ماهية مسمّاه ومفهومه، فلا يلزم التواطؤ لاعتباره في الأفراد ولا الاشتراك لعدم اعتباره في ماهية المسمّى. والحاصل أنّ التفاوت ليس في الماهية ولا في العوارض، بل في اتصاف الأفراد بها أي بتلك الماهية، فلا تشكيك في الجسم ولا في السّواد، بل في أسود. ومعنى كون أحد الفردين أشد أنه بحيث ينتزع العقل بمعونة الوهم أمثال الأضعف ويحلّله إليها، حتى إنّ الأوهام العامية تذهب إلى أنه متألّف منها. وبيان أنّ المراد «١» بما صدق عليه هل هو الحصص التي هي أفراد اعتبارية له أو الأفراد الحقيقية، وأنّ مسمّى المشكك هل يجوز أن يكون ذاتيا لماهية الأفراد الحقيقية أولا، وأنّ وجوه التفاوت داخلة في ماهية الأفراد أو الحصص أو في هوية أحدهما، وأنّ التشكيك ينحصر بالاستقراء في ثلاثة أقسام مما يحتاج إلى الاطناب وتعمّق الأنظار. هكذا يستفاد من العضدي وحاشيته للسيّد السّند وشرح المطالع وغيرها.
اعلم أنه لا تشكيك في الماهيات بأن تكون الماهية من حيث هي هي متفاوتة بالنسبة إلى الأفراد لأنّ أفراد الماهية كلّها سواء بالنسبة إلى تلك الماهية كالإنسان بالنسبة إلى زيد وعمرو وبكر فإنّ كلها سواء بالنسبة إلى الإنسانية لا تفاوت فيها بنحو من الأنحاء الأربعة المذكورة، وإن كانت متفاوتة باعتبار الأوصاف المختلفة والمتباينة فإنّ التفاوت بالنسبة إلى ما وراء الأنواع الأربعة المذكورة من الأوصاف والعوارض لا اعتبار له في أمر التشكيك.
فالتفاوت المعتبر في التشكيك منحصر في أمور أربعة وكلّها منتف في الماهيات. أمّا انتفاء الأولين فللزوم المجعولية الذاتية، فلأن صدق الماهية إذا كان على بعض الأفراد علّة لبعض آخر فثبوت الماهية لهذا الآخر يكون بالعلّة مع أنها ذاتية له، وهذا هو المجعولية الذاتية، وكذا إذا كان صدقها في البعض أولى من غير افتقار إلى أمر خارج، وفي الآخر يفتقر إلى الخارج، فصارت في ثبوتها لما هي ذاتية محتاجة إلى شيء آخر، وهذا عين معنى المجعولية الذاتية.
وأمّا انتفاء الأخيرين فلأنّ الأشدّ والأزيد إمّا أن يشتملا على شيء لا يكون في الأضعف والأنقص أو لا، فعلى الثاني لا يكون الفرق بينهما، فما وجه كون أحدهما أشد وأزيد والآخر أضعف وأنقص، وعلى الأول لا يخلو إمّا أن يكون الشيء الذي يشتمل عليه الأشد والأزيد معتبرا في ماهيتهما أو لا، فعلى الأول تكون ماهيتهما مشتملة على شيء ليس في ماهيتي الأضعف والأنقص فلا تكون ماهيتهما من ماهية الأشد والأزيد لانتفاء الكل بانتفاء الجزء، فصارا مختلفي الماهية، فلم تصر ماهية واحدة متفاوتة في الصدق، فلم يوجد التشكيك فيها. وعلى الثاني يكون التشكيك في الأمر الخارج من «٢» الماهية لا في الماهية.
وأقول أيضا لا تشكيك في العوارض فإنّ العارض هو المبدأ القائم بالشيء كالسواد مثلا لا تشكيك فيه لأنه إن كان مقولا بالتشكيك فإمّا أن يكون تشكيكه بالنظر إلى حصصها التي هي هذا العارض ذاتي لها كالسّوادات الخاصّة في المحال المختلفة فذلك باطل لما مرّ في بطلان تشكيك الماهية، وإمّا بالنظر إلى معروضه الذي هو الجسم الأسود، فالسّواد غير محمول عليه لأنّ المعنى المصدري لا يحمل بحمل المواطأة على المعروضات والكلّي المشكك محمول على أفراده بالمواطأة فلا يكون التشكيك إلا في العرضي أي الكلي الخارج المحمول كالأسود
стр. 492
مثلا، وهذا هو مذهب المشّائين.
وخلاصة كلامهم أنّه لا تشكيك في الماهية بالنسبة إلى أفرادها بنحو من الأنحاء الأربعة للزوم المجعولية الذاتية على تقدير الأولية والأولوية كما عرفت، وللزوم اختلاف الماهية على تقدير الشّدّة والزيادة، مع أنّ التشكيك «١» لا بدّ له من أن تكون ماهية «٢» واحدة لما مرّ، وكذلك التشكيك «٣» في العوارض لأنّه إمّا بالنسبة إلى حصصها فحالها كحال الماهية بالنسبة إلى أفرادها لأنّ العوارض عين ماهيات حصصها، وإمّا بالنسبة إلى معروضاتها فهو باطل لعدم حملها عليها، والمشكك لا بدّ أن يكون محمولا فلا تشكيك إلّا في اتصاف الماهية بالعوارض وهو المعتبر «٤» بالأسودية مثلا.
فالتشكيك ليس في الجسم بالنسبة إلى أفراده ولا في السواد مثلا بالنسبة إلى السوادات الخاصة، بل في اتصاف الجسم بالسّواد وهو كونه أسود مثلا، هكذا في حاشية سلم العلوم «٥» للمولوي مبين اللكهنوي.
التّشنج:
[في الانكليزية] Spasm ،crispation
[ في الفرنسية] Spasme ،crispation
بالنون هو تقلّص يعرض للعصب يمنع الأعضاء عن الانبساط، كذا في المؤجز وبحر الجواهر.
التّصحيح:
[في الانكليزية] Recovery
[ في الفرنسية] Guerison
هو تفعيل من الصّحة التي هي ضدّ السّقم فيكون المعنى إزالة السّقم من السقيم. وعند أهل الفرائض هو أن يؤخذ السّهام من أقل عدد يمكن على وجه لا يقع الكسر على واحد من الورثة، كذا في الشريفي. سمّي به لأنّ وقوع الكسر على واحد من الورثة بمنزلة السقم فتعالجه بالطريق المذكور المعروف عندهم.
فأنت بمنزلة الطبيب والطريق المذكور بمنزلة الدواء، والحاصل إزالة الكسر الواقعة بين السهام والرءوس. وعند المحدّثين هو كتابة صح على كلام يحتمل الشك بأن كرر لفظ مثلا لا يخلّ تركه، كذا في خلاصة الخلاصة والإرشاد الساري شرح صحيح البخاري.
التّصحيف:
[في الانكليزية] Alteration of a text
[ في الفرنسية] Alteration d'un texte
بالحاء كالتصريف بحسب اللغة الفارسية:
الخطأ في الكتابة، وعند أهل التعمية: تغيير صورة اللفظة خطا بأن تمحى نقطة أو تزاد نقطة أو بتقديم بعض الحروف أو تأخيرها كما في لفظة: معمّى وسيأتي بيانه مع بيان التصحيف الوضعي والتصحيف الخطّي. وأمّا التصحيف عند البلغاء (الشعراء) فهو الإتيان بألفاظ بحيث يمكن بتحويل نقطة من مكانها أن يتحوّل المدح إلى ذمّ. والناس يخطئون عند ما يسمّون التصحيف تجنيسا. وليس الأمر كذلك، ذلك لأنّ في التجنيس شرطا لا بدّ منه والإتيان بألفاظ متجانسة. وعليه فإن جاء بلفظة ثم تلاها بلفظة أخرى مجانسة لها فذلك التجنيس. وأمّا إذا جاء بلفظة ثم بتغيير مواضع النقطة فيها يتحوّل المعنى من مدح إلى قدح فذلك هو التصحيف.
ومثاله:
стр. 493
حبيبنا بذاته مخدوم موقّر العزة في الأيام وهو بهذا الشكل مدح.
وأمّا تصحيفه فهكذا:
حبيبنا بذاته مجزوم موفّر العزة في الآثام وعلى هذا فهو قدح. ومثل هذا الكلام يقال له: مصحّف. هذا ما ورد في «جامع الصنائع» وإعجاز خسروي». ومثاله التصحيف في الشعر الفارسي: نحن نعيش في عزّك. فإذا صحّفنا كلمة: دولت إلى دو لب (شفتيك) وكلمة: ميزئيم (نعيش) إلى ميريم (نموت) يتغير المعنى ويصبح هجوا. كذا في مجمع الصنائع.
والتصحيف عند المحدّثين: هو تغيير الحديث بتغيير النقاط «١».
قالوا مخالفة الراوي للثقات إن كانت بتغير الحروف أو الحروف مع بقاء صورة الخط في السياق فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقطة يسمّى ذلك الحديث مصحّفا بفتح الحاء المشدّدة، وإن كان بالنسبة إلى الشّكل والإعراب سمّي محرّفا، وابن الصّلاح وغيره سمّى القسمين محرّفا، كذا في شرح شرح النخبة. وفي خلاصة الخلاصة المصحّف إمّا لفظي محسوس بالبصر أو بالسمع، والأول إمّا في الإسناد كما صحف مراجم بالراء والجيم بمزاحم بالزاء والحاء، وإما في المتن كتصحيف ستا من حديث من صام رمضان وأتبعه ستا من الشوال الحديث بشيئا بالشين المعجمة والياء المثناة التحتانية.
والثاني أيضا إمّا في الإسناد كما قال عن عاصم الأحول «٢» فسمع واصل الأحدب وإمّا في المتن كما قيل في حديث الكهان فرّ الدجاجة فسمع الزجاجة. وإمّا معنوي كما قال أبو موسى العنزي «٣» نحن من عترة يصلي لنا النبي ﷺ يريد ما ثبت أنه ﷺ صلى إلى عترته وهي حزبته، فتوهم أنه قبيلة. وأصل العبارة صلى إلى عنزته.
وهي حربته والتصحيف قريب من الوضع في المتن. وإمّا في الإسناد فيصيره ضعيفا بهذا الاسناد انتهى كلامه.
التّصدير:
[في الانكليزية] Prefixation
[ في الفرنسية] Prefixation
عند أهل البديع من المحسّنات المعنوية ويسمّى ردّ العجز على الصدر أيضا، وهو في النثر أن يجعل أحد اللفظين المكرّرين أو
стр. 494
المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة واللفظ الآخر في آخر الفقرة. والمراد «١» بالمكررين المتحدان لفظا ومعنى، وبالمتجانسين المتحدان لفظا لا معنى، وبالملحقين بالمتجانسين اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق فيكون أربعة أقسام: الأول أن يكون اللفظان مكررين نحو وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٢». والثاني أن يكونا متجانسين نحو سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل، الأول من السؤال والثاني من السيلان. والثالث أن يجمعهما الاشتقاق نحو فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً «٣» والرابع أن يجمعهما شبه الاشتقاق نحو قال اني لعملكم من القالين. وفي النظم أن يكون احدهما أي أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في آخر البيت واللفظ الآخر في صدر المصراع الأول أو حشوه أو آخره أو صدر المصراع الثاني، فهو أربعة أقسام لأن اللفظ الآخر في صدر المصراع الأول أو حشوه أو آخره أي عجزه أو صدر المصراع الثاني، وعلى كل تقدير فاللفظان إمّا مكرران أو متجانسان أو متشابهان اشتقاقا أو شبه اشتقاق، فتصير الأقسام ستة عشر حاصلة بضرب الأربعة في الأربعة. واعتبر صاحب المفتاح قسما آخر وهو أن يكون اللفظ الآخر في حشو المصراع الثاني نحو:
في علمه وحلمه وزهده وعهده مشتهر مشتهر فعلى هذا يصير مجموع الأقسام عشرين.
ولا يخفى أنّ تركه أولى إذ لا معنى فيه لردّ العجز على الصدر، إذ لا صدارة لحشو المصراع الثاني أصلا بخلاف المصراع الأول.
وقد يجاب عنه بأنّه لو كان لحشو المصراع الأول صدارة بالنسبة إليه لكان لحشو المصراع الثاني أيضا صدارة بالنسبة إليه فتأمّل. هكذا يستفاد من المطول والچلپي والاتقان في نوع الفواصل، وتفصيل الأمثلة يطلب من المطول.
التّصديق:
[في الانكليزية] Assent
[ في الفرنسية] Assentiment
في اللغة نسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل كذا قيل والفرق بينه وبين المعرفة أنّ ضده الإنكار والتكذيب، وضدّ المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الإمام الغزالي حيث فسّر التصديق بالتسليم، فإنّه لا يكون مع الإنكار والاستكبار بخلاف العلم والمعرفة، وفصل بعض زيادة تفصيل فقال: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المحققين وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدّق، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه ويجعل رأس كل عبادة فإنّ الإيمان الذي هو رأس كل عبادة هو التصديق بخلاف المعرفة فإنها ربّما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنّه جدار أو حجر والإيمان الشرعي يجب أن يكون من الأول فإنّ النبي ﵇ إذا ادّعى النبوة وأظهر المعجزة فوقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير أن يثبت له اختيار لا يقال له في اللغة إنّه صدقه فلا يكون إيمانا شرعا، كذا في شرح المقاصد.
قال المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في بحث الإيمان ثم إنه بعد الاتفاق على أنّ تلك المعرفة خارجة عن التصديق اللغوي اختلفوا في أنها داخلة في التصوّر أو في التصديق المنطقي. فصدر الشريعة ذهب إلى الثاني وقال: الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصديق قطعا، فإن كان حاصلا له
стр. 495
بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان والقبول فهو تصديق لغوي وإن لم يكن كذلك كمن وقع بصره على شيء وعلم أنه جدار فهو معرفة يقينية وليس بتصديق لغوي. فالتصديق اللغوي عنده أخصّ من المنطقي. وذهب البعض إلى الأول وقال: الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوّر وأنّ التصديق المنطقي بعينه التصديق اللغوي، وفيه أنّ التصديق اللغوي قطعي والمنطقي أعمّ من القطعي والظني لكونه قسما من العلم الشامل للظني والقطعي عند المنطقيين انتهى.
وعند المتكلمين والمنطقيين يطلق على قسم من العلم المقابل للتصوّر ويسمّيه البعض بالعلم أيضا كما في العضدي. قالوا العلم إن خلا عن الحكم فتصوّر وإلّا فتصديق. ومعنى الخلوّ وعدمه عند المتكلمين على تقدير كون العلم صفة ذات تعلّق أن لا يوجبه الحكم أو يوجبه. وعلى تقدير كونه نفس التعلّق أن لا يكون نفس الحكم أو أن يكون نفسه لأنّ التمييز في قولهم هو تميز معنى إلخ عبارة عن النفي والإثبات، وهو الحكم ويجيء ما يوضح ذلك في لفظ العلم. وكذا معناهما على مذهب الحكماء الأقدمين، فإنّ التصديق عندهم هو نفس الحكم المفسّر بإدراك أنّ النسبة واقعة أو ليست واقعة. وأمّا معناهما على مذهب الإمام الرازي القائل بأنّ التصديق عبارة عن مجموع تصوّر النسبة الحكمية والطرفين والحكم فظاهر، فإنّ قولهم إن خلا الموصول بعن مصدره الخلوّ المفسّر به تهي شدن، والمتبادر منه عدم الحصول. فمعنى التقسيم العلم إن خلا عن الحكم بأن لم يحصل فيه فتصوّر وإن لم يخل [عنه] «١» بأن حصل فيه فتصديق. فظاهر هذه العبارة مبني على هذا المذهب ويمكن تطبيقه أيضا على مذهب متأخري الحكماء القائلين بأنّ التصديق هو الإدراكات الثلاث المقارنة للحكم، بأن يراد بالخلوّ عدم الحصول فيه أو عنده.
فالعلم عندهم إن خلا عن الحكم أي لم يحصل عنده حكم فتصوّر وإلّا فتصديق، لكنه خلاف الظاهر. فالحكم عند الرازي داخل في التصديق وعند متأخري المنطقيين خارج عنه.
ويردّ على الإمام وعليهم أنّ الإدراكات علوم متعددة فلا تندرج تحت العلم الواحد.
وأيضا التصوّر مقابل للتصديق ولا شيء من أحد المتقابلين بجزء من المقابل الآخر ولا شرطا له. وأجيب عن الأول بأنّ التصديق وإن كان متعددا في حدّ ذاته لكنه واحد بالاعتبار لعروض الهيئة الاجتماعية. وعن الثاني بأنّ التقابل إنّما هو بين مفهومي التصوّر، والمعتبر في التصديق جزءا أو شرطا هو ما صدق عليه التصوّر الساذج لا مفهومه، ولو لم يجز كون ما صدق عليه أحد المتقابلين جزءا للآخر لامتنع أن يكون شيء جزءا لغيره فإنّ جزء الجسم مثلا ليس بجسم ضرورة.
ويردّ على المتأخرين أنّ الحكم على مذهبهم خارج عن التصديق عارض له مع كونه موصوفا بصفات الحكم من كونه ظنيا أو جازما يقينيا أو غيره. أجيب بأنّه لا مشاحة في الاصطلاح ولا محذور في إجراء صفات اللاحق على الملحوق ولا يخفى أنّه تعسّف.
