← Гариб и словари

Гариб и словари · id 2573

كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

محمد أعلى التهانوي

Полный текст (2 175 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

جسما أو لا، إذ الجسم لا يطلق إلّا على المتّصل في الجهات الثلاث، أي الطول والعرض والعمق. الحدّ: [في الانكليزية] Limit ،definition ،punishment ،term [ في الفرنسية] Limite ،definition ،punition ،terme بالفتح لغة المنع ونهاية الشيء. وعند المهندسين نهاية المقدار وهو الخطّ والسطح والجسم التعليمي ويسمّى طرفا أيضا. وقد يكون مشتركا ويسمّى حدا مشتركا أيضا، وهو ذو وضع بين مقدارين يكون [هو بعينه] «١» نهاية لأحدهما وبداية للآخر، أو نهاية لهما أو بداية لهما على اختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات. فإذا قسّم خط إلى جزءين فالحدّ المشترك بينهما النقطة. وإذا قسّم السطح كذلك فالحدّ المشترك بينهما الخط، وفي الجسم المنقسم كذلك السطح. والحدود المشتركة يجب كونها مخالفة في النوع لما هي حدود له لأنّ الحدّ المشترك يجب كونه بحيث إذا ضمّ إلى أحد القسمين لم يزد به أصلا، وإذا فصل عنه لم ينقص شيئا، وإلّا لكان الحد المشترك جزءا آخر من المقدار المقسوم، فيكون التقسيم إلى قسمين تقسيما إلى ثلاثة، وإلى ثلاثة تقسيما إلى خمسة، وهكذا. فالنقطة ليست جزءا من الخط بل هي عرض فيه، وكذا الخط بالقياس إلى السطح والسطح بالقياس إلى الجسم. اعلم أنّ نهاية الخط المتناهي الوضع لا المقدار نقطة، ونهاية السطح المتناهي الوضع والمقدار بالذات خط أو نقطة، ونهاية الجسم بالذات سطح. وإن شئت التوضيح فارجع إلى شرحنا لضابط قواعد الحساب المسمّى بموضح البراهين وشرح المواقف في مبحث تقسيم الكم. وحدّ الكوكب هو جرم الكوكب ونوره في الفلك وقد مرّ في لفظ الاتصال. وأيضا يقسّم المنجمون كل برج على الخمسة المتحيّرة بأقسام مختلفة غير متساوية، ويسمّى كل قسم منها حدّا. مثلا يقولون ستة درج من أول الحمل حدّ المشتري ثم الستة الأخرى حدّ الزهرة ثم الأربعة بعدها حدّ عطارد ثم الخمسة حدّ المريخ ثم الخمسة الباقية حدّ الزحل. وفي تقسيم الحدود اختلافات كثيرة تطلب من كتب النجوم، ويقال لذلك الكوكب صاحب الحدّ. اعلم أنّهم يحرّكون دلائل الطالع من درجة الطالع والعاشر وغيرها، أي يعتبرون حركتها في السنة الشمسية بمقدار درجة واحدة من المعدل ويسمّون هذا العمل تسييرا. وإذا بلغ التسيير بحدّ كوكب ما من الخمسة المتحيّرة يسمّى موضعه بدرجة القسمة، وصاحب ذلك الحدّ يسمّى بالقاسم. وتفصيله يطلب من كتب النجوم. وعند الفقهاء عقوبة مقدرة تجب حقّا لله تعالى فلا يسمّى القصاص حدّا لأنه حق العبد ولا التعزير لعدم التقدير. والمراد بالعقوبة هاهنا ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع فخرج عنه الكفّارات، فإنّ فيها معنى العبادة والعقوبة، وكذا الخراج فإنّه مئونة فيها عقوبة، هذا هو المشهور. وفي غير المشهور عقوبة مقدرة شرعا فيسمّى القصاص حدّا، لكن الحدّ على هذا على قسمين: قسم يصحّ فيه العفو وقسم لا يقبل العفو. والحدّ على الأول لا يقبل الإسقاط بعد ثبوت سببه عند الحاكم، والمقصد الأصلي من شرعه الانزجار عمّا يتضرّر به العباد. هكذا يستفاد من الهداية وفتح القدير والبرجندي. ويطلق أيضا على ما يتميّز به عقار من غيره ممّا لا يتغيّر كالدور والأراضي، فالسور والطريق والنهر لا يصلح حدّا لأنّه يزيد وينقص ويخرب،

