فلا يلزم فإن المجتهد غير معصوم ويلزم العامي تقليده وقول من خص الأئمة بالاحتجاج بقولهم لا يصح لما ذكرناه من عموم الدليل في غيرهم وتخصيصهم بالأمر بالاقتداء بهم في سيرتهم وعدلهم ويحتمل أنه ذكرهم لكونهم من جملة من يجب الاقتداء بهم).
ويوضح هذا الأدلة التي تدل على الإقتداء بمطلق الصحابة، وأن الإقتداء بهم ومتابعتهم في أقوالهم وأفعالهم ليس خارجا عن طاعة الله ورسوله، وإليك طرفا من ذلك:
ذكر الشيخ ترحيب الدوسري في رسالته: "حجية قول الصحابي عند السلف" أدلة عامة كثيرة من القرآن استدل بها على حجية قول الصحابة. ثم ذكر بعض الأحاديث، وهي أخص في محل النزاع، ومنها:
١ - ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال:- (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقاً. وذلك يقتضي تقديمهم في كل بابٍ من أبواب الخير. وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقاً. فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن. ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة. ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما أخطأوا فيه. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.
٢ - ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال:- صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا. فخرج علينا. فقال:- (ما زلتم ههنا). فقلنا:- يا رسول الله صلينا معك
стр. 422
المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال:- (أحسنتم وأصبتم) -ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء -. فقال:- (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء.
ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم.
- وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال.
الآثار السلفية:
١ - ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيدالله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (١).
٢ - وقال عبد ربه: كنا عند الحسن في مجلس فذكر كلاما وذكر أصحاب النبي فقال: (أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا ورب الكعبة على الهدى المستقيم) (٢).
٣ - قول إبراهيم النخعي:- لو بلغني أنهم - يعنى الصحابة - لم يجاوزوا بالوضوء ظفراً لما جاوزته به.
٤ - وقوله - أيضاً -: لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في إتباعهم.
стр. 423
٥ - قول الشعبي:- ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه. وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش.
- وقد حكى العلائي إجماع التابعين على الاحتجاج بقول الصحابي فقال: (إن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به، من غير نكير من أحد. وكانوا من أهل الاجتهاد أيضاً) (١).
وبعد فالراجح عندي هو أن قول الصحابي حجة.
تعريف الصحابي:
قال الشيخ: (والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٦٩): ((وقوله: (من اجتمع بالنبي ﷺ ): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي ﷺ فلو حضر مجلسا فيه رسول الله ﷺ فهو صحابي (٢).
وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه
стр. 424
سيبعث ثم لم يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي ﷺ حال نبوته.
س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي ﷺ ؟
ج: في هذا خلاف:
فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي ﷺ بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته ﷺ لا تنقطع بموته.
ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي ﷺ وهو ميت.
وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي ﷺ حيًا (١).
س: وهل يشمل ذلك من اجتمع بالرسول ﷺ في غير الأرض أو في الأرض على وجه كونه آية مثل عيسى ابن مريم فإنه اجتمع بالنبي ﷺ ، وعيسى ابن مريم حي بلا شك؛ لأنه سوف
ينزل في آخر الزمان فهل نقول إن عيسى صحابي؟
ج: نقول: هو في رتبة أفضل من الصحبة ولهذا أجمع الصحابة على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ولو كان عيسى صحابيًا لكان خير هذه الأمة عيسى ابن مريم ﵊ لكن لما كان عيسى في وصف أعلى من وصف الصحبة نقول: هو نبي وهو أعلى من هذا بل هو من أولي العزم أي: في أعلى مراتب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، فمن تحذلق من المتأخرين وقال إن في هذه الأمة من هو أفضل من أبي بكرِ وعمر وهو: عيسى ابن مريم! فنقول له:
стр. 425
أولاً: عيسى ابن مريم ﵊ نبي، والنبوة أفضل من الصحبة.
والثاني: أنه لم يجتمع به في حال تشبه اجتماع الناس به في الدنيا، بل اجتمع به في حال يعد آية سواءً في السماء أو في بيت المقدس، ولذلك لم يخطر في بال الصحابة ﵃ أنه من الصحابة فكانوا يقولون: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر.
ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به (١) فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول ﷺ -فلا يكون صحابيًا.
وقوله: (ومات على ذلك):
فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلاً عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود (٢)؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]).
стр. 426
قيد آخر:
وزاد ابن النجار قيدا آخر في التعريف فقال في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧١): ((قال في الأصل) أي قال صاحب التحرير في التحرير (ولو جنيا في الأظهر) أي ولو كان من لقي النبي ﷺ مسلما جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل الجن الذين قدموا على النبي ﷺ من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [الأحقاف: ٣٠] وذكر في أسمائهم: شاص، وماص، وناشى، ومنشى، والأحقب، وزوبعة، وسرق، وعمر، وجابر. وقد استشكل ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " قول من ذكرهم من الصحابة. فإن بعضهم لم يذكرهم في الصحابة، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير قلت: الأولى أنهم من الصحابة. فإنهم لقوا النبي ﷺ وآمنوا به وأسلموا، وذهبوا إلى قومهم منذرين).
وعليه فيكون التعريف بعد إضافة هذا قيد أن قد يكون جنيا: (من اجتمع بالنبي ﷺ ولو جنيا مؤمناً به ومات على ذلك) (١).
فوائد:
الأولى - وافق الشيخ في الاكتفاء بالرؤية مذهب الحنابلة:
قال ابن بدران في "المدخل" (ص/٢٠٩): (والصحابي من لقي النبي ﷺ أو رآه يقظة حيا عند الإمام أحمد وأصحابه والبخاري والأكثر مسلما ولو ارتد ثم أسلم ولم يره ومات عليه ولو جنيا في الأظهر).
قال القاضي في "العدة" (٣/ ٩٨٧): (ظاهر كلام أحمد ﵀: أن اسم الصحابي مطلق على من رأى النبي ﵇، وإن لم يختص به اختصاص
стр. 427
المصحوب، ولا روى عنه الحديث؛ لأنه قال في رواية عبدوس بن مالك العطار: أفضل الناس بعد أهل بدر القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، فقد أطلق اسم الصحبة على من رآه، وإن لم يختص به) (١).
الثانية - هذا التعريف مخالف لطريقة جمهور الأصوليين:
وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ مشى فيه على طريقة المحدثين كالبخاري وغيره، وقد قال به بعض الأصوليين كابن حزم، والآمدي، والشوكاني،
وغيرهم وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأصحابه (٢).
والطريقة الثانية هي لجمهور الأصوليين، فالصحابي عندهم من صحب النبي ﷺ مؤمنا به مدة تكفي عرفا لوصفه بالصحبة، ومات على الإسلام.
قال الشيخ عياض السلمي في " أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله" (ص/١٨٤): (والسر في اختلافهم في المراد بالصحابي أن المحدثين يعنون الصحابي الراوي لحديث النبي ﷺ ، فكل من رأى النبي ﷺ وهو مؤمن به ومات على إسلامه وجب قبول روايته والحكم بصحة سماعه من رسول الله ﷺ ، وقد وجدوا بالاستقراء والتتبع أن الذين ثبت لهم ذلك كلهم عدول، فقرروا أنه لا حاجة للبحث في عدالتهم، وأن روايتهم مقبولة، سواء أكانوا ممن لازموا النبي ﷺ أو من الأعراب الذين رأوه مرة واحدة بعد إسلامهم.
وأما الأصوليون فإنهم يتكلمون عن الصحابي الذي له اجتهاد في الأحكام الشرعية وله فقه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويمكن تقليده وإتباع رأيه، وهذا
стр. 428
لا يحصل إلا لمن لازم النبي ﷺ فترة طويلة وأخذ عنه وأفاد من علمه وخلقه وسيرته، وأما من رأى النبي ﷺ مرة فإنه لا يكتسب بهذه الرؤية فقها وعلما يجعله من أهل الاجتهاد في الشريعة، ولذلك لا يمكن أن يقال إن رأيه حجة، وهم إنما عرفوا الصحابي الذي وقع الخلاف في حجية قوله).
الثالثة - قطع الملازمة بين تعريف الأصوليين للصحابي وحجية قوله:
وليس بلازم لكل من عرف الصحابي على طريقة الأصوليين أن يكون قوله حجة فالغزالي عرفة على طريقة الأصوليين ثم رجح أن قول الصحابي ليس بحجة.
