قال ابن رجب: فتنازع أصحابنا في معناه. فقال بعض المتقدمين والمتأخرين: هذا يدل على المنع من استعمال القياس في الأحكام الشرعية بالكلية. وأكثر أصحابنا لم يثبتوا عن أحمد في العمل بالقياس خلافا، كابن أبي موسى، والقاضي، وابن عقيل، وغيرهم، وهو الصواب. انتهى).
وقد ألقى الشيخ الشنقيطي محاضرة في المسجد النبوي في التفسير عند قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [الأعراف: ١٢] ناقش فيه فضيلته إثبات القياس على منكريه، وأورد أقسام القياس وأمثلته العديدة، وقد لخصت هذه المحاضرة، ووضعت عناوين لفقراتها وعلقت عليها:
قول ابن حزم وأدلته (١):
قال ابن حزم: لا يجوز اجتهاد كائناً ما كان ولا يجوز أن يتكلم في حكم إلا بنص من كتاب أو سنة أما من جاء بشيء لم يكن منصوصاً في الكتاب ولا السنة فهو مشرع ضال، ويزعم أم ما ألحقه الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال ويستدل بعشرات الآيات يقول: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الأعراف: ٣]، والمقاييس لم تنزل علينا من ربنا، ويقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)
стр. 492
[سبأ: ٥٠] فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس. ويقول: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) [المائدة: ٤٩] والمقاييس لم تكن مما أنزل الله ويقول: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤]، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٥]، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة: ٤٧] والقياس لم يكن مما أنزل الله ويأتي بنحو هذا من الآيات في شيء كثير جداً. ويقول إن القياس لا يفيد إلا الظن والله يقول: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس: ٣٦] وفي الحديث: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) (١). ويقول: إن كل ما لم يأت بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه.
بعض ما سكت عنه الشارع لا يمكن أن تكون عفواً ولابد من النظر فيها والاجتهاد:
ويقول إن الله حرم أشياء وأحل أشياء وسكت عن أشياء لا نسياناً رحمة بكم فلا تسألوا عنها (٢)، وبحديث: (ما سكت الله عنه فهو عفو). ويقول إن ما لم يأت في كتاب ولا سنة فالبحث عنه حرام وهو معفوا لا مؤاخذة فيه.
وهو باطل من جهات كثيرة، منها أن ما يسكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفواً كما قال فنحن مثلاً وجب علينا صوم شهر واحد وهو رمضان وسكت الوحي عن وجوب شهر آخر فلم يجب علينا إلا هذا ...
أما أنه توجد أشياء لا يمكن أن تكون عفواً ولابد من النظر فيها والاجتهاد ومن أمثلة ذلك مسألة العول.
стр. 493
مسألة العول:
فكما قال الفرضيون إن أول عول نزل في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر ﵁، فقال الزوج: يا أمير المؤمنين هذه تركة زوجتي ولم تترك ولداً والله يقول في محكم كتابه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) [النساء: ١٢] فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد فلي نصف ميراثها بهذه الآية ولا أتنازل عن نصف الميراث بدانق، فقالت الأختان: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا ونحن اثنتان والله يقول: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦] والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق، فقال عمر ﵁: ويلك يا عمر والله ان أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وان أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج النصف ونقول يا ابن حزم كيف تسكت عن هذا ويكون هذا عفواً والوحي سكت عن هذا ولم يبين أي النصين ماذا نفعل فيهما فهذا لا يمكن أن يكون عفواً ولابد من حل فلا نقول لهم تهارشوا على التركة تهارش الحمر أو ننزعها من واحد إلى الآخر فلابد من إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به وحل معقول بالاجتهاد فجمع عمر ﵁ الصحابة وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله ﷺ عن العول لمثل هذا، فقال له العباس بن عبد المطلب ﵁: يا أمير المؤمنين أرأيت هذه المرأة لو كانت تطالب بسبعة دنانير ديناً وتركت ستة دنانير فقط ماذا كنت فاعلاً؟ قال: اجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء وأعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيباً من السبعة قال كذلك فافعل، أصل فريضتها من ستة لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين وثلثا الأختين يخرجان من ثلاثة مخرج النصف ومخرج الثلث متبايناً فنضرب اثنين في ثلاثة بستة ثم نجعل نقطة زائدة وهي المسمى بالعول فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء، وقال للزوج حفك نصف الستة وهي الثلاثة فخذ الثلاثة من سبعة، وبقي من السبعة أربعة فقال للأختين لكما الثلثان من الستة وهما أربعة فخذاها من سبعة، فصار النقص على كل واحد من الوارثين ولم يضيع نصاً من نصوص القرآن الكريم. وكان ابن حزم في هذه المسألة يخطئ جميع الصحابة.
стр. 494
ويقول ابن العباس وعامة الصحابة على غلط وان هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز وأن الحق مع ابن عباس وحده الذي خالف عامة الصحابة في العول. وقال الذي نعلم أن الله لم يجعل في شيء واحد نصفاً وثلثين، فرأي ابن عباس أن ننظر في الورثة إذا كان أحدهما أقوى سبباً نقدمه ونكمل له نصيبه ونجعل النقص على الأضعف، فابن عباس في مثل هذا يقول ابن الزوج يعطى نصفاً كاملاً لأن الزوج لا يحجبه الأبوان ولا يحجبه الأولاد بخلاف الأختين لأنهما أضعف سبباً منه لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب ونعطي للأختين نصفاً وهذا تلاعب بكتاب الله، الله يقول: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ) [النساء: ١٧٦] وهو يقول فلهما النصف فهذا عمل بما يناقض القرآن.
المسألة المنبرية:
مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس يقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية وإنما سميت المنبرية لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أفتى فيها وهو على المنبر أثناء خطبته لأنه افتتح خطبته على المنبر وقال: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى واليه المآب والرجعي، فسمع قائلاً يقول: ما تقولون فيمن هلك عن زوجة وأبوين وابنتين؟ فقال علي ﵁: صار ثمنها تسعاً، ومضى في خطبته. وقوله: صار ثمنها تسعاً لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة، الابنتان لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لأن السدسين بثلث وتبقى الزوجة تعول لها بالثمن والفريضة من أربعة وعشرين وثمنها ثلاثة يعال فيها بثمن الزوجة وثمن الأربعة والعشرين ثلاثة وإذا ضم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى أصل الفريضة أي إذا ضم الثمن الذي هو ثلاثة فريضة الزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة صارت سبعة وعشرين. والثلاثة من السبعة والعشرين تسعها ومن الأربعة والعشرين ثمنها، فهذه لو قلنا لابن حزم أيهما يحجب هل الابنتان يحجبان لا والله، هل الأبوان يحجبان لا والله هل الزوجة تحجب لا والله ليس فيهم من يحجبه أحد وكلهم أهل فروض منصوصة في كتاب الله ولا يحجب أحد منهم أبداً فبهذا يبطل قوله
стр. 495
إن من هو أضعف سبباً فانه يحجب ويقدم عليه غيره.
داود الظاهري كان لا ينكر القياس الجلي:
داوود بن علي الظاهري كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الأصل ويقول له القياس الجلي وهو المعروف عند الفقهاء بالقياس الجلي وإلغاء الفارق ويسمى نفي الفارق وهو نوع من تنقيح المناط.
أمثلة على هذا النوع والرد على ابن حزم في إنكاره:
فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يلحق بالمنطوق وان قول ابن حزم: انه مسكوت عنه لم يتعرض له أنه كذب محض وافتراء على الشرع وأن الشرع لم يسكت عنه.
وقوله تعالى:" فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ " يقول ابن حزم إن هذه الآية، ناطقة بالنهي عن التأفيف ولكنها ساكتة عن حكم الضرب (١)،ونحن نقول: لا والله لما نهى عن التأفيف
стр. 496
وهو أخف الأذى فقد دلت هذه الآية من باب أولى على أن ضرب الوالدين أشد حرمة وان الآية غير ساكتة عنها بل نبهت على الأكبر بما هو أصغر منه فلما نهت عن التأفيف وهو أقل أذية من الضرب لم تسكت عن الضرب.
ونقول: إن قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)) [الزلزلة: ٧، ٨] إن هذه الآية ليست ساكتة عن عمل مثقال جيل أحد فلا نقول نصت على الذرة وما فوق الذرة فهو مسكوت عنه فلا يؤخذ من الآية فهي ساكتة عنه بل نقول إن الآية غير ساكتة عنه وإن ذلك المسكوت عنه يلحق بذلك المنطوق.
وكذلك قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] من جاء بأربعة عدول لا نقول أربعة عدول مسكوت عنها بل نقول إن الآية التي نصت على قبول شهادة العدلين دالة على قبول شهادة أربعة عدول.
ونقول: إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] لا نقول كما يقول ابن حزم ساكنة عن إحراق مال اليتيم وإغراقه لأنها نصت على حرمة
стр. 497
أكله فقط، بل نقول: إن الآية التي نهت عن أكله دلت على حرمة إغراقه وإحراقه بالنار لأن الجميع إتلاف.
ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل أن ما ورد عن النبي ﷺ من النهي عن البول في الماء الراكد يقول ابن حزم: لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه لأن النبي لم ينه عن هذا وإنما قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) ولم يقل لا يبولن أحدكم في إناء ثم يصبه فيه فهذا لا يعقل أيعقل أحد أن الشرع الكريم يمنع من أن يبول إنسان بقطرات قليلة أقل من وزن ربع كيل ثم انه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات بولاً يعد بمئات الكيلوات ثم يصبها في الماء وأن هذا جائز.