стр. 667

وهذا عنده خلافا لهما، وهو المختار عند شمس الإسلام «١» كذا في جامع الرموز في كتاب الدعوى. وبهذا المعنى وقع في قولهم لا بدّ في دعوى العقار من ذكر الحدود الأربعة أو الثلاثة. وعند الأصوليين مرادف للمعرّف بالكسر وهو ما يميّز الشيء عن غيره، وذلك الشيء يسمّى محدودا ومعرّفا بالفتح. وهو ثلاثة أقسام: لأنّه إمّا أن يحصّل في الذهن صورة غير حاصلة أو يفيد تمييز صورة حاصلة عمّا عداها. والثاني حدّ لفظي إذ فائدته معرفة كون اللفظ بإزاء معنى. والأول إمّا أن يكون بمحض الذاتيات وهو الحدّ الحقيقي لإفادته حقائق المحدودات، فإن كان جميعا فتامّ وإلّا فناقص. وإمّا أن لا يكون كذلك فهو الحدّ الرسمي. وأمّا التعريف الاسمي سواء كان حدّا أو رسما فالمقصود منه تحصيل صور المفهومات الاصطلاحية وغيرها من الماهيات الاعتبارية، فيندرج في القول الشارح المخصوص بالتصوّرات المكتسبة حدّا أو رسما لإنبائه عن ذاتيات مفهوم الاسم أو عنه بلازمه، هكذا في العضدي وحاشيته للسيّد السّند، وكذا عند أهل العربية أي مرادف للمعرف. قال المولوي عبد الغفور وعبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية في شرح عبارة الكافية: وقد علم بذلك حد كلّ واحد منها ما حاصله أنّه ليس غرض الأدباء من الحدّ إلّا التمييز التام. وأمّا التمييز بين الذاتيات والعرضيات فوظيفة الفلاسفة الباحثين عن أحوال الموجودات على ما هي عليه. فالحدّ عند الأدباء هو المعرّف الجامع المانع. وهكذا ذكر المولوي عصام الدين حيث قال: معنى الحدّ عند الأدباء المعرّف الجامع المانع كما صرّح به ابن الحاجب في الأصول. وعند المنطقيين يطلق في باب التعريفات على ما يقابل الرسمي واللفظي وهو ما يكون بالذاتيات. وفي باب القياس على ما ينحلّ إليه مقدمة القياس كالموضوع والمحمول. قال في شرح المطالع: لا بدّ في كل قياس حملي من مقدمتين تشتركان في حدّ ويسمّى ذلك الحد حدّا أوسط لتوسّطه بين طرفي المطلوب وتنفرد إحدى المقدمتين بحدّ هو موضوع المطلوب، ويسمّى أصغر لأنّ الموضوع في الأغلب أخصّ فيكون أقلّ أفرادا، فيكون أصغر، وتنفرد المقدمة الثانية بحدّ هو محمول المطلوب ويسمّى أكبر لأنه في الأغلب أعمّ فيكون أكثر أفرادا. فما ينحل إليه مقدمة القياس كالموضوع والمحمول يسمّى حدّا لأنه طرف النسبة تشبيها له بالحدّ الذي هو في كتب الرياضيين. فكل قياس يشتمل على ثلاثة حدود الأصغر والأكبر والأوسط مثلا إذا قلنا كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فالمطلوب أي النتيجة الحاصلة منه كل إنسان جسم والإنسان حدّ أصغر والحيوان حدّ أوسط والجسم حدّ أكبر هذا. ثم إنّ هذه الاصطلاحات غير مختصة بالقياس الحملي. فالواجب أن تعتبر بحيث تعمه وغيره، فيبدل لفظ الموضوع بالمحكوم عليه ولفظ المحمول بالمحكوم به انتهى. ويؤيد هذا التعميم ما في الطيبي من أن المشترك المكرّر بين مقدمتي القياس فصاعدا يسمّى أوسط لتوسّطه بين طرفي المطلوب، سواء كان موضوعا أو محمولا مقدما أو تاليا انتهى. وقال الصادق الحلواني في حاشيته في هذه العبارة إشعار بأنّ الحدّ الأوسط لا يختص بالاقتراني ولا الحملي ولا البسيط.

стр. 668

وظاهر كلام القوم خلاف الكل لإشعاره باختصاصه بالاقتراني الحملي البسيط. الحدبة: [في الانكليزية] Hump [ في الفرنسية] Bosse بفتح الحاء والدال المهملتين وبالفارسية: كوزي پشت- أي حدبة الظهر- كما في الصراح. وقال الأطباء هي زوال فقرة من فقرات الظهر إما إلى قدّام أو إلى خلف أو إلى أحد الجانبين. فإن مالت الفقرة إلى قدام فهو حدبة المقدّم وتسمّى التقصّع. وإن مالت إلى خلف فهو حدبة المؤخّر. وإذا أطلق لفظ الحدبة وتذكر بلا قيد يراد بها هذه الحدبة المؤخّرة. وإن مالت إلى جانب تسمّى بالالتواء. ثم الحدبة إما بسبب باد كضربة أو سقطة، أو بدني كرطوبة فالجيّة وريح، وهذا النوع الأخير أي الريحي يسمّى رياح الآفرسة. هذا خلاصة ما في بحر الجواهر والآقسرائي. الحدبية: [في الانكليزية] Al -Hadabiyya (sect) [ في الفرنسية] Al -Hadabiyya (secte) فرقة من المعتزلة أتباع فضل الحدبي «١»، ومذهبهم مذهب الحابطية، إلّا أنهم زادوا التناسخ، وأنّ كل حيوان مكلّف. فإنهم قالوا إن الله سبحانه أبدع الحيوانات عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار، وخلق فيهم معرفته والعلم به وأتمّ عليهم نعمته ثم ابتلاهم وكلّفهم بشكر نعمته فأطاعه بعضهم في الجميع، فأمرهم إلى دار نعيم التي ابتداؤهم فيها، وعصاه بعضهم في الجميع فأخرجهم من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار. وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض فأخرجهم إلى دار الدنيا وكساهم هذه الأجساد الكثيفة على صور مختلفة كصورة الإنسان وسائر الحيوانات، وابتلاهم بالبأساء والضّرّاء والآلام واللذات على مقادير ذنوبهم. فمن كانت معاصيه أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل. ومن كان بالعكس فبالعكس. ولا يزال يكوّن الحيوان في الدنيا في صورة بعد صورة ما دامت ذنوبه معه. وهذا عين القول بالتناسخ كذا في شرح المواقف «٢». الحدث: [في الانكليزية] Novelty ،impurity [ في الفرنسية] Nouveaute ،impurete بفتح الحاء والدال المهملتين وبالفارسية: بمعنى حديث الظّهور، وكلّ ما نقض الطهارة وحدث الناس، كما في المهذب وكنز اللغات «٣». وعند أهل العربية هو أمر يقوم بالفاعل أي معنى قائم بغيره سواء صدر عنه كالضرب والمشي أو لم يصدر كالطول والقصر، كما في الرضي. والمراد بالمعنى المتجدّد ويجيء في لفظ المصدر. ويطلق أيضا عندهم على المفعول المطلق ويسمّى حدثانا وفعلا أيضا كما في الإرشاد. وعند الفقهاء هو النجاسة الحكمية ولا يطلق على الحقيقية بخلاف النجس، فإنه يطلق على الحقيقية والحكمية، كذا في العارفية حاشية شرح الوقاية «٤». وفي البرجندي في نواقض الوضوء الحدث هو النجاسة الحكمية

