← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2554

الشرح الكبير لمختصر الأصول

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (642 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وزاد تقي الدين: الإقراري وسوف يأتي - بإذن الله - الخلاف في اعتباره في آخر باب الإجماع. تنبيه: في حصر ما ثبت بالتتبع والاستقراء في الظني دون القطعي نظر؛ إذ أن الاستقراء منه ما هو تام ومنه ما ناقص. قال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (٤/ ٤١٨): ((والاستقراء بالجزئي على الكلي) الذي هو أحد أصناف الاستدلال نوعان: أحدهما: استقراء تام، وهو ما أشير إليه بقوله (إن كان) أي الاستقراء (تاما) أي بالكلي (إلا صورة النزاع، ف) هو (قطعي) عند الأكثر، وحد هذا: بأنه إثبات حكم في جزئي لثبوته في الكلي نحو: كل جسم متحيز. فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينا في كلي، وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات. فكل جزئي من ذلك الكلي يحكم عليه بما حكم به على الكلي، إلا صورة النزاع فيستدل بذلك على صورة النزاع، وهو مفيد للقطع ... النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو ما أشير إليه بقوله (أو) إن كان (ناقصا) أي بأن يكون الاستقراء (بأكثر الجزئيات) لإثبات الحكم الكلي المشترك بين جميع الجزئيات ... (ويسمى) هذا عند الفقهاء (إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، ف) هو (ظني) ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات. فكلما كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظنا (وكل) من النوعين (حجة) أما الأول: فبالاتفاق، وأما الثاني: فعند صاحب الحاصل والبيضاوي والهندي، وبعض أصحابنا وغيرهم ... ). فإن كان الاستقراء تاما فهو حجة قطعية، وثبت عن طريق جمع كبير من العلماء يبلغون حد التواتر فهو حجة قطعية، وذلك على مقتضى كلام ابن قدامة وسيأتي. ولنتوقف الآن مع طريقة ابن قدامة في التقسيم وطريقته في تعيين القطعي والظني. قال في "الروضة" (ص/١٥٤): (الإجماع ينقسم إلى: مقطوع، ومظنون.

стр. 457

فالمقطوع ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط (١) التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر. والمظنون ما تخلف فيه أحد القيدين بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد). قال الطوفي (٣/ ١٢٧) شارحا كلام ابن قدامة: (أما الشيخ أبو محمد، فقال: الإجماع إما مقطوع أو مظنون، فالمقطوع ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، ونقل تواترا، والمظنون ما اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترا، ومتفقا عليه آحادا. مثال المختلف فيه: أن يتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، أو يؤخذ بقول البعض وسكوت البعض، أو يوجد الاتفاق في بعض العصر ولم ينقرض حتى خولف، أو يجمع الصحابة بدون التابعي المعاصر ... ومثال المتفق عليه آحادا: أن ينقل إجماع الصحابة بشروطه المتفق عليها بطريق الآحاد). وقال أيضا (٣/ ١٢٦): («الإجماع إما نطقي، أو سكوتي» وكل واحد منهما: إما «تواتر أو آحاد». فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقا، بمعنى أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيا أو إثباتا. وهذا معنى قوله: «إما نطقي من الكل». والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض، وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترا أو آحادا، أي: ينقل بالتواتر أو الآحاد أن جميع المجتهدين نطقوا بصريح الحكم، أو ينقل بالتواتر أو الآحاد أن بعض المجتهدين أفتى، وبعضهم سكت ... قوله: «ومراتبها» أي: مراتب أقسام الإجماع «متفاوتة» في القوة والضعف، وأقواها النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم

стр. 458

السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادا ... فهذه أربع مراتب، طرفان وواسطتان، لأنها إما نطقي متواتر، أو سكوتي آحاد، هذان طرفان، في كل واحد منهما جهتا قوة أو ضعف، أو نطقي آحاد، أو سكوتي متواتر، هذان واسطتان، في كل واحدة منهما جهة قوة وجهة ضعف، وذلك ظاهر، فإن أردنا الترجيح بين الواسطتين، فالنطقي الآحاد أولى بالرجحان، لأن الاحتمالات القادحة في السكوتي أكثر وأقوى منها في الآحاد). وزاد الشنقيطي نوعا آخر للقطعي، وهو القولي المشاهد قال في "المذكرة" (ص/١٥٣): (واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد) فالقولي المشاهد يكون حجة قاطعة في حق المشاهد، كما أن قول النبي ﷺ دليل قاطع في حق من شافهه به، فأما إن نقل لنا بطريق الآحاد كان حجة ظنية. الخلاصة: وبعد هذه النقول يتبين أنهم قعدوا ومثلوا للإجماع القطعي والظني: فالإجماع القطعي هو: ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر، كالذي يعلم بالضرورة وقوعه من الأمة، ومنه النطقي المتواتر، والقولي المشاهد في حق من شاهده. والإجماع الظني هو: ما تخلف فيه أحد القيدين (الاتفاق أو تحقق بعض الشروط) بأن يوجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد (النطقي المنقول آحادا)، وكالإجماع الإقراري والإجماع الاستقرائي (وهو ما لا يعلم إلا بالتتبع والاستقراء الناقص) وكالإجماع السكوتي المتواتر، أو السكوتي المنقول آحادا. فروع: الأول - حكم مخالف الإجماع القطعي والظني: قال الشيخ: (ويكفر مخالفه - أي القطعي - إذا كان ممن لا يجهله). وقال الطوفي قي "مختصر الروضة" (ص/١٣٧): (ومنكر حكم الإجماع الظني لا

стр. 459

يكفر، وفي القطعي النفي والإثبات، والثالث: يكفر بإنكار مثل الصلوات الخمس دون غيرها). وقال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (٧/ ٣٩): (كل ما أجمعوا عليه فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البيِّن. وأما إذا كان يُظن الإجماع ولا يُقطع به فهنا قد لا يقطع أيضا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر. والإجماع هل هو قطعي الدلالة أو ظني الدلالة فان من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا ومنهم من يطلق النفي لهذا ولهذا والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه منازع من المؤمنين أصلا فهذا يجب القطع بأنه حق وهذا لابد أن يكون مما بين فيه الرسول الهدى). وقال ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٩): (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر على قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره). وهذا محصل ما وقفت عليه من أقوال في حكم مخالف الإجماع، وأرجح الأقوال عندي ما ذكره الشيخ ﵀ حيث قال وهو يتكلم عن الإجماع القطعي: (ويكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله). الثاني - يكفر منكر الإجماع الضروري، والمشهور سواء أكان منصوصا عليه أم لا: قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ١٦٧٩): (﴿ابن حامد، وجمع، يكفر منكر حكم إجماع قطعي﴾، والقاضي وأبو الخطاب، وجمع لا، ويفسق والطوفي، والآمدي، ومن تبعه يكفر بنحو العبادات الخمس، وهو معنى كلام أصحابنا في الفقه: يكفر بنحو العبادات الخمس. قال ابن مفلح: واختاره بعض أصحابنا - مع أنه حكى الأول

стр. 460

عن أكثر العلماء - ولا أظن أحداً لا يكفر من جحد هذا. انتهى. ولهذا وغيره قلنا: والحق أن منكر المجمع عليه الضروري، والمشهور المنصوص عليه. كافر قطعاً، وكذا المشهور فقط، لا الخفي في الأصح فيهما. فهنا أربعة أقسام: الأول: المجمع عليه الضروري، ولا شك في تكفير منكر ذلك، وقد قطع الإمام أحمد، والأصحاب: بكفر جاحد الصلاة، وكذا لو أنكر ركناً من أركان الإسلام، لكن ليس كفره من حيث كون ما جحده مجمعاً عليه فقط، بل مع كونه مما اشترك الناس في معرفته فإنه يصير بذلك كأنه جاحد لصدق الرسول. ومعنى كونه معلوماً بالضرورة أن يستوي خاصة أهل الدين، وعامتهم في معرفته حتى يصير كالمعلوم بالعلم الضروري في عدم تطرق الشك إليه، لا أنه يستقل العقل بإدراكه فيكون علماً ضرورياً، كأعداد الصلوات، وركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وزمانها، وتحريم الزنا، والخمر، والسرقة، ونحوها. وإن لم يكن معلوماً من الدين بالضرورة، ولكن منصوص عليه مشهور عند الخاصة والعامة فيشارك القسم الذي قبله في كونه منصوصاً، ومشهوراً، ويخالفه من حيث إنه لم ينته إلى كونه ضرورياً في الدين فيكفر به جاحده أيضاً. وإن لم يكن منصوصاً عليه لكنه بلغ مع كونه مجمعاً عليه في الشهرة مبلغ المنصوص بحيث تعرفه الخاصة، والعامة فهذا أيضاً يكفر منكره في أصح قولي العلماء، حكاها الأستاذ أبو إسحاق وغيره؛ لأنه يتضمن تكذيبهم تكذيب الصادق. وقيل: لا يكفر لعدم التصريح بالتكذيب، وإن لم يكن منصوصاً عليه، ولا بلغ في الشهرة مبلغ المنصوص؛ بل هو خفي، لا يعرفه إلا الخواص، كإنكار استحقاق بنت الابن السدس مع البنت، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالاتها، أو إفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة، ونحوه، فهذا لا يكفر جاحده، ولا منكره لعذر الخفاء، خلافاً لبعض الفقهاء في قوله: إنه يكفر؛ لتكذيبه الأمة. ورد: بأنه لم يكذبهم صريحاً، إذا فرض أنه لم يكن مشهوراً، فهو مما يخفى على مثله، فهذا تحقيق هذه المسألة وتحريرها ... ). وخلاصة كلام المرداوي أنه ألحق بالضروري: المشهور سواء أكان منصوصا عليه أم لا في أنه يكفر منكره.

