عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] والى مثقال الجبل بمثل الذرة في المؤاخذة في قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة: ٧] الآية. وكإلحاق الضرب بالتأفيف في الرحمة في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) [الإسراء: ٢٣] الآية.
الثاني: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساوياً للمنطوق مع القطع بنفي الفارق أيضاً كإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في الحرمة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] الآية. وكإلحاق صب البول في الماء بالبول فيه. المذكور في حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. الحديث).
الثالث: هو ما كان المسكوت عنه فيه أولى مع نفي الفارق بالظن الغالب كإلحاق شهادة الكافر بشهادة الفاسق في الرد المنصوص عليه بقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: ٤].
لاحتمال الفرق بأن الكافر يحترز عن الكذب لدينه في زعمه والفاسق متهم في دينه، وكإلحاق العمياء بالعوراء في منع التضحية المنصوص في الحديث. فالعمياء أولى بالحكم المذكور من العوراء، ولكن نفي الفارق مظنون ظنا غالبا مزاحما لليقين، وليس قطعياً كما قاله غير واحد، ووجه ذلك أن الغالب على الظن أن علة منع التضحية بالعوراء هي كون العور نقصاً في ثمنها وقيمتها، والعمياء أحرى بذلك من العوراء ولكن هناك احتمال آخر، هو أن تكون العلة هي: أن العور مظنة الهزال لأن العوراء ناقصة البصر إذ لا ترى إلا ما قابل عينها المبصرة ونقص بصرها المذكور مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها مظنة لهزالها، وهذه العلة المحتملة ليست موجودة في العمياء لأن من يعلفها يختار لها أجود العلف، وذلك مظنة السمن.
وبما ذكرنا تعلم أنه لا يلزم من كون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق أن يكون قطعيا، وأنه لا يلزم أيضاً من كونه مساويا أن يكون نفي الفارق ظنيا.
الرابع: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساويا للمنطوق به مع كون نفي الفارق مظنونا لا مقطوعا، كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح فالغالب على الظن أنه لا فرق في سراية العتق بين الأمة والعبد لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يعلق بواحد منهما حكم من
стр. 527
أحكام العتق.
وهناك احتمال آخر هو الذي منع كون نفي الفارق قطعيا، وهو احتمال أن يكون الشارع أنما نص على العبد في قوله: (من أعتق شركا له في عبد). الحديث لخصوصية في العبد لا توجد في الأمة، وهي أن العبد إذا أعتق يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو حرة).
قياس الشبه:
قال الشيخ: (قياس الشبه:
وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم وفيه شبه بكل منهما فيلحق بأكثرهما شبهاً به. وهذا القسم من القياس ضعيف).
ذكر الشيخ هنا أحد أقسام القياس من ناحية مناسبة الوصف المعلل به للحكم وهو قياس الشبه، فعرفه، ومثَّل له، واختار ضعفه.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٤٢٤): (اعلم أن ظاهر كلام أهل اللغة والأصول الفرق بين المثل والشبه والمماثلة والمشابهة، وإن مثل الشيء ما ساواه من كل وجه في ذاته وصفاته، وشبه الشيء وشبيهه ما كان بينه وبينه قدر مشترك من الأوصاف.
وحينئذ تتفاوت المشابهة بينهما قوة وضعفا بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة بينهما كثرة وقلة، فإذا اشتركا في عشرة أوصاف، كانت المشابهة بينهما كثرة أقوى مما إذا اشتركا في تسعة فما دون، وعلى هذا القياس ...
قوله: «قيل: إلحاق الفرع» أي: اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو «إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره.
ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة.
وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تَلِفَ بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا
стр. 528
له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، وتقاعدا به عن درجة الحر.
وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها المثانة.
واعلم أنك إذا تفقدت مواقع الخلاف من الأحكام الشرعية، وجدتها نازعة إلى الشبه بهذا التفسير، فإن غالب مسائل الخلاف تجدها واسطة بين طرفين تنزع إلى كل واحد منهما بضرب من الشبه فيجذبها أقوى الشبهين إليه، فإن وقع في ذلك نزاع، فليس في هذه القاعدة، بل في أي الطرفين أشبه بها حتى يلحق به. وقد ذكرت جملة من أمثلة ذلك في «القواعد الكبرى» و «تلخيص الحاصل» ...
قوله: «وقيل: الجمع» هذا تعريف آخر لقياس الشبه، وهو: «الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما». وقال في «الروضة»: على حكمة الحكم «من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة» وهذا نحو مما اختاره الآمدي، وذلك لأن الأوصاف، يعني التي اقترن بها الحكم في الأصل ثلاثة أقسام، لأنها «إما مناسب معتبر» أي: تعلم مناسبته للحكم، واعتبار الشرع له، لأجل مناسبته قطعا، كمناسبة شدة الخمر للتحريم، والقتل للقصاص، والقطع للسرقة، والزنا للحد، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة لأحكامها، وهي كثيرة جدا، أو ليس مناسبا ولا معتبرا، كلون الخمر وطعمها، إذ لا يناسبان تحريمها، وكقول القائل: إنما قتل القاتل، وحد السارق والزاني والقاذف; ووجبت الكفارة على الأعرابي، لكونه أسود، أو أبيض، أو طويلا، أو قصيرا ونحو ذلك، فهذا طرد محض نعلم قطعا أن الشرع لم يعلق الحكم عليه لما سبق من أن تصرفه لا يخرج عن تصرف العقلاء، وهذا خارج عنه، فلا يكون تصرفا له، وأيضا لإلفنا منه في موارد تصرفه ومصادرها عدم الالتفات إلى مثل هذا الوصف، فهذان الطرفان معلوما الحكم.
أما القسم الثالث; وهو «ما ظن» أنه «مظنة للمصلحة» أي: يوهم اشتماله على مصلحة الحكم، وظننا أنه مظنتها من غير قطع بذلك، ورأينا الشارع قد اعتبره في
стр. 529
بعض الأحكام، فهذا هو الشبهي، وسمي بذلك لتردده بالشبه بين القسمين الأولين، وهما المناسب والطردي ; لأنه من حيث إنا لم نقطع بانتفاء مناسبته، واشتماله على المصلحة، بل ظننا ذلك فيه أشبه المناسب المقطوع باشتماله على المصلحة، ومن حيث إنا لم نقطع بمناسبته واشتماله على المصلحة أشبه الطردي المقطوع بخلوه عن المناسبة المصلحية.
وذلك كما ألحقنا نحن والحنفية «مسح الرأس بمسح الخف في نفي» تكرار المسح «لكونه ممسوحا» فقلنا: ممسوح في الطهارة، فلا يسن تكراره، كمسح الخف، وألحقه الشافعي «بباقي أعضاء الوضوء في» إثبات التكرار «لكونه أصلا في الطهارة» فقال: مسح الرأس أصل في طهارة الوضوء، فسن تكراره على الوجه واليدين والرجلين.
وفي كل واحد من القياسين جامع وفارق، إذ الأول قياس ممسوح على ممسوح، فالمسح جامع، ولكنه قياس أصل على بدل، فهذا هو الفارق، إذ مسح الرأس أصل في الوضوء، ومسح الخف بدل فيه عن غسل الرجلين، والثاني قياس أصل على أصل، فهذا هو الجامع، لكنه قياس ممسوح على مغسول، فهذا هو الفارق.
ومن أمثلته: قولنا في الوضوء: طهارة، أو طهارة حكمية، أو طهارة موجبها في غير محل موجبها، فاشترطت لها النية كالتيمم، وإلى هذا أشار الشافعي ﵁ بقوله: طهارتان، فكيف يفترقان؟، وهو كقول الصديق ﵁ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
قلت هذا أجود ما قرر في قياس الشبه وعليه الأكثرون، ولما قرره الغزالي بمعناه قال: وإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا، فلست أدري ما الذي أرادوه، وبم فصلوه عن الطرد المحض، وعن المناسب؟!
قلت: حاصل الأمر أن الوصف الشبهي شأنه أن يكون مرتفعا عن الطردي، وإلا لم يعتبر باتفاق، ومنحطا عن المناسب، وإلا لم يختلف فيه عند من اعتبر المناسبة، ومن استقرأ أقيسة الفقهاء القائلين بالشبه، رأى أقيستهم تارة يتخيل فيها الاشتمال على المناسبة المصلحية، وتارة لا يتخيل فيها شيء من ذلك.
قوله: «فالأول قياس العلة» إلى آخره، أي: فالأول من أقسام الوصف الثلاثة
стр. 530
المذكورة وهي المناسب، والطردي، والشبهي.
فالجمع بين الأصل والفرع بالوصف المناسب هو قياس العلة، لأن الحكم ثبت في الفرع بعلة الأصل، كثبوت التحريم في النبيذ بعلة الإسكار التي ثبت بها تحريم الخمر، وإثبات القصاص في المثقل بعلة القتل العمد والعدوان التي ثبت بها في المحدد، «وكذلك اتباع كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم» بنص أو إجماع أو غير ذلك، فهو من قبيل قياس العلة، لأنا لا نعني بقياس العلة إلا اتباع مناط الحكم في الجمع بين الأصل والفرع به.
«والثاني: طردي» وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يعلم خلوه عن المصلحة، وعدم التفات الشرع إليه كما سبق من قولهم: مائع (١) لا يبنى على جنسه القناطر، أو لا يصاد منه السمك، أو لا تجري عليه السفن، أو لا ينبت فيه القصب، أو لا يعوم فيه الجواميس، أو لا يزرع عليه الزروع، ونحو ذلك، أو يقال: أعرابي أو إنسان، فوجبت عليه الكفارة قياسا على الأعرابي المذكور في الحديث.
«والثالث: الشبه» أي: قياس الشبه وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف شبهي، وهو ما نزل عن المناسب وارتفع عن الطردي، أو ما توهم اشتماله على المصلحة، ولم يقطع بها فيه على ما سبق بيانه والخلاف فيه.
فإن قيل: كل قياس فهو مشتمل على شبه واطراد، إذ الوصف في قياس العلة في الفرع يشبه الوصف في الأصل لأنه مثله، والمثلية أخص من المشابهة، والأعم لازم للأخص، كوصف الإسكار في النبيذ هو مساو لوصف الإسكار في الخمر في ماهية
стр. 531
الإسكار، وهو مطرد أيضا، وكذلك قياس الشبه الوصف فيه مطرد، إذ بدون الاطراد لا يكون شبها معتبرا، وإذا كان كل قياس مشتملا على الشبه والاطراد، فلم خص كل واحد من الأقيسة باسمه العلم عليه، كقياس العلة والطرد والشبه؟.