وأيضاً في الحديث: (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان) فألحق به الفقهاء إذ كان في حزن شديد مفرط يذهل عقله، أو فرح شديد مفرط يدهش عقله أو في عطش شديد مفرط يدهش عقله أو في جوع شديد يدهش عقله، ونحو ذلك من مشوشات الفكر التي هي أعظم من الغضب فليس في المسلمين من يعقل أن يقال للقاضي أحكم بين الناس وأنت في غاية تشويش الفكر بالجوع والعطش المفرطين أو الحزن والسرور المفرطين، أو الحقن والحقب المفرطين والحقن مدافعة البول والحقب مدافعة الغائط، والإنسان اذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مشوش الفكر مشغول الخاطر لا يمكن أن يتعقل حجج الخصوم، ومثل هذا، لذا قال العلماء لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو مشوش الفكر.
وكذلك قال الله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) [النور: ٤] ولم يصرح في الآية الا أن يكون القاذف ذكر والمقذوفة أنثى فلو قذفت أنثى ذكراً أو قذف لا مؤاخذة فيه لأن الله إنما نص على قذف الذكور بالإناث لأنه قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) وما أراد ابن حزم هنا أن يدخل الجميع في عموم المحصنات فقال: المحصنات نعت للفروج، والذين يرمون الفروج المحصنات فيشمل الذكور والإناث يرد عليه أن المحصنات في القرآن لم تأت قط للفروج وإنما جاءت للنساء وكيف يأتي ذلك في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) [النور: ٢٣]، وهل يمكن أن تكون الفروج غافلات مؤمنات. هذا مما لا يعقل.
стр. 498
وكذلك نص الله جل وعلا على أن المبتوتة إذا نكحت زوجاً غير زوجها الأول نص على أنها ان طلقها الزوج الأخير طلقها الأول ثلاث طلقات فصارت مبتوتة حراماً عليه الا بعد زوج ثم تزوجها زوج فدخل بها ثم طلقها هذا الزوج الأخير فانه يجوز للأول أن ينكحها لأنها حلت بنكاح الثاني، والله إنما صرح في هذه السورة بنص واحد وهو أن يكون الزوج الذي حللها إنما طلقها لأنه قال في تطليق الأول، فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره. ثم قال في تطليق الزوج الذي حللها، فان طلقها فلا جناح عليهما أي على الزوجة التي كانت حراماً والزوج الذي كانت حراماً عليه أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله، فنص على طلاق المحلل خاصة فان طلقها أرأيتم لو حللها وجامعها مائة مرة حتى حلت وكانت كماء المزن ثم مات قبل أن يطلقها أو فسخ حاكم عقدهما بموجب آخر كالإعسار بنفقة أو غير ذلك من أسباب الفسخ أيقول مسلم هذه لا تحل للأول لأن الله ما نص الا على قوله فان طلقها فان مات لم تحل لأن الموت ليس بطلاق، هذا مما لا يقوله عاقل.
وأمثال ذلك كثيرة جداً.
شدة ابن حزم على الأئمة:
ونحن نضرب مثلاً فانه من أشد ما حمل به الأئمة ﵏ مسألة حديث تحريم ربا الفضل لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
فابن حزم يقول: ليس في الدنيا يحرم فيه ربا الفضل الا هذا ويقول الدليل على أنهم مشرعون وأن أقوالهم كلها كاذبة أن بعضهم كالشافعي يقول علة الربا في البر الطعم ويقيس كل مطعوم على البر فيقول كل المطعومات كالفواكه كالتفاح وغيره من الفواكه يحرم فيه الربا قياساً على البر بجامع الطعم وأبو حنيفة وأحمد يقولان علة الربا الكيل ويقولان كل مكيل يحرم فيه الربا قياساً على البر فيحرمان الربا في النورة والأشنان وكل مكيل فيقول فيه ابن حزم هذا يقول العلة الطعم ويلحق أشياء وهذا يقول العلة الكيل ويلحق أشياء أخرى. وكل منهم يكذب الآخر فهذه كلها قياسات متناقضة والأقوال المتكاذبة والأحكام التي ينفي بعضها بعضاً لا يشك عاقل في أنها ليست من
стр. 499
عند الله وأمثال هذا كثيرة ونحن نضرب مثلاً لهذه المسألة ونقول إن الأئمة ﵃ أبا حنيفة وأحمد والشافعي ﵏ الذين سخر ابن حزم من قياساتهم هم أولى بظواهر النصوص من ابن حزم، ونقول لابن حزم مثلاً: أنت قلت انك مع النصوص في الظاهر وقلت:
ألم تعلموا أني ظاهري وإني ... على ما بدا حتى يقوم دليل
فهذا الإمام الشافعي الذي قال إن علة الربا في البر الطعم استدل بحديث ثابت في صحيح مسلم وهو حديث معمر بن عبد الله ﵁ الثابت في صحيح مسلم قال: (كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل). الحديث. فالإمام الشافعي فيما سخر منه ابن حزم أقرب لظاهر نصوص الوحي من ابن حزم وكذلك الإمام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى اللذان قالا إن علة الربا في البر الكيل استدلا كذلك بالحديث الصحيح، وكذلك الميزان لأن النبي ﷺ لما بين المكيلات وبين أن الربا حرام فيها قال: وكذلك الميزان.
والتحقيق أن وكذلك الموزونات مثل المكيلات، فجعل معرفة القدر علة للربا وقوله: وكذلك الميزان ثابت في الصحيحين ... وهذا الحديث قال فيه النبي ﷺ وكذلك كل ما يكال أو يوزن وهذا أقرب لظاهر نص النبي ﷺ من ابن حزم الذي يسخر من الإمام أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله.
الأدلة على جواز إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به:
والحاصل أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق أمر لا شك فيه وأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل. والله جل وعلا قد بين نظائر في القرآن يعلم بها إلحاق النظير والنبي ﷺ أرشد أمته إلى ذلك في أحاديث كثيرة.
فمن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ لما سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم فقال له: (أرأيت لو تمضمضت) فهذا إشارة من النبي ﷺ إلى قياس القبلة على المضمضة بجامع أن القبلة مقدمة الجماع والمضمضة مقدمة للشرب فكل منهما مقدمة الإفطار وليس بإفطار ومحل كون القبلة كالمضمضة إذا كان صاحبها لا يخرج منه شيء أما إذا كانت القبلة تخرج منه شيئاً
стр. 500
فهو كالذي إذا تمضمض ابتلع شيئاً من الماء فحكمه حكمه.
وكذلك ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث ثابتة متعددة في الصحيحين أنه سأله رجل مرة وامرأة مرة أنهما سألاه عن دين يقضيانه عن ميت لهما، مرة تقول مات أبي ومرة تقول أمي وكذلك الرجل فقال النبي ﷺ (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) فهو تنبيه منه ﷺ على قياس دين الله على دين الآدمي بجامع أن الكل حق مطالب به الإنسان وأنه يقضي عنه بدفعه لمستحقه. وأمثال ذلك كثيرة.
ومن أصرحها ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ جاءه رجل، كان الرجل أبيض وامرأة بيضاء فولدت له غلاماً أسود فأصاب الرجل فزعاً من سواد الغلام وظن أنها زنت برجل أسود وجاءت بهذا الغلام فجاء إلى النبي ﷺ منزعجاً وأخبره بأنها جاءت بولد أسود وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللعان زعماً أن هذا الولد من زان أسود وأنه ليس ولده لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء فقال له النبي ﷺ : (هل لك من إبل؟) قال: نعم. قال: (ما ألوانها؟) قال حمر. قال: (هل فيها من أورق) والأورق المتصف بلون الورقة والورقة يكون لوناً كحمام الحرم يعني سواد مع بياض يكون في الإبل. قال الرجل إن فيها لورق. قال: (ومن أين جاءتها تلك الورقة؟) آباؤها حمر وأمهاتها حمر فمن أين جاءتها تلك الورقة؟ قال: لعل عرقاً نزعها. قال له: (وهذا الولد لعل عرقاً نزعه). فاقتنع الأعرابي وهذا إلحاق نظير بنظير.
وفي الجملة فنظير الحق حق ونظير الباطل باطل، وهذا مما لا شك فيه، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأقيسة التي ذكرنا ومنه قياس فاسد، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة وبعض الأقيسة الصحيحة.
ومن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٥٩] ... الله جل وعلا قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وجد ولم يكن له أم ولا أب خلق ولم يكن له أم ولا أب، فالذي خلق آدم ولم يكن أب ولا أم فهو قادر على أن يخلق عيسى من أم ولم
стр. 501
يكن له أب، كما خلق حواء من ضلع رجل.
وكذلك قاس الموجودين زمن النبي ﷺ على الأمم الماضية وقال لهم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [محمد: ١٠] ثم بين إلحاق النظير بالنظير فقال: وللكافرين أمثالها، كأن الموجودين زمن النبي فرع والكفار المتقدمون أصل، والحكم الذي يهددون به العذاب والهلاك والعلة الجامعة تكذيب الرسل والتمرد على رب العالمين.
وأمثال ذلك في القرآن كثير.
القياس الفاسد:
أما القياس الفاسد الذي يكون مخالفاً للنصوص كقياس إبليس لعنه الله وكالأقيسة المخالفة للنصوص.
وكأقيسة الشبه المبنية على الفساد فان الكفار جاؤوا بقياس الشبه كثيراً باطلاً ومثله باطل كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) [يوسف: ٧٧] فأثبتوا السرقة على أخ يوسف لأن يوسف قد سرق قبله والأخ شبيه بالأخ فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال وأن هذا سرق كما سرق ذلك. وهذا قياس شَبَه باطل.