стр. 461

الثالث - يثبت الإجماع بخبر الواحد ويكون حجة ظنية توجب العمل (١): قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ١٢٨): (العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع بخبر الواحد. قال الآمدي: فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره الباقون. وقال القرافي: الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافا لأكثر الناس. قلت: احتج المانعون بأنه - يعني خبر الواحد - «ظني» أي: إنما يفيد الظن: «فلا يثبت قاطعا» وهو الإجماع، وحاصله أن الإجماع قاطع، وخبر الواحد ظني، فلا يثبت القاطع بالظني؛ لأن الضعيف لا يكون مستندا للقوي. قوله: «لنا:» أي: على أن الإجماع المروي آحادا حجة وجهان: أحدهما: أن «نقل الخبر الظني» آحادا يوجب العمل «فنقل الإجماع القطعي» آحادا «أولى» أن يوجب العمل، لأن الظن واقع في ذات خبر الواحد وطريقه، والإجماع إنما وقع الظن في طريقه لا في ذاته، وإذا وجب العمل بالأول، كان بالثاني أوجب. الوجه الثاني: أن «الظن متبع في الشرع» وهو مناط العمل، كما تقرر في غير موضع «وهو - يعني الظن - حاصل بما ذكرنا» يعني الإجماع المنقول آحادا ... وأيضا فإن قول النبي ﷺ دليل قاطع في حق من شافهه به، كما أن الإجماع في نفسه قاطع، ثم إن قول النبي ﷺ إذا نقل آحادا، كان حجة ; كذلك الإجماع إذا نقل آحادا، كان حجة، ولا فرق ... ) (٢). الرابع: هل يختص انعقاد الإجماع بالصحابة: قال الشيخ: (وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في العقيدة الواسطية: " والإجماع الذي ينضبط

стр. 462

ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة "). وقال في "الشرح" (ص/٤٩٨) موضحا قول تقي الدين: (فهذا هو الإجماع الذي ينضبط، هو الذي يكون عليه السلف الصالح، والسلف الصالح هم: الصحابة والتابعون وتابعوهم يعني: القرون المفضلة الثلاثة. وقوله: (إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة) أي: بعد السلف الصالح كثر الاختلاف، وصار كل إنسانٍ يأتي بقولٍ ورأيٍ من عنده. "وانتشرت الأمة": بمعنى تفرقت، لأن الممالك الإسلامية اتسعت بالفتوح، وحصلت فتن وحروب، فلا نكاد نجمع أقوال العلماء من أدنى الدولة الإِسلامية إلى أقصاها، فانتشرت الأمة ولا يمكن الإحاطة بقولها، فأما السلف الصالح فيمكن). وهنا نرى أن الشيخ فسر السلف الصالح في كلام تقي الدين بالقرون الثلاثة المفضلة، ولتقي الدين كلاما آخر فيه تخصيص هذا العموم بالصحابة. قال في " مجموع الفتاوى - (١١/ ٣٤١): (الإجماع متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبا ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على احد قولي الصحابة والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم والإجماع السكوتي وغير ذلك). وقال في منهاج السنة (٢/ ٦٠١): (ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ومن خالف ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة ومتنازعون في إجماع من بعدهم). تحرير مذهب شيخ الإسلام: سبق أن نقلنا أن الإجماع عند شيخ الإسلام ينقسم إلى إجماع قطعي، وظني، فالأول هو الذي ينضبط ولا ينعقد على خلاف نص، وهذا الذي يكفر مخالفه، وعند شيخ الإسلام أن هذا خاص بالصحابة، بخلاف الإجماع الاستقرائي، والإقراري فهذا

стр. 463

إجماع ظني ولا ينضبط، ولا يعارض به نصوص الكتاب والسنة. والإجماع الظني عند شيخ الإسلام حجة ظنية: قال في " مجموع الفتاوى" (١٩/ ٢٦٧): (والإجماع نوعان قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي على خلاف النص وأما الظني فهو الإجماع الإقرارى والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به لأن هذا حجة ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها فانه لا يجزم بانتفاء المخالف وحيث قطع بانتفاء المخالف فالإجماع قطعي وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو حجة ظنية والظني لا يدفع به النص المعلوم لكن يحتج به ويقدم على ما هو دونه بالظن ويقدم عليه الظن الذي هو أقوى منه فمتى كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه بثبوت الإجماع قدم دلالة النص ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا والمصيب في نفس الأمر واحد). الترجيح: والراجح أن انعقاد الإجماع لا يختص بالصحابة لشمول الأدلة التي سبق وأن سقتها في بيان حجية الإجماع للصحابة وغيرهم. قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٧): (لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصر حجة، خلافا لداود، وعن أحمد مثله». قال الشيخ أبو محمد: وقد أومأ أحمد إلى نحو من قوله، يعني قول داود. قال الآمدي: ذهب أهل الظاهر، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه إلى أن الإجماع المحتج به مختص بالصحابة ﵃، وذهب الباقون إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة، وهو المختار. قلت: المشهور من مذهب أحمد ما حكيناه أولا كقول الأكثرين. قوله: «لنا: المؤمنون» إلى آخره، أي: لنا على أن إجماع كل عصر حجة وجهان: أحدهما: أن دليل السمع متناول لأهل كل عصر، وصادق عليهم، فيكون إجماعهم حجة.

стр. 464

أما الأول فلأن قوله : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥]، وقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسنا .. ) (١) و (يد الله على الجماعة) «صادق على أهل كل عصر» إذ تصح تسميتهم مؤمنين ومسلمين، وجماعة تعريفا وتنكيرا. وأما الثاني: وهو كون إجماعهم حجة؛ فلأنه إذا تناولهم لفظ المؤمنين، وصدق عليهم، حرم خلافهم لقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية، كما سبق. فثبت بهذا أن إجماع كل عصر حجة. الوجه الثاني: أن المعقول من الدليل السمعي، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وأخواتها مما سبق ; هو «إثبات الحجة الإجماعية مدة التكليف». إذ تقدير الكلام: إن سبيل المؤمنين حق، فاتبعوه ما دمتم مكلفين. والخطاب للموجودين، ولمن سيوجد، وإذا كان الأمر كذلك، فالتكليف «ليس مختصا بعصر الصحابة» بل هو دائم مستمر عصرا بعد عصر حتى تقوم الساعة، فيجب العمل بمعقول الدليل السمعي في إثبات الإجماع في كل عصر من أعصار مدة التكليف، وذلك إنما يكون باتفاق أهل ذلك العصر، إذ ما قبله وبعده معدوم. قوله: " قالوا: السمعي خطاب لحاضريه ". هذا حجة الظاهرية: أن دليل السمع الذي ثبت به الإجماع " خطاب لحاضريه " أي: لحاضري ذلك الخطاب كقوله : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: ١٤٣]، الآيتين. وهذا خطاب للحاضرين " فيختص " بمقتضاه، وهو كون الإجماع حجة " بهم " دون غيرهم، لعدم تناول الخطاب له. قوله: " قلنا: " إلى آخره. هذا جواب ما ذكروه، أي: قلنا: الجواب عن الوجه " الأول " وهو قولهم: " السمعي خطاب لحاضريه فيختص بهم " أنه " باطل بسائر خطاب التكليف " نحو: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣] ونحوه كثير،

стр. 465

فإنه خطاب للحاضرين، وعم غيرهم ممن بعدهم، ولم يختص بهم. وعنه جواب آخر وهو: أن من نصوص الدليل السمعي ما ليس خطابا للحاضرين، نحو قوله : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) [النساء: ١١٥] الآية، وهي عامة في المخاطبين وغيرهم، والأحاديث أيضا في ذلك عامة، فبذلك يحصل العموم لغير الصحابة ... ) (١). توجيه قول الإمام أحمد (٢): قال الشيخ أحمد عزب في رسالته "الإجماع عند الأصوليين" (ص/٧٨): ( وقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ ما يشعر بأنه يقول بعدم حجية الإجماع، ألا وهي ما يروى عنه من أنه قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب" فيمكن تأويل هذه العارة الموهمة لإنكاره إمكان نقل الإجماع بعدة تأويلات: أولًا - أنه محمول على استبعاد انفراد إطلاع ناقله، ومعنى ذلك أن من ادعى الإجماع منفردا حيث لم يطلع عليه غيره فهو كاذب، لأنه لو كان صادقا لأطلع عليه غيره (٣). ثانيًا - أنه محمول على الورع، وذلك لجواز أن يكون هناك خلاف في المسألة لم يبلغه، ومعنى ذلك أي من ادعى وقوع الإجماع جازما به مع احتمال وجود خلاف لم يبلغه فهو كاذب، ويؤيد هذا لفظ الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبدالله حيث قال: (من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا). ثالثًا - أنه أراد غير إجماع الصحابة، ومعنى ذلك أن من ادعى إجماعا غير إجماع الصحابة فهو كاذب لتعذر العلم به (٤).