فالجواب: أن كل واحد منها أضيف إلى أخص صفاته وأقواها، لأن العلية أخص صفات المناسب المؤثر، والطرد أخص صفات الطردي، والشبه أخص صفات الشبهي، وهذا كما يقسم الجسم إلى نباتي وحيواني وإنساني إضافة لكل قسم منها إلى أخص أوصافه، وهي النباتية في النبات، والحيوانية في الحيوان، والإنسانية في الإنسان.
قال الغزالي: أنواع القياس أربعة: المؤثر، ثم المناسب، ثم الشبه، ثم الطرد، فأدناها الطردي الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس، وأعلاها المؤثر وهو الذي في معنى الأصل، وهو الذي ينبغي أن يقر به كل منكر للقياس. قال: ويعرف كون المؤثر مؤثرا بنص، أو إجماع، أو سبر حاصر.
قوله: «وفي صحة التمسك به» أي: بقياس الشبه «قولان لأحمد والشافعي ﵄، والأظهر» - يعني من القولين - «نعم» أي: يصح التمسك به «لإثارته الظن خلافا للقاضي» أبي يعلى وغيره في أنه لا يصح التمسك به.
حجة من صحح التمسك به من وجهين:
أحدهما: أنه يثير ظنا غالبا بثبوت حكم الأصل في الفرع، وكل ما أثار ظنا غالبا، فهو متبع في العمليات، فالقياس الشبهي متبع في العمليات، ولا نعني بصحة التمسك به إلا هذا.
بيان الأولى; وهي إثارته الظن هو أنا إذا رأينا حكما ثبت في محل مشتمل على أوصاف غلب على ظننا أن تلك الأوصاف مشتملة على علة الحكم، ثم إذا رأينا محلا آخر قد وجدت فيه تلك الأوصاف أو أكثر، غلب على ظننا أن هذا المحل كذلك المحل في اشتماله على المصلحة، وحينئذ يغلب على ظننا استواؤهما في الحكم.
بيان الثانية; وهي أن ما أثار الظن متبع، بالقياس على العموم وخبر الواحد ونحوهما.
الوجه الثاني: أن التعبد في حكم الأصل خلاف الأصل، فهو معلل بالمصلحة،
стр. 532
لكن المصلحة لا منصوص عليها، ولا ظاهرة المناسبة، فتعين اشتمال أوصاف المحل عليها، فإذا شارك محل الأصل محل آخر في تلك الأوصاف، وجب إلحاقه به في الحكم، لغلبة الظن تساويهما فيه، وهذا الوجه في معنى الأول.
قال الشيخ رشيد الدين الحواري في تقرير هذا: إن لله في كل حكم يثبته سرا وحكمة، فهذا الحكم الثابت في الأصل لا يخلو عن مصلحة، ولا يعرف غير تلك المصلحة، وفي محل الإجماع أوصاف يعرف أن بعضها لا يخلو عن المصلحة قطعا، ويوهم اشتمال البعض على المصلحة، فإذا جمع بين الأصل والفرع بما يوهم اشتماله على المصلحة; كان هذا قياسا شبهيا.
مثاله: أن يقول: حرم الشارع الربا في البر والشعير، فلا يخلو من أن يكون حرمه لكونه مكيلا، أو لكونه مطعوما، ونعلم أنه حرمه لمصلحة لا نعلم عينها، لكن الأشبه أن المصلحة في ضمن الطعم، لكونه مظنة المصالح الكثيرة، لكونها قوام العالم المعينة على العبادة بخلاف الكيل، إذ لا مصلحة فيه.
قلت: هذا المثال صحيح، لكن تعليل التحريم بالطعم المتضمن لمصلحة قوام العالم فاسد الوضع، لأن ما كان قواما للعالم هو من أكبر النعم فلا يناسب التحريم لأجله، اللهم إلا أن يقال بأنه حرم التفاضل تحصيلا للتناصف في هذه النعمة، ودفعا للتغابن فيها، فيكون ذلك صحيحا مناسبا، والتعليل بالكيل أنسب، لأن المعقول من تحريم الربا نفي التغابن في الأموال، وأكلها بالباطل، فإضافته إلى ما يتحقق به التفاضل وهو الكيل والوزن أولى.
قال: والفرق بين الشبه والمناسبة أن المناسبة يتعين فيها المصلحة بخلاف الشبه، فإن المصلحة فيه مطلقة; يعني مبهمة.
قلت: وحاصل هذا الفرق أن المناسب يؤثر في عين المصلحة، والشبه يؤثر في جنسها، فبينهما من الفرق نحو ما بين الوصف المؤثر والملائم والغريب.
حجة القاضي في منع التمسك بالشبه وهو القاضي المالكي- أحسبه عبد الوهاب (١) - ; وهو أن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقا لقوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
стр. 533
شَيْئًا) [النجم: ٢٨] ; خالفناه في قياس المناسبة للدليل الراجح والاتفاق، ففي قياس الشبه يبقى على موجب الدليل، ولأن الصحابة ﵃ إنما اجتمعت على المناسبة لا على الشبه، فوجب أن لا يكون حجة.
وأجيب بوجوه:
أحدها: المعارضة بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: ٢]، وقياس الشبه نوع من الاعتبار.
والثاني: قوله ﵇: نحن نحكم بالظاهر وقياس الشبه يفيد الظاهر، فيجب الحكم به عملا بالنص.
الثالث: أنه مندرج في عموم قول معاذ ﵁ أجتهد رأيي وقد صوبه النبي ﷺ ، فيجب أن يكون صوابا.
الرابع: ما أشرنا إليه من دلالة قياس إخراج الموتى من الأرض على إخراج الحب منها على قياس الشبه عند ذكر أدلة أصل القياس (١).
الخامس: أن القاضي خالف مذهبه حيث احتج بقياس الشبه كثيرا في «المجرد» و «التعليقة الكبرى» وغيرهما.
قوله: «والاعتبار بالشبه حكما لا حقيقة خلافا لابن علية، وقيل: بما يظن أنه مناط للحكم».
стр. 534
هذه المسألة ليست من مسائل «الروضة» ومعناها أنه إذا صح التمسك بقياس الشبه، فهل المعتبر بالشبه الحكمي، أو بالشبه الحقيقي، أو بما غلب على الظن أنه مناط الحكم منهما؟ فيه ثلاثة أقوال:
مثال الشبه الحكمي: شبه العبد بالبهيمة في كونهما مملوكين، والملك أمر حكمي.
ومثال الشبه الحقيقي: شبهه بالحر في كونهما آدميين وهو وصف حقيقي.
قال القرافي: أوجب ابن علية الجلسة الأولى قياسا على الثانية في الوجوب، وهذا شبه صوري لا حكم شرعي.
مثال الثالث: أنا ننظر في البنت المخلوقة من الزنى، فهي من حيث الحقيقة ابنته، لأنها خلقت من مائه، ومن حيث الحكم أجنبية منه، لكونها لا ترثه ولا يرثها، ولا يتولاها في نكاح ولا مال، ويحد بقذفها، ويقتل بها، ويقطع بسرقة مالها، فنحن ألحقناها ببنته من النكاح في تحريم نكاحها عليه نظرا إلى المعنى الحقيقي، وهو كونها من مائه، والشافعي ألحقها بالأجنبية في إباحتها له نظرا إلى المعنى الحكمي، وهو انتفاء آثار الولد بينهما شرعا فقد صار كل من الفريقين إلى اعتبار الوصف الذي غلب على ظنه أنه مناط الحكم في الأصل، وهذا هو الأشبه بالصواب، لأن الظن واجب الاتباع، وهو غير لازم أبدا للشبه حكما، ولا للشبه حقيقة، بل يختلف باختلاف نظر المجتهد، فيلزم كل واحد منهما تارة، والله تعالى أعلم بالصواب.
واعلم أن قياس الشبه ينتفع به الناظر في استخراج الحكم دون المناظر لخصمه، لأن الخصم لو منع حصول الظن من الوصف الشبهي، لاحتاج المستدل إلى بيان اشتماله على المصلحة، ولا طريق له إلى ذلك إلا السبر والتقسيم. وحينئذ يبقى قياس الشبه واسطة لاغية لا أثر لها) (١).
قياس العكس:
قال الشيخ: (قياس العكس: وهو: إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه).
ومثل له في "الأصل" (ص/٧٤) بقوله: (ومثلوا لذلك بقوله ﷺ :
стр. 535
(وفي بضع أحدكم صدقة). قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها
أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). فأثبت النبي ﷺ للفرع وهو الوطء الحلال نقيض حكم الأصل وهو الوطء الحرام لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه، أثبت للفرع أجراً لأنه وطء حلال، كما أن في الأصل وزراً لأنه وطء حرام).
وقال في "الشرح" (ص/٥٥٢): (فإن قيل: قياس العكس فهو على غير القياس لغة واصطلاحًا، ففي اللغة هو المساواة، وفي الاصطلاح: تسوية فرع بأصل لعلة جامعة، وهذا نقيض حكم الأصل، فكيف يسمى قياسًا؟
قلنا: قياس العكس ليس قياسا مطلقًا، وهو قياس صحيح، والرسول ﷺ استعمله لكنه لا يدخل في القياس عند الإطلاق، فليس قياسًا مطلقًا بل هو كاسمه: "قياس العكس ").
عرفه المرداوي في " التحبير" (٧/ ٣١٢٥ (: (هو تحصيل نقيض حكم المعلوم في غيره لافتراقهما في علة الحكم) (١).
قال القاضي أبو يعلى في " العدة" (٤/ ١٤١٤): (الاستدلال بالشيء من طريق العكس صحيح، كالاستدلال به على وجه الطرد.
وهو مثل استدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل دمه، فدل ذلك على طهارته. ألا ترى أن سائر الحيوانات التي كانت دماؤها نجسة لم تؤكل بدمائها.
