← Гариб и словари

Гариб и словари · id 2573

كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

محمد أعلى التهانوي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الفعل بحيث يحملها عليه. والنزوع الاشتياق، والميل المحبة والقصد، فعطف الميل على النزوع للتفسير. قيل وفائدته الإشارة إلى أنها ميل غير اختياري، ولا يشترط في الميل أن يكون عقيب اعتقاد النفع كما ذهب إليه المعتزلة، بل مجرد أن يكون حاملا على الفعل بحيث يستلزمه، لأنه مخصّص للوقوع في وقت ولا يحتاج إلى مخصّص آخر. وقوله بحيث متعلق بالميل، و [معنى] «١» حمل الميل للنفس على الفعل جعلها متوجهة لإيقاعه. وتقال أيضا للقوة التي هي مبدأ النزوع، وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور. والإرادة بالمعنى الأول أي بمعنى الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده تكون مع الفعل وتجامعه وأن تقدم عليه بالذات، وبالمعنى الثاني أي بمعنى القوة تكون قبل الفعل، وكلا المعنيين لا يتصوّر في إرادته تعالى. وقد يراد بالإرادة مجرد القصد عرفا، ومن هذا القبيل إرادة المعنى من اللفظ. وقال الإمام: لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية، فإنّ الإنسان يدرك بالبداهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذّته. وقال المتكلّمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترز بالقيد الأخير عن القدرة، كذا ذكر الخفاجي «٢» في حاشية البيضاوي «٣» في تفسير قوله تعالى: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا «٤» في أوائل سورة البقرة. وقال في شرح المواقف: الإرادة من الكيفيات النفسانية، فعند كثير من المعتزلة هي اعتقاد النفع أو ظنه. قالوا إن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على السوية، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجّح على الآخر عند القادر وأثّرت فيه قدرته. وعند بعضهم الاعتقاد أو الظنّ هو المسمّى بالداعية. وأما الإرادة فهي ميل يتبع ذلك الاعتقاد أو الظنّ، كما أن الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضرر أو ظنه، فإنّا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أنّ الفعل الفلاني فيه جلب أو دفع ضرر ميلا إليه مترتبا على ذلك الاعتقاد، وهذا الميل مغاير للعلم بالنفع أو دفع الضرر ضرورة. وأيضا فإن القادر كثيرا ما يعتقد النفع في فعل أو يظنه، ومع ذلك لا يريده ما لم يحصل له هذا الميل. وأجيب عن ذلك بأنّا لا ندّعي أنّ الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه مطلقا، بل هي اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خيره بحيث يمكن وصوله إلى أحدهما بلا ممانعة مانع من تعب أو معارضة. والميل المذكور إنما يحصل لمن لا يقدر على الفعل قدرة تامة، بخلاف القادر التام القدرة، إذ يكفيه العلم والاعتقاد على قياس الشوق إلى المحبوب، فإنه حاصل لمن ليس واصلا إليه دون الواصل إذ لا شوق له. وعند الأشاعرة هي صفة مخصّصة لأحد

стр. 177

طرفي المقدور بالوقوع في وقت معين، والميل المذكور ليس إرادة، فإن الإرادة بالاتفاق صفة مخصّصة لأحد المقدورين بالوقوع، وليست الإرادة مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه، فإن الهارب من السبع إذا ظهر له طريقان متساويان في الإفضاء إلى النجاة فإنه يختار أحدهما بإرادته ولا يتوقف في ذلك الاختيار على ترجيح أحدهما لنفع يعتقده فيه ولا على ميل يتبعه انتهى. وفي البيضاوي والحق أنّ الإرادة ترجيح أحد مقدوريه على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه، أو معنى يوجب هذا الترجيح، وهي أعم من الاختيار، فإنه ميل مع تفضيل انتهى. أي تفضيل أحد الطرفين على الآخر كأنّ المختار ينظر إلى الطرفين والمريد ينظر إلى الطرف الذي يريده، كذا في شرح المقاصد «١». والمراد من الميل مجرّد الترجيح لا مقابل النفرة. وقال الخفّاجي في حاشيته ما حاصله: إن هذا مذهب أهل السنّة، فهي صفة ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له وللقدرة. وقوله بوجه الخ، احتراز عن القدرة، فإنّها لا تخصّص الفعل ببعض الوجوه، بل هي موجدة للفعل مطلقا، وليس هذا معنى الاختيار كما توهم، بل الاختيار الميل أي الترجيح مع التفضيل، وهو أي التفضيل كونه أفضل عنده ممّا يقابله لأن الاختيار أصل وضعه افتعال من الخير. ولذا قيل: الاختيار في اللغة ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره وهو أخصّ من الإرادة والمشيئة. نعم قد يستعمل المتكلمون الاختيار بمعنى الإرادة أيضا حيث يقولون إنه فاعل بالاختيار وفاعل مختار. ولذا قيل: لم يرد الاختيار بمعنى الإرادة في اللغة، بل هو معنى حادث، ويقابله الإيجاب عندهم، وهذا إمّا تفسير لإرادة الله تعالى أو لمطلق الإرادة الشاملة لإرادة الله تعالى؛ وعلى هذا لا يرد عليه اختيار أحد الطريقين المستويين، وأحد الرغيفين المتساويين للمضطر لأنّا لا نسلّم ثمّة أنّه اختيار على هذا، ولا حاجة إلى أن يقال إنه خارج عن أصله لقطع النظر عنه. وقد أورد على المصنّف أنّ الإرادة عند الأشاعرة الصفة المخصّصة لأحد طرفي المقدور وكونها نفس الترجيح لم يذهب إليه أحد. وأجيب بأنه تعريف لها باعتبار التعلّق، ولذا قيل: إنها على الأول مع الفعل وعلى الثاني قبله، أو أنه تعريف لإرادة العبد انتهى. ثم اعلم أنّه قال الشيخ الأشعري وكثير من أصحابه: إرادة الشيء كراهة ضدّه بعينه، والحق أن الإرادة والكراهة متغايرتان، وحينئذ اختلفوا، فقال القاضي أبو بكر «٢» والغزالي: إنّ إرادة الشيء مع الشعور بضدّه يستلزم كون الضدّ مكروها عند ذلك المريد، فالإرادة مع الشعور بالضدّ مستلزمة لكراهة الضدّ، وقيل لا تستلزمها، كذا في شرح المواقف. وعند السالكين هي استدامة الكدّ وترك الراحة كما في مجمع السلوك. قال الجنيد «٣»: الإرادة أن يعتقد الإنسان الشيء ثم يعزم عليه ثم

стр. 178

يريده. والإرادة بعد صدق النيّة، قال ﵊: «لكل امرئ ما نوى» «١» كذا في خلاصة السلوك. وقيل الإرادة الإقبال بالكليّة على الحقّ والإعراض عن الخلق، وهي ابتداء المحبة كذا في بعض حواشي البيضاوي. فائدة: الإرادة مغايرة للشهوة، فإن الإنسان قد يريد شرب دواء كريه فيشربه ولا يشتهيه، بل يتنفّر عنه، وقد تجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم من وجه. وكذا الحال بين الكراهة والنفرة إذ في الدواء المذكور وجدت النفرة دون الكراهة المقابلة للإرادة، وفي اللذيذ الحرام يوجد الكراهة من الزهاد دون النفرة الطبعية، وقد تجتمعان أيضا في حرام منفور عنه. فائدة: الإرادة غير التمنّي فإنها لا تتعلّق إلّا بمقدور مقارن لها عند أهل التحقيق، والتمنّي قد يتعلّق بالمحال الذاتي وبالماضي: وقد توهم جماعة أن التمني نوع من الإرادة حتى عرّفوه بأنه إرادة ما علم أنه لا يقع أو شكّ في وقوعه. واتفق المحققون من الأشاعرة والمعتزلة على أنهما متغايران. فائدة: الإرادة القديمة توجب المراد «٢»، أي إذا تعلّقت إرادة الله تعالى بفعل من أفعال نفسه لزم وجود ذلك الفعل وامتنع تخلّفه عن إرادته اتفاقا من الحكماء وأهل الملّة. وأمّا إذا تعلّقت بفعل غيره ففيه خلاف. المعتزلة القائلين بأن معنى الأمر هو الإرادة فإنّ الأمر لا يوجب وجود المأمور به كما في العصاة. وأمّا الإرادة الحادثة فلا توجبه اتفاقا، يعني أنّ إرادة أحدنا إذا تعلّقت بفعل من أفعاله فإنها لا توجب ذلك المراد «٣» عند الأشاعرة، وإن كانت مقارنة له عندهم، ووافقهم في ذلك الجبائي «٤» وابنه «٥» وجماعة من المتأخرين من المعتزلة. وجوّز النّظام «٦» والعلّاف «٧» وجعفر بن

стр. 179

حرب «١» وطائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها للمراد «٢» إذا كانت قصدا إلى الفعل، وهو أي القصد ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، لا عزما عليه، ليقدم العزم على الفعل، فلا يتصوّر إيجابه إياه؛ فهؤلاء أثبتوا إرادة متقدّمة على الفعل بأزمنة هي العزم ولم يجوّزوا كونها موجبة، وإرادة مقارنة له هي القصد وجوّزوا إيجابها إياه. وأمّا الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة، بل أمرا مغايرا لها. اعلم أنّ العلماء اختلفوا في إرادته تعالى، فقال الحكماء: إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد، وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل، وبكيفية صدوره عنه تعالى حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النّظام، من غير قصد وشوق، ويسمون هذا العلم عناية. قال ابن سينا: العناية هي إحاطة علم الأول تعالى بالكلّ وبما يجب أن يكون عليه الكلّ حتى يكون على أحسن النظام، فعلم الأول بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكلّ منبع لفيضان الخير والجود في الكلّ من غير انبعاث قصد وطلب من الأول الحقّ. وقال أبو الحسين «٣» وجماعة من رؤساء المعتزلة كالنّظام والجاحظ «٤» والعلّاف وأبي القاسم البلخي «٥» وو محمود الخوارزمي «٦»: إرادته تعالى علمه بنفع في الفعل، وذلك كما يجده كلّ عاقل من نفسه إن ظنّه، أو اعتقاده لنفع في الفعل، يوجب الفعل؛ ويسميه أبو الحسين بالداعية، ولما استحال الظنّ والاعتقاد في حقّه تعالى انحصرت داعيته في العلم بالنفع. ونقل عن أبي الحسين وحده أنّه قال: الإرادة في الشاهد زائدة على الدّاعي، وهو الميل التّابع للاعتقاد أو الظنّ. وقال الحسين النّجّار «٧»: كونه تعالى مريدا أمر عدميّ، وهو عدم كونه مكرها ومغلوبا، ويقرب منه ما قيل: هي كون القادر غير مكره ولا ساه. وقال الكعبي: هي في فعله العلم بما فيه من المصلحة، وفي فعل غيره الأمر به. وقال أصحابنا الأشاعرة ووافقهم جمهور معتزلة البصرة: إنها صفة مغايرة للعلم والقدرة، توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع بأحد

стр. 180

الأوقات، كذا في شرح المواقف. ويقرب منه ما قال الصوفية على ما وقع في الإنسان الكامل من أنّ الإرادة صفة تجلّي علم الحقّ على حسب المقتضى الذاتي، وذلك المقتضى هو الإرادة، وهي تخصيص الحقّ تعالى لمعلوماته بالوجود على حسب ما اقتضاه العلم، فهذا الوصف فيه يسمّى إرادة. والإرادة المخلوقة فينا هي عين إرادته تعالى، لكن بما «١» نسبت إلينا، كان الحدوث اللازم لنا لازما لوصفنا، فقلنا بأنّ إرادتنا مخلوقة، وإلّا فهي بنسبتها إلى الله تعالى عين إرادته تعالى، وما منعها من إبراز الأشياء على حسب مطلوباتها إلّا نسبتها إلينا، وهذه النسبة هي المخلوقية «٢»، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا ونسبت إلى الحقّ على ما هي عليه انفعلت بها الأشياء، فافهم. كما أنّ وجودنا بنسبته إلينا مخلوق وبنسبته إليه تعالى قديم، وهذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف والذوق، إذ «٣» العلم قائم مقام العين، فما ثم إلّا هذا فافهم. واعلم أنّ الإرادة الإلهية المخصّصة للمخلوقات على كل حال وهيئة صادرة عن غير علّة ولا سبب، بل بمحض اختيار إلهي، لأن الإرادة حكم من أحكام العظمة ووصف من أوصاف الألوهية، فألوهيته وعظمته لنفسه لا لعلّة، وهذا بخلاف رأي الإمام محي الدين «٤» في الفتوحات «٥»، فإنه قال: لا يجوز أن يسمّى الله تعالى مختارا فإنه لا يفعل شيئا بالاختيار، بل يفعله على حسب ما يقتضيه العالم من نفسه، وما اقتضاه العالم من نفسه إلّا هذا الوجه الذي هو عليه، فلا يكون مختارا، انتهى. واعلم أيضا أنّ الإرادة أي الإرادة الحادثة لها تسعة مظاهر في المخلوقات، المظهر الأول هو الميل، وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه، فإذا قوي ودام سمّي ولعا وهو المظهر الثاني. ثم إذا اشتدّ وزاد سمّي صبابة، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنّه انصبّ الماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب، وهذا مظهر ثالث. ثم إذا تفرّغ له بالكليّة وتمكّن ذلك منه سمّي شغفا، وهو المظهر الرابع. ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذه من الأشياء سمّي هوى، وهو المظهر الخامس. ثم إذا استولى «٦» حكمه على الجسد سمّي غراما، وهو المظهر السادس. ثم إذا نمى وزالت العلل الموجبة للميل سمّي حبّا، وهو المظهر السابع. ثمّ إذا هاج حتى يفنى المحبّ عن نفسه سمّي ودّا، وهو المظهر الثامن. ثم إذا طفح حتى أفنى المحبّ والمحبوب سمّي عشقا، وهو المظهر التاسع. انتهى كلام الإنسان الكامل.