قال السيد السّند: والتحقيق أن الحكم إن كان إدراكا كما يشهد به رجوعك إلى وجدانك إذ لا يحصل بعد تصوّر النسبة الحكمية إلّا إدراك أنّ النسبة بواقعة أو ليست واقعة، فالصواب أن يجعل نفس الحكم تصديقا وقسما من العلم المقابل للتصوّر الذي هو ما عداه من الادراكات كما ذكره القدماء، إذ لا إشكال
стр. 496
حينئذ في انحصار العلم فيهما، وامتياز كل منهما عن الآخر بطريق موصل إليه، لا في إجراء صفات التصديق من الظنّية وغيرها عليه لأنها من صفات الحكم بخلاف ما إذا جعل التصديق معروض الحكم أو المجموع المركّب، لأنه حينئذ لم تكن القسمة حاصرة ولا يكون لكل منهما موصل يخصّه، بل التصورات الثلاث إنّما تكتسب بالقول الشارح والحكم وحده بالحجة مع أنّ المقصود من تقسيم العلم إليهما بيان أنّ لكل من القسمين موصلا يخصه. بل نقول إنّا لا نعني بالتصديق إلّا ما يحصل من الحجة وهو الحكم دون المجموع أو المعروض، والعارض وإن كان الحكم فعلا كما توهمه [عبارات] «١» أكثر المتأخرين كالإمام وغيره من العبارات التي بها يعبّر عنه من الإسناد والإيجاب والإيقاع والانتزاع، فالصواب أن يجعل نفس الحكم أيضا تصديقا. ويقسّم العلم إلى تصوّر ساذج وتصوّر معه تصديق كما ورد في الشفاء، فللعلم حينئذ وهو التصوّر مطلقا طريق خاص وهو المعرف ولعارضه المسمّى بالتصديق والحكم طريق خاص آخر وهو الحجة. فالمقصود من التقسيم ظهور ذلك المتفرد عن معروضه بكاسب مخصوص، ولا سبيل حينئذ إلى جعل الحكم أي التصديق قسما من العلم ولا جزءا من أحد قسميه لأنّ العلم من مقولة الكيف فلا يصدق على ما صدق عليه الفعل وعلى ما تركّب مما صدق عليه الفعل.
وتكلّف البعض وجعل لفظ العلم مشتركا لفظيا بين المعروض وذلك العارض وقسّم العارض إليهما كأنّه قيل ما يطلق عليه لفظ العلم إمّا تصوّر وإمّا حكم وهو التصديق. وأمّا جعل التصديق قسما من العلم مع تركّبه من الحكم وغيره فلا وجه له، سواء كان الحكم فعلا لأنّ المركب من الفعل والإدراك ليس علما، أو إدراكا لما عرفت من بطلان الحصر وغيره. وأمّا جعل التصديق عبارة عن التصور المقارن للحكم بتقسيم العلم إلى تصوّر ساذج وإلى تصديق أي تصوّر معه حكم وجعل الحكم فعلا فجائز أيضا ولكن فيه تسامحا من إجراء صفات اللاحق على الملحوق.
وقال المولوي عبد الحكيم في حاشية القطبي والتحقيق أنّ النزاع في التصديق لفظي.
فمن نظر إلى أنّ الحاصل بعد الحجة ليس إلّا الإدراك المذكور. قال ببساطته ومن نظر إلى أنّ الإدراك المذكور بمنزلة الجزء الصوري.
والحاصل بعد إقامة الحجة إدراك واحد متعلّق بالقضية قال بتركّبه، ومن نظر إلى أنّه لا يكفي في التصديق مجرد الإدراك المذكور بل لا بدّ فيه من نسبة المطابقة بالاختيار، وإلّا لكان إدراكا تصوّريّا متعلّقا بالقضية مسمّى بالمعرفة، قال إنّه إدراك معروض للحكم سواء قلنا إنّه الإدراك المذكور أو مجموع الإدراك المذكور أو مجموع الإدراكات الثلاثة، فصحّ تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق بأي معني تريد منه وتفرد التصديق على جميع التقادير، إمّا باعتبار نفسه أو باعتبار جزئه فتدبّر.
التقسيم:
التصديق عند المتكلمين هو اليقيني فقط.
وأمّا عند الحكماء فالتصديق إن كان مع تجويز لنقيضه يسمّى ظنا وإلّا جزما واعتقادا، والجزم إن لم يكن مطابقا للواقع سمّي جهلا مركّبا وإن كان مطابقا له، فإن كان ثابتا أي ممتنع الزوال بتشكيك المشكّك يسمّى يقينا وإلّا تقليدا كذا في شرح التجريد. وفي شرح الطوالع التصديق إمّا جازم أو لا. والجازم إمّا بغير دليل وهو التقليد
стр. 497
وإمّا بدليل، فهو إمّا أن يقبل متعلّقه النقيض بوجه وهو الاعتقاد أو لا وهو العلم، وغير الجازم إن كان متساوي الطرفين فهو شكّ وإن لم يكن فالراجح ظنّ والمرجوح وهم انتهى.
فجعل الشكّ والوهم من التصديق، والمشهور أنّهما من التصوّر وهو فاسد كما مرّ في لفظ الحكم.
اعلم أنّ التصديق كما يطلق على أحد قسمي العلم كما عرفت كذلك يطلق على المعلوم أي المصدّق به، ولا أعني به متعلّقه بالذات وهو وقوع النسبة ولا وقوعها، بل ما تركّب منه ومن غيره وهو القضية. ومن هاهنا نشأ توهّم من قال إنّ التصديق بالمعنى الأول هو مجموع الإدراكات الأربعة. ومنهم من جعله بذلك المعنى مرادفا للقضية فزعم أنّ القضايا والمسائل والقوانين والمقدّمات كلها عبارات عن العلوم «١» لا المعلومات، هكذا حقّقه السيّد السّند في حواشي العضدي. وتحقيق الفرق بين التصوّر والتصديق يجيء في لفظ الحكم.
التّصرّف:
[في الانكليزية] Taking liberties with a text
[ في الفرنسية] Prise des libertes avec un texte
تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مقصودة لا تحصل إلّا بها كذا في الجرجاني. وعند البلغاء هو أن ينشئ أحدهم شيئا غاية في اللّطافة من حيث التركيب والمعاني المقصودة بدون أيّ تكلّف، ثم يأتي آخر إلى ذلك الكلام فيضيف إليه من خياله وقدرته في البيان بحيث يمكن اختراع أو استخراج صنعة من الصنائع البديعية، ثم يتلوهما ثالث فيزيد شيئا جديدا من صور البديع والمحسّنات اللفظية بحيث يزيد على الأصل لطفا على لطف، كذا في جامع الصنائع. «٢»
التّصريع:
[في الانكليزية] Leonine rhyme
[ في الفرنسية] Rime leonine
كالتصريف عند البلغاء جعل العروض مقفاة تقفية الضرب وهو من أنواع السجع على القول بجريانه في النظم. قال ابن الأثير:
التصريع ينقسم إلى سبع مراتب. الأولى أن يكون كل مصراع مستقلا بنفسه في فهم معناه ويسمّى التصريع الكامل كقول امري القيس: «٣»
أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي والثانية أن يكون الأول [غير محتاج] «٤» إلى الثاني، فإذا جاء جاء مرتبطا به كقوله أيضا:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل.
والثالثة أن يكون المصراعان بحيث يصحّ وضع كل منهما موضع الآخر كقول ابن الحجاج:
من شروط الصّبوح في المهرجان خفّة الشرب مع خلو المكان.
стр. 498
والرابعة أن لا يفهم معنى الأول إلّا بالثاني ويسمّى التصريع الناقص كقول أبي الطيب:
مغانى الشعب طيبا في المغاني بمنزلة الربيع من الزمان.
والخامسة أن يكون التصريع بلفظة واحدة في المصراعين ويسمّى التصريع المكرّر، وهو ضربان: لأنّ الألفاظ إمّا متحدة المعنى في المصراعين كقول عبيد: «١»
وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يئوب.
وهذا أنزل درجة، وإمّا مختلفة المعنى لكونه مجازا كقول أبي تمام:
فتى كان شربا للعفاة ومرتعا فأصبح للهندية البيض مرتعا.
والسادسة أن يكون المصراع الأول معلّقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني ويسمّى التعليق كقول إمرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل.
لأنّ الأول [معلق] «٢» بصبح وهذا معيب جدّا. والسابعة أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته ويسمّى التصريع المشطور كقول أبي نواس: «٣»
أقلني قد ندمت من الذنوب وبالإقرار عدت من الجحود فصرّع بالباء ثم قفّاه بالدال، انتهى كلامه.
ولا يخفى أنّ السابعة خارجة مما نحن فيه كذا في المطول في بيان السجع.
التّصريف:
[في الانكليزية] Conjugation ،syntax
[ في الفرنسية] Conjugaison ،syntaxe
هو علم الصرف. وقال سيبويه التصريف على ما حكي عنهم هو أن تبني من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما تبنيه، ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما يقتضيه قياس كلامهم كما في مسائل التمرين. كذا ذكر الرضي في شرح الشافية، وقد سبق في المقدمة أيضا في آخر بيان علم الصرف.
التّصوّر:
[في الانكليزية] Representation ،conception
[ في الفرنسية] Representation ،conception ،
يطلق بالاشتراك على العلم بمعنى الإدراك وعلى قسم من العلم المقابل للتصديق ويسمّيه بعضهم بالمعرفة أيضا كما وقع في العضدي والقطبي وحواشيه. وتوضيح هذا المعنى سبق في لفظ التصديق، وسيأتي أيضا في لفظ الحكم. ثم التصوّر بهذا المعنى قد يكون تصوّرا واحدا كتصوّر الإنسان وقد يكون متعددا بلا نسبة كتصوّر الإنسان والكاتب، وقد يكون متعدّدا مع نسبة إمّا تقييدية أي غير تامّة وهي على قسمين: توصيفية وإضافية كالحيوان الناطق وغلام زيد وإمّا تامة غير خبرية كقولك اضرب، وإمّا خبرية يشكّ فيها أو مرجوح فيها، «٤» فإنّ كل ذلك من التصوّرات لخلوّها عن الحكم.
وأمّا أجزاء الشرطية فليس فيها حكم أيضا إلّا
стр. 499
فرضا بحذف أدوات الشرط واعتبار كل منها قضية برأسها. فإدراكها ليس تصديقا بالفعل بل بالقوة القريبة منه، وهذا على خلاف مذهب أهل العربية كما سبق في لفظ الإسناد.
فائدة:
العلم الذي هو مورد القسمة إلى التصوّر والتصديق في فواتح كتب المنطق هو العلم المتجدّد الذي لا يكفي فيه مجرّد الحضور بل يتوقّف على حصول مثال المدرك في المدرك، ويقال له العلم الحصولي إذ هو المقصود هناك، فإنّ المعلومات المنطقية لا تتجاوز عنه لا مطلق العلم الشامل له، وللعلم الإشراقي الذي يكفي فيه مجرّد الحضور كعلم الباري تعالى وعلم المجردات المفارقة وعلمنا بأنفسنا، ويقال له العلم الحضوري وإلّا لم ينحصر العلم في التصوّر والتصديق إذ التصوّر هو حصول صورة الشيء في العقل والتصديق يستدعي تصوّرا هكذا. وعلم الباري بجميع الأشياء وعلم المجردات بأنفسها وعلمنا بأنفسنا يستحيل أن يكون بحصول صورة فلا يكون تصوّرا ولا تصديقا، كذا في شرح إشراق الحكمة. ويطلق التصوّر أيضا على الأمر المقصود أي المعلوم التصوّري. قال في المطوّل في بحث الفصل والوصل في شرح قوله الجامع إمّا عقلي بأن يكون بينهما اتّحاد في التصوّر إلخ أي في الأمر المتصوّر إذ كثيرا ما تطلق التصوّرات والتصديقات على المعلومات التصوّرية والتصديقية انتهى كلامه. وتصوّر نزد بلغاء تخيل را نامند- والتّصوّر عند البلغاء يسمّى تخيّلا.-
التّصوّف:
[في الانكليزية] Soufism (mysticism)
[ في الفرنسية] Soufisme (mysticisme)
هو التخلّق بالأخلاق الإلهية. وخرقة التصوف هي ما يلبسه المريد من يد شيخه الذي يدخل في إرادته ويتوب على يده لأمور منها:
التزيي بزيّ المراد «١» ليتلبّس باطنه بصفاته كما يتلبّس ظاهره بلباسه وهو لباس التقوى ظاهرا وباطنا. قال الله تعالى قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ «٢» ومنها وصول بركة الشيخ الذي ألبسه من يده المباركة إليه. ومنها نيل ما يغلب على الشيخ في وقت الإلباس من الحال الذي يرى الشيخ ببصيرته النافذة المنوّرة بنور القدس وأنه يحتاج إليه لرفع حجبه العائقة وتصفية استعداده فإنّه إذا وقف على حال من يتوب على يده علم بنور الحق ما يحتاج إليه، فيستنزل من الله ذلك حتى يتصف قلبه به فيسري من باطنه إلى باطن المريد. ومنها المواصلة بينه وبين الشيخ به فيبقى بينهما الاتصال القلبي والمحبة دائما ويذكّره الاتباع على الأوقات في طريقته وسيرته وأخلاقه وأحواله حتى يبلغ مبلغ الرجال، فإنّه أب حقيقي كما قال ﵊ «الآباء ثلاثة أب ولدك وأب علّمك وأب ربّاك» «٣»، هكذا في الاصطلاحات الصوفية.
قيل التصوّف الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن، وباطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للمتأدّب بالحكمين كمال. وقيل التصوّف مذهب كلّه جدّ فلا يخلطوه بشيء من الهزل. وقيل هو تصفية القلب عن موافقة
стр. 500
البرية، ومفارقة الأخلاق الطبعية «١»، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدّعاوي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلّق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتّباع رسوله ﷺ في الشريعة. وقيل ترك الاختيار وقيل بذل المجهود والأنس بالمعبود. وقيل حفظ حواشيك «٢» من مراعاة أنفاسك. وقيل الإعراض عن الاعتراض. وقيل هو صفاء المعاملة مع الله تعالى، وأصله التفرّغ عن الدنيا. وقيل الصبر تحت الأمر والنهي.
وقيل خدمة التشرّف وترك التكلّف واستعمال التطرّف. وقيل الأخذ بالحقائق والكلام بالدقائق والإياس بما «٣» في أيدي الخلائق، كذا في الجرجاني.
اعلم أنّه قيل إنّ التصوّف مأخوذ من الصّفاء وهو محمود في كل لسان، وضدّه الكدورة وهو مذموم في كل لسان. وفي الخبر ورد أنّ النبي المصطفى ﵌ قال: «ذهب صفاء الدنيا ولم يبق إلا كدرها».
إذن: الموت يعتبر اليوم تحفة لكلّ مسلم.
وقد اشتق ذلك الاسم من الصّفاء حتى صار غالبا على رجال هذه الطائفة؛ أمّا في عصر النبي ﷺ فكان اسم الصحابة هو ما يطلق على أكابر الأمّة، ثم كانت الطبقة التالية طبقة التابعين، ثم كانت الطبقة الثالثة أتباع التابعين، ثم صار يطلق على من يعتنون بأمر الدين أكثر من غيرهم اسم الزّهاد والعبّاد، ثم بعد ظهور أهل البدع وادعائهم الزهد والعبادة انفرد أهل السّنّة بتسمية الخواصّ منهم ممن يراعون الأنفاس باسم الصوفية. وقد اشتهروا بهذا الاسم، حتى إنهم قالوا: إنّ اطلاق هذا الاسم على الأعلام إنّما عرف قبل انقضاء القرن الثاني للهجرة.
وجاء في توضيح المذاهب: أمّا التصوّف في اللغة فهو ارتداء الصوف وهو من أثر الزّهد في الدنيا وترك التنعّم. وفي اصطلاح أهل العرفان: تطهير القلب من محبة ما سوى الله، وتزيين الظاهر من حيث العمل والاعتقاد بالأوامر والابتعاد عن النواهي، والمواظبة على سنّة النبي ﷺ . وهؤلاء الصوفية هم أهل الحق، ولكن يوجد قسم منهم على الباطل ممّن يعدّون أنفسهم صوفية وليسوا في الحقيقة منهم، وهؤلاء عدّة من الفرق إليك بعض أسمائها: الجبية والأوليائية والشمراخية والإباحية والحالية والحلولية والحورية والواقفية والمتجاهلية والمتكاسلية والإلهامية.
وما تسمية هؤلاء بالصوفية إلا من قبيل إطلاق السّيد على غير السّيد. وأمّا مراتب الناس على اختلاف درجاتهم فعلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الواصلون الكمّل وهم الطبقة العليا.
القسم الثاني: السالكون في طريق الكمال، وهؤلاء هم الطبقة الوسطى.
والقسم الثالث: سكان الأرض والحفر (أهل المادة) «اللاصقون بالتراب» وهؤلاء هم الطبقة السفلى التي غايتها تربية البدن بتحصيل الحظوظ المادّية كالشهوات النّفسانية والمتع الشّهوانية وزينة اللباس، وليس لهم من العبادات سوى حركة الجوارح الظاهرية.
