الخامس من مفاعلتن بحيث يصير مفاعيلن «١».
العصبة:
[في الانكليزية] Agnates (relatives through the father's side)
[ في الفرنسية] proches parents paternels ،agnats
بفتحتين في اللغة من كان قرابته لأبيه وكأنّها جمع عاصب وإن لم يسمع به، من عصب القوم بفلان إذا أحاطوا به. فالأب طرف والابن طرف والعمّ جانب والأخ جانب، ثم سمّي بها الواحد، والجمع والمذكر والمؤنّث.
وقالوا في مصدرها العصوبة والذكر يعصّب الأنثى أي يجعلها عصبة. وفي الشريعة كل من يأخذ من التّركة ما أبقته أصحاب الفرائض أي جنسها واحدا كان أو أكثر، أي يصدق عليه ذلك سواء وجد صاحب فرض أو لم يوجد فلا يخرج عن الحدّ العصبات مع عدم أصحاب الفروض. ثم العصبة نوعان: نسبية كالابن وسببية وهو مولى العتاقة أي المعتق بالكسر مذكرا كان أو مؤنّثا. والنّسبية ثلاثة أقسام:
عصبة بنفسه وهو كلّ ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميّت أنثى. فإن قلت الأخ لأب وأم عصبة بنفسه مع أنّ الأم داخلة في نسبته. قلت قرابة الأب أصل في استحقاق العصوبة فإنّها إذا انفردت كفت في إثبات العصوبة بخلاف قرابة الأم فهي ملغاة لكنها جعلناها بمنزلة وصف زائد فرجّحنا بها الأخ لأب وأم على الأخ لأب، وهم أربعة أصناف: جزء الميّت كالابن وابن الابن وإن سفلوا وأصله كالأب وأب الأب وإن علوا، وجزء أبيه كالأخوة وبنيهم وإن سفلوا وجزء جدّه كالأعمام وبنيهم وإن سفلوا، وعصبة بغيره وهو من يصير عصبة بذلك الغير كالنّسوة اللاتي فرضهنّ النّصف والثلثان يصرن عصبة بأخوتهن كالبنت والأخت لأب وأم والأخت لأب، وعصبة مع غيره وهو كلّ أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت مع البنت.
والفرق بينهما أنّ الغير في العصبة بغيره يكون عصبة بنفسه فيتعدّى بسببه العصوبة إلى الأنثى، وفي العصبة مع غيره لا يكون عصبة أصلا بل تكون عصوبة تلك العصبة مجامعة لذلك الغير، هكذا في الشريفية.
العصمة:
[في الانكليزية] Infallibility ،vertue ،chastity
[ في الفرنسية] Infaillibilite ،vertu ،chastete
بالكسر وسكون الصاد هي عند الأشاعرة أن لا يخلق الله في العبد ذنبا بناء على ما ذهبوا إليه من استناد الأشياء كلّها إلى الفاعل المختار ابتداء. وقيل العصمة عند الأشاعرة هي خلق قدرة الطّاعة ويجيء في لفظ اللطف أيضا. وعند الحكماء ملكة نفسانية تمنع صاحبها من الفجور أي المعاصي بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد القوابل، وتتوقّف على العلم بمعايب المعاصي ومناقب الطاعات فإنّه الزاجر عن المعصية والداعي إلى الطاعة، لأنّ الهيئة المانعة من الفجور إذا تحقّقت في النفس وعلم صاحبها ما يترتّب على المعاصي من المضار وعلى الطاعات من المنافع تصير راسخة، فيطيع ولا يعصي، وتتأكّد هذه الملكة في الأنبياء بتتابع الوحي إليهم بالأوامر والنواهي، والاعتراض عليهم على ما يصدر عنهم من الصغائر سهوا أو عمدا عند من يجوّز تعمّدها، ومن ترك الأولى والأفضل، فإنّ الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالا أي غير راسخة ثم تصير ملكات أي راسخة في محلّها بالتدريج. وقيل العصمة خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه. وردّ ذلك بالعقل
стр. 1227
والنقل، أمّا العقل فلأنه لو كان كذلك لما استحقّ صاحبها المدح على عصمته ولامتنع تكليفه وبطل الأمر والنهي والثواب والعقاب.
وأما النقل فلقوله تعالى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ «١»، فإنّ الآية تدلّ على أنّ النبي مثل الأمة في جواز صدور المعصية عنه.
فائدة:
اختلف في عصمة الملائكة. فللنّافي وجوه منها قوله تعالى قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها «٢»، الآية إذ في هذا القول منهم غيبة لمن يجعله الله خليفة بذكر مثالبه. وفيه العجب وتزكية النفس. وللمثبت أيضا وجوه منها قوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٣»، ولا قاطع فيه أي في هذا المبحث، والغاية الظّنّ.
فائدة:
أجمع أهل الملل والشّرائع كلّها على وجوب عصمة الأنبياء عن تعمّد الكذب فيما دلّ المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرّسالة وما يبلّغونه من الله إلى الخلائق. وفي جواز صدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوا ونسيانا خلاف.
فمنعه الاستاذ أبو إسحاق وكثير من الأئمة، وجوّزه القاضي. وأما ما سوى الكذب في التبليغ من الكفر وغيره، فالكفر اجتمعت الأمة على عصمتهم عنه قبل النّبوّة وبعدها. ولا خلاف لأحد منهم في ذلك إلّا أنّ الأزارقة من الخوارج جوّزوا عليهم الذّنب، وكلّ ذنب عندهم كفر، فلزم لهم تجويز الكفر. بل يحكى عنهم بجواز بعثة نبيّ علم الله تعالى أنّه يكفر بعد نبوّته. نعوذ بالله من هذا القول الباطل.
وأمّا غير الكفر فإمّا كبائر أو صغائر، وكلّ منهما إمّا عمدا أو سهوا. أمّا الكبائر عمدا فمنعه الجمهور من المحقّقين والأئمة إلّا الحشويّة، والأكثر على امتناعه سمعا. وقالت المعتزلة بل عقلا. وأمّا سهوا فجوّزه الأكثرون والمختار خلافه. وأمّا الصغائر عمدا فجوّزه الجمهور إلّا الجبّائي فإنّه لم يجوّز ظهور صغيرة إلّا سهوا، وهذا فيما ليس من الصّغائر الخسيّة، وهي ما يلحق بها فاعلها بالأراذل والسّفلة ويحكم عليه بالخسّة ودناءة الهمّة كسرقة حبّة أو لقمة. وأمّا صدور الصغائر سهوا فهو جائز اتفاقا من أكثر الأشاعرة وأكثر المعتزلة إلّا الصغائر الخسّية. وقال الجاحظ يجوز صدور غير الصغائر الخسية سهوا بشرط أن ينبّهوا عليه فيتنبّهوا عليه، وقد تبعه كثير من المتأخّرين من المعتزلة كالنّظّام والأصمّ وجعفر بن بشرويه.
ويقول الأشاعرة هذا كله بعد الوحي والنبوّة، وأما قبل ذلك فقال أكثر أصحابنا لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة. وقال أكثر المعتزلة يمتنع الكبيرة وإن مآب منها. وقالت الروافض لا يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة لا عمدا ولا سهوا ولا خطأ في التأويل، بل هم مبرّءون عنها بأسرها قبل الوحي وبعده. وإن شئت الزيادة فارجع إلى شرح المواقف وشرح الطوالع. اعلم أنّ العصمة المؤثمة عند الفقهاء هي عصمة نفس من القتل حقا لله تعالى، والعصمة المقوّمة هي عصمة نفس من القتل حقا للعبد، كذا في جامع الرموز في كتاب الجهاد في بيان الأراضي العشرية والخراجية.
العضادة:
[في الانكليزية] Alidade
[ في الفرنسية] Alidade
في علم الأسطرلاب: عبارة عن جسم يربط على سطح الحجرة، وعند الحاجة
стр. 1228
يحرّكونه. وحينئذ إذا كانت العضادة هكذا.
بحيث يضعون شظية الارتفاع على خطّ العلاقة فالعضادة تكون منصّفة لسطح ذلك. ويقال لتلك العضادة العضادة التامة. وأمّا إذا كانت على نحو بحيث ينطبق طرقها على الخط، فتلك العضادة تسمّى المحرفة. والشظية هي الطرف الدقيق للعضادة. والعضادة بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة مأخوذ من عضاد في الباب، وهما قطعتان من الخشب على شكل مسطرتين من كلا جانبي الباب.
وقال بعضهم: بفتح العين وتشديد الضاد، وهي مشتقة من العضد بمعنى المساعدة، لأنّها تساعد المنجّم في أعمال الأسطرلاب. كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح العشرين باب.
ويقول في منتخب اللغات: عضادة بالضم: خشبة الباب، وهي التي تسمّى عضد الباب. وبالكسر هي الكيّة على عضد البغال «١».
العضب:
[في الانكليزية] Suppression of a syllable (in prosody)
[ في الفرنسية] Suppression d'une syllable (en prosodie)
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج ٢ ١١٨٥ العضلة: ..... ص: ١١٨٥
في الفرنسية] Suppression d'une syllable (en prosodie)
بالفتح وسكون الضاد المعجمة عند أهل العروض هو خرم مفاعلتن سالما، والخرم إسقاط أول الوتد المجموع كذا في رسالة قطب الدين السرخسي. وفي بعض الرسائل الخرم إسقاط أول متحرّك من الوتد المجموع إذا كان الجزء صدر البيت.
العضلة:
[في الانكليزية] Muscle
[ في الفرنسية] Muscle
بفتح العين والضاد المعجمة هي كلّ عضو معها لحم كذا في القاموس. وفي المقاصد «٢» هي عضو مركّب من العصب ومن جسم شبيه بالعصب ينبت في أطراف العظام ويسمّى رباطا انتهى. وفي العلمي حاشية هداية الحكمة هي جسم مركّب من العصب والرباط واللحم. وفي بحر الجواهر هي جسم مركّب من العصب والرباط واللحم الأحمر والغشاء. وعضلة مكررة والعضلة المكرّرة هي عضلتان مائلتان تنبسطان بالفم. وعضلتا الظّهر هما عضلتان تجعلان الظهر يميل إلى الخلف فيصبح اثنين. والعضلتان العريضتان هما عضلتان على الوجه من جانبين تتصل بهما الشفة اثناء حركتها. ويقول صاحب الذخيرة: إنّ عدد عضلات بدن الإنسان خمسمائة وخمسة عشر على أصحّ الأقوال. ويقول الشيخ الرئيس إنّها خمسمائة وتسعة وعشرون «٣».
العضو:
[في الانكليزية] Limb ،member ،organ
[ في الفرنسية] Membre ،organe
بالضم والكسر وسكون الضاد المعجمة لغة اندام، الأعضاء الجمع. وعرّف الأعضاء بأنها أجسام كثيفة متولّدة من أول مزاج الأخلاط.
стр. 1229
فبقيد الكثيفة خرج الأرواح. وبقيد متولّدة الخ خرج الأخلاط والأجرام الفلكية والمعادن والنباتات. والمراد من الأخلاط الأخلاط المحمودة ليخرج الوسخ والرّمص. والمراد من مزاج الأخلاط ممزوجها، كما يراد بالخلق المخلوق. والشيء الذي يحدث من أول امتزاج الأخلاط هو الرطوبات الثانية، فالمعنى أنّ الأعضاء أجسام كثيفة متولّدة من أول ممتزج من الأخلاط المحمودة أي الرطوبة الثانية بعد استحالات، كما يجيء بيانها في لفظ الهضم.
والتولّد منها قد يكون بلا واسطة كالأعضاء الآلية أي المركّبة، وهذا التولّد مثل تولّد الأخلاط من أول مزاج الأركان أي من أول ممتزج منها وهو النبات إمّا بلا واسطة كالأخلاط المستحيلة عن النبات أو بواسطة كالمستحيلة من الأغذية الحيوانية كاللحم.
التقسيم:
الأعضاء إمّا رئيسة أو غير رئيسة. فالرئيسة هي التي تكون مبادي للقوى محتاجا إليها في بقاء الشخص، وهي القلب إذ هو مبدأ قوة الحياة، والدماغ إذ هو مبدأ قوة الحسّ والحركة، والكبد لأنّه مبدأ قوة التغذية؛ أو في بقاء النوع وهي هذه الثلاثة مع رابع وهو الأنثيان. وغير الرئيسة تنقسم إلى خادمة الرئيسة وغير خادمها، والأولى هي ما لا يكون مبدأ ولكن تكون معيّنة ومؤدية كالأعصاب للدماغ والشرايين للقلب والأوردة للكبد وأوعية المني للأنثيين، والثانية تنقسم إلى مرءوسة وغير مرءوسة. فالمرءوسة هي التي لا تكون مبدأ ولا معيّنة بل يجري إليها القوى من الأعضاء الرئيسة كالكلى والمعدة والطّحال والرّئة، وغير المرءوسة هي التي لا تكون رئيسة ولا خادمة لها ولا مرءوسة، فهي التي تختصّ بقوى غريزية، ولا يجري إليها من الأعضاء الرئيسة قوى أخرى كالعظام والغضاريف، فظهر أنّ بعض الأعضاء معطى وبعضها قابل وبعضها قابل ومعطى وبعضها لا معطى ولا قابل كذا في شرح القانونچهـ. وفي بحر الجواهر الخادمة للرئيسة هي التي ينتفي فيها المبدئية دون الإعانة. وأمّا المرءوسة بلا خدمة فهي التي ينتفي فيها الأمران دون القبول والأعضاء الغير المرءوسة ولا الرئيسة فهي التي ينتفي فيها الأمور الثلاثة، والأعضاء الخادمة تطلق على كلّ ما يتمّ به عمل آخر وهو إمّا أن يخدم خدمة مهيّئة وهي تتقدّم فعل الرئيس وتسمّى منفعة وإمّا أن يخدم خدمة مؤدّية وهي تتأخّر عن فعله ويسمّى خدمة على الإطلاق انتهى. وأيضا تنقسم إلى بسيطة ومركّبة. فالبسيطة وتسمّى بالمفردة والمتشابه الأجزاء أيضا هي التي أيّ جزء محسوس أخذ منها كان مشاركا للكلّ في الحدّ والاسم كالعظم والعصب ونحو ذلك. وقيد المحسوس احتراز عن الأجزاء العنصرية الغير المحسوسة. والمركّبة وتسمّى آلية أيضا بخلافها كاليد والرأس. إن قلت الشريان بسيط مع أنّ قطعته الصغيرة جدا بحيث لا يكون فيها تجويف لا تسمّى شريانا. قلت لا يقال لهذه القطعة جزء شريان لأنّ الشريان هي المشتمل على شكل له تجويف. ثم الاعضاء الأصلية هي الأعظام والأعصاب والعروق. وقيل هي التي تتولّد من المني، والأعضاء الطرفية هي الواقعة في أطراف البدن، وأعضاء الغذاء هي المعدة والكبد والطّحال، وأعضاء التناسل الخصيتان مع العروق المتّصلة بهما.
العطاء:
[في الانكليزية] Gift ،pay
[ في الفرنسية] Don ،solde ،paie
بالفتح وتخفيف الطاء يقارب الرّزق إلّا أنّ الفقهاء فرّقوا بينهما. فقيل الرّزق ما يخرج من بيت المال للجندي مثلا كلّ شهر، والعطاء ما يخرج له في كلّ سنة مرة أو مرتين. وعن الحلوائي العطاء ما يخرج كلّ سنة أو شهر
стр. 1230
والرّزق يوما بيوم. وفي شرح القدوري «١»:
العطاء ما يفرض للمقاتلين والرّزق ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلة كذا في المغرب، هكذا في البرجندي في كتاب الجهاد في ذكر الجزية، والعطيّة مرادف العطاء. وفي جامع الرموز الرّزق يقال للعطاء الجاري دنيويا أو دينيا وللنصيب ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به. وفي فصل العاقلة «٢» العطاء ما فرض لإنسان في بيت المال في كلّ سنة لا لحاجته، والرّزق ما فرض له بقدر حاجته، والكفاية ما فرض له كلّ شهر أو يوم مما يكفيه كما في الكرماني. وفي الظهيرية أنّ العطية ما فرض للمقاتلة والرّزق ما لغيرهم من فقراء المسلمين، فإن اجتمع العطية والرّزق في أحد أخذ الدّية من العطية كما في الاختيار انتهى.
العطف:
[في الانكليزية] Inflexion ،conjunction ،coordination
[ في الفرنسية] Inflexion ،conjonction ،coordination
بالفتح وسكون الطاء المهملة في اللغة الإمالة. وعند النحاة يطلق على المعنى المصدري وهو أن يميل المعطوف إلى المعطوف عليه في الإعراب أو الحكم كما وقع في المكمل «٣»، وعلى المعطوف وهو مشترك بين معنيين الأول العطف بالحرف ويسمّى عطف النّسق بفتح النون والسين أيضا لكونه مع متبوعه على نسق واحد، وهو تابع يقصد مع متبوعه متوسطا بينهما إلى إحدى الحروف العشرة، وهي الواو والفاء وثم وحتى وأو وأمّا وأم ولا وبل ولكن، وقد يجيء إلّا أيضا على قلّة كما في المغني. والمراد بكون المتبوع مقصودا أن لا يذكر لتوطئة ذكر التابع، فخرج جميع التوابع.
أمّا غير البدل فلعدم كونه مقصودا. وأمّا البدل فلكونه مقصودا دون المتبوع. ولا يخرج المعطوف بلا وبل ولكن وأم وأمّا وأو لعدم كون متبوعه مذكورا توطئة. وقيد التوسّط لزيادة التوضيح لأنّ الحدّ تام بدونه جمعا ومنعا هكذا في شروح الكافية؛ إلّا أنّهم زادوا قيد النسبة فإنهم قالوا هو تابع مقصود بالنسبة مع متبوعه لأنّهم أرادوا تعريف نوع منه وهو عطف الاسم على الاسم. وأمّا نحن فأردنا تعريفه بحيث يشتمل غيره أيضا كعطف الجملة على الجملة التي لا محلّ لها من الإعراب لظهور أنّ التابع هناك غير مقصود بالنسبة مع متبوعه، إذ لا نسبة هناك مع المتبوع، كما وقع في الهداد.
التقسيم
في المغني العطف ثلاثة أقسام. الأول العطف على اللفظ وهو الأصل، نحو ليس زيد بقائم ولا قاعد بالجر، وشرطه إمكان توجّه العامل إلى المعطوف. فلا يجوز في نحو ما جاءني من امرأة ولا زيد إلّا الرفع عطفا على الموضع لأنّ من الزائدة لا تعمل في المعارف.
والثاني العطف على المحلّ ويسمّى بالعطف
стр. 1231
على الموضع أيضا نحو ليس زيد بقائم ولا قاعدا بالنصب، وله عند المحقّقين شروط ثلاثة.