стр. 181

آرام أي: [في الانكليزية] Aram -Ay (Turkish month) [ في الفرنسية] Aram -Ay (mois Turc) بالراء المهملة. اسم شهر في تقويم الترك «١». الأربعة الأحرف: [في الانكليزية] Four letters poetry [ في الفرنسية] Poesie de quatre lettres هي عند بعض البلغاء أن يلتزم بإيرادها الكاتب أو الشاعر في كلامه، وهي عبارة عن الدال والهاء والألف والنون، وأن لا يورد سواها. وهذا النوع من الالتزام من اختراع الشاعر الفارسي أمير خسرو دهلوي، وقد ذكر ذلك في كتاب إعجاز خسروي «٢». الأربعة المتناسبة: [في الانكليزية] The inversely proportional [ في الفرنسية] Les inversement proportionnels هي عند المحاسبين أربعة أعداد أو مقادير نسبة ما فرض منها أوّلا إلى ما فرض منها ثانيا، تكون كنسبة ما فرض منها ثالثا إلى ما فرض منها رابعا، والأول والرابع يسمّى بالطّرفين، والثاني والثالث يسمّى بالوسطين. مثلا نسبة الأربعة إلى الثمانية كنسبة الخمسة إلى العشرة، فهذه الأعداد أربعة متناسبة، فكما أنّ نسبة الأربعة التي هي الأولى فرضا إلى الثمانية التي هي الثانية فرضا نسبة النصف إلى الكلّ، كذلك نسبة الخمسة إلى العشرة، وتلزمها مساواة مسطّح الطّرفين لمسطّح الوسطين. وأما ما في حكم الأربعة المتناسبة فثلاثة أعداد أو مقادير نسبة أولها إلى ثانيها كنسبة ثانيها إلى ثالثها، مثلا نسبة الأربعة إلى الثمانية كنسبة الثمانية إلى الستة عشر، وتسمّى متناسبة الفرد أيضا، وكونها في حكم الأربعة المتناسبة لمساواة مربّع الوسط فيها لمسطّح الطّرفين، وتحقيق ما ذكرنا بما لا مزيد عليه يطلب من شرحنا على ضابط قواعد الحساب المسمّى بموضح البراهين «٣». الأربعة المتناسبة: ما يكون نسبة أوّلها إلى ثانيها كنسبة ثالثها إلى رابعها. الارتثاث: [في الانكليزية] To be dangerously wounded [ في الفرنسية] Etre blesse gravement في اللغة مصدر ارتثّ الجريح أي حمل من المعركة وبه رمق، وفي الشرع أن يرتفق الجريح بشيء من مرافق الحياة، أو يثبت له حكم من أحكام الأحياء، كالأكل والشرب والنوم وغيرها، كذا في شرح الوقاية في باب الشهيد. الارتسام: [في الانكليزية] Image ،impression [ في الفرنسية] Image ،impression في اللغة الامتثال، واستعمله المنطقيون بمعنى الانطباع والانتقاش، وهذا لتصوير المعقول بالمحسوس، كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية. الارتفاع: [في الانكليزية] Height [ في الفرنسية] Hauteut عند المهندسين يطلق على عمود من رأس الشيء على سطح الأفق أو على سطح مواز للأفق بشرط أن يكون قاعدة الشيء على ذلك السطح، ولذا قيل: ارتفاع الشكل هو العمود الخارج من أعلى الشكل مسطّحا كان ذلك الشكل أو مجسّما على قاعدة ذلك الشكل.

стр. 182

ومسقط الحجر قد يطلق على الارتفاع مجازا كما يجيء، كذا في شرح خلاصة الحساب «١». وعند أهل الهيئة يطلق على معنيين: أحدهما ما يسمّى ارتفاعا حقيقيا وهو قوس من دائرة الارتفاع محصورة بين الكوكب وبين الأفق من جانب، لا أقرب منه إذا كان الكوكب فوق الأفق. ودائرة الارتفاع دائرة عظيمة تمرّ بقطبي الأفق وبكوكب ما، والمراد «٢» بالكوكب رأس خط يخرج من مركز العالم مارا بمركز الكوكب إلى سطح الفلك الأعلى. وقيل المراد «٣» بالكوكب مركز الكوكب، والأمر فيه سهل، وقيد الكوكب إنما هو باعتبار الأغلب، وإلّا فقد تعتبر نقطة أخرى غير مركز الكوكب كالقطب، والمراد «٤» من جانب لا أقرب منه وهو الجانب الذي ليس فيه قطب الأفق. والقيد الأخير احتراز عن الانحطاط فإنه قوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب والأفق من جانب، لا أقرب منه إذا كان الكوكب تحت الأفق. ثم القوس المذكورة إن كانت من جانب الأفق الشرقي فهي ارتفاعه الشرقي، وإن كانت من جانب الأفق الغربي فهي ارتفاعه الغربي، وعلى هذا القياس، الانحطاط الشرقي والغربي يعني أنّ القوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب والأفق تحت الأرض من جانب الشرق هو الانحطاط الشرقي، ومن جانب الغرب هو الانحطاط الغربي. ثم إنّ الارتفاع الشرقي قد يخصّ باسم الارتفاع ويسمّى الغربي حينئذ انحطاطا، وهذا اصطلاح آخر مذكور في كثير من كتب هذا الفن. وبالنظر إلى هذا قال صاحب المواقف: والقوس الواقعة من دائرة الارتفاع بين الأفق والكوكب الذي فوق الأرض من جانب المشرق ارتفاعه ومن جانب المغرب انحطاطه، فلا يرد عليه تخطئة المحقق الشريف في شرحه. ثم القوس من دائرة الارتفاع بين الكوكب وبين سمت الرأس تسمّى تمام ارتفاع الكوكب، فإن انطبقت دائرة الارتفاع على نصف النهار والكوكب فوق الأفق فتلك القوس المحصورة من دائرة الارتفاع بين الأفق والكوكب هي غاية ارتفاع الكوكب، فإن مرّ الكوكب بسمت الرأس فارتفاعه في ربع الدور، وليس هناك تمام ارتفاع، وإن لم يمرّ به كان ارتفاعه أقلّ من الربع، وكان له تمام ارتفاع، وعلى هذا القياس تمام الانحطاط فإنه قوس منها بين الكوكب وبين سمت القدم، فإن انطبقت دائرة ارتفاعه على نصف النهار والكوكب تحت الأفق، فتلك القوس منها بين الأفق وبين الكوكب، فإنه انحطاطه إلى آخر ما عرفت. فالكوكب إذا طلع من الأفق يتزايد ارتفاعه شيئا فشيئا إلى أن يبلغ نصف النهار، فهناك غاية ارتفاعه عن الأفق وإذا انحطّ منها يتناقص ارتفاعه إلى غروبه، وإذا غرب ينحطّ عن الأفق متزايدا انحطاطه إلى أن يبلغ نصف النهار تحت الأرض، فهناك غاية انحطاطه عنه؛ ثم إنّه يأخذ في التّقارب منه متناقصا انحطاطه إلى أن يبلغ الأفق من جهة الشرق ثانيا. ثم الظاهر أنّ المراد «٥» بالأفق الأفق الحقيقي لأنهم صرّحوا بأن تمام الارتفاع قوس

стр. 183

أقل من تسعين درجة دائما، فلو كان المعتبر الأفق الحسيّ بالمعنى الثاني لزم أن يكون تمام الارتفاع أكثر من تسعين فيما إذا رأي الكوكب فوق تلك الأفق وتحت الأفق الحقيقي، لكن لا يخفى أنه إذا رأى الكوكب تحت الأفق الحقيقي وفوق الأفق الحسّي فإطلاق الانحطاط عليه مستبعد. والتحقيق أنّ عند أهل الهيئة المعتبر في الارتفاع أن يكون فوق الأفق الحقيقي، وعند العامّة أن يكون فوق الأفق الحسّي بالمعنى الثاني. واعلم أيضا أنه إذا كان الكوكب على الأفق فلا ارتفاع له ولا انحطاط. وثانيهما ما يسمّى بالارتفاع المرئي وهو قوس من دائرة الارتفاع بين الأفق وبين طرف خطّ خارج من بصر النّاظر إلى سطح الفلك الأعلى مارّا بمركز الكوكب من جانب لا أقرب منه. والارتفاع المرئي أبدا يكون أقل من الارتفاع الحقيقي، إلّا إذا كان الكوكب على سمت الرأس، فانهما حينئذ يتساويان، وعلى هذا فقس حال الانحطاط المرئي. اعلم أنّ الارتفاع والانحطاط بالحقيقة هو بعد نقطة مفروضة على سطح الفلك الأعلى عن الأفق، وذلك البعد هو خطّ مستقيم في سطح دائرة الارتفاع يصل بين تلك النقطة ومحيط الأفق، إن كان المراد «١» بدائرة الأفق محيطها، أو عمود يخرج من تلك النقطة على سطح الأفق إن كان المراد «٢» سطحها، وهذا ارتفاع النقطة وانحطاطها. وأما ارتفاع مركز الكوكب وانحطاطه فهو خطّ مستقيم خارج من مركز الكوكب، إمّا واصل إلى محيط الأفق وسطح دائرة الارتفاع، أو عمود على سطح الأفق، لكن القوم اصطلحوا على أخذ الارتفاع والانحطاط من الخطوط المفروضة على سطح الفلك الأعلى؛ ولا يمكن فرض الخطّ المستقيم على سطحه، ولم تكن في سطحه قوس تصل بين تلك النقطة والأفق أقصر من قوس الارتفاع والانحطاط، فلذلك أقامهما أهل الصناعة مقام البعد. هذا كله خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في تصانيفه كشرح التذكرة «٣» وشرح بيست باب «٤» - عشرين باب- وحاشية الجغميني «٥». ارتفاع الخصية: [في الانكليزية] Testicle swelling [ في الفرنسية] Gonflement du testicule عند الأطباء هو أن يرتفع إحداهما أو كلتاهما من كيسهما إلى العانة فتؤلم وتمنع أكثر الحركات، ويخرج البول بالعسر والتقطير، وسببها استيلاء المزاج البارد والضعف عليها. فإن كان السبب ضعيفا تنقص وتتصغّر الخصية في نفسها، كما يكون عند الخوف الشديد والغوص في الماء البارد، وإن كان السبب قويا ترتفع وتغيب إلى المراق يكون ذلك كلها

стр. 184

ليكتسب حرارة من الأحشاء والأعضاء الباطنة، وكذلك قد يرتفع القضيب بتمامه إلى فوق بأسباب مذكورة، كذا في حدود الأمراض. الارتقاء: [في الانكليزية] Climax [ في الفرنسية] Gradation بالقاف هو ما يقال له بالفارسية: «بر آمدن»، وفي اصطلاح البلغاء: هو البدء بالوصف ثم الارتقاء إلى أعلى. ومثاله من الشعر الفارسي، بالمعنى، إذا وقعت قطرة من ماء شفتك من السراب. فإنّه يتولّد منها عين ماء الحياة وينمو النبات. فهو أولا وصف شفة المعشوق ثم ارتقى بعد ذلك فقال: إذا سقطت قطرة من تلك الشفة على أرض السراب، تخرج منها عين ماء، ولكنها عين ماء الحياة، ومن ذلك الماء ينبت النبات. ثم إنّ لفظ نبات له معنيان: أحدهما الخضرة وهو معروف، والثاني سكر النبات. فقد ارتقى الشاعر إذا في هذا البيت بالصفة إلى ثلاث درجات. كذا في جامع الصنائع «١». ارتماطيقي: [في الانكليزية] Arithmetic [ في الفرنسية] Arithmetique هو علم الحساب النظري كما مرّ في المقدمة «٢». الإرداف: [في الانكليزية] Metonymy [ في الفرنسية] Metonymie عند أهل البيان هو أن يريد المتكلّم معنى فلا يعبّر عنه بلفظه الموضوع له ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يرادفه، كقوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ «٣»، والأصل وهلك من قضى الله هلاكه ونجّى من قضى الله نجاته، وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أنّ هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع وقضاء من لا يردّ قضاؤه. والأمر يستلزم الآمر، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وإنّ الخوف من عقابه والرجاء من ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص، وكذا قوله وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ «٤» وحقيقة ذلك جلست، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس، وكذا فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ «٥» والأصل عفيفات، وعدل عنه للدلالة على أنهنّ مع العفّة لا تطمح أعينهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفة. قال بعضهم: الفرق بينه وبين الكناية أنّ الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والإرداف من مذكور إلى متروك، كذا في الاتقان في نوع الكنايات. ارديبهشتماه: [في الانكليزية] Ardi -Bahshatmah (Persian month) [ في الفرنسية] Ardi -Bahshatmah (mois perse) اسم شهر في تاريخ الفرس، وهو الشهر الثاني من اشهر الربيع في التقويم الايراني الحالي «٦».

стр. 185

الأرش: [في الانكليزية] Compensation [ في الفرنسية] Dedommagement بفتح الأول وسكون الراء المهملة هو بدل ما دون النفس من الأطراف، وقد يطلق على بدل النفس وحكومة العدل، ويجيء في لفظ الدّية. الإرصاد: [في الانكليزية] Control ،supervision [ في الفرنسية] Controle ،surveillance لغة نصب الرّقيب في الطريق، من رصدته رقبته. وعند أهل البديع هو أن يجعل قبل العجز من البيت أو الفقرة ما يدلّ عليه إذا عرف الرّويّ، ويسميه البعض بالتّسهيم، نحو وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ «١» وقيد إذا عرف الرّوي إشارة إلى أنه إنما يجب فهم [في الإرصاد] «٢» العجز بالنسبة إلى من يعرف الرّوي فإنه قد يكون من الإرصاد ما لا يعرف فيه العجز لعدم معرفة حرف الرّوي، كقوله تعالى وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «٣» فإنه لو لم يعرف أن حرف الرّوي النون لربما توهّم أنّ العجز هاهنا فيما فيه اختلفوا [أو فيما اختلفوا فيه] «٤»، وكقول الشاعر «٥»: أحلّت دمي من غير جرم وحرّمت بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل وليس الذي حرمته بحرام فإنه لو لم يعرف أن القافية مثل سلام وكلام، لربما توهم أنّ العجز بمحرم، كذا في المطول. قيل: يفهم من هذا أن معرفة الرّوي قد لا يكفي بل لا بدّ معها من معرفة القافية، فإنّ مجرد معرفة أنّ الرويّ في البيت الميم لا يكفي في معرفة أنّ القافية حرام، لجواز أن يتوهم أنه محرم. ويمكن أن يقال إنه ليس المراد به أنّ هذه الدلالة محصورة على معرفة الرويّ، بل المراد به أنه لا تحصل بدونها وان توقف على شيء آخر، كذا ذكر الچلپي. ارمينياس: [في الانكليزية] De interpretation [ في الفرنسية] De l'interpretation هو باب القضايا وأحكامها، كما مرّ في تعريف المنطق. الإرهاص: [في الانكليزية] Supernatural deeds [ في الفرنسية] Faits Surnaturels شرعا قسم من الخوارق، وهو الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة، سمّي به لأنّ الإرهاص في اللغة بناء البيت، فكأنه بناء بيت إثبات النبوة، كذا في حواشي شرح العقائد. الأرواح: [في الانكليزية] Spirits [ في الفرنسية] Esprits جمع روح، وهي كما تطلق على ما عرفت كذلك تطلق على قسم من المعدنيات، فإن الحكماء قسّموا المعدنيات إلى أرواح وأجساد وأحجار.