والراجح تعريف المحدثين وذلك بدليل:
ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري ففي رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم (
ورواية مسلم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٢٠/ ٢٩٨): (وحديث أبى سعيد هذا يدل على أن صاحب النبي هو من رآه مؤمنا به وإن قلت صحبته، كما قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره، وقال مالك: من صحب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 429
- سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك وذلك أن لفظ الصحبة جنس تحته أنواع يقال صحبه شهرا وساعة وقد بين في هذا الحديث أن حكم الصحبة يتعلق بمن رآه مؤمنا به فانه لابد من هذا).
وبدليل ما رواه الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن بسر ﵁ مرفوعا: (طوبى لمن رآني وطوبى لمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي) (١) ويستفاد منه أن مدار ثبوت هذا الفضل للقرون الثلاثة الفاضلة من الصحابة والتابعين وأتباعهم على الرؤية والإيمان بالنبي ﷺ .
فائدتان:
الأولى - هل يشترط أن يكون من لقى النبي مميزا حتى يحكم له بالصحبة ؟
الأصل أنه لا تصح رؤية إلا من مميز يستطيع التمييز بين الأشياء المرئية، ولا تكتمل حاسة البصر عند الطفل وتمييز الأشياء إلا قرابة سن الخمس سنوات، وعليه فلا يصح أن ننسب الرؤية لأمثال محمد بن أبي بكر المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام، وهذا وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه ولكن صدق أن النبي ﷺ رآه ويكون صحابيا من ناحية الاصطلاح من هذه الحيثية خاصة؛ لشرف رؤية النبي ﷺ له.
وعليه فالراجح أن من مات عنه النبي ﷺ من الصحابة وهو دون سن التمييز أنه يثبت له حكم الصحبة اصطلاحا.
قال المرداوي في " التحبير" (٤/ ٢٠٠٠): (دخل في قولنا: من لقي، من جيء به إلى النبي ﷺ وهو غير مميز فحنكه: كعبد الله بن الحارث بن نوفل، أو تفل في فيه: كمحمود بن الربيع، بل مجه بالماء كما في البخاري، وهو ابن خمس سنين أو أربع أو مسح وجهه: كعبد الله بن ثعلبة بن صعير - بالصاد وفتح العين المهملتين - ونحو ذلك. فهؤلاء صحابة وإن اختار جماعة خلاف ذلك، كما هو ظاهر كلام ابن معين، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البر، وغيرهم، وكأنهم نفوا الصحبة المؤكدة) (٢).
стр. 430
قال السخاوي في " فتح المغيث" (٣/ ٩٥): (وأما الصغير غير المميز كعبدالله بن الحارث بن نوفل وعبدالله بن أبي طلحة الأنصاري وغيرهما ممن حنكه النبي ودعا له ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه صدق أن النبي رآه ويكون صحابيا من هذه الحيثية خاصة وعليه مشى غير واحد ممن صنف في الصحابة خلافا للسفاقسي شارح البخاري فإنه قال في حديث عبدالله بن ثعلبة بن صغير وكان النبي قد مسح وجهه عام الفتح ما نصه إن كان عبدالله هذا عقل ذلك أو أعقل عنه كلمة كانت له صحبة وإلا كانت له فضيلة وهو في الطبقة الأولى من التابعين وإليه ذهب العلائي حيث قال في بعضهم لا صحبة له بل ولا رؤية وحديثه مرسل وهو وإن سلم له الحكم لحديثهم بالإرسال فإنهم من حيث الرواية أتباع فهو فيما نفاه مخالف للجمهور).
الثانية - حكم حديثهم:
ورواية هؤلاء وإن ثبت لهم منزلة الصحبة حكما إلا أن روايتهم من قبيل المرسل، وهي بين مراسيل الصحابة، ومراسيل التابعين.
قال الحافظ في " فتح الباري" (٧/ ٣): (هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يكتفي بمجرد حصول الرؤية محل نظر وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق وإنما ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في الصحيح أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر من الهجرة ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفرايني ومن وافقه على رد المراسيل مطلقا حتى مراسيل الصحابة لا يجري في أحاديث هؤلاء لان أحاديثهم لا من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ وهذا مما يلغز به فيقال صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة).
قال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١٥٤): (أما من أحضر إلى النبي غير مميز كعبيدالله بن عدي ابن الخيار فإن أباه قتل يوم بدر كافرا على ما قاله ابن ماكولا وعد ابن سعد أباه في مسلمة الفتح وكمحمد بن أبي بكر ﵄ فإنه ولد عام
стр. 431
حجة الوداع فهذا مرسل لكن لا يقال إنه مقبول كمراسيل الصحابة لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي أو عن صحابي آخر والكل مقبول واحتمال كون الصحابي الذي أدرك وسمع يروي عن التابعين بعيدا جدا بخلاف مراسيل هؤلاء فإنها عن التابعين بكثرة فقوى احتمال أن يكون الساقط غير الصحابي وجاء احتمال كونه غير ثقة) (١).
وبعد .. فالمذهب فيه روايتان في قبول الحديث المرسل، ومرسل هؤلاء يتميز على مرسل التابعين بأنهم عدول، وطبقتهم فوق طبقة كبار التابعين، وعليه فالراجح عندي قبول هذا النوع بشرط أن يعتضد مرسلهم بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندا كان أو مرسلا؛ ليترجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر.
المقطوع:
تعريف المقطوع:
قال الشيخ ﵀: (المقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده).
قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢٢٤): (المقطوع وهو: ما ينتهي
إلى التابعي قولا وفعلا ومن دون التابعي كذلك من أتباع التابعين فمن بعدهم فيه
- أي التسمية - مثله - أي (مثل) ما ينتهي إلى التابعي).
وإقرار التابعي فمن دونه ليس بحجة.
تعريف التابعي:
قال الشيخ ﵀: (التابعي: من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول ﷺ ومات على ذلك).
وقال في "الشرح" (ص/٤٧١): (وظاهر كلام العلماء أنه لا تشترط طول الصحبة بين التابعي والصحابي، وأنه لو جلس معه ساعةً أو ساعتين ثم فارقه ولم يره بعد ذلك فهو تابعي).
وتعريف الشيخ واضح في اشتراطه الاجتماع دون الصحبة، وأن يكون مؤمنا، وهو موافق لتعريف الحافظ ابن حجر.
стр. 432
فقد عرف الصحابي في النزهة (ص/ ٥١) بقوله: (من لقي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة؛ في الأصح. والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكالمه، وتدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، سواء كان ذلك بنفسه أو بغيره).
ثم قال في تعريف التابعي (ص/٥٢): (التابعي: وهو من لقي الصحابي كذلك، وهذا متعلق باللقي، وما ذكر معه؛ إلا قيد الإيمان به؛ فذلك خاص بالنبي ﵌. وهذا هو المختار؛ خلافا لمن اشترط في التابعي طول الملازمة، أو صحبة السماع، أو التمييز).
ومقصود الحافظ أن الإيمان خاص بالنبي ﷺ يعني لا يصح أن نقول في التعريف: (لقى الصحابي مؤمنا به) بل نقول مؤمنا بالنبي ﷺ فالإيمان خاص بالنبي ﷺ .
وقد فهم البعض أن معنى عبارته أنه لا يشترط في التابعي أن يكون مسلما وقت اجتماعه بالصحابي. قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (٢/ ٢١٧ (: (التابعي، وهو: من لقى الصحابي كذلك، وهذا متعلق باللقي. وما ذكر معه إلا قيد الإيمان به فذلك خاص بالنبي. وقال الكمال ابن أبي شريف: قوله خاص بالنبي أي فإنه لا يشترط في التابعي أن يكون وقت تحمله عن الصحابي مؤمنا، بل لو كان كافرا ثم أسلم بعد موت الصحابي وروى سميناه تابعيا وقبلناه. انتهى).
وهذا خطأ في فهم عبارة الحافظ وعبارته لا تحتمله، فلو أراد الحافظ هذا المعنى لقال: قيد الإيمان خاص بتعريف الصحابي (١).
وقول أبو سعيد ﵁ في الحديث الذي رواه مسلم: (فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم) يدل على الاكتفاء بمجرد رؤية الصحابي ليحكم له بأنه تابعي.
