موقف المجتهد لإزالة هذا التعارض:
ومحصل ما ذكر في المذهب أنه يصار عن تعارضهما إلى الترجيح بينهما أو إلى دليل آخر كما قال المجد في المسودة (ص/١٢٥) (١).
قال الشيخ: (القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه. فله ثلاث حالات:
١ - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
مثاله: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤] فالأولى خاصة في المتوفى عنها عامة في الحامل وغيرها. والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفى عنها، وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية، وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج، وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها).
وهذا المثال الذي ذكره فيه نظر لوجوه منها:
١ - أن آية البقرة ليس فيها عموم وإنما هي خاصة بعدة الوفاة، وقوله: (أَزْوَاجاً) إنما هي نكرة في سياق الإثبات فليست من صيغ العموم، وإنما هي مطلقة.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ١٥٠): (جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها، وعليه فلا عموم في آية البقرة ; لأن قوله: (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً) جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله: وأولات الأحمال، فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم).
٢ - على فرض أن هاتين الآيتين بينهما عموم وخصوص وجهي فما سلكه الشيخ من تخصيص لآية البقرة بآية الطلاق إنما هو في حقيقته ترجيحا بمرجح خارجي؛ لأنه ليس تقديم خصوص أحدهما على عموم الآخر بأولى من العكس، فالشيخ رجح
стр. 562
تقديم خصوص آية الطلاق على عموم آية البقرة دون العكس لدليل من الخارج، وهو حديث سبيعة ﵂.
قال الإسنوي في "التمهيد" (١/ ٥٠٧): (إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه وهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في صورة كالحيوان والأبيض فيطلب الترجيح بينهما لأنه ليس تقديم خصوص أحدهما على عموم الآخر بأولى من العكس فإن الخصوص يقتضي الرجحان وقد ثبت ههنا لكل واحد منهما خصوص بالنسبة إلى الآخر فيكون لكل منهما رجحان على الآخر).
وقد بين القرطبي وجه الجمع بين الآيتين فقال في تفسير آية البقرة (٣/ ١٤٧): عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين، واختاره سحنون من علمائنا. وقد روى عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روى عن على وابن عباس روم الجمع بن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) وبين قوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج، أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين).
٢ - قال الشيخ في "الأصل" (ص / ٨٠):) وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
مثال ذلك: قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) وقوله: (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس).
وقال في "الشرح الممتع" (٤/ ١٢٤) تعليقا على قول الحجاوي: (وَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ
стр. 563
بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ): (قوله: «ويحرم تطوع بغيرها» أي: بغير المتقدِّمات مِن إعادة الجَماعةِ، وركعتي الطَّواف، وكذلك تحيَّة المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ، وسُنَّة الظُّهر البعديَّة لمَن جمعَها مع العصرِ وسُنَّة الفجر قبلها.
قوله: «حتى ما له سبب» أي: لا يجوزُ التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سببٌ.
وذلك لعموم الأدلَّةِ؛ في أنَّه لا صلاةَ في هذه الأوقات، فعمُوم النَّهي مقدَّمٌ على عموم الأمر؛ لأنَّ الذي له سببٌ تعارَضَ مع أحاديثِ النَّهي حيث كان كلٌّ منهما عاماً مِن وجهٍ، خاصاً مِن وجهٍ. مثال ذلك: تحية المسجد، فيها قوله ﷺ : (إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يركعَ ركعتين) ففيه عمومٌ في الوقت مستفادٌ مِن قوله: (إذا دَخَلَ)؛ لأنَّ (إذا) شرطيَّةٌ ظرفيةٌ، أي: في أيِّ وَقْتٍ دَخَلَ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّيَ ركعتين، وفيه خُصوصٌ في الصَّلاةِ، وهو أنَّ هذه الصلاةَ المأمورَ بها على سبيل العُمومِ صلاةٌ مخصوصةٌ، وهي تحيَّةُ المسجدِ، ففيه عمومٌ وفيه خصوصٌ. وقوله: (لا صَلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشَّمسُ) فيه عمومٌ، وفيه خصوصٌ.
فيه عمومٌ في الصَّلاةِ في قوله: (لا صَلاَةَ) لا تحيَّةَ مسجدٍ ولا غيرَها، وفيه خُصوصٌ في الوقت (بعدَ العصرِ) فصار عمومُ الوقت في قوله: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ). وخصوصُ الوقت في قوله: (بعدَ العصرِ) وصار عمومُ الصَّلاةِ في قوله: (لا صلاة بعدَ العصرِ) وخصوصُ تحيَّةِ المسجدِ، فلهذا صار بينهما عمومٌ وخصوصٌ، فإذا دَخَلَ إنسانٌ المسجدَ بعدَ العصرِ فإنْ قلتَ له: «صَلِّ» خالفتَ النَّهيَ ووافقتَ الأمرَ، وإن قلت: «لا تصلِّ» وافقتَ النَّهيَ وخالفتَ الأمْر، فالمؤلِّفُ يقول: وافق النَّهي فلا تُصَلِّ.
والحجةُ في ذلك: أنه اجتمعَ مُبيحٌ وحاظرٌ، أو اجتمعَ أمْرٌ ونهيٌ، فالاحتياطُ التجنُّبُ خوفاً مِن الوقوع في النَّهي، كما قالوا: إذا اجتمعَ مبيحٌ وحاظرٌ قُدِّمَ الحاظرُ، فلذلك نمتنعُ ونقتصرُ على ما وَرَدَ به النَّصُّ مِن إعادةِ الجَمَاعةِ وركعتي الطَّواف وما أشبههما.
стр. 564
وذهبَ بعضُ أهلِ العِلْم: إلى ترجيحِ الأمرِ الخاصِّ.
وعلّلوا ذلك: بأنَّه تعارضَ عامَّان وخاصَّان، والعامُّ في النَّهي مخصوصٌ بمسائلٍ متفقٍ عليها.
فالعامُّ في النَّهي: (لا صلاةَ بعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ) مخصوصٌ بمسائلٍ متَّفقٍ عليها، وهي قضاءُ الفرائضِ، وإعادةُ الجماعةِ، وفِعْلُ ركعتي الطَّوافِ، وركعتي تحيَّةِ المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ يومَ الجُمُعةِ، فلمَّا كان هذا العمومُ مخصوصاً بمسائلَ؛ صارت دلالتُه على العمومِ ضعيفةً؛ لأنَّه لما اسْتُثنيَ منه أشياءٌ، ضعف عمومُه. حتى إنَّ بعضَ العلماءِ مِن الأصوليين قال: إنَّ العامَّ إذا خُصَّ بطلت دلالتُه على العموم نهائيًّا؛ لأنَّ تخصيصَه يدلُّ على عدمِ إرادةِ العموم. وإذا بطلَ عمومُه لم يكن معارضاً للأحاديثِ الدَّالةِ على فِعْلِ الصَّلواتِ التي لها سببٌ.
والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ لِما يأتي:
أولاً: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ.
ثانياً: أنْ يُقال: ما الفرقُ بين العمومِ في قوله: (مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها). وقوله: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين)؟.
فإذا قلتم: إنَّ قولَه: (مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها) عامُّ في الوقت فليَكُن قولُه: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ) عامًّا في الوقتِ أيضاً ولا فَرْقَ. فإنَّ قولَه: (مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها) خاصٌّ في الصلاةِ عامٌّ في الوقتِ.
وكذلك (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين) خاصٌّ في الصَّلاة عامٌّ في الوقتِ، فكيف تأخذون بعموم: (مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها) وتقولون: إنَّه مخصِّصٌ لعموم: (لا صَلاةَ بعدَ الصُّبح) أو (بعدَ العصرِ) ولا تأخذون بعمومِ: (إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلَسْ حتى يصلِّي ركعتين).
ثالثاً: أنَّها مقرونة بسبب، فيبعد أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين؛ لأنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غروبِها، لئلا يَتَشَبَّهَ المُصلِّي المسلمُ
стр. 565
بالمشركين الذين يسجدونَ للشَّمسِ إذا طلعتْ وإذا غربتْ، فإذا أُحيلت الصَّلاةُ على سببٍ معلومٍ كانت المشابهةُ بعيدةً أو معدومةً.
رابعاً: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: (لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها) والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ. بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ.
والمتحرِّي: هو الذي يَرْقبُ الشمسَ، فإذا قاربتِ الطُّلوعَ مثلاً قامَ وصَلَّى، أو الذي يرقبُ وَقْتَ النَّهي، فإذا جاءَ وَقْتُ النَّهي قامَ وصَلَّى. وهذا مذهبُ الشافعي وإحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمدَ ﵀، واختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وشيخِنا عبدِ الرَّحمن بنِ سعدي، وشيخِنا عبدِ العزيزِ بنِ باز.
وعلى هذا؛ إذا دخلتَ المسجدَ لصلاةِ المغربِ قبلَ الغُروبِ بربع ساعة مثلاً؛ تُصلِّي ولا حَرَج، بل لو جلستَ لكنت واقعاً في نَهْيِ الرَّسولِ ﷺ عن الجلوسِ لمَن دَخَلَ المسجدَ حتى يُصلِّيَ ركعتين ... ).
٣ - قال الشيخ: (وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها).
ولا يوجد له مثال، وقد سبق الكلام على هذه الحالة.
الترتيب بين الأدلة:
قال الشيخ: (إذا اتفقت الأدلة السابقة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) على حكم أو انفرد أحدها من غير معارض وجب إثباته، وإن تعارضت وأمكن الجمع وجب الجمع وإن لم يكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه. وإن لم يمكن النسخ وجب الترجيح).