стр. 186

آزاد: [في الانكليزية] Free man [ في الفرنسية] Homme libre ومعناها الحرّ. وهو عند السالكين الحر. وآزادگى: الحرية، كما سيأتي. ووقع في بعض الرسائل أن الحرية هي مقام امّحاء العاشق من ذاته وصفاته وحلوله في ذات وصفات المعشوق «١». الأزارقة: [في الانكليزية] Al -Azariqa (sect) [ في الفرنسية] Al -Azariqa (secte) فرقة من الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق «٢»، قالوا كفر عليّ بالتحكيم وابن ملجم «٣» محقّ في قتله، وكفّرت الصحابة أي عثمان «٤» وطلحة «٥» وزبير «٦» وعائشة «٧» وعبد الله بن عباس وسائر المؤمنين معهم وقضوا بتخليدهم في النار، وكفّروا القعدة عن القتال وإن كانوا موافقين لهم، وقالوا: تحرم التقية في القول والعمل، ويجوز قتل أولاد المخالفين ونسائهم، ولا رجم على الزاني المحصن ولا حدّ للقذف على النساء، وأطفال المشركين في النار مع آبائهم، ويجوز اتّباع نبي كان كافرا وإن علم كفره بعد النبوة، ومرتكب الكبيرة كافر،

стр. 187

كذا في شرح المواقف «١». الأزل: [في الانكليزية] Eternity [ في الفرنسية] Perennite ،eternite بفتح الألف والزاء المعجمة دوام الوجود في الماضي كما أنّ الأبد دوامه في المستقبل على ما مرّ. وفي شرح الطوالع في بيان حدوث الأجسام هو ماهية تقتضي اللّامسبوقية بالغير، وهذا معنى ما قيل: الأزل نفي الأولية. وقيل هو استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي، انتهى. والمعنى الأخير بعينه هو المعنى المذكور سابقا. وقال أهل التصوّف: الأعيان الثابتة وبعض الأرواح المجرّدة أزلية، والفرق بين أزليتها وأزلية المبدع أنّ أزلية المبدع تعالى نعت سلبي بنفي الأولية، بمعنى افتتاح الوجود عن العدم لأنه عين الوجود، وأزلية الأعيان والأرواح دوام وجودها مع دوام مبدعها مع افتتاح الوجود عن العدم، لكونه من غيرها، كذا في شرح الفصوص «٢» للمولوي الجامي «٣» في الفص الأول. الأزلي: [في الانكليزية] Eternal [ في الفرنسية] Sempiternel ،eternel ما لا يكون مسبوقا بالعدم. اعلم أنّ الموجود أقسام ثلاثة لا رابع لها، فإنه إما أزلي أبدي وهو الله ، [أو] «٤» لا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، أو أبدي غير أزلي وهو الآخرة، وعكسه محال. فإنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، كذا في تعريفات السيد الجرجاني. الاستتار: [في الانكليزية] Disguise [ في الفرنسية] Deguisement هو في اللغة الفارسية: در يرده شدن. وهو عند الشعراء أن يغطّى حرف بحرف آخر من أجل استقامة الوزن مثل أن تقرأ العين أيضا. وهذا من العيوب. وأما المستتر عند النحاة فهو نوع من الضمائر، ويسمّى أيضا مستكن. وسيجيء في لفظ الضمير «٥». الاستتباع: [في الانكليزية] Praise followed by another one [ في الفرنسية] Louange completee par une autre هو مصدر من باب الاستفعال، وهو عند أهل البديع من المحسّنات المعنوية، ويسمّى بالمدح الموجّه أيضا كما في مجمع الصنائع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر، كقول أبي الطيب: نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنّئت الدنيا بانك خالد مدحه بالنهاية في الشجاعة إذا كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخلّد في الدنيا على وجه يستتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها حيث جعل الدنيا مهنّأة لخلوده، ولا معنى لتهنئة أحد بشيء لا فائدة له فيه، كذا في المطول. الاستثناء: [في الانكليزية] Exclusion ،exception [ في الفرنسية] Exclusion ،exception ويسمّى بالثنيا بالضم أيضا على ما يستفاد

стр. 188

من الصراح، قال الثّنيا بالضم والثّنوى بالفتح اسم من الاستثناء، هو عند علماء النحو والأصول يطلق على المتّصل والمنقطع. قيل إطلاقه عليهما بالتواطؤ والاشتراك المعنوي. وقيل بالاشتراك اللفظي. وقيل في المتّصل حقيقة وفي المنقطع مجاز، لأنه يفهم المتصل من غير قرينة وهو دليل المجاز في المنقطع. وردّ بأنه إنما يفهم المتصل لكثرة استعماله فيه، لا لكونه مجازا في المنقطع، كالحقيقة المستعملة مع المجاز المتعارف. وقيل لأنه مأخوذ من ثنيت عنان الفرس أي صرفته، ولا صرف إلّا في المتصل. وقيل لأنّ الباب يدلّ على تكرير الشيء مرتين أو جعله ثنتين متواليتين أو متنائيتين، ولفظ الاستثناء من قياس الباب. وذلك أنّ ذكره يثنى مرة في الجملة ومرة في التفصيل لأنك إذا قلت خرج الناس ففي الناس زيد وعمرو، فإن قلت إلّا زيدا فقد ذكرت مرة أخرى ذكرا ظاهرا وليس كذلك إلّا في المتصل، فعلى هذا هو مشتق من التثنية. وردّ بأنه مشتق من التثنية كأنه ثنى الكلام بالاستثناء بالنفي والاستثناء وهو متحقّق في المتصل والمنقطع جميعا. وأيضا على تقدير اشتقاقه من ثنيت عنان الفرس لا يلزم أن لا يكون حقيقة إلّا في المتصل لجواز أن يكون حقيقة في المنقطع أيضا، باعتبار اشتقاقه من أصل آخر كما عرفت. والقائل بالتواطؤ، قال العلماء، قالوا: الاستثناء متصل ومنقطع ومورد القسمة يجب أن يكون مشتركا بين الأقسام. وردّ بأنّ هذا إنما يلزم لو كان التقسيم باعتبار معناه الموضوع له، وهو ممنوع، لجواز أن يكون التقسيم باعتبار استعماله فيهما بأي طريق كان، وهذا كما أنهم قسّموا اسم الفاعل إلى ما يكون بمعنى الماضي والحال والاستقبال مع كونه مجازا في الاستعمال بالاتفاق، قالوا وأيضا الأصل عدم الاشتراك والمجاز فتعين التواطؤ. وردّ بأنه لا يثبت اللغة بلوازم الماهية كما أثبتم ماهية التواطؤ للاستثناء، بأن من لوازمها عدم مخالفة الأصل، بل طريق إثباتها النقل، فهذا الكلام يدلّ على أنّ الخلاف في لفظ الاستثناء. وظاهر كلام كثير من المحققين أنّ الخلاف في صيغ الاستثناء لا في لفظه، لظهور أنه فيهما مجاز بحسب اللغة، حقيقة عرفية بحسب النحو، هكذا ذكر المحقق التفتازاني في حاشية العضدي. فمن قال بالتواطؤ عرّفه بما دلّ على مخالفته بإلّا غير الصفة وأخواتها أي إحدى أخواتها نحو سوى وحاشا وخلا وعدا وبيد. وإنما قيد إلّا لغير الصفة لتخرج إلّا التي للصفة، نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «١» فهي صفة لا استثناء. وفي قوله بإلّا وأخواتها احتراز من سائر أنواع التخصيص، أعني الشرط والصفة والغاية وبدل البعض والتخصيص بالمستقل. الاستثنائي: [في الانكليزية] The excluded ،the exceptional [ في الفرنسية] L'exclu ،l'exceptionnel عند المنطقيين قسم من القياس ويجيء ذلك مستوفى مع بيان أقسامه من المتصل والمنفصل والمقدمة الاستثنائية. الاستحاضة: [في الانكليزية] Menstruation [ في الفرنسية] Menstruation لغة مصدر استحيضت المرأة على لفظ المجهول، أي استمر بها الدمّ، وشريعة دم أو خروج دم من موضع مخصوص غير حيض ونفاس، ومنها دم الآيسة والمريضة والصغيرة، كذا في جامع الرموز. ومنها دم تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام في الحيض، ومن أربعين في النفاس، كذا في

стр. 189

اصطلاحات السيد الجرجاني. الاستحالة: [في الانكليزية] Transformation [ في الفرنسية] Transformation عند الحكماء هي الحركة الكيفية، وهي الانتقال من كيفية إلى كيفية أخرى تدريجا، وهذا أولى ممّا قيل من أنها انتقال الجسم من كيفية إلى كيفية أخرى على التدريج، لأنه كما ينتقل الجسم من كيفية إلى كيفية كذلك الهيولى والصورة أيضا قد ينتقلان من كيفية إلى كيفية. ثم الاستحالة لا تقع في الكيفيات، بل إنما تقع فيما يقبل الاشتداد والضعف كالتسخّن والتبرّد العارضين للماء مثلا فلا بد في الاستحالة من أمرين، الانتقال من كيفية إلى كيفية، وكون ذلك الانتقال تدريجا لا دفعا. ومن الناس من أنكر الاستحالة، فالحار عنده لا يصير باردا، والبارد لا يصير حارا، وزعم أنّ ذلك الانتقال كمون واستتار لأجزاء كانت متّصفة بالصفة الأولى كالبرودة، وبروز، أي ظهور لأجزاء كانت متّصفة بالصفة الأخرى كالحرارة، وهما موجودان في ذلك الجسم دائما إلّا أنّ ما يبرز منها أي من تلك الأجزاء يحسّ بها وبكيفيتها وما كمن لا يحسّ بها وبكيفيتها، فأصحاب الكمون والبروز زعموا أنّ الأجسام لا يوجد فيها ما هو بسيط صرف، بل كل جسم فإنه محيط من جميع الطبائع المختلفة، لكنه يسمّى باسم الغالب الظاهر، فإذا لقيه ما يكون الغالب عليه من جنس ما كان مغلوبا فيه يبرز ذلك المغلوب من الكمون ويحاول مقاومة الغالب حتى يظهر، وتوسّلوا بذلك إلى إنكار الاستحالة وإنكار الكون والفساد. وذهب جماعة من القائلين بالخليط إلى أنّ الحار مثلا إذا صار باردا فقد فارقته الأجزاء الحارة. ومنهم من قال إن الجسم إنما يصير حارا بدخول أجزاء نارية فيه من خارج، ومنهم من قال تنقلب أجزاؤه أولا نارا وتخلط بالأجزاء المائية، فهذه الطائفة معترفون بالكون والفساد دون الاستحالة، وهذه الأقوال باطلة. ثم الاستحالة كما تطلق على ما مرّ، أي على التغيّر في الكيفيات، كذلك تطلق على الكون والفساد، كما في بحر الجواهر، وكذلك تطلق على التغيّر التّدريجي في العرض، كما وقع في بعض حواشي شرح الطوالع، فهذا المعنى أعمّ من الأول لكون العرض أعم من الكيف، ومباين من الثاني لاشتراط التدريج فيه وعدمه في المعنى الثاني، وكذا المعنى الأول مباين من الثاني. الاستحذام: [في الانكليزية] Modality of use [ في الفرنسية] Mode d'emploi بالذال المعجمة هو الاستخدام وسيجيء ذكره. الاستحسان: [في الانكليزية] Appreciation [ في الفرنسية] Appreciation هو في اللغة عدّ الشيء حسنا. واختلفت عبارات الأصوليين في تفسيره وفي كونه دليلا، فقال الحنفية والحنابلة بكونه دليلا، وأنكره غيرهم، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرّع، قيل معناه: إنّ من أثبت حكما بأنّه مستحسن عنده من غير دليل شرعي فهو الشارع لذلك الحكم، وأبو حنيفة ﵀ أجلّ قدرا من أن يقول في الدين من غير دليل شرعي ومن غير أن يرجع إلى أصل شرعي. وفي ميزان «١» الشعراني «٢» في بحث ذمّ الرأي: وقد روى

стр. 190

الشيخ محي الدين العربي في الفتوحات بسنده إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول: إياكم والقول في دين الله بالرأي، وعليكم باتباع السنّة، فمن خرج منها ضلّ؛ فإن قيل إن المجتهدين قد صرّحوا بأحكام في أشياء لم يصرّح في الشريعة بتحريمها ولا بإيجابها فحرّموها وأوجبوها، فالجواب: أنهم لولا علموا من قرائن الأدلّة بتحريمها أو بإيجابها ما قالوا به، والقرائن أصدق الأدلة، وقد يعلمون ذلك بالكشف أيضا فتشاهد به القرآن، وكان الإمام أبو حنيفة يقول: القدرية مجوس هذه الأمة والشيعة الدّجال، وكان يقول: حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، وكان إذا أفتى يقول: هذا رأي أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدّرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب، وكان يقول: إياكم وآراء الرجال، إلى قوله «١» فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له كتاب ولا سنّة. وكان يقول: عليكم بآثار السلف، وإياكم ورأي الرجال، وكان يقول: لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أنّ شريعة رسول الله ﷺ تقبله، وكان يجمع العلماء في كل مسألة لم يجدها صريحة في الكتاب والسنّة ويعمل بما يتفقون عليه فيها، وكذلك كان يفعل إذا استنبط حكما فلا يكتبه حتى يجمع عليه علماء عصره فإن رضوه قال لأبي يوسف: اكتبه، فمن كان على هذا القدم من اتّباع السنّة كيف يجوز نسبته إلى الرأي، معاذ الله أن يقع في مثل ذلك عاقل، فضلا عن فاضل، انتهى من الميزان. ولذا قيل: الحقّ أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلا للنزاع. أما من جهة التسمية فلأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وقد قال الله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «٢»، وقال النبي ﷺ : «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» «٣» وقال النبي ﷺ «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» «٤» رواه مسلم «٥». ونقل عن الأئمة إطلاق

стр. 191

الاستحسان في دخول الحمام وشرب الماء من يد السقّاء ونحن ذلك. وعن الشافعي أنه قال: استحسن في المتعة أن يكون ثلاثين درهما واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة. وأما من جهة المعنى فقد قيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه، فإن أريد بالانقداح الثبوت فلا نزاع في أنه يجب العمل به، ولا أثر لعجزه عن التعبير عنه، وإن أريد به أنه وقع له شك فلا نزاع في بطلان العمل به. وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا مما لا نزاع في قبوله. ويردّ عليه أنه ليس بجامع لخروج الاستحسان الثابت بالأثر كالسّلم والإجارة وبقاء الصوم في النسيان، أو بالإجماع كالاستصناع، أو بالضرورة كطهارة الحياض والآبار. وقيل هو العدول إلى خلاف الظنّ لدليل أقوى. ولا نزاع في قبوله أيضا. وقيل تخصيص القياس بدليل أقوى منه فيرجع إلى تخصيص العلّة. وقال الكرخي هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لدليل أقوى يقتضي العدول عن الأول ويدخل فيه التخصيص والنسخ. وقال أبو الحسين البصري هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه وهو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول. واحترز بقوله غير شامل عن ترك العموم إلى الخصوص، وبقوله وهو في حكم الطارئ عن القياس فيما إذا قالوا تركنا الاستحسان بالقياس. وأورد على هذه التفاسير أن ترك الاستحسان بالقياس تكون عدولا عن الأقوى إلى الأضعف، وأجيب بأنه إنما يكون بانضمام معنى آخر إلى القياس به يصير أقوى من الاستحسان، وقيل هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة والمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين مدة المكث، والعادة إن كانت معتبرة شرعا، فلا نزاع في أنها مقبولة، وإلّا فلا نزاع في كونها مردودة. والذي استقرّ عليه رأي المتأخرين هو أنه عبارة عن دليل يقابل القياس الجليّ نصا كان أو إجماعا أو قياسا خفيا أو ضرورة، فهو أعمّ من القياس الخفي، هذا في الفروع، فإنّ إطلاق الاستحسان على النصّ والإجماع عند وقوعها في مقابلة القياس الجلي شائع في الفروع. وما قيل إنه لا عبرة بالقياس في مقابلة النصّ والإجماع بالاتفاق فكيف يصحّ التمسك به؟ فالجواب عنه أنه لا يتمسك به إلّا عند عدم ظهور النصّ والإجماع، وأما في اصطلاح الأصول فقد غلب إطلاقه على القياس الخفي كما غلب اسم القياس على القياس الجلي تمييزا بين القياسين. وبالجملة، لما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان مع أنه قد يطلق لغة على ما يميل إليه الإنسان وإن كان مستقبحا عند الغير وكثر استعماله في مقابلة القياس الجلي وعلى القياس الخفي، كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه. وبعد ما استقرت الآراء على أنه اسم لدليل متفق عليه سواء كان قياسا خفيا أو أعم منه إذا وقع في مقابلة القياس الجلي حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة، فهو حجة عند الجميع من غير تصوّر خلاف. فائدة: الفرق بين المستحسن بالقياس الخفي والمستحسن بغيره أن الأول يعدى إلى صورة أخرى لأن من شأن القياس التعدية، والثاني لا يقبل التعدية لأنه معدول عن سنن القياس، مثلا إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، فالقياس أن يكون اليمين على المشتري فقط لأنه المنكر، فهذا قياس جليّ إلّا أنه ثبت بالاستحسان التحالف، أي اليمين على كل منهما، أمّا قبل القبض فبالقياس الخفي، وهو أنّ البائع ينكر وجوب تسليم المبيع بما أقرّ به المشتري من