وقال العراقي في " التقييد والإيضاح" (١/ ٣١٧): (الراجح الذي عليه العمل قول الحاكم وغيره في الاكتفاء بمجرد الرؤية دون اشتراط الصحبة وعليه يدل عمل أئمة
стр. 433
الحديث مسلم بن الحجاج وأبى حاتم بن حبان وأبى عبد الله الحاكم وعبد الغنى بن سعيد وغيرهم وقد ذكر مسلم بن الحجاج في كتاب الطبقات سليمان بن مهران الأعمش في طبقة التابعين وكذلك ذكره ابن حبان فيهم، وقال إنما أخرجناه في هذه الطبقة لأن له لقيا وحفظا رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماع المسند عن أنس وقال على بن المدينى لم يسمع الأعمش من أنس إنما رآه رؤية بمكة يصلى خلف المقام فأما طرق الأعمش عن أنس فإنما يرويها عن يزيد الرقاشى عن أنس، وقال يحيى بن معين كل ما روى الأعمش عن أنس فهو مرسل وقد أنكر على أحمد بن عبد الجبار العطاردى حديثه عن فضيل عن الأعمش قال رأيت أنسا بال فغسل ذكره غسلا شديدا ثم توضأ ومسح على خفيه فصلى بنا وحدثنا في بيته وقال الترمذي لم يسمع من أحد من الصحابة وأما رواية الأعمش عن عبد الله بن أبى أوفى عن النبي ﷺ أنه قال الخوارج كلاب النار فهو مرسل فقد قال أبو حاتم الرازى أنه لم يسمع من ابن أبى أوفى وهذا الحديث وإن رواه إسحق الأزرق عنه هكذا كما رواه ابن ماجه في سننه فقد رواه عبيد الله بن نمير عن الأعمش عن الحسين بن واقد عن أبى غالب عن أبى أمامة عن النبي ﷺ وليس للأعمش رواية عن أحد من الصحابة في شيء من الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد عند ابن ماجه وكذلك عد عبدالغنى بن سعيد الأزدى الأعمش في التابعين في جزء له جمع فيه من روى من التابعين عن عمرو بن شعيب وكذلك عد فيهم أيضا يحيى بن أبى كثير لكونه لقى أنسا وقد قال أبو حاتم الرازى أنه لم يدرك أحدا من الصحابة إلا أنس بن مالك فانه رآه رؤية ولم يسمع منه كذا قال البخارى وأبو زرعة قال أبو زرعة وحديثه عن أنس مرسل. قلت في صحيح مسلم روايته عن أبى أمامة عن عمرو بن عنبسة لحديث إسلامه ولكن مسلما قرن رواية يحيى بن أبى كثير مع رواية شداد أبى عمار وكان اعتماد مسلم على رواية شداد فقط فانه قال فيه قال عكرمة ولقى شداد أبا أمامة فذكره وسكت عن رواية يحيى بن أبى كثير عن أبى أمامة وهى بصيغة العنعنة والله أعلم.
وذكر عبد الغنى بن سعيد أيضا جرير بن حازم في التابعين لكونه رأى أنسا، وقد روى عن جرير أنه قال مات أنس ولى خمس سنين وذكر عبد الغنى بن سعيد أيضا
стр. 434
موسى بن أبى عائشة في التابعين لكونه لقى عمرو بن حريث. وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث في النوع الرابع عشر هم طبقات خمس عشرة طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك من أهل البصرة ومن لقى عبد الله من أبى أوفى من أهل الكوفى ومن لقى السائب بن يزيد من أهل المدينة إلى آخر كلامه.
ففي كلام هؤلاء الأئمة الاكتفاء في التابعي بمجرد رؤية الصحابي ولقيه له دون اشتراط الصحبة ... ).
قال الطرهوني: (ولعلَّ اعتبارَ الرؤيةِ قولٌ أقوى وأرجح، للحديث الذي ذكرناه في تعريف الصحابي، وهو حديث الغزو السابق الذي فيه: (يغزو فئامٌ من الناس ... فيقال لهم: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله ﷺ )، فهذا الحديث العظيم اعتُبِرَ فيه رؤيةُ من رأى النبي ﷺ ، وهو في الحقيقة مرتبطٌ بشرف رؤيتِه ﷺ لأن من رآه شرُفَ برؤيته؛ وكذلك من رأى من رآه فقد شرف برؤية من رأى رسول الله ﷺ ، فاعتبار الرؤية لعله أقوى وأرجح).
فرع - هل يشترط أن يكون من لقى الصحابي مميزا حتى يحكم له بأنه تابعي؟
اشترط ذلك ابن حبان فقال في كتاب "الثقات" (٦/ ٢٧٠) في ترجمة خلف بن خليفة: (قال خلف بن خليفة: كنت في حجر أبى إذ مر رجل على بغل أو بغلة فقيل هذا عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ قال أبو حاتم ﵁ لم يدخل خلف بن خليفة في التابعين وإن كان له رؤية من الصحابة لأنه رأى عمرو بن حريث وهو صبي صغير ولم يحفظ عنه شيئا فان قال قائل: فلم أدخلت الأعمش في التابعين وإنما له رؤية دون رواية كما لخلف بن خليفة سواء؟ يقال له: إن الأعمش رأى أنسا بواسط يخطب والأعمش بالغ يعقل وحفظ منه خطبته ورآه بمكة يصلى عند المقام وحفظ عنه أحرفا حكاها فليس حكم البالغ إذا رأى وحفظ كحكم غير البالغ إذا رأى ولم يحفظ).
وقد سبق في مبحث تعريف الصحابي إلحاق محمد بن أبي بكر المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام برتبة الصحابة اصطلاحا، وهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه ولكن صدق أن النبي ﷺ رآه ويكون صحابيا من هذه
стр. 435
الحيثية خاصة، ومثل هذا الحكم لا يصح تعديته إلى غيره ﷺ لعدم صحة قياس النبي ﷺ على غيره.
وعليه فكلام ابن حبان له وجه. والراجح في حديث هذه الطبقة من غير المميزين لرؤية الصحابي أنه من قبيل المعضل على أحسن أحواله سواء ألحقناهم بطبقة التابعين حكما أم بتابعيهم حقيقة.
وبناء على ما تقدم يكون تعريف التابعي: (من اجتمع بالصحابي مميزا مؤمناً بالنبي ﷺ ومات على ذلك).
أقسام الخبر باعتبار طرقه:
١ - المتواتر:
قال الشيخ: (ينقسم الخبر باعتبار طرقه إلى متواتر وآحاد:
فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب وأسندوه إلى شيء محسوس).
وقال في "الشرح" (ص/٤٧٤): (المتواتر لا بد فيه من اجتماع ثلاثة شروط:
الأول: أن يرويه جماعة كثيرة.
والثاني: يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب.
والثالث: أن يسندوه إلى أمر محسوس، فلو جاءنا رجل ثقة ثقة ثقة بخبر عن ألف واحد فلا نقول إن خبره متواتر؛ لأن المصدر واحد فالتواتر لابد من تتابعه).
واعلم أن هذه الشروط ينقصها شرط وثمرة.
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/١٧): (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة - وهي عدد كثير، أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو المتواتر).
اعلم أن حصول العلم هو ثمرة لتحقق الشروط الأربعة وليس هو شرطا زائداً عليها. واعلم أيضا أنهما متلازمان، بمعنى أن حصول العلم تابع ولازم لتحقق الشروط الأربعة، وهو أيضا علامة عليها بمعنى أنه متى حدث هذا العلم اليقيني عند السامع علمنا لزوم تحقق هذه الشروط، لا أنا بتحقق هذه الشروط نستدل على حصول
стр. 436
العلم فتنبه!.
وعليه فتعريف المتواتر (ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه وأسندوه إلى شيء محسوس).
٢ - الآحاد:
أولا - الصحيح:
قال الشيخ: (والآحاد: ما سوى المتواتر وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.
فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة).
سوف يأتي شرح هذا التعريف عند الكلام على الحديث الحسن إلا أن الشيخ قيد العلة هنا بكونها قادحة، وكذا في الحديث الحسن، وهذا يجري على طريقة الفقهاء، أما المحدثون فلا يقيدون العلة بكونها قادحة بل يعلون بمطلق العلة، وعليه، فالأرجح على طريقة المحدثين حذف هذا القيد من تعريف الحديث الصحيح، والحسن، فيكون تعريف الحديث الصحيح: ما أتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة.
قال ابن حجر في "النكت" (١/ ٢٣٥): (من العلل ما يجري على أصول الفقهاء وهي العلل القادحة. وأما العلل التي يعلل بها كثير من المحدثين ولا تكون قادحة فكثيرة. منها: أن يروي العدل الضابط عن تابعي مثلاً عن صحابي حديثاً فيرويه عدل ضابط غير مساو له في عدالته وضبطه وغير ذلك من الصفات العلية عن ذلك التابعي بعينه عن صحابي آخر، فإن مثل هذا يسمى علة عندهم لوجود الاختلاف على ذلك التابعي في شيخه، ولكنها غير قادحة لجواز أن يكون التابعي سمعه من الصحابيين معاً من هذا جملة كثيرة).