ومثل استدلالنا على قراءة السورة غير مسنون في الأخريين، أنه لو كان من سنة القراءة فيها قراءة السورة لوجب أن يكون من سنته الجهر بها. ألا ترى أن الأوليين لما كان من سنتها قراءة السورة كان من سنتها الجهر.
ومثل استدلالنا على أن الصلاة على النبي ﷺ غير مسنون في التشهد الأول، أنه لو كان من سنته الصلاة لكان من سنته الدعاء. ألا ترى أن التشهد الأخير، لما كان من سنته الصلاة، كان من سنته الدعاء ... ).
وقال المرداوي في "التحبير" (٧/ ٣١٢٨ (: (قال البرماوي: في حجية قياس
стр. 536
العكس، خلاف وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع، لكن الجمهور على خلافه.
قال أبو إسحاق الشيرازي في ' الملخص ': ' اختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين، أصحهما - وهو المذهب - أنه يصح، استدل به الشافعي في عدة مواضع. والدليل عليه: أن الاستدلال بالعكس استدلال بقياس مدلول على صحته بالعكس، وإذا صح القياس في الطرد وهو غير مدلول على صحته، فلأن يصح الاستدلال بالعكس وهو قياس مدلول على صحته أولى '. قال البرماوي: (ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة: فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]. فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]. ولا اختلاف فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس. وأما السنة: فكحديث: (يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام؟ - يعني: أكان يعاقب؟ - قالوا: نعم، قال: فمه!).
فقاس وضعها في حلال فيؤجر على وضعها في حرام فيؤزر بنقيض العلة. وأما الصحابة ﵃ ففي ' الصحيحين ' عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله قال: (من مات يشرك به شيئاً دخل النار، وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة). وفي بعض أصول مسلم روي عن النبي: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قال: وقلت أنا: من مات يشرك به شيئاً دخل النار). قلت: والذي يغلب على الظن أن هذا اللفظ في البخاري. وكل منهما يحصل به المقصود، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عليه. لكن رواهما مسلم عن جابر مرفوعاً، فلا حاجة إلى القياس. ويجمع بين الروايتين أنه عند ذكر كل لفظة كان ناسياً للأخرى كما جمع به النووي. فظهر بذلك كله أنه حجة ... ) (١).
стр. 537
التعارض
لما أنهى الشيخ الكلام على الأدلة الشرعية بدأ بالكلام على هذا الباب الذي يدفع التعارض بين الأدلة ويبين كيفية الترتيب بينها.
ولما كان هذا الباب موضوع نظر المجتهد وضروراته؛ لأن الأدلة الشرعية متفاوتة في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر؛ لئلا يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى.
ولما كان المجتهد هو من يقوم بالترجيح بين الأدلة ويبين ترتيبها، ويزيل التعارض الظاهري بينها قدم الموفق، وابن مفلح، وغيرهما باب الاجتهاد على هذا الباب، لكن الرازي في ' المحصول ' وأتباعه قدموا التعارض والتراجيح على الاجتهاد؛ لأنه المقصود، وذلك ما يتوقف عليه المقصود (١).
تعريف التعارض:
لغة:
قال الشيخ: (التعارض لغة: التقابل والتمانع).
مادة عَرَضَ في اللغة لها معان كثيرة منها (٢):
- الظهور، يقال: عَرَضَ له كذا، أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء أي: أظهرته له وأبرزته، ومنه قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) [الكهف: ١٠٠].
والشيء معروض لك: موجود ظاهر لا يمنع، وأظهره عليه: أراه إياه.
ولعل هذا المعنى - الظهور - معنى متأصل في جميع المعاني التي تدل عليها مادة عَرَضَ.
- ومنها: المقابلة، يقال: عارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته. وفلان يعارضني أي يباريني، ويقال: عارض فلان فلانا إذا أخذ في طريق وأخذ الآخر في طريق فالتقيا وتقابلا، ومنه الحديث إن جبريل عليه
стр. 538
السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه العام مرتين أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن من المعارضة المقابلة ٠
والتقابل بين شيئين لا يتحقق إلا بظهورهما وبروزهما في مواجهة بعضهما.
- ومن معانيها أيضا المنع، يقال: اعترض الشيء إذا صار عارضا ومانعا، والأصل فيه أن الطريق إذا أعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) [البقرة: ٢٢٤] أي لا يمنعه يمينه من ان يتقي الله ويصل رحمه ويصلح بين الاثنين.
ويقال: اعترض الشيء دون الشيء، أي حال دونه، ومنى سمي السحاب عارضا؛ لأنه يحول دون أشعة الشمس، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) [الأحقاف: ٢٤].
ومنه اعتراضات الفقهاء؛ لأنها تمنع التمسك بالدليل، وتعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
ولعل سبيل التمانع بين الشيئين هو ظهورهما وبروزهما لبعضهما.
اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر).
قوله: (تقابل) جنس في التعريف يدخل فيه كل تقابل لأي شيئين أو كثر.
وقد اعترض البعض بأن التقابل مشترك حيث يستخدم بمعنى التدافع والتمانع أيضا، ولا يحسن استخدامه في التعريف.
أجيب عنه: بأن التقابل يلزم منه التدافع والتمانع؛ لأن الدليلين إذا تقابلا على محل واحد في وقت واحد وأحدهما ينفي ما يثبته الآخر فإنه يلزم من ذلك أن يدفع كل منهما الآخر، ويمنعه فيتدافعان ويتمانعان بعد تقابلهما فيكون التدافع والتمانع لازمان للتقابل، وعليه فلا يكون من قبيل المشترك، وبالتالي فلا يقدح في التعريف (١).
وعلى التسليم بكونه مشتركا فإن القيود أو الفواصل المذكورة في باقي الحد تزيل ما فيه من إجمال.
стр. 539
قوله: (الدليلين) قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين ويخرج به التعارض بين غير الأدلة.
اعتراضان على هذا القيد:
الأول:
وقد اعترض البعض على التقييد بالدليلين فقط، فهو يشعر بمنع وقوع التعارض بين أكثر من دليل.
ويجاب عن ذلك بأن القيد ليس للحصر وإنما هو لبيان أقل ما يقع فيه التعارض، وهذا أولى من قولنا: (الأدلة) فقد يستفاد منها أن التعارض لا يكون بين دليلين على الخلاف في أقل الجمع.
الثاني:
واعترض على التعميم الذي في قوله: (الدليلين) بشموله للقطعي والظني من الأدلة، والصحيح في المذهب أن التعارض لا يكون بين الأدلة القطعية ولا بين القطعية والظنية، وقد وقع الخلاف في وقوعه بين الظنيين.
قال الشيخ العثيمين في "مجموع الفتاوى والرسائل" (٤/ ٤٩): (إذا قيل بالتعارض بين دليلين فإما أن يكونا قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعيا والآخر ظنيا فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: القطعيان: وهما ما يقطع العقل بثبوت مدلولهما، فالتعارض بينهما محال، لأن القول بجواز تعارضهما يستلزم إما وجوب ارتفاع أحدهما وهو محال، لأن القطعي واجب الثبوت، وإما ثبوت كل منهما مع التعارض وهو محال أيضا، لأنه جمع بين النقيضين.
فإن ظن التعارض بينهما فإما أن لا يكونا قطعيين، وإما أن لا يكون بينهما تعارض بحيث يحمل أحدهما على وجه، والثاني على وجه آخر، ولا يرد على ذلك ما يثبت نسخه من نصوص الكتاب والسنة القطعية، لأن الدليل المنسوخ غير قائم فلا معارض للناسخ.
الثاني: أن يكونا ظنيين إما من حيث الدلالة، وإما من حيث الثبوت فيطلب
стр. 540
الترجيح بينهما ثم يقدم الراجح.
الثالث: أن يكون أحدهما قطعيا، والآخر ظنيا، فيقدم القطعي باتفاق العقلاء، لأن اليقين لا يدفع بالظن).
قال ابن قدامة في " روضة الناظر" (ص / ٣٨٧): (ولا يتصور التعارض في القواطع إلا أن يكون أحدهما منسوخا، ولا يتصور أن يتعارض علم وظن لأن ما علم كيف يظن خلافه وظن خلافه شك فكيف يشك فيما يعلم).
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٩٢): (وأعلم أن التعارض لا يكون بين قطعيين ولا بين قطعي وظني وإنما يكون بين ظنيين فقط.
وأعلم أن تعادل الدليلين الظنيين بحسب ما يظهر للمجتهد جائز اتفاقاً، أما تعادلهما في نفس الأمر فاختلف فيه فنقل الإمام أحمد والكرخي أنه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر وصححه صاحب جمع الجوامع، والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع).
وقال المرداوي في " التحبير" (٨/ ٤١٢٦): (التعادل بين قطعيين ممتنع قطعا سواء كانا عقليين أو نقليين، أو أحدهما عقليا والآخر نقليا؛ إذ لو فرض ذلك لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وترجيح أحدهما على الآخر محال فلا مدخل للترجيح في الأدلة القطعية؛ لأن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض فيها فلا ترجيح ... ومثل ذلك القطعي والظني، أعني أنه لا تعادل بينهما ولا تعارض لانتفاء الظن؛ لأنه يستحيل وجود ظن في مقابلة يقين خلافه، فالقاطع هو المعمول به والظن لغو، وكذلك لا يتعارض حكم مجمع عليه مع حكم آخر ليس مجمعا عليه.
قوله: ﴿وكذا ظنيان عند أحمد، وأكثر أصحابه، والكرخي، وبعض الشافعية ... ، وقال القاضي وابن عقيل والأكثر: يجوز تعادلهما كما في نظر المجتهد اتفاقا وحكي عن أحمد﴾).
وقال علوي الشنقيطي في "نشر البنود" (٢/ ٥١٤) شارحا قوله في المراقي:
والاعتدال جائز في الواقع ........
يعني: أن تعادل الدليلين الظنيين في الواقع أي في نفس الأمر جائز عند الأكثر، والمراد بالتعادل تنافيهما على حكمين متناقضين مع اتحاد الفعل من غير مرجح
стр. 541
لأحدهما على الآخر إذ لا محذور في ذلك.
وقال الإمام أحمد والكرخي من الحنفية بالمنع حذرا من التعارض في كلام الشارع، وإنما اشترطنا في الظنيين عدم المرجح لأحدهما ولم نشترطه في القطعيين لأن القطعيين لا يمكن الترجيح فيهما ولا التأويل.