стр. 669

التي ترتفع بالوضوء أو الغسل أو التيمم. وقد يطلق على ما حصلت بخروجه تلك النجاسة. وفي شرح المنهاج فتاوى الشافعية مراد الفقهاء من لفظ الحدث معنى مقدّر على الأعضاء معلول لأحد الأسباب المذكورة في الشرع، كخروج شيء من القبل أو الدّبر ونحو ذلك. ولا يصح التعبير عنه بما يوجب الوضوء لأنّ الحدث لا يوجبه وحده، بل مع القيام إلى الصلاة انتهى. الحدر: [في الانكليزية] Recitation of the Koran [ في الفرنسية] Recitation du Coran بالفتح وسكون الدال المهملة عند القرّاء من مراتب التجويد. الحدس: [في الانكليزية] Intuition [ في الفرنسية] Intuition بالفتح وسكون الدال المهملة في عرف العلماء هو تمثّل المبادئ المرتّبة في النفس دفعة من غير قصد واختيار، سواء كان بعد طلب أو لا، فيحصل المطلوب. وهو مأخوذ من الحدس بمعنى السرعة والسير. ولذا عرّف في المشهور بسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطلوب بحيث كان حصولهما معا. وفيه تسامح إذ لا حركة في الحدس، ولذا يقابل الفكر كما يجيء. والسرعة لا توصف إلّا بالحركة فكأنّهم شبّهوا عدم التدرج بالانتقال بسرعة الحركة وعبروا عنه بها. وقيل هو جودة حركة النفس إلى اقتناص الحدود الوسطى من تلقاء نفسها. وقيل هو تمثّل الحدّ الأوسط وما يجري مجراه دفعة في النفس. وقيل هو الظفر للحدود الوسطى وتمثّل المطالب معها دفعة من غير حركة سواء كان مع الشوق إلى المطالب تدرّجا أو لم يكن دون الحركة الأولى، وهي الانتقال من المطالب إلى المبادئ. وعلى هذا القول فمرادهم بقولهم لا حركة في الحدس نفي الحركة الثانية، أو نفي لزوم الحركة مطلقا، كذا ذكر في «١» الصادق الحلواني في حاشية الطيبي. ويجيء تحقيق هذا في لفظ الفكر. الحدسيات: [في الانكليزية] Intuitive propositions [ في الفرنسية] Propostions intuitives في عرف الحكماء والمتكلّمين هي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحدس. فإن كان الحكم بواسطة حدس قوي مزيل للشكّ مفيد لليقين تعدّ من القطعيات، كعلم الصانع لإتقان فعله. فإنّا لمّا شاهدنا أنّ أفعاله تعالى محكمة متقنة حكمنا بأنه عالم حكما حدسيا، وكذا لمّا شاهدنا حال اختلاف القمر في تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس حدسنا منه أنّ نوره مستفاد من نورها. وإن لم يكن الحكم بواسطة حدس قوي تعدّ من الظّنّيات، ولذلك ترى الاختلاف. فالبعض جعلها من القطعيات والبعض الآخر من الظنيات، هكذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف. واختلف في اشتراط تكرار المشاهدة في الحدسيات، فقيل لا بدّ في الحدسيات من تكرار المشاهدة ومقارنة القياس الخفي، فإنّه لو لم يكن نور القمر مستفادا من نور الشمس بل كان اختلاف تشكلاته النورية اتفاقيا لما استمر هذا الاختلاف على نمط واحد، وهكذا في المجرّبات. والفرق بينهما من وجوه. الأوّل أنّ السبب في التجربيّات غير معلوم الماهية فلذلك كان القياس المقارن لها قياسا واحدا، وهو أنّه لو لم يكن لعلّة لم يكن داعيا ولا أكثريا بخلاف الحدسيات فإنّ السبب فيها معلوم السببية والماهية معا، فلذلك كان القياس المقارن لها أقيسة مختلفة بحسب اختلاف العلل وماهياتها، يعني أنّ السبب في التجربيات معلوم السببية