خاتمة والجمع بين الأقوال والأدلة:
وعلى كل حال فالقياس هو قسمان صحيح وقياس فاسد فما جاء به الظاهرية من ذم القياس والسلف فهو ينطبق على القياس الفاسد، والقياس الصحيح هو إلحاق النظير بالنظير على وجه صحيح لا شك في صحته. والصحابة كذلك يلحقون المسكوت بالمنطوق به وهذا كثير وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة.
شروط القياس:
قال الشيخ: (شروط القياس:
١ - أن لا يصادم دليلاً أقوى منه ويسمى القياس المصادم لما ذكر (فاسد الاعتبار).
٢ - أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه.
стр. 502
٣ - أن يكون لحكم الأصل عله معلومة.
٤ - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم.
٥ - أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل).
أجمل الشيخ هنا الكلام على شروط القياس، فدمج ما يتعلق منها بالأصل، وبالفرع، وبالحكم، وبالعلة، وذكر بعض ذلك ...
الشرط الأول - ألا يكون فاسد الاعتبار:
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٢٠): (قلنا أن لا يصادم دليلاً أقوى منه، ولم نقل أن لا يصادم نصًا، لأن الدليل قد يكون بالنص وبالإجماع وبأقوال الصحابة - على القول بأنها من الأدلة- فلهذا نقول: "أن لا يصادم دليلاً أقوى منه ".
ووجه هذا الشرط: أن الأخذ بالأدنى وطَرْحَ الأقوى خلافُ الحكمةِ وخلافُ المعقول، بل وخلافُ المنقول أيضًا، لأنا نرى أن القياس المصادم لما هو أقوى منه قد أبطله الله- قال الله تعالى للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (البقرة: ٣٠) قاسوا ما سيجعله الله على ما قد جعله الله فيما مضى، حيث كان في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء، فقال الله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) لهذا يُشترط أن لا يصادم القياسُ دليلاً أقوى منه، فلا اعتبار بقياس يصادم النص، والمراد بالنص: الكتابُ والسُّنةُ أو الإِجماع- وسبق تعريفه- أو أقوال الصحابة إذا قلنا أن قول الصحابي حجة (١) ... وعلى كل حالٍ ففي الحال التي نقول فيها: إن قول الصحابي حجة لو أن أحدًا من الناس قاس قياسا يقتضي مخالفة قول الصحابي، فهذا القياس لا عبرة به وبهذا قال: ويُسمَّى القياس المصادم لما ذكر- من النص والإجماع وقول الصحابة- يسمى "فاسد الاعتبار "، وهذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها- يعنى كأنه اعتبار فاسد، والاعتبار: هو القياس.
إذًا فكلُّ قياس خالف دليلاَ أقوى منه فسمه "فاسد الاعتبار" ولا يؤخذ به ...
стр. 503
(مثاله أن يقال: يصح أن تزوج الرشيدة نفسها بغير ولى قياسًا على صحة بيعها مالها بغير ولي)
لو قال قائل: المرأة الرشيدة تبيع مالها بدون ولي، إذًا فهي تزوج نفسها بغير ولي قياسًا علي بيع مالها بغير ولي؛ لأن هذا تصرف في نفسها، وذاك تصرف في مالها، فهذا مثل هذا.
نقول له: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة، فإن الكتاب والسنة قد دلا على أنه لا يصح تزويج المرأة إلا بولي، قال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة: ٢٣٧) فإن الذي بيده عقدة النكاحِ- على أحد القولين- هو الَوَليَ (١)، وقالَ تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٢)، ولولا اشتراط الولي لكان عضله وعدمه سواءً، لأنه إذاَ عضلها زوجت نفسها. ومن أدلة القرآن أيضًا قوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) (البقرة: ٢٢١)، فقوله: (تُنْكِحُوا) الخطاب فيه موجه إلى الأولياء. وأما السنة فقد ثبت عن النبي ﷺ أن قال: "لا نِكَاحَ إلا بوليِّ ".
إذا نقول: هذا القياس فاسد الاعتبار- أعني: قياس تزويج المرأة نفسها بغير ولي علي جواز بيعها مالها بغير ولي؛ لمصادمته النص- وهو قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي " وقد بينا أن القراَن يدل على ذلك أيضًا).
أولا - معنى فساد الاعتبار لغة (٢):
هو مركب من فساد واعتبار، والفساد خروج الشيء عن الاعتدال، وهو ضد الصلاح.
وأما (الاعتبار) فهو مصدر على وزن (افتعال) من لفظ: عبر يعبر عبورا، أي: انتقل، يقال: عبرت النهر أعبره عبرا وعبورا، إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر.
قال أبو البقاء: الاعتبار مأخوذ من العبور وهو المجاوزة من شيء إلى شيء.
стр. 504
ويستعمل الاعتبار بمعنى التدبر والنظر في الشيء بحيث ينتقل ويعبر به من الشيء إلى غيره، ويتوصل به من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد ولهذا سمى القياس اعتبارا وقد أشير هذا المعنى في قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: ٢].
وقد بين الشيخ معناه بأنه من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ومعناه أن القياس فاسد.
قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣٥٥٥): (وإنما سمي هذا النوع بذلك؛ لأن اعتبار القياس مع النص والإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد لحديث معاذ، فإنه أخر الاجتهاد عن النص. قال العسقلاني: ' سمي بذلك؛ لأن الفساد ليس في وضع القياس وتركيبه، بل لأمر من خارج وهو عدم صحة الاحتجاج به مع وجود النص المخالف له، لحديث معاذ حيث أخر العمل بالقياس (١). وصوبه، فدل على أن رتبة القياس بعد النص. ولأن الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من القياس، وكذا الصحابة لم يقيسوا إلا مع عدم النص).
ثانيا - تعريفه اصطلاحا:
أشار الشيخ إلى تعريفه اصطلاحا بأنه ما صادم دليلا أقوى منه. وبين أن الدليل إما أن يكون كتابا أو سنة أو إجماعا أو أقوال الصحابة (٢).
وجعل الشيخ معارضة القياس لقول الصحابي قادحا في القياس هو ظاهر المذهب، ولم أر من أضافه هنا، وسيأتي قريبا - بإذن الله - عرض الخلاف في ذلك.
واقتصر ابن قدامة في تعريفه لفساد الاعتبار على أنه ما خالف نصا، وزاد المرداوي وابن النجار: أو إجماعا.
стр. 505
الأمثلة:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٦٧): (مثال ما خالف نص الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان، لأنه صوم مفروض، فلا يصح تبييته من النهار كالقضاء، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته نص الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فإنه يدل على أن كل من صام يحصل له الأجر العظيم، وذلك مستلزم للصحة، وهذا قد صام، فيكون صومه صحيحا.
ومثال ما خالف السنة قولنا: لا يصح السلم في الحيوان، لأنه عقد يشتمل على الغرر، فلا يصح، كالسلم في المختلطات، فيقال: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفة ما روي عن النبي ﷺ أنه رخص في السلم (١).
ومثال ما خالف الإجماع أن يقول الحنفي: لا يجوز أن يغسل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية فيقال له: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليا غسل فاطمة، ولم ينكر عليه، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعا كما سبق في بابه).
حكمه، ووجوه الجواب عنه:
اعلم أن الأصوليين اتفقوا من ناحية الجملة على القياس إذا خالف أو عارض دليلا أقوى منه فيعد فاسد الاعتبار، ويحكم ببطلانه.
ولكنهم اختلفوا في بيان مراتب القياس من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، واختلفوا أيضا في مراتب من أخبار الآحاد، وفي تخصيص عموم الكتاب به.
стр. 506
وقد سبق بيان أن القياس له مراتب من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، فالقياس الذي في معنى الأصل أقوى من القياس الجلي، الجلي أقوى من الخفي، وقياس العلة أقوى من قياس الدلالة.
ثم عند معارضة القياس مع دليل آخر فلابد من النظر إلى قوة النص الذي هو أصل القياس.
ومما سبق يتبين أن الأصوليين متفقون على أن القياس إذا خالف دليلا أقوى منه أنه يصح الاعتراض عليه بفساد الاعتبار، وأنه على المستدل بالقياس أن يجيب عنه بأحد الأجوبة الآتي ذكرها، وإلا فقياسه باطل (١).
قال ابن النجار في " شرح الكوكب" (٤/ ٢٣٩): ("وجوابه" أي وجواب القدح بفساد الاعتبار:
إما "بضعفه" بأن يمنع صحة النص بالطعن في سنده، بأن يقول: لا نسلم صحة تغسيل علي لفاطمة. وإن سلم فلا نسلم أن ذلك اشتهر، وإن سلم فلا نسلم أن الإجماع السكوتي حجة، وإن سلم. فالفرق بين علي وغيره: أن فاطمة زوجته في الدنيا والآخرة بإخبار النبي ﷺ ، فالموت لا يقطع النكاح بينهما، بخلاف غيرهما.
أو يقول في مسألة السلم: لا نسلم صحة الترخيص في السلم، وإن سلمنا فلا نسلم أن اللام فيه للاستغراق. فلا يتناول الحيوان، وإن صح السلم في غيره.
"أو" ب "منع ظهوره" أي ظهور النص، بأن يقول في مسألة الصوم: لا نسلم أن الآية تدل على صحة الصوم بدون تبييت النية؛ لأنها مطلقة، وقيدناها بحديث (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل).
"أو" بـ "تأويله" أي تأويل النص، بأن يقول في مسألة الصوم: إن الآية دلت على ثواب الصائم، وإنا لا نسلم أن الممسك بدون تبييت النية صائم، أو يقول: إن النص المعارض للقياس مؤول بدليل يرجحه على الظاهر.