...... كما يجوز عند ذهن السامع
يعني: أن التعادل بين الظنيين في ذهن السامع لهما وهو المجتهد جائز وواقع اتفاقا وهو منشأ تردده).
والمقصود هنا مجرد التنبيه على وقوع الخلاف في التعارض بين الظنيين دون غيرهما مما كانا قطعيين، أو أحدهما قطعي، والآخر ظني، وسوف يأتي - بإذن الله - الترجيح في مسألة وقوع التعارض بين الظنيين.
- قوله: (بحيث يخالف أحدهما الآخر) قيد ثان يبين أن التقابل بين الأدلة إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر وقد عبر المرداوي وغيره هذا القيد بقوله: (على سبيل الممانعة).
وفي هذا القيد إطلاق للمخالفة فيصح أن تكون حقيقية، أو صورية أي في الظاهر فقط (من وجهة نظر المجتهد).
وبتعبير أخر يصح أن تكون كلية أو جزئية كالتعارض بين العام والخاص والمطلق والمقيد.
وسوف يأتي ما في هذا الإطلاق وأحوال تقييده قريبا - بإذن الله -.
قال الشيخ في "الأصل" (ص/٨٠): (لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع، ولا النسخ، ولا الترجيح؛ لأن النصوص لا تتناقض، والرسول ﷺ قد بيّن وبلّغ، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره. والله أعلم).
وقال في "مجموع الفتاوى والرسائل" (٨/ ٨٥): (لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله الذي صح عنه أبدًا؛ لأن الكل حق، والحق لا يتعارض، والكل من عند الله، وما عند الله تعالى لا يتناقض (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]؛ فإن وقع ما يوهم التعارض في فهمك؛ فاعلم أن
стр. 542
هذا ليس بحسب النص، ولكن باعتبار ما عندك؛ فأنت إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة؛ فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت؛ لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له، وإما لسوء القصد والنية؛ بحيث تستعرض ما ظاهره التعارض لطلب التعارض، فتحرم التوفيق؛ كأهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه.
ويتفرع على هذا الجواب المجمل أنه يجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ لأن هذه الطريق طريق الراسخين في العلم، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]، ويحملون المتشابه على المحكم حتى يبقى النص كله محكمًا).
تنبيهات:
الأول - المقصود بما كان قطعيا من الأدلة، هو ما كان قطعيا في دلالته وثبوته، وما كان ظنيا أي في دلالته أو في ثبوته.
قال الشيخ الشنقيطي في "نثر الورود" (٢/ ٥٨٢) شارحا قول العلوي الشنقيطي:
ولا يجئ تعارضٌ إلا لما ... من الدليلين إلى الظن انتمى
: (يعنى أنه لا يجوز عقلا تعارض دليلين إلا إذا كانا ظنيين، أما إذا كانا قطعيين فلا يمكن عقلا تعارضهما سواء كانا نقليين أو عقليين أو أحدهما نقليا والثاني عقليا، وكذلك لا يتعارض قطعيٌّ وظنيٌّ لوجوب إلغاء الظني في مقابلة القطعي، والظن يتطرق الدليل من جهتين: من جهة السند ولو كانت الدلالة قطعية، ومن جهة الدلالة وإن كان السند قطعيا، فيعرف من ذلك أن القطعي المذكور لابد أن يكون قطعي المتن والدلالة).
وقال الشيخ العثيمين في "مجموع الفتاوى والرسائل" (٤/ ٤٩): وهو يتكلم عن أنواع التعارض بين الأدلة: (الثاني: أن يكونا ظنيين إما من حيث الدلالة، وإما من حيث الثبوت فيطلب الترجيح بينهما ثم يقدم الراجح).
стр. 543
الثاني- شروط التعارض الحقيقي بين الأدلة:
قال الشنقيطي في "آداب البحث والمناظرة" (ص/٥٤): (واعلم أن المنطقيين يقولون إنه يشترط لتحقيق التناقض بين القضيتين الاتحاد في تسعة أُمور:
الأول: اتحاد المحمول (١) فلو اختلف جاز كذبهما وصدقهما كقولك زيد ضاحك (٢) زيد ليس بكاتب.
الثاني: اتحاد الموضوع. فلو اختلف جاز صدقهما وكذبهما كقولك: زيد عالم وعمرو ليس بعالم.
الثالث: اتحاد الزمان: فإن اختلف الزمان جاز صدقهما وكذبهما كقولك: النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس، النبي ﷺ لم يصل إلى بيت المقدس فإن قصدت بالأول ما قبل النسخ وبالثاني ما بعده صدقتا وإن عكست كذبتا.
الرابع: اتحاد المكان: فإن اختلف جاز صدقهما وكذبهما كقولك: زيد صلى - تعني في المسجد - زيد لم يصل تعني في الدار.
الخامس: الفعل والقوة: فإن قصد بإحدى القضيتين الفعل وبالأخرى القوة جاز صدقهما وكذبهما كقولك الخمر في الدن مسكرة تعني بالقوة والخمر في الدن ليست بمسكرة تعني بالفعل فهما صادقتان ولو عكست في القصد لكانتا كاذبتين.
السادس: الكل والبعض: فإن اختلفا في الكل والبعض جاز صدقهما وكذبهما كقولك: الزنجي أبيض تعني بعضه وهو أسنانه. وبياض عينيه. الزنجي ليس بأبيض تعني سائر بدنه.
السابع: الإِضافة: فإن اختلفتا في الإِضافة جاز كذبهما وصدقهما كقولك زيد أب وزيد ليس بأب تعني بالأول أنه أب لعمرو .. وبالثاني لبكر. أنه ليس أباً لبكر.
стр. 544
الثامن: الشرط. فإن اختلفتا في الشرط جاز كذبهما وصدقهما كقولك: زيد يدخل الجنة وزيد لا يدخل الجنة تعني بالأول بشرط موته على الإِيمان وبالثاني بشرط موته على الكفر.
التاسع: اتحادهما في التحصيل والعدول فإن كانت إحداهما محصلة والأخرى معدولة لم يتناقضا لصدق السالبة المحصلة مع صدق الموجبة المعدولة كما هو معروف في محله. وكذلك تصدق المحصلة الموجبة مع صدق السالبة المعدولة. هكذا يقولون.
والتحقيق أن التناقض بين القضيتين يتحقق بالوحدة في شيء واحد وهو النسبة الحكمية. بأن تكون النسبة المثبتة هي بعينها النسبة المنفية).
الثالث - هل يقع تعارض بين الأدلة الظنية ؟ (١)
والكلام واضح في منع التعارض بين القطعيين، أو بين قطعي وظني، وأما ما كان بين الأدلة الظنية فلا خلاف في وقوعه من وجهة نظر المجتهد وأما ما كان حقيقيا فقد وقع فيه الخلاف.
والراجح أن التعارض الحقيقي في الواقع وفي نفس الأمر يبن الأدلة الظنية ممتنع، كالأدلة القطعية، وإنما يكون التعارض فيهما من وجهة نظر المجتهد فقط (٢)، وذلك (٣) لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق (٤).
وقال ﷺ : (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل
стр. 545
يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (١).
كما أحاديث النبي ﷺ الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي ﷺ معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣، ٤].
وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوي" (٨/ ٢٩): (الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا).
وقال في "المسودة" (ص/٢٧٤): (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليست مع أحدهما ترجيح يقدم به ذكره أبو بكر
الخلال).
وقال في "مجموع الفتاوي" (٧/ ٤٠): (إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد فان كل ما في الكتاب فالرسول موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين الا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فانه لا يكون الا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول وأما الرسول فينزل عليه وحى القرآن ووحى آخر هو الحكمة كما قال: (ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه (٢) ().
قال الكلوذاني في "التمهيد" (٤/ ٣٤٩): (لا يجوز أن تعتدل الأمارتان في المسألة عند المجتهد، فلا تترجح إحداهما على الأخرى، وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية، وقال الجبائي وابنه: يجوز ذلك ويكون المجتهد مخيرا في الأخذ بأي الحكمين شاء ن وغليه ذهب الرازي والجرجاني من الحنفية.
стр. 546
وجه الأول: أنه لو جاز ذلك أدى إلى حصول الشك في الحكم الشرعي، وذلك لا يجوز، وبيان تأديه إلى الشك: أن المخبرين المتساويين في الصدق لو أخبرنا أحدهما بأن الرسول دخل البيت في وقت عينه، وكنت معه لم أفارقه، ولم أغفل عن مشاهدته إلى أن خرج منه، ولم أره يصلى فيه. وأخبرنا الآخر: أنه رآه يصلي فيه، فإنا نشك هل صلى فيه أو لم يصل، ولا يجوز أن نظن صدق أحدهما ولا كل واحد منهما، وغنما لا يظن كذب أحدهما؛ لأم الظن: هو تغليب أحد المخبرين على الآخر، وذلك لا يحصل إلا بأمارة ترجح أحد المخبرين على الآخر وقد عدم ذلك، فإن كل واحد من المخبرين حاله في الثقة كحال الآخر، وكذلك في تجويز الخطأ عليه، وإنما لم يظن صدق كل واحد منهما لما بينا من أن الظن يحتاج إلى أمارة يرجح بها، فإذا كان في كل واحد منهما أمارة ترجحه على الآخر فيكون الآخر ناقصا عنه، وهذا تناقض، لأنه يؤدي إلى أن يكون كل واحد منهما زائدا على الآخر، وكل واحد منهما ناقصا عنه، وهذا محال فلم يبق إلا الشك ولا يجوز أن يحكم بالشك بحال ...
ثم قال: دليل آخر: وهو أن مساواة الأمارتين تقتضي إثبات حكميهما إما على الجمع وذلك غير ممكن وإما على التخيير والأمة مجمعة على أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد يتخير فيها ولا تلزم الكفارة والإبل في الزكاة (١)؛ لأنها ليست من مسائل الاجتهاد، وغنما يتبع فيها نص الشرع، ولأن المسالة مبنية على أن الحق من قول المجتهدين في واحد، وما عداه خطأ، وقد دللنا عليه، وإذا ثبت ذلك بطل أن تتكافأ الأمارات لأن مع التكافؤ لا نعلم الحق من الخطأ).