وأما القسم الأول الواصلون فهم أيضا
стр. 501
قسمان:
الأول: وهم مشايخ الصوفية الذين حصّلوا مرتبة الوصول بسبب كمال متابعتهم واقتدائهم بالنبيّ ﷺ . ثم بعد ذلك أذن لهم بدعوة الناس إلى سلوك طريق اقتفاء النبي ﷺ .
وهؤلاء هم الكاملون والمكمّلون الذين وصلوا بالعناية الإلهية إلى ميدان البقاء بعد ما فنوا عن ذواتهم واستغرقوا في عين الجمع.
وأمّا القسم الثاني من الفئة الأولى فهم الذين بعد وصولهم إلى درجة الكمال لم يؤذن لهم بإرشاد عامّة النّاس، وصاروا غرقى في بحر الجمع، وفنوا في بطن حوت الفناء ولم يصلوا إلى ساحل البقاء.
وأمّا السالكون فهم أيضا قسمان:
١ - الطالبون لوجه الله. ٢ - والطالبون للجنّة والآخرة.
فأمّا الطالبون لوجه الحقّ فهم طائفتان:
المتصوّفة الحقيقيون والملامتيّة. والمتصوفة الحقيقيون هم جماعة تنزّهوا عن نقص الصفات البشرية. واتصفوا ببعض أحوال الصوفية، واقتربوا من نهايات مقاماتهم، إلّا أنّهم ما زالوا متشبّثين ببعض أهواء النفوس، ولهذا لم يدركوا تماما نهاية الطريق كأهل القرب من الصوفية.
وأمّا الملامتية فهم قوم يسعون بكلّ جدّ في رعاية معنى الإخلاص ودون ضرورة كتم طاعاتهم وعباداتهم عن عامة النّاس. كما يكتم العاصي معصيته، فهم خوفا من شبهة الرّياء يتحرّزون عن إظهار عباداتهم وطاعاتهم. ولا يتركون شيئا من أعمال البرّ والصّلاح، ومذهبهم المبالغة في تحقيق معنى الإخلاص.
وقال بعضهم: الملامتيّة لا يظهرون فضائلهم ولا يسترون سيئاتهم، وهذه الطائفة نادرة الوجود. ومع ذلك لم يزل حجاب الوجود البشري عن قلوبهم تماما، ولهذا فهم محجوبون عن مشاهدة جمال التوحيد. لأنّهم حين يخفون أعمالهم فهم ما زالوا ينظرون إلى قلوبهم. بينما درجة الكمال أن لا يروا أنفسهم ولا يبالوا بها وأن يستغرقوا في الوحدة. قال الشاعر:
ما هو الغير؟ وأين الغير؟ واين صورة الغير؟ فلا والله ما ثمّة في الوجود سوى الله.
والفرق بين الملامتيّة والصوفية هو أنّ الصوفية جذبتهم العناية الإلهية عن وجودهم فألقوا حجاب الخلقة البشرية والأنانية عن بصيرة شهودهم فوصلوا إلى درجة غابوا منها عن أنفسهم وعن الخلق. فإذن الملامتية مخلصون بكسر اللام، والصوفية مخلصون بفتح اللام. أي أنّ الملامتيّة يخلّصون أعمالهم من شائبة الرّياء بينما الصوفية يستخلصهم الله تعالى.
وأمّا طلّاب الآخرة فهم أربعة طوائف:
الزّهاد والفقراء والخدام والعبّاد. أمّا الزهاد:
فهم الذين يشاهدون بنور الإيمان حقيقة الآخرة وجمال العقبى، ويعدّون الدنيا قبيحة ويعرضون عن مقتضيات النفس بالكلية، ويقصدون الجمال الأخروي.
والفرق بينهم وبين الصوفية هو أنّ الزاهد بسبب ميله لحظّ نفسه فهو محجوب عن الحق، وذلك لأنّ الجنة دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. بينما الصوفية لا يتعلّق نظرهم بشيء سوى الله.
وأمّا الفقراء منهم طائفة لا يميلون إلى تملّك أيّ شيء من حطام الدنيا. وذلك بسبب رغبتهم فيما عند الله. وعلّة ذلك واحد من ثلاثة أشياء: الأمل بفضل الله، أو تخفيفا للحساب أو خوفا من العقاب، لأنّ حلالها حساب وحرامها عقاب، والأمل بفضل الله ثواب ويدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام. ورغبة في جمع همتهم في طلب العبادة مع حضور القلب فيها.
стр. 502
والفرق بين الملامتيّة والفقراء هو أنّ الفقراء طلاب للجنة وفيها حظّ للنفس، بينما الملامتية طلاب الحق. وهذا الفقر رسم أي عادة تأتي بعد درجة الفقر وهو مقام فوق مقام الملامتية والمتصوّفة، وهو وصف خاص بالصوفي لأنّه وإن تكن مرتبته وراء مرتبة الفقر لكن خلاصة مقام الفقر مندرجة فيه ذلك أنّ أي مقام يرتقي الصوفي فوقه فإنّه يحتفظ بصفاء ذلك المقام. فإذن صفة الفقر في مقام الصوفي وصف زائد. وذلك هو السبب في كون نسبة جميع الأحوال والأعمال والمقامات لغير نفسه وعدم تملّكها، بحيث لا يرى لنفسه عملا ولا حالا ولا مقاما. ولا يخصّص نفسه بشيء. بل ليس عنده خبر عن ذاته. وهذه حقيقة الفقر.
والفرق بين الفقر والزهد هو أنّ الفقر بدون وجود الزهد ممكن، وذلك مثل شخص يترك الدنيا بعزم ثابت، ولكنّه ما زال باطنا راغبا فيها. وكذلك الزّهد بدون فقر ممكن أيضا.
ومثاله شخص يملك الأسباب الدنيوية ولكنه غير راغب فيها.
أمّا الخدّام فهم طائفة اختارت خدمة الفقراء وطلاب الحق، ويشغلون أوقاتهم بعد القيام بالفرائض بمحاولة تفريغ خواطرهم من الاهتمام بأمور المعاش، والتعاون على الاستعداد للقيام بأمر المعاد. ويقدّمون هذا على النوافل سواء بالكسب أو بالسؤال.
أمّا العبّاد فهم طائفة تواظب على أداء الفرائض والنوافل والأوراد طلبا للثواب الأخروي. وهذا الوصف أيضا موجود في الصوفي ولكنّه يتنزّه عن طلب الثّواب والأغراض، لأنّ الصوفي الحق يعبد الحق لذاته.
والفرق بين العباد والزهاد هو أنّهم مع قيامهم بالعبادات فإنّ الرغبة بالدنيا يمكن أن تظل موجودة.
والفرق بين العباد والفقراء هو أنّ الغنيّ يستطيع أن يكون من العبّاد. فإذن صار معلوما أنّ الواصلين طائفتان فقط بينما السالكون هم ست طوائف ولكلّ واحد من هذه الطوائف الثماني اثنان متشبهان به، أحدهما محقّ والثاني مبطل.
أمّا المشبّه بالصوفية بحقّ فهم الصوفية الذين اطلعوا وتشوّقوا إلى نهايات أحوال الصوفية، ولكنهم بسبب القلق ببعض الصّفات منعوا من بلوغ مقصدهم وأمّا المتشبّه بالصوفية بالباطل منهم جماعة يتظاهرون بأحوال الصوفية، ولكنهم لا يعملون بأعمالهم، وهؤلاء هم الباطنيّة والإباحية والصاحبية، ويسمّون أنفسهم متصوّفة، ويقولون: إنّ التقيّد بأحكام الشرع إنما هو للعوام الذين يرون ظاهر الأمور. أمّا الخواص فليسوا مضطرّين للتقيّد برسوم الظاهر، وإنما عليهم مراعاة أحوالهم الباطنية.
وأمّا المتشبّه المحقّ بالمجاذيب الواصلين فهم طائفة من أهل السلوك الذين ما زالوا يجاهدون في قطع منازل السلوك وتصفية النفوس، وما زالوا مضطربين في حرارة الطّلب وقبل ظهور كشف الذات، والاستقرار في مقام الفناء، فأحيانا تلمع ذواتهم بالكشف، ولا زال باطنهم يتشوّق لبلوغ هذا المقام.
وأمّا المتشبّه المبطل بالمجاذيب الواصلين فهم طائفة تدّعي الاستغراق في بحر الفناء، ويتنصّلون من حركاتهم وسكناتهم ويقولون: إنّ تحريك الباب بدون محرّك غير ممكن. وهذا المعنى على صحته لكنه ليس موجودا عند تلك الطائفة لأنّ هدفهم هو التمهيد للاعتذار عن المعاصي والإحالة بذلك على إرادة الحقّ، ودفع اللّوم عنهم. وهؤلاء هم الزنادقة. ويقول الشيخ عبد الله التّستري: إذا قال هذا الكلام أحد وكان
стр. 503
ممن يراعي أحكام الشريعة ويقوم بواجبات العبودية فهو صديق وأما إذا كان لا يبالي بالمحافظة على حدود الشرع فهو زنديق.
وأمّا المتشبّه المحق بالملامتيّة فهم طائفة لا يبالون بتشويش نظر الناس ومعظم سعيهم في إبطال رسوم العادات والانطلاق من قيود المجتمع، وكلّ رأسمالهم هو فراغ البال وطيب القلب، ولا يبالون برسوم وأشكال الزّهاد والعبّاد ولا يكثرون من النوافل والطاعات، ويحرصون فقط على أداء الفرائض، وينسب إليهم حبّ الاستكثار من أسباب الدنيا ويقنعون بطيب القلب ولا يطلبون على ذلك زيادة وهؤلاء هم القلندرية. وهذه الطائفة تشبه الملامتيّة بسبب اشتراكهما في صفة البعد عن الرّياء.
والفرق بين هؤلاء وبين الملامتيّة هو: أنّ الملامتيّة يؤدّون الفرائض والنوافل دون إظهارها للناس. أمّا القلندرية فلا يتجاوزون الفرائض، ولا يبالون بالناس سواء اطلعوا على أحوالهم أم لا.
وأمّا الطّائفة التي في زماننا وتحمل اسم القلندريّة وقد خلعوا الإسلام من ربقتهم، وليس لهم شيء من الأوصاف السابقة، وهذا الاسم إنّما يطلق عليهم من باب الاستعارة، والأجدر أن يسمّوا بالحشويّة. وأمّا المتشبّهون باطلا بالملامتيّة فهم طائفة من الزنادقة يدعون الإسلام والإخلاص، ولكنّهم يبالغون في إظهار فسقهم وفجورهم ومعاصيهم، ويدّعون أنّ غرضهم من ذلك هو لوم الناس لهم، وأنّ الله سبحانه غني عن طاعتهم، ولا تضرّه معصية العباد. وإنّما المعصية تضرّ الخلق فقط والطاعة هي في الإحسان إلى الناس.
وأمّا المتشبّهون بالزّهاد بحق فهم طائفة لا تزال رغبتها في الدنيا قائمة يحاولون الخلاص من هذه الآفة دفعة واحدة، وهؤلاء هم المتزهدون. وأمّا المتشبّهون باطلا بالزّهاد فهم طائفة يتركون زينة الدنيا من أجل الناس لينالوا بذلك الجاه والصّيت لديهم، وتجوز هذه الخدعة على بعضهم فيظنونهم معرضين عن الدنيا.
وحتّى إنّهم يخدعون أنفسهم بأنّ خواطرهم غير مشغولة بطلب الدنيا، بدليل إعراضهم عنها وهؤلاء هم المراءون.
وأمّا المتشبّهون بالفقراء بحقّ فهم الذين يبدو عليهم ظاهر وسيماء أهل الفقر، وفي باطنهم يطلبون حقيقة الفقر، إلّا أنّهم لم يتخلّصوا تماما من الميل للدنيا وزينتها ويتحمّلون مرارة الفقر بتكلّف، بينما الفقير الحقيقي يرى الفقر نعمة إلهية، لذلك فهو يشكر هذه النعمة على الدوام.
وأمّا المتشبّه بالباطل بالفقراء فهو ذلك الذي ظاهره ظاهر أهل الفقر وأمّا باطنه فغير مدرك لحقيقة الفقر، وغرضه القبول لدى الناس لكي ينتفع منهم بشيء من الدنيا، وهذه الطائفة هي مرائية أيضا وأمّا المتشبّهون بالخدام بحق فهم الذين يقومون دائما بخدمة الخلق، ويأملون أن ينالوا بذلك سببا في النجاة يوم القيامة. وفي تخليصهم من شوائب الميل والهوى والرّياء.
ولكنّهم لمّا يصلوا بعد إلى حقيقة ذلك. فحين تقع بعض خدماتهم في مكانها فبسبب غلبة نور الإيمان وإخفاء النفس فإنّهم يتوقّعون المحمدة والثّناء مع ذلك، وقد يمتنعون عن أداء بعض الخدمات لبعض المستحقّين، ويقال لمثل هذا الشخص متخادم.
وأمّا المتشبّهون بالخدام باطلا فهم الذين لا يخدمون بنيّة الثّواب الأخروي، بل إنّ خدمتهم من أجل الدنيا فقط، لكي يستجلبوا الأقوات والأسباب، فإن لم تنفعهم الخدمة في تحصيل مرادهم تركوها.
إذن فخدمة أحدهم مقصورة على طلب
стр. 504
الجاه والجلال وكثرة الأتباع، وإنّما نظره في الخدمة العامّة فمن أجل حظّ نفسه، ومثل هذا يسمّى مستخدما.
وأمّا المتشبّه بالعابد حقيقة فهو الرجل الذي ملأ أوقاته بالعبادة حتى استغرق فيها، ولكنه بسبب عدم تزكية نفسه فإنّ طبيعته البشرية تغلبه أحيانا، فيقع بعض الفتور في أعماله وطاعاته، ويقال لمن لم يجد بعد لذّة العبادة وما زال يجاهد نفسه في أدائها إنّه متعبّد.
وأمّا المتشبّه المبطل بالعابد فهو من جمل المرائين، لأنّ هدفه من العبادة هو السّمعة بين الناس، وليس في قلبه إيمان بالآخرة، وما لم ير الناس منه أعماله فلا يؤدّي منها شيئا. ويقال أيضا لهذا وأمثاله متعبّد. انتهى ما في توضيح المذاهب.
ويقول في مرآة الأسرار: إنّ طبقات الصوفية سبعة: الطالبون والمريدون والسالكون والسائرون والطائرون والواصلون، وسابعهم القطب الذي قلبه على قلب سيدنا محمد ﷺ وهو وارث العلم اللّدني من النبي ﷺ بين الناس، وهو صاحب لطيفة الحق الصحيحة ما عدا النبي الأمّي.
والواصل هو الشخص الذي أصبحت قواه اللطيفة مزكّاة على لطيفة الحق.
والطائر هو الذي وصل إلى اللطيفة الروحية.
والسائر هو الذي يكون صاحب قوى مزكية للّطيفة السرية.
والسالك هو من يكون صاحب قوى مزكية للطيفة القلبية.
والمريد هو صاحب قوى مزكية للطيفته النفسية.
والطالب هو صاحب قوى مزكية للطيفته الخفية الجسمية.
وتبلغ عدّة أفراد هذه الطائفة ٣٦٠ شخصا مثل أيام السنة الشمسية.
ويقولون: إنّ رجال الله هم الأقطاب والغوث والإمامان اللذان هما وزيرا القطب والأوتاد والأبدال والأخيار والأبرار والنّقباء والنّجباء والعمدة والمكتومون والأفراد أي المحبوبون.
والنّقباء ثلاثمائة شخص واسم كلّ منهم علي.
والنّجباء سبعون واسم كل واحد منهم حسن.
والأخيار سبعة واسم كلّ منهم حسين.
والعمدة أربعة واسم كلّ منهم محمد.
والواحد هو الغوث واسمه عبد الله. وإذا مات الغوث حلّ محله أحد العمدة الأربعة، ثم يحلّ محلّ العمدة واحد من الأخيار، وهكذا يحلّ واحد من النجباء محلّ واحد من الأخيار ويحلّ محلّ أحد النقباء الذي يحلّ محله واحد من الناس.
وأمّا مكان إقامة النّقباء في أرض المغرب أي السويداء واليوم هناك من الصبح إلى الضحى وبقية اليوم ليل. أمّا صلاتهم فحين يصل الوقت فإنّهم يرون الشمس بعد طي الأرض لهم فيؤدّون الصلاة لوقتها.
وأمّا النجباء فمسكنهم مصر. وأمّا الأخيار فهم سيّاحون دائما ولا يقرون في مكان. وأمّا العمدة الأربعة ففي زوايا الأرض. وأمّا الغوث فمسكنه مكة، هذا غير صحيح. ذلك لأنّ حضرة السيّد عبد القادر الجيلاني ﵀ وكان غوثا إنّما أقام في بغداد. هذا وتفصيل أحوال الباقي فسيأتي في مواضعه. ويقول في توضيح المذاهب، المكتومون أربعة آلاف رجل ويبقون
стр. 505
مستورين وليسوا من أهل التصرّف. أمّا الذين هم من أهل الحلّ والعقد والتصرّف وتصدر عنهم الأمور وهم مقرّبون من الله فهم ثلاثمائة. وفي رواية خلاصة المناقب سبعة. ويقال لهم أيضا أخيار وسيّاح ومقامهم في مصر. وقد أمرهم الحقّ سبحانه بالسّياحة لإرشاد الطالبين والعابدين. وثمّة سبعون آخرون يقال لهم النّجباء، وهؤلاء في المغرب، وأربعون آخرون هم الأبدال ومقرّهم في الشام، وثمّة سبعة هم الأبرار وهم في الحجاز. وثمّة خمسة رجال يقال لهم العمدة لأنّهم كالأعمدة للبناء والعالم يقوم عليهم كما يقوم المنزل على الأعمدة. وهؤلاء في أطراف العالم. وثمّة أربعون آخرون هم الأوتاد الذين مدار استحكام العالم بهم. كما الطناب بالوتد.