стр. 192

الثّمن، كما أنّ المشتري ينكر وجوب زيادة الثمن فيتحالفان، وأمّا بعد قبض المبيع فلقوله ﵇ «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادّا» «١» فوجوب التحالف قبل القبض يتعدّى إلى ورثة المشتري والبائع إذا اختلفا في الثمن بعد موت المشتري والبائع، وأما بعد القبض، فلا يتعدى إلى الورثة، هذا كله خلاصة ما في العضدي وحاشيته للتفتازاني والتوضيح والتلويح وغيرها. الاستخبار: [في الانكليزية] Information [ في الفرنسية] Renseignement عند أهل العربية هو الاستفهام وهو طلب الفهم. وقيل الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما، حكاه ابن فارس «٢» في فقه اللغة «٣»، كذا في الاتقان في أنواع الإنشاء. وفي بعض الكتب الاستخبار هو طلب الخبر. الاستخذام: [في الانكليزية] Break ،syllepsis [ في الفرنسية] Coupure ،syllepse بالخاء والذال المعجمتين من خذمت الشيء قطعته، ومنه سيف مخذوم. ويروى بالحاء المهملة والذال المعجمة أيضا من حذمت أي قطعت، ويروى بالمعجمة والمهملة أيضا من الخدمة، هكذا ذكر السيد السّند في حاشية المطول. وهو عند أهل البديع من أشرف أنواع البديع، وكذلك التورية. والبعض فضّله على التورية أيضا، ولهم فيه عبارتان: إحداهما أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به «٤» أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مرادا به «٥» المعنى الآخر، وهذه طريقة السكاكي وأتباعه. والأخرى أن يأتي المتكلّم بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر الآخر، وهذه طريقة بدر الدين بن مالك «٦» في المصباح «٧» ومشى عليها ابن أبي الأصبع، ومثّله بقوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ «٨» الآية، فلفظ كتاب يحتمل الأمد المختوم والكتاب المكتوب، فلفظ أجل يخدم المعنى الأول، ويمحو يخدم

стр. 193

الثاني. قيل ولم يقع في القرآن على طريقة السكاكي. قال صاحب الاتقان وقد استخرجت أنا بفكري آيات على طريقة السكاكي، منها قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «١» فإنّ المراد «٢» به آدم ﵇، ثم أعاد الضمير عليه مرادا به ولده، فقال ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً «٣» الآية. ومنها قوله: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «٤»، ثم قال: قد سألها قوم من قبلكم أي أشياء أخر لأن الأوّلين لم يسألوا عن الأشياء التي سألوا عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها. ومنها قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ «٥» فأمر الله يراد به قيام الساعة والعذاب وبعثة النبي ﵌. وقد أريد بلفظ الأمر الأخير كما روي عن ابن عباس وأعيد الضمير عليه في تستعجلوه مرادا به قيام الساعة والعذاب، انتهى. فعلم من هذه الأمثلة أنّ المراد «٦» بالمعنيين أعمّ من أن يكونا حقيقيّين أو مجازييّن أو مختلفين، وقد صرّح بذلك في حواشي المطول. وقال صاحب المطوّل: الاستخدام أن يراد «٧» بلفظ له معنيان أحدهما ثم يراد بضميره المعنى الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحد المعنيين، ثم بالضمير الآخر معناه الآخر، فالأول كقوله: إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا «٨» أراد بالسماء الغيث وبالضمير الراجع إليه من رعيناه النبت، والثاني كقوله: فسقى الغضا والسّاكنية وإن هم شبوه بين جوانح وضلوع «٩» أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنية المكان وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا بين جوانحي نار الغضا، يعني نار الهوى التي تشبه بنار الغضا، انتهى. الاستدارة: [في الانكليزية] Circular [ في الفرنسية] Circulaire هي كون الخطّ أو السطح مستديرا، ويجيء في لفظ الخط. الاستدراج: [في الانكليزية] The supernatural [ في الفرنسية] Le surnaturel هو في الشرع أمر خارق للعادة يظهر من يد الكافر أو الفاجر موافقا لدعواه، كذا في مجمع البحرين. وفي الشمائل المحمدية: الاستدراج هو الخارق الذي يظهر من الكفار وأهل الأهواء والفسّاق. والمشهور هو أنّه أمر خارق للعادة يقع من مدّعي الرسالة. فإن كان موافقا للدعوى والإرادة يسمّى معجزة، وإن كان مخالفا لدعواه وقصده فهو إهانة. كما حصل مع مسيلمة الكذّاب الذي قال له أتباعه: إن محمدا

стр. 194

رسول الله قد تفل في بئر فارتفع فيه الماء إلى سطح البئر، فافعل أنت هكذا، ففعل ذلك في بئر، فغار الماء فيه حتى جفّ. وأمّا ما يصدر من غير الأنبياء مقرونا بكمال الإيمان والتقوى والمعرفة والاستقامة فهو ما يقال له كرامة. وما يقع من عوامّ المؤمنين فيسمّى معونة، وأما ذاك الذي يقع من الكفار والفسّاق فهو استدراج «١». كذا في مدارج النبوة «٢» من الشيخ عبد الحق الدهلوي «٣». وسيأتي في لفظ الخارق. وعند أهل المعاني هو الكلام المشتمل على إسماع الحق على وجه لا يورث مزيد غضب المخاطب سواء كان فيه تعريض أو لا، ويسمّى أيضا المنصف من الكلام نحو قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي «٤» أي ما لكم أيها الكفرة لا تعبدون الذي خلقكم بدليل قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «٥» ففيه تعريض لهم بأنهم على الباطل ولم يصرّح بذلك لئلّا يزيد غضبهم حيث يريد المتكلم لهم ما يريد لنفسه، كذا في المطول وحواشيه في بحث إن ولو في باب المسند. الاستدراك: [في الانكليزية] Restriction ،metonymy Restriction ،metonymie في عرف العلماء يطلق على ذكر شيئين يكون الأول منهما مغنيا عن الآخر، سواء كان ذكر الآخر أيضا مغنيا عن الأول، كما إذا كان الشيئان متساويين، أو لم يكن، كما إذا ذكر أولا الخاصّ ثم العامّ، كما تقول في تعريف الإنسان الناطق الحيوان، بخلاف ذكر الخاصّ بعد العامّ فإنه ليس باستدراك، إذ الأول ليس مغنيا عن الثاني، كما تقول في تعريف الإنسان الحيوان الناطق. وهو قبيح إلّا أن يتضمن فائدة إذ حينئذ لا يبقى الاستدراك بالحقيقة، هكذا يستفاد مما ذكره المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في تعريف الحال في مقدمة الأمور العامة. ويطلق أيضا عند النحاة على دفع توهّم ناشئ من كلام سابق، وأداته لكن، فإذا قلت: جاءني زيد مثلا فكأنه توهّم أنّ عمرا أيضا جاءك لما بينهم من الإلف، فرفعت ذلك الوهم بقولك لكن عمرا لم يجئ، ولهذا يتوسّط لكن بين كلامين متغايرين نفيا وإثباتا تغايرا لفظيا، كما في المثال المذكور، أو معنويا كما في قولك: زيد حاضر لكن عمرا غائب، هكذا في الفوائد الضيائية في بحث الحروف المشبّهة بالفعل. وفي الضوء شرح المصباح «٦»: الفرق بين الاستدراك والإضراب أنّ الإضراب هو الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه، فإذا

стр. 195

قلت: ضربت زيدا كنت قاصدا للإخبار بضرب زيد، ثم ظهر لك أنك غلطت فيه فتضرب عنه إلى عمرو، وتقول بل عمرا، ففي الإضراب تبطل الحكم السابق، وفي الاستدراك لا تبطله، انتهى. يعني أن في الاضراب تجعل المعطوف عليه في حكم المسكوت عنه فلا تحكم عليه بشيء لا ينفي ولا بإثبات، فقد أبطلت الحكم السابق الذي قصدت الإخبار به قبل الإضراب بكلمة بل، وليس المراد «١» ببطلان الحكم السابق إثبات نقيض الحكم السابق في المعطوف عليه، ويؤيده ما في الأطول من أن معنى الإضراب جعل الحكم الأول موجبا كان أو غير موجب كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه، وما في المطول من أن معنى الإضراب أن يجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه يحتمل أن يلابسه الحكم وأن لا يلابسه، فنحو جاءني زيد بل عمرو يحتمل مجيء زيد وعدم مجيئه انتهى. اعلم أنّ الاستدراك بهذا المعنى إن تضمن ضربا من المحاسن يصير من المحسّنات البديعة معدودا في علم البديع، قال صاحب الإتقان: شرط كون الاستدراك من البديع أن يتضمن ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي، نحو: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «٢» فإنه لو اقتصر على قوله لم تؤمنوا لكان منفّرا لهم لأنهم ظنّوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب واللسان وأن انفراد اللسان بذلك يسمّى إسلاما ولا يمّى إيمانا، وزاد ذلك إيضاحا بقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ «٣» فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن، انتهى. ويطلق الاستدراك على معنى آخر أيضا ذكره صاحب جامع الصنائع، قال: الاستدراك هو أن يبدأ المدح بلفظ يظن أنه قدح، ثم يعود للإتيان بألفاظ تعود للمدح. ومثاله: علمك مكسور الرأس لانّه قد طلع فوق الفلك ويقول صاحب مجمع الصنائع إن هذا النوع يسمّى التدارك «٤». الاستدلال: [في الانكليزية] Research ofthe proof (inference) [ في الفرنسية] Recherche de la preuve (inference) في اللغة طلب الدليل، وفي عرف الأصوليين يطلق على إقامة الدليل مطلقا من نصّ أو إجماع أو غيرهما، وعلى نوع خاص منه أيضا، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس؛ ولا يتوهّم أنّ هذا التعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء بسبب كونه تعريف بعض أنواع منه ببعض، بل ذلك تعريف للمجهول بالمعلوم بسبب سبق العلم بالأنواع المذكورة في التعريف، إذ قد علم تعريف كل من النصّ والإجماع والقياس في موضعه. وقيل مكان قولنا ولا قياس، ولا قياس علته، فيدخل في الحدّ القياس بنفي الفارق المسمّى بتنقيح المناط، وبالقياس في معنى الأصل، وكذا يدخل قياس التلازم المسمّى بقياس الدّلالة، لأن نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم،

стр. 196

فالتعريف المأخوذ به هو الأول، أي نفي الأعم لأنه أخصّ، هكذا في العضدي وحاشيته للمحقق التفتازاني. وبالجملة فالاستدلال في عرفهم يطلق على إقامة الدليل مطلقا وعلى إقامة دليل خاصّ، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس، وهو المأخوذ به، وقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس علته. ثم في العضدي وحاشيته المذكورة ما حاصله أن الفقهاء كثيرا ما يقولون وجد السّبب فيوجد الحكم أو وجد المانع أو فقد الشرط فيعدم الحكم. فقيل هذا ليس بدليل إنما هو دعوى دليل، فهو بمثابة قوله وجد دليل الحكم فيوجد الحكم ولا يكون دليلا ما لم يعيّن، وإنما الدليل ما يستلزم الحكم وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص. وقيل هو دليل إذ لا معنى للدليل إلّا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول، وقولنا وجد السبب فوجد الحكم ونحوه بحيث يلزم من العلم به العلم بالمدلول، غاية ما في الباب أن إحدى مقدمتيه وهو أنه وجد السبب يفتقر إلى بيان، والقائلون بأنه دليل اختلفوا، فقيل هو استدلال مطلقا لأنه غير النصّ والإجماع والقياس. وقيل هو استدلال إن ثبت وجود السبب أو المانع أو فقد الشرط بغير هذه الثلاثة، وإلّا فهو من قبيل ما ثبت به وليس باستدلال، بل نصّ إن ثبت به وإجماع إن ثبت به وقياس إن ثبت به، وهذا هو المختار، لأن حقيقة هذا الدليل هو أنّ هذا حكم وجد سببه، وكلّ حكم وجد سببه فهو موجود، والكبرى بيّنة فيكون مثبت الحكم هو ما ثبت به الصغرى، فإن كان غير النصّ والإجماع والقياس كان مثبت الحكم غيرها، فيكون استدلالا، وإن كان أحدها كان هو مثبت الحكم فلم يكن استدلالا. اعلم أنّه اختلف في أنواع الاستدلال، والمختار أنه ثلاثة: الأول التلازم بين الحكمين من غير تعيين علّة وإلّا كان قياسا، وحاصله الأقيسة الاستثنائية. والثاني استصحاب الحال. والثالث شرع من قبلنا. وقالت الحنفية والاستحسان أيضا. وقالت المالكية والمصالح المرسلة أيضا. وقال قوم انتفاء الحكم لانتفاء مدركه. ونفى قوم شرع من قبلنا. وقوم الاستصحاب. وقال الآمدي منها قولهم وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط، ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه، ومنها الدليل المؤلّف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر، ثم قسّمه إلى الاقتراني والاستثنائي، وذكر الأشكال الأربعة وشروطها وضروبها والاستثنائي بقسميه والمنفصل بأقسامه الثلاثة، ثم قال: ومنها استصحاب الحال، انتهى. ثم اعلم أنّه قد عرّف الاستدلال في شرح العقائد بالنظر في الدليل سواء كان استدلالا من العلّة على المعلول أو من المعلول على العلّة، وقد يخصّ الأول باسم التعليل والثاني باسم الاستدلال. وقال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد: والأولى أن يفسّر بإقامة الدليل ليشتمل ما يتعلّق بالدليل، بمعنى قول مؤلّف من قضايا يستلزم لذاته قولا آخر، فإنه ليس الاستدلال به النظر في الدليل، انتهى. وبالجملة فتعريفه بالنظر في الدليل يختص بمذهب الأصوليين والمتكلّمين، وتعريفه بإقامة الدليل يشتمل مذهب المنطقيين أيضا. وفي كشف البزدوي: الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثّر وقيل بالعكس. وقيل مطلقا، وبهذا المعنى قيل: الاستدلال بعبارة النصّ وإشارة النصّ ودلالة النصّ واقتضاء النصّ، انتهى؛ إذ النص علّة ومؤثّر وأثره ومعلوله الحكم كما لا يخفى، وبالنظر إلى المعنى الأول وقع في الرشيدية «١» أن المدعي إن