ثانيا - الحسن:
قال الشيخ: (والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة.
ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى (صحيحاً لغيره).
والصواب هنا حذف قيد القادحة كما سبق في الصحيح، فيكون تعريف الحسن:
стр. 437
(ما اتصل إسناده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن مثله أو أضبط منه إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة).
شرح موجز للتعريف:
العدالة:
قال الشيخ في"الشرح" (ص/٤٧٦): (العدل - كما قال العلماء - هو من استقام في دينه ومروءته.
فاستقامة الدين: فعل الواجبات وترك المحرمات.
واستقامة المروءة: التخلي عما يخالف عادات الناس وأخلاقهم وآدابهم).
التعريف المشهور المتداول للعدالة هو تعريف ابن حجر، ولذا فإننا سوف نبدأ بذكره ونتوقف معه، قال ابن حجر في شرح النخبة (ص/٢٥): (والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة).
واعترض الصنعاني في "ثمرات النظر في علم الأثر" على هذا التعريف بعدة اعتراضات، واختار أن مدار العدالة على مظنة صدق الراوي دون بقية الشروط المذكورة في تعريف العدالة، وقد ذكرت اعتراضاته في شرح الموقظة، وليس هذا مجال الكلام على ذلك، سوف يأتي - بإذن الله - طرفا من ذلك عند الكلام على الحسن لغيره هنا.
الضبط:
تعريفه:
قال الصنعاني في "توضيح الأفكار" (١/ ٨): (الضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام وهو المراد هنا). أي في تعريف الحديث الصحيح، وأما الحديث الحسن فراويه خفيف الضبط.
بمَّ يعرف الضبط؟
قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص/٦١): (يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر روايته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة - ولو
стр. 438
من حيث المعنى - لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم).
أقسام الضبط:
قال الصنعاني في "توضيح الأحكام" (١/ ١٩): (فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطه أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما، والأخريان مردود من اتصف بهما).
فائدة:
يكفى للحكم على الحديث بأنه حسن لذاته أن يكون روايا واحدا على الأقل من رواته خفيف الضبط.
اتصال السند:
وقال المليباري في رسالته علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد: (وأما العنصر الثاني - أي اتصال السند - فيعرف بما يلي:
تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث، كقوله ك (سمعت فلاناً) أو (سمعنا فلاناً) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا)، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه، وأنه سمع منه ذلك الحديث.
٢ - عنعنة الراوي، إذا لم يكن مدلساً، أو مرسلاً، فتفيد عنعنته الاتصال، وأما إن كان الراوي المعنعن مدلساً، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث.
وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عموماً، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به احتمال الانقطاع، من القرائن ... ).
الشاذ:
وهو: (ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه عدداً، أو عدالة، أو ضبطاً).
стр. 439
العلة:
وهي: (هي سبب خفي يقدح في صحة الحديث).
والعلة تكون في الإسناد كالتعليل بالوقف والإرسال، وتكون في المتن مثل حديث نفي البسملة في الصلاة.
وتعرف العلة عن طريق تجميع طرق الحديث، والنظر في الرواة، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة.
- الصحيح لغيره:
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٩): (وبكثرة طرقه يصحح؛ وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر الوصفين به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح، ومن ثم تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته لو تفرد إذا تعدد).
ثالثا - الضعيف:
قال الشيخ: (والضعيف ما خلا من شرط الصحيح والحسن.
ويصل إلى درجة الحسن إذا تعددت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً ويسمى (حسناً لغيره).
وهذا التعريف الذي ذكره الشيخ مقارب لتعريف ابن الصلاح حيث قال في "مقدمته" (ص/٤١): (كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم، فهو حديث ضعيف).
وقال ابن حجر في " النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٩١ (: (اعترض عليه بأنه لو اقتصر على نفي صفات الحسن لكان أخصر لأن نفي صفات الحسن مستلزم لنفي صفات الصحيح وزيادة ... ).
وعليه فالأولى أن نقول في تعريف الضعيف: (ما خلا من شروط الحسن).
- الحسن لغيره:
وقول الشيخ: (على وجه يجبر بعضها بعضاً) فيه إجمال، وقد بيَّن الشيخ مراده في الشرح (ص/٤٨١) فذكر أنه يتقوى مثل حديث المستور أو سيء الحفظ إذا تعددت طرقه، أما إن كان في الطرق من يتهم بوضع الحديث، أو كان رواة الحديث مبتدعة
стр. 440
فرووا حديثا يقوي بدعتهم، فلا يتقوى حديث مثل هؤلاء.
وما اختاره الشيخ من رد حديث المبتدع فيما يقوي بدعته هو المشهور، إلا أن الراجح خلافه:
قال الصنعاني في "ثمرات النظر" قال (ص/١٠٣: ١٠٥): (سبقت الإشارة إلى أنهم قد استثنوا من المبتدعة الداعية فقالوا ولا يقبل خبره قال في التنقيح فإن قلت ما الفرق بين الداعية وغيره عندهم قلت ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا ولكن نظرت فلم أجد غير وجهين: أحدهما أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم ذلك على تدليس أو تأويل. الوجه الثاني أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك تغرير لمخالطته وفي مخالطة من هو كذلك للعامة مفسدة كبيرة قلت وهذا الوجه الآخر قد أشار إليه أبو الفتح القشيري نقله عنه الحافظ ابن حجر ثم قال في التنقيح والجواب عن الأول أنها تهمة ضعيفة لا تساوي الورع أي المانع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب الذي يتنزه عنه كثير من الفسقة المتمردين كيف والكاذب لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تدليسه وتغريره ويفهمه النقاد وتتناوله ألسنة أهل الأحقاد وأهل المناصب الرفيعة يأنفون من ذلك فكيف إذا كانوا من أهل الجمع بين الصيانة والديانة. وقد احتجوا بقتادة لما قويت عندهم عدالة أمانته وهو داعية على أصولهم إلى بدعة الاعتزال. قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى كان يصيح به صياحا. ثم قال صاحب التنقيح والجواب عن الثاني أنا نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا إن لم يدل على وجوب قبولهم لم نقبلهم دعاة كانوا أو غير دعاة وإن دل على وجوب القبول لم يصلح ما أورده مانعا من امتثال الأمر ولا مسقطا انتهى.
فعلمت من هذا كله قبول من لم يتهم بالكذب وعدم شرطية العدالة بالمعنى الذي أرادوه وهو أنه لا يرد من المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية).
ومما يؤيد ما قاله أيضاً إخراج الأئمة في دواوين السنة لبعض المبتدعة فيما يتعلق ببدعتهم، فقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: عن عدي بن
стр. 441
ثابت عن زر قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي ﷺ إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.
وعدي بن ثابت: قال عنه الذهبي في الكاشف: ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة.
- والأولى أن نعرف الحسن لغيره بقولنا: (هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه).
حجية هذه الأقسام:
قال الشيخ: (وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها).
القسم المقبول من الحديث على أربع درجات:
أعلاها: الصحيح لذاته، يتلوه: الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، وأخيرا: الحسن لغيره، وهذه الأقسام يحتج بها، ويرجح أعلاها على من دونه في الرتبة عند التعارض وعدم إمكان الجمع.
وأما الحديث الضعيف فليس بحجة.
وقد أجاز البعض العمل بالضعيف بشروط وهي:
١ - أن لا يكون موضوعاً.
٢ - أن يعرف العامل به كونه ضعيفاً.
٣ - أن لا يُشهر العمل به.
٤ - أن يكون في فضائل الأعمال.
٥ - أن يندرج تحت أصل من أصول الشريعة.
وذهب الشيخ العثيمين في "الشرح" (ص/٤٨١) إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقا، وهو مذهب: يحيى بن معين، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم، وهو ظاهر صنيع البخاري ومسلم، والشوكاني، ومن المعاصرين: أحمد شاكر، والألباني، وغيرهم إلى عدم جواز العمل بالضعيف مطلقاً، وهذه المسألة نحناج إلى بسط سوف نعرض له - بإذن الله - في دروس المصطلح.
