلو حضر مجلسا فيه رسول الله ﷺ فهو صحابي (٢). وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه

стр. 424

سيبعث ثم لم يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال نبوته. س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي ﷺ ؟ ج: في هذا خلاف: فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي ﷺ بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته ﷺ لا تنقطع بموته. ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي ﷺ وهو ميت. وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي ﷺ حيًا (١). س: وهل يشمل ذلك من اجتمع بالرسول ﷺ في غير الأرض أو في الأرض على وجه كونه آية مثل عيسى ابن مريم فإنه اجتمع بالنبي ﷺ ، وعيسى ابن مريم حي بلا شك؛ لأنه سوف ينزل في آخر الزمان فهل نقول إن عيسى صحابي؟ ج: نقول: هو في رتبة أفضل من الصحبة ولهذا أجمع الصحابة على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ولو كان عيسى صحابيًا لكان خير هذه الأمة عيسى ابن مريم ﵊ لكن لما كان عيسى في وصف أعلى من وصف الصحبة نقول: هو نبي وهو أعلى من هذا بل هو من أولي العزم أي: في أعلى مراتب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، فمن تحذلق من المتأخرين وقال إن في هذه الأمة من هو أفضل من أبي بكرِ وعمر وهو: عيسى ابن مريم! فنقول له:

стр. 425

أولاً: عيسى ابن مريم ﵊ نبي، والنبوة أفضل من الصحبة. والثاني: أنه لم يجتمع به في حال تشبه اجتماع الناس به في الدنيا، بل اجتمع به في حال يعد آية سواءً في السماء أو في بيت المقدس، ولذلك لم يخطر في بال الصحابة ﵃ أنه من الصحابة فكانوا يقولون: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر. ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به (١) فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول ﷺ -فلا يكون صحابيًا. وقوله: (ومات على ذلك): فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلاً عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود (٢)؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]).
следующие страницы →