"أو" بـ "القول بموجبه" بأن يقول: أنا أقول بموجب النص، إلا أن مدلوله لا ينافي
стр. 507
قياسي، كأن يقول في مسألة الصوم: إن الآية دلت على أن الصائم يثاب وأنا أقول
بموجبه. لكنها لا تدل على أنه لا يلزمه القضاء والنزاع فيه!
"أو" بـ "معارضته" أي معارضة النص "بمثله" أي بنص مثله. فيسلم القياس حينئذ لاعتضاده بالنص الموافق له) أهـ.
ومثال للمعارضة للنص بمثله (١):
قول الحنفي: لا يجوز للإمام أن يحكم في الأسرى بالفداء؛ لأن فيه إعانة لأهل الحرب بالمقاتلين، كإعانتهم بالمال والسلاح.
فيقول المعترض: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه يخالف قوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤]
فيجيب المستدل بأن هذه الآية معارضة بآية أخرى، وهي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: ٦٧].
مخالفة القياس لقول الصحابي:
وأما إن عارض قول الصحابي الذي لم يشتهر، ولم يعلم له مخالف القياس فالمسألة خلافية والظاهر عند أحمد حمل قول الصحابي على التوقيف وتقديمه على القياس، وخالف أبو الخطاب (٢).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (٤/ ١١٧٨): (إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم يظهر في الباقين، ولم يعرف له مخالف، فإن كان القياس يدل عليه: وجب المصير إليه والعمل به.
وإن كان القياس يخالفه، فإن كان مع قول الصحابي قياس أضعف منه كان قول الصحابي مع أضعف القياسين أولى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون كل واحد منهما حجة حال الانفراد، ثم يصير حجة بالاجتماع ...
وإن لم يكن مع قول الصحابي قياس: ففيه روايتان:
стр. 508
-إحداهما: أنه حجة، مقدم على، القياس؛ ويجب تقليده. وقد أومأ أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع من مسائله:
فقال في رواية أبي طالب "في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار، ثم ظهر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قُسِم فلا حق له، كذا قال عمر، ولو كان القياس كان له. ولكن كذا قال عمر".
وكذلك نقل أبو طالب عنه في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: "يقضي يوماً مكانه، وإن أكل ناسياً بالنهار، فليس عليه شيء.
فقيل: فإذا لم يعلم، فهو كالناسي؟. فقال: كذا في القياس، ولكن عمر أكل في آخر النهار يظن أنه ليل، قال: اقض يوماً مكانه".
وفي رواية أخرى: القياس مقدم عليه.
أومأ إليه ﵀ في مواضع من مسائله ... نقل المروذي عنه: "ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد (١) الحد. وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هي أمة، أحكامها أحكام الإماء".
وهذا صريح من كلامه في أن أقواله ليست بحجة ...
واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب البَرْدَعى والرازي والجرجاني: إلى أنه حجة، يترك له القياس.
وحكى الرازي عن الكرخى أنه قال: "أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب"، وكان لا يرى قول الصحابي فيما يسوغ فيه الاجتهاد حجة.
واختلف أصحاب الشافعي، فقال في القديم: هو حجة. وقال في الجديد: ليس بحجة.
وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية.
فالدلالة على أنه حجة، يُترك له القياس: قوله ﵇: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)، ... ) اهـ
ثم أخذ يسوق الأدلة على حجية قول الصحابي، وقد سبق بيان أنه حجة، وهذه
стр. 509
المسألة تعود إليها فمن يرى أن قول الصحابي حجة فإنه يعارض به القياس ويقدمه عليه، ومن لا فلا كالكلوذاني.
الشرط الثاني:
قال الشيخ: (أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه).
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٥٢٣): (إن كان حكم الأصل- ثابتا بقياس لم يصح القياس عليه ... فهذه ثلاثة علل لاشتراط أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتًا بنصٍّ أو إجماع - وهي:
أولاَ: يجب القياس على الأصل الأول، فهو أولى.
ثانيًا: قد يكون الفرع المقيس عليه غير صحيح أصلاً.
ثالثًا: أن القياس على الفرع تطويل بلا فائدة.
مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز ويجري في الرز قياسًا علي البُر، فالقياس هكذا غير صحيح، ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياسًا على البُر، ليقاس على أصل ثابت بنص ...
ثم قال: على كلِّ حالٍ نقول: إن قياس الفرع على الفرع ثم الفرع على أصل: غير صحيح شكلاً وحكمًا؛ لأنا ذكرنا في إحدى العلل أن قياس الفرع الذي جعل أصلاً في القياس الثاني قد يكون غير صحيح، وحينئذٍ لا يصح الحكم؟
فالقياس إذًا غير صحيح شكلاً وحكمًا، فنحن نبطله ونقول: لا تقس هذا القياس، بل ارجع إلى الأصل الأول وقس عليه وينتهي الإِشكال.
ثم قال: ثم لاحظ أنه في باب المناظرة قد نقول: يجري الربا في الذرة قياسًا على الرز، وفي الرز قياسًا على البر، فيمنَعُ الخصمُ قياسَ الرز على البر وحينئذٍ يبطل قياسك. فهذه المسألة نافعة حتى في باب المناظرة وهي أن ترجع إلى الأصل الأول).
وهذا الذي اختاره الشيخ هو ظاهر كلام أحمد، وأحد قولي المذهب، والقول الأخر بالجواز (١).
стр. 510
قال ابن قدامة في الروضة (ص/٣١٥): (أركان القياس وهي أربعة أصل وفرع وعلة وحكم فالركن الأول له شرطان: أحدهما أن يكون ثابتا بنص أو اتفاق من الخصمين فإن كان مختلفا فيه أو لا نص فيه لم يصح التمسك به ... وقال بعض أصحابنا يجوز القياس على ما ثبت بالقياس لأنه لما ثبت صار أصلا في نفسه فجاز القياس عليه كالمنصوص ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان ... ).
قال المرداوي في " التحبير" (٧/ ٣١٥٦): (قوله: ﴿وكونه غير فرع في ظاهر كلام أحمد، وقاله الحنفية، وأكثر الشافعية. واختاره القاضي، وقال يجوز أن تستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل ويقاس عليه. وقال - أيضاً -: ' يجوز كون الشيء أصلا لغيره في حكم وفرعاً لغيره في حكم آخر '.وجوزه الفخر، وأبو الخطاب، ومنعه أيضاً. وقال - أيضًا - هو، وابن عقيل، والبصري، وبعض الشافعية: يقاس عليه بغير العلة التي يثبت بها، وحكي عن أصحابنا. ومنعه الموفق، والمجد، والطوفي، وغيرهم مطلقاً إلا باتفاق الخصمين، والشيخ (١) في قياس العلة فقط﴾).
قال الطوفي في "البلبل" (ص/١٥١): (فشرط الأصل ثبوته بنص، وإن اختلفا فيه ; أو اتفاق منهما ولو ثبت بقياس، إذ ما ليس منصوصا ولا متفقا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر؛ لأنه إن كان بينه وبين محل النزاع جامع، فقياسه عليه أولى، إذ توسيط الأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإلا لم يصح القياس لانتفاء الجامع بين محل النزاع وأصل أصله).
وقال في "شرحه" (٣/ ٢٩٢): (قوله: «ولو ثبت بقياس»، أي: إذا كان الأصل متفقا عليه، حصل المقصود، ولو كان ثبوته بالقياس، وهو قول بعض أصحابنا؛ لأنه لما ثبت صار أصلا بنفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص والمجمع.
مثاله: أن يقول: قد اتفقنا على تحريم الربا في الأرز قياسا على البر بجامع الكيل، فيحرم في الذرة قياسا على الأرز، لكن هذا يفضي إلى العبث المذكور، وينافي
стр. 511
قولنا بعد: إن الأصل لا يصح إثباته بالقياس ...
قوله: «ولا يصح إثباته بالقياس على أصل آخر» إلى آخره، أي: لا يصح إثبات الأصل المقيس عليه بقياسه على أصل آخر، وإن شئت، قلت: لا يصح أن يكون فرعا لأصل آخر.
مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر، فلا يصح؛ لأنه إن كان بين ذلك الأصل الآخر الذي قاس عليه وهو البر هاهنا وبين محل النزاع - وهو الذرة - جامع، فقياس محل النزاع على ذلك الأصل الآخر البعيد وهو البر أولى؛ لأن توسيط الأول الذي قاس عليه محل النزاع، وهو الأرز «تطويل بلا فائدة»، إذ عوض ما نقول: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على الأرز، وفي الأرز قياسا على البر، فلنقل: يحرم التفاضل في الذرة قياسا على البر، إذ توسيط الأرز في البين عبث، «وإلا»، أي: وإن لم يكن بين الأصل الآخر الثاني، وبين محل النزاع جامع، «لم يصح القياس»، كما لو قاس الذرة على الأرز، والأرز على الحديد، «لانتفاء الجامع بين محل النزاع» وهو الذرة، «وأصل أصله» وهو الحديد، الذي جعله أصلا للأرز، الذي هو أصل الذرة.
وكذلك لو قال المستدل في اشتراط النية للوضوء: عبادة، فيفتقر إلى النية كالتيمم، فلو منع الحكم في التيمم، فأثبت الحكم فيه قياسا على الصلاة، فإن جمع بين التيمم والصلاة بكونهما عبادة، قلنا: فقس الوضوء على الصلاة بجامع العبادة، ولا حاجة إلى توسيط التيمم، وإن جمع بينهما بكون التيمم طهارة، لم يصح القياس؛ لأن الصلاة ليست طهارة، والجامع بينهما منتف.