стр. 442
- لا بأس بذكر الضعيف في "الشواهد والمتابعات" (الاعتبار):
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٤٨٣): (وقوله: لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها)؛ لأن ذكره في الشواهد قد يكون منه فائدة: وهو أنه إذا تعددت طرقه صار الحديث حسنًا لغيره، فلا بأس أن يذكر في الشواهد ونحوها ليكون معتبرًا به).
صيغ الأداء:
قال الشيخ: (للحديث تحمل وأداء
فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير.
والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.
وللأداء صيغ منها:
١ - حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ.
٢ - أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ.
٣ - أخبرني إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة.
والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة.
٤ - العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن.
وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث).
قال الذهبي في "الموقظة" (فـ (حدَّثَنا) و (سَمِعتُ) لِمَا سُمِع من لفظ الشيخ. واصطُلِح على أنَّ (حدَّثَني) لِمَا سَمِعتَ منه وحدَك، و (حدَّثَنا) لِمَا سَمِعتَه معَ
غيرك. وبعضُهم سَوَّغ (حدَّثَنا) فيما قراه هو على الشيخ.
وأما (أخبَرَنا) فصادِقةٌ على ما سَمِع من لفظ الشيخ، أو قرأه هو، أو قرأه آخَرُ على الشيخِ وهو يَسمع. فلفظُ (الإخبار) أعمُّ من (التحديث).
و (أخبرني) للمنفرِد. وسَوَّى المحققون كمالكٍ والبخاريِّ بين (حدَّثنا)
و (أخبِرنا) و (سَمِعتُ)، والأمرُ في ذلك واسع.
فأمَّا (أنبأنا) و (أنا) فكذلك، لكنها غلَبتْ في عُرف المتأخرين على الإجازة).
وباقي الكلام واضح وقد اختصرت الكلام هنا، وسوف يأتي له مزيد بيان في دروس المصطلح - بإذن الله -.
стр. 443
الإجماع
تعريف الإجماع لغة:
قال الشيخ: (الإجماع لغة: العزم والاتفاق).
الإجماع في اللغة يطلق على معنيين وهما:
أولا: العزم والتصميم على الشيء، يقال: أجمع فلان على كذا إذا عزم وصمم عليه، وأجمع الأمر إذا عزم عليه، والأمر مُجْمَع وأجمعتُ المسير والأمر، وأجمعت عليه إذا عزمت عليه، يتعدى بنفسه وبالحرف. ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: ٧١] أي: اعزموا أمركم وادعوا شركائكم.
ومنه أيضا قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) [يوسف: ١٥] أي: عزموا أن يجعلوه.
ومنه حديث: (من لم يجمع الصوم من الليل فلا صيام له) أي من لم يعزم على الصيام فينويه.
ثانيا: الاتفاق، يقال أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه.
ومن خلال هذين المعنيين يظهر الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن الإجماع بمعنى العزم يتصور من واحد، وكذلك يتصور أيضا من أكثر من واحد، وهذا بخلاف الإجماع بمعنى الاتفاق، فلا يتصور إلا من اثنين فأكثر.
الثاني: أن الإجماع بمعنى العزم يتعدى بنفسه وبالحرف، وأما الإجماع بمعنى الاتفاق فلا يتعدى بنفسه (١).
وإذا رجعنا إلى آراء علماء الأصول في معنى الإجماع لغة، فنجد أن عبارات معظم الأصوليين تدور حول معنى إطلاق الإجماع في اللغة على العزم والاتفاق من غير تفصيل في ذلك، من هؤلاء: أبو إسحاق الشيرازي، والجويني، والآمدي، وابن الحاجب، والطوفي، والسبكي، والإسنوي، والتفتازاني، والزركشي، وابن الهمام، وابن النجار.
وأما بعضهم فقد فصل في معنى الإجماع.
стр. 444
فمنهم من قال: إن الإجماع لفظي مشترك بين العزم والاتفاق، كالغزالي وفخر الدين الرازي.
ومنهم من ذهب إلى أن المعنى الأصلي له الاتفاق، وأما العزم يرجع إليه؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه كالقاضي الباقلاني وأبي يعلى.
ومنهم من قال إن المعنى الأصلي له العزم وأما الاتفاق فزم ضروري للعزم إذا وقع من جماعة.
قال علاء الدين السمرقندي في الإجماع: هو العزم التام.
وقال السمعاني: إن الإجماع بمعنى الاتفاق أشبه باللغة، وبمعنى العزم أشبه بالشرع، وكذا قال ابن برهان.
فائدة الخلاف: أنه إن كان الإجماع بمعنى العزم يصح الإجماع من واحد، وإن كان بمعنى الاتفاق لا يصح إلا من جماعة.
وأما الأنسب بالمعنى الاصطلاحي - من المعنيين - هو الاتفاق، ولكن لكلا المعنيين علاقة واضحة بالمعنى الاصطلاحي، وإن كان الاتفاق أوضح علاقة، لأن في الاتفاق جمع الآراء وفي العزم جمع الخواطر، ولا يمكن اتفاق الآراء إلا بعد جمع كل صاحب رأي خواطره عند الحكم على مسألة ما، أو إذا وقع العزم من جماعة على حكم كان الاتفاق من لوازمه ضرورة (١).
تعريف الإجماع اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي).
قال في "الأصل" (ص/٦٤): (فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع.
وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم.
وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر.
وخرج بقولنا: " بعد النبي ﷺ "، اتفاقهم في عهد النبي صلى الله
стр. 445
عليه وسلم، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ ، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع.
وخرج بقولنا: "على حكم شرعي" اتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع).
تتمة:
قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٢٩): (المعتبر في الإجماع قول أهل الاجتهاد، لا الصبيان والمجانين قطعا، وكذا العامي المكلف على الأكثر ... ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، إذ غيرهم بالإضافة إليه عامة. أما الأصولي غير الفروعي وعكسه، والنحوي في مسألة مبناها على النحو فقط، ففي اعتبار قولهم الخلاف في تجزيء الاجتهاد، والأشبه اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط لتمكنهما من درك الحكم بالدليل).
وقال في "الشرح" (٣/ ٣٣): (حجة الجمهور على عدم اعتبار قول العامي، وهي من وجهين:
أحدهما: أن قول العامي غير مستند إلى دليل، وإلا لم يكن عاميا، وما ليس مستندا إلى دليل، يكون جهلا وخطأ؛ لأن الشرع حرم القول بغير علم، والجهل والخطأ غير معتبر.
الوجه الثاني: أن العامي إذا خالف أهل الاجتهاد، فقال بالنفي، وقالوا بالإثبات أو بالعكس، فإما أن يعتبر قولاهما، فيجتمع النقيضان، أو يلغى قولاهما فيرتفع النقيضان، وتخلو الواقعة عن حكم، أو يقدم قول العامي، فيفضي إلى تقديم ما لا مستند له على ما له مستند، والكل «باطل فتعين الرابع» وهو تقديم قول المجتهد عليه، وهو المطلوب ...
قوله: و «يعتبر في إجماع كل فن قول أهله» كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في الطب «إذ غيرهم» أي: غير أهل ذلك الفن «بالإضافة» إلى ذلك الفن «عامة» ...
قوله: «أما الأصولي غير الفروعي» أي: العالم بأصول الفقه دون فروعه،
стр. 446
ككثير من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فيتسلطون به على أصول الفقه، إما عن قصد، أو استتباع لتلك العلوم العقلية، ولهذا جاء كلامهم فيه عريا عن الشواهد الفقهية المقربة للفهم على المشتغلين، ممزوجا بالفلسفة، «وعكسه» يعني: الفروعي غير الأصولي «والنحوي في مسألة مبناها على النحو» أي: تنبني عليه، كمسألة استيعاب الرأس بالمسح، المبنية على أن الباء للإلصاق، أو التبعيض، ومسائل الشروط في الطلاق، ومسائل الإقرار، نحو: له علي كذا وكذا درهما، أو درهم بالرفع، أو الجر غير درهم، على الوصف أو الاستثناء وأشباه ذلك. «ففي اعتبار» قول هؤلاء «الخلاف في تجزيء الاجتهاد».