стр. 466

رابعًا - أنه أراد بذلك الإنكار على فقهاء المعتزلة الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولون، وهم أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين. وهكذا عد عرض هذه التأويلات يتبين لنا ما يحمل عليه قول الإمام أحمد ﵀ في قوله السابق). شروط الإجماع (١): الشرط الأول - قال الشيخ ﵀: (أن يثبت بطريق صحيح بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء، أو ناقله ثقة واسع الإطلاع). وقال في "شرح الأصول" (ص/٥٠١): (أي: بأن يكون الإجماع مشهورًا بين العلماء فكل من تكلم عن مسالةٍ قال: المسألة فيها إجماع، فيكون الإجماع مشهورًا. وهذا أحد الطريقين. والطريق الثاني: أن يكون ناقل الإجماع ثقة واسع الاطلاع. "ثقة": أي أمينًا، فلا ينقل الإجماع إلا وهناك إجماع. "واسع الاطلاع" فإن لم يكن واسع الاطلاع - وإن كان ثقة - لا يقبل، مثل أن نعلم أن هذا الرجل رجل مقلد لا يعدو كتب أصحاب المذهب فكيف ينقل الإجماع! فإن هذا لا يصح منه دعوى الإجماع؛ لأنه ليس واسع الاطلاع، لكن إذا علمنا من تأليفه أنه واسع الاطلاع وينقل أقوال أهل العلم من كل مذهب ومن كل طبقةٍ، فإنه إذا نقل الإجماع وهو ثقة، فقد ثبت الإجماع، وهذا في الإجماع غير القطعي أما القطعي فقد سبق أنه لا يحتاج إلى ثقة ناقل لأنه متفق عليه). وذكر الشيخ أن هذه الشروط إنما هي لاعتبار حجية الإجماع الظني، لا القطعي. وسبق أن تكلمنا على أنه يصح ثبوت الإجماع بخبر الواحد، وأولى منه المشهور فلا إشكال - عندنا -. بقي أن ننظر في الشرطين اللذين وضعهما الشيخ لقبول الإجماع المنقول بخبر الآحاد. الشرط الأول - أن يكون ثقة، وفسره في "الشرح" بقوله: ("ثقة": أي أمينًا، فلا ينقل الإجماع إلا وهناك إجماع).

стр. 467

وأكد ذلك قوله في "الشرح الممتع" (٢/ ١٢٦): (وقوله: «ثقة»، الثِّقة هو: مَنْ يُوثق بقوله؛ لكونه مُكَلَّفاً صدوقاً. أي: بالغاً عاقلاً لم يُعرف بالكذب، أو بالعجلة والتَّسرع). والمعروف عن العلماء تفسير الثقة بأنه العدل الضابط، وهذا أعلى شروط قبول الرواية، ولكن الشيخ توسع في رسم أطر التوثيق لناقلي الإجماع. وقد سبق لنا بيان أن مدار العدالة على الصدق، فوافقنا الشيخ في ذلك، ولله الفضل والمنة. وكأن الشيخ بشرطه في كون ناقل الإجماع بألا يكون معروفا بالعجلة والتسرع: يشير إلى نحو ما اشترط في راوي الحديث بأن يكون ضابطا: بألا يكون ممن كثر، أو فحش خطأه. ولكن ما هي حدود الحكم على ناقل الإجماع بأنه متعجل، أو متسرع: إن تتبعنا الإجماعات المنقولة وجدنا أن غالبها أو أكثرها لم يصح فيها إجماع بل إن الخلاف فيها مشهورا بين العلماء فهنا نقول أن هذا الناقل للإجماع متعجل أو متسرع، وهذا يوجب التوقف فيما ينفرد بنقله من إجماعات حتى نعلم أنه ليس ثم خلاف في المسألة. - وأما مسالة أنه يشترط أن يكون واسع الإطلاع - يعني بالمسألة التي نقل فيها الإجماع -. ولعل مقصود الشيخ أن ينبه على مسألة ينبغي التفطن لها، وهي مراعاة اصطلاح ناقلي الإجماع، وذلك إما تصريحهم بمذهبهم، أو عن طريق تتبع ما ينقلوه من إجماعات، فالبعض يطلق الإجماع ويريد إجماع أهل مذهبه أو أهل بلده أو إجماع الأئمة الأربعة، ومنهم من لا يعتد بخلاف الظاهرية، ومنهم من يعتد بخلاف الزيدية، وغير ذلك من الاصطلاحات. الشرط الثاني - قال الشيخ: (ألا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه ذلك فلا إجماع لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها، فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه وقيل لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة ويكون حجة على من بعده).

стр. 468

قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٠١): (أن لا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه فلا إجماع، حتى وإن أجمع القرن الثاني على أحد قولي القرن الأول فإنه لا إجماع ... ثم قال: يشترط في الإجماع ألا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه خلاف مستقر فلا إجماع، وإن سبقه خلاف ولم يستقر مثل أن يختلف أصحاب هذا القرن ثم يتفقون فهذا خلاف غير مستقر يصلح بعده الإجماع ... ثم قال: الإِجماع لا يرفع الخلاف السابق لكنه يمنع من حدوث خلاف هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه. وقيل: لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة ويكون حجةً على من بعده، لكن هذا القول مرجوح، فبعض العلماء يقول: إذا اختلف القرن السابق على قولين- يعني: صاروا على قولين أو أقوال- ثم جاء القرن الذي بعدهم وأجمع على أحد الأقوال، فإن بعض العلماء يرى أن هذا إجماع، ولكن الصحيح أنه ليس بإجماع، والعلة أن الأقوال لا تموت بموت قائليها فهي باقية، فإن انقرضوا وماتوا فأقوالهم باقية، ودليل هذا قوله ﵊: (إذا مات الإنسانُ انقطعَ عنه عملُهُ إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ يُنتفع به ... ). وإذا قلنا: إن قول الإِنسان يموت بموته لم ينتفع الناس به بعد الموت. فالصواب بلا شك أن الأقوال لا تموت بموت قائليها وأنها باقية، وعلى هذا فإذا قال قائل: أجمع أهل هذا العصر على قول، قلنا: ولكن خالفهم أهل العصر الأول، أو بعض أهل العصر الأول فلا إجماع). وكلام الشيخ هنا هو الراجح فإن كانت الأقوال باقية فلا يصح إجماع لبقاء الخلاف ببقاء هذه الأقوال، فإن أجمعوا على أحد الأقوال كانوا بعض الأمة لا كلها لخلاف أصحاب القول الأول. هذا بخلاف ما إن اختلف أهل عصر ولم يستقر الخلاف ثم اتفقوا على أحد الأقوال فهنا يصح الإجماع لانتفاء الخلاف واتفاق أهل العصر على قول واحد. قال ابن قدامة في "روضة الناظر" (ص/١٤٨): (وإذا اختلف الصحابة على قولين فأجمع التابعون على أحدهما فقال أبو الخطاب (١) والحنفية يكون إجماعا لقوله عليه

стр. 469

السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق وغيره من النصوص ولأنه اتفاق من أهل عصر فهو كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفقوا على أحدهما. وقال القاضي (١) وبعض الشافعية لا يكون إجماعا لأنه فتيا بعض الأمة لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم ولذلك يقال خالف أحمد أو وافق بعد موته فأشبه ما إذا اختلفوا على قولين فانقرض القائل بأحدهما، فإن قيل إن ثبت نعت الكلية للتابعين فيكون خلاف قولهم حراما وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعا أما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض. قلنا: الكلية تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم أما ما أفتى به الصحابي فقوله لا يسقط بموته ولو مات القائل فأجمع الباقون على خلافه لا يكون إجماعا، ولو حدثت مسألة بعد موته فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعا. ومن وجه آخر أن اختلاف الصحابة على قولين اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل واحد منهما فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم). انقراض العصر: قال الشيخ: (ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين). وقال في "الأصل" (ص/٦٧): (ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين فينعقد الإجماع من أهله بمجرد اتفاقهم، ولا يجوز لهم ولا لغيرهم مخالفته بعد، لأن الأدلة على أن الإجماع حجة ليس فيها اشتراط انقراض العصر، ولأن الإجماع حصل ساعة اتفاقهم فما الذي يرفعه؟). المقصود بانقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكم فيها. وقد اختار الشيخ الرواية التي أومأ إليها أحمد، وهي اختيار الكلوذاني (٢). وأما اشتراط انقراض العصر فهو ما ذهب إليه أحمد، وهو مذهب أكثر الأصحاب كالقاضي (٣)، وابن عقيل (٤).

стр. 470

واختيار الشيخ هو الراجح لهذه الأدلة (١): الأول: أن الدليل السمعي الدال على صحة الإجماع وعصمته «عام» في كونه حجة قبل انقراض العصر وبعده «فالتخصيص» بأنه إنما يكون حجة بعد انقراض العصر «تحكم» من غير دليل. الثاني - «لو اشترط» انقراض العصر لصحة الإجماع «لما صح احتجاج التابعين على متأخري الصحابة به» أي: بالإجماع، إذ قد كان للصحابة أن يقولوا للتابعين: كيف تحتجون علينا بالإجماع وهو لم يصح، ولم يستقر بعد، لأن شرط صحته انقراض عصر المجمعين عليه، وهو باق لأننا نحن من المجمعين، وها نحن باقون، لكن التابعون كانوا يحتجون بالإجماع على متأخري الصحابة، كأنس وغيره، ويقرونهم عليه، فدل على أن انقراض العصر لا يشترط لصحة الإجماع. وأيضا: فإن الصحابة كانوا يحتجون بالإجماع بعضهم على بعض، وعلى بعض التابعين. الثالث - أن اشتراط الانقراض إنما كان لاحتمال الرجوع قبل الانقراض عن الخطأ، فإذا كان قولهم صوابا بظاهر النصوص استحال الرجوع عنه؛ فلا معنى لاشتراط الانقراض (٢). شبهة (٣): فإن قيل: أن الصحابة لو اختلفوا على قولين فهو إجماع منهم على تسويغ الخلاف، وأن الحق محصورين في أحد هذين القولين، فلو رجعوا إلى قول واحد صارت المسألة إجماعا آخر منهم على عدم تسويغ الخلاف وعدم جواز الأخذ إلا بأحد القولين