وثلاثة آخرون يقال لهم النّقباء أي نقباء هذه الأمّة. وثمة رجل واحد هو القطب والغوث الذي يغيث كلّ العالم. ومتى انتقل القطب إلى الآخرة حلّ مكانه آخر من المرتبة التي قبله بالتسلسل إلى أن يحلّ رجل من الصلحاء والأولياء محل أحد الأربعة.
وفي كشف اللغات يقول: الأولياء عدة أقسام: ثلاثمائة منهم يقال لهم أخيار وأبرار، وأربعون: يقال لهم الأبدال وأربعة يسمّون بالأوتاد، وثلاثة يسمّون النقباء، وواحد هو المسمّى بالقطب انتهى.
ويقول أيضا في كشف اللغات: النّجباء أربعون رجلا من رجال الغيب القائمون بإصلاح أعمال الناس. ويتحمّلون مشاكل الناس ويتصرّفون في أعمالهم. ويقول في شرح الفصوص: النّجباء سبعة رجال، يقال لهم رجال الغيب، والنقباء ثلاثمائة ويقال لهم الأبرار.
وأقلّ مراتب الأولياء هي مرتبة النقباء.
وأورد في مجمع السلوك أنّ الأولياء أربعون رجلا هم الأبدال، وأربعون هم النقباء، وأربعون هم النجباء، وأربعة هم الأوتاد، وسبعة هم الأمناء، وثلاثة هم الخلفاء. «١»
стр. 506
وعن النبي ﵇ أنّه قال (في هذه الأمّة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق
стр. 507
موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد ﵈ والصلاة فهم على مراتبهم
стр. 508
سادات الخلق). «١» وقال أبو عثمان المغربي: «٢» البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب: فالقطب عارف بهم جميعا ومشرق عليهم ولم يعرفه أحد ولا يتشرق عليه، وهو إمام الأولياء والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة ويعرفون الأربعين وهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص واحد من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء، وكذا في السبع والثلاث والواحد إلّا أن يأتي بقيام الساعة انتهى.
وفي الإنسان الكامل أمّا أجناس رجال الغيب فمنهم من بني آدم ومنهم من هو من أرواح العالم وهم ستة أقسام مختلفون في المقام. القسم الأول هم الصنف الأفضل والقوم الكمّل أفراد الأولياء المقتفون آثار الأولياء غابوا من عالم الأكوان في الغيب المسمّى بمستوى الرحمن فلا يعرفون ولا يوصفون وهم آدميون.
والقسم الثاني هم أهل المعاني وأرواح الأداني يتنوّر الولي بصورهم فيكلّم الناس في الظاهر والباطن ويخبرهم فهم أرواح كأنّهم أشباح للقوة الممكنة في التصوير في الذين سافروا من عالم الشهود ووصلوا إلى فضاء غيب الوجود فصار عينهم شهادة وأنفاسهم عبادة، هؤلاء هم أوتاد الأرض القائمون لله بالسّنة والفرض. القسم الثالث ملائكة الإلهام والبواعث يطرقون الأولياء ويكلّمون الأصفياء لا يبرزون إلى عالم الأجسام ولا يعرفون بعوام الناس. القسم الرابع رجال المفاجأة في المواقع وإنّما يخرجون عن عالمهم ولا يوجدون في غير عالمهم، «٣» ولا يوجدون في غير معالمهم يتصوّرون بسائر الناس في عالم الأجسام، وقد يدخل أجل «٤» الصفا إلى ذلك
стр. 509
الكوى «١» فيخبرونهم بالمغيبات والمكتومات.
القسم الخامس رجال البسابس هم أهل الخطوة في العالم وهم من أجناس بني آدم يظهرون ويكلمونهم فيجيبون أكثرهم، «٢» وسكنى هؤلاء في الجبال والقفار والأودية وأطراف الأنهار إلّا من كان منهم متمكنا فإنّه يأخذ «٣» من المدن مسكنا غير متشوّق إليه ولا معوّل عليه. القسم السادس يشبهون الخواطر لا الوساوس هم المولّدون من أب التفكّر وأم التصوّر لا يعبأ بأقوالهم ولا يتشوّق إلى أمثالهم فهم بين الخطأ والصواب وهم أهل الكشف والحجاب.
التّضاد:
[في الانكليزية] Contradition ،opposition antagonism
[ في الفرنسية] Contradition ،opposition ،antagonisme
بتشديد الدال يطلق على معان. منها التقابل والتنافي في الجملة، وفي بعض الأحوال وبهذا المعنى وقع في تعريف الطّباق كما في المطوّل. والظاهر أنّ هذا المعنى لغوي فإنّ التضاد في اللغة بمعنى: العداوة مع الآخر، وعدم التّجانس والتنافي، وبمعنى عدم التوافق. «٤» ومنها الطّباق والجمع بين معنيين متضادين. وهذا المعنى من مصطلحات أهل البديع. ويلحق به ما يسمّى إيهام التّضاد وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين، عبّر عنهما بلفظين، يتقابل معانيهما الحقيقيان نحو قول دعبل: «٥»
لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى.
يعني بالرجل نفسه وبالضحك الظهور التامّ، فلا تضاد بين البكاء وظهور المشيب، لكنّه عبّر عن ظهور المشيب بالضحك الذي يكون معناه الحقيقي مضادا لمعنى البكاء. وإنّما سمّي بإيهام التضاد لأنّ المعنيين المذكورين وإن لم يكونا متقابلين حتى يكون التضاد حقيقيّا لكنهما قد ذكرا بلفظين يوهمان بالتضاد، نظرا إلى الظاهر والحمل على الحقيقة كذا في المطول. ومنها كون المعنيين بحيث يمتنع لذاتيهما اجتماعهما في محلّ واحد من جهة واحدة، والمعنيان يسمّيان بالمتضادين والضّدين، وهو من مصطلحات المتكلّمين كما في تهذيب الكلام «٦» وشرح المواقف وعليه اصطلاح الفقهاء أيضا.
قال الچلپي في حاشية التلويح: اسم الضّد في اصطلاح الفقهاء يطلق على كلّ من المتقابلات مطلقا، صرّح به في التحقيق «٧»، انتهى. فقولهم معنيان أي عرضان يخرج العدم والوجود لأنهما ليسا عرضين، وكذا الإعدام لذلك، وكذا الجوهر والعرض وهو ظاهر، وكذا
стр. 510
القديم والحادث فإنّ القديم القائم بغيره كصفاته تعالى لا يسمّى عرضا عندهم لأنّه قسم من الممكن الذي هو ما سوى الله تعالى، ولذا حكموا بحدوثه. فهذه الأمور لا تضاد في شيء منها وكذا الأمور الإضافية لعدم كونها موجودة عندهم. وقولهم يمتنع اجتماعهما يخرج نحو السّواد والحلاوة فإنّهما يجتمعان فلا تضاد بينهما. وقولهم لذاتيهما أي يكون منشأ امتناع الاجتماع ذاتيهما وإن كان بواسطة لازمة للذات فلا ينافي ما يقال إنّ التقابل بالذات إنّما هو بين الإيجاب والسّلب وفيما عداهما بالواسطة.
وخرج بهذا القيد العلم بالحركة والسكون معا فإنّ هذين العلمين وإن امتنع اجتماعهما لكن ليس ذلك لذاتيهما، بل لاستلزامهما المعلومين اللذين يمتنع اجتماعهما لذاتيهما بناء على أنّ المطابقة معتبرة عندهم في العلم؛ فلو اجتمع العلمان في شخص واحد لزم اجتماع المعلومين، أعني كون شخص واحد متحركا وساكنا في آن واحد فتدبّر. وكذا الحركة الاختيارية مع العجز فإنّ امتناع الاجتماع بينهما ليس لذاتيهما بل لأنّ الحركة الاختيارية تستلزم القدرة المضادّة للعجز لكونهما متنافيين بالذات.
وقولهم من جهة واحدة الأولى حذفه لعدم ظهور الفائدة. وما قيل إنّ فائدته إدخال الاجتماع والافتراق فإنّهما موجودان عندهم يمتنع اجتماعهما في محلّ واحد من جهة واحدة لا من جهتين، إذ يجوز أن يكون لجسم واحد اجتماع بالنسبة إلى جسم وافتراق بالنسبة إلى آخر، فمدفوع بأنّ الكون الموجود أمر شخصي يعرض له اعتباران. فالموجود في الخارج لا تعدّد فيه وإن اعتبر مع الإضافة فهو أمر اعتباري لا وجود له، وكذا ما قيل إنّ فائدته إدخال السواد والبياض اللذين في البلقة والخطين اللذين في السطح فإنّ الاجتماع في الصورتين ليس من جهة واحدة، بل من جهتين لانتفاع الاجتماع في المحلّ الواحد في الصورة الأولى، وكون الخطّ والسطح والنقطة من الأمور الاعتبارية عندهم. والمراد امتناع الاجتماع بعد عدم اشتراكهما في الصفات النفسية فخرج التماثل، فإنّ المتماثلين عند الأشعري لا يجتمعان أيضا.
ثم اعلم أنّ اتّحاد المحلّ لم تشترطه المعتزلة، وقالوا الضدان معنيان يستحيل اجتماعهما لذاتيهما في الجملة سواء كان في محلّ واحد أو في محلّين. وقالوا العلم بالشيء كالسواد مثلا إذا قام بجزء في القلب فإنّه يضادّ الجهل بذلك الشيء بجزء آخر من القلب، وإلّا أي إن لم يكن بينهما تضاد اتصفت الجملة بهما، إذ الصفات التابعة للحياة إذا قامت بجزء من شيء ثبت حكمها للجملة. والمراد بالجهل الجهل المركّب فإنّ الجهل البسيط عدمي عندهم وزاد عليه أبو الهذيل ومن تبعه فلم يشترط المحلّ وذهب إلى أنّ إرادته تعالى تضاد كراهيته تعالى وهما صفتان حادثتان لا في محلّ، أي ليستا في ذاته تعالى لامتناع قيام الحوادث به ولا في غيره لامتناع قيام الصفة بغير موصوفها، وهما متضادان لامتناع اجتماع حكمهما في ذاته، أعني كونه مريدا وكارها معا لشيء واحد.
ويردّ عليهم الموت والحياة فإنّهما ليسا ضدين عندهم مع امتناع اجتماعهما.
واعلم أيضا أنّ جمهور المعتزلة على أنّ المتماثلين يجوز اجتماعهما فهم لا يعتبرون عدم الاشتراك في الصفات النفسية ويخرجون التماثل بقيد امتناع الاجتماع.
ومنها التقابل بين أمرين وجوديين بحيث لا يتوقف تعقّل كلّ منهما على تعقّل الآخر، وهذان الأمران يسمّيان بالمتضادين والضدّين، وهذا من مصطلحات الحكماء. فالضدان عندهم أخصّ مما عند المتكلمين لأنّ المتضايفين قد اختلف في وجودهما، فعلى القول بوجودهما
стр. 511
يكونان داخلين في الضدّين على مقتضى تعريف المتكلمين دون تعريف الحكماء وإن لم يكن المتكلمون قائلين بدخولهما في تعريف الضدّين، وكذا الحال في المتماثلين. ثم المراد بالوجودي ما لا يكون السّلب جزءا من مفهومه، وبهذا القيد خرج السلب والإيجاب والعدم والملكة.
وبقولهم لا يتوقّف الخ، خرج التضايف وهذا هو التضاد المشهوري سمّي به لاشتهاره بين عوام الفلاسفة. وقد يشترط أن يكون بين هذين الأمرين غاية الخلاف والبعد كالسواد والبياض فإنهما متخالفان متباعدان في الغاية دون الحمرة والصفرة، إذ ليس بينهما ذلك الخلاف والتباعد فهما متعاندان لا ضدان، وهذا هو التضاد الحقيقي سمّي به لكونه المعتبر في العلوم الحقيقية. هذا هو المسطور في أكثر الكتب.
وفي شرح المقاصد ناقلا عن الشيخ أنه يشترط في التضاد المشهوري أيضا. غاية الخلاف هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف وحاشيته للمولوي عبد الحكيم.
فائدة:
الفرق بين الضدّ والنقيض أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان كالعدم والوجود والضدّان لا يجتمعان لكن يرتفعان كالسّواد والبياض كذا في بحر الجواهر.
فائدة:
قالوا قد يلزم أحد المتضادين المحلّ إمّا بعينه كالبياض للثلج أو لا بعينه كالحركة والسكون للجسم فإنّه لا يخلو عنهما وقد يخلو عنهما معا إمّا مع اتصافه بوسط ويعبّر عن ذلك الوسط إما باسم وجودي كالفاتر المتوسّط بين الحار والبارد أو بسلب الطرفين، كما يقال لا عادل ولا جائر لمن اتصف بحالة متوسّطة بين العدل والجور، وإما بدون الاتصاف بوسط فيخلو المحلّ عن الوسط أيضا كالشّافّ الخالي عن السواد والبياض، وعن كلّ ما يتوسطهما من الألوان.
وأيضا قد يمكن تعاقب الضدين على المحلّ بحيث لا يخلو المحلّ عنهما معا بأن يعدم أحدهما عنه ويوجد الآخر فيه في آن واحد كالسواد والبياض، أو لا يمكن ذلك كالحركة الصاعدة والهابطة، فإنّه لا يجوز تعاقبهما على محلّ واحد. فإن قلنا يجب أن يكون بينهما سكون.
فائدة:
التضاد لا يكون إلّا بين أنواع جنس واحد أي لا تضاد بين الأجناس أصلا ولا بين أنواع ليست مندرجة تحت جنس واحد بل تحت جنسين، وإنّما التضاد بين الأنواع المندرجة تحت جنس واحد، ولا يكون التضاد إلّا بين الأنواع الأخيرة المندرجة تحت جنس قريب كالسواد والبياض المندرجة تحت اللون الذي هو جنسهما القريب، وما يتوهّم بخلاف ذلك نحو الفضيلة والرذيلة والخير والشّر فمن العدم والملكة، وضد الواحد الحقيقي لا يكون إلّا واحدا، فالشجاعة ليس لها ضدان حقيقيان هما التهوّر والجبن بل لا تضاد حقيقيا إلّا بين الأطراف كالتهوّر والجبن، وكل ذلك ثبت بالاستقراء كذا في شرح المواقف.
التّضايف:
[في الانكليزية] Correlation
[ في الفرنسية] Correlation
كون الشيئين بحيث لا يمكن تعقّل كلّ واحد منهما إلّا بالقياس إلى الآخر كذا في المطول في بحث الوصل والفصل. وقيل كون الشئين بحيث يكون تعلّق كل واحد منهما سببا لتعلّق الآخر به كالأبوّة والبنوّة ومآل التعريفين واحد. والمتضايفان هما المتقابلان الوجوديان اللذان يعقل كل منهما بالقياس إلى الآخر، أو يقال بحيث يكون تعلّق كلّ منهما سببا لتعلّق الآخر به كذا في الجرجاني.
التّضعيف:
[في الانكليزية] Doubling
[ في الفرنسية] Doublement
هو عند المحاسبين زيادة عدد على نفسه
стр. 512
كزيادة الأربعة على الأربعة التي تحصل منها ثمانية، فذلك العدد يسمّى مضعّفا بالفتح، والذي يحصل من تلك الزيادة يسمّى حاصل التضعيف كالثمانية في المثال المذكور. وقد يستعمل التّضعيف بمعنى الضرب كما في بعض حواشي تحرير أقليدس. والمضعف عند المحدّثين عرفت قبيل هذا.
التّضمين:
[في الانكليزية] Implication ،inclusion
[ في الفرنسية] Implication ،inclusion
عند أهل العربية يطلق على معان. منها إعطاء الشيء معنى الشيء. وبعبارة أخرى إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه ويكون في الحروف والأفعال، وذلك بأن تضمن حرف معنى حرف، أو فعل معنى فعل آخر، ويكون فيه معنى الفعلين معا وذلك بأن يأتى الفعل متعديا بحرف ليس من عادته التعدّي به، فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصحّ التعدي به، والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف.
واختلفوا أيّهما أولى، فقال أهل اللغة وقوم من النحاة التوسّع في الحروف لأنّه في الأفعال أكثر مثاله عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «١» فيشرب إنّما يتعدّى بمن فتعديته بالباء إمّا على تضمينه معنى يروي ويتلذّذ أو تضمين الباء معنى من. وأمّا في الأسماء فإنّ تضمين اسم بمعنى اسم لإفادة معنى الاسمين معا نحو حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ «٢» ضمّن حقيق معنى حريص ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه.