مسألة - لا قياس مع النص:
ذكر الشيخ هنا أنه يمكن أن تتفق الأدلة الأربعة على حكم شرعي، ومثل له في "الشرح" بالبيع فذكر أدلة الكتاب والسنة والإجماع على جوازه قال (ص/٥٨٧): (وكذلك مما يدل على جواز البيع "القياس": ومعناه النظر الصحيح- وذلك أن الحاجة داعية إلى جواز البيع. فأنا مثلا أحتاج إلى شيء معك وأنت تحتاج إلى شيء معي، فلا بد من المبايعة، ولولا المبايعة لأخذته منك بالقوة وأخذته مني بالقوة، وحينئذٍ
стр. 566
تحصل الفتنة والشر والفساد).
أوافق الشيخ في مقصوده من جواز تعاضد القياس مع الكتاب والسنة والإجماع للدلالة على حكم شرعي، ولكن ما ذكره هنا في المسألة السابقة فليس قياسا بالمعنى الاصطلاحي، وإنما هو دليل من المعقول (١) على شرعيته.
قال قاسم القونوي (٢): (والمعقول وهو أن الحاجة ماسة إلى شرعيته، فإن الناس يحتاجون إلى الأعواض، والسلع والطعام والشراب الذي في أيدي بعضهم، ولا طريق لهم إلا بالبيع والشراء؛ فإن ما جبلت عليه الطباع من الشح والضنة وحب المال يمنعهم من إخراجه من غير عوض، فاحتاجوا إلى المعاوضة، فلهذا كان من الضروري أن يَحِلَّ البيعُ فأحله الله (٣).
إلا أنه لا مانع من تعاضد أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس على حكم شرعي، وإنما الممنوع أن يكون القياس مصادما للنص، وهو ما يسمى فساد الاعتبار كما سبق بيانه.
قال الشيخ النملة في " الجامع لمسائل أصول الفقه": (يشترط في الفرع: أن يكون خالياً عن نص أو إجماع ينافي حكم القياس؛ فإنْ وُجِدَ نص أو إجماع ينافي الحكم الذي أخذناه عن طريق القياس: فلا يصح القياس؛ لأنه لا قياس مع النص.
ثم قال: إذا وجد نص أو إجماع في حكم الفرع موافق للقياس؛ فإنَّا ننظر:
١ - إن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينة هُوَ الذي دل على حكم الأَصْل.
стр. 567
مثل: ما لو جعلنا قوله ﷺ : " كل مسكر حرام " هو الأَصْلُ في تحريم الخمر، فالقياس باطل؛ لأَنَّ نسبة دلالة النص أو الإجماع على حكم الفرع وحكم الأَصْل على السواء، فلا فرق بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلا والأخرى فرعا أولى من العكس.
٢ - وإن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير النص أو الإجماع الدال على حكم الأَصْلُ: فالقياس جائز؛ لأَنَّ ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز؛ لإفادة زيادة الظن).
وجوه الترحيج:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٦١٦): ("و" أما "الترجيح" فهو "تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل" ولا يكون إلا مع وجود التعارض. فحيث انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، لا يقع إلا مرتبا على وجوده).
ثم قال (٤/ ٦٢٧): ("ويكون" الترجيح "بين" دليلين "منقولين" كنصين "و" بين "معقولين" كقياسين "و" بين "منقول ومعقول" كنص، وقياس، فهذه ثلاثة أقسام ...
أما القسم "الأول" وهو الذي بين منقولين، فيكون "في السند والمتن، ومدلول اللفظ وأمر خارج" عما ذكر، فهذه أربعة أنواع. أما وقوعه في السند: فلكونه طريق ثبوته، وأما وقوعه في المتن: فباعتبار مرتبة دلالته، وأما وقوعه في مدلول اللفظ وأمر خارج فلما يترتب على اللفظ، وما ينضم إليه من أمر خارج من أحد الأحكام الخمسة المدلول عليها به.
ثم قال في " المختصر" ما مختصره: (السند يرجح بالأكثر رواة، أو أكثر أدلة، وبالأزيد ثقة، وبفطنة، وورع، وعلم، وضبط ... ومتصل على موقوف، ومنقطع ومتفق على رفعه، أو وصله: على مختلف فيه ... وقوله ﷺ على فعله وهو على تقريره وما لا تعم به البلوى في الآحاد على ما تعم به ...
المتن يرجح منه نهي على أمر وأمر على مبيح ... ومفهوم موافقة على مخالفة ... عام لم يخصص أو قل تخصيصه على عكسه ...
المدلول يرجح على إباحة وكراهة وندب: حظر وعلى إباحة ندب وعليه وجوب، وكراهة وعلى نفي: إثبات وإن استند النفي إلى علم بالعدم فسواء وكذا العلتان وعلى
стр. 568
مقرر ناقل وعلى مثبت حد: دارئه وعلى نافي عتق وطلاق: موجبهما ...
الخارج يرجح بموافقة دليل آخر إلا في أقيسة تعدد أصلها مع خبر، فيقدم عليها فإن تعارض ظاهر قرآن وسنة وأمكن بناء كل واحد منهما على الآخر، أو خبران، مع أحدهما ظاهر قرآن، والآخر ظاهر سنة: قدم ظاهرها ... ).
ثم قال (٤/ ٧٥١): ("وضابط الترجيح" يعني القاعدة الكلية في الترجيح "أنه متى اقترن بأحد" دليلين "متعارضين أمر نقلي" كآية أو خبر "أو" أمر "اصطلاحي" كعرف أو عادة "عام" ذلك الأمر "أو خاص، أو" اقترن بأحد الدليلين "قرينة عقلية، أو" قرينة٤ "لفظية، أو" قرينة "حالية، وأفاد" ذلك الاقتران "زيادة ظن: رجح به" ... "وتفاصيله" أي: تفاصيل الترجيح "لا تنحصر" وذلك: لأن مثارات الظنون التي بها الرجحان والترجيح كثيرة جدا. فحصرها بعيد؛ لأنك إذا اعتبرت الترجيحات في الدلائل من جهة ما يقع في المركبات من نفس الدلائل ومقدماتها، وفي الحدود من جهة ما يقع في نفس الحدود من مفرداتها، ثم ركبت بعضها مع بعض حصل أمور لا تكاد تنحصر).
قال الشيخ: (فيرجح من الكتاب والسنة:
النص على الظاهر.
والظاهر على المؤول.
والمنطوق على المفهوم.
والمثبت على النافي.
والناقل عن الأصل على المبقي عليه.
والعام المحفوظ على غير المحفوظ.
وما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه.
وصاحب القصة على غيره.
ويقدم من الإجماع: القطعي على الظني.
ويقدم من القياس: الجلي على الخفي)
١ - يرجح النص على الظاهر .
اعلم أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهذا هو النص نحو قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. وإما أن يحتمل معنيين فأكثر، فان كان أظهر
стр. 569
في أحدهما فهو الظاهر ومقابله المحتمل المرجوح.
فمثال الظاهر باللغة: الأمر يحتمل الإيجاب ويحتمل الندب والاستحباب إلا أنه في الإيجاب أظهر، ومثل النهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، إلا أنه في التحريم أظهر.
ومثال الظاهر بالعرف: لفظ الغائط، فإنه إن أطلق يراد به عرفا الخارج المخصوص من الإنسان لا المطمئن من الأرض.
ومثال الظاهر بالشرع: الصلاة والصيام فإن الصيام إمساك مخصوص في زمن مخصوص.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٣/ ٦٩٨ (: (الترجيح اللفظي من جهة المتن - " فمبناه "، أي: هو مبني على " تفاوت دلالات العبارات في أنفسها، فيرجح الأدل منها فالأدل "، أي: إن العبارات تتفاوت في الدلالة على المعاني بالقوة والضعف، والبيان والإجمال، والإيضاح والإشكال، فما كان منها أقوى دلالة، قدم على غيره. وهذه قاعدة هذا القسم، " فالنص مقدم على الظاهر "، لأن النص أدل، لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالا مرجوحا، لكنه يصلح أن يكون مرادا بدليل).
وعليه فدلالة النص أقوى من دلالة الظاهر على المعنى المراد فيقدم عليه.
٢ - يرجح الظاهر على المؤول .
سبق وأن ذكرنا أن تعرف المؤول الصحيح (ما حمل على المعنى المرجوح بدليل يصيره راجحا).
كتأويل قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
وكما تأولنا قوله ﷺ (الجار أحق بصقبه) والصقب: القرب والمجاورة بالجار المخالط لحديث: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).
وعليه فيقدم الظاهر على المؤول؛ لأن الظاهر دلالته على المعنى جلية بخلاف المؤول فدلالته على المعنى خفية.
стр. 570
٣ - يرجح المنطوق على المفهوم .
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٩٠): ("المنطوق " ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق.
و"المفهوم ": ما دلَّ عليه اللفظ لا في محل النطق. فهذا هو الفرق بينهما).
واعلم أن المفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، ومفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق أو مساو فكيف يتقدم عليه.
قال الشنقيطي في " المذكرة" (ص / ٨٩): (وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساوياً له).
فمثال الأولوي: ما يفهم من اللفظ بطريق القطع؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب؛ لأنه أشد.
ومثال المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] فالإحراق مساو للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين.
وعليه فلابد من تقييد هذه القاعدة بكون المفهوم مفهوم مخالفة فتصير: (يقدم المنطوق على مفهوم المخالفة).
وقد مثل له الشيخ في "الشرح" (ص/٥٩٠) بترجيح منطوق حديث أبي سعيد ﵁: (الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسْه شيءٌ) على مفهوم حديث القُلَّتين ولفظه عن ابن عمر ﵄ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) فإنه يُؤخذُ منه - بطريق مفهوم المخالَفة - أن ما نقص عن القُلَّتين يتنجّسُ بملاقاة النجاسة، وإنْ لم يتغيّرْ، ومنطوقُ الأول يدلُّ على عدم تنجُّسِه إذا لم يتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه.