قال المرداوي في " التحبير" (٨/ ٤١٣١): "اختلف العلماء في تعادل دليلين ظنيين على أقوال: أحدها: أنه محال، وهذا الصحيح عندنا، وعليه الإمام أحمد، والأصحاب، وأكثر الشافعية، والكرخي، والسرخسي، وحكاه الإسفراييني عن أصحابه، وحكاه ابن عقيل عن الفقهاء، ويأتي كلام الخلال، وابن خزيمة.
стр. 547
والقول الثاني في المسألة: يجوز تعادلهما، وبه قال القاضي أبو يعلى في ' مختصره '، وابن عقيل في ضمن مسألة القياس، وأبو بكر الرازي، والجرجاني، والجبائي وابنه، وابن الباقلاني، وقال: قاله الأشعري، وكل من صوب كل مجتهد، وأنه حكي عن الحسن العنبري، وقاله أكثر العلماء، وذكره بعض أصحابنا رواية عن أحمد، واختاره الآمدي وذكره عن أكثر الفقهاء، كما في نظر المجتهد اتفاقا ... احتج من منع التعادل في الأمارتين في نفس الأمر مطلقا بأنه لو وقع، فإما أن يعمل بهما وهو جمع بين المتنافيين، أو لا يعمل بواحد منهما فيكون وضعهما عبثا، وهو محال على الله تعالى، أو يعمل بأحدهما على التعيين، وهو ترجيح من غير مرجح، أو لا على التعيين بل على التخيير، والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة الإباحة بعينها، لأنه لما جاز له الفعل والترك كان هذا معنى الإباحة فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها. وأجيب: بأن ذلك لا يقتضي الإباحة، بل تخيير للعمل بإحدى الأمارتين شاء، لا عمل بأي الفعلين شاء، بدليل أنه لو كانت إحداهما تقتضي تحريمه لا يقال: هو مخير بين فعله مع كونه حراما وبين غيره، فإذا عمل بأحدهما وجب أن يعتقد بطلان الآخر، بخلاف الإباحة فإنه لا يعتقد فيها فساد ما لم يفعل، ونظيره في الشرع التخيير بين أن يصلي المسافر قصرا أو إتماما، فإنه إذا جاز له ترك الركعتين عند اختيار القصر، لا يقال: إن فعل الركعتين مباح. قال البرماوي: وفيه نظر، واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر بالقياس على جواز تعادلهما في الذهن، وبأنه لا يلزم من فرضه محال، وقد أجيب عن ذلك. وقال ابن عبد السلام في ' قواعده ': لا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، إنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، فإذا تعارضت: فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجد ظن في أحد الطرفين حكمنا به؛ لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه وإن كان كل منهما مكذبا للآخر تساقطا، وإن لم يكذب كل واحد منهما صاحبه عمل به حسب الإمكان كدابة عليها راكبان يحكم لهما بها؛ لأن كلا من اليدين لا تكذب الأخرى. انتهى. قال البرماوي: ' وهو نفيس؛ لأن الظن هو الطرف الراجح، ولو عورض بطرف آخر راجح، لزم أن يكون كل واحد منهما راجحا مرجوحا، وهو محال ' انتهى ... واعلم أنه لا تعارض بالحقيقة في حجج
стр. 548
الشرع ... قال أبو بكر الخلال من أئمة أصحابنا المتقدمين: لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان ليس مع أحدهما ترجيح يقدم، فأحد المتعارضين باطل إما لكذب الناقل، أو خطأ بوجه ما من النقليات، أو خطأ الناظر في النظريات، أو لبطلان حكمه بالنسخ. انتهى. وقال إمام الأئمة أبو بكر ابن خزيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء منه فليأتني به لأؤلف بينهما، وكان من أحسن الناس كلاما في ذلك، نقله العراقي في 'شرح ألفيته في الحديث').
قال السبكي في "جمع الجوامع": يمتنع تعادل القاطعين أي تقابلهما بأن يدل كل منهما على منافي ما يدل عليه الآخر إذ لو جاز ذلك لثبت مدلولاهما فيجتمع المتنافيان فلا وجود لقاطعين متنافيين كدال على حدوث العالم ودال على قدمه ... ولباحث أن يقول لا بعد في أن يجري فيهما الخلاف الآتي في الأمارتين لمجيء توجيهه الآتي فيهما وكذا يمتنع تعادل الأمارتين أي تقابلهما من غير مرجح لإحداهما في نفس الأمر على الصحيح حذرا من التعارض في كلام الشارع ... ).
وقال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (٢/ ٣٥٨): (قد يستشكل جريان الخلاف فيهما مع ما قرره آنفا من لزوم اجتماع المتنافيين حيث أدرجهما في القاطعين وعلل امتناع التعارض فيهما باجتماع المتنافيين والفرق بينهما وبين الأمارتين ما أشاروا إليه من أن مدلول الدليل القطعي يجب أن يكون حاصلا بخلاف مدلول الأمارة فيلزم اجتماع المتنافيين في تعارض القاطعين ولا يلزم في تعارض الأمارتين، ويمكن أن يقال يلزم في تعارض تجويز اجتماع المتنافيين لأن الكلام في تعارضهما في نفس الأمر وتعارضهما فيه يستلزم اجتماع المتنافيين، غاية الأمر أن مدلول الأمارتين لا يجب أن يكون حاصلا واجتماعهما ممتنع فتجويزه كذلك لأن تجويز الممتنع ممتنع، وحينئذ فمن أجازه في الأمارتين يلزمه القول بالجواز في النقليين القطعيين، وعند هذا يتضح قول الشارح: ولباحث أن يقول ... إلخ ... ).
وقال الشيخ الشنقيطي في " نثر الورود " (٢/ ٥٨٢) في شرح قول الشيخ علوي الشنقيطي:
والاعتدال جائز في الواقع ... كما يجوز عند ذهن السامع
: (التحقيق أن الكتاب والسنة ليس فيهما تعارض في نفس الأمر، وإنما
стр. 549
التعارض بحسب ما يظهر للناظر).
رابعا - الفرق بين التعارض والتعادل: (١)
ظاهر صنيع المرداوي في التحبير، وابن النجار في شرح الكوكب تبعا له إثبات التغاير بينهما حيث أنهما عرفا التعارض ثم اتبعاه بتعريف التعادل.
قال محقق شرح الكوكب هامش (٤/ ٦٠٦): (فرق المؤلف هنا بين التعادل والتعارض جريا على التفريق بينما في اللغة، فالتعادل لغة التساوي، وعدل الشيء - بالكسر- مثله من جنسه أو مقداره، ومنه قسمة التعديل في الفقه، وهي قسمة الشيء باعتبار القيمة والمنفعة لا المقدار، أما التعارض لغة فهو التمانع، ومنه تعارض البينات، لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
بينما ذهب جماهير علماء الأصول إلى استعمال التعادل في معنى التعارض، لأنه لا تعارض إلا بعد التعادل، وإذا تعارضت الأدلة، ولم يظهر -مبدئيا- لأحدها مزية على الآخر فقد حصل التعادل بينهما، أي التكافؤ والتساوي).
وقد ذهب الشيخ عياض السلمي إلى التفريق بينهما فقال في "أصوله" (ص/٤١٥): (التعارض في اللغة بمعنى: التقابُل، وهو تفاعُلٌ من العُرْض، بالضم، وهو الناحية.
وفي الاصطلاح: تقابُل الدليلين على سبيل الممانعة.
والمناسبة بين المعنيين (اللغوي، والاصطلاحي): أن الدليلَ المعارضَ لدليلٍ آخَرَ كأنه يقفُ في الناحية المقابلة للناحية التي يقفُ فيها الدليلُ الآخَرُ. أو أن كلاًّ منهما يقفُ في عُرْض الآخَر.
والتعادُل في اللغة: التساوي، وعدل الشيء: مثيلُه من جنسه.
وفي الاصطلاح:
جعله بعضُ الأصوليين مساوياً للتعارُض.
والصواب: أن التعادُلَ يعني تساوي الدليلين من كلّ وجهٍ، بحيثُ لا يبقى لأحدهما مزيةٌ على الآخَر.
وإذا حصل التعادُلُ ينسدُّ بابُ الترجيح، ولم يبقَ إلاّ أنْ يذهبَ المجتهدُ إلى تساقط
стр. 550
الدليلين، والبحثِ عن أدلّةٍ أخرى، أو يتوقَّفَ، أو يتخيَّرَ، أو يذهبَ إلى الأشدِّ، أو إلى الأخفِّ من الحكمين اللذين دلَّ عليهما الدليلان المتعادلان.
وأما التعارُض فهو يعني تقابُلَ الدليلين في الظاهر، بحيث يبدو للناظر إليهما في أول الأمر أنهما متنافيان، ويُمكن بشيءٍ من النظر، والتفكُّر الوصولُ إلى الجمع بينهما أو ترجيحِ أحدهما).
وذهب ابن قدامة إلى أن التعارض هو التناقض فقال في "روضة الناظر" (ص/ ٣٨٧): (واعلم أن التعارض هو التناقض) (١).
والتسوية بين التعارض والتعادل هو الأقوى عندي.
خامسا - تقييدات للتعريف، وأحوال ذلك:
سبق أن ذكرت أن الراجح عندي التسوية بين التعارض والتعادل، وأنه لا فرق بين الأدلة الظنية والقطعية في امتناع وقوع التعارض بينهما بمعنى أنه يمتنع حدوث تعارض حقيقي بين الأدلة، وأنه إذا حدث تعارض بين الأدلة فإنه يكون صوريا أي من وجهة نظر المجتهد.
وعليه فيكون تعريف التعارض أو التعادل: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة الصورية.
وهذه هي الحالة الأولى .
الحالة الثانية:
أن يسوي بين التعارض والتعادل:
وهناك اتجاهان:
الأول - أن يجوز وقوع التعارض الحقيقي بين الأدلة الظنية بخلاف القطعية.
فهذا يلزمه نحوا من هذا التعريف للتعارض أو التعادل:
تقابل الدليلين غير الظنيين (٢) على سبيل الممانعة الصورية، والظنيين على سبيل الممانعة.