أولها إمكان ظهور ذلك المحلّ في الفصيح. ألا ترى أنّه يجوز في ليس زيد بقائم أن تسقط الباء فتنصب؛ وعلى هذا فلا يجوز مررت بزيد وعمروا خلافا لابن جنّي لأنّه يجوّز مررت زيدا. ثانيها أن يكون الموضع بحق الأصالة فلا يجوز هذا ضارب زيدا وأخيه خلافا للبغداديين لأنّ الوصف المستوفي بشروط العمل الأصل أعماله لا الإضافة. ثالثها وجود المحرز أي الطالب لذلك المحلّ خلافا للكوفيين وبعض البصريين. ولذا امتنع أن زيدا وعمروا قائمان وذلك لأنّ الطالب لرفع زيد هو الابتداء أي التجرّد عن العوامل اللفظية وقد زال بدخول إنّ ومن الغريب قول أبي حيان، إنّ من شرط العطف على الموضع أنّ يكون للمعطوف عليه لفظا وموضع فجعل صورة المسألة شرطا لها، ثم إنّه أسقط الشرط الأول ولا بد منه. الثالث العطف عل التوهّم ويسمّى في القرآن العطف على المعنى نحو ليس زيد قائما ولا قاعد بالخفض على توهّم دخول الباء في الخبر، وشرط جوازه صحّة دخول ذلك العامل المتوهّم وشرط حسنه كثرة دخوله هناك كما في المثال المذكور، ويقع هذا في المجرور كما عرفت وفي المجزوم نحو: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ «١» لأنّ معنى لولا أخرتني فأصّدّق ومعنى إن أخّرتني أصّدّق واحد. وفي المنصوب نحو قام القوم غير زيد وعمروا بالنصب فإنّ غير زيد في موضع إلّا زيدا. قال سيبويه: إنّ من الناس من يغلطون فيقولون إنّهم أجمعون ذاهبون، وإنّك وزيد ذاهبان وذلك أنّ معناه معنى الابتداء. ومراده بالغلط ما عبّر عنه غيره بالتوهّم. وفي المنصوب اسما نحو قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ «٢» فيمن فتح الباء كأنّه قيل وهبنا له إسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، وفعلا كقراءة بعضهم: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ «٣» حملا على معنى ودّوا أن تدهن. وفي المركّبات كما قيل في قوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ «٤» إنّه على معنى أرأيت كالذي حاجّ وكالذي مرّ، انتهى ما في المغني.
فائدة:
عطف الاسمية على الفعلية وبالعكس فيه ثلاثة مذاهب، الجواز مطلقا والمنع مطلقا والجواز في الواو فقط.
فائدة:
عطف الخبر على الإنشاء وبالعكس منعه البيانيون وابن مالك وابن عصفور «٥» ونقله عن الأكثرين وأجازه الصفار «٦» وجماعة، ووفّق الشيخ بهاء الدين السبكي «٧» بينهما وحاصله أنّ
стр. 1232
أهل البيان متفقون على المنع بلاغة، وأكثر النحاة قائلون بجوازه لغة كذا في المغني وشرحه. وفي الارشاد «١» عطف الفعل على الاسم جائز ويجوز عكسه، وعطف الجملة على المفرد ويجوز عكسه، وعطف الماضي على المضارع وعكسه أيضا، ويحتاج كلّ إلى تأويل بالوفاق.
فائدة:
عطف القصة على القصة هو أن يعطف جمل مسوقة لغرض على جمل مسوقة لغرض آخر لمناسبة بين الغرضين. فكلّما كانت المناسبة أشدّ كان العطف أحسن من غير نظر إلى كون تلك الجمل خبرية أو إنشائية. فعلى هذا يشترط أن يكون المعطوف والمعطوف عليه جملا متعددة. وقد يراد بها عطف حاصل مضمون أحدهما على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى الإنشائية والخبرية، هكذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في الخطبة.
فقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٢» إلى قوله وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا «٣» ليس من باب عطف الجملة على الجملة بل من باب ضمّ جمل مسوقة لغرض إلى جمل أخرى مسوقة لغرض آخر. والمقصود بالعطف المجموع.
ويجوز أن يراد به عطف الحاصل على الحاصل، يعني أنّه ليس المعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، بل المعتمد بالعطف هو الجملة من حيث إنّها وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على الجملة من حيث إنّها وصف عقاب الكافرين كما تقول زيد يعاقب بالقيد والإزهاق وبشّر عمروا بالعفو والإطلاق. ثم هذا المثال يمكن أن يجعل من عطف قصة على قصة بالمعنى الأول، وإن لم يكن فيه جمل بل جملتان بأن يقال فيه عطف قصة عمرو الدالة على أحسن حاله على قصة زيد الدالة على أسوإ حاله، لكنه اقتصر من القصتين على ما هو العمدة فيهما إذ يفهم منه الباقي منهما، فكأنّه قال: زيد يعاقب بالقيد والإزهاق فما أسوأ حاله وما أخسره إلى غير ذلك وبشر عمروا بالعفو والإطلاق فما أحسن حاله وما أربحه، هكذا في المطول وحواشيه في باب الوصل والفصل.
فائدة:
عطف التلقين وهو أن يلقّن المخاطب المتكلّم بالعطف كما تقول أكرمك فيقول المخاطب وزيدا أي قل وزيدا أيضا، وعلى هذا قوله تعالى قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي «٤» بعد قوله إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي قل وَمِنْ ذُرِّيَّتِي. قيل عليه تلقين القائل يقتضي أن يقال ومن ذريتك وأجاب عنه جدّي رحمة الله عليه في حاشيته على البيضاوي بأنّ معنى عطف التلقين أن يقول المخاطب للمتكلّم قل وهذا أيضا عطفا على ما قلت على وجه ينبغي لك لا على وجه قلت أنا مثل أن تقول ومن ذريتك لا أن تقول ومن ذريتي. وإنّما قال المخاطب ومن ذريتي مناسبا لحاله.
стр. 1233
فائدة:
عطف أحد المترادفين على الآخر ويسمّى بالعطف التفسيري أيضا، أنكر المبرّد وقوعه في القرآن. وقيل المخلّص في هذا أن يعتقد أنّ مجموع المترادفين يحصّل معنى لا يوجد عند انفرادهما. فإنّ التركيب يحدث أمرا زائدا. وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ. وقد يعطف الشيء على نفسه تأكيدا كما في فتح الباري شرح صحيح البخاري.
فائدة:
عطف الخاص على العام التنبيه على فضله حتى كأنّه ليس من جنس العام. وسمّاه البعض بالتجريد كأنّه جرّد من الجملة وأفرد بالذّكر تفصيلا ومنه: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «١».
فائدة:
عطف العام على الخاص أنكر بعضهم وجوده فأخطأ، والفائدة فيه واضحة، وهو التعميم وأفراد الأول بالذكر اهتماما بشأنه، ومنه قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي «٢» والنّسك العبادة فهو أعمّ كذا في الاتقان.
فائدة:
جمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد نحو إنّ زيدا ذاهب وعمرا جالس، وعلى معمولات عامل واحد نحو أعلم زيد عمرا بكرا جالسا وأبو بكر خالدا سعيدا منطلقا، وأجمعوا على منع العطف على معمول أكثر من عاملين نحو إنّ زيدا ضارب أبوه لعمرو وأخاك غلامه بكر وأمّا معمولا عاملين مختلفين فإن لم يكن أحدهما جارا فقال ابن مالك هو ممتنع إجماعا، نحو كان زيد آكلا طعامك عمرو وتمرك بكر، وليس كذلك بل نقل الفارسي الجواز مطلقا عن جماعة، وقيل إنّ منهم الأخفش. وإن كان أحدهما جارا فإن كان الجار مؤخرا نحو زيد في الدار والحجرة عمرو أو عمرو الحجرة فنقل المهدوي «٣» أنّه ممتنع إجماعا وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرناه، وإن كان الجار مقدّما نحو في الدار زيد والحجرة عمرو فالمشهور عن سيبويه المنع وبه قال المبرّد وابن السّرّاج «٤». ومنع الأخفش الإجازة. قال الكسائي والفراء والزجاج فصل قوم منهم الأعلم «٥» فقالوا إن ولي المخفوض العاطف كالمثال جاز لأنّه كذا سمع، ولأنّ فيه تعادل المتعاطفات، وإلّا امتنع نحو في الدار زيد وعمرو الحجرة. والثاني عطف البيان وهو تابع يوضّح أمر المتبوع من الدال عليه لا على معنى فيه. فبقيد الإيضاح خرج التأكيد والبدل وعطف النّسق لعدم كونها موضّحة للمتبوع.
وبقولنا من الدّال عليه أي على المتبوع لا على معنى فيه أي في المتبوع خرج الصفة فإنّ الصّفة
стр. 1234
تدلّ على معنى في المتبوع بخلاف عطف البيان فإنّه يدلّ على نفس المتبوع نحو اقسم بالله أبو حفص عمر، ولا يلزم من ذلك أن يكون عطف البيان أوضح من متبوعه بل ينبغي أن يحصل من اجتماعهما إيضاح لم يحصل من أحدهما على الانفراد، فيصحّ أن يكون الأول أوضح من الثاني، كذا في العباب والفوائد الضيائية، وقد ذكر ما يتعلّق بهذا في لفظ التوضيح أيضا.
فائدة:
يفترق عطف البيان والبدل في أمور ثمانية. الأول: أنّ العطف لا يكون مضمرا ولا تابعا لمضمر لأنّه في الجوامد نظير النعت في المشتقّ، وأمّا البدل فيكون تابعا لضمير بالاتفاق نحو قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ «١» وكذا يكون مضمرا تابعا لمضمر نحو رأيته إياه، أو لظاهر كرأيت زيدا إياه وخالف في ذلك ابن مالك، والصّواب في الأول قول الكوفيين أنّه توكيد كما في قمت أنت. الثاني: أنّ البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره ولا يختلف النحاة في جواز ذلك في البدل نحو بِالنَّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ «٢». الثالث أنّه لا يكون جملة بخلاف البدل نحو قوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ «٣»، وهو أصح الأقوال في عرفت زيدا أيؤمن هو الرابع: أنّه لا يكون تابعا لجملة بخلاف البدل نحو قوله تعالى اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً «٤» الخامس: أنّه لا يكون فعلا تابعا لفعل بخلاف البدل نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ «٥» السادس: أنّه لا يكون بلفظ الأول ويجوز ذلك في البدل بشرط أن يكون مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا «٦» بنصب كلّ الثاني، قاله ابن الطراوة «٧» وتبعه على ذلك ابن مالك وابنه، وحجتهم أنّ الشيء لا يبيّن بنفسه. والحقّ جواز ذلك في عطف البيان أيضا. السابع: أنّه ليس في النية إحلاله محلّ الأول بخلاف البدل فإنّه في حكم تكرير العامل، ولذا تعيّن البدل في نحو أنا الضارب الرجل زيد. الثامن: أنّه ليس في التقدير من جملة أخرى بخلاف البدل ولذا تعيّن البدل في نحو هند قام عمرو أخوها، ونحو مررت برجل قام عمرو أخوه، ونحو زيدا ضربت عمروا أخاه. وإن شئت الزيادة على هذا فارجع إلى المغني.
عطف النّسق:
[في الانكليزية] Conjunction
[ في الفرنسية] Conjonction
عند النحاة هو العطف بالحرف كما مرّ.
العظم:
[في الانكليزية] Bone
[ في الفرنسية] Os
بالفتح وسكون الظاء المعجمة استخوان.
وعرّفه الأطباء بأنه عضو بسيط يبلغ صلابته إلى حدّ لا يمكن تثنيته، ومن لا يعدّ الأسنان من العظام بل يعدّها من الأعصاب الصلبة الغضروفية يزيد قيد غير حساس لإخراجها، فإنّهم اختلفوا في كون العظم حسّاسا، ومجموع
стр. 1235
العظام في البدن الإنساني مائتان وثمانية وأربعون، سوى السمسانيات والعظم اللامي.
العظم:
[في الانكليزية] Greatness ،dimension ،measure
[ في الفرنسية] Grandeur ،dimension ،mesure
بالضم عند المنجمين يطلق على قدر من الأقدار المتزايدة كما سيجيء. وعند المهندسين يطلق على قسم الكمية المتّصلة. وفي بعض حواشي تحرير أقليدس الكمية المتّصلة يقال لأقسامها وهي الخط والسطح والجسم والمكان والزمان أعظام. والأعظام إذا نسب بعضها إلى بعض وقدّر بعضها ببعض يقال لها مقادير انتهى كلامه.
العفّة:
[في الانكليزية] Vertue ،chastity
[ في الفرنسية] Vertu ،chastete
بالكسر وتشديد الفاء هي هيئة للقوة الشهوية متوسّطة بين الفجور والخمور كما مرّ في لفظ الخلق. وفي مجمع السلوك العفّة هو ترك الشهوات أي شهوات كلّ شيء.
العفو:
[في الانكليزية] Excess ،what remains
[ في الفرنسية] Excedent ،ce qui reste
بالفتح وسكون الفاء لغة الزائد على النفقة من المال. وشرعا ما زاد على النّصاب من المال كذا في جامع الرموز في كتاب الزكاة.
العفيفة:
[في الانكليزية] Upright ،chaste
[ في الفرنسية] Probe ،chaste ،integre
كاللطيفة ذات لها صفة بها تغلب على الشهوة، وحاصله امرأة ذات عفّة. وشرعا امرأة برئة عن الوطء الحرام والتّهمة به، وهذه هي التي يجب بقذفها اللّعان كذا في جامع الرموز في فصل اللعان.
العقاب:
[في الانكليزية] Punishment
[ في الفرنسية] Chatiment ،punition
بالكسر وبالقاف هو ما يلحق الإنسان بعد الذّنب من المحنة في الآخرة. وأمّا ما يلحقه من المحنة بعد الذّنب في الدنيا فيسمّى بالعقوبة كذا في البرجندي في كتاب الحدود. وقد يخصّ العقوبة بتعزير الذمّي كما ذكر في لفظ التعزير.
وتطلق العقوبات أيضا على الأحكام الشرعية المتعلّقة بأمر الدنيا باعتبار المدينة كما مرّ في تفسير علم الفقه في المقدّمة وهو أحد أركان الفقه.
العقار:
[في الانكليزية] Piece of land ،site ،dwelling ،personal property or real estate
[ في الفرنسية] Terrain ،logis ،mobilier ،biens mobiliers ou immobiliers
بفتح العين والقاف المخففة في اللغة الأرض والشجر والمتاع كما في الصحاح وغيره، فهو شامل للمنقول أيضا. وفي الشريعة العرصة مبنية كانت أو لا، وما في العمادي أنّه العرصة المبنية لا يخلو عن شيء فإنّ البناء ليس من العقار في شيء كما لا يخفى على المتتبّع، كذا في جامع الرموز في كتاب النكاح في فصل النفقة.
العقد:
[في الانكليزية] Contract ،pact
[ في الفرنسية] Contrat ،pacte
بالفتح وسكون القاف في الأصل الجمع بين أطراف الجسم. وشرعا الإيجاب والقبول مع الارتباط المعتبر شرعا كذا في جامع الرموز، فهو شامل لأمور ثلاثة: الإيجاب والقبول والارتباط كما في العارفية حاشية شرح الوقاية في كتاب النكاح. وعند البلغاء أنّ ينظم نثر قرآنا كان أو حديثا أو مثلا أو غير ذلك لا على طريق الاقتباس. فالنثر الذي قصد نظمه إن كان غير القرآن أو الحديث فنظمه عقد على أيّ طريق كان إذ لا دخل فيه للاقتباس، وإن كان قرآنا أو حديثا فإنّما يكون عقدا إذا غيّر تغييرا كثيرا لا يتحمل مثله في الاقتباس، أو لم يغيّر تغييرا كثيرا ولكن أشير إلى أنّه من القرآن أو الحديث وحينئذ يكون لا على طريق الاقتباس.
стр. 1236
فمثال العقد من القرآن قوله:
أنلني بالذي استقرضت خطأ وأشهد معشرا قد شاهدوه فإنّ الله خلّاق البرايا عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه ومثال العقد من الحديث قول الإمام الشافعيّ:
عمدة الخير عندنا كلمات قالهن خير البريّة اتّق الشّبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيّة
عقد قوله ﵌: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات) «١»، وقوله ﵇: (ازهد في الدنيا يحبّك الله) «٢»، وقوله ﵇: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) «٣»، وقوله ﵇: (إنّما الأعمال بالنيات) «٤». ومثال العقد من غير القرآن والحديث قول أبي العتاهية.
ما بال من أوّله نطفة وجيفة آخره يفخر عقد قول عليّ ﵁: وما لابن آدم والفخر وإنّما أوله نطفة وآخره جيفة.
عقد الوضع:
[في الانكليزية] Position
[ في الفرنسية] Position
عند المنطقيين هو اتصاف ذات الموضوع بوصفه العنواني، كما أنّ عقد الحمل عندهم اتصاف ذات الموضوع بوصف المحمول.
والأول تركيب تقييدي والثاني تركيب خبري.
ومحصّل مفهوم القضية يرجع إلى هذين العقدين، كذا في شرح الشمسية في تحقيق المحصورات.
العقدة:
[في الانكليزية] Knot ،zenith and nadir
[ في الفرنسية] Noeud ،zenith et nadir
بالضم وسكون القاف عند أهل الهيئة اسم للرأس والذّنب، وعقدة الرأس تسمّى أيضا بالعقدة الشمالية وعقدة الذّنب تسمّى بالعقدة الجنوبية على ما في شجرة الثمرة «٥» وقد سبق أيضا في لفظ الجوزهر. وعند الشّعراء بيت يأتي بعد كلّ قسم من الترجيع كما مرّ «٦».
العقر:
[في الانكليزية] Dowry given to a woman
[ في الفرنسية] Dot donne a la femme
بالضمّ وسكون القاف. المهر الذي يصير واجبا بشبهة الوطء. كذا في الصراح «٧». وفي الجوهرة النيرة العقر إذا ذكر في الحرائر يراد به مهر المثل وإذا ذكر في الإماء فهو عشر قيمتها إن كانت بكرا وإن كانت ثيّبا فنصف عشر قيمتها كذا ذكره السّرخسي. وفي جامع الرموز في كتاب المكاتب العقر مقدار مهر المثل. وقيل مقدار بدل إجارة المرأة للوطء لو كان الاستئجار مباحا، والفتوى على الأول.
العقص:
[في الانكليزية] Suppression of two syllables (in prosody)
[ في الفرنسية] Suppression de deux syllabes (en prosodie)
بالفتح وسكون القاف عند أهل العروض هو اجتماع الخرم والعصب والكفّ، أو نقول
стр. 1237
هو جمع والخرم والنقص والنقص الكف بعد العصب، فمفاعلتن بالنقص يصير مفاعيل، ثم بالخرم يصير فاعيل، ولعدم كونه مستعملا يوضع موضعه مفعول، كذا في عنوان الشرف وجامع الصنائع ورسالة قطب الدين السرخسي.
العقل:
[في الانكليزية] Wind ،reason ،intellect
[ في الفرنسية] Vent ،raison ،intellect
بالفتح وسكون القاف يطلق على معان منها إسقاط الخامس المتحرّك كذا في عنوان الشرف. وفي رسالة قطب الدين السرخسي العقل إسقاط الخامس بعد العصب انتهى، والمآل واحد إلّا أنّ الأول لقلة عمله أولى.
ويقول في منتخب اللغات العقل هو إسقاط التاء من مفاعلتن «١». وعلى هذا اصطلاح أهل العروض، ومنها الشكل المسمّى بالطريق في علم الرمل ومنها عنصر الهواء. وأهل الرّمل يسمّون الريح عقلا، الريح الأولى يسمّونها العقل الأول، حتى إنهم يسمّون ريح العتبة الداخلة العقل السابع، حسب ترتيب وضع جدول الأنوار في الطالب والمطلوب كما مرّ. وهذا اصطلاح أهل الرّمل «٢». ومنها التعقّل صرّح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشيته لشرح المواقف في تعريف النّظر، وهو إدراك شيء لم يعرضه العوارض الجزئية الملحقة بسبب المادة في الوجود الخارجي من الكم والكيف والأين والوضع وغير ذلك. وحاصله إدراك شيء كلّي أو جزئي مجرّد عن اللواحق الخارجية، وإن كان التجرّد حصل بالتجريد فإنّ المجرّدات كلّية كانت أو جزئية معقولة بلا احتياج إلى الانتزاع والتجريد، والماديات الكلّية أيضا معقولة لكنها محتاجة إلى الانتزاع والتجريد عن العوارض الخارجية المانعة من التعقّل. وأما الماديات الجزئية فلا تتعقّل، بل إن كانت صورا تدرك بالحواس وإن كانت معاني فبالوهم التابع للحسّ الظاهري، هكذا حقّق السّيد السّند في حواشي شرح حكمة العين. ومنها مطلق المدرك نفسا كان أو عقلا أو غيرهما كما يجيء في لفظ العلم. ومنها موجود ممكن ليس جسما ولا حالا فيه ولا جزءا منه، بل هو جوهر مجرّد في ذاته مستغن في فاعليته عن آلات جسمانية.