تنبيه:
ذهب الشيخ أحمد الحازمي في شرحه للأصول من علم الأصول إلى تقييد هذه القاعدة بأن يكون كلا من المنطوق والمفهوم خاصين، فإن كان المنطوق عاما،
стр. 571
والمفهوم خاصا - قال: كما هنا - فيبنى العام على الخاص ويكون الراجح أن نحمل حديث أبي سعيد على أنه إذا وقعت النجاسة في ماء ولم تغيره على ما زاد على القلتين، وأما حديث ابن عمر فهو باق على أصله وأن ماء دون القلتين ينجس بمجرد الملاقاة.
بداية - هذا القيد الذي ذكره الشيخ الحازمي لا يلزم الشيخ لأنه من باب الجمع، والشيخ ذكر أنه يلجا لتقديم المنطوق على المفهوم إذا تعذر الجمع، فقال: (قال الشيخ: (إذا اتفقت الأدلة السابقة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) على حكم أو انفرد أحدها من غير معارض وجب إثباته، وإن تعارضت وأمكن الجمع وجب الجمع وإن لم يكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه. وإن لم يمكن النسخ وجب الترجيح) فكأنه ذكر هذا القيد ضمنيا، وأن مسألته فيما إذا تعذر الجمع بينهما.
كما أنه يشكل على ترجيح الشيخ أحمد الحازمي أمران:
الأول - أن هذا المفهوم غير معتبر كما قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٣١/ ١٠٦): (قوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) مع قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فمن قال أن المفهوم حجة يخص به العموم خص عموم قوله (الماء طهور لا ينجسه شيء) بمفهوم (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) مع أن مفهوم العدد أضعف من مفهوم الصفة وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما ومن امتنع من ذلك قال قوله (الماء طهور) عام وقوله (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) هو بعض ذلك العام وهو موافق له في حكمه فلا تترك دلالة العموم لهذا).
وقال في " الفتاوى الكبرى" (٢/ ٤١٣): (في حديث القلتين: أنه سئل عن الماء يكون بأرض فلاة وما ينويه من الدواب والسباع فقال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) وفي لفظ: (لم ينجسه شيء)، وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت مخالف الحكم في المنطوق بوجه من الوجوه ليظهر فائدة التخصيص بالمقدار، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق، وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، بل إذا قيل بالمخالفة
стр. 572
في بعض الصور حصل المقصود (١). وأيضا فإن النبي ﷺ لم يذكر هذا التقدير ابتداء، وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب، والتخصص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة باتفاق كقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) [الأنعام: ١٥١] فإنه خص هذه الصورة بالنهي لأنها هي الواقعة لا لأن التحريم يختص بها، وكذلك قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣] فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة، مع أنه قد ثبت سائل أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: إذا بلغ الماء قلتين، في جواب سائل معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان حال المسؤول عنه كثيرا قد بلغ قلتين، ومن شأن الكثير أنه لا يحمل الخبث فلا يبقى الخبث فيه محمولا، بل يستحيل الخبث فيه لكثرته، بين لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه فلا ينجس، ودل كلامه ﷺ على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا فحيث كان الخبث محمولا موجودا في الماء كان نجسا، وحيث كان الخبث مستهلكا غير محمول في الماء كان باقيا على طهارته، فصار حديث القلتين موافقا (٢) لقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، والتقدير فيه لبيان صورة السؤال، لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، فإن هذا مخالف للنص، إذ ما دون القلتين قد لا يحمل الخبث ولا ينجسه شيء كقوله: (الماء الطهور لا ينجسه شيء)، وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين، وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه).
الثاني - حد التفريق بين القليل والكثير غير منضبط، وقد اختلف العلماء في تحديد مقدار القلتين اختلافا كثيرا.
стр. 573
٤ - يرجح المثبت على النافي (١).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٧٠٠): (قوله: " والمثبت "، أي: ويقدم الخبر المثبت " على النافي "، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال ﵁ صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها؛ لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها.
قوله: " إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم العلم، فيستويان " يعني أن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله ﷺ صلى بالبيت، ولم أعلم أن فلانا قتل فلانا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت للصلاة، وقتل فلان مقدما لما سبق. وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم، كقول الراوي: اعلم أن رسول الله ﷺ لم يصل بالبيت، لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه، أو قال أخبرني رسول الله ﷺ أنه لم يصل فيه، أو قال: اعلم أن فلانا لم يقتل زيدا، لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل، لاستناده إلى مدرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج. وكذلك كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي، لا إلى نفي العلم، فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها، إذ هما في الحقيقة مثبتتان، لأن إحداهما تثبت المشهود به، والأخرى تثبت العلم بعدمه).
قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٨٦): (يرجح المثبت على النافي عند أحمد، والشافعي، وأصحابهما، وغيرهم، وجزم به القاضي في ' العدة '، وابن عقيل في ' الواضح '، وأبو الخطاب في ' التمهيد '، والموفق في ' الروضة '، وغيرهم من الأصحاب، وغيرهم. قال البرماوي: يرجح عند الفقهاء، كدخوله البيت، قال بلال: ' صلى فيه '، وقال أسامة: ' لم يصل '، وكذا ابن عباس، فأخذ بقول بلال وسن
стр. 574
الصلاة في البيت المشرف. وقال القاضي أبو يعلى في ' الكفاية '، وأبو الحسين: هما سواء، فلا يرجح أحدهما على الآخر. قال ابن مفلح: ' والمراد ما قاله الفخر إسماعيل - وتبعه الطوفي في ' مختصره ' إن استند النفي إلى علم بالعدم لعلمه بجهات إثباته فسواء '. قلت: وينبغي أن يكون هذا والذي قبله سواء، أعني بلا خلاف. ومعنى استناد النفي إلى علم بالعدم: أن يقول الراوي: أعلم أن رسول الله لم يصل في البيت؛ لأني كنت معه فيه، ولم يغب على نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه، أو قال: أخبرني رسول الله أنه لم يصل فيه، أو قال: أعلم أن فلانا لم يقتل زيدا؛ لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجاني أنه قتله فيه، فهذا يقبل لاستناده إلى مدرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج. وكذا حكم كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي لا إلى نفي العلم فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها، أو هما في الحقيقة مثبتان؛ لأن أحدهما تثبت المشهود به، والأخرى تثبت العلم بعدمه ...
وقال القاضي في ' الخلاف '، وأبو الخطاب في ' الانتصار '، في حديث ابن مسعود ليلة الجن: النفي أولى. واختاره الآمدي ... ).
والراجح عندي أنه يقدم المثبت على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم مع إفادته للتأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، فيستويان ويطلب الترجيح بينهما أو يتوقف في الاستدلال بهما.
قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٩٤): (استدل للأول وهو الصحيح: بأن
مع المثبت زيادة علم. قالوا (١): يؤخر النفي ليكون فائدته التأسيس (٢). رد: فيه رفع حكم المثبت. فإن عورض بمثله (٣). رد: إن صح فرفع ما فائدته التأكيد بخلاف
стр. 575
العكس. فإن قيل: بل رفع حكما تأسيسيا وهو الباقي على الحال الأصلي، وزيادة تأكيد النافي بخلاف العكس (١). رد بالمنع).
بعض الاستثناءات ومناقشتها:
أولا- إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم:
فهنا يتعادلان، وقد سبق الكلام عنه.
ثانيا - إلا أن يكونا في حد (٢):
قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٩٨): (قوله: ﴿وداريء حد، وفي ' الكفاية ' و ' الواضح '، وابن البناء وقال: هو المذهب: المثبت، وفي ' العدة ': سواء كالغزالي، والموفق﴾. الصحيح أن داريء الحد مقدم على مثبته. قال الشريف أبو جعفر، والحلواني من أصحابنا يقدم نافي الحد على مثبته، ورجحه أبو الخطاب في ' التمهيد '، وغيره، وعليه الأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، روي عن الصحابة، وفيه أخبار ضعيفة، ولقلة مبطلات نفيه، وكتعارض بينتين، ولأن إثباته خلاف دليل نفيه. قال الآمدي: ولأن الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطأ في تحقيقها، على ما قاله ﵊: ' لأن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة '. واختار القاضي أبو يعلى في ' العدة '، والقاضي عبد الجبار، والموفق، والغزالي: أنهما سواء؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوت مشروعيته بدليل أنه يثبت بخبر الواحد، والقياس مع قيام الاحتمال، فالحد إنما يؤثر في إسقاطه لشبهته، وإذا كانت في نفس الفعل أو بالاختلاف في حكمه، كأن يبيحه قوم ويحرمه آخرون كالوطء في
стр. 576
نكاح بلا ولي أو بلا شهود. وليس الخلاف لفظيا كما قد يتوهم من أن قول التساوي يؤول إلى تقديم النافي، فإنهما يتعارضان فيتساقطان، ويرجع إلى غيرهما، فإن كان هناك دليل شرعي حكم به، وإلا نفي الآخر على الأصل، فيلزم نفي الحد، بل الخلاف معنوي على الصواب، فإن الأول ينفي الحد بالحكم الشرعي، والآخر يقول بالنفي استصحابا للأصل. وقدم القاضي في ' الكفاية ' المثبت، وقاله: ابن البنا، وابن عقيل في ' الواضح '، لتقديم أحمد خبر عبادة في ' الجلد والرجم ' لإثباته بخبر واحد وقياس، لأن الموجب للحد يوافق التأسيس، وموافقة التأسيس أولى من موافقة النفي الأصلي، لأن التأسيس يفيد فائدة زائدة. رد: لا شبهة فيهما. قال الطوفي: قلت: ' فهو من باب تعارض الناقل والمقرر '. وقال البرماوي: ' موضوع هذه المسألة أن يكون الإثبات والنفي شرعيين، فأما إن كان النفي باعتبار الأصل فهو مسألة الناقل والمقرر السابقة '. انتهى).