стр. 471

، وهو الذي صاروا إليه آخرا، وهذا إجماع معارض للأول، وتعارض الإجماعين باطل، لكن اتفاقهم على أحد القولين بعد اختلافهم في المسألة إجماع صحيح لا يلزم منه محال كاتفاق الصحابة على قتال مانعي الزكاة وعلى أن الأئمة من قريش، وعلى تحريم المتعة، ونظائر ذلك كثيرة، وإنما يصح بتقدير اشتراط انقراض العصر لأن الإجماع الأول لم يستقر إذن حتى يعارض الإجماع الثاني. والجواب عن هذه الشبهة أن هذه حالة خاصة بخلاف مسألتنا من إجماعهم على أحد القولين، وحالتنا هذه فيها أن الإجماع الأول من حصر الحق في أحد هذين القولين وتسويغ الخلاف فيهما، فهذا الإجماع يكون حجة بشرط ألا يحصل منهم اتفاق على أحد أقوالهم. وبيان ذلك أن الحق في أحد القولين، فالحق واحد لا يتعدد، فإن ظهر لأحدهما قبل أن ينخرم عصره ظهور حجة أحد القولين أو أن الدليل الذي اعتمد عليه منسوخا جاز له الرجوع عن قوله والاتفاق على القول الذي ظهر دليله. وليس هذا من مسألة أن يتفقوا بداية على قول، فقد ظهر بالأدلة أن هذا الإتفاق حجة، وأنه معصوم، وأن الحق فيما اتفقوا عليه، وإن لم ينخرم عصرهم. وعليه فهذه حالة خاصة، فالإجماع الأول الذي انعقد على تسويغ الخلاف في كلا القولين إنما يكون حجة بشرط ألا يحصل منهم اتفاق على أحد قوليهم قبل أن ينخرم عصرهم. وبهذا ظهر الفرق بين الحالتين، وأنه لا يقاس أحدهما على الأخرى من اشتراط انخرام العصر في كلاهما. الإجماع السكوتي: قال الشيخ: (وإذا قال بعض المجتهدين قولاً أو فعل فعلاً واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار فقيل: يكون إجماعاً. وقيل: يكون حجة لا إجماعاً. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع وهذا أقرب الأقوال). أقوال الحنابلة: القول الأول - أنه حجة وإجماع:

стр. 472

هو ظاهر كلام أحمد، واختاره القاضي أبو يعلى، وابن عقيل وأبو الخطاب، وابن قدامة، وغيرهم كما يظهر من دفاعهم عن هذا القول. (١) القول الثاني أنه حجة وليس بإجماع: والمقصود أنه يكون حجة ظنية لا إجماع قطعي، ونسبه المرداوي، وابن النجار لأحمد وأصحابه (٢). وأما القول الذي اختاره الشيخ من أنهم إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع، وعلله في الأصل بقوله: (لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم) وهذا القول هو قول الجبائي المعتزلي واختيار الآمدي (٣). والراجح أن الإجماع السكوتي حجة ظنية - كما سبق الكلام على ذلك عند أنواع الإجماع - ولكن بشروط: قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ١٦٠٤): (﴿أحمد، وأصحابه، وأكثر الحنفية، والمالكية، وحكي عن الشافعي، وأكثر أصحابه: لو قال مجتهد قولاً وانتشر ولم ينكر قبل استقرار المذاهب فإجماع﴾. أي: ظني وذلك لأن الظاهر (٤) الموافقة لبعد سكوتهم عادة ... ) ثم قال (٤/ ١٦١١): (تنبيه: حيث قلنا: إنه إجماع، أو حجة لا بد يشترط له شروط، منها: كون ذلك في المسائل التكليفية. وأن يكون في محل الاجتهاد. وأن يطلعوا على ذلك. وأن لا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به. وأن يمضي قدر مهل النظر عادة في تلك الحالة. وأن لا ينكر ذلك مع طول الزمان. فخرج ما ليس من مسائل التكليف كما تقدم، وما إذا كان القائل مخالفاً للثابت القطعي فالسكوت عنه ليس دليلا على موافقته، وخرج أيضاً ما لم يطلع عليه الساكتون فإنه

стр. 473

لا يكون حجة قطعاً. وخرج أيضاً ما إذا كان هناك أمارة سخط فإنه ليس بحجة بلا خلاف، كما أنه إذا كان معه أمارة رضى يكون إجماعاً (١). وخرج أيضاً به ما إذا لم تمض مدة للنظر؛ لاحتمال أن يكون الساكت في مهلة للنظر. ومن شرط محل الخلاف أيضاً أن لا يطول الزمان مع تكرر الواقعة (٢). وأن يكون قبل استقرار المذاهب، فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوت قطعاً، كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم، ومذهبه، كحنبلي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر، فلا يدل سكوت من يخالفه - كالحنفية - على موافقته (٣)، والله أعلم. تنبيه: ينبغي أن يدخل في المسألة ما إذا فعل بعض أهل الإجماع فعلاً ولم يصدر منهم قول، وسكت الباقون عليه، أن يكون هذا إجماعاً سكوتياً بناء على ما سبق من المرجح في أصل الإجماع أنه لا فرق بين القول والفعل) (٤). فتحصل من كلام المرداوي بعض الشروط لاعتبار الإجماع السكوتي حجة ظنية وهي: ١ - أن يكون ذلك في المسائل التكليفية. ٢ - أن يكون في محل الاجتهاد. ٣ - أن يطلع باقي المجتهدين على ذلك. ٤ - أن لا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به. ٥ - أن لا يكون معه أمارة رضى وإلا كان إجماعاً. ٦ - أن تمضي مدة كافية للنظر والتأمل في حكم الحادثة عادة.

стр. 474

٧ - أن لا ينكر ذلك مع طول الزمان. ٨ - أن لا يطول الزمان مع تكرر الواقعة. ٩ - أن يكون قبل استقرار المذاهب. فإذا اجتمعت هذه الشروط كان الإجماع السكوتي حجة ظنية. ملاحظة - الإجماع السكوتي غير مختص بالصحابة: اختلف فيها الحنابلة على قولين: القول الأول - أنه مختص بالصحابة: وهو ظاهر كلام الأكثرين أن افتراضهم هذه المسألة في عصر الصحابة دون غيرهم. قال القاضي في " العدة" (٤/ ١١٧٠): (إذا قال بعض الصحابة قولا، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعا. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهب في التكبير غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس". وظاهر هذا: أنه جعله إجماعا، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه ... ) (١). القول الثاني - أنه غير مختص بالصحابة: قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٧٨): (اعلم أنه في " الروضة " فرض هذه المسألة في الصحابة، وليس مختصا بهم، بل هذه مسألة الإجماع السكوتي، منهم ومن غيرهم من مجتهدي الأعصار ... ) (٢). وقال علاء الدين الكناني في شرحه على مختصر الروضة المسمى "سواد الناظر" (٣/ ٥٨٣): (إذا اشتهر في عصر الصحابة أو غيرهم قول بعضهم التكليفي وبلغ علماء العصر ومضت مدة ... فإجماع). والراجح أن من دقق في الشروط السابقة علم أنه غير مختص بالصحابة (٣).

стр. 475

القياس تعريف القياس: أ- لغة: قال الشيخ: (القياس لغة: التقدير والمساواة) (١). القياس في اللغة مصدرا لفعل قاس يقيس قيسا وقياسا، وله في اللغة معنيان: أولهما التقدير، تقول: قاس الفلاح الأرض بالقصبة أي قدرها بها، وتقول: قاس التاجر الثوب بالذراع أي قدره به. وثانيهما: المساواة، تقول: أسامة لا يقاس بخالد، أي: لا يساويه (٢). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥): ("القياس لغة: التقدير والمساواة" فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم؛ لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي يساوي فلانا، ولا يساوي فلانا). قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٢١٨): (قَوْلُهُ: «الْقِيَاسُ»، أَيِ: الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ «لُغَةً»، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ»، أَيْ: قَدَّرْتُهُ بِهِ، «وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ»، وَهُوَ مَا يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، أَيْ: يُرَازُ بِهِ لِيُعْلَمَ عُمْقُهُ، وَهُوَ مَعَ الْجِرَاحِيَّةِ شِبْهُ الْمِيلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ عَلَى مِثَالِهِ، يُقَالُ: قِسْتُ «أَقِيسُ وَأَقُوسُ»، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَنَظَائِرُهُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَيْسًا وَقَوْسًا بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنْ بِنَاءٍ أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ «قَوْسًا». قَوْلُهُ: «وَقِيَاسًا فِيهِمَا»، أَيْ: فِي اللُّغَتَيْنِ تَقُولُ: قِيَاسًا، فَتَقُولُ: أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ قِيَاسًا، وَقِيَاسُهُ: قِوَاسًا، لَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، انْقَلَبَتْ يَاءً، كَمَا قَالُوا: قَامَ قِيَامًا، وَصَامَ صِيَامًا، وِصَالَ صِيَالًا، وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَاوُ).