وبعبارة أخرى هو الجوهر المجرّد في ذاته وفعله أي لا يكون جسما ولا جسمانيا ولا يتوقّف أفعاله على تعلّقه بجسم. وبعبارة أخرى هو جوهر مجرّد غير متعلّق بالجسم تعلّق التدبير والتصرّف، وإن كان متعلّقا بالجسم على سبيل التأثير. فبقيد الجوهر خرج العرض والجسم.
وبقيد المجرّد خرج الهيولى والصورة. وبالقيد الأخير خرج النفس الناطقة. والعقل بهذا المعنى أثبته الحكماء. وقال المتكلّمون لم يثبت وجود المجرّد عندنا بدليل، فجاز أن يكون موجودا وأن لا يكون موجودا، سواء كان ممكنا أو ممتنعا. لكن قال الغزالي والرّاغب في النفس إنّه الجوهر المجرّد عن المادة. ومنهم من جزم امتناع الجوهر المجرّد. وفي العلمي حاشية شرح هداية الحكمة: هذا الجوهر يسمّيه الحكماء عقلا ويسمّيه أهل الشرع ملكا، وفي بعض حواشي شرح الهداية القول بأنّ العقول المجرّدة هي الملائكة تستّر بالإسلام لأنّ الملائكة في الإسلام أجسام لطيفة نورانية قادرة على أفعال شاقّة متشكّلة بأشكال مختلفة ولهم أجنحة وحواس. والعقول عندهم مجرّدة عن المادة، وكأنّ هذا تشبيه، يعني كما أنّ عندكم
стр. 1238
المؤثّر في العالم أجسام لطيفة فكذلك عندنا المؤثّر فيه عقول مجردة انتهى.
فائدة:
قال الحكماء: الصادر الأول من البارئ تعالى هو العقل الكلّ وله ثلاثة اعتبارات:
وجوده في نفسه ووجوبه بالغير وإمكانه لذاته، فيصدر عنه أي عن العقل الكلّ بكل اعتبار أمر فباعتبار وجوده يصدر عنه عقل ثان، وباعتبار وجوبه بالغير يصدر نفس، وباعتبار إمكانه يصدر جسم، وهو فلك الأفلاك. وإنّما قلنا إنّ صدورها عنه على هذا الوجه استنادا للأشرف إلى الجهة الأشرف والأخسّ إلى الأخسّ، فإنّه أحرى وأخلق. وكذلك يصدر من العقل الثاني عقل ثالث ونفس ثانية وفلك ثان، هكذا إلى العقل العاشر الذي هو في مرتبة التاسع من الأفلاك، أعني فلك القمر، ويسمّى هذا العقل بالعقل الفعّال، ويسمّى في لسان أهل الشرع بجبرئيل ﵇ كما في شرح هداية الحكمة، وهو المؤثّر في هيولى العالم السّفلي المفيض للصّور والنفوس والأعراض على العناصر والمركّبات بسبب ما يحصل لها من الاستعدادات المسبّبة من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية وأوضاعها. وفي الملخص إنهم خبطوا فتارة اعتبروا في الأول جهتين:
وجوده وجعلوه علّة التعقّل، وإمكانه وجعلوه علّة الفلك. ومنهم من اعتبر بدلهما تعلّقه بوجوده وإمكانه علّة تعقّل وفلك وتارة اعتبروا فيه كثرة من وجوه ثلاثة كما مرّ، وتارة من أربعة أوجه، فزادوا علمه بذلك الغير وجعلوا إمكانه علّة لهيولى الفلك، وعلمه علّة لصورته. وبالجملة فالحقّ أنّ العقول عاجزة عن درك نظام الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر.
فائدة:
قالوا العقول لها سبعة أحكام. الأول أنّها ليست حادثة لأنّ الحدوث يستدعي مادة.
الثاني ليست كائنة ولا فاسدة، إذ ذاك عبارة عن ترك صورة ولبس صورة أخرى، فلا يتصوّر ذلك إلّا في المركّب المشتمل على جهتي قبول وفعل. الثالث نوع كلّ عقل منحصر في شخصه إذ تشخّصه بماهيته، وإلّا لكان من المادة هذا خلف. الرابع ذاتها جامعة لكمالاتها أي ما يمكن أن يحصل لها فهو حاصل بالفعل دائما وما ليس حاصلا لها فهو غير ممكن. الخامس أنّها عاقلة لذواتها. السادس أنّها تعقل الكليات وكذا كلّ مجرّد فإنّه يعقل الكليات. السابع أنّها لا تعقل الجزئيات من حيث هي جزئية لأنّ تعقّل الجزئيات يحتاج إلى آلات جسمانية. وإن شئت أن يرتسم خبطهم في ذهنك فارجع إلى شرح المواقف.
فائدة:
قال الحكماء أول ما خلق الله تعالى العقل كما ورد به نصّ الحديث. قال بعضهم وجه الجمع بينه وبين الحديثين الآخرين (أول ما خلق الله القلم) «١» و (أول ما خلق الله نوري) «٢» أنّ المعلول الأول من حيث إنّه مجرّد يعقل ذاته ومبدأه يسمّى عقلا، ومن حيث إنّه واسطة في صدور سائر الموجودات في نقوش العلوم يسمّى قلما، ومن حيث توسّطه في إفاضة أنوار النّبوّة كان نورا لسيّد الأنبياء عليه وعليهم السلام، كذا في شرح المواقف. قال في كشف اللغات:
العقل الأول في لسان الصوفية هو مرتبة
стр. 1239
الوحدة. ويقول في لطائف اللغات: العقل هو عبارة عن النّور المحمدي ﷺ . «١». وفي الإنسان الكامل العقل الأول هو محلّ تشكيل العلم الإلهي في الوجود لأنّه العلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله، بل هو تفصيل علم الإجمال الإلهي واللوح محلّ تنزّله. ثم العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح كما أنّ اللوح من العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له، فالعلم الإلهي هو أمّ الكتاب والعقل الأول هو الإمام المبين واللوح هو الكتاب المبين، فاللوح مأموم بالقلم تابع له، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصّل للقضايا المجملة في دواة العلم الإلهي المعبّر عنها بالنون. والفرق بين العقل الأول والعقل الكلّ وعقل المعاش أنّ العقل الأول بعد علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية.
وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي.
ولذا قال ﵊ (أنّ أول ما خلق الله تعالى العقل) «٢» فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية، والعقل الكلّ هو القسطاس المستقيم وهو ميزان العدل في قبّة الروح للفصل. وبالجملة فالعقل الكلّ هو العاقلة أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول. ثم إنّ عقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري فهو لا يدرك إلّا بآلة الفكر، ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلّ فقط لا طريق له إلى العقل الأوّل، لأنّ العقل الأوّل منزّه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاس، بل هو محلّ صدور الوحي القدسي إلى نوع النفس، والعقل الكلّ هو الميزان العدل للأمر الفصلي، وهو منزّه عن الحصر بقانون دون غيره، بل وزنه للأشياء على معيار وليس لعقل المعاش إلّا معيار واحد وهو الفكر وكفّة واحدة وهي العادة وطرف واحد وهو المعلوم وشوكة واحدة وهو الطبيعة، بخلاف العقل الكلّ فإنّ له كفّتين الحكمة والقدرة، وطرفين الاقتضاءات الإلهية والقوابل الطبعية، وشوكتين الإرادة الإلهية والمقتضيات الخلقية، وله معاير شتّى. ولذا كان العقل الكلّ هو القسطاس المستقيم لأنّه لا يحيف ولا يظلم ولا يفوته شيء بخلاف عقل المعاش فإنّه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة لأنّه على كفة واحدة وطرف واحد.
فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس، ونسبة العقل الكلّ نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس، ونسبة عقل المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا بلغ على جدار، فالناظر في الماء يأخذ هيئة الشمس على صحته ويعرف نوره على حليته كما لو رأى الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما، إلّا أنّ الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلو والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى السفل، فكذلك الآخذ علمه من العقل الأول يرفع بنور قلبه إلى العلم الإلهي، والآخذ علمه من العقل الكلّ ينكس بنور قلبه إلى المحلّ الكتاب فيأخذ منه العلوم المتعلّقة بالأكوان وهو الحدّ الذي أودعه الله في اللوح المحفوظ، إمّا يأخذ بقوانين الحكمة وإمّا بمعيار القدرة على قانون وغير قانون، فهذا الاستقراء منه انتكاس لأنّه من اللوازم الخلقية الكلّية لا يكاد يخطئ إلّا فيما استأثر الله به بخلاف العقل الأول فإنّه يتلقّى من الحقّ بنفسه.
اعلم أنّ العقل الكلّ قد يستدرج به أهل الشقاوة فيقبح عليهم أهويتهم فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان كالطبائع والأفلاك والنور والضياء وأمثالها، فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء، وذلك بمكر الله لهم. والنكتة
стр. 1240
فيه أنّ الله سبحانه يتجلّى لهم في لباس هذه الأشياء فيدركها هؤلاء بالعقل فيقولون بأنّه هي الفعّالة والآلهة، لأنّ العقل الكلّ لا يتعدّى الكون، فلا يعرفون الله به لأنّ العقل لا يعرف إلّا بنور الإيمان، وإلّا فلا يمكن أن يعرفه العقل من نظيره وقياسه سواء كان العقل معاشا أو عقلا كلّا؛ على أنّه قد ذهب أئمتنا إلى أنّ العقل من أسباب المعرفة، وهذا من طريق التوسّع لإقامة الحجّة، وكذلك عقل المعاش فإنّه ليس له إلّا جهة واحدة وهي النظر والفكر. فصاحبه إذا أخذ في معرفة الله به فإنّه يخطئ، ولهذا إذا قلنا بأنّ الله لا يدرك بالعقل أردنا به عقل المعاش. ومتى قلنا إنّه يعرف بالعقل أردنا به عقل المعاش. ومتى قلنا إنّه يعرف بالعقل أردنا به العقل الأول.
اعلم أنّ علم العقول الأوّل والقلم الأعلى نور واحد فبنسبته إلى العبد يسمّى العقل الأول وبنسبته إلى الحق يسمّى القلم الأعلى. ثم إنّ العقل الأول المنسوب إلى محمد ﵌ خلق الله جبرئيل ﵇ منه في الأول فكان محمد ﵌ أبا لجبرئيل وأصلا لجميع العالم. فاعلم إن كنت ممّن يعلم أنّه لهذا وقف عنه جبرئيل في إسرائه وتقدّم وحده، ويسمّى العقل الأول بالروح الأمين لأنّه خزانة علم الله وأمينه، ويسمّى بهذا الاسم جبرئيل من تسمية الفرع بأصله انتهى ما في الإنسان الكامل. ويقول في كشف اللغات:
العقل الأوّل والعقل الكلّي هو جبرائيل ﵇. وفي القاموس: إنّهم يسمّون العرش عقلا، وكذلك أصل وحقيقة الإنسان من حيث أنّه فيض وواسطة لظهور النفس الكلّية. وقد أطلقوا عليه أربعة أسماء: الأول: العقل. الثاني القلم الأول. الثالث الروح الأعظم. الرابع أمّ الكتاب.
وعلى وجه الحقيقة: إنّ آدم هو صورة العقل الكلّي وحواء هي صورة النّفس الكلّية، انتهى كلامه «١». ومنها النفس الناطقة باعتبار مراتبها في استكمالها علما وعملا وإطلاق العقل على النفس بدون هذا الاعتبار أيضا شائع كما في بديع الميزان من أنّ العقل جوهر مجرّد عن المادة لذاته، مقارن لها في فعله، وهو النفس الناطقة التي يشير إليها كلّ واحد بقوله أنا. منها نفس تلك المراتب. ومنها قواها في تلك المراتب. قال الحكماء بيان ذلك أنّ للنفس الناطقة جهتين: جهة إلى عالم الغيب وهي باعتبار هذه الجهة متأثّرة مستفيضة عمّا فوقها من المبادئ العالية وجهة إلى عالم الشهادة وهي باعتبار هذه الجهة مؤثّرة متصرّفة فيما تحتها من الأبدان، ولا بد لها بحسب كلّ جهة قوة ينتظم بها حالها هناك. فالقوة التي بها تتأثّر وتستفيض من المبادئ العالية لتكميل جوهرها من التعقّلات تسمّى قوة نظريّة وعقلا نظريا، والتي بها تؤثّر في البدن وتتصرّف فيه لتكميل جوهره تسمّى قوة عملية وعقلا عمليا، وإن كان ذلك أيضا عائدا إلى تكميل النفس من جهة أنّ البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل. ولكلّ من القوتين أربع مراتب. فمراتب القوة النظرية أولها العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوّة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال، فإنّ لهم في حال الطفولية وابتداء الخلقة استعدادا محضا وإلّا امتنع اتصاف النفس بالعلوم. وكما يكون النفس في بعض الأوقات خالية عن مبادئ نظري من النظريات فهذه الحالة عقل هيولاني لذلك النفس بالاعتبار إلى هذا النظري، وليس هذا الاستعداد حاصلا لسائر الحيوانات. وإنّما نسب إلى الهيولى لأنّ النفس
стр. 1241
في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حدّ ذاتها عن الصور كلّها وتسمّى النفس وكذا قوة النفس في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني أيضا. وعلى هذا فقس سائر المراتب. وفي كون هذه المرتبة من مراتب القوة النظرية نظر لأنّ النفس ليس لها هاهنا تأثّر بل استعداد تأثّر، فينبغي أن تفسّر القوة النظرية بالتي يتأثّر بها النفس أو تستعد بها لذلك، ويمكن أن يقال استعداد الشيء من جملته. فمبنى هذا على المساهلة وإنّما بني على المساهلة تنبيها على أنّ المراد هو الاستعداد القريب من الفعل إذ لو كان مطلق الاستعداد لما انحصرت المراتب في الأربع إذ ليس لها باعتبار الاستعداد البعيد مرتبة أخرى فوق الهيولاني وهي المرتبة الحاصلة لها قبل تعلّق النفس بالبدن. وثانيتها العقل بالملكة وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات منها، وهذا العلم حادث بعد ابتداء الفطرة، فله شرط حادث بالضرورة دفعا للترجيح بلا مرجّح في اختصاصه بزمان معيّن، وما هو إلّا الإحساس بالجزئيات والتنبيه لما بينها من المشاركات والمباينات، فإنّ النفس، إذا أحسّت بجزئيات كثيرة وارتسمت صورها في آلاتها الجسمانية ولاحظت نسبة بعضها إلى بعض استعدّت لأن تفيض عليها من المبدأ صور كلّية وأحكام تصديقية فيما بينها، فهذه علوم ضرورية، ولا نريد بها العلم بجميع الضروريات فإنّ الضروريات قد تفقد إمّا بفقد التصوّر كحسّ البصر للأكمه وقوة المجامعة للعنّين، أو بفقد شرط التصديق، فإنّ فاقد الحسّ فاقد للقضايا المستندة إلى ذلك الحسّ، وبالجملة فالمراد بالضروريات أوائل العلوم وبالنظريات ثوانيها سمّيت به لأنّ المراد بالملكة إمّا ما يقابل الحال، ولا شكّ أنّ استعداد الانتقال إلى المعقولات راسخ في هذه المرتبة، أو ما يقابل العدم كأنّه قد حصل للنفس فيها وجود الانتقال إليها بناء على قربه، كما سمّي العقل بالفعل عقلا بالفعل لأنّ قوته قريبة من الفعل جدا. قال شارح هداية الحكمة: العقل بالملكة إن كان في الغاية بأن يكون حصول كلّ نظري بالحدس من غير حاجة إلى فكر يسمّى قوة قدسية. وثالثتها العقل بالفعل وهو ملكة استنباط النظريات من الضروريات أي صيرورة الشخص بحيث متى شاء استحضر الضروريات ولا حظها واستنتج منها النظريات، وهذه الحالة إنّما تحصل إذا صار طريقة الاستنباط ملكة راسخة فيه. وقيل العقل بالفعل هو حصول النظريات وصيرورتها بعد استنتاجها من الضروريات بحيث استحضرها متى شاء بلا تجشّم كسب جديد، وذلك إنّما يحصل إذا لاحظ النظريات الحاصلة مرة بعد أخرى حتى يحصل له ملكة نفسانية يقوى بها على استحضارها متى أراد من غير فكر، وهذا هو المشهور في أكثر الكتب. وبالجملة العقل بالفعل على القول الأول ملكة الاستنباط والاستحصال وعلى القول الثاني ملكة الاستحضار. ورابعتها العقل المستفاد وهو أن يحصّل النظريات مشاهدة سمّيت به لاستفادتها من العقل الفعّال، وصاحب هداية الحكمة سمّاها عقلا مطلقا وسمّى معقولاتها عقلا مستفادا. وقال شارحها لا يخفى أنّ تسمية معقولات تلك المرتبة بالعقل المستفاد خلاف اصطلاح القوم.
اعلم أنّ العقل الهيولاني والعقل بالملكة استعدادان لاستحصال الكمال ابتداء والعقل بالفعل بالمعنى الثاني المشهور استعداد لاسترجاعه واسترداده فهو متأخّر في الحدوث عن العقل المستفاد لأنّ المدرك ما لم يشاهد مرات كثيرة لا يصير ملكة ومتقدّم عليه في البقاء لأنّ المشاهدة تزول بسرعة وتبقى ملكة الاستحضار مستمرة فيتوصّل بها إلى مشاهدته، فبالنظر إلى الاعتبار الثاني يجوز تقديم العقل
стр. 1242
بالفعل على العقل المستفاد، وبالنظر إلى الاعتبار الأول يجوز العكس، أمّا العقل بالفعل بالمعنى الأول فالظاهر أنّه مقدّم على العقل المستفاد. واعلم أيضا أنّ هذه المراتب تعتبر بالقياس إلى كلّ نظري على المشهور فيختلف الحال إذ قد تكون النفس بالنسبة إلى بعض النظريات في المرتبة الأولى وبالنسبة إلى بعضها في الثانية وإلى بعضها في الثالثة وإلى بعضها في الرابعة. فما قال صاحب المواقف من أنّ العقل المستفاد هو أن يصير النفس مشاهدة لجميع النظريات التي أدركتها بحيث لا يغيب عنها شيء لزمه أنّ لا يوجد العقل المستفاد لأحد في الدنيا بل في الآخرة. ومنهم من جوّز ذلك لنفوس نبوية لا يشغلها شأن عن شأن، وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وانخرطوا في سلك المجرّدات التي تشاهد معقولاتها دائما.
فائدة:
وجه الحصر في الأربع أنّ القوة النظرية إنّما هي لاستكمال الناطقة بالإدراكات إلّا أنّ البديهيات ليست كمالا معتدّا به يشاركه الحيوانات العجم لها فيها بل كمالها المعتدّ به الإدراكات الكسبية، ومراتب النفس في الاستكمال بهذا الكمال منحصرة في نفس الكمال واستعداده لأنّ الخارج عنهما لا يتعلّق بذلك الاستكمال، فالكمال هو العقل المستفاد أعني مشاهدة النظريات، والاستعداد إمّا قريب وهو العقل بالفعل أو بعيد وهو الهيولاني أو متوسّط وهو العقل بالملكة. وأمّا مراتب القوة العملية فأولها تهذيب الظاهر أي كون الشخص بحيث يصير استعمال الشرائع النبوية والاجتناب عما نكره عادة له، ولا يتصوّر منه خلافه عادة.