إلا أن يكونا في طلاق أو عتاق (١):
قال المرداوي في "التحبير" (٨/ ٤١٩٣): (وقيل: إن كان في طلاق وعتاق، قدم النافي وإلا المثبت. وقيل: بالعكس. وقيل: لا يتعارضان لامتناع التعارض بين الفعلين، لاحتمال وقوعهما في حالين).
وقال في (٨/ ٤٢٠١): (قوله: ﴿وموجب عتق وطلاق، وقيل نافيهما، وظاهر ' الروضة ': سواء كعبد الجبار﴾. أدخل جماعة هذه الصورة في جملة صور المقرر والناقل، وحكي الخلاف في الجميع، وحكوا قولا بالفرق بين العتق والطلاق وغيرهما، وأفردهما جماعة، ولا شك أنهما من جمل النفي والإثبات. إذا علم ذلك فرجح أبو الخطاب تقديم موجب العتق، وذكره قول غير عبد الجبار. وقاله الحنفية أو الكرخي منهم، وهو ظاهر ما قدمه ابن الحاجب لقلة سبب مبطل الحرية ولا تبطل بعد ثبوتها، ولموافقة النفي الأصلي رفع العقد. وظاهر ' الروضة ': سواء، كعبد الجبار، لأنهما حكمان. قال ابن مفلح: ' ويتوجه احتمال تقدم النفي - كقول
стр. 577
بعضهم - لموافقة دليل بقاء الصحة، ومثله الطلاق ' انتهى. ويحتمله كلام الطوفي في ' مختصره ').
٥ - يرجح الناقل عن الأصل على المبقي عليه (١).
قال المرداوي في "التحبير" (٤/ ٤١٩٤): (قوله: ﴿وناقل عن الأصل، وعند الرازي والبيضاوي والطوفي المقرر﴾. إذا تعارض حكمان أحدهما مقرر للحكم الأصلي، والآخر ناقل عن حكم الأصل. فالناقل مقدم عند الجمهور؛ لأنه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في الآخر، كحديث: ' من مس ذكره فليتوضأ '، مع حديث: ' هل هو إلا بضعة منك؟ (٢) '. والمخالف في ذلك الرازي، وأتباعه: كالبيضاوي، وغيره. فقالوا: يترجح المقرر؛ لأن الحمل على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى مما يستفاد من العقل.
واختاره الطوفي في ' شرحه ' فقال: والأشبه تقديم المقرر لاعتضاده بدليل الأصل، قال: وهو الأشبه بقواعده، وقواعد غيره في اعتبار الترجيح مما يصلح له، واليد صالحة للترجيح انتهى. قيل: والتحقيق في المسألة تفصيل، وهو أنه يرجح المقرر فيما إذا تقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه، ثم نقل له المقرر وجهل التاريخ؛ لأنه حينئذ عمل بالخبرين الناقل في زمان والمقرر بعد ذلك
стр. 578
، فأما إن كان الثابت بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبران، فإنهما يتعارضان هنا، ويرجع إلى البراءة الأصلية. بل عبد الجبار يقول: إن تقديم الناقل أو المقرر على الاختلاف ليس من باب الترجيح بل من باب النسخ. وهو ضعيف؛ لأنه لا يتوقف رفعه على ما يرفع به الحكم الشرعي).
وما ذهب إليه الجمهور أولى لأن الناقل فيه زيادة على المبقى على البراءة الأصلية بإثباته حكما شرعيا ليس موجودا في الأصل.
قال المجد في "المسودة" (ص/٢٨١): (واذا كان أحدهما يوافق النفي الأصلي والآخر ناقل عنه قدم دفعا لاحتمال النسخ مرتين ذكره أبو الخطاب).
وإنما يتحقق النسخ مرتين إذا قلنا أن رفع الإباحة العقلية نسخا، وليس كذلك.
٦ - يرجح العام المحفوظ على غير المحفوظ .
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٧٠٦): («فيرجح المجرى على عمومه على المخصوص».
أي: إذا تعارض عامان أحدهما باق على عمومه، والآخر قد خص بصورة فأكثر ; رجح الباقي على عمومه على المخصوص، لأنه مختلف في بقائه حقيقة أو مجازا، وحجة، أو غير حجة، والباقي على عمومه لا خلاف في بقائه حقيقة وحجة، فكان راجحا.
قلت: وكذلك يقدم ما كان أقل تخصيصا على الأكثر تخصيصا، مثل أن يخص أحدهما بصورة، والآخر بصورتين، فالأول أرجح، لأنه أقرب إلى الأصل، وهو البقاء على العموم ومخالفة الأصل فيه أقل).
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٣٠٠): (العام الذي لم يدخله تخصيص، مقدم على العام الذي دخله تخصيص، وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحداً خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي ... وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص، والذين قالوا هو حجة في الباقي قال جماعة منهم هو مجاز في الباقي، بخلاف الذي لم يدخله تخصيص، فهو سالم من ذلك، وما اتفق على أنه حجة وأنه حقيقة أولى مما اختلف في حجيته وهل هو حقيقة أو مجاز. وإن كان الصحيح أنه حجة وحقيقة في الباقي بعد التخصيص، لأن مطلق
стр. 579
الخلاف يكفي في ترجيح غيره عليه.
وحجة الصفي الهندي والسبكي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى بخلاف الباقي على عمومه.
ومثال هذه المسألة قوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) الآية [النساء: ٢٣]. فانه عام في كل أختين سواء كان الجمع بينهما بنكاح أو بملك يمين، وهذا العام لم يدخله تخصيص فهو مقدم على عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) الآية [المؤمنون: ٥، ٦]. فان قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) شامل بعمومه للأختين إلا أن عموم (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يخصصه عموم (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: ٢٣]، فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك اليمين إجماعاً، ويخصصه أيضاً عموم. (﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) الآية [النساء: ٢٢]. فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين إجماعاً. فان قيل: عموم (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) مخصص بعموم (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ). فالجواب أن ذلك التخصيص هو محل النزاع، والاستدلال بصورة النزاع ممنوع بأطباق النظار، كما هو معلوم في محله.
فان كان كل واحد من العامين دخله تخصيص فالأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً، ومثال هذا ما لو ذبح الكتابي ذبيحة، ولم يسم عليها الله، ولا غيره، فعموم قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥] يقتضي إباحتها. وعموم: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١] يقتضي تحريمها، وكل من العمومين دخله تخصيص إلا أن الأول خصص مرة واحدة، والثاني خصص مرتين، فالأول أقوى لأنه أقل تخصيصاً لأن قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥] لم يخصص إلا تخصيصه واحدة وهي بما إذا لم يسم الكتابي على ذبيحته غير الله كالصليب، أو عيسى، فان سمى على ذبيحته غير الله، دخلت في عموم (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [المائدة: ٣]، على الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه. أما الآية (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١٢١] فقد خصصت تخصيصتين، خصصها الجمهور بغير الناسي، فتارك التسمية نسياناً
стр. 580
تؤكل ذبيحته عند الجمهور، وحكى عليه ابن جرير الإجماع مع أنه خالف فيه اثنان. وخصصه الشافعي وأصحابه بما ذبح لغير الله).
٧ - يرجح ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه .
يشير الشيخ ﵀ في هذه القاعدة والتالية لها إلى بعض المرجحات من ناحية السند.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٩٦): (هذا في الحديث الشاذ والمحفوظ، ومرَّ علينا في المصطلح: "الشاذ" ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه: عددًا أو حفظًا، فإذا كان عندنا راويان رويا حديثًا متعارضًا لكنَّ أحدَهما أقوى من الآخر حفظًا وأمسَّ بالشيخ الذي رويا عنه الحديث - فتقدِّم الثاني- لدينا رجلان رويا عن شيخ حديثًا، كل واحد منهما رواه على وجه يخالف الآخر، وكل منهما ثقة، لكن أحدهما أقوى في الأوثقية وأشد وثوقًا في الشيخ مثل أن يكون صهره أو ابن عمه أو ابن أخيه أو خادمه- مثل نافع عن ابن عمر- فهنا نقدِّم الثاني؛ لأن صفات القبول فيه أقوى وأكثر من الآخر).
قال الجويني في " البرهان" (٢/ ٧٥٧): (ومما نذكره في فروع هذا الفصل أنه إذا روى راويان خبرين وكل واحد منهما ثقة مقبول الرواية لو انفرد ولكن في أحدهما مزية ظاهرة في قوة الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي فهذا مما يرى أهل الحديث مجمعين على التقديم فيه وهو كما روى عبيد الله بن عمر العمري مع ما رواه أخوه عبد الله بن عمر العمري في سهم الفارس من المغنم فقال الأئمة حديث عبيد الله مقدم وإن كان أخوه عبد الله عدلا فإن بينهما تفاوتا بينا قال محمد بن إسماعيل البخاري بينهما ما بين الدينار والدرهم والفضل لعبيد الله وهذا وإن ظهر من خدمة الحديث فإذا رجع الأمر إلى العلم فالقول عندي في الخبرين مع اختصاص إحدى الروايتين بالمزية كالقول في اختصاص أحد الخبرين بكثرة الرواة مع الاستواء في الصفات المرعية وقد سبق ذلك مفصلا غير أن التمسك بحديث عبيد الله حتم من جهة أن القول متعلق بالتقدير وهو متلقى من توقيف الشارع ولا مجال للقياس فيه والرأي لا يضبط منتهى الغناء والكفاية).