стр. 476

قال الشيخ محمد عبد اللطيف في رسالة "قياس الأصوليين بين المثبتين والنافين" (ص/١١): (وهناك معان لغوية كثيرة للقياس وردت في كتب الأصوليين ولم يرد لها ذكر في كتب اللغة من بين هذه المعاني: (الاعتبار) تقول قاس شيء علاء شيء إذا أعتبره. ومنها: أيضا (الإصابة) تقول: قاس محمدًا الشيء إذا أصابه؛ لأن القياس يصاب به حكم الله في الفرع الذي تحققت فيه علة الأصل. ومنها: (المماثلة) فقد قال الماوردي والروياني في كتاب القضاء: القياس في اللغة المماثلة، تقول: هذا قياس هذا أي مثله). وكل هذه المعاني متقاربة في المعنى. ب- اصطلاحا: قال الشيخ: (واصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما). قال في "الشرح" (ص/٥١٠): (هذه أربعة أشياء: تسوية فرع بأصل في حكَم لعلةٍ جامعةٍ، هذه أربعة أمور: يعني: أن نسوي الفرع بالأصل في حكمه من أجل أنهما متفقان في العلة الموجبة للحكم فهذه أربعة أمور: "فرع ": وهو مقيس. "وأصل ": وهو المقيس عليه. "وحكم ": وهو ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوبٍ أو تحريم، أو صحة أو فسادٍ أو غيرها، فهذا هو الحكم، وعرفتم فيما سبق الأحكام التكليفية الخمسة والأحكام الوضعية التي ذكرنا منها ثلاثة، فالحكم إذًا هو ما اقتضاه الدليل الشرعي "من وجوب "- بأن نقول: هذا واجب قياسًا على هذا. "أو تحريم ": بأن نقول: هذا حرام قياسًا على هذا. "أو صحة": بأن نقول هذا صحيح قياسًا على هذا. "أو فساد": فنقول: هذا فاسد قياسًا على هذا. "أو إباحة": بأن نقول: هذا مباح قياسا على هذا، أو ما أشبه ذلك. المهم أن الحكم هو ما اقتضاه الدليل الشرعي، فسُوِّي الفرع بالأصل في ذلك

стр. 477

الحكم. وقوله: ("العلة": فهي المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل) (١): مثال ذلك إذا قلنا: إن العلة في جريان الربا في البُرِّ أنه مكيل، فنلحق به على هذا كلَّ ما كان مَكيلاً؛ لأن العَلةَ التي أوجَبَتَ الحكَمَ وهو جريان الربا في البُرِّ هي الكيل، فإذا وجدت هذه العلة في أي شيء جرى فيه الربا قياسًا على البُرِّ. وإذا قلنا إن العلة الطعم ولم نعتبر الكيل، قلنا: يجري الربا في كل مطعوم. وإن قلنا: الكيل والطعم قلنا: يجري الربا في كل مكيل مطعوم. فالمهم أن العلة هي الوصف أو المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، وبناءً على ذلك فلا قياس في الأمور التعبدية التي لا نعقل علتها لفوات ركن من أركان القياس وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع ولهذا قلنا: وهذه الأربعة أركان القياس). ملاحظة: عرف الشيخ القياس بناء على إحدى طريقتي الأصوليين في تعريف القياس، وهي الطريقة التي تنظر للقياس على أنه دليل شرعي مستقل بذاته، سواء تفطن له المجتهد فاستدل به على حكم غير المنصوص أم لم يتفطن له، وجد مجتهد أم لم يوجد، وأما الطريقة الثانية فتنظر إلى القياس على أنه عمل من أعمال المجتهد (٢). قال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/١٤٢): (نجد أن للأصوليين اتجاهين رئيسين في تعريفه: الأول: جعل القياس اسما لفعل المجتهد الذي ينظر في المسألة غير المنصوص على حكمها ليلحقها بالمنصوص عليها. الثاني: جعل القياس اسما للتساوي الواقع بين المسألتين، سواء تفطن له المجتهد فاستدل به على حكم غير المنصوص أم لم يتفطن له. وعلى هذا يمكن أن نعرفه بناء على الاتجاه الأول بأنه: إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم.

стр. 478

ومثله التعبير بلفظ: حمل فرع على أصل في حكم ... الخ. وكذا قولهم: حمل معلوم على معلوم ... الخ. وأما على الاتجاه الثاني فيمكن أن يعرف بأنه: مساواة فرع لأصل في حكم شرعي لاشتراكهما في علة الحكم). والظاهر والله أعلم أن صورة القياس العملية تشمل الطريقتين، فهما يلتقيان في المعنى، وإن اختلفتا في الألفاظ. وإيضاحه أنه (١) عند النظر في التطبيق العملي لعملية القياس الأصولي نجد أنه لابد فيها من أمرين: ١ - المساواة في العلة، وهذا المساواة علامة نصبها الشارع لتدل على الحكم، وليس من فعل المجتهد. ٢ - إلحاق أصل وحمل الصورة غير المنصوص عليها بالمنصوص عليها عند المساواة في العلة، وهذا عمل من أعمال المجتهد. وهكذا نرى أن صورة القياس العملية تشمل التعريفين، وعلى هذا التعريف بالمساواة أو بالإثبات قد تلاقيا في المعنى وإن اختلفا في اللفظ. قال البناني في "حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ٢٠٣): (وكونه فعل المجتهد لا ينافي أن ينصبه الشارع دليلا إذ لا مانع من أن ينصب الشارع حمل المجتهد الذي من شأنه أن يصدر عنه دليلا سواء وقع أم لا). وهذا التعميم الذي في كلام البناني يلتقي مع مذهب الحنابلة في مسألة التفويض. قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٣٩٩٥): (يجوز أن يقال لنبي ومجتهد: احكم بما شئت فهو صواب، ويكون مدركا شرعيا، ويسمى التفويض عند الأكثر ... ) وفي المذهب أقوال أخر، وقد سبق الكلام عن التفويض، والصواب أن النبي قد يجتهد، وقد يخطئ، كذا العالم أيضا، والفرق بينهما أن النبي لا يقر على باطل، فإن أخطأ فلا بد وأن ينزل الوحي بتصويبه. وعليه فالعموم الذي في كلام البناني يحمل على ما إذا وقع منه الإصابة لا بمجرد الاجتهاد.

стр. 479

تعريفات الحنابلة للقياس: - عرفه ابن النجار في "مختصر التحرير" بقوله: "وشرعا تسوية فرع بأصل في حكم، واصطلاحا رد فرع إلى أصل بعلة جامعة ". - عرفه القاضي في "العدة" (١/ ١٧٤) بقوله: (القياس: رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. وقيل: حمل الفرع على الأصل بعلة الأصل. وقيل: موازنة الشيء بالشيء. وقيل: اعتبار الشيء بغيره. والأول والثاني صحيحان. وأما الثالث والرابع ففيهما احتمال؛ لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في أحكام الشريعة، والمقصود ها هنا العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية، وهو على التفسير الذي ذكرناه). - قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١١٧): (﴿واصطلاحاً﴾، أي: في اصطلاح علماء الشريعة. اختلف العلماء في تعريفه اختلافاً كثيراً جداً، وقل أن يسلم منها تعريف. فقال القاضي، وأبو الخطاب، وابن البنا: هو رد فرع إلى أصله بعلة جامعة. وفي ' التمهيد ' أيضاً: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم، واختاره أبو الحسين البصري. قال ابن مفلح: ومراده تحصيل مثل حكم الأصل، ومعناه في ' الواضح '، وقال: إنه أسد ما رآه. قال ابن مفلح: لكن هو نتيجة القياس لا نفسه. انتهى ... وقريب منه ما قاله الموفق، والطوفي، وغيرهما: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما ... وقال ابن المني، وابن حمدان: مساواة معلوم لمعلوم في معلوم ثالث، يلزم من مساواة الثاني للأول فيه مساواته في حكمه. قال ابن مفلح: ' وهو معنى من قال مساواة فرع لأصل في علة حكمه '. انتهى). - عرفه ابن قدامة في "الروضة" (ص/٢٧٥): (وهو في الشرع حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وقيل حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل، وقيل حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بجامع بينهما من إثبات حكم، أو صفة لهما، أو نفيهما

стр. 480

عنهما، ومعاني هذه الحدود متقاربة). - قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٤٥): (شرعا: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وقيل: إثبات مثل الحكم في غير محله لمقتض مشترك. وقيل: تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره بجامع مشترك، ومعانيها متقاربة، وقيل غير ما ذكر). اعتراضات على التعريف: حقيقة أن إيجاد حد للقياس مما يصعب، وغالب التعريفات التي ذكرها العلماء له لا تسلم من اعتراض، وسوف نناقش بعض الاعتراضات الواردة على تعريف الشيخ ﵀ حتى نصل إلى تعريف سالم من المعارضة. الاعتراض الأول: اعترض على استعمال كلمتي الأصل والفرع في الحد بعدة اعتراضات منها: أ- أنه يلزم منه الدور، وإيضاحه أن الأصل والفرع لا يعرفان إلا بعد معرفة حقيقة القياس، فأخذهما في تعريفه دور. وأجاب المرداوي عن هذا الاعتراض في التحبير" (٧/ ٣١١٩) بقوله: (إنما نعني بالفرع صورة أريد إلحاقها بالأخرى في الحكم، لوجود العلة الموجبة للحكم فيهما، وبالأصل: الصورة الملحق بها، فلا يلزم دور من كون لفظ الفرع والأصل، يشعر أن لا يكون هذا فرع وذاك أصل، إلا أن يكون هذا مقيساً على ذلك). ب- أن الأصل غالب استعماله في الموجودات، فيوهم استعماله بعدم دخول المعدومات في القياس، مع أن غالب القياس فيها. قال الآمدي في "إحكام الإحكام" (٣/ ٢٠٥): (ولو قال حمل فرع على أصل ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف أحدهما بكونه فرعا والآخر بكونه أصلا قد يظن أنه صفة وجودية والصفات الوجودية لا تكون صفة للمعدوم وإن لم يكن حقا فكان استعمال لفظ المعلوم أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد). قال عيسى منون في نبراس العقول (ص/٢٣): (رفع إيهام كون المقيس والمقيس عليه وجوديين لأن الأصل ما تولد منه الشيء والفرع ما تولد عن الشيء، مع أنك