стр. 551
أما إن عرف كلا من الوجهين بمفرده فيلزمه التناقض، وإيضاحه أنه سوي بين التعارض والتعادل ثم جعل التعارض بين الأدلة الظنية حقيقي، بخلاف القطعية فالتعارض بينها صوريا، فإنه يلزم من ذلك أن يجعل التعارض الكلي (الحقيقي أو التعادل) خاصا بالأدلة الظنية، ويجعل التعارض خاصا بالأدلة القطعية صوريا أي من وجهة نظر المجتهد، والفرض أنه سوي بين التعارض والتعادل فليزمه التناقض.
الثاني - أن يجعل التعارض الحقيقي جائز بين جميع الأدلة سواء أكانت قطعية أم ظنية، وقد أشار له المحلى في شرح جمع الجوامع وسبق ذكره وبيان العطار له.
وعليه فليزمه ألا يقيد التعريف بأي قيد.
الحالة الثالثة:
أن يفرق بين التعارض والتعادل، فهذا يلزمه أن يجعل التعارض الحقيقي بين الأدلة الظنية جائز، وبين القطعية ممتنع.
فيعرف التعارض بأنه: تقابل الدليلين غير الظنيين على سبيل الممانعة الصورية.
ويعرف التعادل بأنه: التقابل بين الدليلين الظنيين على سبيل الممانعة.
الحالة الرابعة:
أن يفرق بين التعارض والتعادل، ويسوي بين الأدلة الظنية وغير الظنية من حيث امتناع التعارض بينها، أو جوازه، وكلاهما مرفوض؛ لأنه يؤدي إلى التناقض، وبيان ذلك:
أنه بناء على أنه يسوي بين الأدلة الظنية والقطعية من حيث جواز وقوع التعارض الحقيقي بينهم، وعليه فيكون تعريف كلا من التعارض أو التعادل: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.
ويكون تعريفهما بناء على أنه سوى بين الأدلة القطعية والظنية من حيث امتناع وقوع التعارض الحقيقي بينهم: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة الصورية.
والفرض أنه فرق بين التعادل والتعارض فيلزمه التناقض.
نكتة:
سبق أن ظاهر صنيع المرداوي التفرقة بين التعارض والتعادل، وسبق بيان أنه اختار المنع من التعارض بين الأدلة الظنية وغيرها.
стр. 552
وعليه فهو يتبع الفرض الثاني من الحالة الرابعة من حيث امتناع وقوع التعارض الحقيقي بين الأدلة سواء أكانت قطعية أم ظنية، ولكنه عرف التعارض بقوله: (التعارض: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة ولو بين عامين في الأصح) فلم يقيده بالتعارض الصوري، وكذا ظاهر صنيعه أنه لم يسوي بينه التعارض والتعادل، والفرض أنه كان يلزمه التسوية.
أقسام التعارض:
قال الشيخ: (وأقسام التعارض أربعة:
القسم الأول: أن يكون بين دليلين عامين ... ).
قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٢٧): (قوله: ﴿ولو بين عامين في الأصح﴾. يعني أنه يجوز تعارض عامين عند أكثر العلماء، بل غالبهم أطلق العبارة في التعارض، فشمل العامين وغيرهما مما يمكن التعارض فيه. وذكر بعض أصحابنا عن قوم منع تعارض عمومين بلا مرجح. وقد خص الإمام أحمد ' نهيه عن الصلاة بعد الصبح والعصر ' بقوله: ' من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها '. وذكر القاضي، وأصحابه، والموفق، والشافعية، تعارضهما؛ لأن كلا منهما عام من وجه وخاص من وجه. وقدم الحنفية النهي لذكر الوقت فيه) (١).
وقد علل ابن قدامة الجواز بقوله في "الروضة" (ص/٢٥٢): (وقال قوم لا يجوز تعارض عمومين خاليين عن دليل الترجيح لأنه يؤدي إلى وقوع الشبهة وهو منفر عن الطاعة.
قلنا بل ذلك جائز ويكون مُبَيَّنا للعصر الأول وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة وتكليفا علينا لنطلب دليلا آخر ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا وأما التنفير فباطل فقد نفر طائفة من الكفار من النسخ ثم لم يدل ذلك على استحالته والله أعلم).
وفيما قال نظر، إذ أنه محصلته أن الرواة ونقلة الأخبار لم يبلغوا الدين كاملا لنا،
стр. 553
بل تركوا بعض الأدلة لم ينقلوها لنا حتى اندرست.
وقال ابن اللحام في "مختصره" (ص / ١٦٩): (قال طائفة من أصحابنا يجوز تعارض عمومين من غير مرجح.
والصواب ما قاله أبو بكر الخلال لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه ليس مع أحدهما ترجيح يقدم به فأحد المتعارضين باطل إما لكذب الناقل أو خطئه بوجه ما في النقليات أو خطأ الناظر في النظريات أو لبطلان حكمه بالنسخ).
دلالة العموم قد تكون قطعية وقد تكون ظنية وأحوال ذلك:
قال المرداوي في "التحبير" (٥/ ٢٣٣٨): (قوله: ﴿ودلالته على أصل المعنى قطعية (١)﴾، وهذا بلا نزاع. قوله: ﴿وعلى كل فرد بخصوصه بلا قرينة، ظنية عند أكثر أصحابنا، والأكثر﴾، منهم من الحنفية الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند. قال ابن اللحام في ' أصوله ': وعلى كل فرد بخصوصه ظنية عند الأكثر. وقال في ' جمع الجوامع ': هو عن الشافعية. وقال في ' القواعد الأصولية ': هذا المشهور عند أصحابنا وغيرهم. وقد ذكر القاضي وأصحابه، واستدلوا لذلك بأن التخصيص بالمتراخي لا يكون نسخا (٢)، ولو كان العام نصا على أفراده لكان نسخا، وذلك أن صيغ العموم ترد تارة باقية على عمومها، وتارة يراد بها بعض الأفراد
стр. 554
، وتارة يقع فيها التخصيص، ومع الاحتمال لا قطع، بل لما كان الأصل بقاء العموم فيها كان هو الظاهر المعتمد للظن، ويخرج بذلك عن الإجمال. وقال ابن عقيل: والفخر إسماعيل من أصحابنا، وحكي عن الإمام الشافعي، حكاه الأبياري عن الشافعي والمعتزلة أن دلالته قطعية، وروي عن الحنفية. قال ابن عقيل في ' الواضح ': إذا تعارضت دلالة العام والخاص في شيء واحد تساويا. انتهى.
تنبيه: قوله: ﴿بلا قرينة﴾ يقتضي كل فرد: كالعمومات التي يقطع بعمومها ولا يدخلها تخصيص، كقوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٩]، (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٨٤]، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: ٦]، ونحوه. وإن اقترن به ما يدل على أن المحل غير قابل للتعميم فهو كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد منه، كقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الحشر: ٢٠] ذكره ابن العراقي. تنبيه آخر: قد علم مما قررناه أن لفظ العام له دلالتان دلالة على المعنى الذي اشتركت فيه أفراده، وهي التي بينا أن الحكم فيها على الكلي وليس للعام بها اختصاص فإنها تتعلق بالكلي سواء كان فيه عموم أو لا، ودلالته على كل فرد من أفراده من خصوص، وهي التي لها خصوصية بالعام، ويعبر عنها بالكلية، أما الأولى فقطعية بلا شك، وهو محل وفاق. ومعنى القطع فيه دلالة النصوصية، أي: هو نص بالقطع فيه من هذه الحيثية، فيكون كدلالة الخاص. والدلالة الثانية محل خلاف والأكثر على أنها ظنية كما تقدم).
والراجح عندي أن دلالة العام على أفراده بلا قرينة ظنية، وعلى كلا الاحتمالين يمتنع وقوع التعارض الحقيقي بين العامين لما سبق وأن قدمنا من أنه يمتنع وقوع التعارض بين الدليلين الظنيين كالقطعيين.
قال الشيخ: (القسم الأول: أن يكون بين دليلين عامين وله أربع حالات:
١ - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع.
٢ - فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول ٣ - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
стр. 555
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف).
تتمات:
هل مطلق التعارض ينافي الترجيح:
أعلم أن التعارض الحقيقي بين الأدلة ينافي الجمع والترجيح والنسخ بين الأدلة، فالتعارض الحقيقي الذي توارد فيه الدليلان المتساويان في القوة والثبوت بالسلب والإيجاب على محل واحد في زمن واحد وجهة واحدة ينافي طرق التوفيق بين الدليلين. وأما التعارض الظاهري فلا ينافي الجمع ولا الترجيح ولا النسخ.
سبق وأن ذكرت قول الخلال: (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان ليس مع أحدهما ترجيح يقدم، فأحد المتعارضين باطل إما لكذب الناقل، أو خطأ بوجه ما من النقليات، أو خطأ الناظر في النظريات، أو لبطلان حكمه بالنسخ).
وقال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٤١٧) بعد أن ذكر شروط التعارض: (وهذه الشروط التي يذكرها بعضُ الأصوليين لو تحقّقت لانسدَّ بابُ الترجيح، وامتنع الجمعُ بين الدليلين، وامتنع القولُ بالنسخ؛ لأن الدليلين إذا تساويا في الثبوت والقوَّة لا يُمكنُ الترجيحُ بينهما، وإذا اتّحدا في المحلّ والزمان والجهة لا يُمكنُ الجمعُ بينهما، ولا القولُ بنسخ أحدهما بالآخَر).
أيهما يقدم النسخ أم الجمع:
ما ذهب إليه الشيخ هو مذهب الجمهور، وخالف الأحناف فقدموا النسخ على الجمع.
قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/٢٥١): (إذا تعارض عمومان فأمكن الجمع بينهما بأن يكون أحدهما أخص من الآخر فيقدم الخاص أو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل الصحيح والآخر غير ممكن تأويله فيجب التأويل في المؤول ويكون الآخر دليلا على المراد منه جمعا بين الحديثين إذ هو أولى من إلغائهما وإن تعذر الجمع بينهما لتساويهما ولكونهما متناقضين كما لو قال من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه فلا بد أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما).
قال ابن أمير الحاج في "التقرير والتحبير" (٣/ ٤): (حكمه أي التعارض صورة
стр. 556
النسخ إن علم المتأخر فيكون ناسخا للمتقدم وإلا إذا لم يعلم المتأخر فالحكم الترجيح لأحدهما على الآخر بطريقه إن أمكن ثم الجمع بينهما إن أمكن إذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر لأن إعمال كليهما في الجملة حينئذ أولى من إلغاء كليهما بالكلية وإلا إذا لم يعلم المتقدم ولم يمكن ترجيح أحدهما ولا الجمع بينهما تركا أي المتعارضان إلى ما دونهما من الأدلة).