واعلم أنا قد ذكرنا قبل هذا بيسير أن الأصل يجوز أن يثبت بالقياس، وهاهنا ذكرنا أنه لا يجوز، وهما قولان لأصحابنا، والقول بعدم الجواز هو المشهور لإفضاء القول بالجواز إلى العبث المذكور، ولا يمكن أن يخرج للقول بالجواز فائدة إلا أن يكون الأصل ثابتا بقياس شبهي، ومحل النزاع يلحق به بقياس جلي بحيث يكون محل النزاع بأصله أشبه منه بالأصل البعيد، كما لو جعلنا علة الفضة الوزن والثمنية جميعا، وقسنا عليه الحديد قياسا شبهيا لاشتراكهما في الوزن، ثم قسنا الصفر أو الرصاص ونحوه على الحديد، لكن هذا أيضا لا جدوى له، إذ القياس
стр. 512
الجلي بين محل النزاع وأصله وهما الصفر والحديد مستند إلى قياس ضعيف شبهي، وهو قياس الحديد على الفضة، فلنسترح من هذا التكليف، ولنجزم ببطلان كون الأصل ثابتا بالقياس).
الشرط الثالث - أن يكون لحكم الأصل علة معلومة:
قال في "الشرح" (ص/٥٢٩): (إن القياسَ إلحاقُ فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، فلا بد أن تكون علة الأصل- وهو المقيس عليه- معلومة من أجل أن نجمع بينه وبين الفرع فيها، إذ لو لم تتحقق العلة في الفرع لم يصح القياس، فإن كان حكم الأصل تعبديًا محضًا لم يصح القياس عليه).
قال ابن قدامة في الروضة: (ص/٣١٧): (أن يكون الحكم - أي حكم الأصل - معقول المعنى إذ القياس إنما هو تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي المقتضى وما لا يعقل معناه كأوقات الصلوات وعدد الركعات لا يوقف فيه على المعنى المقتضى ولا يعلم تعديه فلا يمكن تعدية الحكم فيه).
وعبارة المرداوي في "التحبير" أشمل فقال (٧/ ٣١٤٦): (من شرط حكم الأصل المقيس عليه أن لا يكون معدولاً به عن سنن القياس، أي عن طريقه المعتبر فيه لتعذر التعدية حينئذ وذلك على ضربين: أحدهما: لكونه لم يعقل معناه، إما لكونه استثني من قاعدة عامة كالعمل بشهادة خزيمة وحده فيما لا يقبل شهادة الواحد فيه، أو لم يستثن كتقدير نصب الزكوات، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات. والضرب الثاني: ما عقل معناه ولكن لا نظير له ... ).
الأصل في أحكام الله التعليل:
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤١١): (الأصل في الأحكام التعليل، فمهما أمكن جعل الحكم معللا، لا يجعل تعبدا).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٢٦): (كل أحكام الله لها علل، لكن عقولنا تقصر أحيانًا عن إدراك هذه العلة وإذا قصرت عقولنا عن إدراك هذه العلة، نسمي الحكم تعبديًا- يعني: ليس لنا فيه إلا التعبد فقط، وأحيانا يلجأ الإنسان إلى القول بالتعبد سدًا للباب، وهذا حسن؛ - يعني اللجوء إلي القول بالتعبد في المسائل التي تخفي حكمتها
стр. 513
فهو أحسن بكثير من محاولة إثبات علة قد تكون عليلة. وهذا له فوائد:
أولا - لنعوِّد الناس على تمام الاستسلام لله ، وأنَّنا نتعبد لله بهذا سواء علمنا الحكمة أم لم نعلم.
وثانيا - أننا إذا اعتمدنا على النص انقطع النزاعِ بين المؤمنين، وإلا فإن الكافر يجادل، لكن المؤمن يعرف قول الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب: ٣٦).
فكثير من الناس يحاول التماس علة للأحكام الشرعية- وهذا حسن، ولا ننكره بل نؤيده- لكن كوننا نجعله أصلا فيكون الأصلُ هو معرفة العلة، فهذا فيه نظر، بل ينبغي أن نعوِّد الناسَ اللجوء إلى حكم الله ورسوله ... ).
القياس في العبادات:
قال الشيخ في "شرح الأصول" (ص/٥٢٩): (إذا كان حكم الأصل تعبديًا محضًا لم يصح القياس عليه؛ ولهذا قلنا: لا قياس في العبادات- ليس في شروطها وأركانها- لكن في أصل مشروعيتها ... ).
اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في عدم جواز إثبات عبادة جديدة زائدة على العبادات المعلومة بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة بالقياس مثل إثبات صلاة سادسة أو إيجاب صوم شهر آخر غير رمضان بالقياس، وذلك لأمور كثيرة منها:
١ - أن العبادات توقيفية.
٢ - أن إثبات عبادات جديدة بطريق غير النقل يعد ابتداعا في الدين.
٣ - أن كل عبادة في نفسها أصل من حيث أنها عادة مبتدأة مستقلة ولا يمكن إثبات أصل بالقياس.
وقد سبق ذكر أنه لا يجري القياس فيما لا يعقل معناه من العبادات، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وذلك لأن القياس فرع تعقل المعنى فما لا يهتدي العقل إلى تعقل معناه لا يمكن أن يجري القياس فيه كأعداد الصلوات وعدد الركعات، ونصب الزكوات، ونحو ذلك.
ومما سبق نستطيع تحرير محل الخلاف بين العلماء:
стр. 514
إذا نظرت إلى كلام الأصوليين وأمثلة الفقهاء وجدت أنهم اختلفوا في إظهار أحكام العبادات الغير منصوصه بالقياس، ولم يختلفوا في إثبات عبادة مبتدأة بالقياس، ومن أمثلة ذلك:
- هل يقاس وجوب النية في الوضوء على وجوبها في التيمم؟
- هل يصلي العاجز عن الصلاة قاعدا أو مومئا برأسه - وهما المنصوص عليهما - بالإيماء بالحاجب قياسا على المنصوص من صلاة العاجز عن القيام جاسا أم مومئا برأسه.
- هل يقاس الجمع بين الصلاتين في الثلج والبرد على عذر المطر بجامع أن الكل عذر يصعب الخروج معه إلى الصلاة في وقتها المحدد؟،إلى غير ذلك من الأمثلة (١).
قال عيسى منون في نبراس العقول (ص/١٤٠) بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: (من مجموع ما سبق ومن الدليل الذي أقامه المانع أن الممنوع إما إثبات عبادة زائدة عن العبادات الواردة في تلك الأصول، أو إثبات كيفية خاصة لتلك العبادات دون ما يعرض لتلك العبادات من الصحة والفساد والفرضية والنفلية وغير ذلك من الشروط والموانع والأسباب ... ).
وجمهور الأصوليين على إثبات القياس في العبادات وخالف في ذلك الأحناف.
وتوسع الحنابلة في إثبات القياس في العبادات، وفيما يتضمن معنى العبادة وغيره من الكفارات والحدود.
فالكفارت دائرة بين العبادة والعقوبة، فهي متضمنة للعبادة من حيث أنها تؤدى بالصوم أو الصدقة، أو العتق، ويشترط النية في أدائها، وأما تضمنها معنى العقوبة فلأنها لم تجب ابتداء تعظيما لله تعالى كسائر العبادات بل وجبت جزاء للعبد على ارتكاب المحظور.
وأيضا الحدود فإنها شرعت زواجر، وهي أيضا تتضمن معنى التعبد لما فيها من تقدير من قبل الشارع.
стр. 515
وقال الشيخ محمد منظور في "القياس في العبادات" (ص/٥٤١): (إن العلماء اتفقوا على أن الحدود والكفارات مقدرة شرعا فهي توقيفية، فليس لأحد أن يثبت حدا أو كفارة في الشرع ابتداء بالقياس؛ لأن ذلك نصب الشريعة بالرأي.
وفي الحقيقة أن معنى إثبات حد أو كفارة ابتداء بالقياس إنشاؤهما من غير أصل وليس ذلك من القياس الشرعي في شيء.
فمعنى إجراء القياس في الكفارات إلحاق مخالفة شرعية غير منصوص على كفارتها بمخالفة شرعية معينة منصوص على كفارتها لجامع بينهما، مثل إلحاق القتل عمدا بالقتل خطأ في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق.
ومعنى أجراء القياس في الحدود إلحاق جناية غير منصوص على حدها بجناية منصوص على حدها لجامع بينهما، مثل النباش بالسارق في قطع اليد بجامع الأخذ خفية من الحرز).
قال القاضي في " العدة " (٤/ ١٤٠٩ (: (يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس، ويجوز قياسها على المواضع التي أجمع على ثبوت ذلك فيها ... وهو قول أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت ذلك بالقياس ... ) (١).
والقول بجريان القياس في العبادات وما تضمن معناها هو الراجح لعموم الأدلة المثبتة للقياس ولم يثبت ما يخرج العبادات منها.
بالإضافة إلى أن من ذهب لنفي القياس في العبادات خالفوا هذا الأصل وقاسوا فيها، ومن أمثلة ذلك:
قال السرخسي في "المبسوط" (١/ ٣٥): (ويجوز افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل والتحميد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله).
فقاسوا ألفاظ التسبيح والتهليل والتحميد على لفظ التكبير بجامع التعظيم لله باللسان في جواز افتتاح الصلاة به.
стр. 516
وهذا المثال أقوى الأمثلة عندي في الاعتراض عليهم وهناك أمثلة أخرى خارجة عن محل النزاع عندي كتطهير الثوب النجس بالمائعات إلحاقا لها بالماء، بجامع كون كل منها مزيلا للعين والأثر، وأيضا قاسوا غير الحجر على الحجر في جواز الإستجمار به بجامع إزالة النجاسة في الكل.
وعندي أن هذا من باب العادات لا العبادات فلا يشترط لها النية.