وثانيتها تهذيب الباطن من الملكات الرديئة ونفض آثار شواغله عن عالم الغيب. وثالثتها ما يحصل بعد الاتّصال بعالم الغيب وهو تجلّي النفس بالصور القدسية، فإنّ النفس إذ هذبت ظاهرها وباطنها عن رذائل الأعمال والأخلاق وقطعت عوائقها عن التوجّه إلى مركزها ومستقرها الأصلي الذي هو عالم الغيب بمقتضى طباعها إذ هي مجرّدة في حدّ ذاتها وعالم الغيب أيضا كذلك، وطبيعة المجرّد تقتضي عالمها كما أنّ طبيعة المادي تقتضي عالم المادّيات الذي هو عالم الشهادة اتصلت بعالم الغيب للجنسية اتصالا معنويا لا صوريا، فينعكس إليها بما ارتسمت فيه من النقوش العلمية، فتتجلّى النفس حينئذ بالصور الإدراكية القدسية، أي الخالصة عن شوائب الشكوك والأوهام، إذ الشكوك والشبهات إنّما تحصل من طرق الحواس، وفي هذه لا يحصل العلم من تلك الطرق. وفي بعض حواشي شرح المطالع بيانه أنّ حقائق الأشياء مسطورة في المبدأ المسمّى في لسان الشرع باللوح المحفوظ فإنّ الله تعالى كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في المبدأ ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة، والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدّى منه صورة أخرى إلى الحواس والخيال ويأخذ منها الواهمة معاني، ثم يتأدّى من الخيال أثر إلى النفس فيحصل فيها حقائق الأشياء التي دخلت في الحسّ والخيال. فالحاصل في النفس موافق للعالم الحاصل في الخيال، وهو موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال الإنسان ونفسه، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في المبدأ، فكأنّ للعالم أربع درجات في الوجود، وجود في المبدأ وهو سابق على وجوده الجسماني ويتبعه وجوده الجسماني الحقيقي ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي، وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية، والروحانية بعضها أشدّ روحانية من بعض. إذا عرفت هذا فنقول النفس يتصوّر أن يحصل فيها
стр. 1243
حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من المبدأ، فمهما ارتفع حجاب التعلّقات بينها وبين المبدأ حصل لها العلم من المبدأ فاستغنت عن الاقتباس من مداخل الحواس، وهناك لا مدخل للوهم التابع للحواس. ومهما أقبلت على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا لها من مطالع المبدأ، فهناك تتصوّر الواهمة وتعرض للنفس من الغلط ما يعرض، فإذا للنفس بابان، باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة والمجرّدات، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسّكة بعالم الشهادة والملك وهذا الباب مفتوح للمجرّد وغيره. والباب الأول لا يفتح إلّا للمتجرّدين من العلائق والعوائق. ورابعتها ما يتجلّى له عقيب اكتساب ملكة الاتصال والانفصال عن نفسه بالكلّية وهو ملاحظة جمال الله أي صفاته الثبوتية وجلاله أي صفاته السلبية، وقصر النظر على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله حتى يرى كلّ قدرة مضمحلّة في جنب قدرته الكاملة وكلّ علم مستغرقا في علمه الشامل، بل يرى أنّ كلّ كمال ووجود إنّما هو فائض من جنابه تعالى شأنه. فان قيل بعد الاتصال بعالم الغيب ينبغي أن يحصل له الملاحظة المذكورة وحينئذ لا تكون مرتبة أخرى غير الثالثة بل هي مندرجة فيها. قلت المراد الملاحظة على وجه الاستغراق وقصر النظر على كماله بحيث لا يلتفت إلى غيره، فعلى هذا الغاية القصوى هي هذه المرتبة كما أنّ الغاية القصوى من مراتب النظري هو الثالثة أي العقل بالفعل.
اعلم أنّ المرتبتين الأخيرتين أثران للأوليين اللتين هما من مراتب العملية قطعا، فصحّ عدّهما من مراتب العملية وإن لم تكونا من قبيل تأثير النفس فيما تحتها. هذا كله هو المستفاد من شرح التجريد وشرح المواقف في مبحث العلم وشرح المطالع وحواشيه في الخطبة.
اعلم أنّ العقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية اختلف أهل الشرع في تفسيره. فقال الأشعري هو العلم ببعض الضروريات الذي سمّيناه بالعقل بالملكة. وما قال القاضي هو العلم بوجوب الواجبات العقلية واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات أي الضروريات التي يحكم بها بجريان العادة من أنّ الجبل لا ينقلب ذهبا، فلا يبعد أن يكون تفسيرا لما قال الأشعري، واحتجّ عليه بأنّ العقل ليس غير العلم وإلّا جاز تصوّر انفكاكهما وهو محال، إذ يمتنع أن يقال عاقل لا علم له أصلا وعالم لا عقل له أصلا، وليس العقل العلم بالنظريات لأنّه مشروط بالنظر والنظر مشروط بكمال العقل، فيكون العلم بالنظريات متأخرا عن العقل بمرتبتين، فلا يكون نفسه، فيكون العقل هو العلم بالضروريات وليس علما بكلها، فإنّ العاقل قد يفقد بعضها لفقد شرطه كما مرّ، فهو العلم ببعضها وهو المطلوب.
وجوابه أنّا لا نسلّم أنّه لو كان غير العقل جاز الانفكاك بينهما لجواز تلازمهما. وقال الإمام الرازي والظاهر أنّ العقل صفة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وهي الحواس الظاهرة والباطنة. وإنّما اعتبر قيد سلامة الآلات لأنّ النائم لم يزل عقله عنه وإن لم يكن عالما حالة النوم لاختلال وقع في الآلات، وكذا الحال في اليقظان الذي لا يستحضر شيئا من العلوم الضرورية لدهش ورد عليه، فظهر أنّ العقل ليس العلم بالضروريات.
ولا شكّ أنّ العاقل إذا كان سالما عن الآفات المتعلّقة كان مدركا لبعض الضروريات قطعا.
فالعقل صفة غريزية يتبعها تلك العلوم، وهذا معنى ما قيل: قوة للنفس بها تتمكّن من إدراك الحقائق. ومحلّ تلك القوة قيل الرأس، وقيل القلب، وما قيل هو الأثر الفائض على النفس
стр. 1244
من العقل الفعال. والمعتزلة القائلون بأنّ الحسن والقبح للعقل فسّروه بما يعرف به حسن المستحسنات وقبح المستقبحات، ولا يبعد أن يقرب منه ما قيل هو قوة مميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة. وقيل هو ملكة حاصلة بالتجارب يستنبط بها المصالح والأغراض.
وهذا معنى ما قيل هو ما يحصل به الوقوف على العواقب. وقيل هو هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكناته. وقيل هو نور يضيئ به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبدأ المطلوب للطالب فيدركه القلب بتأمّله وبتوفيق الله تعالى. ومعنى هذا أنّه قوة للنفس بها تنتقل من الضروريات إلى النظريات ويحتمل أن يراد به الأثر الفائض من العقل الفعّال كما ذكره الحكماء من أنّ العقل الفعّال هو الذي يؤثّر في النفس ويعدّها للإدراك، وحال نفوسنا بالنسبة إليه كحال أبصارنا بالنسبة إلى الشمس. فكما أنّ بإفاضة نور الشمس تدرك المحسوسات كذلك بإفاضة نوره تدرك المعقولات. فقوله نور أي قوة شبيهة بالنور في أنها يحصل به الإدراك ويضيئ أي يصير ذا ضوء أي بذلك النور طريق يبتدأ به أي بذلك الطريق، والمراد به أي بالطريق الأفكار وترتيب المبادئ الموصلة إلى المطلوب. ومعنى إضاءتها صيرورتها بحيث يهتدي القلب إليها ويتمكّن من ترتيبها وسلوكها توصلا إلى المطلوب. وقوله من حيث ينتهي إليه متعلّق بقوله يبتدأ، وضمير إليه عائد إلى حيث، أي من محلّ ينتهي إليه إدراك الحواس، فيبدأ أي يظهر المطلوب للقلب أي الروح المسمّى بالقوة العاقلة والنفس الناطقة فيدركه القلب بتأمّله أي التفاته إليه والتوجّه نحوه بتوفيق الله تعالى وإلهامه، لا بتأثير النفس أو توكيدها، فإنّ الأفكار معدات للنفس وفيضان المطلوب إنّما هو بإلهام الله سبحانه. فبداية درك الحواس هو ارتسام المحسوسات في إحدى الحواس الخمس الظاهرة، ونهاية دركها ارتسامها في الحواس الباطنة. ومن هاهنا بداية درك العقل، ونهاية درك العقل ظهور المطلوب كما عرف في الفكر بمعنى الحركتين، هذا كله خلاصة ما في شرح التجريد وشرح المواقف والتلويح.
وفي خلاصة السلوك قال أهل العلم:
العقل جوهر مضيء خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب، وقال أهل اللسان: العقل ما ينجّي صاحبه من ملامة الدنيا وندامة العقبى وقال حكيم: العقل حياة الروح والروح حياة الجسد. وقال حكيم ركّب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وركّب في البهائم الشهوة بلا عقل، وفي ابن آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم. وقال أهل المعرفة العاقل من اتّقى ربّه وحاسب نفسه وقيل من يبصر مواضع خطواته قبل أن يضعها. وقيل الذي ذهب دنياه لآخرته. وقيل الذي يتواضع لمن فوقه ولا يحتقر لمن دونه ويمسك الفضل من منطقه ويخالط الناس باختلافهم. وقيل الذي يترك الدنيا قبل أن تتركه ويعمّر القبر قبل أن يدخله وأرضى الله قبل أن يلقاه، وقيل إذا اجتمع للرجل العلم والعمل والأدب يسمّى عاقلا، وإذا علم ولم يعمل أو عمل بغير أدب أو عمل بأدب ولم يعلم لم يكن عاقلا.
العقل الكلّ:
[في الانكليزية] Universal intellect ،road
[ في الفرنسية] Intellect universel ،chemin
قد عرفت معناه، وعند أهل الرمل اسم للطريق. وأهل الرّمل يسمّون الطريق عقلا وعقلا كلّيا «١».
стр. 1245
العقلة:
[في الانكليزية] Knot ،figure composed of two lines and two points (geomancy)
[ في الفرنسية] Noeud ،
figure composee de deux lignes et deux points( en geomancie )
بالضّم عند أهل الرّمل اسم لشكل هذه صورته. «١»
العقلي:
[في الانكليزية] Intellectual ،rational
[ في الفرنسية] Intellectuel ،rationnel
هو ما لا يكون للحسّ الباطن فيه مدخل، هذا هو المشهور. وقد يطلق على ما لا يدرك هو ولا مادته بتمامها بإحدى الحواس الظاهرة، سواء أدرك بعض مادته أو لا، وقد سبق في لفظ الحسّي.
العكس:
[في الانكليزية] Contrary
[ في الفرنسية] Contraire ،oppose
بالفتح وسكون الكاف يطلق على معان.
منها نفي الشيء، قالوا عكس الإثبات نفي. ولذا قيل العكس في باب المعرّف مفسّر بأنّه كلّما انتفى الحدّ انتفى المحدود، أي كلّما لم يصدق عليه الحدّ لم يصدق عليه المحدود والطّرد مفسّر بأنّه كلما صدق عليه الحدّ صدق عليه المحدود، وقد سبق في لفظ الطرد. ويؤيّده ما قال في شرح المواقف في مبحث المبصرات.
من أنّ الضوء كيفية لا يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر، واللون عكسه، أي كيفية يتوقّف إبصارها على إبصار شيء آخر انتهى.
ومنها ما هو قسم من المعارضة كما سيجيء.
ومنها الرّجعة وهي حركة الكوكب على خلاف التوالي، وعلى هذا اصطلاح المنجّمين وأهل الهيئة وقد سبق. لكن مولانا عبد العلي البرجندي في شرح زيج «الغ بيكي» في الباب الثامن يقول: الكوكب الراجع حينما ينتقل من برج إلى برج مقدّم فذلك ما يقال له العكس.
وكذلك نقل رأس العمر وذنبه إلى برج آخر يقال له عكس. انتهى كلامه «٢». ومنها العمل بعكس ما أفاده السائل ويسمّى بالتعاكس والتعكيس والتحليل، وعليه اصطلاح المحاسبين؛ وطريقه أنّه إن ضعّف السائل عددا فينصف المجيب له أو جذّر فيربّع أو ضرب فيقسم أو زاد فينقص أو عكس فيعكس مبتدئا للعمل من آخر السؤال ليخرج الجواب. فلو قيل: أيّ عدد ضرب في نفسه وزيد على الحاصل اثنان وضعّف وزيد على الحاصل ثلاثة وقسم المجتمع على خمسة وضرب الخارج في عشرة حصل خمسون؟
فاقسم الخمسين على العشرة واضرب الخارج وهو الخمسة في نفسها وأنقص من الحاصل وهو خمسة وعشرون ثلاثة يبقى اثنان وعشرون، وانقص من منصّف ذلك اثنين يبقى تسعة، وجذر التسعة وهو ثلاثة هو الجواب، كذا في شرح خلاصة الحساب. وعكس النسبة عندهم يجيء في لفظ النسبة. ومنها أن تقدّم في الكلام جزءا ثم تعكس فتقدّم ما أخّرت وتؤخّر ما قدّمت ويسمّى تبديلا أيضا، وهذا من مصطلحات أهل البديع المعدود في المحسنات المعنوية، ويقع على وجوه: منها أن يقع بين أحد طرفي جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف نحو عادات السّادات سادات العادات، فإنّ العكس فيه قد وقع بين العادات وهو أحد طرفي الكلام وبين السّادات وهو الذي أضيف إليه العادات. ومعنى وقوعه بينهما أنّه قدّم العادات على السّادات ثم عكس فقدم السّادات على العادات. ومنها أن يقع بين متعلّقي فعلين في جملتين نحو تُولِجُ
стр. 1246
اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ «١».
ومنها أن يقع بين لفظين في طرفي جملتين نحو لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ «٢» ومنها أن يقع بين طرفي الجملة كما قيل:
طويت لإحراز الفنون ونيلها رداء شبابي والجنون فنون فحين تعاطيت الفنون وحظّها تبيّن لي أنّ الفنون جنون كذا في المطول. وفي الاتقان بعد تعريف العكس بما ذكر قال ابن أبي الإصبع: ومن غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً «٣»، وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ «٤» فإن نظم الآية الثانية عكس نظم الأولى لتقدّم العمل في الأولى عن الإيمان وتأخّره في الثانية عن الإسلام. ومنه نوع يسمّى القلب والمقلوب المستوي وما لا يستحيل بالانعكاس وهو أن تقرأ الكلمة من آخرها إلى أولها كما تقرأ من أولها إلى آخرها نحو كُلٌّ فِي فَلَكٍ «٥» وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ «٦» ولا ثالث له في القرآن، انتهى. لكن صاحب التلخيص ذكر القلب والمقلوب المستوي في المحسّنات اللفظية، فعلى هذا لا يكون هو من أنواع العكس. ومنها ما يسمّى عكسا مستويا وعكسا مستقيما وهو تبديل كلّ من طرفي القضية بالآخر مع بقاء الصدق والكيفية أي الإيجاب والسّلب بحالهما، وهذا من مصطلحات المنطقيين، وهو المتبادر عند إطلاق لفظ العكس كما في شرح إشراق الحكمة. وقد يطلقون العكس مجازا على القضية الحاصلة من هذا التبديل. وقيل الظاهر أنّه حقيقة لكثرة الاستعمال في ذلك فيقال عكس الموجبة الكلّية موجبة جزئية، وهكذا في بواقي القضايا، وذلك أن تجمع بينهما بأنّ العكس نقل أولا من المعنى اللغوي إلى المعنى المصدري الذي يشتقّ منه سائر الصيغ، كقولهم عكس وانعكس وينعكس ونحوها، ثم استعمل في القضية المخصوصة بعلاقة السّببية، ثم كثر استعماله فيها حتى صار حقيقة بالغلبة. ثم المراد بتبديل الطرفين التبديل المعنوي أي المغيّر للمعنى حتى يخرج تبديل طرفي المنفصلة فإنّهم قالوا لا عكس للمنفصلات. ويحتمل أن يكون مرادهم أنّه ليس للمنفصلات عكس معتدّ به، فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص التبديل، وذكر الطرفين أولى من الموضوع والمحمول كما ذكره البعض لشموله عكس الحمليات والشرطيات.
والمراد بطرفي القضية طرفاها في الذّكر فلا يرد أنّ طرفي القضية الحقيقية لم يدخلا في التعريف فإنّ الطرف الأول منها ذات الموضوع والثاني وصف المحمول، وفي العكس يصير ذات المحمول موضوعا ووصف الموضوع محمولا، والمراد ببقاء الصدق لزوم بقائه بمعنى أنّه لو فرض الأصل صادقا لزم منه لذاته مع قطع النظر عن خصوص المادة صدق الفرع بلا واسطة فرع آخر لصدق المفروض في الأصل في الفرع لذاته بلا واسطة، ليدخل في التعريف عكس القضية الكاذبة، وليخرج عنه تبديل طرفي القضية بحيث يحصل منه قضية لازمة الصدق مع الأصل
стр. 1247
لحصول المادة، كتبديل الموجبة الكلّية بالموجبة الكلّية في قولنا كلّ إنسان ناطق وكلّ ناطق إنسان، وليخرج عنه تبديل طرفيها بحيث يحصل منه قضية أعمّ من العكس كتبديل طرفي السّالبة الكلّية بحيث يحصل سالبة جزئية، وتبديل طرفي الضرورية بحيث يحصل ممكنة عامة. وإنّما اشترطوا بقاء الصدق لأنّ العكس لازم خاص من لوازم الأصل ويستحيل صدق الملزوم بدون اللازم، فعند التحقيق العكس بالمعنى المصدري تبديل طرفي القضية بحيث يحصل منه أخصّ قضايا لازمة لها لذاتها موافقة لها في الكيف، وبالمعنى الحاصل بالمصدر أخصّ قضايا حاصلة بتبديل طرفي القضية لازمة للأصل لذاته، موافقة له في الكيف، فلا بد في إثبات انعكاس قضية إلى قضية من بيان لزوم العكس للأصل في جميع المواد بدليل أو تنبيه، ومن بيان عدم لزوم قضية أخصّ منه، كذلك بتخلّفها عنه في بعض المواد، كما يقال الموجبة كلّية أو جزئية تنعكس موجبة جزئية للزومها لهما في جميع المواد وعدم لزوم الموجبة الكلية لشيء منهما في جميعها لتخلّفها عنهما فيما إذا كان المحمول أعمّ من الموضوع والتالي أعمّ من المقدّم، كما في قولك كلّ إنسان حيوان وقولنا إذا كان الشيء إنسانا كان حيوانا، إذ لا يصدق العكس هناك كلّية مع صدق الأصلين قطعا، ولم يعتبروا بقاء الكذب لجواز لزوم الصدق الكاذب، والمراد ببقاء الكيف بقاء الكيف الموجود في الأصل في الفرع، بمعنى أن يكون عكس الموجبة موجبة وعكس السّالبة سالبة. اعلم أنّ معنى انعكاس القضية أنّه يلزمها العكس لزوما كليا، ومعنى عدم انعكاسها أنّه ليس يلزمها العكس لزوما كلّيا.