وهو أي التضمين مجاز لأنّ اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا، فالجمع بينهما مجاز، كذا في الإتقان في نوع الحقيقة والمجاز. لكن في چلپي التلويح في الخطبة وفي چلپي المطوّل في بحث تقديم المسند ما يخالف ذلك حيث قال: التضمين أن يقصد بلفظ معناه الحقيقي ويراد معه معنى آخر تابع له بلفظ آخر دلّ عليه بذكر ما هو من متعلّقاته. فاللفظ في صورة التضمين مستعمل في معناه الحقيقي والمعنى الآخر مراد بلفظ آخر كيلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. فتارة يجعل المذكور أصلا والمحذوف حالا وتارة يعكس.
فإن قلت إذا كان المعنى الآخر مدلولا عليه بلفظ آخر محذوف لم يكن في ضمن المذكور فكيف قيل إنه متضمن إياه؟ قلت: لما كان مناسبة المعنى المذكور بمعونة ذكر صلة قرينة على اعتباره جعل كأنّه في ضمنه انتهى.
ومنها حصول معنى في لفظ من غير ذكر له باسم هو عبارة عنه وهو من أنواع الإيجاز.
قال القاضي أبو بكر وهو نوعان: أحدهما ما يفهم من البيّنة كقولك معلوم فإنه يوجب أنّه لا بدّ له من عالم. وثانيهما من معنى العبارة كقوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنّه تضمّن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه تعالى على جهة التعظيم له والتبرك باسمه، كذا في الإتقان في نوع الإيجاز والإطناب.
ومنها أن يكون ما بعد الفاصلة متعلّقا بها أي بتلك الفاصلة كقوله تعالى وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ «٣» وهو وإن كان عيبا في النظم ولكنه ليس بعيب في النثر، كذا في الإتقان في نوع الفواصل. فالتضمين كما يكون في النثر كذلك يكون في النظم بأن يكون ما بعد القافية متعلّقا بها، ويؤيّده ما في وقع المدارك في تفسير سورة قريش أنّ التضمين في الشّعر هو أن يتعلّق معنى البيت الذي قبله تعلقا لا يصحّ إلّا به:
стр. 513
ويقول في جامع الصنائع: وهو أحد عيوب النّظم، وذلك يكون بالإتيان ببيت من الشعر مفيد لمعنى تام ولكنه بدون لفظ القافية التالية له، فيؤتى بلفظة تتعلّق بالبيت الثاني.
ومثاله في البيتين التاليين:
يا من أنت سلطان الأخيار وأنا لك عبدا صرت بنظرة. ورأسك لم يقلّ لي أبدا مرة واحدة بلطف هنيئا لك أي الملك بالخلق الكريم فلفظة (تو) في آخر البيت الأول وهي ضمير مضاف. قد صارت قافية ولكنها في المعنى متعلّقة بأول البيت الثاني. والفرق بين التضمين والحامل الموقوف هو هذا، أي أنّ لفظ القافية متعلّق بينما الحامل الموقوف: البيت كله متعلق «١».
ومنها إدراج كلام الغير في أثناء كلامه لقصد تأكيد المعنى أو تركيب النّظم، وهذا هو النوع البديعي. قال ابن أبي الأصبع ولم أظفر في القرآن بشيء منه إلّا في موضعين تضمّنا فصلين من التوراة والإنجيل قوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٢» الآية، وقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «٣» الآية. ومثّله ابن النقيب «٤» وغيره بإيداع حكايات المخلوقين كقوله تعالى حكاية عن الملائكة قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها «٥»، وعن المنافقين قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ «٦»، وقالت اليهود وقالت النصارى، وكذلك ما أودع فيه من اللغات الأعجمية كذا في الاتقان في نوع بدائع القرآن.
وفي المطوّل في الخاتمة التضمين أن يضمّن الشعر شيئا من شعر الغير بيتا كان أو ما فوقه أو مصراعا أو ما دونه مع التنبيه عليه أي على أنّه من شعر الغير إن لم يكن ذلك مشهورا عند البلغاء وإن كان مشهورا، فلا احتياج إلى التنبيه. وبهذا يتميّز عن الأخذ والسّرقة، وهذا هو الأكثر. وقد يضمّن الشاعر شعره شيئا من قصيدته الأخرى فالأحسن أن يقال هو أن يضمّن الشعر شيئا من شعر آخر الخ. وربما سمّي تضمين البيت وما زاد على البيت استعانة، وتضمين المصراع فما دونه إيداعا ورفوا. وأمّا تسميته بالإيداع فلأنّ الشاعر قد أودع شعره شيئا من شعر الغير وهو بالنسبة إلى شعره قليل مغلوب. وأمّا تسميته بالرّفو فلأنّه رفا خرق شعره بشعر الغير.
واعلم أنّ تضمين ما دون البيت ضربان:
أحدهما أن يتمّ المعنى بدون تقدير الباقي كقول الحريري يحكي ما قاله الغلام الذي عرضه أبو زيد للبيع:
على أنّي سأنشد عند بيعي
стр. 514
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا المصراع الثاني للعرجي «١»، والمعنى تام بدون التقدير. ومعنى الإنشاد ذكر شعر الغير، ففيه تنبيه على أنّ المصراع من شعر الغير.
وثانيهما أن لا يتم بدونه كقول الشاعر:
كنّا معا أمس في بؤس نكابده والعين والقلب منّا في قذى وأذى والآن أقبلت الدنيا عليك بما تهوي فلا تنس أنّ الكرام إذا أشار إلى بيت أبي تمام، ولا بدّ من تقدير الباقي منه. لأنّ المعنى لا يتمّ بدونه.
واعلم أيضا أنه لا يضر في التضمين التغيّر اليسير لما قصد تضمينه كقول البعض في يهوديّ به داء الثعلب:
أقول لمعشر غلطوا وعضّوا من الشيخ الرشيد وأنكروه هو ابن جلا وطلّاع الثنايا متى يضع العمامة يعرفوه فالبيت لسحيم بن وثيل «٢» وأصله.
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا متى أضع العمامة يعرفوني وأحسن التضمين ما زاد على الأصل بنكتة، أي يشتمل البيت أو المصراع في شعر الشاعر الثاني على لطيفة لا توجد في شعر الشاعر الأول كالتورية والتشبيه، والأمثلة كلها تطلب من المطول.
ومنها أن يجيء قبل حرف الروي أو ما في معناه ما ليس بلازم في القافية أو السجع مثل التزام حرف أو حركة تحصل القافية أو السجع بدونها ويسمّى أيضا بالتشديد والإعنات والالتزام ولزوم ما لا يلزم، وهذا المعنى من المحسّنات اللفظية. والمراد بما في معنى حرف الروي الحرف الذي وقع في فواصل الفقر موقع حرف الروي في قوافي الأبيات. وأيضا المراد أن يجيء ذلك في بيتين أو أكثر أو قرينتين أو أكثر، وإلّا ففي كل بيت يجيء قبل حرف الروي ما ليس بلازم في القافية مثلا قول الشاعر:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل قد جاء قبل اللام ميم مفتوحة وهو ليس بلازم في القافية وإنّما يتحقق الالتزام لو جيء بها في البيت الثاني أيضا. ومثال التزام حرف مع حركة في النثر قوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ «٣» فإنّه التزم فيها الهاء المفتوحة قبل الراء التي بمنزلة حرف الروي. وقوله فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ «٤» فإنّه التزم فيها النون المشددة قبل السين. ومثال التزام حرفين مع الحركات فيه قوله تعالى وَالطُّورِ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ «٥».
ومثال التزام ثلاثة أحرف معها قوله تعالى تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ «٦». ومثال التزام الحرف بدون الحركة فيه قوله تعالى اقْتَرَبَتِ
стр. 515
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١». ومثال التزام حركة بدون الحرف فيه قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ «٢» وعلى هذا القياس أمثلة الشعر.
فإن قلت ذكر في الإيضاح «٣» أن ذلك قد يكون في غير الفاصلتين أيضا كقول الحريري: ما أشتار العسل من اختار الكسل، فإنّه كما التزم في العسل والكسل الفاصلتين السين كذلك التزم التاء في اشتار واختار، فهل يدخل مثل ذلك في التفسير المذكور؟ قيل يحتمل أن يراد بكون الملتزم قبل حرف الروي أو ما في معناه أعمّ من أن يكون ذلك الملتزم في حروف القافية أو الفاصلة أو في غيرها لأنّ جميع ما في البيت أو القرينة يصدق عليه أنّه قبل حرف الروي أو ما في معناه، لكن هذا بعيد جدا. والظاهر أنّ الالتزام إنّما يطلق على ما كان في القافية أو الفاصلة لأنهم فسّروه بأن يلتزم المتكلّم في السجع أو التقفية قبل حرف الروي ما لا يلزم من مجيء حركة أو حرف بعينه أو أكثر. فمعنى ما في الإيضاح أنّ مثل هذا الاعتبار الذي يسمّى بالالتزام قد يجيء في كلمات الفقر أو الابيات غير الفواصل أو القوافي، هكذا يستفاد من المطوّل والاتقان.
تضمين المزدوج:
[في الانكليزية] Alliteration
[ في الفرنسية] Alliteration
هو عند أهل البديع: الإتيان بلفظ متوازن أو أكثر في بيت أو جملة نثرية قبل بيت القافية، في حشو البيت، أو جملة السّجع. ومثاله في الشعر:
حتى متى أكون أسير زلفك أسفر عن الوجه وتفضل بخلاصنا فلفظتا: چند. وبند مزدوجتان. كذا في جامع الصنائع. وفي القرآن الكريم: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ وفي الحديث الشريف:
«والمؤمنون هينون لينون» وفي الشعر العربي:
تعود رسم الوهب والنّهب في الصّبا وهذان وقت العطف والعنف دأبه كذا في الجرجاني «٤».
التّضييق:
[في الانكليزية] Concision
[ في الفرنسية] Concision
عند أهل المعاني هو إيجاز التقدير.
التّطبيق:
[في الانكليزية] Antithesis ،proof
[ في الفرنسية] Antithese ،preuve
كالتصريف عند أهل البديع هو الطّباق كما مرّ. وعند أهل النظر عبارة عن إيراد الدليل على وجه المدعى، وهو مرادف التقريب كما يجيء.
стр. 516
ويطلق أيضا على برهان التطبيق كما سبق.
التّطريب:
[في الانكليزية] Euphoria
[ في الفرنسية] Euphorie
بالراء المهملة هو عند متأخري القرّاء أن يترنّم بالقرآن فيمدّ في غير محل المدّ ويزيد في المدّ ما لا تجيزه العربية، كذا في الدقائق المحكمة، وهو من البدعات كما في الإتقان.
تطهير السّرائر:
[في الانكليزية] Purification of one's intentions
[ في الفرنسية] Epuration des intentions
قد مرّ في المقدمة في بيان علم السّلوك.
التّطوّع:
[في الانكليزية] optional religious practices
[ في الفرنسية] Pratiques religieuses facultatives
عند أهل الشرع هو النفل.
التّطويل:
[في الانكليزية] Prolixity
[ في الفرنسية] Prolixite
عند أهل المعاني هو أن يكون اللفظ زائدا على أصل المراد لا لفائدة. ولا يكون اللفظ الزائد متعينا كقول عدي: وألفى قولها كذبا ومينا. ألفى أي وجد والكذب والمين بمعنى واحد، ولا فائدة في الجمع بينهما فأحدهما زائد، كذا في المطول. فبقوله لا لفائدة خرج الإطناب، وبقوله ولا يكون إلخ خرج الحشو لأن الزائد فيه متعيّن وهو غير مقبول. وفي جامع الصنائع سمّى الوطواط الطويل بالحشو القبيح.
التظهير:
[في الانكليزية] Alliteration
[ في الفرنسية] Alliteration
هو عند الشعراء تكرار حرف قبل حرف الأعتاب ومثاله في البيت التالي:
الخان الأعظم ممدوح لأنّ البشر من كرمه هم مستبشرون.
فالراء هي حرف الروي والشين إعتاب والباء تظهير. كذا في جامع الصنائع. «١»
التعارض:
[في الانكليزية] Opposition ،contradiction
[ في الفرنسية] Opposition ،contradiction
ويسمّى أيضا بالمعارضة والتناقض عند الأصوليين هو كون الدليلين بحيث يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محلّ واحد في زمان واحد بشرط تساويهما في القوة، أو زيادة أحدهما بوصف هو تابع. واحترز باتحاد المحلّ عمّا يقتضي حلّ المنكوحة وحرمة أمّها، وباتحاد الزمان عن مثل حلّ وطئ المنكوحة قبل الحيض وحرمته عند الحيض، وبالقيد الأخير عمّا إذا كان أحدهما أقوى بالذات كالنصّ والقياس إذ لا تعارض فيهما. وإن قلت إن أريد اقتضاء أحدهما عدم ما يقتضيه الآخر بعينه حتى يكون الإيجاب واردا على ما ورد عليه النفي فلا حاجة إلى اشتراط اتحاد المحلّ والزمان لتغاير حلّ المنكوحة وحلّ أمّها، وكذا الحلّ قبل الحيض وعنده. ولهذا قيل: المعارضة تقابل الحجتين المتساويتين على وجه لا يمكن الجمع بينهما وإلّا فلا بدّ من اشتراط أمور أخر مثل اتحاد المكان والشرط ونحو ذلك مما لا بدّ منه في تحقق التناقض. قلت اشتراط اتحاد المحلّ والزمان زيادة توضيح وتنصيص على ما هو ملاك الأمر في باب التناقض، فإنّه كثيرا ما يندفع باختلاف المحلّ والزمان. ثم التعارض لا يقع بين القطعيين لامتناع وقوع المتنافيين، ولا يتصوّر الترجيح لأنّه فرع التفاوت في احتمال النقيض، فلا يكون إلّا بين ظنيين. ثم الفرق بين التعارض والنقض الإجمالي أنّ النقض الإجمالي يوجب بطلان نفس الدليل بخلاف التعارض فإنّه
стр. 517
يمنع الحكم من غير أن يتعرّض للدليل إلّا أنّ كلّ واحد منهما في النصوص مستلزم للآخر، فإنّ تخلف المدلول عن الدليل فيها لا يكون إلّا لمانع، فذلك المانع معارض للدليل فيما تخلّف عنه، وكذا إذا تعارض النّصّ يكون الحكم متخلفا عن كلّ واحد لا محالة فيتحقّق التناقض كذا في التلويح وغيره.
التعاكس والتعكيس:
[في الانكليزية] The contrary
[ في الفرنسية] Le contraire
عند المحاسبين هو العكس كما سيأتي.
التعاند:
[في الانكليزية] Opposition
[ في الفرنسية] Opposition
بالنون عند الحكماء هو التقابل بين أمرين وجوديين بحيث لا يتوقّف تعقّل كلّ منهما على تعقّل الآخر ولا يكون بينهما غاية الخلاف والتباعد، وهذان الأمران يسمّيان بالمتعاندين كالحمرة والصفرة فإنّهما متعاندان، وقد سبق أيضا في لفظ التضاد.
التّعجّب:
[في الانكليزية] Astonishment ،admiration
[ في الفرنسية] Etonnemet ،admiration
عند أهل العربية من أقسام الخبر على الأصح قال ابن فارس: هو تفضيل الشيء على أضرابه. وقال ابن الصائغ: «١» استعظام صفة خرج بها المتعجّب منه عن نظائره. وقال الزمخشري: معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأنّ التعجّب لا يكون إلّا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وقال الرماني: «٢» المطلوب في التعجب الإبهام لأنّ من شأن الناس أن يتعجّبوا مما لا يعرف سببه، فكلّما استبهم السبب كان التعجب أحسن. قال واصل: التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه والصيغة الدالّة عليه تسمّى تعجّبا مجازا، قال ومن أجل الإبهام لم تعمل نعم إلّا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالاضمار قبل الذكر. ثم إنّهم قد وضعوا للتعجّب صيغا من لفظه وهي ما أفعله وأفعل به ومن غير لفظه نحو كبر كقوله تعالى كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ «٣».
فائدة:
إذا ورد التعجّب من الله صرف إلى المخاطب نحو فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ «٤» أي هؤلاء يجب أن يتعجّب منهم. وإنّما لا يوصف الله تعالى بالتعجّب لأنّه استعظام يصحبه الجهل وهو منزّه عن ذلك. ولهذا يعبّر جماعة بالتعجيب بدله أي أنّه تعجيب من الله سبحانه للمخاطبين. ونظير هذا بمجيء الدعاء والترجّي منه تعالى إنّما هو بالنّظر إلى ما يفهمه العرب، أي هؤلاء مما يجب أن يقال لهم عندكم هذا.
ولذلك قال سيبويه في قوله تعالى لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى «٥» المعنى اذهبا على رجائكما وطمعكما كذا في الإتقان في نوع الخبر والإنشاء.
التّعدّي:
[في الانكليزية] Transitive verb
[ في الفرنسية] Verbe transitif
بالدال لغة التجاوز. وفي اصطلاح النحاة
стр. 518
تجاوز الفعل من فاعله إلى مفعول به. فالمصدر والظرف لا يسمّى متعديا كما في شرح التسهيل، وكذا اسم الفاعل واسم المفعول فإنّها إنما تتصف بكونها متعدّية وغير متعدية باعتبار الفعل. فما قيل إنّ المتعدّي أعمّ من الفعل وشبهه وكذا غير المتعدّي توهّم. وعرّف المتعدّي على صيغة اسم الفاعل بما يتوقّف فهمه على متعلّق ويسمّى مجاوزا أيضا كما في الموشّح. والمراد بما الفعل وبالتعلّق هو التعلّق المصطلح أي نسبة الفعل إلى غير الفاعل، والمعنى المتعدّي فعل يتوقّف فهمه على متعلّق أي أمر غير الفاعل يتعلّق الفعل به ويتوقف فهمه عليه. فأشير بقوله غير الفاعل إلى أنّ المراد بالمتعلّق المصطلح، وبقوله يتوقف فهمه عليه إلى أنّ المراد به ما يصدق عليه من أفراده المخصوصة لأنّه الذي يتوقف عليه فهمه لا المتعلّق المطلق المبهم، فليس هذا القيد أي قيد التوقف معتبرا في مفهوم المتعلّق فلا يرد أنّ المتعلّق المصطلح ليس معتبرا في مفهومه التوقف.