стр. 670

مجهول من حيث خصوصية الماهية. وفي الحدسيات معلوم بالاعتبارين، فإنّ من شاهد ترتّب الإسهال على شرب سقمونيا علم أنّ هناك سببا للإسهال وإن لم يعلمه بخصوصيته. ومن شاهد في القمر اختلاف الأشكال النورية بحسب اختلاف أوضاعه عن الشمس علم أنّ نور القمر مستفاد من الشمس، كذا ذكره السّيد السّند في حاشية شرح الطوالع. والثاني أنّ التجربة تتوقف على فعل يفعله الإنسان حتى يعرف بواسطته المطلوب بخلاف الحدس. والثالث أنّ جزم العقل بالمجرّبات يحتاج إلى تكرار المشاهدة مرارا كثيرة، وجزم العقل بالحدسيات غير محتاج إلى ذلك، بل يكتفي فيه المشاهدة مرّتين لانضمام القرائن إليها بحيث يزول التردّد عن النفس. وقيل الحقّ أنّ المشاهدة مرتين أيضا غير لازمة في الحدسيات عند انضمام القرائن المذكورة إليها، بل المشاهدة أيضا ليست بلازمة، فإنّ المطالب العقلية قد تكون حدسية. ثم الظاهر أنّ العاديات داخلة في الحدسيات على ما قيل. هكذا ذكر الصادق الحلواني في حاشية الطيبي. الحدوث: [في الانكليزية] Creation [ في الفرنسية] Creation بالضم مقابل القدم والحادث مقابل القديم، وهو إضافي وحقيقي، ذاتي وزماني. ويجئ مستوفى في لفظ القدم. قال الحكماء الحدوث يستدعي مدة أي زمانا ومادة أي محلا إمّا موضوعا إن كان الحادث عرضا، وإمّا هيولى إن كان صورة، وإمّا جسما يتعلق به إن كان نفسا، وتحقيقه يطلب من شرح المواقف. الحديث: [في الانكليزية] Created hadith (prophetic tradition) [ في الفرنسية] Cree ،hadith (tradition du Prophete) لغة ضد القديم ويستعمل في قليل الكلام وكثيره. وفي اصطلاح المحدّثين قول الرسول ﵌ وحكاية فعله وتقريره. وفي الخلاصة أو قول الصحابي والتابعي. وقال في خلاصة الخلاصة الحديث هو قول النبي ﵌ والمروي عن قوله وفعله وتقريره. وقد يطلق على قول الصحابة والتابعين والمروي عن آثارهم. وفي شرح شرح النخبة الحديث ما أضيف إلى النبي ﵌ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة. وقيل رؤيا حتى الحركات والسكنات في اليقظة فهو أعمّ من السّنة. وكثيرا ما يقع في كلام أهل الحديث ومنهم العراقي «١» ما يدل على ترادفهما. والمفهوم من التلويح أنّ السّنة أعم من الحديث حيث قال: السنة ما صدر عن النبي ﵇ غير القرآن من قول ويسمّى الحديث، أو فعل أو تقرير انتهى. وقيد غير القرآن احتراز عن القرآن فإنّه لا يسمّى حديثا اصطلاحا، ويدخل في القرآن ما نسخ تلاوته سواء بقي حكمه أو لا، وكذا القراءات الشاذّة والمشهورة. أما الأول فلما ذكر في الإتقان في نوع النسخ حيث قال: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: الأول ما نسخ تلاوته وحكمه معا. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 671

وسلم وهن مما يقرأ من القرآن، رواه الشيخان. ومعنى قولها وهن مما يقرأ أنّ التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلى بعد وفاة رسول الله ﵌، فتوفي وبعض الناس يقرؤها. وقال أبو موسى الأشعري نزلت ثم رفعت. والثاني ما نسخ حكمه دون تلاوته. والثالث ما نسخ تلاوته دون حكمه. قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم «١» عن أيوب «٢» عن نافع «٣» عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كلّه، فإنه قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر. وقال حدثنا ابن أبي مريم «٤» عن ابن لهيعة «٥» عن أبي الأسود «٦» عن عروة بن الزبير «٧» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي ﵌ مائتي آية كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلّا على ما هو الآن. ثم ذكر صاحب الإتقان في هذا الضرب آيات منها إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. ومنها لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيته سأل ثانيا فأعطيته سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإنّ ذات الدين عند الله الحنفية غير اليهودية ولا النصرانية، ومن يعمل خيرا فلن يكفره انتهى. وأيضا قد صرح الچلپي في حاشية التلويح في ركن السنة في بيان تعريف السنة بأنّ منسوخ التلاوة ليس من السّنة. وأما الثاني فلما ذكر في الاتقان أيضا في نوع أقسام القراءة حيث قال: قال القاضي جلال الدين البلقيني «٨» القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ. فالمتواتر القراءات السبع

стр. 672

المشهورة. والآحاد القراءات الثلاث التي هي تمام العشر ويلحق بها قراءات الصحابة. والشاذ قراءات التابعين كالأعمش «١». وقال مكي «٢» ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام. قسم يقرأ به ويكفر جاحده، وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف. وقسم صحّ نقله عن الآحاد وصحّ في العربية وخالف لفظ الخط فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: مخالفته لما أجمع عليه وأنه لم يؤخذ بإجماع، بل بخبر الآحاد، ولا يثبت به قرآن، ولا يكفر جاحده، ولبئس ما صنع إذا جحد. وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط. وقال الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﵌ للبيان والإعجاز. والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما انتهى. فإن قيل قد ذكر صاحب التوضيح أنّ القرآن هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترا. وقال سعد الملّة والدين في التلويح: فخرج جميع ما عدا القرآن كسائر الكتب السماوية وغيرها، والأحاديث الإلهية والنبوية، ومنسوخ التلاوة والقراءات الشاذة والمشهورة. وقال في مختصر الأصول ما نقل آحادا فليس بقرآن. قلت قد ذكر في العضدي أنّ غرض الأصولي هو تعريف القرآن الذي هو جنسه دليل في الفقه انتهى. ولا خفاء في أنّ القرآن الذي هو دليل من الأدلة الأربعة الفقهية ليس إلّا هو القرآن المنقول في المصاحف تواترا فلا تدافع بين ما ذكر وبين ما ذكره صاحب الإتقان. التقسيم الحديث إما نبوي وإما إلهي، ويسمّى حديثا قدسيا أيضا. فالحديث القدسي هو الذي يرويه النبي ﵌ عن ربه . والنبوي ما لا يكون كذلك، هكذا يفهم مما ذكر ابن الحجر في الفتح المبين في شرح الحديث الرابع والعشرين. وقال الچلپي في حاشية التلويح في الركن الأول عند بيان معنى القرآن: الأحاديث الإلهية هي التي أوحاها الله تعالى إلى النبي ﵌ ليلة المعراج وتسمّى بأسرار الوحي. فائدة: قال ابن الحجر هناك: لا بدّ من بيان الفرق بين الوحي المتلو وهو القرآن والوحي المروي عنه ﵌ عن ربه وهو ما ورد من الأحاديث الإلهية وتسمّى القدسية، وهي أكثر من مائة، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير. اعلم أنّ الكلام المضاف إليه تعالى أقسام. أولها وأشرفها القرآن لتميزه عن البقية بإعجازه وكونه معجزة باقية على ممر الدهور، محفوظة من التغيير والتبديل، وبحرمة مسّه للمحدث، وتلاوته لنحو الجنب وروايته بالمعنى، وبتعيينه في الصلاة وبتسميته قرآنا، وبأن كل حرف منه بعشرة، وبامتناع بيعه في رواية عند أحمد وكراهته عندنا، وبتسمية الجملة