стр. 197

شرع في الدليل الآنيّ يسمّى مستدلّا انتهى، إذا الدليل الآني هو الذي يكون الاستدلال فيه من المعلول على العلّة كما عرفت، والتعليل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر ويسمّى ذلك الدليل دليلا لمّيّا، وقد يطلق المستدل على المعلّل وهو الشارع في الدليل اللّميّ، وقد يطلق المعلّل على المستدل كما ستعرف في لفظ الدعوى. الاسترخاء: [في الانكليزية] Asystoly ،hemiplegia [ في الفرنسية] Asystolie ،hemiplegie عند الأطباء ترهّل وضعف يظهر في العضو عن عجز القوّة المحرّكة، وهو مرادف للفالج عند القدماء. وأمّا المتأخرون فيطلقون الفالج على استرخاء يحدث في أحد شقّي البدن طولا، ويضاف الاسترخاء بكل عضو حدث فيه كاللّثة واللهاة واللّسان وغيرها، كذا في حدود الأمراض. الاستسقاء: [في الانكليزية] Dropsy ،hydrocephalus [ في الفرنسية] Hydropisie ،hydrocephalie في اللغة طلب السّقي وإعطاء ما يشربه، والاسم السّقيا بالضم، وشرعا طلب إنزال المطر من الله تعالى على وجه مخصوص عند شدّة الحاجة بأن يحبس المطر عنهم ولم تكن لهم أودية وأنهار وآبار يشربون منها ويسقون مواشيهم وزروعهم، كذا في جامع الرموز. وعند الأطباء هو مرض ذو مادّة باردة غريبة تدخل في خلل الأعضاء فتربو بها الأعضاء، إمّا الظاهرة من الأعضاء كلها كما في اللحمي، وإمّا المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط كفضاء البطن التي فيها المعدة والكبد والأمعاء، وإمّا فضاء ما بين الشرب والصفاق، وأقسامه ثلاثة: اللحمي والزقّي والطّبلي المسمّى بالاستسقاء اليابس أيضا، لأنّ المادة الموجبة لها إمّا ذات قوام أو لا، الثاني الطّبلي، والأول إمّا أن تكون شاملة لجميع البدن وهو اللحمي، وإلّا فهو الزّقي. وبالجملة فالزقّي استسقاء تنصبّ فيه المائية إلى فضاء الجوف، سمّي به تشبيها لبطن صاحبه بالزقّ المملوء ماء، ولهذا يحسّ صاحبه خفخفة الماء عند الحركة. واللحميّ استسقاء يغشو فيه الماء مع الدم إلى جملة الأعضاء فيحتبس في خلل اللحم فيربو، سمّي به لازدياد لحم صاحبه من حيث الظاهر بخلاف السّمن فإنه ازدياد حقيقة، وهذا تربّل يشبه الازدياد الحقيقي. والطبلي ما يغشو فيه المادة الريحية في فضاء الجوف مجففة فيها، ولا تخلو تلك المواضع مع الرياح عن قليل رطوبة أيضا. وأيضا الاستسقاء ينقسم إلى مفرد ومركّب، لأن تحقّقه إمّا أن يكون من نوعين فصاعدا أو لا، الثاني المفرد، والأول المركّب إمّا من اللحمي والزقّي، أو من اللحمي والطبلي، أو الزقي والطبلي، أو من الثلاثة، هكذا يستفاد من بحر الجواهر وحدود الأمراض. الاستصحاب: [في الانكليزية] Antecedent judgement [ في الفرنسية] Jugement base sur un antecedent هو عند الأصوليين طلب صحبة الحال للماضي بأن يحكم على الحال بمثل ما حكم على الماضي، وحاصله إبقاء ما كان على ما كان بمجرد أنه لم يوجد له دليل مزيل، وهو حجّة عند الشافعي وغيره كالمزني «١» والصّيرفي «٢» والغزالي في كل حكم عرف وجوبه

стр. 198

بدليله ثم وقع الشكّ في زواله، من غير أن يقوم دليل بقائه أو عدمه مع التأمل والاجتهاد فيه. وعند أكثر الحنفية ليس بحجة موجبة للحكم، ولكنها دافعة لإلزام الخصم لأن مثبت الحكم ليس بمبق له، يعني أنّ إيجاد شيء أمر وإبقاءه أمر آخر، فلا يلزم أن يكون الدليل الذي أوجده ابتداء في الزمان الماضي مبقيا في زمان الحال، لأن البقاء عرض حادث بعد الوجود وليس عينه. ولهذا يصحّ نفي البقاء عن الوجود فيقال: وجد فلم يبق، فلا بد للبقاء من سبب على حدة، فالحكم ببقاء حكم بمجرد الاستصحاب يكون حكما بلا دليل، وذلك باطل، هكذا في نور الأنوار «١». وفي الحموي «٢» حاشية الأشباه «٣» في القاعدة الثالثة: الاستصحاب وهو الحكم بثبوت أمر في وقت آخر، وهذا يشمل نوعيه، وهما جعل الحكم الثابت في الماضي مصاحبا للحال أو جعل الحال مصاحبا للحكم الماضي. واختلف في حجيته، فقيل حجة مطلقا، ونفاه كثير مطلقا، واختير أنه حجة للدفع لا للاستحقاق، أي لدفع إلزام الغير لا لإلزام الغير. والوجه الأوجه أنه ليس بحجة أصلا لأن الدفع استمرار عدمه الأصلي لأن المثبت للحكم في الشروع لا يوجب بقاءه، لأن حكمه الإثبات، والبقاء غير الثبوت، فلا يثبت به البقاء، كالإيجاد لا يوجب البقاء، لأن حكمه الوجود لا غير، يعني أنّه لمّا كان الإيجاد علة للوجود لا للبقاء فلا يثبت به البقاء حتى يصحّ الإفناء بعد الإيجاد، ولو كان الإيجاد موجبا للبقاء كما كان موجبا للوجود لما تصوّر الإفناء بعد الإيجاد لاستحالة الفناء مع البقاء، ولما صحّ الإفناء بعد الإيجاد لا يوجب البقاء، انتهى. فإن قيل إن قام دليل على كونه حجة لزم شمول الوجود أعني كونه حجة للإثبات والدفع وإلّا لزم شمول العدم، أجيب بأن معنى الدفع أن لا يثبت حكم، وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، والأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا بيع شقص من الدار وطلب الشريك الشّفعة فأنكر المشتري ملك الطالب في السهم الآخر الذي في يده، ويقول إنه بالإعارة عندك، فعند الحنفية القول قول المشتري ولا تجب الشّفعة إلّا ببيّنة لأن الشفيع يتمسّك بالأصل ولأن اليد دليل الملك ظاهرا، والظاهر يصلح لدفع الغير لا لإلزام الشّفعة على المشتري في الباقي، وعند الشافعي تجب بغير بيّنة لأن الظاهر عنده يصلح للدفع والإلزام جميعا فيأخذ الشفعة من المشتري جبرا، وإن شئت الزيادة فارجع إلى كتب الأصول كالتوضيح ونحوه. الاستصناع: [في الانكليزية] Asking to manufacture [ في الفرنسية] Faire fabriquer هو استفعال من الصّناعة ويعدّى إلى

стр. 199

مفعولين، وهو في اللغة طلب العمل، وفي الشرع بيع ما يصنعه الصانع عينا، فيطلب من الصانع العمل والعين جميعا، فلو كان العين من المستصنع كان إجارة لا استصناعا كما في إجارة المحيط. وكيفيته أن يقال للصانع كخفاف مثلا اخرز لي من أديمك خفّا صفته كذا بكذا درهما ويريه رجله، ويقبل الصانع سواء أعطى الثمن أو لا، كذا في جامع الرموز والبرجندي في فصل السّلم. الاستطاعة: [في الانكليزية] Faculty ،power [ في الفرنسية] Faculte ،pouvoir هي تطلق على معنيين: أحدهما عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، وهي علّة للفعل، والجمهور على أنها شرط لأداء الفعل لا علّة. وبالجملة هي صفة يخلقها الله تعالى عند قصد اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات، فإن قصد فعل الخير خلق الله قدرة فعل الخير، وإن قصد فعل الشرّ خلق الله قدرة فعل الشرّ، وإذا كانت الاستطاعة عرضا وجب أن تكون متقارنة للفعل بالزمان لا سابقة عليه، وإلّا لزم وقوع الفعل بلا استطاعة وقدرة عليه لامتناع بقاء الأعراض. وقيل هي قبل الفعل. وقيل إن أريد بالاستطاعة القدرة المستجمعة لجميع شرائط التأثير فالحقّ أنها مع الفعل، وإلّا فقبله. وأما امتناع بقاء الأعراض فمبني على مقدّمات صعبة البيان. وثانيهما سلامة الأسباب والآلات والجوارح كما في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «١» وهي على هذا يجوز أن تكون قبل الفعل، وصحة التكليف مبني على هذا. فإن قيل الاستطاعة صفة المكلّف، وسلامة الأسباب ليست صفة له، فكيف يصحّ تفسيرها بها؟ قلنا: المراد سلامة أسباب وآلات له والمكلّف كما يتّصف بالاستطاعة يتصف بذلك، حيث يقال: هو ذو سلامة الأسباب، إلّا أنه لتركّبه لا يشتق منه اسم فاعل يحمل عليه، بخلاف الاستطاعة، هكذا في شرح العقائد النسفية في بحث أفعال العباد. والاستطاعة الحقيقية وهي القدرة التّامة التي يجب عندها صدور الفعل فهي لا تكون إلّا مقارنة للفعل. والاستطاعة الصحيحية وهي أن يرتفع الموانع من المرض وغيره، كذا في الجرجاني. الاستطراد: [في الانكليزية] Digression [ في الفرنسية] Digression عند البلغاء هو أن يذكر عند سوق الكلام لغرض ما يكون له نوع تعلّق به، ولا يكون السّوق لأجله، كذا في حواشي البيضاوي في تفسير قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها «٢» وهو قريب من حسن التخلّص كقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «٣». قال الزمخشري هذه الآية وردت على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السّوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنّة فيما خلق من اللّباس ولما في العري وكشف العورة من الإهانة والفضيحة، وإشعارا بأنّ السّتر باب عظيم من أبواب التقوى. وقد خرّج على الاستطراد صاحب الإتقان قوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ «٤» فإنّ أول

стр. 200

الكلام ذكر الردّ على النصارى الزاعمين بنوّة المسيح، ثم استطراد الردّ على الزاعمين بنوّة الملائكة. وفي بعض التفاسير، مثال الاستطراد هو أن يذهب الرجل إلى موضع مخصوص صائدا فعرض له صيد آخر فاشتغل به وأعرض عن السّير إلى ما قصد وأشباهه، انتهى كلامه. والفرق بينه وبين حسن التّخلّص سيأتي في لفظ التّخلّص. وفي الجرجاني: الاستطراد سوق الكلام على وجه يلزم منه كلام آخر وهو غير مقصود بالذات بل بالعرض، فيؤتى على وجه الاستتباع، انتهى. الاستظهار: [في الانكليزية] Bringing up [ في الفرنسية] Vomissement ،vidage اعلم أنّ الأطباء يأمرون بالاستظهار وإن لم يكن الأخلاط زائدة زيادة شديدة توجب الاستفراغ، ولكن زيادة ما يستحبّ فيه الاستفراغ ليحصل أمن من حصول امتلاء القوى الموجب للأمراض دفعة وفجأة. والفرق بين الاستظهار والتقدم بالحفظ أنّ الاستفراغ في الاستظهار يكون خارجا عن غير حدّ الاعتدال وفي التقدم بالحفظ لا يكون خارجا عنه، بل يكون إلى حدّ يقطع السبب فقط من أن ينقل البدن إلى الستّة المضادة، وكلاهما يكون لمن يعتاده مرض قبل حدوثه به، كذا قال النفيس. وقال الآقسرائي «١»: الفرق بين الاستظهار والتقدم بالحفظ أنّ الأول في غير المعتاد والثاني في حق المعتاد، كذا في بحر الجواهر. الاستعارة: [في الانكليزية] Metaphor [ في الفرنسية] Metaphore في اللغة: هو أخذ الشيء بالعارية أو عند الفرس: هو إضافة المشبّه به إلى المشبّه، وهذا خلاف اصطلاح أهل العربية. وهو على نوعين: أحدها: استعارة حقيقية، والثاني: مجازية. فالاستعارة الحقيقية هي أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وهما نوعان: ترشيح وتجريد. فالترشيح هو أن يكون المستعار والمستعار منه ثابتين ومعلومين، وأن تراعى فيها لوازم الجانبين. ومثاله: يا ملك البلغاء إن تجرّد سيف لسانك نلت وطرك وفتحت العالم فالسيف مستعار واللسان مستعار منه، وقد راعى اللوازم للسيف واللسان. وأمّا التجريد فهو أن يراعي جانبا واحدا من اللوازم وأن يكون أحد الموجودات من الأعيان والثاني من الأعراض. ومثاله: من ذلك السكّر الشفهي الذي هو غير مأكول، نأكل في كل لحظة سمّ الغصة. فالسكر مستعار والشفه مستعار منه. فهنا راعى جانب السكر، والغصة ليست من الأعيان فتؤكل ولم يراع الغصة. وأمّا المجاز فهو أن يكون كلّ من المشبّه والمشبّه به من الأعراض، يعني أن يكون محسوسا بأحد الحواسّ الظاهرة أو من المتصوّرة أي محسوسا بالحواس الباطنة. أو يكون أحدها عرضا والثاني متصوّرا. ومثاله: حيثما يوجد أحد في الدنيا سأقتله كي لا يرد كلام العشق على لسان أحد. فالكلام عرض والعشق هو من الأشياء التي تصوّر في الذهن. وكلاهما أي الكلام والعشق من المتصوّرات التي لا وجود مادي لها في الخارج. واعلم أنّ كلّ ما ذكرناه هاهنا عن الحقيقة والمجاز هو على اصطلاح الفرس، وقد أورده

стр. 201

مولانا فخر الدين قواس في كتابه. وهذا أيضا مخالف لأهل العربية. كذا في جامع الصنائع «١». والاستعارة عند الفقهاء والأصوليين عبارة عن مطلق المجاز بمعنى المرادف له. وفي اصطلاح علماء البيان عبارة عن نوع من المجاز، كذا في كشف البزدوي وچلپي المطول. وذكر الخفاجي في حاشية البيضاوي في تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ «٢» الآية الاستعارة تستعمل بمعنى المجاز مطلقا، وبمعنى مجاز علاقته المشابهة، مفردا كان أو مركّبا، وقد تخصّ بالمفرد منه وتقابل بالتمثيل حينئذ كما في مواضع كثيرة من الكشاف «٣». والتمثيل وإن كان مطلق التشبيه غلب على الاستعارة المركّبة، ولا مشاحّة في الاصطلاح انتهى كلامه. والقول بتخصّص الاستعارة بالمفرد قول الشيخ عبد القاهر «٤» وجار الله. وأمّا على مذهب السكّاكي فالاستعارة تشتمل التمثيل ويقال للتمثيل استعارة تمثيلية، كذا ذكر مولانا عصام الدين في حاشية البيضاوي. وسيأتي في لفظ المجاز ما يتعلّق بذلك. قال أهل البيان: المجاز إن كانت العلاقة فيه غير المشابهة فمجاز مرسل وإلّا فاستعارة. فالاستعارة على هذا هو اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي أي الحقيقي، ولما سبق في تعريف الحقيقة اللغوية أن استعمال اللفظ لا يكون إلّا بإرادة المعنى منه، فإذا أطلق نحو المشفر على شفة الإنسان وأريد تشبيهها بمشفر الإبل في الغلظ فهو استعارة، وإن أريد أنّه إطلاق المقيّد على المطلق كإطلاق المرسن على الأنف من غير قصد إلى التشبيه فمجاز مرسل، فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد يجوز أن يكون استعارة وأن يكون مجازا مرسلا باعتبارين، ولا يخفى أنك إذا قلت: رأيت مشفر زيد، وقصدت الاستعارة، وليس مشفره غليظا، فهو حكم كاذب، بخلاف ما إذا كان مجازا مرسلا. وكثيرا ما يطلق الاستعارة على فعل المتكلّم أعني استعمال اسم المشبّه به في المشبّه. والمراد بالاسم ما يقابل المسمّى أعني اللفظ لا ما يقابل الفعل والحرف. فالاستعارة