قال تقي الدين في مجموع الفتاوي (٢١/ ٥٩): (القصد في إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا وجها ضعيفا في ذلك ليطردوا قياسهم في مناظرة أبى حنيفة في اشتراط النية في طهارة الحدث كما أن زفر نفى وجوب النية في التيمم طردا لقياسه وكلا القولين مُطْرَح).
الشرط الرابع - أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم:
قال في "الشرح" (ص/٥٣١): (الأصل أن تكون - أي علة الحكم - مشتملة على معنى مناسب للحكم مثل: أكرم اليتيم ليتمه، أطعِم المسكين لمسكنته، أعِنِ المجاهد لجهاده؛ يعني لا بد أن تكون علةُ الحكم مشتملة على معنى مناسب للحكم.
ثم ضرب المؤلف مثلاً بالإسكار بالخمر- والخمر حرام لأنها مسكرة ... والإِسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب).
وكلام الشيخ واضح لا يحتاج إلى بيان ولم يتوسع الشيخ في الكلام على مسلك المناسبة ولا بيان أقسامها عند الحنابلة فلا داعي للتشعب بذكر ذلك حتى لا نخرج عن المقصود.
قال في "الأصل" (ص/٧١): (فإن كان المعنى وصفاً طرديًّا لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به، كالسواد والبياض مثلا. مثال ذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود، فقوله: "أسود"؛ وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم، ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض، ولا يثبت لها إذا عتقت تحت حر، وإن كان أسود).
وقال في "الشرح" (ص/ ٥٣٢): (الوصف الطردي هو الوصف الذي لا مناسبة فيه للحكم، وإذا لم يصح التعليل به لم يصح القياس عليه؛ لأن العلة حينئذٍ ساقطة.
стр. 517
قوله: (كالسواد والبياض مثلاً) فمثلاً لو جاء في الحديث أن رجلاً كثير الشعر ضخم البدن مفتول العضلات جاء إلى النبي ﷺ وهو يقول: يا رسول الله، إني جامعت امرأتي في رمضان، فماذا عليَّ؟ يقول: عليك كذا وكذا، فهذه الأوصاف هل هي أوصاف طردية؛ أي لو استفتانا رجل نحيف أصلع رخي العضلات هل يكون حكمه كحكم الأول أم يختلف؟
الجواب: أن حكمه كحكم الأول تمامًا مع أن الأول كان كثير الشعر مفتول العضلات كبير الجسم، وهذا- الثاني- نحيف أصلع رخي العضلات، مع ذلك كله نقول: أن حكمه كحكمه، لأن الأوصاف المذكورة أوصاف طردية لا مناسبة لها).
يشير الشيخ بعدم صحة القياس في الوصف الطردي لقادح عدم التأثير ...
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٤٧): (اعلم أن التأثير هو إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده، فهو عدم التأثير.
قوله: «وهو ذكر ما يستغني عنه الدليل في ثبوت حكم الأصل، إما لطرديته»، «أو لثبوت الحكم بدونه».
يعني أن عدم التأثير: هو ذكر وصف، أو أكثر تستغني عنه العلة في ثبوت حكم أصل القياس، إما لكون ذلك الوصف طرديا لا يناسب ترتب الحكم عليه، أو لكون الحكم ثبت بدونه.
مثال الأول؛ وهو ما عدم تأثيره لكونه طرديا: قول القائل في أن الفجر لا يقدم أذانها على الوقت: «صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت، كالمغرب»، وذلك، لأن «باقي الصلوات تقصر»، ولا يقدم أذانها على وقتها، فبقي قوله: لا تقصر؛ وصفا طرديا، لأنه غير مناسب لتقديم الأذان على الوقت، ولا عدمه.
وتحقيق الكلام في هذا: أن القياس المذكور اقتضى تعليل عدم تقديم الأذان بعدم القصر، فكأنه قال: لا يقدم الأذان على الفجر، لأنها لا تقصر، واطرد ذلك في المغرب، لكنه لم ينعكس في بقية الصلوات، إذ مقتضى القياس المذكور أن ما يقصر من الصلوات يجوز تقديم أذانه على وقته من حيث انعكاس العلة، لكن الأمر ليس كذلك ... وإذا ألغي قوله: لا تقصر؛ لم يبق لاختصاص الأصل المذكور - وهو المغرب - وجه، إذ كل الصلوات لا يقدم أذانها.
стр. 518
ومثال الثاني، وهو ما يستغني عنه الدليل لثبوت الحكم بدونه: قوله في بيع الغائب: «مبيع لم يره» العاقد، «فلم يصح بيعه، كالطير في الهواء»، وذلك لأن عدم الرؤية ههنا عديم التأثير في الأصل، وهو بيع الطير، لأن «بيع الطير في الهواء ممنوع»، أي: لا يصح وإن كان مرئيا. وعدم التأثير ههنا من جهة العكس كما تقدم، لأن تعليل عدم صحة بيع الغائب بكونه غير مرئي يقتضي أن كل مرئي يجوز بيعه، وقد بطل بيع الطير في الهواء.
وذكر النيلي هذا المثال على غير هذه الصفة، فقال: مبيع لم يره فلا يصح، كما إذا باع ميتة لم يرها، وهو في معنى النظم الأول، لأن عدم الرؤية في بيع الميتة عديم التأثير، إذ نجاستها تستقل بالبطلان كما أن الغرر في بيع الطير في الهواء بعدم القدرة عليه يستقل بالبطلان.
ومن أمثلة ذلك: قول المستدل: مس ذكره، فوجب عليه الوضوء، كما لو مس وبال، فإن مس الذكر مع البول عديم التأثير لاستقلاله بنقض الوضوء إجماعا.
واعلم أن الأول يسمى عدم التأثير في الوصف، لأن الوصف طردي غير مؤثر، كقوله: صلاة لا تقصر، والثاني يسمى عدم التأثير [في الأصل]، كعدم الرؤية في بيع الميتة والطير في الهواء لاستغناء حكم الأصل في ثبوته عنه).
ثم هناك أقساما أخرى مختلف فيها وهي: عدم التأثير في الحكم، وفي الفرع فلا داعي لذكرهما، فإنما الغرض التنبيه على القادح.
الشرط الخامس- أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل):
قال في "الأصل" (ص/٧١): (أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل؛ كالإيذاء في ضرب الوالدين المقيس على التأفيف).
قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣٢٩٨): (من شروطه - أي الفرع - أن يشتمل على علة حكم الأصل بتمامها حتى لو كانت ذات أجزاء، فلا بد من اجتماع الكل في الفرع، وهذه العبارة أحسن من عبارة ابن الحاجب ومن تبعه: ' أن يساوي الفرع في العلة علة الأصل '، لأن لفظ المساواة قد يفهم منع الزيادة، فيخرج قياس الأولى، بخلاف هذه العبارة فإن الزيادة لا تنافيه، وهي شاملة لقياس الأولى، والمساوي، والأدون. إذا علم ذلك فإن كان وجودها بتمامها فيه قطعيا كقياس الضرب للوالدين
стр. 519
على قول 'أف' بجامع أنه إيذاء، وكالنبيذ يقاس على الخمر بجامع الإسكار، ويسمى الأول قياس الأولى، والثاني قياس المساواة، وكل منهما قطعي. وإن كان وجود العلة بتمامها ظنيا فالقياس ظني، ويسمى قياس الأدون كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يدا بيد ونحو ذلك بجامع الطعم، فالمعنى المعتبر وهو الطعم موجود في الفرع بتمامه، وإنما سمي قياس أدون؛ لأنه ليس ملحقا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه الطعم، فإن كانت فيه تركب من الطعم مع التقدير بالكيل، أو كانت العلة القوت أو غير ذلك لم يلحق بالتفاح. وظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون أن لا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية. قال ابن مفلح تبعا لابن الحاجب: ' من شروط الفرع مساواة علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو جنسها، كالشدة المطربة في النبيذ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على النفس '. أما العين: فكقياس النبيذ على الخمر بجامع الشدة المطربة، وهي بعينها موجودة في النبيذ. وأما الجنس: فكقياس الأطراف على القتل في القصاص بجامع الجناية المشتركة بينهما، فإن جنس الجناية هو جنس لإتلاف النفس والأطراف، وهو الذي قصد الاتحاد فيه ... ) (١).
ثم تكلم الشيخ عن قادح المنع ، وهو إذا ما لم تتحق علة الأصل في الفرع.
فقال في "الأصل" (ص/٧١): (فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس.
مثال ذلك: أن يقال العلة في تحريم الربا في البر كونه مكيلاً، ثم يقال: يجري الربا في التفاح قياساً على البر، فهذا القياس غير صحيح، لأن العلة غير موجودة في الفرع، إذ التفاح غير مكيل).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٨١): (السؤال «الرابع: المنع». قوله: «وهو منع حكم الأصل» ليس المراد حصر جنس المنع في منع حكم الأصل، بل هو على أربعة أضرب. وشرع في ذكرها واحدا بعد واحد:
أولها: «منع حكم الأصل».
стр. 520
الثاني: «منع وجود المدعى علة» أي: منع وجود الوصف الذي ادعى المستدل أنه العلة في الأصل.
الثالث: منع كونه علة في الأصل.
الرابع: منع وجوده في الفرع، فكأنه قال: المنع، وهو ينقسم إلى منع حكم الأصل، ومنع وجود العلة فيه، ومنع علية الوصف، ومنع وجوده في الفرع.
ومثال ذلك فيما إذا قلنا: النبيذ مسكر، فكان حراما قياسا على الخمر، فقال المعترض: لا نسلم تحريم الخمر، إما جهلا بالحكم، أو عنادا، فهذا منع حكم الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في الخمر؛ لكان هذا منع وجود المدعى علة في الأصل. ولو قال: لا أسلم أن الإسكار علة التحريم، لكان هذا منع علية الوصف في الأصل، ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في النبيذ؛ لكان هذا منع وجود العلة في الفرع، ففي الأصل ثلاثة منوع، وفي الفرع منع واحد) (١).