стр. 581
٨ - يرجح صاحب القصة على غيره (١).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (٣/ ١٠١٩) وهو يتكلم عن وجوه الترجيح من ناحية الإسناد: (الثالث: أن يكون أحد الراويين مباشرا لما رواه؛ لأن المباشر أعرف بالحال، ومثاله ما قلناه في رواية أبي رافع أن النبي ﷺ : (نكح ميمونة وهو حلال) أنه أولى من رواية ابن عباس: (أنه نكحها وهو حرام)؛ لأن أبا رافع كان السفير بينهما، والقابل لنكاحها لرسول الله ﷺ .
الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة، كميمونة، قدمنا قولها: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان، على قول ابن عباس؛ لأنها المعقود عليها، فهي أعرف بوقت عقدها من غيرها لاهتمامها به ومراعاتها لوقته.
ومنع الجرجاني: أن يكون هذا ترجيحا، وقال: هذا الحكم لا يعود إلى صاحب القصة، وإنما يعود إلى النبي ﷺ ، وقد يكون الغير أقرب إليه، وأعرف بأحواله في نفسه من المرأة. والصحيح ما ذكرنا؛ لأن صاحب القصة أعرف بذلك من غيره) (٢).
٩ - يقدم من الإجماع: القطعي على الظني .
سبق بيان أن الإجماع نوعان قطعي وظني، فإن تعارضا فيقدم الإجماع القطعي.
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٥٩٨): (فإذا كان لدينا مسألتان: (إحداهما) الإجماع فيها قطعي. و (الثانية) الإجماع فيها ظني، وتعارضتا، فنقدم ما كان الإِجماع فيها قطعيًا؛ لأن ما كان الإجماع فيها ظنيًا فنحن في شكٍّ من دليله؛ لأن الإِجماعَ دليل إذا تُيُقِّن، فإذا وُجد دليل قطعي متيقن وجب تقديمه على الإجماع الظني لأنه أقوى منه).
стр. 582
١٠ - يقدم من القياس: الجلي على الخفي .
وقد سبق بيان أن القياس له مراتب من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، فالقياس الذي في معنى الأصل أقوى من القياس الجلي، والجلي أقوى من الخفي، وقياس العلة أقوى من قياس الدلالة.
المفتى والمستفتي
تعريف المفتى:
قال الشيخ: (المفتي: هو المخبر عن حكم شرعي).
وهذا الحد غير مانع وينبغي إضافة بعض القيود له ليكون جامعا مانعا:
أولاً - من المقرر أن المفتي لا يكون إلا مجتهدا (١)، وغير المجتهد لا يكون مفتيا حقيقة، وعليه فلما كان هذا الحد يدخل فيه من أخبر عن حكم الله بغير علم بالدليل سواء أكان مقلدا أم متخيلا. فكان لابد من تقييده بما يميز المجتهد من غيره مثلا بإضافة قيد: استنبطه من الأدلة التفصيلية، أو لكونه من أهل الفتيا، ونحو ذلك.
قال ابن النجار في " شرح الكوكب المنير " (٤/ ٥٧٠): ("وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه، لا فتيا" قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق).
وقال الأشقر في رسالته "الفتيا ومناهج الإفتاء" (ص/١٠): (وقولنا "بدليله" يخرج به قول من أخبر بالحكم عن تخيل منه لا عن علم، وكذا يخرج به قول من قال تقليدا لغيره فهو حينئذ حكاية ونقل لا فتيا؛ لأنه لا يعلم أن ما قاله حكم الله).
قال العكبري الحنبلي في "رسالة في أصول الفقه" (ص/ ١٢٥): (والمفتي هو المخبر بالحكم الشرعي مع كونه من أهل الفتيا).
قال ابن حمدان في "صفة الفتوى" (ص / ٤): (المفتى هو المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله).
ثانيًا - هذا الحد يدخل فيه الإرشاد، ولابد من إضافة قيد: (لمن سأل) للتفريق بين المفتى والمرشد؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى من غير سؤال هو إرشاد.
стр. 583
ثالثًا - هذا الحد يدخل فيه التعليم، ولابد من إضافة قيد: (أمر نازل (١)) للتفريق بين المفتى والمعلِّم؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى في غير أمر نازل هو تعليم (٢).
رابعا - هذا الحد يدخل فيه الإخبار بجميع الأحكام الشرعية، ولابد من تقييدها بكونها عملية ليخرج مما يتعلق بالاعتقاد والسلوك ونحو ذلك كما سبق في تعريف الفقه.
وعليه فيكون تعريف المفتى: (المخبر بحكم شرعي عملي مكتسب من أدلته التفصيلية لمن سأل عنه في أمر نازل) (٣).
وللمفتي تعريف آخر:
قال ابن حمدان في "صفة الفتوى" (ص / ٤): (المفتى: هو المتمكن من معرفة أحكام الوقائع شرعا بالدليل مع حفظه لأكثر الفقه).
стр. 584
قال ابن بدران في "المدخل" (ص / ٤٧٩): (وقيل: المفتي من تمكن من معرفة أحكام الوقائع على يُسر، من غير تعلم آخر).
وقد تعقب ابن الصلاح هذا التعريف فقال في "أدب المفتي والمستفتي" (ص / ٨٨): (وفصل الإمام أبو المعالي ابن الجويني صفات المفتي ثم قال القول الوجيز في ذلك إن المفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على يسر من غير معاناة تعلم وهذا الذي قاله معتبر في المفتي ولا يصلح حدا للمفتي والله أعلم).
تعريف المستفتي:
قال الشيخ: (المستفتي: هو السائل عن حكم شرعي).
ومما سبق من تعريف المفتى فلابد من تقييد التعريف السابق بكونه عمليا وفي نازلة فيصبح تعريف المستفتي هو: (السائل عن حكم شرعي عملي في نازلة ما).
شروط جواز الفتوى:
الشرط الأول:
قال الشيخ: (يشترط لجواز الفتوى شروط منها:
١ - أن يكون المفتي عارفاً بالحكم يقيناً أو ظنّاً راجحاً وإلا وجب عليه التوقف).
هذا الشرط فيه إشارة إلى ما سبق تقريره من أن من شروط المفتى أن يكون مجتهدا ليكون عنده القدرة على التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية.
قال في "الشرح" (ص/٦٠٠): (هذا أهم الشروط، أن يكون المفتي عارفًا بالحكم "يقينًا": مثل أن يعرف أن الميتة حرام، "أو ظنًا" بحيث تكون الأدلة مشتبهة: إما في ثبوتها، وإما في دلالتها، وإما في احتمال معارض، وما أشبه ذلك. المهم أن يكون في الدليل اشتباه، فهنا قد لا يصل الإنسان إلى العلم الذي لا يقبل الاحتمال، فيكون عنده ظن.
والظن ظنان: "ظن ليس مبنيًا على اجتهاد وإنما هو تخرُّص مطلق! فهذا هو المذموم، ومنه قول بعض العوام أو المتحذلقين من الذين يدعون العلم- إذا سئل عن شيء قال: والله "أظن " أن هذا حرام، أما الذي يبحث في الأدلة ويراجع ولكنه لم
стр. 585
يصل إلى حدِّ اليقين، فإنه إذا حكم بذلك فقد حكم بما يستطيع، وقد قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]، وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] وأيضًا فإن الإنسان قد لا يصل إلى العلم القطعي، ولو أنَّا ألزمنا المفتين بألا يفتوا إلا بما اقتضى العلم لتعطلت كثير من الأحكام الشرعية .. فإن كثيرًا من الأحكام الشرعية مبني على الظن- بعد الاجتهاد-.
وقوله: (وإلا وجب عليه التوقف): "وإلا": أي: وإلا يكن عارفًا يقينًا أو ظنًا يجب عليه التوقف.
ويقال إن مالك بن أنس- ﵀ إمام دار الهجرة وهو أحد الأئمة الأربعة جاءه رجل من بلاد خراسان أرسله أهل البلد يسألونه عن مسألة، فسأله، فقال: "لا أدري "! قال: "فماذا أقول لأهل خراسان؟! " قال: "قل لهم إن الإمام مالكًا يقول: لا أدري).
الشرط الثاني:
قال الشيخ: (أن يتصور السؤال تصوّرا ًتاماً).
قال في "الأصل" (ص/٨٣): (فإذا أشكل عليه معنى كلام المستفتي سأله عنه، وإن كان يحتاج إلى تفصيل استفصله، أو ذكر التفصيل في الجواب، فإذا سئل عن امرئ هلك عن بنت وأخ وعم شقيق، فليسأل عن الأخ هل هو لأم أو لا؟ أو يُفَصِّلُ في الجواب، فإن كان لأم فلا شيء له، والباقي بعد فرض البنت للعم، وإن كان لغير أم فالباقي بعد فرض البنت له، ولا شيء للعم).
الشرط الثالث:
قال الشيخ: (أن يكون هادئ البال فلا يفتي حال انشغال فكره بغضب أو هم أو ملل أو غيرها).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٤٧): ((وهي) أي: الفتيا (في حالة غضب ونحوه) كشدة جوع، وشدة عطش، وهم، ووجع، وبرد مؤلم، وحر مزعج، ومع كونه حاقنا، أو حاقبا، أو نحو ذلك (كقضاء) فتحرم على الصحيح، كالصحيح في قضاء القاضي في تلك الحالة ويعمل بفتياه إن أصاب الحق، كما ينفذ
стр. 586
قضاؤه في تلك الحالة إن أصاب الحق) (١).
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/ ٢٢٧): (ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو حال مدافعه الأخبثين بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته وتبينه امسك عن الفتوى فإن أفتى في هذه الحالة بالصواب صحت فتياه ولو حكم في مثل هذه الحالة فهل ينفذ حكمه أولا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ وعدمه والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ والثلاثة في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى).