стр. 202

تكون بمعنى المصدر فيصحّ منه الاشتقاق، فالمتكلّم مستعير واللفظ المشبّه به مستعار، والمعنى المشبّه به مستعار منه، والمعنى المشبّه مستعار له، هكذا في الأطول وأكثر كتب هذا الفن. وزاد صاحب كشف البزدوي ما يقع به الاستعارة وهو الاتصال بين المحلّين لكن في الاتقان أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار وهو اللفظ المشبّه به، ومستعار منه وهو اللفظ المشبّه، ومستعار له وهو المعنى الجامع. وفي بعض الرسائل المستعار منه في الاستعارة بالكناية هو المشبّه على مذهب السكاكي انتهى. ثم قال صاحب الاتقان بعد تعريف الاستعارة بما سبق، قال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجليّ، أو حصول المبالغة أو المجموع. مثال إظهار الخفي: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ «١» فإنّ حقيقته وإنّه في أصل الكتاب فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا فينتقل السامع من حدّ السّماع إلى حدّ العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجليّ ليصير جليّا: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ «٢» فإن المراد منه أمر الولد بالذلّ لوالديه رحمة فاستعير للذّلّ أولا جانب ثم للجانب جناح، أي اخفض جانب الذلّ أي اخفض جانبك ذلّا؛ وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان. ولمّا كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقى الولد من الذلّ لهما والاستكانة متمكنا، احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى جهة السّفل أدنى ميل صدق عليه أنّه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجنب بالأرض ولا يحصل ذلك إلّا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً «٣» أي فجّرنا عيون الأرض، ولو عبّر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيونا. انتهى. فائدة: اختلفوا في الاستعارة أهي مجاز لغوي أو عقلي، فالجمهور على أنها مجاز لغوي لكونها موضوعة للمشبّه به لا للمشبّه ولا لأعمّ منهما. وقيل إنها مجاز عقلي لا بمعنى إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له بتأوّل، بل بمعنى أنّ التصرّف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لم تطلق على المشبّه إلّا بعد ادّعاء دخوله في جنس المشبّه به فكان استعمالها فيما وضعت له، لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة كيزيد ويشكر استعارة، وردّ بأن الادعاء لا يقتضي أن تكون مستعملة فيما وضعت له للعلم الضروري بأن الأسد مثلا موضوع للسبع المخصوص، وفي صورة الاستعارة مستعمل في الرجل الشجاع، وتحقيق ذلك أنّ ادعاء دخوله في جنس المشبّه به مبني على أنه جعل أفراد الأسد بطريق التأويل قسمين: أحدهما المتعارف وهو الذي له غاية الجرأة ونهاية القوّة في مثل تلك الجثة وتلك الأنياب والمخالب إلى غير ذلك. والثاني غير المتعارف وهو الذي له تلك

стр. 203

الجرأة وتلك القوة، لكن لا في تلك الجثة والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف، فاستعماله في غير المتعارف استعمال في غير ما وضع له، كذا في المطول. وقال صاحب الأطول: ويمكن أن يقال: إذا قلت: رأيت أسدا وحكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان: أحدهما أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع، والثاني أن يستعمل فيما وضع له الأسد ويجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع، ويعتبر تجوّزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع، فيكون التركيب بين الرجل الشجاع ومفهوم الأسد مبنيا على التجوّز العقلي، فلا يكون هناك مجاز لغوي. ألا ترى أنه لا تجوّز لغة في قولنا: لي نهار صائم فقد حقّ القول بأنه مجاز عقلي ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فائدة: الاستعارة تفارق الكذب بوجهين: بالبناء على التأويل، وبنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر. التقسيم للاستعارة تقسيمات باعتبارات: الأول باعتبار الطرفين أي المستعار منه والمستعار له إلى وفاقية وعنادية، لأن اجتماع الطرفين في شيء إمّا ممكن وتسمّى وفاقية لما بين الطرفين من الموافقة نحو أحييناه في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ «١» أي ضالّا فهديناه، استعار الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيّا للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب؛ والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء. وإمّا ممتنع وتسمّى عنادية لتعاند الطرفين كاستعارة الميّت في الآية للضالّ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال. ومنها أي من العنادية التهكّمية والتمليحية، وهما الاستعارة التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه تنزيلا للتضادّ والتناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكّم نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٢» أي أنذرهم، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدّها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكّم، وكذا قولك: رأيت أسدا وأنت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة. والاستهزاء الثاني باعتبار الجامع إلى قسمين لأن الجامع إمّا غير داخل في مفهوم الطرفين كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع، فإن الشجاعة خارجة عن مفهوم الطرفين، وإمّا داخل في مفهوم الطرفين نحو قوله ﵇: «خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة طار إليها، أو رجل في شعفة في غنيمة له يعبد الله حتى يأتيه الموت» «٣». الهيعة الصوت المهيب، والشّعفة رأس الجبل. والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعدّ للجهاد، أو رجل اعتزل الناس وسكن في رأس جبل في غنم له قليل يرعاها ويكتفي بها في أمر معاشه ويعبد الله حتى يأتيه الموت. استعار الطّيران للعدو والجامع وهو قطع المسافة بسرعة داخل في مفهومهما. وأيضا باعتبار الجامع إمّا عامّية وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو: رأيت

стр. 204

أسدا يرمي، أو خاصيّة وهي الغريبة أي البعيدة عن العامة. والغرابة قد تحصل في نفس الشّبه كما في قول يزيد بن مسلمة «١» يصف فرسا بأنّه مؤدّب وأنّه إذا نزل عنه صاحبه وألقى عنانه في قربوس سرجه أي مقدّم سرجه وقف على مكانه حتى يعود إليه. قال الشاعر: واذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر علك أي مضغ والشكيم اللّجام، وأراد بالزائر نفسه، فاستعار الاحتباء وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السّرج، فصارت الاستعارة غريبة لغرابة التشبيه. وقد تحصل الغرابة بتصرّف في العامّية نحو قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى، أي أخذت المطايا في سرعة المضي. استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرا سريعا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والتشبيه فيها ظاهر عامي، وهو السرعة لكن قد تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة، إذ أسند سالت إلى الأباطح دون المطيّ وأعناقها حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، وأدخل الأعناق في السير حيث جعلت الأباطح سائلة مع الأعناق، فجعل الأعناق سائرة إشارة إلى أنّ سرعة سير الإبل وبطؤه إنما يظهران غالبا في الأعناق. الثالث باعتبار الثلاثة، أي المستعار منه والمستعار له والجامع إلى خمسة أقسام: الأول استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «٢» فالمستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والوجه أي الجامع هو الانبساط الذي هو في النار أقوى، والجميع حسّي، والقرينة هو الاشتعال الذي هو من خواص النار، وهو أبلغ مما لو قيل: اشتعل شيب الرأس لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس. والثاني استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ «٣» فالمستعار منه السّلخ الذي هو كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسّيان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر، كترتّب ظهور اللحم على الكسط وترتّب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتّب أمر عقلي؛ قال ابن أبي الإصبع: هي ألطف من الأولى. والثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي؛ قال ابن ابي الإصبع: هي ألطف الاستعارات نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا «٤» فإن المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل، والكلّ عقلي. الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي نحو: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ استعير المسّ وهو صفة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشّدّة، والجامع اللحوق، وهما

стр. 205

عقليان. الخامس استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ «١» المستعار منه التكبّر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسّي، والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضا. هذا هو الموافق لما ذكره السكاكي، وزاد الخطيب قسما سادسا وهو استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسّي وبعضه عقلي، كقولك رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا كالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فحسن الطلعة حسّي ونباهة الشأن عقلية ومعنى الحسّي والعقلي قد مرّ في التشبيه الرابع باعتبار اللفظ إلى قسمين لأن اللفظ المستعار إن كان اسم جنس فاستعارة أصلية كأسد وقتل للشجاع والضرب الشديد، وإلّا فاستعارة تبعية كالفعل والمشتقّات وسائر الحروف. والمراد باسم الجنس ما دلّ على نفس الذّات الصالحة لأن تصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف، والمراد بالذات ما يستقلّ بالمفهومية. وقولنا من غير اعتبار وصف أي من غير اعتبار وصف متعلّق بهذا الذات فلا يتوهّم الإشكال بأنّ الفعل وصف وهو ملحوظ فدخل علم الجنس في حدّ اسم الجنس، وخرج العلم الشخصي والصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة. ثم المراد باسم الجنس أعمّ من الحقيقي، والحكمي أي المتأوّل باسم الجنس نحو حاتم فإن الاستعارة فيه أصلية، وفيه نظر لأن الحاتم مأوّل بالمتناهي في الجود فيكون متأوّلا بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جود فيكون ملحقا بالتبعية دون الأصلية. وأجيب بأنّ مفهوم الحاتم وإن تضمّن نوع وصفية لكنه لم يصر به كليّا بل اشتهر ذاته المشخصة بوصف من الأوصاف خارج عن مدلوله كاشتهار الأجناس بأوصافها الخارجة عن مفهوماتها بخلاف الأسماء المشتقّة فإن المعاني المصدرية المعتبرة فيها داخلة في مفهوماتها الأصلية فلذلك كانت الأعلام المشتهرة بنوع وصفية ملحقة بأسماء الأجناس دون الصفات. والحاصل أنّ اسم الجنس يدلّ على ذات صالحة للموصوفية مشتهرة بمعنى يصلح أن يكون وجه الشبه، وكذا العلم إذا اشتهر بمعنى، فالاستعارة فيهما أصلية والأفعال والحروف لا تصلح للموصوفية وكذا المشتقات. وإنما كانت استعارة الفعل وما يشتق منه والحرف تبعية لأنّ الفعل والمشتقات موضوعة بوضعين: وضع المادة والهيئة فإذا كان في استعاراتها لا تتغير معاني الهيئات فلا وجه لاستعارة الهيئة، فالاستعارة فيها إنما هي باعتبار موادّها، فيستعار مصدرها ليستعار موادّها تبعية استعارة المصدر، وكذا إذا استعير الفعل باعتبار الزمان كما يعبر عن المستقبل بالماضي تكون تبعية لتشبيه الضّرب في المستقبل مثلا بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع، فيستعار له ضرب، فاستعارة الهيئة ليست بتبعية استعارة المصدر، بل اللفظ بتمامه مستعار بتبعية استعارة الجزء، وكذا الحروف، فإن الاستعارة فيها تجري أولا في متعلق معناها وهو هاهنا ما يعبّر عنها به عند تفسير معانيها، كقولنا: من معناه الابتداء وإلى معناه الانتهاء نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً «٢» شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتّب علته الغائية عليه، ثم استعير في المشبه اللّام الموضوعة

стр. 206

للمشبّه به فيكون الاستعارة في اللّام تبعا للاستعارة في المجرور. ثم اعلم أنّ الاستعارة في الفعل على قسمين: أحدهما أن يشبّه الضرب الشديد مثلا بالقتل ويستعار له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا، والثاني أن يشبّه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي مثلا في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجودا في كلّ من المشبّه والمشبّه به، لكنه قيّد في كل واحد منهما بقيد مغاير للآخر فصحّ التشبيه لذلك، كذا أفاده المحقق الشريف «١». لكن ذكر العلامة عضد الملة «٢» والدين في الفوائد الغياثية «٣» أنّ الفعل يدلّ على النسبة ويستدعي حدثا وزمانا، والاستعارة متصوّرة في كلّ واحد من الثلاثة، ففي النسبة كهزم الأمير الجند، وفي الزمان كنادى أصحاب الجنّة، وفي الحدث نحو فبشّرهم بعذاب أليم، انتهى؛ وذلك لأن الفعل قد يوضع للنسبة الإنشائية نحو اضرب وهي مشتهرة بصفات تصلح لأن يشبه بها كالوجوب، وقد يوضع للنسبة الإخبارية وهي مشتهرة بالمطابقة واللامطابقة، ويستعار الفعل من أحدهما للآخر كاستعارة ﵀ لا رحمه، واستعارة فليتبوّأ في قوله ﵇ «من تبوّأ عليّ الكذب فليتبوّأ مقعده على النار» «٤» للنسبة الاستقبالية الخبرية فإنه بمعنى يتبوّأ مقعده من النار، صرّح به في شرح الحديث، وردّه صاحب الأطول بأنّ النسبة جزء معنى الفعل فلا يستعار عنها، بخلاف المصدر فإنه لا يستعار من معناه الفعل بل يستعار من معناه نفس المصدر ويشتق منه الفعل، ولا يمكن مثله في النسبة، فالحقّ عدم جريانها في النسبة كما قاله السيد السّند. فائدة: قال الفاضل الچلپي: القوم إنما تعرّضوا للاستعارة التبعية المصرّحة، والظاهر تحقق الاستعارة التبعية المكنيّة كما في قولك: أعجبني الضارب دم زيد، ولعلهم لم يتعرضوا لها لعدم وجدانهم إياها في كلام البلغاء. فائدة: لم يقسموا المجاز المرسل إلى الأصلي والتبعي على قياس الاستعارة لكن ربما يشعر بذلك كلامهم. قال في المفتاح: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «٥» استعمل قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة من إرادتها استعمالا مجازيا، يعني استعمال المشتقّ بتبعية المشتقّ منه، كذا في شرح بعض رسائل الاستعارة. الخامس باعتبار المقارنة بما يلائم شيئا