والحاصل أنّ فهم الفعل إن كان موقوفا على فهم غير الفاعل فهو المتعدّي كضرب فإنّ فهمه موقوف على تعقّل المضروب بخلاف الزمان والمكان والغاية، فإنّ فهم الضرب وتعقّله بدون هذه الأمور ممكن، وتوضيحه أنّ نسبة الفعل المتعدّي إلى المفعول به كنسبته إلى الفاعل في أنّه لا يجوز استعماله بدونهما أصلا إلّا على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة، إلّا أنّ نسبته إلى الفاعل لما كانت مقصودة بالذات لا يجوز تركه إلّا بإقامة شيء مقامه بخلاف نسبته إلى المفعول به فإنّه فضلة مقصودة لتكميل نسبته إلى الفاعل، يجوز تركه من غير إقامة شيء مقامه. وأمّا سائر المفاعيل فإنّه يجوز استعماله بدونها، فعلم من ذلك أنّ النسبة إلى المفعول المعيّن مأخوذة في مفهوم الفعل المتعدّي كيلا يكون استعماله في موارده مجازا لا حقيقة له كالنسبة إلى الفاعل فيكون فهم مدلوله موقوفا على فهم متعلّقه. فالمراد بقوله على متعلّق متعلّق معيّن أي معيّن كان، فاندفع ما قيل إنّ التعريف غير مانع لدخول الأفعال اللازمة التي مدلولاتها نسب كقرب وبعد لعدم أخذ النسبة إلى أمر معيّن في مفهومها، بل إلى أمر ما بمجرّد استعمالها بدون متعلّقاتها كقرب زيد وبعد، نعم إذا قصد النسبة إلى معيّن كان موقوفا عليه لا بدّ من ذكره، وحينئذ يكون المتعدّي بحرف الجرّ داخلا في التعريف كالمتعدّي بالهمزة والتضعيف.
قيل التعريف يصدق على الأفعال الناقصة لتوقّف فهمها على أمر غير الفاعل تتعلّق به وهو الخبر، والجواب منع توقّف مفهومها على الخبر. فإنّ كان الناقصة معناها مطلق الكون مع الزمان الماضي، وكذا سائر الأفعال الناقصة فإنّ معنى صار زيد غنيّا اتصف زيد بالغناء المتصف بالصيرورة صرّح به الرضي. ويقابل المتعدّي غير المتعدّي ويسمّى لازما أيضا، وهو ما لا يتوقّف فهمه على فهم أمر غير الفاعل نحو: كرم، فإنّه وإن كان له تعلّق بكلّ واحد من الزمان والمكان والغاية، لكن فهمه مع الغفلة عن هذه المتعلّقات جائز.
اعلم أنّ الفعل ليس منحصرا في المتعدّي واللازم فإنّ الأفعال الناقصة ليست متعدّية ولا لازمة، وقد يجتمعان. وفي التسهيل وقد يشتهر بالاستعمالين فيصلح للاسمين. وفي شرحه ما يتعدّى تارة بنفسه وتارة بحرف الجرّ ولم يكن أحد الاستعمالين نادرا، قيل له متعد بوجهين، وذلك متصوّر على السماع. وقد عدّها بعضهم خمسة يصحح ويشكر ويخال ووزن وعدد، وزاد صاحب الألفية «١» قصد والظاهر أنّها غير محصورة. هذا كله خلاصة ما في الفوائد
стр. 519
الضيائية وحاشية المولوى عبد الحكيم وفي الارشاد. ومما ألحق بالمتعدّي مطلقا الأفعال الناقصة وفي بعض الوجوه أفعال المقاربة، أي إذا كان طالبا للخبر نحو عسى زيد أن يخرج، بخلاف عسى أن يخرج زيد. وإنّما ألحقا به لمشابهة خبرهما المفعول به، ومن الجوامد اللازمة أفعال المدح والذمّ والمحتمل للتعدية واللزوم فعلا التعجب انتهى.
التّعدية:
[في الانكليزية] Surpassing ،transitivity of a verb
-
[ في الفرنسية] Depassement ،transivite d'un verbe
هي في اللغة جعل الشيء متجاوزا عن الشيء ومتباعدا عنه. وفي علم النحو والتصريف هي أن لا يقتصر الفعل على التعلّق بالفاعل، بل يتعلّق بالمفعول أيضا. فهذا المعنى مجاز أو منقول، كذا في التوضيح والتلويح في ركن القياس، والتعلّق هاهنا بالمعنى اللغوي. وهذا الكلام يشير إلى أنّ التعدية في اصطلاحهم بمعنى كون الفعل متعديا لا بمعنى جعله متعديا وهو خلاف المتعارف، فإنّه ذكر في الفوائد الضيائية وغيرها ما حاصله أنّ للتعدية عندهم معنيين: أحدهما ما هو المشهور وهو جعل الفعل متعديا بتضمينه معنى التصيير أي جعل المتكلّم الفعل متعديا، فالتعدية التي هي مدلول الباء أو الهمزة مثلا صفة المتكلّم والباء في قوله بتضمينه متعلّق بالفعل بيان الكيفية، والمراد بالتضمين المعنى اللغوي أي اعتبار شيء في ضمن الآخر. فمعنى ذهبت بزيد صيّرته ذاهبا، ثم هذا الجعل على أنواع على ما صرّح به الرضي في شرح الشافية. منها جعل اللازم متعديا بجعل ما كان فاعلا للازم مفعولا لمعنى الجعل وفاعلا لأصل الفعل على ما كان، فمعنى أذهبت زيدا جعلت زيدا ذا ذهاب، فزيد مفعول لمعنى الجعل الذي استفيد من الهمزة فاعل للذهاب كما في ذهب زيد. ومنها جعل المتعدي إلى واحد متعديا إلى اثنين أولهما مفعول الجعل والثاني لأصل الفعل نحو أحفرت زيدا النهر أي جعلته حافرا له، فالأول مجعول والثاني محفور، ومرتبة المجعول مقدّمة على مرتبة مفعول أصل الفعل لأنه فيه معنى الفاعلية.
ومنها جعل المتعدّي إلى اثنين متعديا إلى ثلاثة نحو أعلم وأرى، وحاصل هذا المعنى إيصال الفعل إلى المفعول به بتغيير معناه. وثانيهما ما هو أعمّ منه وهو إيصال الفعل إلى مفعوله من غير تغيير معنى الفعل بمعنى أنّ التغيير ليس معتبرا في مفهومه. فالمعنى إيصال الفعل إلى مفعوله سواء كان بتغيير معناه كما في الباء في بعض المواضع والهمزة والتضعيف أو لم يكن كما في سائر الحروف الجارّة كما صرّح به المولوي عبد الحكيم. فما قيل التعدية مطلقا تقتضي تغيير المعنى فاسد وعلى هذا المعنى الأعمّ يقال هذا الفعل عدّي بعلى. وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين هي إثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع وقد يجيء في لفظ القياس.
التّعديد:
[في الانكليزية] Enumeration
[ في الفرنسية] Enumeration
عند أهل البديع إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد ويسمّى سياقة الأعداد أيضا.
التّعديل:
[في الانكليزية] Rectification ،parallax ،equation
[ في الفرنسية] Rectification ،parallaxe ،equation
في اللغة التّسوية. وتعديل الأركان عند أهل الشرع تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومة والجلسة قدر تسبيحة، ويطلق على كلّ، فإنّه صار كاسم جنس، كذا في جامع الرموز في فصل صفة الصلاة. والتعديل عند الرياضيين يطلق على معان منها ما ذكره بعض المحاسبين كما سيأتي في لفظ الجبر ولفظ الرّد ومنها التعديل الأول ويسمّى بالاختلاف الأول أيضا لأنّه أول تفاوت وجد ويسمّى بالتعديل المفرد
стр. 520
أيضا لانفراده عن غيره بخلاف التعديل الثاني فإنّه مخلوط بالأول، هذا عند أهل الهيئة. وأهل العمل منهم أي أصحاب الزيجات يسمّونه بالتعديل الثاني لتأخره بحسب العمل عن التعديل الثالث الذي يسمّونه تعديلا أولا، وهو قوس بين الوسط والتقويم. قال عبد العلي البرجندي في حاشية الچغميني هذا في الشمس والقمر صحيح وأمّا في المتحيّرة فما بين الوسط المعدّل والتقويم هو التعديل الأول، وأمّا ما بين الوسط الغير المعدّل والتقويم فلا يسمّى عندهم باسم.
فالظاهر أنّه أراد المصنّف بالوسط الوسط المعدل أي المعدّل بالتعديل الثالث. وزاوية التعديل وقد تسمّى بالتعديل أيضا كما يستفاد من شرح التذكرة للعلي البرجندي هي الحادثة على مركز العالم بين خطين خارجين منه أحدهما وسطي والآخر تقويمي، وهذا هو قول المحقّقين منهم. ومقدار هذه الزاوية هو قوس التعديل لأنّ مقدار الزاوية قوس فيما بين ضلعيها موترة لها من دائرة مركزها رأس الزاوية وهذا هو الحق.
وقيل القوس الواقعة من فلك البروج بين طرفي الخطين أي الخطّ الخارج عن مركز الخارج والخط الخارج من مركز العالم المارّين بمركز الشمس المنتهيين إلى دائرة البروج هي تعديل الشمس. ولما كان الخطان المذكوران متقاطعين عند مركز الشمس كان هناك زاويتان متقابلتان متساويتان، إحداهما فوق مركز الشمس وتسمّى زاوية تعديلية والأخرى تحت مركز الشمس وتسمّى أيضا بزاوية تعديلية لكونها مساوية للأولى، وهذا القول ليس بصحيح، وإن شئت وجهه فارجع إلى كتب علم الهيئة.
اعلم أنّ الشمس إذا كانت صاعدة أي متوجهة من الحضيض إلى الأوج يزاد هذا التعديل على وسطها، فالمجموع هو التقويم.
وإذا كانت هابطة أي متوجهة من الأوج إلى الحضيض ينقص هذا التعديل من الوسط، فبالباقي هو التقويم، وليس في الشمس سوى هذا تعديل آخر. وأما الخمسة المتحيّرة فيزاد فيها التعديل على الوسط إذا كانت هابطة وينقص عنه إذا كانت صاعدة، فالمجموع أو الباقي هو التقويم. والحال في القمر بالعكس.
ودلائل هذه المقدمات تطلب من كتب الهيئة، وغاية هذا التعديل بقدر نصف قطر التدوير.
ومنها التعديل الثاني ويسمّى بالاختلاف الثاني أيضا وهو القوس المذكورة أي التعديل الأول باعتبار اختلافها في الرؤية صغرا وكبرا بحسب بعد مركز التدوير عن مركز العالم وقربه منه، وذلك لأنّ مركز التدوير إذا كان في حضيض الحامل فنصف قطره بسبب قربه من مركز العالم يرى أكبر وإذا كان في أوج الحامل فنصف قطره بسبب بعده عنه يرى أصغر فلذلك تختلف القوس المذكورة وهذا الاختلاف يلحق الاختلاف الأول بقدر ذلك الاختلاف في نصف القطر، فينقص منه إذا كان مركز التدوير أبعد من البعد الأوسط ويزاد عليه إذا كان أقرب منه، ويكون بعد ذلك أي بعد نقصانه عن الاختلاف الأول أو زيادته عليه تابعا له أي للاختلاف الأول في الزيادة والنقصان على الوسط، وهذا عند من وضع مراكز تداوير المتحيّرة في البعد الأوسط واستخرج الاختلاف الأول منها فيه فإنّ الاختلاف الثاني فيها قد يكون بحسب البعد الأبعد فيكون ناقصا عن الاختلاف الأول وقد يكون بحسب البعد الأقرب فيكون زائدا عليه.
وأما عند من وضع مراكز تداويرها في الأوج واستخرج الاختلاف الأول منها فيه فلا محالة يزيد الاختلاف الثاني دائما على الأول، وهكذا الحال في القمر فإنّ اختلاف الأول للقمر إنما وضع في الأوج الذي هو البعد الأبعد. ثم إنّ ما حصل من زيادة الاختلاف الثاني على الأول أو ما بقي بعد نقصه منه يسمّى تعديلا معدلا.
اعلم أنّ هذا الاختلاف في المتحيّرة
стр. 521
يسمّى أيضا اختلاف البعد الأبعد والأقرب لاشتماله عليهما، فهو إمّا على سبيل التغليب وإمّا على أنه اختلاف بعد هو أبعد من البعد الأوسط أو أقرب منه، وهذا بخلاف ما في القمر فإنه يسمّى اختلاف البعد الأقرب فقط، إمّا لتغليب أقرب الأبعاد أعني الحضيضية على سائرها وإمّا لأنه اختلاف بعد هو أقرب من البعد الأوجي. وقيل غاية الاختلاف الثاني اختلاف البعد الأقرب وهو الموافق لما ذهب إليه صاحب المجسطي «١» ومن تبعه من أصحاب الزيجات من تسمية الاختلاف الثاني عند كون مركز التدوير في الحضيض باختلاف البعد الأقرب، وقد يسمونها بالاختلاف المطلق أيضا. هذا وقد قيل إنّ أهل الهيئة يسمّون الاختلاف الثاني مطلقا سواء كان مركز التدوير في الحضيض أو لم يكن اختلاف البعد الأقرب لما دلّ البرهان على وجوده وإن لم يعرفوا مقداره. وأما أهل العمل أي أصحاب الزيجات فيسمّون الاختلاف الثاني عند كون مركز التدوير في الحضيض اختلاف البعد الأقرب لأنه معلوم عندهم موضوع في الجدول. وأمّا في سائر المنازل فهو غير معلوم لهم ولا بموضوع في الجدول لجزء جزء إلّا غايته، فإنها مستخرجة لسهولة تظهر في العمل، فلهذا لم يسمّوه في سائر المنازل باسم، وتوضيح السهولة التي ذكرناها أنهم استخرجوا الاختلافات الثانية لنقطة التماس بحسب كون مركز التدوير في الأبعاد المختلفة ونقلوها إلى أجزاء يكون الاختلاف الثاني لنقطة التماس عند كون مركز التدوير في الحضيض، أعني غاية الاختلاف الثاني لنقطة التماس بتلك الأجزاء ستين دقيقة، وسمّوها دقائق الحضيض، ووضعوها بإزاء أجزاء المركز.
كما أنهم وضعوا الاختلاف الأول وغاية الاختلاف الثاني لأجزاء التدوير معا بإزاء أجزاء الخاصة المعدّلة. وقد تقرّر أنّ نسبة غاية الاختلاف الثاني لنقطة التماس إلى غاية الاختلاف الثاني لجزء مفروض كنسبة الاختلاف الثاني لنقطة التماس عند كون التدوير في بعد غير الحضيض، أعني كنسبة دقائق الحضيض إلى الاختلاف الثاني لذلك الجزء في ذلك البعد، ولمّا كان المقدّم في النسبة الأولى واحدا أعني ستين دقيقة وقسمة المضروب عليه وعدمها سواء فبقاعدة الأربعة المتناسبة إذا ضرب غاية الاختلاف الثاني للجزء المفروض في دقائق الحضيض وهما معلومان من الجدول، ويكون الحاصل الاختلاف الثاني لذلك الجزء بحسب البعد المفروض، فيحصل بهذا العمل الاختلافات الثانية لأجزاء التدوير بحسب كونها في الأبعاد المختلفة من غير أن يحتاج إلى وضع جميعها في الجدول.
فائدة:
قد فسّر صاحب التذكرة وشارحوها الاختلاف الأول والثاني بالزاوية الحاصلة عند مركز العالم لا بالقوس، والأمر في ذلك سهل، فإنّ الزوايا إنما تتقدر بالقسي الموترة لها فيجوز أن يفسّر الاختلاف الأول بقوس بين الوسط والتقويم وأن يفسر بزاوية حادثة على مركز العالم بين خطّين الخ، فإنّ المآل واحد كما لا يخفى.