стр. 673

منه آية وسورة. وغيره من بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذلك، فيجوز مسّه وتلاوته لمن ذكر وروايته بالمعنى، ولا يجزئ في الصلاة بل يبطلها، ولا يسمّى قرآنا ولا يعطى قارئه بكل حرف عشرة، ولا يمنع بيعه ولا يكره اتفاقا، ولا يسمّى بعضه آية ولا سورة اتفاقا أيضا. وثانيها كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل تغيرها وتبدلها. وثالثها بقية الأحاديث القدسية وهي ما نقل إلينا آحادا عنه ﵌ مع إسناده لها عن ربه فهي من كلامه تعالى فتضاف إليه وهو الأغلب، ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء لأنه المتكلم بها أولا. وقد يضاف إلى النبي ﵌ لأنه المخبر بها عن الله تعالى بخلاف القرآن فإنه لا يضاف إلّا إليه تعالى، فيقال فيه: قال الله تعالى، وفيها: قال رسول الله ﵌ فيما يروي عن ربه. واختلف في بقية السّنة هل هو كله بوحي أو لا، وآية وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «١» تؤيّد الأول. ومن ثمّ قال ﵌ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه «٢». ولا تنحصر تلك الأحاديث في كيفية من كيفيات الوحي بل يجوز أن تنزل بأي كيفية من كيفياته كرؤيا النوم والإلقاء في الروع وعلى لسان الملك. ولراويها صيغتان إحداهما أن يقول، قال رسول الله ﵌ فيما يروي عن ربه وهي عبارة السلف. وثانيتهما أن يقول قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله ﵌ والمعنى واحد انتهى كلامه. وفي فوائد «٣» الأمير حميد الدين «٤» الفرق بين القرآن والحديث القدسي على ستة أوجه. الوجه الأول أن القرآن معجز والحديث القدسي لا يلزم أن يكون معجزا. والثاني أن الصلاة لا تكون إلّا بالقرآن بخلاف الحديث القدسي. والثالث أنّ جاحد القرآن يكفر بخلاف جاحده. والرابع أنّ القرآن لا بدّ فيه من كون جبرئيل ﵇ واسطة بين النبي ﵌ وبين الله تعالى بخلاف الحديث القدسي. والخامس أنّ القرآن يجب أن يكون لفظا من الله تعالى وفي الحديث القدسي يجوز لفظ من النبي ﵌. والسادس أنّ القرآن لا يمسّ إلّا بالطهارة والحديث القدسي يجوز مسّه من المحدث انتهى. وتبين بهذا الفرق بين الحديث القدسي وبين ما نسخ تلاوته أيضا لما عرفت فيما نقلنا من الإتقان من أنّه يسمّى بالقرآن والآية. تقسيم آخر ينقسم الحديث أيضا إلى صحيح وحسن وضعيف، وكل منها إلى ثلاثة عشر صنفا: المسند والمتصل والمرفوع والمعنعن والمعلق والفرد والمدرج والمشهور والعزيز والغريب والمصحف والمسلسل وزائد الثقة. وينقسم الضعيف إلى اثنى عشر قسما: الموقوف والمقطوع والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والمنكر والمعلل والمدلس والمضطرب والمقلوب والموضوع،

стр. 674

هكذا في خلاصة الخلاصة، وله أقسام أخر وبيان الجميع في مواضعها. فائدة: اختلف أهل الحديث في الفرق بين الحديث والخبر. فقيل هما مترادفان. وقيل الخبر أعم من الحديث لأنه يصدق على كل ما جاء عن النبي ﵌ وعن غيره، بخلاف الحديث فإنه يختصّ بالنبي ﵌. فكل حديث خبر من غير عكس كلي. وقيل هما متباينان فإن الحديث ما جاء عن النبي ﵊ والخبر ما جاء عن غيره. ومن ثم قيل هما متباينان فإن الحديث ما جاء عن النبي ﵌. فكل حديث خبر من غير عكس كلي. وقيل هما متباينان فإن الحديث ما جاء عن النبي ﵊ والخبر ما جاء عن غيره. ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها الأخباري، ولمن يشتغل بالسّنة النبوية المحدّث، هكذا في شرح النخبة وشرحه. وفي الجواهر وأما الأثر فمن اصطلاح الفقهاء فإنهم يستعملونه في كلام السلف، والخبر في حديث الرسول ﵊. وقيل الخبر يباين الحديث ويرادف الأثر. الحذّ: [في الانكليزية] Lightening (prosody) [ في الفرنسية] Coupee ،allegement (prosodie) عند أهل العروض سقوط الوتد المجموع من آخر الجزء. والجزء الذي فيه الحذّ يسمّى أحذ، كذا في عنوان الشرف وجامع الصنائع. فإذا أخذ فعلن من متفاعلن بحذف علن منه وإبدال متفا لكونه مهملا من فعلن يسمّى ذلك العمل حذا، وكذا الحال في فعلن المأخوذ من مستفعلن. وفي بعض رسائل العروض العربي الحذذ بفكّ الإدغام، ويؤيد هذا ما وقع في المنتخب والصراح من أنّ الحذذ بفتحتين من تصرفات أهل العروض وهو إسقاط الوتد المجموع من متفاعلن، والقصيدة تسمّى حذاء وهذا من البحر الكامل. الحذف: [في الانكليزية] Omission ،ellipsis [ في الفرنسية] Omission ،retranchement ،ellipse بالفتح وسكون الذال المعجمة في اللغة هو الإسقاط. وفي اصطلاحات العلوم العربية يطلق على إسقاط خاص. فعند أهل العروض يطلق على إسقاط السبب الخفيف من آخر الجزء، فبقي من مفاعيلن مثلا فعولن لأن مفاعي لما كان غير مستعمل وضع موضعه فعولن، هكذا في رسالة قطب الدين السرخسي وجامع الصنائع وغيرهما. وعند أهل البديع يطلق على بعض المحسّنات الخطية. وبهذا المعنى ليس من علم البديع حقيقة وإن ذكره البعض فيه أي في علم البديع، ولعله جعله من الملحقات وهو إسقاط الكاتب أو الشاعر بعض الحروف المعجم من رسالته أو خطبته أو قصيدته كذا في المطول. وأورد في مجمع الصنائع: الحذف هو أن يلتزم الكاتب أو الشاعر بأن لا يستعمل كلاما فيه حرف معيّن أو أكثر، سواء كان الحرف معربا أو معجما. مثاله: صنعت صدر مسند دستور من برد زينت بهشت برين. ومعناه صنعة الصدر المسند (آخذ الأمر) هي زينة الجنة العليا. وقد تخلّى عن استخدام حرف الألف في جميع الكلمات. والحذف المعتبر في هذه الصناعة هو قسمان: تعطيل ومنقوط ... وقد ذكر صاحب جامع الصنائع أنّ الطّرح بمعنى الحذف «١».