стр. 207

من الطرفين وعدمها إلى ثلاثة أقسام: أحدها المطلقة وهي ما لم يقترن بصفة ولا تفريع مما يلائم المستعار له أو المستعار منه، نحو عندي أسد، والمراد بالاقتران بما يلائم الاقتران بما يلائم مما سوى القرينة، وإلّا فالقرينة مما يلائم المستعار له، فلا يوجد استعارة مطلقة، والمراد بالصفة المعنويّة لا النعت النحوي، والمراد بالتفريع ما يكون إيراده فرع الاستعارة سواء ذكر على صورة التفريع وهو تصديره بالفاء أو لا، وثانيها المجرّدة وهي ما قرن بما يلائم المستعار له، وينبغي أن يقيّد ما يلائم المستعار له بأن لا يكون فيه تبعيد الكلام عن الاستعارة وتزييف لدعوى الاتحاد إذ ذكروا أنّ في التجريد كثرة المبالغة في التشبيه كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ «١» فإنّ الإذاقة تجريد اللباس المستعار لشدائد الجوع والخوف بعلاقة العموم لجميع البدن عموم اللباس، ولذا اختاره على طعم الجوع الذي هو أنسب بالإذاقة. وإنما كانت الإذاقة من ملائمات المستعار له مع أنه ليس الجوع والخوف من المطعومات لأنه شاعت الإذاقة في البلايا والشدائد وجرت مجرى الحقيقة في إصابتها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضرّ، وأذاقه العذاب، شبّه ما يدرك من أثر الضرّ والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع، واختار التجريد على الترشيح، ولم يقل فكساها الله لباس الجوع والخوف لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعار بشدة الإصابة ليست في الكسوة. وثالثها المرشّحة وتسمّى الترشيحية أيضا وهي ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «٢» فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من فوت الرّبح واعتبار التجارة. ثم أنهم لم يلتفتوا إلى ما يقرن بما يلائم المستعار له في الاستعارة بالكناية مع أنه أيضا ترشيح لأنه ليس هناك لفظ يسمّى استعارة، بل تشبيه محض، وكلامهم في الاستعارة المرشّحة التي هي قسم من المجاز لا في ترشيح يشتمل ترشيح الاستعارة والتشبيه المضمر في النفس. وأما عدم التفات السكّاكي فيوهم ما ليس عنده وهو أنّ المرشّحة من أقسام الاستعارة المصرّحة، إذ التحقيق أنّ الاستعارة بالكناية إذا زيد فيها على المكنيّة ما يلائمها تصير مرشّحة عنده، كذا في الاطول. فائدة: قال أبو القاسم: تقسيمهم الاستعارة المصرّحة إلى المجردة والمرشحة يشعر بأنّ الترشيح والتجريد إنما يجريان في الاستعارة المصرّح بها دون المكنيّ عنها، والصواب أنّ ما زاد في المكنية على قرينتها أعني إثبات لازم واحد يعدّ ترشيحا لها؛ ثم التجريد والترشيح إنما يكونا بعد تمام الاستعارة، فلا يعدّ قرينة المصرح بها تجريدا ولا قرينة المكني عنها ترشيحا، انتهى. فائدة: قال صاحب الأطول: إذا اجتمع ملائمان للمستعار له فهل يتعيّن أحد للقرينة أو الاختيار إلى السامع يجعل أيهما شاء قرينة والآخر تجريدا؟ قال بعض الأفاضل: ما هو أقوى دلالة على الإرادة للقرينة والآخر للتجريد. ونحن نقول أيهما سبق في الدلالة على المراد قرينة والآخر تجريد، كيف لا والقرينة ما نصب للدّلالة على المراد، وقد سبق أحد الأمرين في الدلالة، فلا معنى لنصب اللاحق، والاوجه أنّ كلّا من الملائمين المجتمعين إن صلح قرينة فقرينة، ومع

стр. 208

ذلك الاستعارة مجرّدة، ولا تقابل بين المجرّدة ومتعددة القرينة، بل كل متعددة القرينة مجرّدة. فائدة: قد يجتمع التجريد والترشيح كقول زهير «١»: لدى أسد شاكي السلاح مقذّف له لبد أظفاره لم تقلّم ووجه اجتماعهما صرف دعوى الاتحاد إلى المشبّه المقارن بالصفة والتفريع والمشبّه به حتى يستدعى الدعوى ثبوت الملائم للمشبه به أيضا. فائدة: الترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق ومن جمع الترشيح والتجريد لاشتماله على تحقيق المبالغة في ظهور العينية التي هي توجب كمال المبالغة في التشبيه، فيكون أكثر مبالغة وأتمّ مناسبة بالاستعارة، وكذا الإطلاق أبلغ من التجريد. ومبنى الترشيحية على أن المستعار له عين المستعار منه لا شيء شبيه به. فائدة: في شرح بعض رسائل الاستعارة الترشيح يجوز أن يكون باقيا على حقيقته تابعا في الذّكر للتعبير عن الشيء بلفظ الاستعارة ولا يقصد به إلّا تقويتها، كأنّه نقل لفظ المشبه به مع رديفه إلى المشبّه، ويجوز أن يكون مستعارا من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له، ويكون ترشيح الاستعارة بمجرد أنه عبّر عن ملائم المستعار له بلفظ موضوع لملائم المستعار منه. هذا ولا يخفى أنّ هذا لا يخصّ بكون لفظ ملائم المستعار منه مستعارا، بل يتحقّق الترشيح بذلك التعبير على وجه الاستعارة كان أو على وجه المجاز المرسل، إمّا للملائم المذكور أو للقدر المشترك بين المشبّه والمشبّه به، وأنّه يحتمل مثل ذلك في التجريد أيضا، ويحتمل تلك الوجوه قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ «٢» حيث استعير الحبل للعهد في أن يكون وسيلة لربط شيء لشيء، وذكر الاعتصام وهو التمسك بالحبل ترشيحا إما باقيا على معناه للوثوق بالعهد أو مجازا مرسلا في الوثوق بالعهد، لعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون مجازا مرسلا بمرتبتين، أو في الوثوق، كأنه قيل ثقوا بعهد الله، وحينئذ كلّ من الترشيح والاستعارة ترشيح للآخر. السادس باعتبار أمر آخر إلى أربعة أقسام: تصريحية ومكنية وتحقيقية وتخييلية. فالتصريحية وتسمّى بالمصرّحة أيضا هي التي ذكر فيها المشبّه به. والمكنية ما يقابلها وتسمّى الاستعارة بالكناية أيضا. اعلم أنه اتفقت كلمة القوم على أنه إذا لم يذكر من أركان تشبيه شيء بشيء سوى المشبّه وذكر معه ما يخصّ المشبّه به كان هناك استعارة بالكناية واستعارة تخييلية، كقولنا: أظفار المنيّة أي الموت نشبت بفلان، لكن اضطربت أقوالهم في تشخيص المعنيين اللذين يطلق عليهما هذان اللفظان. ومحصّل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها ما ذهب إليه القدماء وهو أنّ المستعار بالكناية لفظ المشبه به المستعار للمشبه في النفس المرموز إليه بذكر لازمه من غير تقدير في نظم الكلام، وذكر اللازم قرينة على قصده من غرض وإثبات ذلك

стр. 209

اللازم للمشبّه استعارة تخييلية. ففي المثال المذكور الاستعارة بالكناية السبع المستعار للمنيّة الذي لم يذكر اعتمادا على أنّ إضافة الأظفار إلى المنيّة تدل على أن السبع مستعار لها. والاستعارة التخييلية إثبات الأظفار للمنية، فحينئذ وجه تسميتها بالمكنية وبالاستعارة بالكناية ظاهر لأنها استعارة بالمعنى المصطلح ومتلبسة بالكناية بالمعنى اللغوي، أي الخفاء، وكذا تسميتها بالتخييلية لاستلزامها استعارة لازم المشبه به للمشبّه، وتخييل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به. وثانيها ما ذهب إليه السكّاكي صريحا حيث قال: الاستعارة بالكناية لفظ المشبّه المستعمل في المشبّه به ادعاء أي بادعاء أنه عينه بقرينة استعارة لفظ هو من لوازم المشبّه به بصورة متوهّمة متخيّلة شبيهة به أثبتت للمشبّه، فالمراد بالمنيّة عنده هو السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار التي من خواص السبع إليها. ولا خفاء في أن تسميتها بالاستعارة بالكناية أو المكنية غير ظاهر حينئذ، وفي جعله إياها قسما من الاستعارة التي هي قسم من المجاز، وجعل إضافة الأظفار قرينة الاستعارة نظرا لأنّ لفظ المشبه فيها هو المستعمل في ما وضع له تحقيقا، والاستعارة ليست كذلك. واختار السكّاكي ردّ التبعية إلى المكني عنها بجعل قرينتها استعارة بالكناية وجعلها أي التبعية قرينة لها، على عكس ما ذكره القوم في مثل نطقت الحال من أنّ نطقت استعارة لدلّت والحال قرينة لها. هذا ولكن في كون ذلك مختار السكاكي نظرا لأنه قال في آخر بحث الاستعارة التبعية: هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا، فجعلوا في قولهم نطقت الحال هكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلّم بواسطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة، كما تراهم في قولهم: وإذا المنيّة انشبت أظفارها، يجعلون المنيّة استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط فتدبر، انتهى كلامه. وهو صريح في أنه ردّ التبعية إلى المكْنية على قاعدة القوم، فحينئذ لا حاجة له إلى استعارة قرينة المكنية لشيء حتى تبقى التبعية مع ذلك بحالها، ولا يتقلّل الأقسام بهذا أيضا. فإن قلت لم يجعل السلف المكنية المشبّه المستعمل في المشبّه به كما اعتبره في هذا الرّدّ، فكيف يتأتى لك توجيه كلامه بأنّ ردّه على قاعدة السلف من غير أن يكون مختارا له؟ قلت: لا شبهة فيما ذكرنا والعهدة عليه في قوله، كما تراهم في قولهم: وإذا المنية أنشبت أظفارها، يجعلون المنية استعارة بالكناية، ولا يضرّنا فيما ذكرنا من توجيه كلامه. وأما التخييلية عند السكاكي فما سيأتي. وثالثها ما ذهب إليه الخطيب وهي التشبيه المضمر في النفس الذي لم يذكر شيء من أركانه سوى المشبّه ودل عليه أي على ذلك التشبيه بأن يثبت للمشبه أمر مختصّ بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمر متحقق حسّا وعقلا يجري عليه اسم ذلك الأمر، ويسمّى إثبات ذلك الأمر استعارة تخييلية، والمراد بالتشبيه التشبيه اللغوي لا الاصطلاحي، فلا يردّ أن ذكر المشبّه به واجب البتة في التشبيه، وإنما قيل: ودلّ عليه الخ ليشتمل زيدا في جواب من يشبه الأسد؛ وعلى هذا التسمية بالاستعارة غير ظاهر وإن كان كونها كناية غير مخفي. وبالجملة ففي المكنية ثلاثة أقوال، وفي التخييلية قولان: أحدهما قول السكاكي كما يجيء، والآخر قول غيره. وعلى هذا المذهب الثالث كلّ من لفظي الأظفار والمنيّة في المثال المذكور حقيقتان مستعملتان

стр. 210

في المعنى الموضوع له، وليس في الكلام مجاز لغوي، وإنما المجاز هو إثبات شيء لشيء ليس هو له، وعلى هذا هو عقلي كإثبات الإنبات للربيع. والاستعارة بالكناية والتخييلية أمران معنويان، وهما فعلا المتكلم، ويتلازمان في الكلام لأن التخييلية يجب أن تكون قرينة للمكنية البتة، وهي يجب أن تكون قرينة للتخيلية البتة. فائدة: قال صاحب الأطول: ومن غرائب السوانح وعجائب اللوائح أن الاستعارة بالكناية فيما بين الاستعارات معلومة مبنية على التشبيه المقلوب لكمال المبالغة في التشبيه، فهو أبلغ من المصرّحة، فكما أنّ قولنا السبع كالمنيّة تشبيه مقلوب يعود الغرض منه إلى المشبّه به، كذلك أنشبت المنية أظفارها استعارة مقلوبة استعير بعد تشبيه السبع بالمنية المنية للسبع الادعائي، وأريد بالمنية معناها بعد جعلها سبعا تنبيها على أنّ المنيّة بلغت في الاغتيال مرتبة ينبغي أن يستعار للسبع عنها اسمها دون العكس، فالمنية وضعت موضع السبع، لكن هذا على ما جرى عليه السكاكي. والتحقيقية هي ما يكون المشبّه متحققا حسّا أو عقلا نحو: رأيت أسدا يرمي، فإنّ الأسد مستعار للرجل الشجاع وهو أمر متحقق حسّا، ونحو: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «١» أي الدين الحقّ وهو أمر متحقق عقلا لا حسّا. أما التخييلية فعند غير السكّاكي ما مرّ، وأما عند السكّاكي فهي استعارة لا تحقّق لمعناها حسّا ولا عقلا، بل معناها صورة وهمية محضة. ولما كان عدم تحقّق المعنى لا حسّا ولا عقلا شاملا لما لم يتعلّق به توهّم أيضا أضرب عنه بقوله بل معناها إلخ، والمراد بالصورة ذو الصورة فإن الصورة جاءت بهذا المعنى أيضا. والمراد بالوهمية ما يخترعه المتخيلة بأعمال الوهم إياه فإن للإنسان قوة لها تركيب المتفرّقات وتفريق المركّبات إذا استعملها العقل تسمّى مفكرة وإذا استعملها الوهم تسمّى متخيّلة. ولما كان حصول هذا المعنى المستعار له بأعمال الوهم سمّيت استعارة تخييلية، ومن لم يعرفه قال المناسب حينئذ أن تسمّى توهمية، وعدّ التسمية بتخييلية من أمارات تعسّف السكّاكي وتفسيره، وإنما وصف الوهمية بقوله محضة أي لا يشوبها شيء من التحقق الحسّي والعقليّ للفرق بينه وبين اعتبار السلف، فإن أظفار المنية عندهم أمر متحقق شابه توهّم الثبوت للمنية، وهناك اختلاط توهّم وتحقق بخلاف ما اعتبره فإنه أمر وهميّ محض لا تحقّق له لا باعتبار ذاته ولا باعتبار ثبوته، فتعريفه هذا صادق على لفظ مستعمل في صورة وهمية محضة من غير أن تجعل قرينة الاستعارة، بخلاف تفسير السلف والخطيب فإنها لا تنفك عندهم عن الاستعارة بالكناية. وقد صرّح به حيث مثّل للتخييلية بأظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا، والسلف والخطيب إمّا أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعا أو يجعلوا الأظفار ترشيحا لتشبيه لا استعارة تخييلية. وردّ ما ذكره بأنه يقتضي أن يكون الترشيح استعارة تخييلية للزوم مثل ما ذكره فيه مع أنّ الترشيح ليس من المجاز والاستعارة، وأجيب بأن الأمر الذي هو من خواصّ المشبّه به لمّا قرن في التخييلية بالمشبّه كالمنيّة مثلا حملناه على المجاز وجعلناه عبارة عن أمر متوهّم يمكن إثباته للمشبّه، وفي الترشيح لمّا قرن بلفظ المشبّه به لم يحتج إلى ذلك لأنه جعل المشبّه به هو هذا المعنى مع لوازمه. فإذا قلنا: رأيت أسدا يفترس أقرانه ورأيت بحرا يتلاطم أمواجه، فالمشبه به هو

стр. 211

الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي، بخلاف أظفار المنيّة فإنها مجاز عن الصورة الوهمية ليصحّ إضافتها إلى الوهمية ليصح إضافتها إلى المنيّة. ومحصّله أنّ حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارة لما يصحّ إثباته للمشبّه ولا يحتاج إلى تجوّز في ذلك الإثبات، وليس هذا الداعي في الترشيح لأنه أثبت للمشبّه به فلا وجه لجعله مجازا، ولا يلزم عدم خروج الترشيح عن الاستعارة وعدم زيادته عليها لأنه فرّق بين المقيد والمجموع والمشبّه به هو الموصوف والصفة خارجة عنه لا المجموع المركب منهما، وأيضا معنى زيادته أن الاستعارة تامة بدونه. ويردّ على هذا أنّ الترشيح كما يكون في المصرّحة يكون في المكنية أيضا ففي المكنية لم يقرن المشبّه به فلا تفرقة هناك، ويمكن أن يفرّق بأن التخييلية لو حملت على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكني عنها كما عرفت بخلاف المصرّحة فإن قولنا جاءني أسد له لبد، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد، فإن مآله جاءني رجل شجاع لما شبّهه به لبد، لكنه لا يتم في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً «١» فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قصد بيانه للعهد، فلا بدّ من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد. فائدة: التصريحية تعمّ التحقيقية والتخييلية، والكلّ مجاز لغوي ومتباين، هذا عند السكّاكي. والمكنية داخلة في التحقيقية عند السلف لأنّ اللفظ المستعار المضمر في النفس وهو محقق المعنى. والتصريحية عند الخطيب ترادف التحقيقية وتباين التخييلية لأنها عنده ليست لفظا، فلا تكون محقق المعنى، وكذا تباين المكنية لأنها عنده نفس التشبيه المضمر في النفس فلا تكون محقق المعنى. فائدة: في تحقيق قرينة الاستعارة بالكناية ذهب السلف سوى صاحب الكشاف إلى أنّ الأمر الذي أثبت للمشبه من خواصّ المشبه به مستعمل في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في الإثبات ويحكمون بعدم انفكاك المكني عنده عنها، وإليه ذهب الخطيب أيضا، وجوّز صاحب الكشاف كون قرينتها استعارة تحقيقية وكذا السكاكي، ووجه الفرق بين ما يجعل قرينة للمكنية ويجعل نفسه تخييلا أو استعارة تحقيقية أو إثباته تخييلا وبين ما يجعل زائدا عليها وترشيحا قوّة الاختصاص بالمشبه به، فأيّهما أقوى اختصاصا وتعلّقا به فهو القرينة وما سواه ترشيح، وكذا الحال بين القرينة والترشيح في الاستعارة المصرّحة، والأظهر أنّ ما يحضر السامع أولا فهو القرينة وما سواه ترشيح، ذلك أن تجعل الجميع قرينة في مقام شدة الاهتمام بالإيضاح، هكذا في شرح بعض رسائل الاستعارة. فائدة: في الإتقان أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهاما للحاجة، ولأنه لم يرد في ذلك إذن الشارع، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي «٢»، انتهى.