ومعنى ذلك: أن الاجتهاد هل يجوز تجزئته؟ بمعنى أن يكون الشخص مجتهدا في مسألة من المسائل دون غيرها، فإن أجزنا ذلك، اعتبر قول هؤلاء، لأن كلا منهم وإن لم يكن أهلا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، مثل أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على الفور على أن الأمر على الفور، ونحو ذلك، والنحوي مسائل الشروط في الطلاق على باب الشرط والجزاء في العربية، وإن لم يجز تجزيء الاجتهاد، لم يجز ذلك، والأشبه القول بتجزيء الاجتهاد، إذ لا يمتنع وجود أهلية الاجتهاد كاملة بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض ... وله: «والأشبه» يعني بالصواب وما دل عليه الدليل «اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط» دون الفقيه الصرف «لتمكنهما» يعني الأصولي والنحوي «من درك الحكم» أي: من إدراكه، واستخراجه «بالدليل» هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه؛ ولأن مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بها الذهن، ويقوى بها استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات، حتى يصير لها ذلك ملكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية، أدركتها، إذ هي في الغالب لا تخالف قواعد الأصول العقلية إلا بعارض بعيد، أو تخصيص علة، ومع ذلك فهو لا يخفى على من مارس المباحث الأصولية ... ).
стр. 447
قيود أخرى:
لابد من إضافة بعض القيود لهذا التعريف ليكون جامعا مانعا، هي:
١ - قيد: في عصر، أي من العصور:
أما قول الشيخ (اتفاق مجتهدي هذه الأمة) يشعر بعدم انعقاد إجماع إلى يوم القيامة؛ لأن أمة محمد ﷺ تشمل جميع من اتبعه إلى يوم القيامة ومن كان منهم موجودا في عصر من العصور فهو يعم بعض الأمة لا كلها. وعليه فلابد من إضافة قيد: في عصر؛ ليصح كون اتفاق أهل الاجتهاد في أي عصر من العصور إجماعا صحيحا.
وقد زاد هذا القيد جماعة من الحنابلة:
قال أبو يعلى في "العدة" (١/ ١٧٠): (اتفاق علماء العصر على حكم النازلة).
قال ابن عقيل في "الواضح" (١/ ٤٢): (اتفاق فقهاء العصر على حكم الحادثة).
قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/١٣٠): (اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين).
قال الطوفي في "البلبل" (ص/١٢٨): (اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني).
قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ١٥٢٢): (اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو فعلاً، بعد النبي).
قال ابن النجار في "مختصر التحرير": (اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر ولو فعلا بعد النبي ﷺ .
وكل هذه التعاريف غير جامعة ولا مانعة، إلا أن الغرض بيان ذكرهم لقيد العصر.
٢ - قيد: ألا يسبق الإجماع خلاف مستقر:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٦٦): (أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع؛ لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها. فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه ... ).
قال ابن بدران في "المدخل" (ص/٢٧٨): (واصطلاحا اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر من العصور على أمر ومن يرى انقراض العصر يزيد إلى انقراض
стр. 448
العصر ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من حي أو ميت جوز وقوعه يزيد لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر).
وسوف يأتي - بإذن الله - الكلام على المسألتين وإنما الغرض التنبيه على ترجيح الشيخ ووجه إضافة هذا القيد.
٣ - قيد عدالة المجتهدين:
اختلف العلماء في اشتراط قيد العدالة للمجتهدين على أقوال خمسة (١).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (٤/ ١١٣٩): (ولا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع بأهل الضلال والفسق، وإنما الإجماع إجماع أهل الحق، الذين لم يثبت
فسقهم وضلالهم.
وقد قال أحمد ﵀، في رواية بكر بن محمد عن أبيه: "لا يشهد عندي رجلٌ، ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه؟! يعنى: الجَهْمي".
وبهذا قال الرازي والجرجاني. وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يعتد في الإجماع بمن يخالف الحق، كما يعتد بأهل الحق، سواء عظمت معصية المخالف للحق أو لم تعظم.
وهو اختيار أبي سفيان الحنفي.
وذكر الإسفراييني: إن ارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بقوله، وإن فسق بها، أو أتى كبيرة يعتد به " (٢).
стр. 449
وقال المجد في "المسودة" (ص/ ٢٩٧): (ولا يعتد بخلاف الفاسق وبه قال الجرجاني والرازي وأكثر الشافعية وقال أبو سفيان الحنفى وبعض المتكلمين يعتد به واختاره الجوينى وأبو الخطاب كالجوينى وكذلك الاسفرائينى وقال بعض الشافعية يسأل فان ذكر مستندا صالحا اعتد به وإلا فلا بخلاف العدل فانه يعتد بخلافه من غير أن يسأل).
وبيان الراجح عندي يتضح من خلال بيان هذين الأصلين:
الأول - سبق في شرحي للموقظة أن حققت أن مبنى العدالة يدور على ظن
الصدق دون غيره من الشروط كاجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو
بدعة.
الثاني - أن العدالة ليست شرطا في الاجتهاد، وإنما هي شرط في الفتيا، أو الحكم؛ وذلك لأن الفتيا، أو الحكم إنما هي خبر عن حكم الله الذي وصل إليه المجتهد باجتهاده، ويدخل في ذلك إخبارنا عن اجتهاده.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٣): (ويجاب عما قاله القاضي: بأن العدالة تعتبر للرواية والشهادة، لا للنظر والاجتهاد، وهو المراد في باب الإجماع، وللقاضي أن يقول: هو مخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره غير مقبول لفسقه).
قال الشنقيطي في "المذكرة": (ص/٢٨٨): (والعدالة ليست شرطاً في أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد).
وقال السمعاني في " قواطع الأدلة" (٢/ ٣٠٦): (وليس يعتبر في صحة الاجتهاد أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا ولا أن يكون عدلا وهو يصح من الرجل والمرأة والحر والعبد والفاسق وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى فلا يجوز استفتاء الفاسق وإن صح استفتاء المرأة والعبد ولا يصح الحكم إلا من رجل حر عدل فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة لما تضمنه من القبول وشروط الحكم أغلظ من شروط الفتيا بالحرية والذكورية لما تضمنه من الإلزام).
стр. 450
قال الشيخ عياض السلمي في " أصوله" (ص/٤٥٤): (العدالةُ: وهي شرطٌ لقَبول الاجتهاد والاعتدادِ به، فمن ليس عدلاً مقبولَ الرواية لا يُقبلُ قولُه في الشرع، كما لا يُقبلُ خبرُ مَن ليس عدلاً عن رسول الله ﷺ ؛ فإن الفُتيا خبرٌ عن حكم الله تعالى).
وعليه فمن غلب على الظن صدقه فهو عدل يقبل اجتهاده وخبره عن اجتهاده، ومن غلب على الظن كذبه، وعدم صدقه فاجتهاده وإن كان صحيحا لتوفر شروط الاجتهاد فيه إلا أن خبره عن اجتهاده يكون غير مقبولا فلا يعتد به في الإجماع.
وعليه فلابد من إضافة قيد العدالة للمجتهدين، وهذا جار على أصول المذهب.
ومما سبق يكون تعريف الإجماع: (اتفاق العدول من مجتهدي هذه الأمة في عصر بعد النبي ﷺ على حكم شرعي غير مسبوق بخلاف مستقر).
تتمة - هل يعتد بخلاف الظاهرية في الإجماع ؟
قال الشيخ في شرح الأصول (ص/٤٨٩): (بعض العلماء يحصل منهم بعض الخطأ في بعض الطوائف حيث لا يعتبرون إجماعهم، فيرى بعض الفقهاء وأصحاب الرأي أن خلاف الظاهرية لا يعتبر، ويقول: إن الأمة تُجمع ويحكم بإجماعها ولو خالفها أهل الظاهر في هذا الحكم.
فمثلاً: عندهم ابن حزم، وداود الظاهري وغيرهما من أهل الظاهر لا يعتد بخلافهم إذا أجمع الفقهاء على قولٍ، وهؤلاء المخالفون لهم، فإجماع الفقهاء حجة ملزمة، ولكن هذا القولُ ضعيفٌ؟ والصواب أن قول الظاهرية يخرم الإجماع إن كان مخالفًا له؛ لأن الظاهرية لا شك أن مذهبهم صحيح، وإن كان عندهم خطأ كثير لكن خطؤهم لا يوجب رد قولهم مطلقًا، فلهم أقوال صحيحة موافقة لظاهر النصوص والصواب فيها معهم. فالصواب أن قول أهل الظاهر معتبر، وأنه إذا خالف قولَ غيرهم لم يكن ثم إجماع).
وهذا القول الذي اختاره الشيخ هو أحد الأقوال الثلاثة المشهورة في المسألة وهو الأرجح وهو رأي كثير من الحنابلة واختاره غير واحد من المحققين كابن القيم، وذهب الطوفي في "التعيين في شرح الأربعين" (ص/٢٤٤) أن خلافهم غير معتبر مطلقا.