فائدة:
السالبة الكلية تنعكس كنفسها، والجزئية لا تنعكس لجواز عموم الموضوع، والموجبة مطلقا تنعكس جزئية ولا عكس للمنفصلات والاتفاقيات لعدم الجدوى. وأمّا بحسب الجهة فمن السوالب الكلّية تنعكس الدائمتان والعامّتان كنفسهما والخاصتان عامتين مع اللّادوام في البعض، ولا عكس للبواقي. ومن السوالب الجزئية لا تنعكس إلّا الخاصّتان كنفسهما. ومن الموجبات تنعكس الوجوديتان والوقتيتان والمطلقة العامة مطلقة عامة، والخاصتان حينية لا دائمة. ومنها ما يسمّى عكس النقيض وهو تبديل نقيضي الطّرفين مع بقاء الصدق والكيف بحالهما. وقد يطلق عكس النقيض أيضا على القضية الحاصلة من هذا التبديل والمعنى الأول أصل بالنسبة إلى الثاني، والثاني منقول منه والمراد بتبديل نقيضي الطرفين تبديل كلّ من الطرفين بنقيض الطرف الآخر. والمراد ببقاء الصدق والكيف ما عرفت في العكس المستوي.
والحاصل أنّ عكس النقيض قد يطلق على جعل نقيض المحكوم به محكوما عليه ونقيض المحكوم عليه محكوما به على وجه يحصل أخصّ القضايا اللازمة للأصل بهذا التبديل مع الموافقة في الكيف بلا واسطة، ومع قطع النظر عن خصوص المادة. وقد يطلق على أخصّ القضايا اللازمة للأصل على الوجه المذكور.
فإذا قلنا كلّ إنسان حيوان كان عكس نقيضه كلّما ليس بحيوان ليس بإنسان وهذان الإطلاقان مبنيان على اصطلاح قدماء المنطقيين. وقالوا المستعمل في العلوم هو هذا المعنى، وحكم الموجبات فيه حكم السوالب في العكس المستوي والبيان البيان. وأمّا عند المتأخّرين منهم فعكس النقيض جعل نقيض المحكوم به من الأصل محكوما عليه وعين المحكوم عليه منه محكوما به مع بقاء الصدق دون الكيف، أي على وجه يحصل أخصّ القضايا اللازمة للأصل على هذا التبديل مع المخالفة في الكيف بلا واسطة، ومع قطع النظر عن خصوص المادة.
стр. 1248
وقد يستعمل في هذا الاصطلاح أيضا في أخصّ القضايا اللازمة للأصل على هذا الوجه. فعكس نقيض قولنا كلّ إنسان حيوان لا شيء مما ليس بحيوان بإنسان وحكم الموجبات عندهم أيضا حكم السوالب في العكس المستوي لا بالعكس، أي ليس حكم السوالب من عكس النقيض حكم الموجبات في العكس المستوي كما قاله المتقدّمون.
فائدة:
قال المولوي عبد الحكيم في حاشية القطبي: لا يفهم من تقييد العكس بالمستوي وإضافته إلى النقيض أنّ للعكس معنى اصطلاحيا مشتركا بينهما، بل بعد تخصيص العكس اللغوي بالصفة والإضافة استعمل كل من القيدين في معنى اصطلاحي، وليس لفظ العكس مشتركا لفظيا بينهما، إذ لا دليل على وضعه للمعنيين انتهى.
فائدة:
للقوم في بيان انعكاس القضايا طرق ثلاث: الأول الخلف، والثاني الافتراض، والثالث وهو أن يعكس نقيض الأصل أو جزئه ليحصل ما ينافي الأصل. هذا كله خلاصة ما في تكملة الحاشية الجلالية وما في حاشية القطبي للمولوي عبد الحكيم.
العلاقة:
[في الانكليزية] Relation ،relationship ،link
[ في الفرنسية] Relation ،rapport ،lien
بالفتح رابطة بازبستن معنى بمعنى- ربط معنى بمعنى آخر- وبالكسر رابطة بازبستن جسم بجسم- ربط جسم بجسم آخر- كما في كنز اللغات، فهي بالفتح تستعمل في المعاني وبالكسر في الأمور المحسوسة كما قيل في بعض رسائل الاستعارة. قال المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية: العلاقة بالفتح في اصطلاح المنطقيين شيء بسببه يستصحب شيء شيئا، استصحبه دعاه إلى الصحبة كما في القاموس. فالمعنى أنّ العلاقة شيء بسببه يطلب الشيء الأول أن يكون الشيء الثاني مصاحبا له وهي قد تكون موجبة ومقتضية لذلك الاستصحاب كما في القضايا الشرطية المتّصلة اللزومية وقد لا تكون كما في الشرطيات المتّصلة الاتفاقية، فالعلاقة بين اللزوميات هي ما يقتضي الاتصال بين طرفيها في نفس الأمر كالعلّية والتضايف، فالتضايف كقولنا إن كان زيد أبا عمرو كان عمرو ابنه.
وأمّا العلّية فبأن يكون المقدّم علّة موجبة للتّالي، سواء كانت علّة ناقصة أو تامة كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أو معلولا له فإنّ وجود المعلول يستلزم وجود العلّة كقولنا إن كان النهار موجودا فالشمس طالعة، أو يكونا معلولي علّة واحدة لا كيف ما اتفق وإلّا لكانت الموجودات بأسرها متلازمة لكونها معلولة للواجب تعالى، بل لا بد مع ذلك من اقتضاء تلك العلة ارتباط أحدهما بالآخر بحيث يمتنع الانفكاك بينهما لئلّا يكون مجرّد مصاحبة كما في معلولي العقل الأول، أي الفلك الأول والعقل الثاني، فإنّه لا تلازم ولا ارتباط بينهما، بل مجرّد مصاحبة. والسّرّ فيه أنّه موجب لكل واحد بجهة غير ما هو جهة إيجاب الآخر، فلا يمتنع الانفكاك بينهما، بخلاف قولنا إن كان النهار موجودا فالعالم مضيء فإنّ وجود النهار وإضاءة العالم معلولان لطلوع الشمس، وطلوع الشمس مقتض لعدم الانفكاك بينهما، والعلاقة بين الاتفاقيات ما به مجرّد المصاحبة، والتوافق بين الطرفين من غير اقتضائه إياها أي تلك المصاحبة. والعلاقة بين الشرطيات المنفصلة العنادية هي ما يقتضي العناد بين طرفيها، وفي المنفصلات الاتفاقية هي ما لا يقتضي العناد والتنافي بل مجرّد أن يتفق في الواقع أن يكون
стр. 1249
بين طرفيها منافاة، انتهى ما قال المولوي عبد الحكيم. وعلاقة المجاز عندهم وعند الأصوليين.
وأهل العربية هي اتصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له، أي تعلّق ما للمعنى المجازي بالحقيقي أعمّ من أن يكون اتصالا في المجاورة أو في غيرها. والعمدة في حصر أنواعها الاستقراء، ويرتقي ما ذكره القوم إلى خمسة وعشرين، وضبطه ابن الحاجب في خمسة. الأولى الاشتراك في الشّكل كالإنسان للصورة المنقوشة على الجدار. الثانية الاشتراك في الوصف ويجب أن يكون الصفة ظاهرة لينتقل الذهن إليها، فيفهم الآخر باعتبار ثبوتها له، كإطلاق الأسد على الشجاع بخلاف إطلاق الأسد على الأبخر. والثالثة أنّه كائن عليه مثل العبد للمعتق لأنّه كان عبدا. والرابعة أنّه آئل إليه كالخمر للعصير لأنّه في المآل يصير خمرا.
والخامسة المجاورة مثل جري الميزاب والمراد بالمجاورة ما يعمّ كون أحدهما في الآخر بالجزئية أو الحلول وكونهما في محلّ وكونهما متلازمين في الوجود أو العقل أو الخيال أو غير ذلك. وصاحب التوضيح ضبطه في تسعة:
الكون والأول والاستعداد والمقابلة والجزئية والحلول والسّببية والشرطية والوصفية، لأنّ المعنى الحقيقي إمّا أن يكون حاصلا بالفعل للمعنى المجازي في بعض الأزمان خاصّة أو لا، فعلى الأول إن تقدّم ذلك الزمان على زمان تعلّق الحكم بالمعنى المجازي فهو الكون عليه، وإن تأخّر فهو الأول إليه إذ لو كان حاصلا في ذلك الزمان أو في جميع الأزمنة لم يكن مجازا بل حقيقة، وعلى الثاني إن كان حاصلا بالقوة فهو الاستعداد، وإلّا فإن لم يكن بينهما لزوم واتصال في العقل بوجههما فلا علاقة، وإن كان فإمّا أن يكون لزوما في مجرّد الذهن وهو المقابلة أو منضمّا إلى الخارج، وحينئذ إن كان أحدهما جزءا للآخر فهو الجزئية والكلّية، وإلّا فإن كان اللازم صفة للملزوم فهو الوصفية له أعني المشابهة، وإلّا فاللزوم إمّا بأن يكون أحدهما حاصلا في الآخر وهو الحالية والمحلّية أو سببا له وهو السّببية والمسبّبية، أو شرطا له وهو الشرطية، كذا في التلويح.
العلامة:
[في الانكليزية] Mark ،signe
[ في الفرنسية] marque ،signe ،indice
بالفتح عند الأصوليين ما تعلّق بالشيء من غير تأثير فيه ولا توقّف له عليه إلّا من جهة أنّه يدلّ على وجود ذلك الشيء، فتباين الشرط والعلّة والسّبب. والمشهور أنّها ما يكون علما على الوجود من غير أن يتعلّق به وجوب ولا وجود كتكبيرات الصلاة فإنّها تدلّ على الانتقال من ركن إلى ركن، كذا في التلويح في باب الحكم.
العلّة:
[في الانكليزية] cause ،sickness
[ في الفرنسية] cause ،maladie
بالكسر وتشديد اللام لغة اسم لعارض يتغيّر به وصف المحلّ بحلوله لا عن اختيار، ولهذا سمّي المرض علّة. وقيل هي مستعملة فيما يؤثّر في أمر سواء كان المؤثّر صفة أو ذاتا. وفي اصطلاح العلماء تطلق على معان منها ما يسمّى علّة حقيقية وشرعية ووصفا وعلّة اسما ومعنى وحكما، وهي الخارجة عن الشيء المؤثّرة فيه. والمراد بتأثيرها في الشيء اعتبار الشارع إيّاها بحسب نوعها أو جنسها القريب في الشيء الآخر لا الإيجاد كما في العلل العقلية.
ولهذا قالوا: العلل الشّرعية كلّها معرّفات وأمارات لأنّها ليست في الحقيقة مؤثّرة بل المؤثّر هو الله تعالى. فبقولهم الخارجة خرج الركن. وبقولهم المؤثّرة خرج السّبب والشرط والعلامة إذ المتبادر بالتأثير ما هو الكامل منه وهو التأثير ابتداء بلا واسطة. ولهذا قيل العلّة في الشرع عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء. فالمراد بالإضافة الإضافة من كلّ وجه،
стр. 1250
بأن كان موضوعا لذلك الحكم بأن أضيف الحكم إليه ومؤثّرا فيه، أي في ذلك الحكم، ويتصل الحكم به، واحترز به عن العلامة والسّبب الحقيقي. وبقيد وجوب الحكم احترز عن الشّرط. والقيد الأخير احتراز عن السّبب في معنى العلّة وعلّة العلّة. وبالجملة المعتبر في العلّة الحقيقية أمور ثلاثة إضافة الحكم إليها وتأثيرها فيه وحصول الحكم معها في الزمان؛ وهي قسمان: العلّة الموضوعة كالبيع المطلق للملك والنكاح لملك المتعة وتسمّى بالمنصوصة أيضا، والعلة المستنبطة بالاجتهاد. وأيضا هي إمّا متعدّية وهي التي تتعدّى الأصل فتوجد في غيره وتسمّى مؤثّرة أيضا لأنّها وصف ظهر أثرها في جنس الحكم المعلّل به كالطواف علّة لسقوط نجاسة سور سواكن البيوت، وإمّا قاصرة وهي بخلافها أي التي لا تتعدّى الأصل. ومنها ما يسمّى بالعلّة اسما وهي ما يضاف الحكم إليه ولا يكون مؤثّرا فيه ويتراخى الحكم عنه بأنّ لا يترتّب عليه. ومعنى إضافة الحكم إلى العلّة ما يفهم من قولنا قتل بالرمي وعتق بالشّرى وهلك بالجرح. والمراد بالإضافة الإضافة بلا واسطة لأنّها المفهومة عند الإطلاق. وما قيل العلّة اسما ما تكون موضوعة في الشرع لأجل الحكم أو مشروعة إنّما يصحّ في العلل الشرعية لا في مثل الرمي والجرح. مثاله المعلّق بالشّرط فإنّ وقوع الطلاق بعد دخول الدار مثلا ثابت بالتطليق السابق ومضاف إليه فيكون علّة اسما، لكنه ليس بمؤثّر في وقوع الطلاق قبل دخول الدار، بل الحكم متراخ عنه. ومنها ما يسمّى بالعلّة معنى وهو ما يكون مؤثّرا في الحكم بلا إضافة الحكم إليه، ولا ترتّب له عليه كالجزء الأول من العلّة المركّبة من الجزءين، وكذا أحد الجزءين الغير المترتّبين كالقدر والجنس لحرمة النّساء فإنّ مثل ذلك الجزء مؤثّر في الحكم ولا يضاف إليه الحكم، بل إلى المجموع، ولا يترتّب عليه أيضا. وهي عند الإمام السرخسي سبب محض لأنّ أحد الجزءين طريق يفضي إلى المقصود ولا تأثير له ما لم ينضمّ إليه الجزء الأخير. وذهب فخر الإسلام إلى أنها وصف له شبه العلية لأنّه مؤثّر، والسّبب المحض غير مؤثّر، وهذا يخالف ما تقرّر عندهم من أنّه لا تأثير لأجزاء العلّة في أجزاء المعلول وإنّما المؤثّر هو تمام العلّة في تمام المعلول. ومنها ما يسمّى بالعلّة حكما وهي ما يترتّب عليه الحكم بلا إضافة له إليه ولا تأثير فيه كالشرط الذي علّق عليه الحكم، كدخول الدار في قولنا إن دخلت الدار فأنت طالق، يتصل به الحكم من غير إضافة ولا تأثير. وإذا كانت العلّة اسما وحكما فالجزء الأخير علّة حكما فقط، وكذا الجزء الأخير من السّبب الداعي إلى الحكم.
ومنها ما يسمّى بالعلّة اسما ومعنى وهي ما يضاف إليه الحكم ويكون مؤثّرا فيه بلا ترتّب للحكم عليه، كالبيع الموقوف والبيع بالخيار للملك فإنّه علّة للملك اسما لإضافة الملك إليه ومعنى لتأثيره فيه لا حكما لعدم الترتّب. ومنها ما يسمّى بالعلّة اسما وحكما، وهي ما يضاف إليه الحكم ويترتّب عليه بلا تأثيره فيه كالسّفر فإنّه علّة للرخصة اسما لأنّها تضاف إليه في الشرع وحكما لأنّها تثبت بنفس السّفر متصلة به لا معنى، لأنّ المؤثّر في ثبوتها ليس نفس السفر بل المشقة. ومنها ما يسمّى بالعلّة معنى وحكما وهي ما يؤثّر في الحكم ويترتّب الحكم عليه بلا إضافة له إليه كالجزء الأخير من العلّة المركّبة فإنّه مؤثّر في الحكم، وعنده يوجد الحكم ولكنه لا يضاف الحكم إليه، فإنّ القرابة والملك علّة للعتق، فأيّهما تأخّر وجودا فهو علّة معنى وحكما. فهذه المعاني السبعة من مصطلحات الأصوليين يطلق عليها لفظ العلة بالاشتراك أو الحقيقة أو المجاز. فما قيل العلّة سبعة أقسام علّة اسما ومعنى وحكما وهو الحقيقة في
стр. 1251
الباب، وعلّة اسما فقط وهو المجاز، وعلّة معنى فقط وعلّة حكما فقط وعلّة اسما ومعنى فقط وعلّة اسما وحكما فقط وعلّة معنى وحكما فقط أريد به تقسيم ما يطلق عليه لفظ العلّة إلى أقسامه كما يقسم العين إلى الجارية والباصرة وغيرهما، والأسد إلى الشجاع والسّبع.
فائدة:
لا نزاع في تقدّم العلّة على المعلول بمعنى احتياجه إليها ويسمّى التقدّم بالذات وبالعلّية، ولا في مقارنة العلّة التامة العقلية لمعلولها بالزمان لئلّا يلزم التخلّف. وأمّا في العلل الشرعية فالجمهور على أنّه يجب المقارنة بالزمان إذ لو جاز التخلّف لما صحّ الاستدلال بثبوت العلّة على ثبوت الحكم، وحينئذ يبطل غرض الشارع من وضع العلل للأحكام، وقد فرّق بعض المشايخ كأبي بكر محمد بن الفضل «١» وغيره بين الشرعية والعقلية، فجوّز في الشرعية تأخير الحكم عنها؛ وتخلّف الحكم عن العلّة جائز في العلل الشرعية لأنّها أمارات وليست موجبة بنفسها، فجاز أن تجعل أمارة في محلّ دون محلّ. هذا كله خلاصة ما في التلويح والحسامي ونور الأنوار وغيرها. ومنها ما اصطلح عليه المحدّثون وهو سبب خفي قادح غامض طرأ على الحديث وقدح في صحته، مع أنّ الظاهر السلامة منه؛ والحديث الذي وقع فيه أو في إسناده أو فيهما جميعا علّة يسمّى معلّلا بصيغة اسم المفعول من التعليل، ولا يقال له المعلول كذا قال ابن الصلاح. وقال العراقي «٢» الأجود في تسميته المعلّل. وقد وقع في عبارة كثير من المحدّثين كالترمذي والبخاري وابن عدي «٣» والدارقطني «٤» وكذا في عبارة الأصوليين والمتكلّمين تسميته بالمعلول، وقد يسمّى أيضا بالمعتلّ والعليل. وإنّما عمّم الوقوع إذ العلّة قد تقع في المتن وهي تسري إلى الإسناد مطلقا لأنّه الأصل، وقد تقع في الإسناد وهي لا تسري إلى المتن إلّا بهذا الإسناد، وقد تقع فيهما. ولا بد للمحدّث من تفحّص ذلك، وطريقه أن ينظر إلى الرّاوي هل هو منفرد ويخالفه غيره أم لا، ويمعن في القرائن المنبّهة للعارف على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث كما في المدرج، أو وهم وخلط من الراوي في أسماء الرّواة والمتن كما في المصحّف نظرا بليغا، بحيث يغلب على ظنّه ذلك، فيحكم بمقتضاه أو يتردّد فيتوقّف، وكلّ ذلك قادح في صحة ما وقع
стр. 1252
فيه. قال علي بن المديني «١»: الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبيّن خطأه. وبالجملة فهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقّها ولا يقوم به إلّا من رزقه الله فهما ثابتا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وملكة قوية بالأسانيد والمتن. ولهذا لم يتكلّم فيه إلّا قليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني ويعقوب «٢» ونحوهم. وقد يقصر عبارة المعلّل عن إقامة الحجّة على دعواه كصيرفي نقد الدراهم والدنانير حتى قال البعض إنّه إلهام لو قلت له من أين قلت هذا لم يكن له حجة.
وقد تطلق العلّة عندهم على غير المعنى المذكور ككذب الرّاوي وفسقه وغفلته وسوء حفظه ونحوها من أسباب ضعف الحديث كالتدليس. والترمذي يسمّي النّسخ علّة. قال السخاوي فكأنّه أراد علّة مانعة من العمل لا الاصطلاحية. وأطلق بعضهم على مخالفة لا تقدح في الصحة كإرسال ما وصله الثّقة حتى قال: من الصحيح ما هو معلّل، كما قال آخر:
من الصحيح ما هو شاذ. هذا خلاصة ما في شرح النخبة وشرحه وخلاصة الخلاصة.