стр. 212

خاتمة إذا جرى في الكلام لفظة ذات قرينة دالّة على تشبيه شيء بمعناه فهو على وجهين: أحدهما أن لا يكون المشبّه مذكورا ولا مقدّرا كقولك: لقيت في الحمام أسدا أي رجلا شجاعا، ولا خلاف في أنّ هذا استعارة لا تشبيه. وثانيهما أن يكون المشبّه مذكورا أو مقدّرا وحينئذ فاسم المشبّه به إن كان خبرا عن المشبّه أو في حكم الخبر كخبر باب كان وإنّ والمفعول الثاني لباب علمت والحال والنعت، فالأصح أنه يسمّى تشبيها لا استعارة، لأن اسم المشبّه به إذا وقع هذه المواقع كان الكلام مصوغا لإثبات معناه لما أجري عليه أو نفيه عنه، فإذا قلت زيد أسد فصوغ الكلام لاثبات الأسدية لزيد وهو ممتنع حقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد له، فيكون الإتيان بالأسد لإثبات التشبيه فيكون خليقا بأن يسمّى تشبيها لأن المشبه به إنما جيء به لإفادة التشبيه بخلاف نحو لقيت أسدا، فإنّ الإتيان بالمشبه به ليس لإثبات معناه لشيء بل صوغ الكلام لإثبات الفعل واقعا على الأسد، فلا يكون لإثبات التشبيه، فيكون قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعرف إلّا بعد نظر وتأمّل. هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة، وعليه جميع المحققين. ومن الناس من ذهب إلى أن الثاني أيضا أعني زيد أسد استعارة لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه، والخلاف لفظي مبني على جعل الاستعارة اسما لذكر المشبّه به مع خلوّ الكلام عن المشبّه على وجه ينبئ عن التشبيه أو اسما لذكر المشبّه به لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه. ثم إنه نقل عن أسرار البلاغة أنّ إطلاق الاستعارة في زيد الأسد لا يحسن لأنه يحسن دخول أدوات التشبيه من تغيير بصورة الكلام، فيقال: زيد كالأسد، بخلاف ما إذا كان المشبّه به نكرة نحو زيد أسد، فإنه لا يحسن زيد كأسد، وإلّا لكان من قبيل قياس حال زيد إلى المجهول وهو أسد ما؛ ولهذا يحسن كأنّ زيدا أسد لأن المراد بالخبر العموم فالتشبيه بالنوع لا بفرد، فليس كالتشبيه بالمجهول، وإنما يحسن دخول الكاف بتغيير صورته وجعله معرفة بأن يقال زيد كالأسد، فإطلاق اسم الاستعارة هاهنا لا يبعد، ويقرب الإطلاق مزيد قرب أن يكون النكرة موصوفة بصفة لا تلائم المشبه به نحو فلان بدر يسكن الأرض فإن تقدير أداة التشبيه فيه يحتاج إلى كثرة التغيير، كأن يقال هو كالبدر إلّا أنه يسكن الأرض، وقد يكون في الصلات والصفات التي تجيء في هذا القبيل ما يحول تقدير أداة التشبيه فيه فيشتد استحقاقه لاسم الاستعارة ويزيد قربه منها، كقوله أسد دم الأسد الهزبر خضابه، فإنه لا سبيل إلى أن يقال المعنى إنه كالأسد للتناقض لأن تشبيه بجنس السبع المعروف دليل على أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس خضاب يده دليل على أنه فوقه فليس الكلام مصوغا لإثبات التشبيه بينهما، بل لإثبات تلك الصفة، فالكلام فيه مبني على أنّ كون الممدوح أسدا أمر تقرّر وثبت، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة. فمحصول هذا النوع من الكلام أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور إلّا أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهّم جوازها، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى. ولقد ضعّف هذا الكلام صاحب الأطول والمطول وقالا الحقّ أن

стр. 213

امثال زيد أسد تشبيه مطلقا، هذا إذا كان اسم المشبّه به خبرا عن اسم المشبّه أو في حكم الخبر وإن لم يكن كذلك نحو لقيت من زيد أسدا ولقيني منه أسد فلا يسمّى استعارة بالاتفاق، لأنه لم يجر اسم المشبه به على المشبه لا باستعماله فيه كما في لقيت أسدا ولا بإثبات معناه له كما في زيد أسد على اختلاف المذهبين، ولا يسمّى تشبيها أيضا لأن الإتيان باسم المشبّه به ليس لإثبات التشبيه إذ لم يقصد الدلالة على المشاركة، وإنما التشبيه مكنون في الضمير، لا يظهر إلّا بعد تأمّل خلافا للسكّاكي فإنه يسمّي مثل ذلك تشبيها، وهذا النزاع أيضا لفظي راجع إلى تفسير التشبيه؛ فمن أطلق الدلالة المذكورة في تعريف التشبيه عن كونها لا على وجه التجريد والاستعارة وعن كونها على وجه التصريح سمّاه تشبيها، ومن قيّده لا. قال صاحب الأطول ونحن نقول في لقيت من زيد أسدا تجريد أسد من زيد بجعل زيد أسدا وهذا الجعل يتضمّن تشبيه زيد بالأسد حتى صار أسدا بالغا غاية الجنس حتى تجرّد عنه أسد، لكن هذا التشبيه مكنون في الضمير خفيّ لأن دعوى أسديته مفروغ عنها منزلة منزلة أمر متقرّر لا يشوبه شائبة خفاء، ولا يجعل السكّاكي هذا من التشبيه المصطلح، وكذلك يتضمّن التشبيه تجريد الأسد الحقيقي عنه إذ لا يخفى أن المجرد عنه لا يكون إلّا شبه أسد، فينصرف الكلام إلى تجريد الشّبه فهو في إفادة التشبيه بحكم ردّ العقل إلى التشبيه بمنزلة حمل الأسد على المشبّه فهو الذي سمّاه السكّاكي تشبيها، ولا ينبغي أن ينازع فيه معه؛ وكيف لا وهو أيضا في تقدير المشبّه والأداة كأنه قيل لقيت من زيد رجلا كالأسد، ولا تفاوت في ذلك بينه وبين زيد أسد، انتهى. وهاهنا أبحاث تركناها خوفا من الإطناب. الاستعانة: [في الانكليزية] Borrowing a verse from another poet [ في الفرنسية] Emprunt d'un vers a un autre poete هي عند أهل البديع تضمين البيت لغيره أو ما زاد عليه ليستعين به على إتمام مراده. الاستعداد: [في الانكليزية] Disposition [ في الفرنسية] Disposition هو الذي يحصل للشيء بتحقق بعض الأسباب والشرائط وارتفاع بعض الموانع، كما ذكر العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة «١» في تعريف موضوع الحكمة. وفي شرح القانونچة «٢» النطفة إنسان بالقوة، يعني أن من شأنها أن يحصل فيها صورة الإنسان، فبحسب ارتفاع الموانع وحصول الشرائط يحصل فيها كيفية مهيّئة لتلك الصورة، فتلك الكيفية تسمّى استعداد، والقبول اللازم لها إمكانا استعداديا وقوة أيضا انتهى. ويسمّى أيضا بالقبول وإمكان الاستعداد، والاستعداد كما يجيء في لفظ الإمكان؛ فالاستعداد على هذا معنيان: الكيفية المهيّئة والقبول اللازم لها المقابل للفعل، ويجيء أيضا في لفظ القبول ولفظ القوة. قال شارح المواقف: الكيفيات الاستعدادية إمّا استعداد نحو القبول والانفعال ويسمّى ضعفا ولا قوة كالممراضية، وإمّا استعداد نحو الدفع واللاقبول ويسمّى قوة ولا ضعفا كالمصحاحية. وأمّا قوة الفعل كالقوة على المصارعة فليست

стр. 214

منها وإن ظنّه قوم، وجعلوا أقسامها ثلاثة، فإنّ المصارعة مثلا تتعلّق بعلم هذه الصناعة وصلابة الأعضاء لئلا يتأثر بسرعة، ولا يمكن عطفها بسهولة وتتعلّق بالقدرة على هذا الفعل، وشيء من هذه الثلاثة التي تعلّق بها المصارعة ليس من الكيفيات الاستعدادية لأن العلم والقدرة من الكيفيات النفسانية، وصلابة الأعضاء من الملموسات. الاستعلاء: [في الانكليزية] Preeminence ،height -elevation [ في الفرنسية] Preeminence ،hauteur ،elevation لغة عدّ النفس عاليا كما سيأتي في لفظ الأمر. وعند المنجمين وأهل الهيئة يطلق على ازدياد بعد الكوكب على بعده الأوسط، ويقابله الانخفاض، وهو انتقاص بعده عنه، أي عن بعده الأوسط، وهذا هو المشهور. وقد يسمّيان بالصعود والهبوط أيضا ويجيء في لفظ الصعود. وقد يطلق الاستعلاء على قرب أحد الكوكبين المتقاربين من أوجه، أو ذروة تدويره أكبر من قرب الآخر من أوجه، أو ذروة تدويره أيضا، وعلى كون الكوكب فوق الأرض، وعلى كونه في عاشر الطالع أو حادي عشره، وعلى كونه في عاشر كوكب آخر أو حادي عشره، ويطلق الانخفاض على مقابلات هذه المعاني الأربعة، كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة «١» في بحث النظائر. الاستعمال: [في الانكليزية] Use [ في الفرنسية] Emploi قيل مرادف العادة وقيل لا، وسيأتي في تعريف الحقيقة اللغوية. وأما الماء المستعمل فعند الفقهاء كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة كما وقع في كتب الفقه. الاستغراق: [في الانكليزية] Meditation [ في الفرنسية] Recueillement ،abandon بالراء هو عند الصوفية أن لا يلتفت قلب الذاكر إلى الذكر في أثناء الذكر ولا إلى القلب، ويعبّر العارفون عن هذه الحالة عن الفناء، كذا في مجمع السلوك. وتعريف الاستغراق سيأتي في لفظ المعرفة. الاستفتاء: [في الانكليزية] Consultation ،appreciation [ في الفرنسية] Consultation ،appreciation هو عند الأصوليين والفقهاء مقابل الاجتهاد، والمستفتي خلاف المفتي، والمفتي هو الفقيه، فإن لم نقل بتجزؤ الاجتهاد وهو كونه مجتهدا في بعض المسائل دون بعض فكل من ليس مجتهدا في الكلّ فهو مستفت في الكل، وإن قلنا بتجزؤ الاجتهاد فالأمر واضح أيضا فإنه مستفت فيما ليس مجتهدا فيه مفت فيما هو مجتهد. وبالجملة فالمفتي والمستفتي إنما يكونان متقابلين ممتنعي الاجتماع عند اتحاد متعلّقهما. وأمّا إذا اعتبر كونه مفتيا في حكم مستفتيا في حكم آخر فلا، والاستفتاء في المسائل العقلية على القول الصحيح كوجوب العلم بها بالنظر والاستدلال، هكذا في العضدي وبعض حواشيه. والمفتي الماجن هو الذي لا يبالي أن يحرّم حلالا أو بالعكس فيعلّم الناس حيلا باطلة كتعليم الرجل والمرأة أن يرتدّ فيسقط عنه الزكاة أو تبين من زوجها، كما في الذخيرة «٢»، فكل حيلة تؤدي إلى الضرر لم تجز في الديانة وإن جاز في الفتوى، كذا في جامع الرموز في كتاب الحجر.

стр. 215

الاستفراغ: [في الانكليزية] Vomitting [ في الفرنسية] Vomissement بالراء المهملة عند الأطباء هو انتقاص المواد من البدن والاستفراغ الكلّي قد يعنى به ما يكون من البدن كله فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ من عضو مخصوص كالسعوطات والعطوسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يعنى به ما يستفرغ الأخلاط كلها فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ خلطا خاصا، كما يكون بالإسهال والقي، كذا في بحر الجواهر. الاستفسار: [في الانكليزية] Explication ،information [ في الفرنسية] Explication ،renseignement لغة طلب الفسر، وعند أهل المناظرة طلب بيان معنى اللفظ، وإنما يسمع إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة وإلّا فهو تعنّت مفوّت لفائدة المناظرة إذ يأتي في كلّ ما يفسّر به لفظ ويتسلسل، هكذا في العضدي في بيان الاعتراضات. الاستفهام: [في الانكليزية] Interrogation [ في الفرنسية] Interrogation هو عند أهل العربية من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الانشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب، فلا يصدق على افهم، فإنّ المطلوب ليس فهم ما اتصلت به لأن أداة الطلب صيغة الأمر وقد اتصلت بالفهم، وليس المطلوب به طلب فهم الفهم، بخلاف أزيد قائم فإن المطلوب به طلب فهم مضمون زيد قائم؛ وسمّي استفهاما لذلك. وهذا الطلب على خلاف طلب سائر الآثار من الفواعل فإنّ العلم في علّمني مطلوب المتكلّم وهو أثر المعلّم، لكن يطلب فعله الذي هو التعليم ليترتب عليه الأثر، وكذا في اضرب زيدا المطلوب مضروبية زيد، ويطلب من الفاعل التأثير ليترتب عليه الأثر، وفي أزيد قائم يطلب نفس حصول قيام زيد في العقل لأن الأداة إنما اتصلت بقيام زيد بخلاف علمني، فإن الأداة فيه متّصلة بالتعليم، كذا في الأطول وفي الاتقان. ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم أن لا يكون حقيقة إلّا إذا صدر عن شاكّ يصدق بإمكان الإعلام فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام. قال بعض الأئمة: وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب على معنى أنّ المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل، انتهى. الاستقامة: [في الانكليزية] Probity ،integrity [ في الفرنسية] Droiture ،honnetete ،probite هي عند أهل السلوك أن تجمع بين أداء الطاعة واجتناب المعاصي. وقال السّري «١»: الاستقامة أن لا تختار على الله شيئا؛ وقيل هي الخوف من العزيز الجبّار والحب للنبي المختار؛ وقيل: حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلّا الأنبياء وأكابر الأولياء لأن الاستقامة الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام في أمر الله بالنوافل والمكتوبات. وقال يحيى بن معاذ «٢»: هي على ثلاثة أضرب: استقامة اللسان
следующие страницы →