стр. 481

علمت أن القياس يجري في المعدومات أيضا، وإنما عبرنا بالإيهام لأن الأصلية والفرعية قد تكون في المعدومات فإن عدم المشروط مفرع على عدم الشرط وعدم الملزوم مفرع على عدم اللازم إلا أن استعمالهما في الموجودات أكثر ... ). وعليه فقد عرفت أن استخدام كلمة أصل وفرع لا يلزم منه الدور في التعريف، وأن الأصل والفرع قد يستخدمان في المعدومات أيضا. الاعتراض الثاني: أن هذا التعريف لا يدخل فيه التسوية بين الأصل والفرع في النفي. قال الآمدي في "الإحكام" (٣/ ٢٠٦): (وأما القيد الثاني - أي للتعريف الذي نقله عن القاضي أبي بكر: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما - فإنما ذكره لأن حمل الفرع على الأصل قد بان أن معناه التشريك في الحكم وحكم الأصل وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا وقد يكون نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والإثبات). قلت: والإطلاق الذي في تعريف الشيخ يدخل فيه التسوية بين الأصل والفرع في النفي والإثبات، ويكون إضافة قيد النفي حشو. الاعتراض الثالث: قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٢٥): (لم يرد بالحد قياس الدلالة وهو الجمع بين أصل وفرع بدليل العلة كالجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدة المطربة (١). ولا قياس العكس: وهو تحصيل نقيض حكم المعلوم في غيره لافتراقهما في علة الحكم، مثل: لما وجب الصوم في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، عكسه

стр. 482

الصلاة لما تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر. وقيل: بلى، وقيل: ليسا بقياس﴾ قال ابن حمدان في ' المقنع ' وغيره: المحدود هنا هو قياس الطرد فقط. وقال القاضي عضد الدين وغيره: (القياس المحدود هو قياس العلة) انتهى. قال الآمدي في 'المنتهى' القياس في اصطلاح الأصوليين ينقسم إلى قياس العكس وحده بالحد المذكور، وإلى قياس الطرد هو: عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل. وقال ابن مفلح: ' وقياس الدلالة لم يرد بالحد ... ). - وبالنسبة لقياس الدلالة يمكن أن يدخل في الحد لو عبرنا بكلمة (وصف جامع) بدلا من (علة جامعة). قال الشيخ السلمي في "أصوله" (ص/١٥٤): (أكثر الأصوليين يعبرون عن الوصف الجامع بالعلة، ثم يذكرون من شروط العلة أن تكون وصفا مناسبا، وهذا لا يستقيم على قول من يرى جواز الاستدلال بقياس الشبه وقياس الدلالة؛ لأن الوصف الجامع في هذين القياسين هو الشبه في الأول ودليل العلة في الثاني، ولا يشترط لهما ظهور المناسبة، فالوصف الجامع الذي هو ركن من أركان القياس قد يكون علة، وقد يكون دليل العلة، وقد يكون وصفا شبهيا). أما قياس العكس فلا يدخل في حد قياس العلة لاختلاف النوعين. قال السلمي (ص/١٤٣): (والقياس ينقسم إلى قياس طرد وقياس عكس، ولكن العلماء حين يعرفونه إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل، أما قياس العكس فقل من يراعيه عند تعريف القياس؛ إما لأنه لا يرى حجيته، وإما لقلة وروده في كلام الفقهاء، وإما لاختلاف الحقيقتين وتعذر الجمع بينهما في تعريف واحد). قال الآمدي في "الإحكام" (٣/ ٢٠٤): (وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة غير أن اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس فتحديد أحدهما بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته وإن كان مسمى باسمه ولهذا فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة لها في حدها وإن اشتركا في الاسم والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد المخالف في حقيقته لقياس العكس) (١).

стр. 483

وعليه فتعريف القياس هو تسوية فرع بأصل في حكم بوصف جامع بينهما. شرح التعريف: التسوية: بداية .. اعلم أن الظاهر من المراد بالمساواة هو ما كان صحيحا في نفس الأمر وفي الواقع، وإيضاحه أن المساواة إما أن تكون بحسب نظر القائس، وقد تكون بحسب الواقع وفي نفس الأمر، فيكون لها فردان أحدهما كامل، وهو ما كانت المساواة فيه في الواقع ونفس الأمر، وثانيهما غير كامل وهو ما كانت المساواة فيه بحسب نظر القائس، والمقرر أن اللفظ عند إطلاقه لا ينصرف إلا إلى فرده الكامل (١). ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في هذا الحد هل يدخل فيه القياس الفاسد أم أنه للصحيح فقط. والاختلاف في هذه المسألة يدور على الترجيح في مسألة هل الحق واحد أم يتعدد. وبناء على أن الراجح أن الحق واحد لا يتعدد فإن هذا التعريف لا يشمل القياس الفاسد. فإذا أردنا أن يدخل فيه القياس الفاسد أضفنا قيد: (عند المثبت) أو (في نظر المجتهد). وأما بالنسبة لطريقة المصوبة التي ترى أن الحق يتعدد، وأن كل مجتهد مصيب، فإنما تضيف هذا القيد: (عند المثبت) أو (في نظر المجتهد) لتعرف القياس الصحيح؛ لأن الكل حق وصواب فكان كل القياس الصادر عن نظر المجتهد حق وصواب، القياس صحيح. قال عيسى منون في نبراس العقول (ص/٢٦): (الأمر الثالث: ما ذكر في هذا المقام من أن هذا القيد لإدخال الفاسد إنما يظهر على مذهب المخطئة أي القائلين بأن المجتهد يخطئ ويصيب وأن القياس يكون صحيحا معتبرا من الأدلة الشرعية إذا وافق الواقع ويكون فاسدا غير معتبر من الأدلة إذا لم يوافق الواقع، وأما المصوبة الذين يقولون: إن كل مجتهد مصيب وأن مدار الأحكام الشرعية على ما أدى إليه نظر

стр. 484

المجتهد حتى لو تغير اجتهاده وعدل عن قياس إلى دليل آخر لا يحكم على القياس الأول بالفساد بل هو دليل انتهى حكمه كالمنسوخ- فيلزمهم هذا القيد إذ ليس عندهم إلا الاشتراك في نظر المجتهد. فلو حذف هذا القيد مع أن المتبادر الاشتراك في الواقع ونفس الأمر خرج عن التعريف جميع أفراد المعرف ولم يصدق على فرد منها. فإن قيل إذا كان الاشتراك عند المصوبة لا يكون إلا بنظر المجتهد انصرف عند الإطلاق إلى ذلك ولا يحتاج لذكر هذا القيد عندهم. (قلت): ذكرنا سابقا أن الاشتراك إذا أطلق انصرف إلى الموافق لما في نفس الأمر لأنه الفرد الكامل فلا يفهم أهل العرف العام إلا ذلك ولا ينظر إلى اصطلاح المصوبة فتأمل. فإن قيل: هل يعقل قياس فاسد عند المصوبة؟ قلت: نعم بأن يكون إلحاق الفرع بالأصل وتشبيهه به من غير أن يكو المشبِه - بكسر الباء - معتقدا ذلك، ولكن هذا خارج عن التعريف ذكر القيد أو حذف. فإذا أردنا شموله له نقول في التعريف: تشبيه فرع بأصل؛ لأنه قد يكون مطابقا لحصول الشبه وقد لا يكون وقد يكون المشبه يرى ذلك وقد لا يراه. كذا في العضد، ووضحه العلامي السعد بما حاصله: إن التشبيه هو الدلالة على مشاركة في أمر هو وجه الشبه والجامع فإن كان حاصلا فالتشبيه مطابق وإن لم يكن حاصلا فغير مطابق وعلى كل تقدير فالمشبِه - بكسر الباء - إما أن يعتقد حصوله فصحيح في الواقع أو في نظره وأما ن لا يعتقد حصوله ففاسد. اهـ). تتمة وبيان: اعلم أن القياس الفاسد - الذي ليس فيه موافقة لما في نفس الأمر - ينقسم إلى قسمين، وهو ما ظهر فيه عدم الموافقة، وما لم يظهر فيه عدم الموافقة، وقد اختلف العلماء القسم الثاني، هل يلحق بالصحيح، أم بالفاسد. والموافق لأصولنا من أن الحق واحد عدم إلحاقه بالصحيح فهو غير مطابق لما في نفس الأمر، إلا انه لما لم يظهر لنا عدم موافقته، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإنه لحين ظهور وجه عدم موافقته فإنه يلحق بالصحيح، ويسمى الصحيح حكما، ومثاله الخلاف في علة الربا في الأجناس الربوية هل هي الكيل أو الطُّعْمُ أو القوت،