ومنها ما يسمّى علّة عقلية وهي في اصطلاح الحكماء ما يحتاج إليه الشيء إمّا في ماهيته كالمادة والصورة أو في وجوده كالغاية والفاعل والموضوع، وذلك الشيء المحتاج يسمّى معلولا، وهذا أولى مما قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء في وجوده لعدم توهّم خروج علّة الماهية عنه. وإنّما قلنا الأولى لأنّ علّة الماهية لا تخرج عن هذا التعريف أيضا لأنّ المعلول المركّب من المادة والصورة يتوقّف وجوده أيضا عليهما، وتوقّف الماهية عليهما لا ينافي ذلك. إن قيل يخرج من التعريفين علّة العدم، قلت العلّية في العدم مجرّد اعتبار عقلي مرجعه عدم علّية الوجود للوجود. ثم المحتاج إليه أعمّ من أن يكون محتاجا إليه بنفسه أو باعتبار أجزائه، فيشتمل التعريف العلّة التامة المركّبة من المادة والصّورة والفاعل فإنّه محتاج إليه باعتبار الفاعل. وأمّا ذاته أعني المجموع فهو محتاج إلى مجموع المادة والصّورة الذي هو عين المعلول احتياج الكلّ إلى جزئه.
ثم العلّة على قسمين علّة تامّة وتسمّى علة مستقلّة أيضا، وعلّة غير تامة وتسمّى علة ناقصة وغير مستقلّة. فالعلّة التامة عبارة عن جميع ما يحتاج إليه الشيء في ماهيته ووجوده أو في وجوده فقط كما في المعلول البسيط، والناقصة ما لا يكون كذلك، ومعناه أن لا يبقى هناك أمر آخر يحتاج إليه لا بمعنى أن تكون مركّبة من عدة أمور البتّة، وذلك لأنّ العلّة التامة قد تكون علّة فاعلية إمّا وحدها كالفاعل الموجب الذي صدر عنه بسيط إذا لم يكن هناك شرط يعتبر وجوده، ولا مانع يعتبر عدمه، وإمّا إمكان الصادر فهو معتبر في جانب المعلول، ومن تتمته، فإنّا إذا وجدنا ممكنا طلبنا علّته، فكأنّه قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء الممكن الخ فلا يعتبر في جانب العلّة. وأمّا التأثير والاحتياج والوجود المطلق الزائد على ذاته تعالى
стр. 1253
والوجوب السابق فليس شيء منها مما يحتاج إليه المعلول، بل هي أمور إضافية ينتزعها العقل من استتباع وجود العلّة لوجود المعلول وحكم العقل بأنّه أمكن، فاحتاج فأثّر فيه الفاعل فوجب وجوده فوجد إنّما هو في الملاحظة العقلية وليس في الخارج إلّا المعلول الممكن والعلّة الموجبة لوجوده فتدبّر. وإمّا مع الغاية كما في البسيط الصادر عن المختار. وقد تكون مجتمعة من الأمور الأربعة أو الثلاثة كما في المركّب الصادر عن المختار والمركّب الصادر عن الموجب. وقد تطلق العلّة التامة على الفاعل المستجمع لشرائط التأثير.
اعلم أنّ العلّة مطلقا متقدّمة على المعلول تقدما ذاتيا إلّا العلة التامة المركّبة من أربع أو ثلاث، فتقدّمها على المعلول بمعنى تقدّم كلّ واحد من أجزائها عليها، وأمّا تقدّم الكلّ من حيث هو كلّ ففيه نظر، إذ مجموع الأجزاء المادية والصورية هو الماهية بعينها من حيث الذات، ولا يتصوّر تقدّمها على نفسها فضلا عن تقدّمها على نفسها مع انضمام أمرين آخرين إليهما وهما الفاعل والغاية. وأجيب بأنّ المعلول من الماهية المركّبة من المادة والصورة إنّما هو التركيب والانضمام، فاللازم تقدّم المادة والصورة على التركيب والانضمام، فتقدّم العلّة التامة لا يستلزم تقدّم الماهية على نفسها.
ثم العلّة الناقصة أربعة أقسام لأنّها إمّا جزء الشيء أو خارج عنه، والأول إن كان به الشيء بالفعل فهو الصورة وإن كان به الشيء بالقوة فهو المادة. فالعلة الصورية ما به الشيء بالفعل أي ما يقارن لوجوده وجود الشيء بمعنى أن لا يتوقّف بعد وجوده على شيء آخر. فالباء في به للملابسة، فخرج مادة الأفلاك والأجزاء الصورية والجزء الصوري لمادة المركّب كصورة الخشب للسرير فإنّها أجزاء مادية بالنسبة إلى المركّب، فإنّ العلّة الصورية للسرير هي الهيئة السريرية، وحمل الباء على السّببية القريبة يحتاج إلى القول بأنّ العلة التامة والفاعل سببان بعيدان بواسطة الصورة. لا يقال صورة السّيف قد تحصل في الخشب مع أنّ السيف ليس حاصلا بالفعل لعدم ترتّب آثار السيف عليه، لأنّا نقول الصورة السيفية المعيّنة الحاصلة في الحديد المعيّن إذا حصلت شخّصها حصل السيف بالفعل قطعا وليست الحاصلة في الخشب عين تلك الصورة بل فرد آخر من نوعها به يتحقّق بالفعل ما يشبه السيف. وأيضا الآثار المترتّبة على السيف الحديدي ليست آثارا لنوع السيف بل لصنفه وهو السيف الحديدي فتدبّر.
والعلة المادية ما به الشيء بالقوة كالخشب للسرير وليس المراد بالعلّة الصورية والمادية في عباراتهم ما يختصّ بالجواهر من المادة والصورة الجوهريتين بل ما يعمّهما وغيرهما من أجزاء الأعراض التي لا يوجد بها إلّا الأعراض إمّا بالفعل أو بالقوة. فإطلاق المادة والصورة على العلّة المادية والصورية مبني على التسامح، وهاتان العلّتان أي المادة والصورة علّتان للماهية داخلتان في قوامها كما أنّهما علتان للوجود أيضا فتختصان باسم علّة الماهية تمييزا لهما عن الباقيين أي الفاعل والغاية المتشاركين لهما في علّة الوجود وباسم الركن أيضا. وفي الرشيدية العلّة ما يحتاج إليه الشيء في ماهيته بأن لا يتصوّر ذلك الشيء بدونه كالقيام والركوع في الصلاة، وتسمّى ركنا، أو في وجوده بأن كان مؤثّرا فيه فلا يوجد بدونه كالمصلي لها أي الصلاة انتهى. والثاني أي ما يكون خارجا عن المعلول إمّا ما به الشيء وهو الفاعل والمؤثّر فالفاعل هو المعطي لوجود الشيء، فالباء للسببية كالنّجّار للسرير، والمجموع من الواجب والممكن، وإن كان فاعله جزءا منه لكن ليس فاعليته إلّا باعتبار فاعليته لممكن فيكون خارجا عن المعلول، وإمّا ما لأجله الشيء وهو الغاية
стр. 1254
أي العلّة الغائية كالجلوس على السرير للسرير، وهاتان العلّتان تختصّان باسم علّة الوجود لتوقّفه عليهما دون الماهية. ثم الأولى لا توجد إلّا للمركّب وهو ظاهر والثانية لا تكون إلّا للفاعل المختار. وإن كان الفاعل المختار يوجد بدونها كالواجب تعالى عند الأشعرية فالموجب لا يكون لفعله غاية وإن جاز أن يكون لفعله حكمة وفائدة؛ وقد تسمّى فائدة فعل الموجب غاية أيضا تشبيها لها بالغاية الحقيقية التي هي غاية للفعل وغرض مقصود للفاعل. والغاية علّة لعلّية العلّة الفاعلية أي أنّها تفيد فاعلية الفاعل إذ هي الباعثة للفاعل على الإيجاد ومتأخّرة وجودا عن المعلول في الخارج، إذ الجلوس على السرير إنّما يكون بعد وجود السرير في الخارج لكن يتقدّم عليه في العقل.
إن قلت حصر العلّة الناقصة في الأربع منقوض بالشرط مثل الموضوع كالثوب للصابغ، والآلة كالقدّوم للنّجار، والمعاون كالمعين للمنشار، والوقت كالصيف لصبغ الأديم، والداعي الذي ليس بغاية كالجوع للأكل، وعدم المانع مثل زوال الرطوبة للإحراق، وبالمعد مثل الحركة في المسافة للوصول إلى المقصد، لأنّ كلا منها علّة لكونه محتاجا إليه وخارج عن المعلول مع أنّه ليس ما منه الشيء ولا ما لأجله الشيء. قلت إنّها بالحقيقة من تتمة الفاعل لأنّ المراد بالفاعل هو المستقلّ بالفاعلية والتأثير سواء كان مستقلا بنفسه أو بمدخلية أمر آخر، ولا يكون كذلك إلّا باستجماع الشرائط وارتفاع الموانع، فالمراد بما به الشيء ما يستقلّ بالسّببية والتأثير كما هو المتبادر، سواء كان بنفسه أو بانضمام أمر آخر إليه، فيكون ذكر هذا القسم مشتملا على أمور الفاعل المستقل بنفسه وذات الفاعل والشرائط، وعلى كلّ واحد منها مما يحتاج إليه المعلول، وعلى أنها ناقصة، إنّما المتروك تفصيله وبيان اشتماله على تلك الأمور.
وقد تجعل من تتمة المادة لأنّ القابل إنّما يكون قابلا بالفعل عند حصول الشرائط. ومنهم من جعل الأدوات من تتمة الفاعل وما عداها من تتمة المادة، وتقرير ذلك على طور ما سبق.
وعلى هذا فلا يرد ما قيل سلّمنا أنّ المراد بالفاعل هو المستقل بالفاعلية وبالمادة هو القابل بالفعل، لكن كلّ ما ذكرنا من الشروط والآلات ورفع المانع والمعد مما يحتاج إليه المعلول ولا يصدق عليه أحد تلك الأقسام. ولا نعني بعدم الحصر إلّا وجود شيء يصدق عليه المقسم ولا يصدق عليه شيء من الأقسام.
إن قلت عدم المانع قيد عدمي فلا يكون جزءا من العلّة التامة وإلّا لا تكون العلّة التامة موجودة. قلت العلّة التامة لا تجب أن تكون وجودية بجميع أجزائها بل الواجب وجود العلّة الموجدة منها لكونها مفيدة للوجود، ولا امتناع في توقّف الإيجاد على قيد عدمي. ومنهم من خمّس القسمة وجعل هذه المذكورات شروطا، وقال العلّة الناقصة إن كانت داخلة في المعلول فمادية إن كان بها وجود الشيء بالقوة وإلّا فصورية. وإن كانت خارجة ففاعلية إن كان منها وجود الشيء وغائية إن كان لأجلها الشيء، وشرط إن لم يكن منها وجود الشيء ولا لأجلها، ولا يضرّ خروج الجنس والفصل فإنّهما وإن كانا من العلل الداخلة لكنهما ليسا مما يتوقّف عليه الوجود الخارجي والكلام فيه. ولك أن تقول في تفصيل أقسام العلّة الناقصة بحيث لا يحتاج إلى مثل تلك التكلّفات بأنّ ما يتوقّف عليه الشيء إمّا جزء له أو خارج عنه، والثاني إمّا محلّ للمقبول فهو الموضوع بالقياس إلى العرض، والمحلّ القابل بالقياس إلى الصورة الجوهرية المعيّنة فإنّها محتاجة في وجودها إلى المادة، وإن كانت مطلقها علّة لوجود المادة، وإمّا غير محلّ له فإمّا منه الوجود وإمّا لأجله الوجود، أولا هذا ولا ذاك، وحينئذ إمّا أن
стр. 1255
يكون وجوديا وهو الشرط أو عدميا وهو عدم المانع؛ وأمّا المعدّ وهو ما يكون محتاجا إليه من حيث وجوده وعدمه معا فداخل في الشرط باعتبار وفي عدم المانع باعتبار، والأول أعني ما يكون جزءا إمّا أن يكون جزءا عقليا وهو الجنس والفصل أو خارجيا وهو المادة والصورة.
فائدة:
حيث يذكر لفظ العلّة مطلقا يراد به الفاعلية ويذكر البواقي بأوصافها وبأسماء أخرى، وكما يقال لعلّة الماهية جزء وركن يقال للمادية مادة وطينة باعتبار ورود الصّور المختلفة عليها، وقابل وهيولى من جهة استعدادها للصّور وعنصر إذ منها يبتدأ التركيب، واسطقس إذ إليها ينتهي التحليل. ويقال للغائية غاية وغرض.
تقسيمات أخر:
العلّة مطلقا فاعلية كانت أو صورية أو مادية أو غائية قد تكون بسيطة. فالفاعلية كطبائع البسائط العنصرية، والمادية كهيولاتها والصّورية كصورها والغائية كوصول كلّ منها إلى مكانه الطبيعي. وقد تكون مركّبة، فالفاعلية كمجموع الفعل والصّورة بالنسبة إلى الهيولى على ما تقرّر من أنّ الصورة شريكة لفاعل الهيولى، والمادية كالعناصر الأربعة بالنسبة إلى صور المركّبات، والصورية كالصورة الإنسانية المركّبة من صور أعضائها الآلية، والغائية كمجموع شرى المتاع ولقاء الحبيب بالنسبة إلى الصّورة الشوقية.
وأيضا كلّ واحد من العلل إمّا بالقوة، فالفاعلية كالطبيعة بالنسبة إلى الحركة حال حصول الجسم في مكانه الطبيعي، والمادية كالنطفة بالنسبة إلى الإنسانية، والصّورية كصورة الماء حال كون هيولاها ملابسة لصورة الهواء، والغائية كلقاء الحبيب قبل حصوله. وإمّا بالفعل، فالفاعلية كالطبيعة حال كون الجسم متحركا إلى مكانه الطبيعي وعلى هذا القياس. وأيضا كلّ واحد منها إمّا كلية أو جزئية، فالفاعلية الكلّية كالبناء للبيت والجزئية كهذا البناء له وعلى هذا القياس. وأيضا كلّ واحد منها إمّا ذاتية أو عرضية. فالعلّة الذاتية تطلق على ما هو معلول حقيقة والعلّة العرضية تطلق باعتبارين، أحدهما اقتران شيء بما هو علّة حقيقة، فإنّ الشيء إذا اقترن بالعلّة الحقيقية اقترانا مصححا لإطلاق اسمها عليه يسمّى علّة عرضية، وثانيهما اقتران شيء ما بالمعلول كذلك، فإنّ العلّة بالقياس إلى ذلك الشيء المقترن بالمعلول تسمّى علّة عرضية. فالفاعلية العرضية كالسقمونيا بالنسبة إلى البرودة فإنّ السقمونيا يسهّل الصفراء الموجبة لسخونة البدن المانعة عن تبريد الباردة التي في البدن إياه، فلما زال المانع عنه برّدته بطبعها.
فالفعل الصادر عن الأجزاء الباردة التي في البدن أعني التبريد ينسب بالعرض إلى ما يقرنها ويزيل مانعها وهو السقمونيا، والمادية العرضية كالخشب للسرير إذا أخذ مع صفة البياض مثلا، فإنّ ذات الخشب علّة مادية ذاتية وما يقرنها أعني الخشب مأخوذا مع صفة البياض علّة مادية مع صفة البياض، والصّورية العرضية كصورة السرير إذا أخذت مع بعض عوارضها، والغائية العرضية كشرى المتاع أيضا مثلا بالنسبة إلى السفر إذا كان المقصود منه لقاء الحبيب وحصل بتبعه شراء المتاع أيضا. وأيضا كلّ واحد من العلل إمّا عامّة أو خاصة. فالعامّة تكون جنسا للعلّة الحقيقية كالصانع الذي هو جنس للبناء، والخاصّة هي العلّة الحقيقية كالبناء، وكذلك سائر العلل. وأيضا كلّ واحد منها قريبة أو بعيدة. فالفاعلية القريبة كالعفونة بالنسبة إلى الحمّى والبعيدة كالاحتقان مع الامتلاء بالنسبة إلى الحمّى. وأيضا كل منها مشتركة أو خاصة.
فالفاعلية المشتركة كبنّاء واحد لبيوت متعدّدة،
стр. 1256
والخاصة كبنّاء واحد لبيت واحد، وعلى هذا القياس.
فائدة:
ومن العلل المعدّة ما يؤدّي إلى مثل كالحركة إلى منتصف المسافة المؤدّية إلى الحركة إلى منتهاها، أو إلى خلاف كالحركة إلى البرودة المؤدّية إلى السخونة التي هي مخالفة للحركة لها، أو إلى ضدّ كالحركة إلى فوق المؤدّية إلى الحركة إلى الأسفل والأعداد قريب كأعداد الجنين بالنسبة إلى الصورة الإنسانية أو بعيد كأعداد النطفة بالنسبة إليها. ومن العلل العرضية ما هو علّة معدّة ذاتية بالنسبة إلى ما هو علّة فاعلية عرضية له، فإنّ شرب السقمونيا علّة فاعلية عرضية لحصول البرودة مع أنّه علّة معدّة ذاتية لحصول البرودة.
فائدة:
الفرق بين جزء العلّة المؤثّرة أي الفاعلية وشرطها في التأثير هو أنّ الشرط يتوقّف عليه تأثير المؤثّر لا ذاته، كيبوسة الحطب للإحراق إذ النار لا تؤثّر في الحطب بالإحراق إلّا بعد أن يكون يابسا، والجزء يتوقّف عليه ذات المؤثّر فيتوقّف عليه تأثيره أيضا، لكن لا ابتداء بل بواسطة توقّفه على ذاته المتوقفة على جزئه، وعدم المانع ليس مما يتوقّف عليه التأثير حتى يشارك الشرط في ذلك بل هو كاشف عن شرط وجودي، كزوال الغيم الكاشف عن ظهور الشمس الذي هو الشرط في تجفيف الثياب وعدّه من جملة الشروط نوع من التجوّز. وفي اصطلاح مثبتي الأحوال من المتكلّمين صفة توجب لمحلّها حكما. والمراد بالصّفة الموجودة بناء على عدم تجويز تعليل الحال بالحال كما هو رأي الأكثرين أو الثابتة ليشتمل ما ذهب إليه أبو هاشم من تعليل الأحوال الأربعة بالحال الخامس. ومعنى الإيجاب ما يصحح قولنا وجد فوجد أيّ ثبت الأمر الذي هو العلّة فثبت الأمر الذي هو المعلول. والمراد لزوم المعلول للعلّة لزوما عقليا مصحّحا لترتّبه بالفاء عليها دون العكس، وليس المراد مجرّد التعقيب، فخرج بقيد الصفة الجواهر فإنّها لا تكون عللا للأحوال، ويتناول الصفة القديمة كعلم الله تعالى وقدرته فإنّهما علتان لعالميته وقادريته والمحدثة كعلم الواحد منّا وقدرته وسواده وبياضه.
والمعنى أنّ العلّة صفة قديمة كانت أو محدثة توجب تلك الصفة أي قيامها بمحلّها حكما أي أثرا يترتّب على قيامها بأن يتّصف ذلك المحلّ به ويجري عليه. وفي قولهم لمحلها إشعار بأنّ حكم الصفة لا يتعدّى محلّ تلك الصفة فلا يوجب العلم والقدرة والإرادة للمعلوم والمقدور. والمراد حكما لأنّها غير قائمة بها كيف، ولو أوجبت لها أحكاما لكان المعدوم الممتنع إذا تعلّق به العلم متصفا بحكم ثبوتيّ وهو محال. واعلم أنّ هذا التعريف إنّما كان على اصطلاح مثبتي الأحوال دون نفاتها، لأنّ المثبتين كلّهم قائلون بالمعاني الموجبة للأحكام في محالها، وهي عندهم علل تلك الأحكام.