والتفصيل هذا هو الأقوى، وقد فصل الشيخ في "الشرح" (ص/٦٠٨) حالات الغضب فقال: (العلماء يقولون: إن الغضب له ثلاث مراحل: (أول، ونهاية، ووسط) أما (النهاية): فإنها تلحق صاحبه بالمجانين، فلا حكم لقوله أبدًا، فكل أقواله لا تُعتبر؛ لأنه مثل المجنون حتى وإن كان ذلك في طلاق امرأته، فلا تطلق.
وأما (الابتداء وهو أول الغضب): فهذا لا أثر له- يعني: أن وجوده كعدمه، فَتُعتبر أقول أصحابه، ويؤاخذ بها.
(الحال الثالثة للغضب): حال وسط: لا في أوله ولا في نهايته، فهذا موضع نزاع بين أهل العلم: هل يعفى عنه؟ بمعنى: هل تُعتبر أقوال صاحبه أو لا تعتبر، فلو طلق زوجته في هذه الحالة فهل تطلق أو لا تطلق؟
قال بعض العلماء: "تطلق " وقال آخرون: "لا تطلق "؛ لأن هذا الرجل مغلوب على أمره كأنه أكره على ذلك من غضبه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله).
الشرط الرابع: ألا يترتب على الفتوى ما هو أكثر ضررا منها .
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٦١٨): (فإن ترتب عليها ما هو أكثر وجب الإمساك؛ وعلى هذا فينبغي أن يكون هذا الشرط شرطًا لجواز الفتوى لا لوجوبها (٢)، فيشترط
стр. 587
ألا يترتب على الفتوى ما هو أعظم ضررًا، فإن ترتب عليها ما هو أعظم فإنه يجب الإمساك).
وهذه الشروط الأربعة إذا أختل شرط منها حرمت الفتوى (١).
شروط وجوب الفتوى:
الأول - وقوع الحادثة المسئول عنها:
قال الشيخ: (ويشترط لوجوب الفتوى شروط منها:
١ - وقوع الحادثة المسئول عنها إلا أن يكون قصد السائل التعلم فإنه لا يجوز كتم العلم).
قال الشيخ في "الشرح" (ص/٦١١): (فلا بد أن تكون الفتوى واقعة فإن لم تكن واقعة لم تجب عليه الفتوى، وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، إذا سئل عن مسألة قال: "هل وقعت؟ " إن قال السائل: "نعم" أجاب، وإن قال: "لا" قال: "نحن في عافية منه، فلا نجيبك حتى تقع ". وقوله: (إلا أن يكون قصد السائل التعلم) فحينئذ يجب عليه أن يفتيه).
وينبغي تقييد ذلك بأن يكون السائل أهلا للجواب، وإلا لم يكن كتما للعلم.
الثاني - ألا يكون في البلد غيره من أهل الفتيا:
وقد أضاف الحنابلة شرطا آخر - وهو ألا يكون في البلد غيره من أهل الفتيا:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٨٣): (لمفت ردها) أي: رد الفتيا (و) محله إذا كان (في البلد غيره) أي: الراد. وهو (أهل لها) أي: للفتيا (شرعا) وهذا الذي عليه جماهير العلماء؛ لأن الفتيا - والحالة هذه - في حقه سنة.
وقال الحليمي الشافعي: ليس له ردها، ولو كان في البلد غيره؛ لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد غيره (لزمه الجواب) قطعا، ذكره أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما (إلا عما لم يقع) فإنه لا يلزمه الجواب عنه (و) إلا (ما لا يحتمله سائل) فإنه لا يلزمه إجابته (و) إلا (ما لا ينفعه) أي:
стр. 588
ينفع السائل من الجواب، فإنه يلزمه أن يجيبه، وقد سئل الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقال للسائل: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟ وسئل عن مسألة في اللعان؟ فقال: سل - رحمك الله - عما ابتليت به، وسأله مهنا عن مسألة؟ فغضب وقال: خذ - ويحك - فيما تنتفع به، وإياك وهذه المسائل المحدثة، وخذ ما فيه حديث. وسئل عن مسألة؟ فقال: ليت إنا نحسن ما جاء فيه الأثر.
ولأحمد عن ابن عمر " لا تسألوا عما لم يكن، فإن عمر نهى عن ذلك " وله أيضا عن ابن عباس، أنه قال عن الصحابة: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم، واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [المائدة: ١٠١] ... ).
الثالث - ألا يكون للسائل مقصد سيئ من السؤال:
قال الشيخ: (ألا يعلم من حال السائل أن قصده التعنت أو تتبع الرخص أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض أو غير ذلك من المقاصد السيئة).
قال في "الشرح" (ص/٦١٣): (فإن علم أن قصده التعنت- يعني: الإشقاق على المسئول وإظهار عجزه- فإنه لا يجب عليه أن يجيب، فلو علمتَ أن هذا السائل لم يأت ليسأل إرادة للعلم، إنما أراد أن يسأل لإِظهار عجزك أمام الناس، فلك أن تقول: "لا أدري " أو: "لا أجيبك ".
وكذلك إذا علمت أنه لما أخبرته بالحكم قال: "أين الدليل؟ " فأتيت بالدليل، فجعل يجادل: هذا الدليل يحتمل كذا وكذا، ويأتي له بألف احتمال، فهذا يُعرف منه أنه أراد التعنت، فلك أن تقول: "لا، ما عندي غير هذا"، ولا حرج عليك في هذا.
ولهذا خيَّر اللهُ النبي ﷺ بين الحكم وعدمه إذا سأله أهل الكتاب قال: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة: ٤٢]، لأنهم لن يأتوا لرسول الله ﷺ لمعرفة الحق، بل يريدون إعناته، وأحيانًا
стр. 589
يريدون مصلحة لهم كما تحاكموا إليه في الزنى (١) ... ).
ثم قال: (وهل الأولى أن نجيبه أو ندعه؟
الجواب أن يقال: في ذلك تفصيل: إذا كان متعنتًا فالمطلوب إهانته. وإهانته تكون على وجهين: فتارة تكون إهانته بإجابته وبيان بطلان حججه، فإذا كان في إجابته على حججه وإبطال حججه إهانة له؛ فالأولى أن يجاب، بل يجب، وإذا كان في هجره وعدم إجابته إهانة له؛ فإنه لا يجاب، فالإِنسان يعرف حاله: إذا كان هذا المتعنت قويًا عنيفًا بليغًا مُبينًا فالأولى ألا يجاب لاسيما إذا كان المسئول ليس بذاك القوي في الإِقناع، فإن بعض الناس يكون عنده علم ولكن ليس عنده قوة للمرافعة والمهاجمة فانسحابه من الأصل خير من كونه يتورط، وأما إذا كان عنده من القوة والمرافعة والمناظرة والعلم ما يستطيع أن يبدد به ظلام هذا الرجل فالأولى أن يجيبه حتى يكسر شوكته).
ثم قال: (وقوله: (أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض): وهذا كثير الآن، يجيء المستفتي يسأل العالم ليرى ماذا عنده وليس قصده الحق، وإذا علم ما عنده ذهب إلى العالم الثاني وسأل وقال: ماذا تقول في كذا وكذا؟ قال: أقول كذا وكذا. قال: لكن فلان يقول: كذا وكذا، فما قصده؟! أي أنه يضرب رأي العالم الثاني برأي العالم الأول. وقد يريد أن يتبجح في المجالس يقول: أنا سألت فلانًا وقال: هذا حرام، وسألت فلانًا وقال: هذا حلال. ثم يضرب آراء العلماء بعضها ببعض).
ما يلزم المستفتي:
قال الشيخ: (الأول: أن يريد باستفتائه الحق والعمل به لا تتبع الرخص وإفحام المفتي وغير ذلك من المقاصد السيئة.
الثاني: ألا يستفتي إلا من يعلم أو يغلب على ظنه أنه أهل للفتوى وينبغي أن يختار أوثق المفتين علماً وورعاً وقيل يجب ذلك).
قال الشيخ العثيمين في رسالة "الخلاف بين العلماء" وهو يتكلم عن العامي: (فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن مَن يسأل؟ في البلد علماء كثيرون، وكلٌّ يقول: إنه عالم،
стр. 590
أو كلٌّ يقال عنه: إنه عالم، فمن الذي يسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى مَن هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل مَن شئت ممَّن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفَّق للعلم في مسألة معيَّنة، ولا يوفَّق مَن هو أفضل منه وأعلم ـ اختلف في هذا أهل العلم؟
فمنهم مَن يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل مَن يراه أوثق في علمه من علماء بلده، لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه مَن يراه أقوى معرفة في أمور الطب فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك مَن تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار مَن تراه أقوى علماً إذ لا فرق.
ومنهم مَن يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن مَن هو أقوى عِلماً قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة ﵃ كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.
والذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل مَن يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب، لأن من هو أفضل قد يخطأ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه).
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٤/ ٥٧١): (ولعامي تقليد مفضول) من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا، منهم: القاضي وأبو الخطاب وصاحب الروضة، وقاله الحنفية، والمالكية، وأكثر الشافعية، وقيل: يصح إن اعتقده فاضلا أو مساويا، لا إن اعتقده مفضولا؛ لأنه ليس من القواعد: أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح، وقال ابن عقيل وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد.
فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في المقنع، ولأحمد روايتان، واستدل للأول بأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل، مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد، فكان إجماعا على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل، وقال - تعالى - فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] وأيضا: فالعامي لا يمكنه الترجيح لقصوره ولو كلف بذلك لكان تكليفا بضرب من الاجتهاد، لكن زيف ابن الحاجب ذلك بأن الترجيح يظهر بالتسامع
стр. 591
، ورجوع العلماء إليه، وإلى غيره لكثرة المستفتين، وتقديم العلماء له (ويلزمه) أي: ويلزم العامي (إن بان له الأرجح) من المجتهدين (تقليده) في الأصح، زاد بعض أصحابنا، وبعض الشافعية: في الأظهر.