أقسام القياس
القياس الجلي:
قال الشيخ: (فالجلي: ما ثبتت علته بنص أو إجماع أو كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، والخفي: ما ثبتت علته باستنباط ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع) (٢).
قال في "الأصل" (ص/٧٢): (مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة، فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود ﵁ إلى النبي صلّى الله عليه
стр. 521
وسلّم بحجرين وروثة؛ ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" والركس النجس.
ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي، لثبوت علة الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب.
ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما.
والخفي: ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل، فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان).
ذكر الشيخ هنا تقسيم القياس من حيث قوته وضعفه إلى: جلي وخفي، وقسمه ابن عقيل وغيره إلى: جلي وخفي وواضح، وقسمه القاضي وغيره إلى: واضح وخفي (١).
قال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣٤٥٧): (القياس له اعتبارات، فتارة يكون باعتبار قوته وضعفه، وتارة باعتبار علته، وكل منهما له أقسام. فالقياس ينقسم باعتبار قوته وضعفه إلى: جلي وخفي. فالجلي: ما قطع فيه بنفي الفارق كقياس الأمة على العبد في السراية وغيرها، في العتق وغيره في قوله: ' من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل ... الحديث '.، فإنا نقطع بعدم اعتبار الشارع الذكورة والأنوثة فيه. ومثل قوله: ' أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه '، نقطع أن المرأة في معناه. ومثله قياس الصبية على الصبي في حديث: ' مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر '، فإنا نقطع - أيضا - بعدم اعتبار الشرع الذكورة والأنوثة، ونقطع بأن لا فارق بينهما في الموضعين. وأما الخفي: فهو خلاف الجلي، وهو ما كان احتمال تأثير الفارق فيه
стр. 522
قويا، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص، وقد قال أبو حنفية بعدم وجوبه في المثقل. وقسمه بعضهم إلى: جلي وخفي وواضح. فالجلي: ما تقدم، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما كان بينهما. وقال بعضهم: الجلي ما كان ثبوت الحكم فيه في الفرع أولى من الأصل كالضرب مع التأفيف. قال بعضهم: وينبغي تمثيله بقياس العمياء على العوراء في منع التضحية بها. والواضح: ما كان مساويا له كالنبيذ مع الخمر.
والخفي: ما كان دونه كقياس اللينوفر على الأرز بجامع الطعم، وكونه ينبت في الماء، ويرجع ذلك إلى الاصطلاح ولا مشاحة فيه. قال في ' المقنع ': وقيل الجلي قياس المعنى، والخفي قياس الشبه، وقيل: الجلي ما فهمت علته كقوله: ' لا يقضي القاضي وهو غضبان ').
الإلحاق بنفي الفارق:
والإلحاق بنفي الفارق قد يكون مظنونا، وقد يكون مقطوعا به، وقد اختلف العلماء في الإلحاق هل هو قياس أم لا؟
بيان مذهب الحنابلة في أنه ليس بقياس:
قبل أن نعرض الخلاف في مفهوم الموافقة هل هو قياس أم لا، وقبل أن نبين أنواعه نبدأ ببيان مذاهب العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أم لفظية، ثم نبين أن الصحيح من مذهب الحنابلة أن دلالته لفظية وليس بقياس.
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/ ٢٣٢): (اعلم أنه نفي الفارق إنما هو قسم من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة بعينه، واختلف العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أو لفظية، ولهم في ذلك أربعة مذاهب.
الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة إنما هي من قبيل القياس، وهو المعروف عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، ويقال له القياس الجلي.
الثاني: أن دلالة الموافقة لفظية لكن لا في محل النطق، لأن ما دل عليه اللفظ في محل النطق هو المنطوق وما دل عليه لا في محل النطق هو المفهوم، وكلاهما من دلالة اللفظ.
الثالث: أنها دلالة لفظية مجازية عند القائلين بالمجاز وهو عندهم من المجاز
стр. 523
المرسل، ومن علاقات المجاز المرسل " الجزئية " والكلية، قالوا: ففي مفهوم الموافقة يطلق الجزء ويراد الكل، وبعبارة أخرى يطلق الأخص ويراد الأعم فقد أطلق التأفيف في الآية وأريد به عموم الأذى مجازا مرسلا، كما زعموا. قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الإتلاف، فيدخل الإحراق والإغراق وغيرهما من أنواع الإتلاف، مجازا مرسلا كما زعموا أيضاً.
الرابع: أنها لفظية لأن العرف اللغوي نقل اللفظ من وضعه لمعناه الخاص إلى ثبوته فيه، وفي المسكوت عنه أيضا، قالوا: فعرف اللغة نقل التأفيف من معناه الخاص إلى عموم الأذى، ونقل أكل مال اليتيم من معناه الخاص إلى عموم الإتلاف، وعلى هذا تكون دلالته لفظية من قبيل العرفية وأكثر الأصوليين على أن اللفظ دل عليه لا في محل النطق).
قال القاضي أبو يعلى في " العدة" (٤/ ١٣٣٣):) فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياسا، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: ٢٣] إن الضرب ونحوه من الإضرار بالوالدين ممنوع منه بمعنى اللفظ ... وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال: "إنما القياس أن يقيس الرجل على أصل، فأما أن يجيء إلى أصل فيهدمه فلا". فحد القياس بما كان على أصل مستنبط. وكذلك قال في رواية الميموني: "سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة، وأعجبه ذلك". ومعنى قوله: "عند الضرورة". إذا لم يجد دليلا غيره من كتاب أو سنة، والاحتجاج بالتنبيه يجوز مع وجود دليل غيره.
وقال في رواية الميموني: "بر الوالدين واجب، ما لم يكن معصية، قال تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ). فاحتج على وجوب برهما بقوله: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فدل على أنه مستفاد من جهة اللفظ.
وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١). وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستفاد من جهة
стр. 524
القياس، لكنه قياس جلي لا يحتاج إلى فكر وتأمل (١). وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا. ذكره في جزء فيه مسائل الأصول، في موضعين منه، فقال: مفهوم النص هو القياس.
دليلنا:
أن القياس ما يختص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقرون في إثبات الحكم به إلى ضرب من النظر والاستدلال والتأمل بحال الفرع والأصل.
فأما ما دل عليه فحوى الخطاب الذي ذكرناه، فإنه يستوي فيه العالم والعامي العاقل الذي لم يدر ما القياس، فكيف يجوز إجراء اسم القياس عليه؟!.
وأيضا: فإن أهل اللغة لا يختلفون أن من نهي عن التأفيف لوالديه، عقل منه تحريم الشتم والضرب، كما أن من أمر بتعظيم زيد، عقل منه ترك الاستخفاف به.
وكما أن من وصف بالعجز عن حمل شيء يسير، عقل منه عجزه عن حمله ما هو فوقه. ومن حمل نفسه على دفع ذلك لم يكن في حد من يناظر.
وإذا كان هذا من اللفظ لم يجز إطلاق اسم القياس عليه.
стр. 525
ولأن ذلك يضاف إلى الخطاب، فيقولون: مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه يدل على ثبوته نطقا.
ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى أنه لو قال: اقتلوا أهل الذمة لأنهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ، وإن لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والشبه، فكذلك هاهنا ... ) (١).
وقال المرداوي في "التحبير" (٦/ ٢٨٨٢): (قوله: ﴿ودلالته لفظية﴾. اختلف العلماء في دلالة مفهوم الموافقة هل هي لفظية، أو قياس؟ على قولين: أحدهما: أن دلالته لفظية، وهو الصحيح، نص عليه الإمام أحمد، وقاله من أصحابه القاضي أبو يعلى، والشيخ تقي الدين، وابن عقيل، وحكاه عن أصحابنا ... ) (٢).
بيان أنواع إلحاق المسكوت بالمنطوق:
تكلم ابن قدامة في "الروضة" (ص/٢٩٣) على بيان أنه ينقسم إلى مقطوع ومظنون وفي كل منهما إما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، أو مساويا له، فتحصل له أربعة أقسام، ومثَّل لكل بأمثلة، وتعقبه الشنقيطي في بعض هذه الأمثلة، وفي وجه إلحاقها بقسمها، وسوف أنقل كلام الشنقيطي لتحريره.
قال في "المذكرة" (ص/٢٤٩): (اعلم أولا: أن الإلحاق من حيث هو ضربان: الأول: الإلحاق بنفي الفارق. الثاني: الإلحاق بالجامع وضابط الأول أنه لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يكتفي فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم كإلغاء الفارق بين البول في الماء الراكد، وبين البول في إناء وصبه فيه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن التحقيق أن نفي الفارق أربعة أقسام؛ لأن نفيه إما أن يكون قطعياً أو مظنوناً وفي كل منهما أما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، أو مساوياً له. فالمجموع أربعة:
الأول: هو ما كان المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق مع القطع بنفي الفارق كإلحاق أربعة عدول بالعدلين في قبول الشهادة في قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ
стр. 526
عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] والى مثقال الجبل بمثل الذرة في المؤاخذة في قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧] الآية. وكإلحاق الضرب بالتأفيف في الرحمة في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: ٢٣] الآية.
الثاني: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساوياً للمنطوق مع القطع بنفي الفارق أيضاً كإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في الحرمة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] الآية. وكإلحاق صب البول في الماء بالبول فيه. المذكور في حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. الحديث).
الثالث: هو ما كان المسكوت عنه فيه أولى مع نفي الفارق بالظن الغالب كإلحاق شهادة الكافر بشهادة الفاسق في الرد المنصوص عليه بقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: ٤].