ونفاة الأحوال من الأشاعرة لا يقولون بذلك إذ عندهم لا علّية ولا معلولية فيما سوى ذاته تعالى، فضلا عن أن يكون بطريق الإيجاب واللزوم العقلي لا للموجود ولا للحال. أمّا عدم العلّية للأحوال فظاهر لعدم قولهم بالحال، وأمّا عدم العلّية للموجود فلاستناد الموجودات كلّها عندهم إليه تعالى ابتداء. والمعلول على هذا التعريف هو الحكم الذي توجبه الصفة في محلها، وهذا التعريف هو الأقرب. وأمّا نحو قولهم العلّة ما توجب معلولها عقيبها بالاتصال إذا لم يمنع مانع، أو العلة ما كان المعتلّ به معلّلا وهو أي كون المعتلّ به معلّلا قول القائل كان كذا لأجل كذا، كقولنا كانت العالمية لأجل
стр. 1257
العلم فدوريّ. أمّا الأول فلأنّ المعلول مشتقّ من العلّة إذ معناه ما له علّة فيتوقّف معرفته على معرفتها فلزم الدور وأمّا الثاني فلأنّه عرّف العلّة بالمعتلّ والمعلّل ومعرفة كلّ منهما موقوفة على معرفة العلّة. وقولهم العلّة ما يغيّر حكم محلّها أي ينقله من حال إلى حال، أو العلّة هي التي يتجدّد بها أي يتجدّد بها الحكم يخرج الصفة القديمة إذ لا تغيير ولا تجدّد فيها مع أنّها من العلل فإنّ علمه تعالى علّة موجبة لعالميته عندهم. ولك أن تأخذ من كلّ هذه التعريفات المزيّفة للعلّة تعريفات للمعلول فتقول المعلول ما أوجبته العلّة عقيبها بالاتصال إذا لم يمنع مانع أو المعتلّ المعلّل بالعلّة أو ما كان من الأحكام متغيرا بالعلّة أو ما يتجدّد من الأحكام بالعلّة.
فائدة:
الفرق بين العلّة والشرط على رأي مثبتي الأحوال من وجوه. الأول العلّة مطّردة فحيثما وجدت وجد الحكم، والشرط قد لا يطّرد كالحياة للعلم، فإنّها شرط للعلم وقد لا يوجد معها العلم. الثاني العلّة وجودية أي موجودة في الخارج باتفاقهم، والشرط قد يكون عدميا كانتفاء أضداد العلم بالنسبة إلى وجوده إذ لا معنى للشرط إلّا ما يتوقّف عليه المشروط في وجوده لا ما يؤثّر في وجود المشروط حتى يمتنع أن يكون عدميا. وقيل الشرط لا بد أن يكون وجوديا أيضا. الثالث قد يكون الشرط متعدّدا كالحياة وانتفاء الأضداد بالنسبة إلى وجود العلم أو مركّبا بأن يكون عدة أمور شرطا واحدا للمشروط.
الرابع الشرط قد يكون محلّ الحكم بخلاف العلّة، أي محلّ الحكم لا يجوز أن يكون علّة للحكم لأنّه لا يكون مؤثّرا فيه، بل المؤثّر فيه صفة ذلك المحلّ التي هي العلّة لكن محلّ الحكم يكون شرطا للحكم من حيث إنّه يتوقّف وجوده عليه. الخامس العلّة ولا تتعاكس أي لا تكون العلّة معلولة لمعلولها بخلاف الشرط فإنّه يجوز أن يكون مشروطا لمشروطه، إذ قد يشترط وجود كلّ من الأمرين بالآخر، قال به القاضي وعنى بالتوقّف المأخوذ في تعريف الشرط عدم جواز وجوده بدون الموقوف عليه، وبه قال أيضا المحقّقون من الأشاعرة، ومنعه بعضهم. والحق الجواز إن لم يوجب تقدّم الشرط على المشروط بل يكتفى بمجرّد امتناع وجود المشروط بدون الشرط كقيام كلّ من البينتين المتساندتين بالأخرى، فإنّ قيام كلّ منهما يمتنع بدون قيام الأخرى، ومثل ذلك يسمّى دور معية ولا استحالة فيه. السادس الشرط قد لا يبقى ويبقى المشروط وذلك إذا توقّف عليه المشروط في ابتداء وجوده دون دوامه، كتعلّق القدرة على وجه التأثير فإنّه شرط الوجود ابتداء لا دواما، فلذلك يبقى الحادث مع انقطاع ذلك التعلّق. السابع الصفة التي هي علّة كالعلم مثلا له شرط كالمحل والحياة وليس له علّة فإنّ العلم من قبيل الذوات وهي لا تعلّل بخلاف الأحكام، فالعلّة لا تكون معلولة في نفسها بخلاف الشرط فإنّه قد يكون معلولا، فإنّ كون الحيّ حيّا شرط لكونه عالما مع أنّ كونه حيّا معلول للحياة. الثامن العلّة مصحّحة لمعلولها اتفاقا بخلاف الشرط إذ فيه خلاف. التاسع الحكم الواجب لم يتفق على عدم شرط بل اتفق على أنّه لا يوجد بدون شرط كالعالمية له تعالى فإنّها مشروطة بكونه حيّا، وقد يختلف في كون الحكم الواجب معلّلا بعلّة، فإنّ مثبتي الأحوال من الأشاعرة يعلّلونه بصفات موجودة. ومن المعتزلة ينفونه سوى البهشمية فإنّهم يعلّلون الحال بالحال. وإن شئت الزيادة على هذا فارجع إلى شرح المواقف.
العلّة المتعدّية:
[في الانكليزية] Efficient cause or indirect one
[ في الفرنسية] Cause efficiente ou indirecte
سبق ذكرها.
стр. 1258
العلف:
[في الانكليزية] sensual desires
[ في الفرنسية] Desirs sensuels
هو عند الصّوفية عبارة عن الشّهوات والأماني النفسانية. كذا في بعض الرسائل «١».
العلم:
[في الانكليزية] Proper name
[ في الفرنسية] Nom propre
بفتح العين واللام عند النحاة قسم من المعرفة، وهو ما وضع لشيء بعينه غير متناول غيره بوضع واحد. فقولهم لشيء بعينه أي متلبس بعينه أي لشيء معيّن شخصا كان وهو العلم الشخصي كزيد، أو جنسا وهو العلم الجنسي، وعلم الجنس والعلم الذهني كأسامة. واحترز بهذا عن النّكرة والأعلام الغالبة التي تعيّنت لفرد معيّن لغلبة الاستعمال فيه داخلة في التعريف لأنّ غلبة استعمال المستعملين بحيث اختصّ العلم الغالب لفرد معيّن بمنزلة الوضع من واضع المعيّن، فكأنّ هؤلاء المستعملين وضعوه للمعيّن. وقولهم غير متناول غيره أي حال كون ذلك الاسم الموضوع لشيء معيّن غير متناول غير ذلك الشيء باستعماله فيه، واحترز به عن المعارف كلّها. والقيد الأخير لئلّا يخرج الأعلام المشتركة كذا في الفوائد الضيائية.
اعلم أنّ هذا التعريف مبني على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنّ ما سوى العلم معارف وضعية أيضا لا استعمالية كما هو مذهب الجمهور، إذ لو لم يكن كذلك فقولهم غير متناول غيره مما لا يحتاج إليه لخروج ما سوى العلم من المعارف بقيد الوضع لأنّها ليست موضوعة لشيء معيّن بل لمفهوم كلّي، إلّا أنه شرط حين الوضع أن لا يستعمل إلّا في معيّن كما سيأتي في لفظ المعرفة. واعترض عليه بأنّ العلم الشخصي ليس موضوعا لشيء معيّن لأنّ الموضوع للشخص من وقت حدوثه إلى فنائه لفظ واحد، والتشخّص الذي لوحظ حين الوضع يتبدل كثيرا، فلا محالة يكون اللفظ موضوعا للشخص، لكلّ تشخّص تشخّص ملحوظ بأمر كلّي، فالعلم كالمضمر. وأجيب بأنّ وجود الماهية لا ينفكّ عن تشخّص باق ببقاء الوجود يعرف بعوارض بعده وتلك العوارض تتبدّل ويأخذ العقل العوارض المتبدلة أمارات يعرف بها ذلك التشخّص. فاللفظ موضوع للشخص بذلك التشخّص لا للمتشخّص بالعوارض، ولو كان التشخّص بالعوارض لكان للجزئي أشخاص متّحدة في الوجود، وما اشتهر من أنّ التشخّص بالعوارض مسامحة مؤوّلة بأنّه أمر يعرف بعوارض. وأمّا أنّ ذلك التشخّص هل هو متحقّق مبرهن أو مجرّد توهّم فموكول إلى علم الكلام والحكمة ولا حاجة لنا إليه في وضع اللفظ للمشخّص لأنّ أيّا ما كان يكفي فيه. بقي أنّ العلم لو كان موضوعا للشخص بعينه لم يصح تسمية الآباء أبناءهم المتولّدة في غيبتهم بأعلام، وتأويله بأنّه تسمية صورة أو أمر بالتسمية حقيقة أو وعد بها بعيد، وأنّ الوضع في اسم الله مشكل حينئذ لعدم ملاحظته بعينه وشخصه حين الوضع وبعد لم يعلم بالوضع له بشخصه للمخاطبين به، وإنّما يفهم منه معيّن مشخّص في الخارج بعنوان ينحصر فيه، ولذا قيل إنّه اسم للمفهوم الكلّي المنحصر فيه تعالى من الواجب لذاته أو المستحقّ بالعبودية لذاته، إلّا أن يراد بالشيء بشخصه كونه متعيّنا بحيث لا يحتمل التعدّد بحسب الخارج ولا يطلب له منع العقل عن تجويز الشركة فيه. وقال بعض البلغاء: العلم ما وضع لشيء بشخصه وهذا إنّما يصح إن لم يكن علم الجنس علما عند أصحاب فنّ البلاغة لأنّه دعت إليه ضرورات نحوية، وهم في سعة عنه، ولا يكون غير العلم موضوعا لشيء بشخصه بناء على أنّ ما سوى العلم معارف استعمالية كما هو مذهب الجمهور. هكذا يستفاد من الأطول في باب المسند إليه في بيان فائدة جعله علما.
стр. 1259
قيل الأعلام الجنسية أعلام حقيقة كالأعلام الشخصية، إذ في كلّ منهما إشارة بجوهر اللفظ إلى حضور المسمّى في الذهن بخلاف المنكّر إذ ليس فيه إشارة إلى المعلوم من حيث هو معلوم. وقيل علم الجنس من الأعلام التقديرية واللفظية لأنّ الأحكام اللفظية من وقوعه مبتدأ وذا حال ووصفا للمعرفة وموصوفا بها ونحو ذلك هي التي اضطرتهم إلى الحكم بكونه علما حتى تكلّفوا فيه ما تكلّفوا، هكذا يستفاد مما ذكر في المطول وحاشيته للسّيد السّند. والفرق بين علم الجنس واسم الجنس قد مرّ في لفظ اسم الجنس. وفي بعض حواشي الألفية اسم الجنس موضوع للفرد لا على التعيين كالأسد، وعلم الجنس موضوع للحقيقة فقط. وعلم النوع موضوع للفرد المعيّن لا على التعيين كغدوة وعلم الشخص للفرد المعيّن على الخصوص. فاسم الجنس نكرة لفظا ومعنى، وعلم الجنس معرفة لفظا لا معنى، وعلم الشخص معرفة لفظا ومعنى، وعلم النوع كذلك. فالحاصل أنّ الفرد المعيّن يتعدّد في العلم النوعي ويتّحد في العلم الشخصي انتهى.
التقسيم
العلم إمّا قصدي وهو ما كان بالوضع شخصيا كان أو جنسيا، أو اتفاقي وهو الذي يصير علما لا بوضع واضع معيّن بل إنّما يصير علما لأجل الغلبة وكثرة استعماله في فرد من افراد جنسه بحيث لا يذهب الوهم عند إطلاقه إلى غيره مما يتناوله اللفظ، كذا في العباب.
والعلم الموضوع أي القصدي إمّا منقول أو مرتجل، فإنّ ما صار علما بغلبة الاستعمال لا يكون منقولا ولا مرتجلا كما في شرح التسهيل وفي اللّب العلم الخارجي أي الشخصي منقول أو مرتجل فخرج من هذا العلم الذهني، أي الجنسي. والمنقول وهو ما كان له معنى قبل العلمية ثم نقل عن ذلك المعنى وجعل علما لشيء إمّا منقول عن مفرد سواء كان اسم عين كثور وأسد، أو اسم معنى كفصل وإياس، أو صفة كحاتم، أو فعلا ماضيا كشمّر وكعسب، أو فعلا مضارعا كتغلب ويشكر، أو أمرا بقطع همزة الوصل لتحقّق النقل كاصمت بكسر الهمزة والميم، أو صوتا كببّة وهو لقب عبد الله بن حارث «١»، أو عن مركّب سواء كان جملة نحو تأبّط شرا أو غير جملة سواء كان بين أجزائه نسبة كالمضاف والمضاف إليه كعبد مناف أو لم يكن كبعلبك وسيبويه، هكذا في اللّب والمفصّل «٢». وقيل الأعلام كلّها منقولة ولا يضرّ جهل أصلها وهو ظاهر مذهب سيبويه كذا في شرح التسهيل. والمرتجل هو ما وضع حين وضع علما ابتداء إمّا قياسي وهو ما لم يعرف له أصل مادة بل هيئة بأن يكون موافقا لزنة أصل في أسماء الأجناس والأفعال ولا يكون مخالفا لأصل فيها من الإظهار والإدغام والإعلال والإبدال ونحو ذلك مما ثبت في أصول الأوزان نحو عطفان، وإمّا شاذ وهو ما لم يعرف له أصل هيئة بأن يكون مخالفا لأوزان الأصول بتصحيح وما يعلّل مثله نحو مكوزة والقياس مكازة كمفازة، أو بالعكس كحياة علما لرجل والقياس حية، بانفكاك ما يدغم كمحبب اسم رجل والقياس محبّ، أو بالعكس وبانفتاح ما
стр. 1260
يكسر كوهب بفتح الهاء اسم رجل والقياس الكسر، أو نحو ذلك. ويمكن في المرتجل الشاذ القول بالنقل وأنّ التغيير شاذ حدث بعد النقل كذا في الإرشاد وشرح اللب. ثم في شرح اللب إنّما لم يقسم المصنف المرتجل إلى المفرد والمركّب كما قسّم المنقول إليهما لعدم مجيئه في ذلك انتهى. والعلم الذهني أي الجنسي إمّا اسم عين كأمامة وإمّا اسم معنى وهو على نوعين: حدث أي مصدر كسبحان علم التسبيح أو وقت كغدوة علم لجنس غدوة اليوم الذي أنت فيه، وكذا سحر فإنّه علم لجنس سحر الليلة التي أنت فيه، والدليل على علميتها منع الصّرف. وإمّا لفظ يوزن به كقولهم قائمة على وزن فاعلة وإمّا كناية كفلان وفلانة فإنّهما كنايتان عن زيد ومثله وعن فاطمة ومثلها فيجريان مجرى المكني عنه أي يكونان كالعلم كذا في شرح اللب. والعلم الاتفاقي على قسمين مضاف نحو ابن عمر فإنّه غلب بالإضافة على عبد الله بن عمر من بين إخوته، ومعرّف باللام نحو النّجم فإنّه غلب على الثّريا بالاستعمال والصّعق فإنّه غلب بالاستعمال على خويلد بن نفيل «١»، ومنه ما لم يرد بجنسه الاستعمال كالدّبران والعيّوق والسّماك والثّريا لأنّها غلبت على الكواكب المخصوصة من بين ما يوصف بهذه الأوصاف، وإن كانت في الأصل أسماء أجناس. وإنما قيل منه لأنّها ليست في الظاهر صفات غالبة كالصعق وإنما هي أسماء موضوعة باللام في الأصل أعلام لمسمّياتها ولا تجري صفات وما لم يعرف بالاشتقاق من هذا النوع فملحق بما عرف كالمشتري والمريخ، كذا في العباب. فالأعلام الاتفاقية لا تكون إلّا مركّبة لحصرها في القسمين. ولذا قال صاحب العباب لما كان اسم الجنس إنّما يطلق على بعض أفراده المعيّن إذا كان معرّفا باللام أو بالإضافة كان العلم الاتفاقي قسمين: معرّفا باللام أو مضافا.
وأيضا العلم ثلاثة أقسام: لقب وكنية واسم لأنّه إمّا مصدّر بأب أو أمّ أو لا، الأوّل الكنية، والثاني إمّا مشعر بالمدح أو الذّم أو لا، الأول اللّقب، والثاني الاسم. فعلى هذا يتقابل الأقسام بالذات. وفي شرح الأوضح «٢» ناقلا عن الإمام أنّ من الكنية ما صدّر بابن أو بنت. وقال الفاضل الشريف في شرح المفتاح «٣»: الكنية علم صدّر بأب أو أمّ أو ابن أو بنت، واللّقب علم يشعر بمدح أو ذمّ مقصود منه قطعا، وما عداهما من الأعلام يسمّى أسماء. فعلى ما ذكره الاسم المقابل للّقب قد يشعر بالمدح أو الذّمّ ولا يكون المشعر بالمدح أو الذم مطلقا لقبا، بل إذا كان المقصود به عند إطلاقه المدح أو الذّمّ. ولذا قيل الغرض من وضع الألقاب الإشعار بالمدح والذّمّ، وقد يتضمنها الأسماء، وإن لم يقصد بالوضع إلّا تمييز الذات لكون تلك الأسماء منقولات من معان شريفة أو خسيسة كمحمد وعلي وكلب، أو لاشتهار الذات في ضمنها بصفة محمودة أو مذمومة كحاتم ومادر انتهى.
стр. 1261
والفرق بين اللّقب والكنية بالحيثية، فإشعار بعض الكنى بالمدح أو الذّم كأبي الفضل وأبي الجهل لا يضرّ. وبعض أئمة الحديث يجعل المصدّر بأب أو أم مضافا إلى اسم حيوان أو إلى ما هو صفة الحيوان كنية وإلى غير ذلك لقبا كأبي تراب. ثم إشعار العلم بالمدح أو الذّمّ باعتبار معناه الأصلي فإنّه قد يلاحظ في حال العلمية تبعا، ولذلك ينهى شرعا أن يذكر الشخص بعلمه الدّال في أصله على ذمّ إذا كان يتأذّى به ويتحاشى عادة أن يذكر من يقصد توقيره بمثل هذا. وقد يطلق الاسم على ما يعمّ الأقسام الثلاثة. هذا كله خلاصة ما في الأطول وما ذكر الفاضل الچلپي في حاشية المطوّل والتلويح. وفي بعض الحواشي المعلّقة على شرح النخبة قيل: العلم إن دلّ على مدح أو ذم فلقب صدّر بأب أو أمّ أو ابن أو بنت أو لا، وإن صدّر بأحدها فكنية دلّ عليه أو لا، والاسم أعمّ، كذا قاله التفتازاني انتهى. وإذا اجتمع للرجل اسم غير مضاف ولقب يضاف الاسم إلى اللقب نحو سعيد كرز كما في المفصل.
فائدة:
وقد سمّوا ما يتّخذونه ويألفونه من خيلهم وإبلهم وغنمهم وكلابهم بأعلام، كلّ واحد منها مختصّ بشخص بعينه يعرفونه به كالأعلام في الأناسي نحو اعوج ولاحق وشدقم وعليان ونحوها، وما لا يتّخذ ولا يؤلف فيحتاج إلى التمييز بين أفراده كالطير والوحش وغير ذلك، فإنّ العلم فيه للجنس بأسره ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت أبو براقش وابن دابّة وأسامة وثعالة فكأنّك قلت الضرب الذي من شأنه كيت وكيت. ومن هذه الأجناس ما له اسم جنس واسم علم كالأسد وأسامة والثّعلب وثعالة وما لا يعرف له اسم غير العلم نحو ابن مقرض وحمار قبّان، وقد يوضع للجنس اسم وكنية كما قالوا للأسد أسامة وأبو الحارث، ومنها ما له اسم ولا كنية له كقولهم قثم للضبعان، وما له كنية ولا اسم كأبي براقش كذا في المفصّل.