قال الغزالي: لا يجوز تقليد غيره، قال النووي: وهذا، وإن كان ظاهرا ففيه نظر، لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم. (ويقدم الأعلم) من المجتهدين (على الأورع) في الأصح؛ لأن الظن الحاصل بالأعلم؛ ولأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع (ويخير) العامي (في) تقليد أحد (مستويين) عند الأكثر من أصحابنا وغيرهم، قال في الرعاية: ولا يكفيه من لم تسكن نفسه إليه فلا بد من سكون النفس والطمأنينة به، وقيل لأحمد: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق، فإنه صالح، مثله يوفق للحق) (١).
وعند اختلاف المفتين، وتعارض الفتاوى فللعلماء أقوال فيما يلزم المستفتي:
أحدها: يأخذ بأغلظهما، والثاني: بأخفهما، والثالث: يجتهد في الأولى فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، والرابع: يسأل مفتياً آخر فيأخذ بفتوى من وافقه، والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء (٢).
وقال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/٤٨٦): (يجوزُ للعاميّ أنْ يسألَ مَن شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء.
واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذاً مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل.
ولم يُعهدْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كان لا يُفتي مع وجود الأفضل منه في البلدة، وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، ﵃ أجمعين.
стр. 592
الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى.
والدليل على صحّته: أن فتوى العالم عند العاميّ كالدليل عند المجتهد، وإذا تعارضت الأدلّةُ عند المجتهد وجب عليه طلبُ الترجيح، فكذلك العاميّ إذا تعارضتْ عنده الفتاوى).
الاجتهاد
تعريف الاجتهاد:
لغة:
قال الشيخ: (الاجتهاد لغة: بذل الجَهد لإدراك أمر شاق).
قال الطوفي في "مختصر الروضة" (ص/١٧٣): (الاجتهاد لغة: بذل الجهد في فعل شاق، فيقال: اجتهد في حمل الرحى لا في حمل خردلة) (١).
الاجتهاد: افتعال من جهد يجهد: إذا تعب، والجهد بضم الجيم وفتحها: الطاقة، وبفتحها فقط: المشقة.
قال الزبيدي في "تاج العروس" (الجَهْدُ)، بالفتح: (الطَّاقَةُ) والوُسْع، (ويُضَمّ. و) الجَهْد، بالفتح فقط: (المَشَقَّة). قال ابن الأَثير: قد تكرَّرَ لفْظ الجَهْد والجُهْد في الحديث، وهو بالفتح المَشقَّة، وقيل المُبالغةُ والغاية. وبالضّمّ: الوُسْعُ والطّاقَةُ، وقيل: هما لغتانِ في الوُسْع والطّاقَة، فأَمّا في المَشقّة والغايةِ فالفتحُ لا غَيرُ، ويريدُ به في حديث أُمّ مَعْبد في الشَّاةِ الهُزالَ. ومن المضموم حديثُ الصَّدَقة: (أَيُّ الصَّدَقة أَفضل؟ قال: جُهْدُ المُقِلّ) أَي قَدْرُ ما يَحتمله حالُ القليلِ المالِ. (و) في التنزيلِ: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) [التوبة: ٧٩] قال الفراءُ: الجُهْد في هذه الآيةِ الطاقَةُ، تقولُ: هذَا جُهْدِي، أَي طَاقَتي. وقُرِىء (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) و (جُهْدَهُمْ)، بالضّمّ والفتح، الجُهْد، بالضّمّ: الطَّاقَة، والجَهْد، بالفتح، من قولك (اجَهَدْ جَهْدَك
стр. 593
) في هذا الأَمْرِ، أَي (ابلغْ غايَتَك).
(وجَهَدَ، كمنَعَ)، يَجْهَد جَهْداً: (جَدَّ، كاجْتَهَدَ. و) جَهَدَ (دَابَّتَه) جَهْداً (: بَلَغَ جَهْدَهَا)، وحَمَل عليها في السَّيْر فوقَ طاقتِها، (كأَجْهَدَهَا). وفي (الصّحاح): جَهَدْته وأَجْهَدْته بمعنًى. قال الأَعشى:
فجَالَتْ وَجَالَ لَهَا أَرْبَعٌ ... جَهَدْنَ لها مَعَ إِجْهَادِهَا) (١).
اصطلاحا:
قال الشيخ: (واصطلاحاً: بذل الجَهد لإدراك حكم شرعي).
وتعريف الشيخ قريب من تعريف ابن قدامة في الروضة، والطوفي في مختصرها وابن مفلح في "أصوله".
فقد عرفه ابن قدامة في الروضة (ص/٣٥٢) بقوله: (بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع).
وعرفه الطوفي في "البلبل" (ص/١٧٣): (بذل الجهد في تعرف الحكم الشرعي).
وعرفه ابن مفلح في "أصوله" (٤/ ١٤٦٩): (استفراغ الفقيه وسعه لدرك حكم شرعي).
وبعض هذه التعاريف فيه دور (٢)، كما أنها غير جامعة، ولابد من إضافة بعض القيود لها، وبيان ذلك كالتالي (٣):
أولا - استعماله لكلمة: "الجَهد" في تعريف الاجتهاد فيه دور.
ثانيا - يدخل فيه بذل الجهد من غير الفقيه كالنحوي وغيره، ويدخل فيه إدراك المقلد للأحكام الشرعية فهو إدراك لا عن طريق النظر والاستدلال بل عن طريق حفظه للمتون أو حفظ النصوص الشرعية الدالة على الحكم صراحة.
стр. 594
وعليه فالتعريف المختار للاجتهاد هو: (بذل الفقيه وسعه لاكتساب حكم شرعي
ظني عملي من أدلته التفصيلية) (١).
فقولنا: (بذل وسعه) إخراج للتقصير في النظر والاكتفاء من ذلك ببعض الوسع الذي يمكنه أن يزيد عليه.
وقولنا: (الفقيه) المراد به هنا المتهيئ لمعرفة الأحكام، فهي أولى من قول من قيد التعريف بقوله: (ممن هو أهله).
وظاهر صنيع ابن الحاجب وغيره من ذكر هذا القيد قصد الفقيه نفسه لا تهيؤه، وهذا يلزم منه الدور.
وحجته أن قوله (استفراغ الوسع) جنس يدخل فيه الفقيه وغيره، فذكر قيد: الفقيه احتراز عن استفراغ غير الفقيه وسعه.
ولا يزال الدور يلزمه أيضا.
وقد اعترض التفتازاني في "حاشيته على شرح المختصر" (٣/ ٥٧٩) على كلام ابن الحاجب فقال: (قوله: (احتراز عن استفراغ غير الفقيه) الظاهر أنه لا وجه لهذا الاحتراز، فإنه لا يصير فقيها إلا بعد الاجتهاد، اللهم إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الأحكام ... ).
واعتراض التفتازاني وجيه فذكر الفقيه في تعريف الاجتهاد يلزم منه الدور،، فمعرفة الفقيه تتوقف على معرفة الاجتهاد، فالفقيه لا يصير فقيها إلا بعد الاجتهاد.
ولا يقال أن هذا القيد بالتفسير الذي ذكرناه يستغني عنه بقيد اكتساب أو استنباط المذكورة عقبه في التعريف؛ لأنا استفدنا من هذا القيد صفة المكتسب أو المستنبط، وفرق بين القدرة على الاكتساب أو الاستنباط والاكتساب أو الاستنباط نفسه، والحدود تحتاج إلى بيان وإيضاح.
стр. 595
وقولنا: (لاكتساب) بمعنى لاستنباط، وإنما قيدنا التعريف بهذا القيد؛ ليخرجَ بذلُ الوُسع لإدراك الحكم الشرعيِّ بحفظ متون الفقه، أو بحفظ النصوص الشرعية الدالّة صراحةً على الحكم، فهذا العملُ - وإنْ كان اجتهاداً في اللُّغة - لكنه ليس اجتهاداً في الاصطلاح.
قولنا: (شرعي)، قال الشيخ علي عباس الحكمي في "الاجتهاد ومدى الحاجة إليه في الفقه الإسلامي" (ص/٣): (والشرعي: إخراج للأحكام العقلية والحسية واللغوية، فإن اجتهاد الفقيه في شيء من ذلك لا يسمى اجتهادا شرعيا.
واعتراض زكريا الأنصاري: بأنه لا يحتاج إلى هذا القيد نظرا إلى حيثية كون المستنبط فقيها، يجاب عنه: بأن المقصود من التعريف إيضاح المعرف، وتبيينه ومنع دخول ما سواه، وهو يقتضي ذكر هذا القيد، ليخرج الاجتهاد في غير الأحكام الشرعية، وأما النظر إلى حيثية كون المستنبط فقيها فإن ذلك غير ظاهر في منع ما سوى الحكم الشرعي وإخراجه من التعريف ولو سلم فلا يكفي بالالتزام في التعريف.
وقولنا: (ظني) أي أن مجال الاجتهاد إنما هو في الأحكام الشرعية العملية ظنية الثبوت أو الدلالة أو كلاهما، أو النوازل التي لا نص فيها أصلا دون المسائل قطعية الثبوت والدلالة.