стр. 485

كذا الخلاف في علة ولاية الإجبار في البكر الصغيرة هل هي: البكارة، فيلحق بها البكر البالغة، أو الصغر، فيلحق بها الصغيرة الثيب، وكذا الخلاف في علة قتل المرتد هل هي: تبديل الدين، فيلحق به المرأة، أو إعانة الكفار فلا يلحقها به. والأقوى من الناحية العملية أن هذا النوع ما لم تظهر وجه المخالفة فيدخل في الصحيح حكما. قال عيسى منون في "نبراس العقول" (ص/٢٥): (الأمر الثاني أن الفاسد هو ما كان الاشتراك فيه غير موافق لما في الواقع ونفس الأمر أعم من أن يظهر ذلك فنحكم بفساده أو لا يظهر. فهل إذا حذف هذا القيد يخرج عن التعريف كل من القسمين أو يخرج الأول فقط وهو ما ظهر فساده؟ والجواب: أن المفهوم من عبارة الإسنوي ومثلها عبارة ابن السبكي أن هذا القيد لإدخال القسمين معا. والمفهوم من شرح المحلى على جمع الجوامع أنه لإدخال القسم الأول فقط. أما الثاني فداخل في الصحيح حتى يظهر فساده إذ الفاسد في نفس الأمر قبل ظهور فساده معتبر من الأدلة الشرعية ومحكوم عليه بالصحة وإلا لامتنع الحكم بالصحة على كثير من الأدلة لعدم الإطلاع فيها عل الواقع ونفس الأمر. فإن قيل كيف يكون الفاسد في نفس الأمر صحيحا موافقا لما في نفس الأمر؟ قلت: الموافقة لما في نفس في القياس المعتبر صحيحا أعم من أن تكون حقيقة أو حكما. وبهذا ظهر أن التحقيق ما جرى عليه المحلى). تعريف العلة: قال الشيخ: (والعلة: المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل). أسماء العلة: البعض يطلق عليها اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب والسبب والداعي والمناط والمؤثر ... قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٧٧): (العلة هي: العلامة والمعرف عند أصحابنا والأكثر، لا المؤثر فيه، وقالت المعتزلة: المؤثر بذاته، والغزالي وسليم، والهندي: بإذن الله تعالى، والرازي: بالعرف، والآمدي ومن تبعه الباعث). ثم قال (٧/ ٣١٨٥): (قد يعبر عن العلة بألفاظ ذكرها المقترح، السبب: الأمارة

стр. 486

، الداعي، المستدعي، الحامل، المناط، الدليل، المقتضي، الموجب المؤثر. وزاد غيره: المعنى، وكل ذلك اصطلاح سهل). قال الشيخ العروسي في "المسائل المشتركة" (ص/٢٨٩): (والقول المحقق أن إطلاق اسم الأمارة والعلامة والمعرف والباعث والموجب صحيح كما أن من سماها السبب والداعي والمستدعي والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر كذلك صحيح، ولكن من سماها أمارة وعلامة، ولم يجعلها إلا مجرد ذلك، وسلبها التأثير فقوله باطل ... وقد يكون من أطلق على العلة اسماً من هذه الأسماء فقد راعى بعض أوصافها الشهيرة أو المميزة، كمن سماها المناط، لأن الحكم ناط بها أي تعلق، ومن سماها المقتضى لاقتضائها الحكم، ولكن بعضاً من هذه التسميات مراعى فيها مخالفة المعتزلة الذين يقولون أن العلة تؤثر في الحكم بذاتها، وقد بالغوا أحياناً في رد بعض هذه التسميات كما تعسفوا في تأويل بعضها مما ورد استعماله من قبل الذين استعملوها من علماء هذا الفن). تعريفها (١): اعلم أن العلماء اختلفوا في تعريف العلة اختلافا كبيرا على أقوال متعددة تبعا لاختلاف مشربهم العقدي. وقد عرفها الشيخ العثيمين في "شرح نظم الورقات" (ص/١٨٨) بقوله: (الوصف المناسب للحكم الجامع بين الأصل والفرع)، وهذا أدق من تعريف الباب إلا أنه أيضا ينقصه بعض القيود وسوف يتضح ذلك من خلال التعريف الذي سوف أذكره بإذن الله. وقد عرفها المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٧٧) بأنها: (وصف ظاهر منضبط معرف للحكم). وقد اعتمد الشيخ السلمي هذا التعريف إلا أنه زاد فيه أن الدليل هو الذي دل على أن هذا الوصف مناط للحكم، فعرفها بأنها: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على

стр. 487

كونه مناطا للحكم) وتعريف الشيخ السلمي جيد وقد ذكر في كلامه مذاهب العلماء في بيان أثر العلة في الحكم، وسوف أنقله لدقته واستيعابه، قال - حفظه الله - في "أصوله" (ص/١٤٦): (العلة في اللغة: المرض، أو هي تغير المحل. وفي الاصطلاح اختلف في تعريفها، وأحسن ما قيل في تعريف العلة، أنها: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم». ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى). وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع. قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة. ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة. ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به. وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم. ومعنى قولهم: (مناطا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه. وهذا التعريف يصلح لجميع المذاهب مع اختلافهم في أثر العلة، وذلك أن العلماء اختلفوا في أثر العلة في الحكم على ثلاثة مذاهب: ١ـ مذهب المعتزلة: أن العلة لها أثر في ثبوت الحكم، فهي المثبتة للحكم، كما أن العلة العقلية هي المثبتة لحكمها، فكما نقول: التسويد علة لكون المحل أسود، والأكل علة للشبع، والشرب علة للري، نقول: اختلاف الوزن علة لتحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع التفاضل، وهكذا.

стр. 488

٢ ـ مذهب الأشاعرة: أن العلة ليس لها أثر في وجود الحكم، وإنما هي علامة مجردة عليه، والحكم يسند لله وحده لا للعلل. ٣ ـ المذهب الثالث: أن العلة لها أثر في الحكم، ولكن ليست مؤثرة بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها مؤثرة، وهذا القول هو اللائق بمذهب السلف؛ لأنه مقتضى نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [المائدة: ٣٢]، وقوله: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: ٧]، وقوله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) [الزخرف: ٥٥]. وهذا خلاف نقل إلى أصول الفقه من خلافهم في علم الكلام؛ فإن المعتزلة يثبتون الأسباب ويجعلونها مؤثرة بنفسها، أو يسندون التأثير إليها، والأشعرية ينكرون أثر الأسباب ويجعلون المؤثر هو الله وحده، والأسباب والعلل عندهم ليست إلا علامات على أن الله أراد وجود المسبب، فالمعتزلة يقولون: النار محرقة بذاتها، إلا إن أراد الله أن يسلبها هذه الخاصية فإنه على كل شيء قدير، والأشعرية يقولون: النار لا تكون محرقة إلا إذا أراد الله لها ذلك. والقول الحق في ذلك هو الجمع بين القولين، فلا ننكر أثر الأسباب والسنن التي جعلها الله في الكون لعمارته وبقائه، وفي الوقت نفسه لا نقول إن ذلك يكون بغير إرادة الله وتدبيره، بل نقول: العلل والأسباب لها تأثير، ولكن تأثيرها ليس بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها كذلك، وبهذا لا نكون أثبتنا خالقا مع الله، بل الله خالق كل شيء فهو خالق الأسباب والمسببات. ومذهب المعتزلة والماتريدية أقرب إلى مذهب السلف من مذهب الأشاعرة في هذه المسألة. وقد بنى الأشاعرة مذهبهم في كون العلة مجرد علامة، على مذهب فاسد وهو عدم تعليل أفعال الله، وهذا يناقض كثيراً من نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: ٣٢]، وقوله تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣]، وقوله (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: ٧].

стр. 489

وهو أيضا يناقض ما ذكروه في مواضع من باب القياس ... ). وقد بين هذا التناقض وذكر جوابهم عنه الشيخ العروسي حيث قال في "المسائل المشتركة" (ص/٢٧٢): (وبعض هؤلاء النافين للتعليل والحكمة اضطروا إلى إثباته والقول به في الأمر والنهي، ولكنهم يجعلون التعليل في الأمر والنهي- أي الحكمة والمصلحة فيها- تعودان إلى العباد وحدهم دون أن تكون هناك حكمة تعود إلى الله سبحانه، بل صرح القرافي أنه لم يُدَّعَ التعليلُ إلا في الشرع، وأما الخلق فليس فيه مصلحة للخلق حتى يقال فيه بالتعليل، لأن الكلام في الفقه ومسائله يقتضي القول بالتعليل لأنها مصالح للخلق، فاثبتوا الأحكام بالعلل، والعلل بالمناسبات والمصالح، ولم يمكنهم الكلام في الفقه إلا بذلك لتوقف القياس عليها، ولكنهم جعلوا اقتران الأحكام بتلك العلل والمناسبات اقترانا عاديًا غير مقصود في نفسه، والعلل والمناسبات أمارات لذلك الاقتران. قال ابن التلمساني: ويمتنع جعل العلة الشرعية مؤثرة على أصلنا، فإن الحكم الشرعي يرجع عندنا إلى خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد على وجه مخصوص، وخطابه وكلامه قديم، والقديم لا يعلل، فضلًا عن أن يعلل بعلة حادثة، ولأن العلة في الخمر- الإسكار، وهو متحقق قبل التحريم. وإن اعترف بعضهم بوجود هذه الحكم والمصالح في بعض الأحكام، ولكن ذلك في زعمه إنما وجدت على سبيل الجواز والتفضل. يقول القرافي في هذا المعنى: "وأما كون الزنا قطعيًا، وتحريمه من ضروريات الدين فمسلم، غير أن إباحته جائزة على الله تعالى، فله أن يراعي الأصلح للعباد وأن لا يراعيه، غير أن عادته- تعالى- التفضل على عباده بشرع تحصيل المصالح ودرء المفاسد على سبيل التفضل ". وقد استشكل بعضهم إثبات تعليل الأحكام، لأنه يصادم الأصل المشهور بنفي التعليل كما حصل لإبن الحاجب عند الكلام على دليل العمل بالسبر والتقسيم، فإنه نقل إجماع الفقهاء على أنه لابد للحكم من علة، وهذا معارض للأصل المشهور وهو نفي العلل في الخلق والأمر. وشعر بعضهم بالحرج أن يقول خلاف الأصل الذي سار عليه الأشعري، ورأى في التأويل مخرجًا فقال: إن الأدلة لا تدل على إثبات التعليل