стр. 675

والأنسب باصطلاح الصرفيين أنّ الحذف هو إسقاط حرف أو أكثر أو حركة من كلمة. وسمي إسقاط الحركة بالإسكان كما لا يخفى. قال الرضي في شرح الشافية: قد اشتهر في اصطلاحهم الحذف الإعلالي للحذف الذي يكون لعلة موجبة على سبل الاطراد كحذف ألف عصا وياء قاض. والحذف الترخيمي والحذف لا لعلة للحذف الغير المطرد كحذف لام يد ودم انتهى. والأنسب باصطلاح النحاة وأهل المعاني والبيان أنّه إسقاط حركة أو كلمة أكثر أو أقل، وقد يصير به الكلام المساوي موجزا، وسمّاه أي الحذف ابن جنّي سجاعة العربية، وهذا المعنى أعمّ من معنى الصرفيين. في الإتقان وهو أنواع الاقتطاع والاكتفاء والاحتباك ويسمّيه البعض بالحذف المقابلي أيضا. والرابع الاختزال فالاقتطاع حذف بعض الكلمة، والاكتفاء هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفى بأحدهما لنكتة، والاحتباك هو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، ويجيء تحقيق كل في موضعه. والاختزال هو ما ليس واحدا مما سبق، وهو أقسام، لأنّ المحذوف إمّا كلمة اسم أو فعل أو حرف، وإمّا أكثر من كلمة انتهى. فمنه أي من الاختزال حذف المضاف سواء أعطي للمضاف إليه إعرابه نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» أي أهل القرية، أو أبقي على إعرابه عند مضي إضافة أخرى مثلها نحو تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ «٢» بالجرّ في قراءة. أي عرض الآخرة. وإذا احتاج الكلام إلى حذف يمكن تقديره مع أول الجزءين ومع آخره، فتقديره مع الثاني أولى لأنّ الحذف من آخر الجملة أولى نحو الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ «٣» أي الحجّ حج أشهر لا أشهر حج، ويجوز حذف مضافين نحو فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ «٤» أي من [أثر] «٥» حافر فرس الرسول، أو ثلاثة نحو فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٦» أي فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب. ومنه حذف المضاف إليه. وهو يكثر في الغايات نحو قبل وبعد، وفي المنادى المضاف إلى ياء المتكلم نحو ربّ اغفر لي، وفي أيّ وكل وبعض، وجاء في غيرها كقراءة فلا خوف عليهم بضم خوف بلا تنوين، أي فلا خوف شيء عليهم. ومنه حذف المبتدأ ويكثر في جوانب الاستفهام نحو وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ «٧» أي هي نار الله، وبعد فاء الجواب نحو مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ «٨» أي فعمله لنفسه، وبعد القول نحو إِلَّا قالُوا ساحِرٌ «٩» أي هو ساحر، وبعد ما يكون الخبر صفة له في المعنى نحو التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ «١٠» أي هم العابدون، ونحو صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ «١١»، ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع ووقع في غير ذلك. ومنه

стр. 676

حذف الخبر نحو فَصَبْرٌ جَمِيلٌ «١» أي فأمري صبر. ومنه حذف الموصوف نحو وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ «٢» أي حور قاصرات. ومنه حذف الصفة نحو يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ «٣» أي صالحة. ومنه حذف المعطوف عليه نحو أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ «٤» فانفلق أي فضرب فانفلق. وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل ففي تخريجه وجهان: أحدهما أن يكون تعليلا معلّله محذوف كقوله تعالى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً «٥» فالمعنى وللإحسان إلى مؤمنين فعل ذلك. وثانيهما أنه معطوف على علة أخرى مضمرة ليظهر صحّة العطف أي فعل ذلك ليذيق الكافرين بأسه وليبلي الخ. ومنه حذف المعطوف مع العاطف نحو لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ «٦» أي ومن أنفق بعده. ومنه حذف حرف العطف وبابه الشعر وقد خرّج على ذلك قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ «٧» أي ووجوه عطفا على وجوه يومئذ خاشعة. وقيل أكلت خبزا لحما تمرا من هذا الباب. وقيل من باب بدل الإضراب. وأمّا حذف المعطوف بدون حرف العطف فغير جائز فيجب معه حذف العاطف. ومنه حذف المبدل منه خرّج عليه وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ «٨» أي لم تصفه والكذب بدل من الهاء. ومنه حذف المؤكّد وبقاء التوكيد، فسيبويه والخليل أجازاه وأبو الحسن «٩» ومن تبعه منعوه. ومنه حذف الفاعل وهو لا يجوز إلّا في فاعل المصدر نحو لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي من دعائه الخير. ومنه حذف المفعول وهو كثير في مفعول المشيئة والإرادة، ويرد في غيرهما أيضا، لكن حذف المقول وبقاء القول غريب نحو قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ «١٠» أي هو سحر بدليل أسحر هذا. ومنه حذف الحال يكثر إذا كان قولا أغنى عنه المقول نحو وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ «١١» أي قائلين [ذلك] «١٢». ومنه حذف واو الحال نحو قول الشاعر: نصف النهار الماء غامره أي انتصف النهار، والحال أنّ الماء غامر هذا الغائص. ومنه حذف المنادى نحو «ألا يا اسجدوا» «١٣» أي ألا يا قوم اسجدوا. ومنه حذف حرف النداء نحو قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ «١٤» ومنه حذف العائد ويقع في أربعة أبواب: الصلة نحو أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا «١٥» أي بعثه. والصفة نحو وَاتَّقُوا يَوْماً