стр. 451
ومما يرجح اعتبار قولهم (١):
أن إنكارهم للقياس لا يعني خروجهم من دائرة العلماء؛ لأنهم مجتهدون توفرت فيهم جميع أدوات الاجتهاد، كما أنه يلزم من عدم الاعتداد بخلافهم عدم الاعتداد بخلاف منكري حديث الآحاد - مطلقا أو في وقائع معينة - ومنكري العمل بالحديث المرسل، ومن يرى نسخ القرآن بالسنة، ومنكري العموم، وغير ذلك من صور عدم العمل ببعض آحاد الأدلة المتفق عليها من الكتاب والسنة.
حجية الإجماع:
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٦٤): (الإجماع حجة لأدلة منها:
١ - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣]، فقوله: (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم والشهيد قوله مقبول.
٢ - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) [النساء:٥٩] دل على أن ما اتفقوا عليه حق.
٣ - قوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
٤ - أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال).
الخلاف في حجية الإجماع خلاف ضعيف، وجماهير أهل العلم من لدن الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة الأربعة ومن بعدهم من أهل العلم على الاحتجاج به ولزوم حجيته.
وخالف في ذلك النظّام والقاشاني من المعتزلة، وأكثر الخوارج.
- وجه الاستدلال بالآية الأولى:
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ١٥): (قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
стр. 452
أُمَّةً) وَسَطًا «أي: عدولا» خيارا، كذلك قال أئمة أهل اللغة والتفسير ... قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣] أي: لتشهدوا يوم القيامة على الأمم أن أنبياءهم بلغوهم أمر الله تعالى بالتوحيد وأحكامه، فدل على أن المراد بالوسط من تقبل شهادته، خصوصا في ذلك اليوم، على ذلك الخلق العظيم: وهو العدل وإذا ثبت أن الوسط في الآية الكريمة هو العدل، فالاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: أن وصفهم بالعدالة في سياق المدح، وإنما يحسن المدح إذا كانوا على الصواب في أقوالهم وأفعالهم، وذلك يوجب أن ما اتفقوا عليه يكون صوابا.
الوجه الثاني: أن الوصف بالعدالة، إما لكل واحد منهم أو لمجموعهم، والأول باطل قطعا، لوجود آحاد الفساق فيهم كثيرا، فتعين الثاني، وهو أن الوصف بالعدالة لمجموعهم، وذلك يقتضي أن ما يقولونه مجتمعين عليه حق وصواب، لأن قائل غير الحق والصواب يكون كاذبا، والكاذب لا يكون عدلا ... ).
- وجه الاستدلال بالآية الثانية:
وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩]:أنه تعالى أمر في الآية بالرد إلى الله ورسوله، أي الكتاب والسنة، بشرط وجود التنازع في الحكم بين المؤمنين؛ ليرتفع التنازع ويحصل الاتفاق بينهم، وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع بل كان الحكم مجمعا عليه فلا يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ لانعدام المشروط بشرطه، بل يكتفى بالإجماع عنهما، فكان الإجماع حجة، يجب العمل به كالكتاب والسنة.
ومن أقوى الأدلة على حجية الإجماع قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]، وجه الاستدلال بها أنه سبحانه توعد بالنار من اتبع غير سبيل المؤمنين، وذلك «يوجب إتباع سبيلهم» وإذا أجمعوا على أمر، كان سبيلا لهم
стр. 453
، فيكون إتباعه واجبا على كل واحد، منهم ومن غيرهم، وهو المراد بكون الإجماع حجة (١).
وقد أورد البعض على الاستدلال بهذه الآيات بعض الاعتراضات الضعيفة، فلا حاجة لذكرها (٢).
- وجه الاستدلال بقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتى على ضلالة).
وفي معنى هذا الحديث أحاديث أخرى كثيرة تشهد لمعناه.
وكلمة: (ضلالة) نكرة في سياق النفي فتعم جميع الضلال من كفر وكل معصية، فإن ثبت انتفاء اجتماع الأمة على خطأ، صار ما اجتمعت عليه حقا واجب الإتباع.
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٦٥): (إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟! هذا من أكبر المحال).
وفي الباب أدلة أخرى من المنقول والمعقول دالة على حجية الإجماع، وفيما تقدم كفاية.
ولنتوقف قليلا مع بعض الشبه التي عرضت للمخالف، ومنها:
قال عرض الشيخ على الراشدي في رسالته: (الإجماع عند الإمام النووي) (١/ ١٢٣) لبعض هذه الشبه فقال:
(الشبهة الأولى - قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩] ولم يذكر الإجماع ولو كان حجة لذكره.
الشبهة الثانية - قوله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن قاضيا: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد ... ؟ قال: أجتهد رأي ولا آلو؛ فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال:
стр. 454
الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)، ولم يذكر الإجماع؛ فدل على أنه ليس بحجة.
الشبهة الثالثة - قوله ﷺ في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعضكم رقاب بعض) ومن أجاز رجوعهم إلى الكفر لا يكون إجماعهم حجة.
الشبهة الرابعة - يستحيل أن يجوز الخطأ على الواحد من الأمة، ولا يجوز على جماعتهم، كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين.
والجواب عن الشبهة الأولى: أن الرد إلى الله والرسول إنما يكون عند الاختلاف، وأما عند الإجماع فلا رد.
وعن الثانية: أنه لم يذكر الإجماع؛ لأنه لا إجماع في زمن النبي ﷺ .
وعن الثالثة: لعله أراد بعض الأمة، او المراد كفر دون كفر، كما هو قول السلف.
وعن الرابعة: أن جواز الخطأ في حال الانفراد، وأما في حال الاجتماع فإنهم معصومون).
ويقال أيضا في الجواب عن الشبهة الثانية أن الحديث ضعيف لا يثبت (١).
стр. 455
أنواع الإجماع:
قال الشيخ: (الإجماع نوعان: قطعي، وظني. فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة).
قال في "شرح الأصول" (ص/٤٩٦): (فالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة هو إجماع قطعي، ومعنى بالضرورة أي: بدون نظر وتأمل- يعني لا يحتاج أن ننظر: هل أجمعوا أم لم يجمعوا؛ لأنه معروف.
ثم قال: (فإن قيل: لعل فيه خلافًا.
قلنا: لا يمكن أن يخالف أحد في هذا، إلا من كان حديث عهد بإسلام، لا يدري عن الإِسلام شيئًا، أما من عاش بين المسلمين فإنا نعلم أنه يعتقد وجوب الصلوات الخمس، وكذلك تحريم الزنا، فإن العلماء مجمعون عليه إجماعًا قطعيًا، وكذلك حِلّ الخبز فهو مجمع عليه).
ثم قال الشيخ: (والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء) (١).
وقال في "شرح الأصول" (ص/٤٩٨): (الثاني هو الظني، والظني: ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء، يعني ليس معلومًا بالضرورة، بل مُتَتبَّع، فَيُتتبَّع من الكتب التي تنقل الآَثار عن المتقدمين، وتتبع الكتاب التي ألفها المتأخرون، وينظر فإذا أجمعت الكتب والآثار على حكم من الأحكام قلنا: هذا إجماع، لكنه ليس قطعيًا، ليس إجماعًا قطعيًا لأنه يجوز أن يكون هناك خلاف لم نعلمه).
هذا محصل كلام الشيخ في بيان نوعي الإجماع.
وأما تفسير الشيخ للظني بما ثبت بالتتبع والاستقراء فقد تبع فيه تقي الدين ابن تيمية حيث قال في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٧): (والإجماع نوعان قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي بأن يستقرىء أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره).
стр. 456
وزاد تقي الدين: الإقراري وسوف يأتي - بإذن الله - الخلاف في اعتباره في آخر باب الإجماع.
تنبيه:
في حصر ما ثبت بالتتبع والاستقراء في الظني دون القطعي نظر؛ إذ أن الاستقراء منه ما هو تام ومنه ما ناقص.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٤/ ٤١٨): ((والاستقراء بالجزئي على الكلي) الذي هو أحد أصناف الاستدلال نوعان:
أحدهما: استقراء تام، وهو ما أشير إليه بقوله (إن كان) أي الاستقراء (تاما) أي بالكلي (إلا صورة النزاع، ف) هو (قطعي) عند الأكثر، وحد هذا: بأنه إثبات حكم في جزئي لثبوته في الكلي نحو: كل جسم متحيز.
فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينا في كلي، وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات.
فكل جزئي من ذلك الكلي يحكم عليه بما حكم به على الكلي، إلا صورة النزاع فيستدل بذلك على صورة النزاع، وهو مفيد للقطع ...
النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو ما أشير إليه بقوله (أو) إن كان (ناقصا) أي بأن يكون الاستقراء (بأكثر الجزئيات) لإثبات الحكم الكلي المشترك بين جميع الجزئيات ... (ويسمى) هذا عند الفقهاء (إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، ف) هو (ظني) ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات.
فكلما كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظنا (وكل) من النوعين (حجة) أما الأول: فبالاتفاق، وأما الثاني: فعند صاحب الحاصل والبيضاوي والهندي، وبعض أصحابنا وغيرهم ... ).
فإن كان الاستقراء تاما فهو حجة قطعية، وثبت عن طريق جمع كبير من العلماء يبلغون حد التواتر فهو حجة قطعية، وذلك على مقتضى كلام ابن قدامة وسيأتي.
ولنتوقف الآن مع طريقة ابن قدامة في التقسيم وطريقته في تعيين القطعي والظني.
قال في "الروضة" (ص/١٥٤): (الإجماع ينقسم إلى: مقطوع، ومظنون.
стр. 457
فالمقطوع ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط (١) التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر.
والمظنون ما تخلف فيه أحد القيدين بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد).
قال الطوفي (٣/ ١٢٧) شارحا كلام ابن قدامة: (أما الشيخ أبو محمد، فقال: الإجماع إما مقطوع أو مظنون، فالمقطوع ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقل تواترا، والمظنون ما اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترا، ومتفقا عليه آحادا.
مثال المختلف فيه: أن يتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، أو يؤخذ بقول البعض وسكوت البعض، أو يوجد الاتفاق في بعض
العصر ولم ينقرض حتى خولف، أو يجمع الصحابة بدون التابعي المعاصر ...
ومثال المتفق عليه آحادا: أن ينقل إجماع الصحابة بشروطه المتفق عليها بطريق الآحاد).
وقال أيضا (٣/ ١٢٦): («الإجماع إما نطقي، أو سكوتي» وكل واحد منهما: إما «تواتر أو آحاد».
فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقا، بمعنى أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيا أو إثباتا. وهذا معنى قوله: «إما نطقي من الكل».
والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض، وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترا أو آحادا، أي: ينقل بالتواتر أو الآحاد أن جميع المجتهدين نطقوا بصريح الحكم، أو ينقل بالتواتر أو الآحاد أن بعض المجتهدين أفتى، وبعضهم سكت ...
قوله: «ومراتبها» أي: مراتب أقسام الإجماع «متفاوتة» في القوة والضعف، وأقواها النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم
стр. 458
السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادا ... فهذه أربع مراتب، طرفان وواسطتان، لأنها إما نطقي متواتر، أو سكوتي آحاد، هذان طرفان، في كل واحد منهما جهتا قوة أو ضعف، أو نطقي آحاد، أو سكوتي متواتر، هذان واسطتان، في كل واحدة منهما جهة قوة وجهة ضعف، وذلك ظاهر، فإن أردنا الترجيح بين الواسطتين، فالنطقي الآحاد أولى بالرجحان، لأن الاحتمالات القادحة في السكوتي أكثر وأقوى منها في الآحاد).
وزاد الشنقيطي نوعا آخر للقطعي، وهو القولي المشاهد قال في "المذكرة" (ص/١٥٣): (واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد) فالقولي المشاهد يكون حجة قاطعة في حق المشاهد، كما أن قول النبي ﷺ دليل قاطع في حق من شافهه به، فأما إن نقل لنا بطريق الآحاد كان حجة ظنية.
الخلاصة:
وبعد هذه النقول يتبين أنهم قعدوا ومثلوا للإجماع القطعي والظني:
فالإجماع القطعي هو: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر، كالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة، ومنه النطقي المتواتر، والقولي المشاهد في حق من شاهده.
والإجماع الظني هو: ما تخلف فيه أحد القيدين (الاتفاق أو تحقق بعض الشروط) بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد (النطقي المنقول آحادا)، وكالإجماع الإقراري والإجماع الاستقرائي (وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء الناقص) وكالإجماع السكوتي المتواتر، أو السكوتي المنقول آحادا.
فروع:
الأول - حكم مخالف الإجماع القطعي والظني:
قال الشيخ: (ويكفر مخالفه - أي القطعي - إذا كان ممن لا يجهله).
وقال الطوفي قي "مختصر الروضة" (ص/١٣٧): (ومنكر حكم الإجماع الظني لا
стр. 459
يكفر، وفي القطعي النفي والإثبات، والثالث: يكفر بإنكار مثل الصلوات الخمس دون غيرها).
وقال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٧/ ٣٩): (كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البيِّن. وأما إذا كان يُظن الإجماع ولا يُقطع به فهنا قد لا يقطع أيضا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. والإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة فان من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا فهذا يجب القطع بأنه حق وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى).
وقال ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٩): (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر على قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره).
وهذا محصل ما وقفت عليه من أقوال في حكم مخالف الإجماع، وأرجح الأقوال عندي ما ذكره الشيخ ﵀ حيث قال وهو يتكلم عن الإجماع القطعي: (ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله).
الثاني - يكفر منكر الإجماع الضروري، والمشهور سواء أكان منصوصا عليه أم لا:
قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ١٦٧٩): (﴿ابن حامد، وجمع، يكفر منكر حكم إجماع قطعي﴾، والقاضي وأبو الخطاب، وجمع لا، ويفسق والطوفي، والآمدي، ومن تبعه يكفر بنحو العبادات الخمس، وهو معنى كلام أصحابنا في الفقه: يكفر بنحو العبادات الخمس. قال ابن مفلح: واختاره بعض أصحابنا - مع أنه حكى الأول
стр. 460
عن أكثر العلماء - ولا أظن أحداً لا يكفر من جحد هذا. انتهى. ولهذا وغيره قلنا: والحق أن منكر المجمع عليه الضروري، والمشهور المنصوص عليه. كافر قطعاً، وكذا المشهور فقط، لا الخفي في الأصح فيهما. فهنا أربعة أقسام: الأول: المجمع عليه الضروري، ولا شك في تكفير منكر ذلك، وقد قطع الإمام أحمد، والأصحاب: بكفر جاحد الصلاة، وكذا لو أنكر ركناً من أركان الإسلام، لكن ليس كفره من حيث كون ما جحده مجمعاً عليه فقط، بل مع كونه مما اشترك الناس في معرفته فإنه يصير بذلك كأنه جاحد لصدق الرسول. ومعنى كونه معلوماً بالضرورة أن يستوي خاصة أهل الدين، وعامتهم في معرفته حتى يصير كالمعلوم بالعلم الضروري في عدم تطرق الشك إليه، لا أنه يستقل العقل بإدراكه فيكون علماً ضرورياً، كأعداد الصلوات، وركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وزمانها، وتحريم الزنا، والخمر، والسرقة، ونحوها. وإن لم يكن معلوماً من الدين بالضرورة، ولكن منصوص عليه مشهور عند الخاصة والعامة فيشارك القسم الذي قبله في كونه منصوصاً، ومشهوراً، ويخالفه من حيث إنه لم ينته إلى كونه ضرورياً في الدين فيكفر به جاحده أيضاً. وإن لم يكن منصوصاً عليه لكنه بلغ مع كونه مجمعاً عليه في الشهرة مبلغ المنصوص بحيث تعرفه الخاصة، والعامة فهذا أيضاً يكفر منكره في أصح قولي العلماء، حكاها الأستاذ أبو إسحاق وغيره؛ لأنه يتضمن تكذيبهم تكذيب الصادق. وقيل: لا يكفر لعدم التصريح بالتكذيب، وإن لم يكن منصوصاً عليه، ولا بلغ في الشهرة مبلغ المنصوص؛ بل هو خفي، لا يعرفه إلا الخواص، كإنكار استحقاق بنت الابن السدس مع البنت، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالاتها، أو إفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة، ونحوه، فهذا لا يكفر جاحده، ولا منكره لعذر الخفاء، خلافاً لبعض الفقهاء في قوله: إنه يكفر؛ لتكذيبه الأمة. ورد: بأنه لم يكذبهم صريحاً، إذا فرض أنه لم يكن مشهوراً، فهو مما يخفى على مثله، فهذا تحقيق هذه المسألة وتحريرها ... ).
وخلاصة كلام المرداوي أنه ألحق بالضروري: المشهور سواء أكان منصوصا عليه أم لا في أنه يكفر منكره.