стр. 490

وجوبًا بل على إثباته تَفَضُّلًا وإحسانًا. ولما ذكر لبعضهم أن الأمة أجمعت على تعليل أفعال الله سبحانه وأحكامه - وللإجماع هيبته- لم يعجزه ذكاؤه أن يوجه الإجماع على مجمل التعليل في جملة الأحكام، وأما آحاد المسائل فلا. ثم إن هؤلاء لما أثبتوا التعليل في أحكام الله سبحانه، أثبتوه على وجه التفضل منه سبحانه واللطف لا على وجه الوجوب كما يقوله المعتزلة ... ثم قال: القول الثالث: هو مذهب جمهور المسلمين، وقول جميع الصحابة وأئمة التابعين، وهو أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في خلقه سبحانه وأمره، ولكن لا يثبتونه على قاعدة القدرية المعتزلة، الذين ينكرون قدرة الله تعالى وعموم مشيئته وقدرته، ولا ينفونه نفي الجهمية والأشاعرة الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة، وأثبتوا مشيئة الله سبحانه بلا رحمة ولا محبة ولا رضا. فأهل السنة التابعون للصحابة يقرون بالقدر وبالشرع وبالحكمة والتعليل في خلق الله وأمره، ويقرون بما جعله سبحانه من الأسباب والمصالح التي جعلها رحمة للعباد. فكل ما خلقه الله سبحانه فله فيه حكمة، كما قال (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨]). وبعد فالتعريف الذي ذكره الشيخ عياض جيد وعليه فيكون تعريف العلة: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم). حجية القياس: قال الشيخ: (وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيّاً: الكتاب والسنة وأقوال الصحابة). قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٢١٥): ("وهو" أي القياس "حجة" عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم. وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس بقول أحمد ﵀: لا يستغني أحد عن القياس، وقوله في رواية الميموني: سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة، وأعجبه ذلك. وذكر ابن حامد عن بعض أصحابنا: أنه ليس بحجة، لقول أحمد في رواية الميموني: يجتنب المتكلم هذين الأصلين: المجمل، والقياس. وحمله القاضي وابن عقيل على قياس عارضه سنة.

стр. 491

قال ابن رجب: فتنازع أصحابنا في معناه. فقال بعض المتقدمين والمتأخرين: هذا يدل على المنع من استعمال القياس في الأحكام الشرعية بالكلية. وأكثر أصحابنا لم يثبتوا عن أحمد في العمل بالقياس خلافا، كابن أبي موسى، والقاضي، وابن عقيل، وغيرهم، وهو الصواب. انتهى). وقد ألقى الشيخ الشنقيطي محاضرة في المسجد النبوي في التفسير عند قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [الأعراف: ١٢] ناقش فيه فضيلته إثبات القياس على منكريه، وأورد أقسام القياس وأمثلته العديدة، وقد لخصت هذه المحاضرة، ووضعت عناوين لفقراتها وعلقت عليها: قول ابن حزم وأدلته (١): قال ابن حزم: لا يجوز اجتهاد كائناً ما كان ولا يجوز أن يتكلم في حكم إلا بنص من كتاب أو سنة أما من جاء بشيء لم يكن منصوصاً في الكتاب ولا السنة فهو مشرع ضال، ويزعم أم ما ألحقه الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال ويستدل بعشرات الآيات يقول: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الأعراف: ٣]، والمقاييس لم تنزل علينا من ربنا، ويقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)

стр. 492

[سبأ: ٥٠] فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس. ويقول: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [المائدة: ٤٩] والمقاييس لم تكن مما أنزل الله ويقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤]، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٥]، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: ٤٧] والقياس لم يكن مما أنزل الله ويأتي بنحو هذا من الآيات في شيء كثير جداً. ويقول إن القياس لا يفيد إلا الظن والله يقول: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس: ٣٦] وفي الحديث: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) (١). ويقول: إن كل ما لم يأت بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه. بعض ما سكت عنه الشارع لا يمكن أن تكون عفواً ولابد من النظر فيها والاجتهاد: ويقول إن الله حرم أشياء وأحل أشياء وسكت عن أشياء لا نسياناً رحمة بكم فلا تسألوا عنها (٢)، وبحديث: (ما سكت الله عنه فهو عفو). ويقول إن ما لم يأت في كتاب ولا سنة فالبحث عنه حرام وهو معفوا لا مؤاخذة فيه. وهو باطل من جهات كثيرة، منها أن ما يسكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفواً كما قال فنحن مثلاً وجب علينا صوم شهر واحد وهو رمضان وسكت الوحي عن وجوب شهر آخر فلم يجب علينا إلا هذا ... أما أنه توجد أشياء لا يمكن أن تكون عفواً ولابد من النظر فيها والاجتهاد ومن أمثلة ذلك مسألة العول.

стр. 493

مسألة العول: فكما قال الفرضيون إن أول عول نزل في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر ﵁، فقال الزوج: يا أمير المؤمنين هذه تركة زوجتي ولم تترك ولداً والله يقول في محكم كتابه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) [النساء: ١٢] فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد فلي نصف ميراثها بهذه الآية ولا أتنازل عن نصف الميراث بدانق، فقالت الأختان: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا ونحن اثنتان والله يقول: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦] والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق، فقال عمر ﵁: ويلك يا عمر والله ان أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وان أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج النصف ونقول يا ابن حزم كيف تسكت عن هذا ويكون هذا عفواً والوحي سكت عن هذا ولم يبين أي النصين ماذا نفعل فيهما فهذا لا يمكن أن يكون عفواً ولابد من حل فلا نقول لهم تهارشوا على التركة تهارش الحمر أو ننزعها من واحد إلى الآخر فلابد من إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به وحل معقول بالاجتهاد فجمع عمر ﵁ الصحابة وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله ﷺ عن العول لمثل هذا، فقال له العباس بن عبد المطلب ﵁: يا أمير المؤمنين أرأيت هذه المرأة لو كانت تطالب بسبعة دنانير ديناً وتركت ستة دنانير فقط ماذا كنت فاعلاً؟ قال: اجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء وأعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيباً من السبعة قال كذلك فافعل، أصل فريضتها من ستة لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين وثلثا الأختين يخرجان من ثلاثة مخرج النصف ومخرج الثلث متبايناً فنضرب اثنين في ثلاثة بستة ثم نجعل نقطة زائدة وهي المسمى بالعول فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء، وقال للزوج حفك نصف الستة وهي الثلاثة فخذ الثلاثة من سبعة، وبقي من السبعة أربعة فقال للأختين لكما الثلثان من الستة وهما أربعة فخذاها من سبعة، فصار النقص على كل واحد من الوارثين ولم يضيع نصاً من نصوص القرآن الكريم. وكان ابن حزم في هذه المسألة يخطئ جميع الصحابة.

стр. 494

ويقول ابن العباس وعامة الصحابة على غلط وان هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز وأن الحق مع ابن عباس وحده الذي خالف عامة الصحابة في العول. وقال الذي نعلم أن الله لم يجعل في شيء واحد نصفاً وثلثين، فرأي ابن عباس أن ننظر في الورثة إذا كان أحدهما أقوى سبباً نقدمه ونكمل له نصيبه ونجعل النقص على الأضعف، فابن عباس في مثل هذا يقول ابن الزوج يعطى نصفاً كاملاً لأن الزوج لا يحجبه الأبوان ولا يحجبه الأولاد بخلاف الأختين لأنهما أضعف سبباً منه لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب ونعطي للأختين نصفاً وهذا تلاعب بكتاب الله، الله يقول: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ) [النساء: ١٧٦] وهو يقول فلهما النصف فهذا عمل بما يناقض القرآن. المسألة المنبرية: مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس يقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية وإنما سميت المنبرية لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أفتى فيها وهو على المنبر أثناء خطبته لأنه افتتح خطبته على المنبر وقال: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى واليه المآب والرجعي، فسمع قائلاً يقول: ما تقولون فيمن هلك عن زوجة وأبوين وابنتين؟ فقال علي ﵁: صار ثمنها تسعاً، ومضى في خطبته. وقوله: صار ثمنها تسعاً لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة، الابنتان لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لأن السدسين بثلث وتبقى الزوجة تعول لها بالثمن والفريضة من أربعة وعشرين وثمنها ثلاثة يعال فيها بثمن الزوجة وثمن الأربعة والعشرين ثلاثة وإذا ضم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى أصل الفريضة أي إذا ضم الثمن الذي هو ثلاثة فريضة الزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة صارت سبعة وعشرين. والثلاثة من السبعة والعشرين تسعها ومن الأربعة والعشرين ثمنها، فهذه لو قلنا لابن حزم أيهما يحجب هل الابنتان يحجبان لا والله، هل الأبوان يحجبان لا والله هل الزوجة تحجب لا والله ليس فيهم من يحجبه أحد وكلهم أهل فروض منصوصة في كتاب الله ولا يحجب أحد منهم أبداً فبهذا يبطل قوله

стр. 495

إن من هو أضعف سبباً فانه يحجب ويقدم عليه غيره. داود الظاهري كان لا ينكر القياس الجلي: داوود بن علي الظاهري كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الأصل ويقول له القياس الجلي وهو المعروف عند الفقهاء بالقياس الجلي وإلغاء الفارق ويسمى نفي الفارق وهو نوع من تنقيح المناط. أمثلة على هذا النوع والرد على ابن حزم في إنكاره: فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يلحق بالمنطوق وان قول ابن حزم: انه مسكوت عنه لم يتعرض له أنه كذب محض وافتراء على الشرع وأن الشرع لم يسكت عنه. وقوله تعالى:" فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ " يقول ابن حزم إن هذه الآية، ناطقة بالنهي عن التأفيف ولكنها ساكتة عن حكم الضرب (١)،ونحن نقول: لا والله لما نهى عن التأفيف
следующие страницы →