стр. 677

لا تَجْزِي نَفْسٌ «١» أي فيه. والخبر نحو وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى «٢» أي وعده، والحال. ومنه حذف المخصوص بالمدح أو الذم نحو نِعْمَ الْعَبْدُ «٣» أي أيوب. ومنه حذف الموصول الاسمي أجازه الكوفيون والأخفش وتبعهم ابن مالك، وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر، ومن حجتهم آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ «٤» أي والذي أنزل إليكم لأنّ الذي أنزل إلينا ليس هو الذي نزل من قبلنا، ولهذا أعيدت ما في قوله قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ «٥» وهو الذي أنزل من قبلنا. ومنه حذف الموصول الحرفي، قال ابن مالك لا يجوز إلّا في أن نحو وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ «٦» أي أن يريكم، ونحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. قال في المغني وهو مطرد في مواضع معروفة وشاذ في غيرها. ومنه حذف الصلة وهو جائز قليلا لدلالة صلة أخرى أو دلالة غيرها. ومنه حذف الفعل وحده أو مع مضمر مرفوع أو منصوب أو معهما. ومنه حذف التمييز نحو كم صمت أي كم يوما صمت. وقال الله تعالى عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ «٧» وقوله إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ «٨»، وهو شاذ في باب نعم نحو من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، أي فبالرخصة أخذ ونعمت رخصة. ومنه حذف الاستثناء أي المستثنى وذلك بعد إلّا وغير المسبوقين بليس. يقال قبضت عشرة ليس إلّا وليس غير أي لي إلّا عشرة. وأجاز البعض ذلك بعد لم يكن وهو ليس بمسموع. وأما حذف أداة الاستثناء فلم يجزه أحد إلّا أنّ السهيلي «٩» قال في قوله تعالى وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١٠» أنّ التقدير إلّا قائلا إلّا أن يشاء الله، فتضمّن كلامه حذف أداة الاستثناء والمستثنى جميعا، والصواب أن يقال الاستثناء مفرّغ وأنّ المستثنى مصدر أو حال أي إلّا قولا مصحوبا بأن يشاء الله، أو إلّا ملتبسا بأن يشاء الله. وقد علم أنه لا يكون القول مصحوبا بذلك إلّا مع حرف الاستثناء فطوي ذكره لذلك فالباء محذوفة من أن. ومنه حذف فاء الجواب وهو مختصّ بالضرورة وقد خرّج عليه الأخفش قوله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ «١١» أي فالوصية. وقال غيره الوصية فاعل ترك. ومنه حذف قد في الحال الماضي نحو أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «١٢» أي قد حصرت. ومنه حذف لا التبرئة، حكى الأخفش لا رجل وامرأة بالفتح وأصله ولا امرأة. ومنه حذف لا النافية

стр. 678

يطّرد ذلك في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعا نحو قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ «١» أي لا تفتأ ويقل مع الماضي ويسهله تقدّم لا على القسم كقول الشاعر: فلا والله نادى الحي قومي وسمع بدون القسم وقد قيل به في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٢» أي لئلا تضلّوا. وقيل المضاف محذوف أي كراهة أن تضلّوا، ومنه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ «٣» أي لا يطيقونه. ومنه حذف لام الأمر وهو مطّرد عند بعضهم في نحو قل له يفعل وجعل منه وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا «٤» وقيل هو جواب شرط محذوف أو جواب الطلب. والحقّ أنّ حذفها مختص بالشعر. ومنه حذف لام التوطئة نحو وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا «٥» أي لئن لم ينتهوا. ومنه حذف لام لقد وهو لام جواب القسم ويحسن مع طول الكلام نحو قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها «٦». ومنه حذف الجار وهو يكثر مع أنّ وإنّ وقد يحذف مع بقاء الجر نحو الله لأفعلن كذا، وأما حذفه مع المجرور فكثير. ومنه حذف ما النافية جوّزه ابن معط «٧» في جواب القسم خلافا لابن الخباز «٨». ومنه حذف ما المصدرية قاله أبو الفتح في قوله: يأتيه تقدمون الخيل شعثا. ومنه حذف كي المصدرية أجازه السيرافي في نحو جئت لتكرمني، وإنّما يقدّر الجمهور هنا أن لأنها أمّ الباب فهي أولى بالتجوز. ومنه همزة الاستفهام خرّج عليه هذا ربي. ومنه حذف نون التأكيد يجوز في لافعلن للضرورة، ويجب في الخفيفة إذا لقيها ساكن نحو اضرب الغلام بفتح الباء والأصل اضربن وفي غيره ضرورة. وقيل جاء في النثر أيضا كقراءة ألم نشرح بالفتح. ومنه حذف نوني التثنية والجمع يجب عند الإضافة وشبهها نحو لا غلامي لزيد إذا لم يقدّر اللام مقحمة وعند تقصير الصّلة نحو الضاربا زيدا والضاربو عمروا وعند اللام الساكنة قليلا نحو لذائقو العذاب فيمن قرأ بالنصب وعند الضرورة. ومنه حذف التنوين يحذف لزوما لدخول أل، وللإضافة وشبهها، ولمنع الصرف، وللوقف في غير النصب، ولاتصال الضمير، ولكون الاسم علما موصوفا بما اتصل به وأضيف إلى علم آخر من ابن او ابنة اتفاقا أو بنت عند قوم. ويحذف لالتقاء الساكنين قليلا وعليه قرئ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ «٩» بترك تنوين أحد. ولا يحذف تنوين مضاف بغير مذكور باطراد إلّا أن أشبه في اللفظ المضاف نحو قطع الله يد ورجل من قالها. ومنه حذف أل التعريف تحذف للإضافة المعنوية والنداء. وسمع سلام عليكم بغير تنوين. ومنه حذف لام الجواب وذلك ثلاثة: حذف لام جواب لو نحو