فائدة:
هذا الاختلاف هو الاختلاف الأول بعينه في الحقيقة سواء كان مركز التدوير في البعد الأبعد أو لم يكن، إلّا أنهم لما أرادوا وضع
стр. 522
التعديل في الجدول فرضوا مركز التدوير في بعد معيّن واستخرجوا مقادير زوايا التعديل بحسب ذلك البعد ووضعوها في جدول واستخرجوا أيضا تفاوت التعديلات بحسب وقوع مركز التدوير في أبعاد اخر بقاعدة مذكورة سابقا، ويجمعون هذا التفاوت مع التعديل المذكور أو ينقصونه منه ليحصل التعديل بحسب ما هو الواقع في البعد المفروض، ففرض بطليموس ومن تابعه مركز التدوير القمري ثابتا في الأوج وسمّوا تلك الزوايا عند كونه في الأوج بالاختلاف الأول، والزيادات عليها في سائر المنازل بالاختلافات الثانية. وبعض أصحاب الزيجات فرض مركز تدويره ثابتا في الحضيض واستخرج مقادير الزوايا ويسمّى النقصانات عنها في سائر المنازل بالاختلافات الثانية. وبعضهم فرضه ثابتا في البعد الأوسط ويسمّى الزيادات في النصف الحضيضي والنقصانات في النصف الأوجي بالاختلافات الثانية، ولا مشاحة في الاصطلاحات. والغرض من جميع ذلك تسهيل الأمر على أهل العمل، وإلّا فالاختلاف بحسب الواقع واحد، والأليق بعلم الهيئة إنما هو ذكر هذا الاختلاف. وأمّا تشقيصه إلى الاختلاف الأول والثاني فلائق بكتب العمل أي الزيجات كما لا يخفى، لكن جميع أهل الهيئة ذكروا هذين الاختلافين. هكذا ذكر العلي البرجندي في شرح التذكرة وحاشية الچغميني.
ومنها التعديل الثالث ويسمّى بالاختلاف الثالث أيضا. وأهل العمل يسمّونه بالتعديل الأول سواء كان في القمر أو في غيره لتقدمه على الأولين بحسب العمل، كذا في شرح، التذكرة. وهو يطلق على معنيين: أحدهما تعديل المركز لتعديله به، والثاني تعديل الخاصة لتعديلها به، ويسمّى أيضا فضل ما بين الخاصتين، كذا في شرح التذكرة أيضا. فتعديل المركز هو قوس من الممثل في المتحيّرة ومن المائل في القمر محصورة بين طرف خط وسطي وخط المركز المعدّل أي المخرج من مركز العالم المارّ بمركز التدوير إلى الممثل أو المائل. وتعديل الخاصة هو قوس من منطقة التدوير بين الذروة المرئية والوسطية.
وتوضيح ذلك أنّه إذا أخرج خطان أحدهما من مركز العالم إلى مركز التدوير والآخر من مركز معدل المسير إليه، فبعد إخراجهما يحصل عند مركز التدوير أربع زوايا، اثنتان منها حادّتان متساويتان، فالتي في جانب الفوق يعتبر مقدارها من منطقة التدوير وهو قوس منها ما بين الذروتين من الجانب الأقرب وتسمّى تعديل الخاصة والتي في جانب السفل يعتبر مقدارها من منطقة الممثل، وذلك بأن يخرج من مركز العالم خط مواز للخط الخارج من مركز معدّل المسير إلى مركز التدوير ويخرجان إلى سطح الممثل، فالقوس الواقعة من الممثل بين طرفي هذين الخطين من الجانب الأقرب هي مقدار تلك الزاوية وتسمّى تعديل المركز. فإذا كان مركز التدوير في النصف الهابط كانت الزاوية الحاصلة عند مركز معدّل المسير من الخطين من أحدهما إلى الأوج والآخر إلى مركز التدوير أعظم من الزاوية الحاصلة عند مركز العالم بقدر تعديل المركز، وفي النصف الصاعد الأمر بالعكس، فلذلك ينقص عن المركز، أي عن مركز التدوير في النصف الهابط، ويزاد عليه في النصف الصاعد ليحصل المركز المعدل. ثم نقول إن تقاطع الخط المارّ بمركز التدوير مع أعلى منطقته كان أقرب إلى الأوج إن كان خارجا عن مركز العالم وأبعد عنه إن كان خارجا عن مركز معدل المسير، فإن كان مركز التدوير هابطا يزاد عليه تعديل الخاصة على الخاصة الوسطية التي هي معلومة في كل حال، لأن حركات التداوير معلومة لكونها على وتيرة واحدة، وفي النصف
стр. 523
الآخر ينقص منها لتحصل الخاصة المعدّلة المسمّاة بالخاصة المرئية، التي بها يعلم التعديل الأول والثاني. ولمّا كان ما بين الذروتين في المتحيّرة مساويا لما بين الخط الوسطي وخط المركز المعدّل لتساوي الزاويتين الحادّتين الحاصلتين عند مركز التدوير من إخراج هذين الخطين كما عرفت، لم يحتج في استخراج تقويمها إلى تعديل أزيد من الثلاثة أي تعديل المركز والتعديل الأول والثاني، وكان تعديل المركز والخاصة فيها واحدا. ولمّا كان خط الوسط وخط المركز المعدل في القمر ينطبق أحدهما على الآخر أبدا لكون حركة تدوير القمر متشابهة حول مركز العالم لم يحتج في القمر إلى تعديل المركز، بل إلى تعديل الخاصة، والتعديلين الأولين. هكذا يستفاد من تصانيف عبد العلي البرجندي. وكأنه لهذا التساوي والانطباق قال صاحب التذكرة في بيان التعديل الثالث للقمر: ويسمّى هذا التعديل تعديل الخاصة. وقال في بيان التعديل الثالث للمتحيّرة: ويسمّى هذا التعديل تعديل المركز والخاصة. وقال شارحه أي العلي البرجندي إنما سمّي بتعديل المركز والخاصة لتعديلهما به.
فائدة:
حال هذا التعديل في القمر في زيادته على الخاصة الوسطية ونقصه منها كحال المتحيّرة لأنّ حركة أعلى تدوير القمر وإنّ كانت مخالفة لحركة أعالي تداوير المتحيّرة لكن مركز معدل المسير في المتحيّرة فوق مركز العالم ونقطة المحاذاة في القمر تحت مركز العالم بالنسبة إلى الأوج. ومنها تعديل النقل وهو التفاوت بين بعد موضعي القمر من منطقتي الممثل والمائل عن العقدتين ويسمّى الاختلاف الرابع أيضا. وأهل العمل يسمّونه التعديل الثالث أيضا، وذلك لأنهم سمّوا الاختلاف الثالث والأول بالتعديل الأول والتعديل الثاني فسمّوا هذا بالتعديل الثالث ويعتبر ذلك التفاوت إذا أريد تحويل موضعه أي موضع القمر من المائل إلى موضعه من الممثل، وقلّما يحتاج إلى عكسه. ولهذا أي لكون الاحتياج إلى عكسه قليلا يسمّى هذا التحويل في كتب العمل نقل القمر من المائل إلى البروج، هكذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة. وقال في حاشية الچغميني توضيحه أنّ وسط القمر مأخوذ من منطقة المائل لأنّه إذا أخذ ذلك من منطقة البروج لا يكون متشابها وإن اتّحد مركزاهما لاختلاف منطقتيهما، فإذا مرّت دائرة عرض بمركز التدوير تقاطع منطقة البروج على قوائم فيحدث من قوس العرض ومن القوسين الكائنتين من المائل والممثل اللتين مبدأهما العقدة ومنتهاهما دائرة العرض المذكورة مثلّث زاوية تقاطع العرضية مع الممثل فيه قائمة، وزاوية تقاطعها مع المائل حادّة، فالقوس من المائل التي هي الوسط أعظم من القوس التي هي من الممثل، أعني التقويم، والتفاوت بينهما يسمّى تعديل النقل إذ به ينقل مقدار القوس من المائل إلى القوس من الممثل، فإن كان الوسط من الربع الأول والثالث أعني مؤخرا عن إحدى العقدتين ينقص تعديل النقل منه، وإن كان من الربعين الآخرين يزاد عليه لتحصل القوس من الممثل. وهذا التفاوت ليس شيئا واحدا دائما بل إذا صار مركز التدوير إلى بعد ثمن من العقدة تقريبا صار هذا التفاوت في الغاية، وبعد ذلك يتناقص إلى أن يبلغ مركز التدوير إلى منتصف ما بين العقدتين، وحينئذ ينعدم التفاوت. وقال في شرح التذكرة: اعلم أنه ذكر المحقّق الشريف تبعا لصاحب التحفة أنّ تعديل النقل هو القوس الواقعة من الممثل بين تقاطعي الممثل مع الدائرتين المارّتين بمركز القمر، إحداهما تمرّ بقطبي الممثل والأخرى بقطبي المائل وهو سهو. ومنها تعديل النهار وهو قوس بين مطالع
стр. 524
جزء من أجزاء فلك البروج بخط الإستواء، وبين مطالعه بالبلد، وذلك لأنّ لأجزاء فلك البروج مطالع في خط الاستواء، وكذا لها مطالع في الآفاق المائلة وبين المطالعين تفاوت، وهذا التفاوت يسمّى تعديل النهار، وتعديل نهار نقطة الانقلاب يسمّى بتعديل النهار الكلّي.
اعلم أنّ قوس فضل مطالع الاستواء على مطالع البلد وقوس فضل مغارب البلد على مغارب الاستواء في الآفاق الشمالية متساويتان، فإذا زيدتا على نهار الإستواء حصل نهار البلد وإذا نقصتا عن نهار البلد كان الباقي نهار الاستواء، وكذا الحال في الآفاق الجنوبية، إلّا أنّ الأمر فيها على عكس ذلك في الزيادة والنقصان كما يظهر بأدنى تأمّل. فتعديل النهار في الحقيقة هو مجموع القوسين لا إحداهما التي هي قوس فضل المطالع على المطالع، لكن القوم أطلقوا تعديل النهار عليها إذ بها يعرف التعديل، وتوضيحه يطلب من شرح الملخّص للسيد السند. ومنها تعديل الأيام بلياليها وهو التفاوت بين اليوم الحقيقي واليوم الوسطي كما سيجيء في لفظ اليوم. ومنها اسم عمل مخصوص يعلم به التعديلات وغيرها المجهولة أي غير المسطورة في جداول الزيجات.
ويقول في سراج الاستخراج: إذا كانوا يريدون حصة تعديل عددي من جدول التعديل وليس موجودا في سطر العدد، فيبحثون عن عددين متواليين، بحيث يكون العدد الأول أقلّ من المطلوب والثاني أكثر. فحينئذ يأخذون التفاضل بين الحصتين في العددين المذكورين.
ثم يضربون رقم التفاضل في العدد المفروض ثم يقسمون الحاصل على التفاضل بين كلا العددين، وما يبقى خارج القسمة يضيفونه إلى حصة العدد الأقل حتى يحصلوا على المطلوب.
وهذا العمل يسمّونه التعديل.
وإذا كانت الحصّة معلومة والعدد مجهولا فتطلب حصتين متواليتين إحداهما من عدد معلوم أقلّ والثانية من عدد معلوم أكثر. ثم التفاضل ما بين كلا العددين نضربه بالتفاضل بين الحصّة المقدّمة والحصّة المعلومة. ونقسم الحاصل على التفاضل الموضوع بين كلا الحصتين. ونضيف الخارج على العدد الأقلّ حتى يصير العدد المجهول معلوما، وهذا العمل يقال له التقويس، ذلك لأنه بهذا العمل قوس تلك الحصة يصير معلوما، وهذا الأسلوب في استخراج الطوالع من المطالع ناجح. وقريب من هذا العمل عمل التعديل الذي يعملونه من الأسطرلاب. ومبنى كلا العملين على الأربعة المتناسبة، وتحقيق هذا العمل يجب أن يكون معلوما من باب (العشرين بابا) «١» وشرحه.
تعديل النّقل:
[في الانكليزية] Parallax of the moon ،equation of the moon
[ في الفرنسية] Parallaxe lunaire ،equation de la lune
هو نقل القمر من المائل إلى البروج.
стр. 525
التّعرية:
[في الانكليزية] Baring ،concision
[ في الفرنسية] Denudation ،concision
هي عند أهل العروض كون الجزء سالما من الزيادة كذا في رسالة قطب الدين السرخسي.
التّعريض:
[في الانكليزية] Metonomy ،apophasis
[ في الفرنسية] Metonymie ،preterition
كالتصريف عند أهل البيان استعمال لفظ فيما وضع له مع الإشارة إلى ما لم يوضع له من السياق. قال السّبكي: التعريض قسمان، قسم يراد به معناه الحقيقي يشاربه إلى المعنى الآخر المقصود، نحو قوله تعالى وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي «١» أي وما لكم لا تعبدون بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «٢» وقسم لا يراد، بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض كقول إبراهيم ﵇ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا «٣»، كذا في الإتقان وسيجيء الفرق بينه وبين الكناية.
التّعريف:
[في الانكليزية] Definite article ،definition
[ في الفرنسية] Article defini ،definition
عند أهل العربية هو جعل الذات مشارا بها إلى خارج إشارة وضعية ويقابلها التنكير وسيأتي في لفظ المعرفة. وعند المنطقيين والمتكلّمين هو الطريق الموصل إلى المطلوب التصوّري ويسمّى معرّفا بكسر الراء المشددة وقولا شارحا أيضا، ويسمّى حدّا أيضا عند الأصوليين وأهل العربية، كما سيأتي في لفظ الحد. وذلك المطلوب التصوّري يسمّى معرّفا بفتح الراء المشددة ومحدودا، والطريق ما يمكن التوصل فيه بصحيح النظر إلى المطلوب كما سيأتي أيضا. وبالجملة فالمعرّف ما يكتسب به التصوّر فخرج ما يحصل بطريق الحدس وما يحصل من الملزومات البيّنة من العلم باللوازم، فإنّ الاكتساب إنّما هو بالنظر. قال المنطقيون لا بد في المعرّف من مميّز فإن كان المميز ذاتيا سمّي المعرف حدّا، وإن كان عرضيا سمّي المعرّف رسما، وإذا اجتمع المميزان سمّي رسما أكمل من الحدّ، وكل من الحدّ والرسم إن ذكر فيه تمام الذاتي المشترك بينه وبين غيره المسمّى بالجنس القريب فتام، وإلّا فناقص.
فالمركّب من الجنس والفصل القريبين حدّ تام كالحيوان الناطق في تعريف الإنسان، والمركّب من الخاصة والجنس القريب رسم تام كالحيوان الضاحك في تعريف الإنسان، والتعريف بالفصل وحده، أو مع الجنس البعيد أو العرض العام عند من يجوز أخذه في الحد حد ناقص، والتعريف بالخاصة وحدها أو مع الجنس البعيد أو العرض العام عند من يجوز أخذه في الرسم رسم ناقص.
أعلم أنّ التعريف بالمثال سواء كان جزئيا للمعرّف كقولك الاسم كزيد والفعل كضرب أو لا يكون جزئيا له كقولك العلم كالنور والجهل كالظلمة، هو بالحقيقة تعريف بالمشابهة التي بين ذلك المعرّف وبين المثال، فإن كانت تلك المشابهة مفيدة للتمييز فهي خاصة لذلك المعرّف فيكون التعريف بها رسما ناقصا داخلا في أقسام المعرّف الحقيقي، وإلّا لم يصح التعريف بها، فليس التعريف بالمثال قسما على حدة. ولما كان استئناس العقول القاصرة بالأمثلة أكثر لكون الجزئي أوّل المدركات شاع في مخاطبات المتعلّمين التعريف به.
واعلم أيضا أنّ التعريف يطلق بالاشتراك على معنيين: أحدهما التعريف الحقيقي وهو
стр. 526
الذي يقصد به تحصيل ما ليس بحاصل من التصوّرات وهو الذي ذكر سابقا وهو ينقسم إلى قسمين. الأول ما يقصد به تصوّر مفهومات غير معلومة الوجود في الخارج سواء كانت موجودة أو لا ويسمّى تعريفا بحسب الاسم وتعريفا اسميا، فإذا علم مفهوم الجنس مثلا إجمالا وأريد تصوّره بوجه أكمل فإن قصد نفس مفهومه بأجزائه كان ذلك حدا له اسميا، وإن ذكر في تعريفه عوارضه كان ذلك رسما له اسميا.
والثاني ما يقصد به تصوّر حقائق موجودة أي معلومة الوجود في الخارج بقرينة المقابلة ويسمّى تعريفا بحسب الحقيقة، إمّا حدا أو رسما. ثم الظاهر من عباراتهم أنّ المعتبر في كونه تعريفا بحسب الاسم أو بحسب الحقيقة الوجود الخارجي، فالأمور الاعتبارية التي لها حقائق في نفس الأمر، كالوجود والوجوب والإمكان يكون لها تعريفات بحسب الاسم فقط، لكن لا شبهة في أن لها حقائق في نفس الأمر، وألفاظها يجوز أن تكون موضوعة بإزائها وأن تكون موضوعة بإزاء لوازمها، فيكون لها تعريفات بحسب الاسم وبحسب الحقيقة إمّا حدودا أو رسوما كالحقائق الخارجية، فالصواب عدم التخصيص بالموجودات الخارجية وأن يراد بالوجود في الخارج الوجود في نفس الأمر، وبه صرّح المحقّق التفتازاني في التلويح. فعلى هذا، الماهيات الحقيقية أي الثابتة في نفس الأمر لها تعريفات بحسب الاسم وبحسب الحقيقة بخلاف الماهيات الاعتبارية أي الكائنة بحسب اعتبار العقل كالمعدومات والمفهومات المصطلحة، فإنّها تعرف بحسب الاسم لا بحسب الحقيقة.