فائدة:
ومن العلم ما لزم فيه اللام كالمسمّى معها نحو الفرزدق وكالغالب بها نحو الصّعق كما مرّ، وكالعلم الذي ثنّي نحو الزيدان أو جمع كالزيدون والفواطم، وكالكناية عن أعلام البهائم كالفلان كناية عن نحو لاحق وشدقم والفلانة كناية عن نحو خطّة وهيلة. ومنه ما جازت اللام فيه كالعلم الذي كان قبل العلمية مصدرا نحو الفضل، أو مشتقا نحو الحارث، أو كان مؤوّلا بواحد من جنسه أي بفرد من أفراد حقيقته الكلّية الموضوع لها العلم بالاشتراك الاتفاقي، وذلك لأنّه لما وضعه الواضع لمسمّى ثم وضعه لمسمّى آخر صارت نسبته إلى الجميع بعد ذلك نسبة واحدة فأشبه رجلا فأجري مجراه. وبهذا الاعتبار قيل: جاز اللام فيه حتى اجترئ لذلك على إضافته أيضا نحو زيدنا. فعلى هذا الطريق لا ينكّر علم الجنس لأنّ من شرطه أن يوجد الاشتراك في التسمية والمسمّى بعلم الجنس واحد لا تعدّد فيه، اللهم إلّا أن يوجد اسم مشترك أطلق على نوعين مختلفين، ثم ورود الاستعمال فيه مرادا به واحد من المسمّيين به. وقيل طريق التنكير أن يشتهر العلم بمعنى من المعاني فيجعل العلم بمنزلة اسم الجنس كما في قولهم لكلّ فرعون موسى أي لكلّ جبار مبطل قهّار محق. فعلى هذا الطريق لا شبهة في إمكان تنكير علم الجنس مثل أن يقال فرست كلّ أسامة أي كلّ بالغ في الشجاعة كذا في العباب، وهو أي تنكير العلم قليل كما في شرح اللب.
стр. 1262
فائدة:
إذا استعمل اللّفظ للفظ كان علما له ولا اتحاد إذ الدّال محض اللّفظ والمدلول لفظ ذو دلالة أو عديمها، وعلى هذا كان نحو جسق مما لم يوضع لمعنى موضوعا أيضا كزيد، ويجري هذا الوضع في كلّ لفظ موضوع اسما كان أو فعلا أو حرفا أو مركّبا تاما أو غيره، أو غير موضوع ولا يثبت الاشتراك كما في المنقولات. وليس أحدهما بالنسبة إلى الآخر مجازا بخلاف المنقولات لأنّ وضع العلم لا يختصّ بقوم دون قوم فيكون مسمّى العلم بالنسبة إلى كلّ قوم حقيقة كذا في العضدي.
والعلم عند المهندسين عبارة عن مجموع المتمّمين وأحد الشّكلين المتوازيين أضلاعا اللذين يكونان بينهما أي بين المتمّمين. فالعلم مجموع ثلاث مربعات هكذا:
فمجموع المتمّمين وهما مربّع ب أومربع رع مع مربّع ف هـ أو مع مربّع أف علم، هكذا يستفاد من تحرير أقليدس وحواشيه.
وفي تحرير الأقليدس تعريف العلم مذكور بهذه العبارة- العلم هو مجموع المتمّمين وأحد متوازي الأضلاع الذين بينهما. وتعريف المتمّم سيأتي في المتن.
العلم:
[في الانكليزية] Knowledge ،science ،understanding
[ في الفرنسية] Savoir ،science ،connaissance
بالكسر وسكون اللام في عرف العلماء يطلق على معان منها الإدراك مطلقا تصوّرا كان أو تصديقا، يقينيا أو غير يقيني، وإليه ذهب الحكماء. ومنها التصديق مطلقا يقينيا كان أو غيره. قال السيّد السّند في حواشي العضدي:
لفظ العلم يطلق على المقسم وهو مطلق الإدراك وعلى قسم منه وهو التصديق إمّا بالاشتراك بأن يوضع بإزائه أيضا، وإمّا بغلبة استعماله فيه لكونه مقصودا في الأكثر، وإنّما يقصد التصوّر لأجله. ومنها التصديق اليقيني. في الخيالي العلم عند المتكلّمين لا معنى له سوى اليقين.
وفي الأطول في باب التشبيه العلم بمعنى اليقين في اللغة لأنه من باب أفعال القلوب انتهى.
ومنها ما يتناول اليقين والتصوّر مطلقا. في شرح التجريد العلم يطلق تارة ويراد به الصورة الحاصلة في الذهن ويطلق تارة ويراد به اليقين فقط، ويطلق تارة ويراد به ما يتناول اليقين والتصوّر مطلقا انتهى. وقيل هذا هو مذهب المتكلّمين كما ستعرفه. ومنها التعقّل كما عرفت. ومنها التوهّم والتعقّل والتخيّل. في تهذيب الكلام أنواع الإدراك إحساس وتخيّل وتوهّم وتعقّل. والعلم قد يقال لمطلق الإدراك وللثلاثة الأخيرة وللأخير وللتصديق الجازم المطابق الثابت. ومنها إدراك الكلّي مفهوما كان أو حكما. ومنها إدراك المركّب تصوّرا كان أو تصديقا، وسيذكر في لفظ المعرفة. ومنها إدراك المسائل عن دليل. ومنها نفس المسائل المدلّلة.
ومنها الملكة الحاصلة من إدراك تلك المسائل.
والبعض لم يشترط كون المسائل مدلّلة وقال العلم يطلق على إدراك المسائل وعلى نفسها وعلى الملكة الحاصلة منها. والعلوم المدوّنة تطلق أيضا على هذه المعاني الثلاثة الأخيرة وقد سبق توضيحها في أوائل المقدّمة. ومنها ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض صادرا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها، ويقال لها الصناعة أيضا كذا في المطول في بحث التشبيه. ورده السيّد السّند بأنّ الملكة المذكورة المسمّاة بالصناعة فإنّما هي في
стр. 1263
العلوم العملية أي المتعلّقة بكيفية العمل كالطب والمنطق، وتخصيص العلم بإزائها غير محقّق.
كيف وقد يذكر العلم في مقابلة الصناعة. نعم إطلاقه على ملكة الإدراك بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد مناسب للعرف انتهى.
اعلم أنّ في العلم مذاهب ثلاثة الأول أنّه ضروري يتصوّر ماهيته بالكنه فلا يحدّ، واختاره الرازي. والثاني أنّه نظري لكن يعسر تحديده وبه قال إمام الحرمين والغزالي، وقالا فطريق معرفته القسمة والمثال. أمّا القسمة فهي أن تميّزه عما يلتبس به من الاعتقادات فنقول مثلا الاعتقاد إمّا جازم أو غيره، والجازم إمّا مطابق أو غير مطابق، والمطابق إمّا ثابت أو غير ثابت. فقد خرج عن القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت وهو العلم بمعنى اليقين، فقد تميّز عن الظّنّ بالجزم وعن الجهل المركّب بالمطابقة وعن تقليد المصيب بالثابت الذي لا يزول بتشكيك المشكّك. قيل القسمة إنّما تميّز العلم التصديقي عن الاعتقادات فلا تكون مفيدة لمعرفة مطلق العلم. أقول لا اشتباه للعلم بسائر الكيفيات النفسانية ولا العلم التصوّري إنّما الاشتباه للعلم التصديقي والقسمة المذكورة تميّزه عنهما فحصل معرفة العلم المطلق. وأمّا المثال فكأن يقال العلم هو المشابه لإدراك الباصرة، أو يقال هو كاعتقادنا أنّ الواحد نصف الاثنين.
والثالث أنّه نظري لا يعسر تحديده وذكر له تعريفات. الأول للحكماء أنّه حصول صورة الشيء في العقل. وبعبارة أخرى أنّه تمثّل ماهية المدرك في نفس المدرك، وهذا مبني على الوجود الذهني. وهذا التعريف شامل للظّنّ والجهل المركّب والتقليد والشكّ والوهم.
وتسميتها علما يخالف استعمال اللّغة والعرف والشرع، إذ لا يطلق على الجاهل جهلا مركّبا ولا على الظّان والشاك والواهم أنّه عالم في شيء من تلك الاستعمالات. وأمّا التقليد فقد يطلق عليه العلم مجازا ولا مشاحة في الاصطلاح. والمبحوث عنه في المنطق هو العلم بهذا المعنى لأنّ المنطق لما كان جميع قوانين الاكتساب فلا بدّ لهم من تعميم العلم.
ثم العلم إن كان من مقولة الكيف فالمراد بحصول الصورة الصورة الحاصلة. وفائدة جعله نفس الحصول التنبيه على لزوم الإضافة، فإنّ الصورة إنّما تسمّى علما إذا حصلت في العقل، وإن كان من مقولة الانفعال فالتعريف على ظاهره لأنّ المراد بحصول الصورة في العقل اتصافه بها وقبوله إياها.
اعلم أنّ العلم يكون على وجهين أحدهما يسمّى حصوليا وهو بحصول صورة الشيء عند المدرك ويسمّى بالعلم الانطباعي أيضا لأنّ حصول هذا العلم بالشيء إنّما يتحقّق بعد انتقاش صورة ذلك الشيء في الذهن لا بمجرّد حضور ذلك الشيء عند العالم، والآخر يسمّى حضوريا وهو بحضور الأشياء أنفسها عند العالم كعلمنا بذواتنا والأمور القائمة بها. ومن هذا القبيل علمه تعالى بذاته وبسائر المعلومات.
ومنهم من أنكر العلم الحضوري وقال إنّ العلم بأنفسنا وصفاتنا النفسانية أيضا حصولي، وكذلك علم الواجب تعالى. وقيل علمه تعالى بحصول الصورة في المجرّدات فإن جعل التعريف للمعنى الأعم الشامل للحضوري والحصول بأنواعه الأربعة من الإحساس وغيره وبما يكون نفس المدرك وغيره، فالمراد بالعقل الذات المجرّدة ومطلق المدرك وبالصورة ما يعمّ الخارجية والذهنية أي ما يتميّز به الشيء مطلقا، وبالحصول الثبوت والحضور سواء كان بنفسه أو بمثاله، وبالمغايرة المستفادة من الظرفية أعمّ من الذاتية والاعتبارية، وبفي معنى عند كما اختاره المحقّق الدواني. ولا يخفى ما فيه من التكلّفات البعيدة عن الفهم. وإن جعل التعريف للحصولي كان التعريف على ظاهره. والمراد بالعقل قوة
стр. 1264
للنفس تدرك الغائبات بنفسها والمحسوسات بالوسائط، وبصورة الشيء ما يكون آلة لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيء أو شبحا له، والظرفية على الحقيقة. اعلم أنّ القائلين بأنّ العلم هو الصورة فرقتان. فرقة تدّعي وتزعم أنّ الصور العقلية مثل وأشباح للأمور المعلومة بها مخالفة لها بالماهية، وعلى قول هؤلاء لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز، كأن يقال مثلا النار موجودة في الذهن ويراد أنّه يوجد فيه شبح له نسبة مخصوصة إلى ماهية النار، بسببها كان ذلك الشبح علما بالنار لا بغيرها من الماهيات، ويكون العلم حينئذ من مقولة الكيف ويصير العلم والمعلوم متغايرين ذاتا واعتبارا. وفرقة تدّعي أنّ تلك الصورة مساوية في الماهية للأمور المعلومة بها، بل الصور هي ماهيات المعلومات من حيث إنّها حاصلة في النفس، فيكون العلم والمعلوم متّحدين بالذات مختلفين بالاعتبار. وعلى قول هؤلاء يكون للأشياء وجودان خارجي وذهني بحسب الحقيقة. والتعريف الثاني للعلم مبني على هذا المذهب. وعلى هذا قال الشيخ؛ الإدراك الحقيقة المتمثّلة عند المدرك. والثاني لبعض المتكلمين من المعتزلة أنّه اعتقاد الشيء على ما هو به، والمراد بالشيء الموضوع أو النسبة الحكمية أي اعتقاد الشيء على وجه ذلك الشيء متلبّس به في حدّ ذاته من الثبوت والانتفاء. وفيه أنّه غير مانع لدخول التقليد المطابق فزيد لدفعه عن ضرورة أو دليل أي حال كون ذلك الاعتقاد المطابق كائنا عن ضرورة أو دليل واعتقاد المقلّد، وإن كان ناشئا عن دليل لأنّ قول المجتهد حجة للمقلّد إلّا أنّ مطابقته ليست ناشئة عن دليل، ولذا يقلده فيما يصيب ويخطئ، لكنه بقي الظّنّ الصادق الحاصل عن ضرورة أو دليل ظنّي داخلا فيه، إلّا أن يخصّ الاعتقاد بالجازم اصطلاحا. ويرد أيضا عليهم خروج العلم بالمستحيل فإنّه ليس شيئا اتفاقا، ومن أنكر تعلّق العلم بالمستحيل فهو مكابر للبديهي ومناقض لكلامه، لأنّ هذا الإنكار حكم على المستحيل بأنّه لا يعلم فيستدعي العلم بامتناع الحكم على ما ليس بمعلوم، إلّا أن يقال المستحيل شيء لغة ولو مجازا، وفيه أنّه يلزم حينئذ استعمال المجاز في التعريف بلا قرينة. وأيضا يرد عليهم خروج العلم التصوّري لعدم اندراجه في الاعتقاد فإنّه عبارة عن الحكم الذهني. والثالث للقاضي أبي بكر الباقلاني أنّه معرفة المعلوم على ما هو به فيخرج عنه علم الله تعالى إذ لا يسمّى علمه معرفة إجماعا لا لغة ولا اصطلاحا مع كونه معترفا بأنّ لله تعالى علما حيث أثبت له تعالى علما وعالمية وتعلّقا إمّا لأحدهما أو لكليهما كما سيجيء، فيكون العلم المطلق مشتركا معنويا عنده بين علم الواجب وعلم الممكن، فلا بدّ من دخوله في تعريف مطلق العلم بخلاف المعتزلة فإنّهم لا يعترفون العلم الزائد ويقولون إنّه عين ذاته تعالى. فلفظ العلم عندهم مشترك لفظي، فالتعريف المذكور يكون لمطلق العلم الحادث إذ لا مطلق سواه، ولذا لم يورد النقض عليهم بعلمه تعالى وأيضا ففيه دور إذ المعلوم مشتق من العلم ومعناه ما من شأنه أن يعلم أي أن يتعلّق به العلم، فلا يعرف إلّا بعد معرفته.
وأيضا فقيد على ما هو به قيد زائد إذ المعرفة لا تكون إلّا كذلك لأنّ إدراك الشيء لا على ما هو به جهالة لا معرفة، إذ لا يقال في اللغة والعرف والشرع للجاهل جهلا مركّبا أنّه عارف.
كيف ويلزم حينئذ أن يكون أجهل الناس أعرفهم. والرابع للشيخ أبي الحسن الأشعري فقال تارة بالقياس إلى متعلّق العلم هو إدراك المعلوم على ما هو به وفيه دور، وتارة بالقياس إلى محلّ العلم هو الذي يوجب كون من قام به عالما وبعبارة أخرى هو الذي يوجب لمن قام به
стр. 1265
اسم العالم وفيه دور أيضا. وأيضا الإدراك مجاز عن العلم والمجاز لا يستعمل في الحدود. فإن أجيب بأنّ الإدراك عند المنطقيين مشتهر في العلم بالمعنى المقابل للظّنّ والشكّ والجهل والتقليد والمجاز المشهور حقيقة عرفية فيصحّ استعماله. قلنا لم يندفع بذلك تعريف الشيء بنفسه فكأنّه قيل هو علم المعلوم، وأيضا فيه زيادة قيد على ما هو به فإنّ المعلوم لا يكون إلّا كذلك. الخامس لابن فورك أنّه ما يصح لمن قام به اتقان الفعل أي إحكامه وتخليته عن وجوه الخلل، فإن أراد ما يستقلّ بالصّحة فهو باطل قطعا، وإن أراد ماله مدخل فيها فيدخل القدرة في الحدّ ويخرج عنه علمنا إذ لا مدخل له في صحة الاتقان على رأينا، إذ معنى الاتقان الإيجاد على وجه الإحكام، وأفعالنا ليست بإيجادنا. ولو سلّم ذلك يرد عليه علم أحدنا بنفسه وبالباري تعالى وبالمستحيل فإنّ ما تعلّق به هذا العلم ليس فعلا ولا مما يصحّ إتقانه. واعلم أنّ التقليد والظّنّ لا يدخلان في هذا التعريف وكذا الشّك والوهم لأنّ اتقان الفعل وتخليته عن وجوه الخلل إنّما يتصوّر إذا كان عالما بالمفاسد والمصالح علما يقينا تفصيليا. ولذا استدلّوا بإتقان العالم على علمه تعالى، ولهم عبارات قريبة من هذه العبارات كأن يقال تبيين المعلوم على ما هو به أي كشفه وتمييزه، وفيه الزيادة المذكورة والدّور وأنّ التبيين مشعر بالظّهور بعد الخفاء، فيخرج علمه تعالى. أو يقال هو اثبات المعلوم على ما هو به، وفيه الزيادة والدّور وانه يلزم أن يكون العالم منا بوجوده تعالى مثبتا له تعالى وهو محال. أو يقال هو الثقة بأنّ المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدّور، وأنّه يوجب كون الباري تعالى واثقا بما هو عالم به وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعا. السادس للإمام الرازي أي على تقدير تسليمه أنّ العلم نظري وهو اعتقاد جازم مطابق لموجب إمّا ضرورة أو دليل أي يكون ذلك الاعتقاد المقيّد بالجزم والمطابقة ناشئا عن ضرورة أو دليل فبقيد الجزم خرج الجهل المركّب وتقليد المصيب. فإنّ الاعتقاد وإن كان ناشئا عن الدليل من قول المقلّد لكن مطابقته ليست ناشئة منه بل اتفاقي، وقد مرّ ولا يردّ على هذا النقض بعلمه تعالى لأنّ الإمام اختار في المطالب العالية نفي العلم عن ذاته تعالى وأثبت له العالمية التي فسّرها بالتعلّق بين العالم والمعلوم، لكنه يخرج عنه التصوّر لعدم كونه اعتقادا مع أنّه علم. يقال علمت حقيقة الإنسان وعلمت معنى المثلّث. السابع وهو المختار من بين تعريفاته عند المتكلّمين لبرائه عمّا ذكر من الخلل في غيره وتناوله للتصوّر مع التصديق اليقيني أنّه صفة توجب تمييزات بين المعاني لا يحتمل النقيض والصفة وهي ما يقوم بغيره، فيتناول العلم وغيره. وبقوله توجب تمييزا أي توجب لمحلّها الذي هو النفس تمييزه لشيء لأنّ التمييز المتفرّع على الصفة إنّما هو له لا للصفة، خرج الصفات التي توجب لمحلها التميّز فقط لا التمييز وهي ما عدا الصفات الإدراكية فإنّ القدرة توجب كون محلها متميزا عن العاجز لا كون محلها مميزا لشيء بخلاف الصفات الإدراكية فإنّها توجب لمحلها التمييز للأشياء والتميز عن الأشياء معا. وبقوله بين المعاني أي ما ليس من الأعيان المحسوسة بالحسّ الظاهر خرج إدراك الحواس الظاهرة، وهذا عند من يقول إنّه ليس بعلم بل إدراك مخالف لماهية العلم يحصل بالحواس وأمّا من يقول بكونه قسما من العلم كالشيخ الأشعري فيترك هذا القيد من التعريف. ثم منهم من نفى الحواس الباطنة وقال النفس مدركة للجزئيات المعنوية فلم يقيّد المعاني بالكلّية كما في هذا التعريف، فعلى هذا يشتمل العلم التعقّل والتوهّم والتخيّل كما لا يخفى. ومنهم من أثبتها فقيّدها