لاحتمال الفرق بأن الكافر يحترز عن الكذب لدينه في زعمه والفاسق متهم في دينه، وكإلحاق العمياء بالعوراء في منع التضحية المنصوص في الحديث. فالعمياء أولى بالحكم المذكور من العوراء، ولكن نفي الفارق مظنون ظنا غالبا مزاحما لليقين، وليس قطعياً كما قاله غير واحد، ووجه ذلك أن الغالب على الظن أن علة منع التضحية بالعوراء هي كون العور نقصاً في ثمنها وقيمتها، والعمياء أحرى بذلك من العوراء ولكن هناك احتمال آخر، هو أن تكون العلة هي: أن العور مظنة الهزال لأن العوراء ناقصة البصر إذ لا ترى إلا ما قابل عينها المبصرة ونقص بصرها المذكور مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها مظنة لهزالها، وهذه العلة المحتملة ليست موجودة في العمياء لأن من يعلفها يختار لها أجود العلف، وذلك مظنة السمن.
وبما ذكرنا تعلم أنه لا يلزم من كون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق أن يكون قطعيا، وأنه لا يلزم أيضاً من كونه مساويا أن يكون نفي الفارق ظنيا.
الرابع: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساويا للمنطوق به مع كون نفي الفارق مظنونا لا مقطوعا، كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح فالغالب على الظن أنه لا فرق في سراية العتق بين الأمة والعبد لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يعلق بواحد منهما حكم من
стр. 527
أحكام العتق.
وهناك احتمال آخر هو الذي منع كون نفي الفارق قطعيا، وهو احتمال أن يكون الشارع أنما نص على العبد في قوله: (من أعتق شركا له في عبد). الحديث لخصوصية في العبد لا توجد في الأمة، وهي أن العبد إذا أعتق يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو حرة).
قياس الشبه:
قال الشيخ: (قياس الشبه:
وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم وفيه شبه بكل منهما فيلحق بأكثرهما شبهاً به. وهذا القسم من القياس ضعيف).
ذكر الشيخ هنا أحد أقسام القياس من ناحية مناسبة الوصف المعلل به للحكم وهو قياس الشبه، فعرفه، ومثَّل له، واختار ضعفه.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٢٤): (اعلم أن ظاهر كلام أهل اللغة والأصول الفرق بين المثل والشبه والمماثلة والمشابهة، وإن مثل الشيء ما ساواه من كل وجه في ذاته وصفاته، وشبه الشيء وشبيهه ما كان بينه وبينه قدر مشترك من الأوصاف.
وحينئذ تتفاوت المشابهة بينهما قوة وضعفا بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة بينهما كثرة وقلة، فإذا اشتركا في عشرة أوصاف، كانت المشابهة بينهما كثرة أقوى مما إذا اشتركا في تسعة فما دون، وعلى هذا القياس ...
قوله: «قيل: إلحاق الفرع» أي: اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو «إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره.
ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة.
وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تَلِفَ بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا
стр. 528
له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، وتقاعدا به عن درجة الحر.
وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها المثانة.
واعلم أنك إذا تفقدت مواقع الخلاف من الأحكام الشرعية، وجدتها نازعة إلى الشبه بهذا التفسير، فإن غالب مسائل الخلاف تجدها واسطة بين طرفين تنزع إلى كل واحد منهما بضرب من الشبه فيجذبها أقوى الشبهين إليه، فإن وقع في ذلك نزاع، فليس في هذه القاعدة، بل في أي الطرفين أشبه بها حتى يلحق به. وقد ذكرت جملة من أمثلة ذلك في «القواعد الكبرى» و «تلخيص الحاصل» ...
قوله: «وقيل: الجمع» هذا تعريف آخر لقياس الشبه، وهو: «الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما». وقال في «الروضة»: على حكمة الحكم «من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة» وهذا نحو مما اختاره الآمدي، وذلك لأن الأوصاف، يعني التي اقترن بها الحكم في الأصل ثلاثة أقسام، لأنها «إما مناسب معتبر» أي: تعلم مناسبته للحكم، واعتبار الشرع له، لأجل مناسبته قطعا، كمناسبة شدة الخمر للتحريم، والقتل للقصاص، والقطع للسرقة، والزنا للحد، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة لأحكامها، وهي كثيرة جدا، أو ليس مناسبا ولا معتبرا، كلون الخمر وطعمها، إذ لا يناسبان تحريمها، وكقول القائل: إنما قتل القاتل، وحد السارق والزاني والقاذف; ووجبت الكفارة على الأعرابي، لكونه أسود، أو أبيض، أو طويلا، أو قصيرا ونحو ذلك، فهذا طرد محض نعلم قطعا أن الشرع لم يعلق الحكم عليه لما سبق من أن تصرفه لا يخرج عن تصرف العقلاء، وهذا خارج عنه، فلا يكون تصرفا له، وأيضا لإلفنا منه في موارد تصرفه ومصادرها عدم الالتفات إلى مثل هذا الوصف، فهذان الطرفان معلوما الحكم.
أما القسم الثالث; وهو «ما ظن» أنه «مظنة للمصلحة» أي: يوهم اشتماله على مصلحة الحكم، وظننا أنه مظنتها من غير قطع بذلك، ورأينا الشارع قد اعتبره في
стр. 529
بعض الأحكام، فهذا هو الشبهي، وسمي بذلك لتردده بالشبه بين القسمين الأولين، وهما المناسب والطردي ; لأنه من حيث إنا لم نقطع بانتفاء مناسبته، واشتماله على المصلحة، بل ظننا ذلك فيه أشبه المناسب المقطوع باشتماله على المصلحة، ومن حيث إنا لم نقطع بمناسبته واشتماله على المصلحة أشبه الطردي المقطوع بخلوه عن المناسبة المصلحية.
وذلك كما ألحقنا نحن والحنفية «مسح الرأس بمسح الخف في نفي» تكرار المسح «لكونه ممسوحا» فقلنا: ممسوح في الطهارة، فلا يسن تكراره، كمسح الخف، وألحقه الشافعي «بباقي أعضاء الوضوء في» إثبات التكرار «لكونه أصلا في الطهارة» فقال: مسح الرأس أصل في طهارة الوضوء، فسن تكراره على الوجه واليدين والرجلين.
وفي كل واحد من القياسين جامع وفارق، إذ الأول قياس ممسوح على ممسوح، فالمسح جامع، ولكنه قياس أصل على بدل، فهذا هو الفارق، إذ مسح الرأس أصل في الوضوء، ومسح الخف بدل فيه عن غسل الرجلين، والثاني قياس أصل على أصل، فهذا هو الجامع، لكنه قياس ممسوح على مغسول، فهذا هو الفارق.
ومن أمثلته: قولنا في الوضوء: طهارة، أو طهارة حكمية، أو طهارة موجبها في غير محل موجبها، فاشترطت لها النية كالتيمم، وإلى هذا أشار الشافعي ﵁ بقوله: طهارتان، فكيف يفترقان؟، وهو كقول الصديق ﵁ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
قلت هذا أجود ما قرر في قياس الشبه وعليه الأكثرون، ولما قرره الغزالي بمعناه قال: وإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا، فلست أدري ما الذي أرادوه، وبم فصلوه عن الطرد المحض، وعن المناسب؟!
قلت: حاصل الأمر أن الوصف الشبهي شأنه أن يكون مرتفعا عن الطردي، وإلا لم يعتبر باتفاق، ومنحطا عن المناسب، وإلا لم يختلف فيه عند من اعتبر المناسبة، ومن استقرأ أقيسة الفقهاء القائلين بالشبه، رأى أقيستهم تارة يتخيل فيها الاشتمال على المناسبة المصلحية، وتارة لا يتخيل فيها شيء من ذلك.
قوله: «فالأول قياس العلة» إلى آخره، أي: فالأول من أقسام الوصف الثلاثة
стр. 530
المذكورة وهي المناسب، والطردي، والشبهي.
فالجمع بين الأصل والفرع بالوصف المناسب هو قياس العلة، لأن الحكم ثبت في الفرع بعلة الأصل، كثبوت التحريم في النبيذ بعلة الإسكار التي ثبت بها تحريم الخمر، وإثبات القصاص في المثقل بعلة القتل العمد والعدوان التي ثبت بها في المحدد، «وكذلك اتباع كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم» بنص أو إجماع أو غير ذلك، فهو من قبيل قياس العلة، لأنا لا نعني بقياس العلة إلا اتباع مناط الحكم في الجمع بين الأصل والفرع به.
«والثاني: طردي» وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يعلم خلوه عن المصلحة، وعدم التفات الشرع إليه كما سبق من قولهم: مائع (١) لا يبنى على جنسه القناطر، أو لا يصاد منه السمك، أو لا تجري عليه السفن، أو لا ينبت فيه القصب، أو لا يعوم فيه الجواميس، أو لا يزرع عليه الزروع، ونحو ذلك، أو يقال: أعرابي أو إنسان، فوجبت عليه الكفارة قياسا على الأعرابي المذكور في الحديث.
«والثالث: الشبه» أي: قياس الشبه وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف شبهي، وهو ما نزل عن المناسب وارتفع عن الطردي، أو ما توهم اشتماله على المصلحة، ولم يقطع بها فيه على ما سبق بيانه والخلاف فيه.
فإن قيل: كل قياس فهو مشتمل على شبه واطراد، إذ الوصف في قياس العلة في الفرع يشبه الوصف في الأصل لأنه مثله، والمثلية أخص من المشابهة، والأعم لازم للأخص، كوصف الإسكار في النبيذ هو مساو لوصف الإسكار في الخمر في ماهية