والأولى أن يقدم الجمع على الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وأما الخلاف في تقديم النسخ على الجمع أو العكس فهو من وجهة نظري خلاف لفظي، فإنه إن صحت شروط النسخ (١) لم يمكن الجمع، وإن أمكن الجمع فلا يتحقق النسخ.
قال المرداوي في " التحبير" (٦/ ٢٩٨٣): (قوله: ﴿لا نسخ مع إمكان الجمع﴾؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منسوخ إذا تعذر علينا الجمع بينهما، فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بمقبول فلا نسخ. قال المجد في ' المسودة ' وغيره: لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا).
قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص/٢٣): (الشروط المعتبرة في ثبوت النسخ خمسة: الشرط الأول أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضا بحيث لا يمكن العمل بهما جميعا فإن كان ممكنا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر ... ).
ماذا يفعل المجتهد إن لم يمكنه الجمع أو الترجيح، ولم يعلم الناسخ:
إذا وجد المجتهد دليلان متعارضان فإنه يجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع والتوفيق بين الأدلة، فإن تعذر عليه ذلك - ولم يكن أحدهما منسوخا، فإنه يتوقف عن الاستدلال بأيهما لحين ظهور وجه الجمع بينهما، أو الترجيح لأحدهما على الآخر، وإنما قلنا بالتوقف لأن الحق واحد لا يتعدد، ولم نقل بالتخيير بين أيهما لأن هذا يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما.
стр. 557
قال الشيخ الجيزاني في "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة " (ص / ٢٧٢): (ولعل الصواب هو التوقف في هذين الدليلين، والبحث عن دليل جديد. وهذا يوافق منهج السلف فإنهم كانوا يطلبون الدليل في القرآن، فإن لم يجدوه في القرآن طلبوه في السنة، فإن لم يجدوه في السنة طلبوه في الإجماع، وهكذا .... ).
وقال الشيخ عياض في "أصوله" (ص/٤١٨): (وإذا تحقّقت الشروطُ السابقةُ في الدليلين المتعارضين، فما موقفُ المجتهد؟
اختلف العلماءُ في ذلك:
فذهب بعضهم إلى التخيير، بأنْ يكونَ المكلَّفُ مخيَّراً بين العمل بهذا الدليل أو ذاك، ونُسب للشافعي، واختاره القاضي الباقلانيّ والغزاليّ.
وهذا يُناسبُ القائلين: إن كلَّ مجتهدٍ في الظنيات مصيبٌ، وأن الحقَّ عند الله يُمكنُ أنْ يتعدّدَ. ولا يُناسبَ المُخطِّئةَ.
وذهب بعضُهم إلى التوقُّف، وهو يُناسبُ القولَ بتخطئة بعض المجتهدين، وأن المصيبَ واحدٌ.
وذهب بعضهم إلى أن على المجتهد أنْ يأخذَ بالأشدِّ؛ لأن الحقَّ شديدٌ.
وذهب آخرون إلى أن عليه أنْ يأخذَ بالأيسر؛ لقوله ﷺ : «يَسِّروا، ولا تُعَسِّروا» (متفق عليه عن أنس وأبي موسى).
والراجح - إن شاء الله تعالى - أنْ يُقال: هذا قد يكونُ في حقّ بعض المجتهدين دون بعضٍ؛ ولذا فإن المجتهدَ إذا لم يتّضحْ له رجحانُ أحد المتعارضَينِ يلزمُه أنْ يتوقّفَ ويبحثَ عن دليلٍ آخَرَ، يُؤيِّدُ هذا الدليلَ أو ذاك ... ).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٦١٧): (إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما، لزمه التوقف، وهو قول أكثر الحنفية والشافعية، وقال بعض الفئتين»: «يخير بالأخذ بأيهما شاء».
قلت: ذكر الغزالي بناء ذلك على التعيين والتصويب، فمن قال: المصيب واحد؛ قال: لا تعارض في أدلة الشرع من غير ترجيح، وإنما هذا لعجز المجتهد، فيلزمه التوقف، أو الأخذ بالاحتياط، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح. أما المصوبة، فقال بعضهم: يتوقف، وقال القاضي منهم: يتخير.
стр. 558
قوله: «لنا:» إلى آخره. هذه حجة التوقف. وتقريرها: أن الدليلين إذا تعارضا، فإما أن يعملهما، أي: يعمل بهما جميعا، أو يعمل أحدهما. والأول يوجب الجمع بين النقيضين؛ النفي والإثبات، والتحليل والتحريم، وهو باطل، والثاني ترجيح بلا مرجح، وهو تحكم، «فتعين التوقف على ظهور المرجح».
ويرد على هذا الدليل أن القسمة فيه غير حاصرة، إذ بقي قسمان آخران:
أحدهما: إهمال الدليلين، والرجوع إلى ما قبل الشرع.
والثاني: التخيير بينهما، وهو مدعى الخصم، والقسمان لم يتعرض فيه لهما.
قوله: «قالوا:»، إلى آخره. هذه حجة أصحاب التخيير، وهي من وجهين:
أحدهما: أن التوقف إما أن يكون لا إلى غاية، أو إلى غاية، والأول باطل، لأن «التوقف لا إلى غاية تعطيل» للواقعة عن حكم، وربما لم يكن الحكم قابلا للتأخير، والثاني أيضا باطل، لأن غاية التوقف إما مجهولة أو معلومة، والأول ممتنع، لأنه يوقع الجهالة في أحكام الشرع، وليس شأنها ذلك، والثاني باطل أيضا، لأن ظهور المرجح ليس إلى المجتهد، فلا يصح أن تكون غاية التوقف معلومة، وإذا انتفى التوقف إلى غاية أو إلى غير غاية؛ تعين التخيير، وهو أن يعمل بأي الدليلين شاء.
الوجه الثاني: أن الشرع قد ورد بالتخيير، فينبغي أن لا يكون ممتنعا ههنا.
أما ورود الشرع به، ففي صور:
منها: أن المزكي إذا كان عنده مائتان من الإبل، خير بين أن يخرج عنها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ على حساب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. فقد وجد مقتضى إخراج الحقاق وبنات اللبون.
ومنها: أن العامي إذا أفتاه مجتهدان، يخير بين قوليهما، أو إذا وجد مجتهدين يخير بين استفتاء أيهما شاء.
ومنها: أن المصلي عند الكعبة يتخير في استقبال أي جدرانها شاء.
ومنها: في خصال الكفارة يتخير بين العتق والإطعام والصيام. ونحو هذه الصور من صور التخيير واقع في الشرع.
وأما أنه ينبغي أن لا يمتنع التخيير ههنا، فلأنها صور شرعية، فجاز التخيير فيها كسائر صور الشرع التخييرية.
стр. 559
قوله: «قلنا:»، إلى آخره. هذا جواب عن الوجه الأول.
وتقريره: أنا لا نسلم أنه إذا امتنع التوقف تعين التخيير، بل «يتوقف حتى يظهر» له «المرجح، ولا استحالة» في ذلك، «كما يتوقف إذا لم يجد دليلا ابتداء» حتى يجد دليلا، كما يتوقف عند تعارض البينتين على المرجح.
أما «التخيير» فإنه «رافع لحكم كل» واحد من «الدليلين»، فلا يجوز، إذ حكم أحدهما الإثبات المعين، وحكم الآخر النفي المعين، والتخيير رافع لكل منهما، كالجمع بينهما لو تصور، وحيث يتصور.
قلت: وحاصل هذا الجواب التزام التوقف إلى غاية مجهولة، لأنه معنى التوقف إلى ظهور المرجح.
قوله: «والتخيير في الصور المذكورة». هذا جواب الوجه الثاني، وهو أن «التخيير في الصور المذكورة قام دليله» شرعا، والتخيير في محل النزاع لم
يقم دليله شرعا، فلا يصح إلحاقه به، والله تعالى أعلم بالصواب) (١).
القسم الثاني:
قال الشيخ: "القسم الثاني: أن يكون التعارض بين خاصين فله أربع حالات أيضاً.
١ - أن يمكن الجمع بينهما فيجب الجمع.
٢ - فإن لم يمكن الجمع فالثاني ناسخ إن علم التاريخ.
٣ - فإن لم يمكن عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
٤ - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف ".
وما قيل على القسم الأول ينطبق على هذا القسم.
ولا داعي للتطويل بمناقشة الأمثلة التي ذكرها الشيخ ﵀ فوجوه الجمع، أو الترجيح بينها معروفة.
القسم الثالث:
قال الشيخ ﵀: (القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص
стр. 560
فيخصص العام بالخاص).
ومثل له الشيخ في "الأصل" (ص/٧٩) بقوله: (مثاله: قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق).
والكلام واضح وقد سبق الكلام على التخصيص والخلاف بين الجمهور والأحناف فيه فراجعه.
القسم الرابع:
قال الشيخ ﵀: (القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فله ثلاث حالات:
١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
٢ - وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
٣ - وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها).
وضابطُ الأعمِّ والأخصِّ من وجهٍ:
قال القرافي في "شرح تنقيح الفصول": (وقوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) [النساء: ٢٣] يتناول المملوكتين والحُرَّتين، وقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣] يتناول الأختين والأجنبيتين، وضابطُ الأعمِّ والأخصِّ من وجهٍ: أن يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، وقد وجد الأول في الأختين الحرتين بدون المِلْك، ووجد الثاني في المملوكات الأجنبيات بدون الأُخُوَّة، واجتمعا معاً في الأختين المملوكتين، فكلٌّ منهما حينئذ أعم من الآخر من وجهٍ وأخص من وجهٍ، فلا رجحان لأحدهما على الآخر من هذا الوجه ... ).
قال المرداوي في " التحبير": (١/ ٤٢): (شأن العموم والخصوص من وجه أن يجتمعا في صورة، وينفرد كل واحد منهما في صورة، فيجتمع الحمد والشكر في الثناء باللسان، وينفرد الحمد بالثناء على الصفات الحميدة من غيره، وينفرد الشكر بالثناء بالجنان والأركان).