وثانيهما التعريف اللفظي وهو الذي يقصد به الإشارة إلى صورة حاصلة وتعيينها من بين الصور الحاصلة ليعلم أنّ اللفظ المذكور موضوع بإزاء الصورة المشار إليها. فمعنى قولنا الغضنفر الأسد إنّ ما وضع له الغضنفر هو ما وضع له الأسد، فالمستفاد منه تعيين ما وضع له لفظ الغضنفر من بين سائر المعاني والعلم بوضعه له، فمآله إلى التصديق أي التصديق بالوضع فهو في الحقيقة من مطالب هل المركّبة، وإن كان يسأل عنه بما نظرا إلى استلزامه لإحضار المعنى بعد العلم بالوضع، فيقال ما الغضنفر؟ وهو طريقة أهل اللغة وخارج عن المعرّف الحقيقي وأقسامه المذكورة. فإن التعريف الحقيقي ما يكون تصوّره سببا لتصور شيء آخر. ولمّا لم يكن في التعريف اللفظي المغايرة إلّا من حيث اللفظ لا يتحقق هاهنا تصوّران متغايران بالذات أو بالاعتبار، فضلا عن كون أحدهما سببا للآخر. وما قيل من أنّ المفهوم من حيث إنه مدلول اللفظ الأول مغاير لنفسه من حيث إنّه مدلول اللفظ الثاني فبالحيثية الثانية سبب، وبالحيثية الأولى مسبب، ففيه أنّ المفاد من التعريف اللفظي إحضار ذات مفهوم اللفظ الأول بتوسّط اللفظ الثاني لا إحضاره مقيدا بكونه مدلول اللفظ الأول بتوسّط إحضاره مقيدا بكونه مدلول اللفظ الثاني، فظهر من هذا فساد ما ذهب إليه المحقق التفتازاني، من أنّ التعريف اللفظي من المطالب التصوّرية، وبالنظر إلى هذا ذهب صاحب السلم إلى أنّ الاشتراك بين المعنيين معنوي حيث قال: معرّف الشيء ما يحمل عليه تصويرا وتحصيلا أو تفسيرا، والثاني اللفظي والأول الحقيقي، ففيه تحصيل صورة غير حاصلة. فإن علم وجودها فهو بحسب الحقيقة، وإلّا فبحسب الاسم. ثم قال:
التعريف اللفظي من المطالب التصوّرية فإنه جواب ما، وكلّما هو جواب ما فهو تصوّر. ألا ترى إذا قلنا الغضنفر موجود فقال المخاطب ما الغضنفر؟ ففسّره بالأسد، فليس هناك حكم.
وهكذا ذكر المحقق الدواني حيث قال: وأنت خبير بأنه إذا كان الغرض منه معرفة حال اللفظ
стр. 527
وأنه موضوع لذلك المعنى كان بحثا لغويا خارجا عن المطالب التصوّرية، وأمّا إذا كان الغرض منه تصوير معنى اللفظ أي إحضاره فليس كذلك كما إذا قلنا الغضنفر موجود، فلم يفهم السامع منه معنى، ففسرناه بالأسد فيحصل له تصوّر معناه فذلك من المطالب التصورية انتهى. وفيه أنّ هذا التفسير لإحضار صورة حاصلة للحكم عليه بموجود وليس كل ما يفيد إحضار صورة حاصلة تعريفا لفظيا وإلّا لكان جميع الألفاظ المعلومة أوضاعها تعريفات لفظية لكونها مفيدة لإحضار صورة حاصلة بل هو أي التعريف اللفظي ما يفيد إحضار صورة حاصلة، ويعلم بأنّ اللفظ موضوع بإزائها كقولنا الغضنفر الأسد، على أنه يرد على قوله ففسرناه بالأسد ليحصل معناه أنه إن أراد به أنّ التفسير يفيد حصول المعنى ابتداء فممنوع. وإن أراد أنه يفيده بتوسط إفادته العلم بأنه موضوع فمسلّم.
لكن حينئذ يكون التفسير المذكور للعلم بالوضع وحصول المعنى بتبعه فتدبر.
فائدة:
من حق التعريف اللفظي أن يكون بألفاظ مفردة مرادفة فإن لم توجد ذكر مركّب يقصد به تعيين المعنى لا تفصيله ويجري في الحروف والأفعال أيضا.
فائدة:
يجب معرفة المعرّف قبل معرفة المعرّف قبلية زمانية وذاتية، فإنّ كونه طريقا لتلك المعرفة يثبت القبلية الزمانية، وكونه سببا لها يثبت القبلية الذاتية، فيكون غير المعرّف ويكون أيضا أجلى منه، ولا بدّ أن يساويه في العموم والخصوص ليحصل به التمييز إذ لولاه لدخل فيه غير المعرّف على تقدير كونه أعمّ مطلقا أو من وجه، فلم يكن مانعا مطردا أو خرج عنه بعض أفراده على تقدير كونه أخص، إمّا مطلقا أو من وجه فلم يكن جامعا ومنعكسا. وهذا مذهب المتأخرين. وأمّا المتقدمون فقد قالوا الرّسم منه تام يميز المرسوم عن كل ما يغايره ومنه، وناقص يميزه عن بعض ما يغايره. وصرّحوا بأنّ المساواة شرط لجودة الرسم وجوّزوا الرسم بالأعم والأخص، وأيّد ذلك بأنّ المعرّف لا بدّ أنّ يفيد التمييز عن بعض الأغيار كما يقتضيه تعريفهم للمعرّف بما يستلزم معرفته معرفته، فإن المعرفة تقتضي التمييز في الجملة. وأمّا التمييز عن جميعها فليس بشرط أنّ التصورات المكتسبة كما قد تكون بوجه خاص بالشيء إمّا ذاتي أو عرضي، كذاك يكون بوجه عام ذاتي أو عرضي، فيجب أن يكون كاسب كل منهما معرفا.
فالمساواة شرط للمعرّف التام دون غيره حدا كان أو رسما.
فائدة:
كلّ من قسمي التعريف الحقيقي لا يتجه عليه منع لأنّ المتصدّي لهما بمنزلة نقاش ينقش لك في ذهنك صورة مفهوم أو موجود، فإنّه إذا قال الإنسان حيوان ناطق لم يقصد به أن يحكم عليه بكونه حيوانا ناطقا وإلّا لكان مصدقا لا مصوّرا، بل أراد بذكر الإنسان أن يتوجه ذهنك إلى ما عرفته بوجه ما، ثم شرع في تصويره بوجه أكمل. فليس بين الحدّ والمحدود حكم حتى يمنع، فلا يصح أن يقال للكاتب: لا أسلم كتابتك. نعم يصح أن يقال لا نسلم أنّ هذا حدّ للإنسان أو أنّ الحيوان جنس له ونحو ذلك، فإنّ هذه الدعاوي صادرة عنه ضمنا وقابلة للمنع، فإذا أريد دفعه صعب جدا في المفهومات الحقيقية وإن سهل في المفهومات الاعتبارية. وكذا لا يتجه على الحدّ النقض والمعارضة. أمّا إذا قيل الإنسان حيوان ناطق وأريد أنّ هذا مدلوله لغة أو اصطلاحا كان هذا تعريفا لفظيا قابلا للمنع الذي يدفع بمجرد نقل أو وجه استعمال. هذا كله خلاصة ما في شرح
стр. 528
المواقف وحاشيته لمولانا عبد الحكيم.
فائدة:
يحترز في التعريف عن الألفاظ الغريبة الوحشية وعن المشترك والمجاز بلا قرينة ظاهرة. وبالجملة فعن كلّ لفظ غير ظاهر الدلالة على المقصود.
فائدة:
المركب إذا لم يكن بديهي التصوّر يحدّ بأجزائه حدا تاما أو ناقصا دون البسيط فإنه لا يمكن تحديده أصلا، إذ لا جزء له. فإن تركّب عنهما أي عن المركّب والبسيط غيرهما ولا يكون ذلك الغير بديهي التصوّر حدّ بهما، وإلّا فلا، إذ لم يقعا جزأ للشيء. وكل متصوّر كسبي مركّب أو بسيط له خاصة شاملة لازمة بيّنة بحيث يكون تصورها مستلزما لتصوره يرسم، وإلّا فلا. فإن كان ذلك الكسبي الذي له تلك الخاصة مركّبا أمكن رسمه التام بتركيب جنسه القريب مع خاصته وإلّا فالناقص. ثم إنّه يقدم في التعريف الاسم. ثم المشهور أنّ الشخص لا يحدّ بل طريق إدراكه الحواس إنما الحدّ لكليّات المرتسمة في العقل دون الجزئيات المنطبعة في الآلات لأنّ معرفة الشخص لا تحصل إلا بتعيين مشخصاته بالإشارة ونحوها، والحدّ لا يفيد ذلك لأن غايته الحدّ التام وهو إنما يشتمل على مقومات الشيء دون مشخصاته. ولقائل أن يقول إنّ الشخص مركّب اعتباري هو مجموع الماهية والتشخّص، فلم لا يجوز أن يحدّ بما يفيد معرفة الأمرين؟
والحقّ أنّ الشخص يمكن أن يحدّ بما يفيد امتيازه عن جميع ما عداه بحسب الوجود لا بما يفيد تعينه وتشخصه، بحيث لا يمكن اشتراكه بين كثيرين في العقل، فإنّ ذلك إنما يحصل بالإشارة لا غير. هكذا في العضدي وحواشيه.
التعزير:
[في الانكليزية] Reproach ،blame
[ في الفرنسية] Reproche ،blame
كالتصريف من العزر بالزاء المعجمة بمعنى الرّد والردع. وشرعا هو تأديب دون الحدّ كما في الكافي. والفرق بينه وبين الحدّ على ما في فتاوى الاحتساب «١» أنّ الحدّ مقدّر والتعزير مفوّض إلى رأي الإمام، وأنّ الحدّ يدرأ بالشبهات والتعزير يجب مع الشبهات، وأنّ الحدّ لا يجب على الصبي والتعزير يشرع عليه، وأنّ الحدّ يطلق على الذّمي إن كان مقدرا والتعزير لا يطلق عليه، وإنّما يسمّى عقوبة لأنّ التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من أهل التطهير، وإنّما يسمّى في حق أهل الذّمة إذا كان غير مقدر عقوبة، كذا في نصاب التعزير انتهى.
التّعصّب:
[في الانكليزية] Fanatism ،sectarism
[ في الفرنسية] fanatisme ،sectarisme
هو عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جانب كما في التلويح.
التّعطيل:
[في الانكليزية] Ellipsis ،atheism
[ في الفرنسية] Ellipse ،atheisme
بالطاء المهملة هو عند البلغاء قسم من الحذف، وهو أن يأتي الكاتب أو الشاعر بكلمات لا إعجام فيها أي بدون نقطة في أي من حروفها مثاله:
محمد وأحمد ومحمود في العالم محمد هو رئيس وقائد العالم.
كذا في جامع الصنائع. وثمّة تعطيل آخر يسمّى معطل ذو القوافي كما سيجيء. وحرف العطل هو أن لا يعتدّ بالحرف وزنا وإن كان مكتوبا، ويقال أيضا لهذا النوع «معدولة» كما مرّ.
والمعطل عند أهل الشرع هو الكافر الذي
стр. 529
لا يعتقد بوجود الباري ﷻ ويجيء في لفظ الكفر «١»
التّعقّل:
[في الانكليزية] Intellection ،conception reasoning ،prudence
[ في الفرنسية] Intellection ،conception ،raisonnement ،prudence
قسم من الإدراك. وهو إدراك الشيء مجردا عن اللواحق المادية، ويسمّى بالعقل أيضا. وقد يسمّى بالعلم أيضا عند بعض وقد يطلق على الإدراك مطلقا سواء كان المدرك مجردا أو ماديا كما وقع في العلمي في تعريف الحكمة النظرية.
التّعقيد:
[في الانكليزية] Complication
[ في الفرنسية] Complication
كالتصريف عند أهل البيان كون الكلام غير ظاهر الدلالة على المراد لخلل إما في النظم وإما في الانتقال أي كونه غير ظاهر الدلالة مع أنّ المقصود من إيراده إعلام المرام، فخرج المتشابه إذ المقصود منه الابتلاء لا الإفهام، ولا يرد المشترك والمجمل أيضا إذ ليس فيهما خلل لا في النظم ولا في الانتقال كما فسّر به. والتعقيد مطلقا سواء كان لفظيا وهو الذي يكون بسبب خلل في النظم أو معنويا وهو الذي يكون بسبب خلل في الانتقال مخلّ بالفصاحة. وأورد عليه بأنّه لو كان مخلّا بالفصاحة لم يكن اللّغز والمعمّى عنه مقبولين مع أنّهما مما يورد في علم البديع. والجواب أنّ قبولهما ليس من حيث الفصاحة بل لاشتمالهما على دقّة يختبر بها أهل الفطن. ولما كان عدم ظهور الدلالة صادقا على عدم ظهورها لاشتمال الكلام على لفظ غريب أو مخالف للقياس مع أنّه ليس تعقيدا قيّد ذلك بقولنا لخلل. ثم إنّه ليس المراد بالنظم كون الألفاظ مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل فإنّ النظم حينئذ شامل لرعاية ما يقتضيه علم المعاني وعلم البيان. والخلل فيه يشتمل التعقيد المعنوي والخطأ في تأدية المعنى، بل المراد بالنظم تركيب الألفاظ على وفق ترتيب يقتضيه إجراء أصل المعنى. والخلل في النظم بأن يخرج عن هذا التركيب إلى ما لا تشهد به قوانين النحو المشهورة أو إلى ما تشهد به لكن تحكم بأنّه على خلاف طبيعة المعنى فتخفى الدلالة لكثرة اجتماع خلاف الأصل الموجبة لتحيّر السامع. قال في الإيضاح:
فالكلام الخالي عن التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلّا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية.
فالتعقيد اللفظي ربما كان لضعف التأليف وربما كان مع الخلوص عنه بأن يكون على قوانين هي خلاف الأصل، فلا يكون اشتراط الخلوص عنه في تعريف فصاحة الكلام بعد ذكر الخلوص عن ضعف التأليف مستدركا كما توهم، ولا يكون وجود التعقيد اللفظي بلا مخالفة لقانون نحوي مشهور، مخالفا للحكم بأنّ مرجع الاحتراز عن التعقيد اللفظي هو النحو كما توهّم أيضا، لأنّ النحو يميز بين ما هو الأصل وبين ما هو خلاف الأصل، والاحتراز عنه بالاحتراز عن جمع كثير من خلاف الأصل. وأمّا أنّه هل يكون الضعف بدون التعقيد اللفظي أم لا، فالحق الثاني وإن توهّم بعض الأفاضل أنّه لا
стр. 530
تعقيد في جاءني أحمد بالتنوين لأنّ جاءني أحمد يفيد مجيء أحمد ما لا الشخص المعيّن، فلا يكون ظاهر الدلالة على الشخص المعيّن المراد. مثاله قول الفرزدق «١» في مدح خال هشام بن عبد الملك «٢» وهو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي: «٣»
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه.
أي ليس في الناس مثله حيّ يقاربه في الفضائل إلّا مملّك وهو الذي أعطي الملك والمال، يعني هشاما، أبو أمّه أي أبو أم ذلك المملّك، أبوه أي أبو إبراهيم الممدوح، أي لا يماثله أحد إلّا ابن أخته وهو هشام، ففيه فصل بين المبتدأ والخبر أعني أبو أمه أبوه بالأجنبي الذي هو حيّ، وبين الموصوف والصفة أعني حيّ يقاربه بالأجنبي الذي هو أبوه، وتقديم المستثنى أعني مملّكا على المستثنى منه أعني حيّ، ولهذا نصبه، وإلّا فالمختار البدل. فهذا التقديم شائع الاستعمال لكنه أوجب زيادة في التعقيد. والمراد بالخلل في الانتقال الخلل الذي ليس لخلل النظم وإلّا فعدم ظهور الدلالة لخلل في النظم إنّما هو لخلل في الانتقال. قال في الإيضاح والكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما يكون الانتقال فيه من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا حتى يخيّل إلى السّامع أنّه فهمه من حاق اللفظ انتهى. والمراد أنّه فهمه قبل تمام الكلام لغاية ظهوره على زعمه. واعترض عليه بأنّه يفهم منه لزوم كون الجامع في الاستعارة ظاهرا، وقد ذكروا أنّ الجامع إذا ظهر بحيث يفهمها غير الخاصة تسمّى مبتذلة ويشترطون في قبولها أن يكون الجامع غامضا دقيقا. فبين الكلامين تدافع وأجيب بأنّ غموض الاستعارة ودقّة جامعها لا ينافي وضوح طريق الانتقال بأن لا يكون مانع لغوي أو عرفي، ولا يرد الإبهام الذي عدّ من المحسّنات للكلام البليغ، لأنّه إنّما يعدّ محسّنا عند وضوح القرينة الدالة على المراد.
والاعتراض بأنّ سهولة الانتقال ليست بشرط في قبول الكنايات وإلّا لزم خروج أكثر الكنايات المعتبرة عند القوم من حيّز الاعتبار خارج عن حيّز الاعتبار، لأنّ صعوبة الانتقال في تلك الكنايات إن أدّت إلى التعقيد فلا نسلّم اعتبارها عندهم. كيف وقد صرّحوا بأنّ المعمّى واللغز غير معتبرين عندهم لاشتمالهما على التعقيد.
واعترض أيضا أنّه يلزم أن لا يكون الكلام الخالي عن المعنى الثاني فصيحا لأنّه ليس له الخلوص عن التعقيد ودفعه بأنّ مثل هذا الكلام بمنزلة الساقط عن درجة الاعتبار عند البلغاء غير وجيه، لأنّ الكلام الخالي عن المجاز والكناية إذا روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال كيف