قال الشيخ بكر أبو زيد في " المدخل المفصل" (١/ ٨٢) مبينا مجالات الاجتهاد: (الأَحكام تدور في قالبين:
الأول: ما كان من كتاب أو سنة أو إِجماع قطعي الثبوت والدلالة، أو معلوماً من الدِّين بالضرورة، كمسائل الاعتقاد وأَركان الإسلام، والحدود، والفضائل، والمقدرات كالمواريث، والكفارات ... ونحو ذلك. فهذه لا مسرح للاجتهاد فيها بإِجماع، وطالما أَنَّها ليست محلاً للاجتهاد فلا يُقال فيها: كل مجتهد مصيب، بل المجتهد فيها مقطوع بخطئه وإثمِه، بل وكفره في مواضع.
الثاني: ما سوى ذلك؛ وهو ما كان بنص قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو عكسِهِ، أو طرفاه ظنيان، أو لا نص فيه مطلقاً من الواقعات والمسائل، والاقضيات المستجدة، فهذه محل الاجتهاد في أُطرِ الشريعة، وعلى هذا معظم أَحكام الشريعة؛ فهذا محل الاجتهاد ومجاله).
стр. 596
قيد وتوضيحه:
لا خلاف في أن المجتهد فيما هو مقطوع به مخطئ وآثم، إلا أن تقي الدين ابن تيمية خصَّ ذلك بما إن خفي الدليل القطعي فيكون حينئذ المجتهد معذورا.
قال في "المسودة" (ص/٤٤١): (ذكر أبو المعالي أن المسائل قسمان قطعية ومجتهد فيها والقطعية عقلية وسمعية فالعقلي ما أدرك بالعقل سواء كان لا يدرك الا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما ... قال: أو كان مما يدرك بالعقل والسمع جميعا كمسألة الرؤية وخلق الأفعال، وأما الشرعية فما عرف من أحكام التكليف بنص كتاب، أو سنة متواترة، أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصا.
والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به.
قلت: تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط، وليس الأمر كذلك فرب دليل خفى قطعي.
قال: وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع، فقيل: الأصل ما فيه دليل قطعي، والفرع بخلافه. فعند هؤلاء الأصل ما عددناه قطعيا، وعبر عنه القاضي بأن كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت، أو شرعية، والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه، أو ما لا يأثم المخطئ فيه.
قلت: كثير من مسائل الفروع قطعي، وإن كان فيها خلاف وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه كما قد سلمه فيما إذا خفى عليه النص).
وهذا فرض جدلي إذا أن المفترض أن الأدلة القطعية لا تخفى على المجتهد، إلا أنه يقال: إن خفى الدليل القطعي على المجتهد لسهو أو نسيان أو غفلة فهو معذور غير مخطئ، وعليه فاجتهاده في هذه الحالة إنما كان لعدم علمه بالدليل القطعي، فهذا على خلاف الأصل، وهذه الحالة لا ينقض بها الأصل العام من أنه لا اجتهاد في المسائل القطعية.
وباقي قيود التعريف سبق شرحها في حد الفقه.
стр. 597
تعريف المجتهد:
قال الشيخ: (المجتهد: من بذل جهده لذلك).
وتعريفه عندي على اعتبار تفسير الفقيه في تعريف الاجتهاد بأنه التهيؤ لمعرفة الأحكام الشرعية يكون: (الفقيه الذي يبذل وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية).
وأما على اعتبار أن كلمة الفقيه المراد به من توفرت فيه شروط الاجتهاد فيكون التعريف: (من بذل وسعه لاكتساب حكم شرعي ظني عملي من أدلته التفصيلية).
وكما سبق أن الأول أولى.
شروط الاجتهاد
تكلم الشيخ عن بعض شروط الاجتهاد وترك الكلام على بعض الشروط الأخرى الهامة كإسلام المجتهد فالاجتهاد عبادة والإسلام شرط في كل عباده (١)، وغير المسلم مهما بلغ من العلم بعلوم الشريعة لا يُقبلُ اجتهادُه (٢). وأن يكون عاقلا؛ لأن من لا عقل له لا يدرك علما، لا فقها ولا غيره (٣).وأن يكون بالغا أو مميزا على الخلاف الوارد في اشتراط ذلك، إلى غير ذلك من الشروط.
- الشرط الأول:
قال الشيخ: (أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات
الأحكام وأحاديثها) (٤).
لم يختلف العلماء في اشتراط معرفة أدلة الأحكام في الجملة، ولكن وقع الخلاف في عدد هذه الأدلة.
стр. 598
وسبب اختلافهم هل يكتفي بمعرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، دون ما دل على الأحكام بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة.
فمن قال بالأول قال بحصر الأدلة فقالوا من الآيات يكتفى بخمسمائة آية (١) وقيل تسعمائة (٢)، وقيل غير ذلك (٣).
ومن قال بالثاني لم يحصر الآيات في آيات الأحكام وحسب بل زاد ما يتعلق بالوعد والإخبار عن أمور الآخرة أو القرون السالفة والأقاصيص والمواعظ ونحوهم، فقل أن يوجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء (٤).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (٣/ ٥٧٧): (أما الكتاب: فالواجب عليه أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام، وهو قدر خمسمائة آية، كما قال الغزالي وغيره، والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر، فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر والنواهي؛ كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقل أن يوجد في القرآن آية إلا ويستنبط منها شيء
стр. 599
من الأحكام. وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه، ولم يقصد به بيانها.
قوله: «وكذلك من السنة»، أي: ويشترط أن يعرف من السنة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، كما يشترط أن يعرف الآيات التي تتعلق بها من القرآن
قلت: فالكلام هنا في التقدير، كالكلام هناك، أعني أن استنباط الأحكام لا يتعين له بعض السنة دون بعض، بل قل حديث يخلو عن الدلالة على حكم شرعي).
وأيد السيوطي ما أشار إليه الطوفي من عدم الحصر لأدلة الأحكام وأحاديثها حيث قال في رسالته " الرد على من أخلد إلى الأرض" (ص/١٥٠): (ذكر الغزالي في المستصفى: إنه لا يلزم في الاجتهاد الإحاطة بجميع نصوص الكتاب والسنة، بل تكفيه الإحاطة بما يتعلق منها بالأحكام، وهو خمسمائة آية من الكتاب، وأحاديث مضبوطة من السنة بالكتب، وإن لم تكن محصورة .. ولا حاجة إلى معرفة ما يتعلق منها بالوعد والإخبار عن أمور الآخرة أو القرون السالفة.
واستشكله التبريزي في تنقيحه قال: بأن العلم بحصر دلائل الأحكام يتوقف على استقراء جميع جمل الكتاب والسنة وفهم مقاصدها، فكيف يجوز له الاقتصار على علم بعضها؟ وكيف يأمن أن يكون وراء ما حوى وحصر أدلة يمكن استفادة حكم الواقعة منها؟؛ فإن وجوه أدلة الدلائل قد تختلف باختلاف نظر المجتهدين فيختص البعض بدرك ضروب منها، ولهذا عد من خاصية الشافعي ﵁ التفطن لدلالة قوله ﷺ : (إذا أستيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده) على نجاسة الماء القليل بوقوع النجاسة فيه من غير تغيير، ودلالة قوله ﵇ أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصم ولا تصلي على تقدير أكثر مدة الحيض بخمسة عشر يوما.
ودلالة قوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: ٩٢، ٩٣] على أن من ملك ولده عتق عليه، وما أظن أن أهل الحصر عدوا هذه الآية من أدلة الأحكام - انتهى كلام التبريزي.
وقال الزركشي في البحر: ضبط بعضهم معرفة ما يحتاج إليه من السنن المتعلقة
стр. 600
بالأحكام بثلاثة آلاف حديث.
وشدد أحمد فسئل كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، أيكفيه مائة ألف؟ .. قال: لا.
قيل: مائتا ألف؟ قال: لا.
قيل: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا.
قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا.
قيل خمسمائة الف؟ قال: أرجو.
قال الزركشي: وكان مراده بهذا العدد آثار الصحابة والتابعين، وطرق المتون، ولهذا قال: من لم يجمع طرق الحديث لم يحل له الحكم ولا الفتيا ..
قال بعض أصحابه: ظاهر هذا أنه لا يكون من أهل الاجتهاد حتى يحفظ هذا العدد ... ).
وقد اختار الشيخ عياض السلمي أنه يكتفى بمعرفة الأدلة الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر دون ما كانت دلالته خفية، فقال في "أصوله" (ص/٤٥١): (معرفةُ الآيات والأحاديث الدالة على الأحكام بطريق النصّ أو الظاهر، ومعرفة ما يصِحُّ من تلك الأحاديث وما لا يصِحُّ.
أما الآياتُ والأحاديثُ الدالّةُ بطريق الإشارة أو مفهومِ المخالفة، ونحوِهما من طرق الدلالة الخفيّة، فلا يُشترَطُ معرفتُها، كما لا يلزمُ معرفةُ أكثر من دليلٍ واحدٍ على الحكم، إذا لم تكنْ في الدليل الآخَر زيادةُ حكمٍ تتعلَّقُ بشروطه أو قيوده، ونحو ذلك.
والدليلُ على اشتراط هذا القدر: أن مَن اجتهد قبلَ تحصيله فقد يُخالفُ المنصوصَ عليه في القرآن أو السنة، فيكونُ اجتهادُه باطلاً.
وأما الدليلُ على عدم اشتراط ما زاد على ذلك فهو: أن الصحابةَ كانوا يجتهدون مع غفلتهم عن بعض ما دلّ عليه القرآن بطريق الإشارة أو الالتزام، ولم يكن اجتهادُهم واقعاً ممن ليس أهلاً.
ولما عُرفَ عنهم من أنهم يعذرون المخطئَ إذا لم يكن الدليلُ ظاهراً قوياّ.
ومما يُؤيِّدُ ما ذكرته أن الإحاطةَ بكلِّ ما في القرآن من المعاني ليس ممكناً، فلو اشترطنا ذلك لما تمكن أحدٌ من الاجتهاد).