стр. 561
موقف المجتهد لإزالة هذا التعارض:
ومحصل ما ذكر في المذهب أنه يصار عن تعارضهما إلى الترجيح بينهما أو إلى دليل آخر كما قال المجد في المسودة (ص/١٢٥) (١).
قال الشيخ: (القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه. فله ثلاث حالات:
١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
مثاله: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] فالأولى خاصة في المتوفى عنها عامة في الحامل وغيرها. والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفى عنها، وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية، وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج، وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها).
وهذا المثال الذي ذكره فيه نظر لوجوه منها:
١ - أن آية البقرة ليس فيها عموم وإنما هي خاصة بعدة الوفاة، وقوله: (أَزْوَاجاً) إنما هي نكرة في سياق الإثبات فليست من صيغ العموم، وإنما هي مطلقة.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ١٥٠): (جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها، وعليه فلا عموم في آية البقرة ; لأن قوله: (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً) جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله: وأولات الأحمال، فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم).
٢ - على فرض أن هاتين الآيتين بينهما عموم وخصوص وجهي فما سلكه الشيخ من تخصيص لآية البقرة بآية الطلاق إنما هو في حقيقته ترجيحا بمرجح خارجي؛ لأنه ليس تقديم خصوص أحدهما على عموم الآخر بأولى من العكس، فالشيخ رجح
стр. 562
تقديم خصوص آية الطلاق على عموم آية البقرة دون العكس لدليل من الخارج، وهو حديث سبيعة ﵂.
قال الإسنوي في "التمهيد" (١/ ٥٠٧): (إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه وهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في صورة كالحيوان والأبيض فيطلب الترجيح بينهما لأنه ليس تقديم خصوص أحدهما على عموم الآخر بأولى من العكس فإن الخصوص يقتضي الرجحان وقد ثبت ههنا لكل واحد منهما خصوص بالنسبة إلى الآخر فيكون لكل منهما رجحان على الآخر).
وقد بين القرطبي وجه الجمع بين الآيتين فقال في تفسير آية البقرة (٣/ ١٤٧): عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين، واختاره سحنون من علمائنا. وقد روى عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روى عن على وابن عباس روم الجمع بن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) وبين قوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج، أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين).
٢ - قال الشيخ في "الأصل" (ص / ٨٠):) وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وقوله: (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس).
وقال في "الشرح الممتع" (٤/ ١٢٤) تعليقا على قول الحجاوي: (وَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ
стр. 563
بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ): (قوله: «ويحرم تطوع بغيرها» أي: بغير المتقدِّمات مِن إعادة الجَماعةِ، وركعتي الطَّواف، وكذلك تحيَّة المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ، وسُنَّة الظُّهر البعديَّة لمَن جمعَها مع العصرِ وسُنَّة الفجر قبلها.
قوله: «حتى ما له سبب» أي: لا يجوزُ التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سببٌ.
وذلك لعموم الأدلَّةِ؛ في أنَّه لا صلاةَ في هذه الأوقات، فعمُوم النَّهي مقدَّمٌ على عموم الأمر؛ لأنَّ الذي له سببٌ تعارَضَ مع أحاديثِ النَّهي حيث كان كلٌّ منهما عاماً مِن وجهٍ، خاصاً مِن وجهٍ. مثال ذلك: تحية المسجد، فيها قوله ﷺ : (إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يركعَ ركعتين) ففيه عمومٌ في الوقت مستفادٌ مِن قوله: (إذا دَخَلَ)؛ لأنَّ (إذا) شرطيَّةٌ ظرفيةٌ، أي: في أيِّ وَقْتٍ دَخَلَ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّيَ ركعتين، وفيه خُصوصٌ في الصَّلاةِ، وهو أنَّ هذه الصلاةَ المأمورَ بها على سبيل العُمومِ صلاةٌ مخصوصةٌ، وهي تحيَّةُ المسجدِ، ففيه عمومٌ وفيه خصوصٌ. وقوله: (لا صَلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشَّمسُ) فيه عمومٌ، وفيه خصوصٌ.
فيه عمومٌ في الصَّلاةِ في قوله: (لا صَلاَةَ) لا تحيَّةَ مسجدٍ ولا غيرَها، وفيه خُصوصٌ في الوقت (بعدَ العصرِ) فصار عمومُ الوقت في قوله: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ). وخصوصُ الوقت في قوله: (بعدَ العصرِ) وصار عمومُ الصَّلاةِ في قوله: (لا صلاة بعدَ العصرِ) وخصوصُ تحيَّةِ المسجدِ، فلهذا صار بينهما عمومٌ وخصوصٌ، فإذا دَخَلَ إنسانٌ المسجدَ بعدَ العصرِ فإنْ قلتَ له: «صَلِّ» خالفتَ النَّهيَ ووافقتَ الأمرَ، وإن قلت: «لا تصلِّ» وافقتَ النَّهيَ وخالفتَ الأمْر، فالمؤلِّفُ يقول: وافق النَّهي فلا تُصَلِّ.
والحجةُ في ذلك: أنه اجتمعَ مُبيحٌ وحاظرٌ، أو اجتمعَ أمْرٌ ونهيٌ، فالاحتياطُ التجنُّبُ خوفاً مِن الوقوع في النَّهي، كما قالوا: إذا اجتمعَ مبيحٌ وحاظرٌ قُدِّمَ الحاظرُ، فلذلك نمتنعُ ونقتصرُ على ما وَرَدَ به النَّصُّ مِن إعادةِ الجَمَاعةِ وركعتي الطَّواف وما أشبههما.
стр. 564
وذهبَ بعضُ أهلِ العِلْم: إلى ترجيحِ الأمرِ الخاصِّ.
وعلّلوا ذلك: بأنَّه تعارضَ عامَّان وخاصَّان، والعامُّ في النَّهي مخصوصٌ بمسائلٍ متفقٍ عليها.
فالعامُّ في النَّهي: (لا صلاةَ بعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ) مخصوصٌ بمسائلٍ متَّفقٍ عليها، وهي قضاءُ الفرائضِ، وإعادةُ الجماعةِ، وفِعْلُ ركعتي الطَّوافِ، وركعتي تحيَّةِ المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ يومَ الجُمُعةِ، فلمَّا كان هذا العمومُ مخصوصاً بمسائلَ؛ صارت دلالتُه على العمومِ ضعيفةً؛ لأنَّه لما اسْتُثنيَ منه أشياءٌ، ضعف عمومُه. حتى إنَّ بعضَ العلماءِ مِن الأصوليين قال: إنَّ العامَّ إذا خُصَّ بطلت دلالتُه على العموم نهائيًّا؛ لأنَّ تخصيصَه يدلُّ على عدمِ إرادةِ العموم. وإذا بطلَ عمومُه لم يكن معارضاً للأحاديثِ الدَّالةِ على فِعْلِ الصَّلواتِ التي لها سببٌ.
والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ لِما يأتي:
أولاً: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ.
ثانياً: أنْ يُقال: ما الفرقُ بين العمومِ في قوله: (مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها). وقوله: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين)؟.
فإذا قلتم: إنَّ قولَه: (مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها) عامُّ في الوقت فليَكُن قولُه: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ) عامًّا في الوقتِ أيضاً ولا فَرْقَ. فإنَّ قولَه: (مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها) خاصٌّ في الصلاةِ عامٌّ في الوقتِ.
وكذلك (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين) خاصٌّ في الصَّلاة عامٌّ في الوقتِ، فكيف تأخذون بعموم: (مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها) وتقولون: إنَّه مخصِّصٌ لعموم: (لا صَلاةَ بعدَ الصُّبح) أو (بعدَ العصرِ) ولا تأخذون بعمومِ: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلَسْ حتى يصلِّي ركعتين).
ثالثاً: أنَّها مقرونة بسبب، فيبعد أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين؛ لأنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غروبِها، لئلا يَتَشَبَّهَ المُصلِّي المسلمُ
стр. 565
بالمشركين الذين يسجدونَ للشَّمسِ إذا طلعتْ وإذا غربتْ، فإذا أُحيلت الصَّلاةُ على سببٍ معلومٍ كانت المشابهةُ بعيدةً أو معدومةً.
رابعاً: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: (لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها) والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ. بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ.
والمتحرِّي: هو الذي يَرْقبُ الشمسَ، فإذا قاربتِ الطُّلوعَ مثلاً قامَ وصَلَّى، أو الذي يرقبُ وَقْتَ النَّهي، فإذا جاءَ وَقْتُ النَّهي قامَ وصَلَّى. وهذا مذهبُ الشافعي وإحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمدَ ﵀، واختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وشيخِنا عبدِ الرَّحمن بنِ سعدي، وشيخِنا عبدِ العزيزِ بنِ باز.
وعلى هذا؛ إذا دخلتَ المسجدَ لصلاةِ المغربِ قبلَ الغُروبِ بربع ساعة مثلاً؛ تُصلِّي ولا حَرَج، بل لو جلستَ لكنت واقعاً في نَهْيِ الرَّسولِ ﷺ عن الجلوسِ لمَن دَخَلَ المسجدَ حتى يُصلِّيَ ركعتين ... ).
٣ - قال الشيخ: (وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها).
ولا يوجد له مثال، وقد سبق الكلام على هذه الحالة.
الترتيب بين الأدلة:
قال الشيخ: (إذا اتفقت الأدلة السابقة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) على حكم أو انفرد أحدها من غير معارض وجب إثباته، وإن تعارضت وأمكن الجمع وجب الجمع وإن لم يكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه. وإن لم يمكن النسخ وجب الترجيح).
مسألة - لا قياس مع النص:
ذكر الشيخ هنا أنه يمكن أن تتفق الأدلة الأربعة على حكم شرعي، ومثل له في "الشرح" بالبيع فذكر أدلة الكتاب والسنة والإجماع على جوازه قال (ص/٥٨٧): (وكذلك مما يدل على جواز البيع "القياس": ومعناه النظر الصحيح- وذلك أن الحاجة داعية إلى جواز البيع. فأنا مثلا أحتاج إلى شيء معك وأنت تحتاج إلى شيء معي، فلا بد من المبايعة، ولولا المبايعة لأخذته منك بالقوة وأخذته مني بالقوة، وحينئذٍ