стр. 679

لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً «١»، وحذف لام لأفعلن وهو مختص بالضرورة، وحذف لام جواب القسم كما سبق. ومنه حذف حركة الإعراب والبناء كقراءة فتوبوا إلى بارئكم ويأمركم وبعولتهن أحق بسكون الثلاثة. ومنه حذف الكلام في الجملة ويقع ذلك باطراد في مواضع: أحدها بعد حرف الجواب يقال أقام زيد فنقول نعم. وثانيها بعد نعم وبئس إذا حذف المخصوص. وقيل إنّ الكلام جملتان. وثالثها بعد حرف النداء في مثل يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ «٢» إذ قيل إنه على حذف المنادى أي يا هؤلاء، ورابعها بعد إن الشرطية كقوله: «٣» [لرؤبة بن العجاج] قالت بنات العمّ يا سلمى وإن كان عيا معدما قالت وإن أي وإن كان كذلك رضيته أيضا. وخامسها في قولهم افعل هذا أمّا لا أي إن كنت لا تفعل غيره فافعله. ومنه حذف أكثر من جملة نحو فارسلون يوسف أي فارسلون إلى يوسف لاستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له يا يوسف. ومنه حذف جملة القسم وهو كثير جدا وهو لازم مع غير الباء. وحيث قيل لأفعلن أو لقد فعل أو لئن فعل ولم يقدم جملة قسم يكون القسم مقدرا نحو لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً «٤». واختلف في نحو لزيد قائم وإنّ زيدا قائم أو لقائم هل يجب كونه جوابا للقسم أو لا. ومنه حذف جواب القسم، يجب إذا تقدّم عليه أو اكتنفه ما يغني عن الجواب. فالأول نحو زيد قائم والله. والثاني نحو زيد والله قائم. فإن قلت زيد والله إنّه قائم أو لقائم احتمل كون المتأخّر عنه خبرا عن المتقدّم أو جوابا وجملة القسم وجوابه الخبر، ويجوز في غير ذلك نحو وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً «٥» الآية لنبعثن بدليل ما بعده. ومنه حذف جملة الشرط وهو مطّرد بعد الطلب نحو فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٦». وحذف جملة الشرط بدون الأداة كثير. ومنه حذف جواب الشرط نحو فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ «٧» أي لعذّبكم، وهو واجب في مثل: هو ظالم إن فعل، ومثل: هو إن فعل ظالم، أي فعليه لعنة الله. ومنه حذف جملة مبيّنة «٨» عن المذكور نحو ليحق الحق ويبطل الباطل أي فعل ما فعل. هذا كله خلاصة ما في الإتقان والمطوّل. فائدة: الحذف الذي يلزم النحوي النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة وذلك كأن يجد خبرا بدون مبتدأ أو بالعكس أو شرطا بدون جزاء أو بالعكس أو معطوفا بدون معطوف عليه أو بالعكس أو معمولا بدون عامل. وأما قولهم سرابيل تقيكم الحرّ على كون التقدير والبرد فضول في علم النحو، وإنما ذلك للمفسّر. وكذا قولهم يحذف الفاعل لعظمته أو حقارته ونحو ذلك فإنه تطفّل منهم على صناعة البيان.

стр. 680

فائدة: في ذكر شروط الحذف وهي ثمانية. الأول وجود دليل حالي أو مقالي إذا كان المحذوف جملة بأسرها نحو قالُوا سَلاماً «١» أي سلمنا سلاما، ونحو وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً «٢». أو أحد ركنيها نحو قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ «٣» أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون، فحذف خبر الأولى ومبتدأ الثانية. أو لفظا يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو تالله تفتؤا. وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجدان الدليل ولكن يشترط أن لا يكون في حذفه ضرر معنوي كما في قولك ما ضربت إلّا زيدا، أو صناعي كما في قولك زيدا ضربته وقولك ضربني وضربت زيد. ولاشتراط الدليل امتنع حذف الموصوف في نحو رأيت رجلا أبيض بخلاف رأيت رجلا كاتبا. وحذف المضاف في نحو غلام زيد بخلاف جاء ربك. وحذف المبتدأ إذا كان ضمير الشأن. موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج ١ ٦٣٧ فائدة: ..... ص: ٦٣٧ حذف المضاف في نحو غلام زيد بخلاف جاء ربك. وحذف المبتدأ إذا كان ضمير الشأن. ومن الأدلة ما هو صناعي أي تختصّ بمعرفة النحو فإنه إنما عرف من جهة الصناعة وإعطاء القواعد وإن كان المعنى مفهوما كقولهم في لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ «٤» أنّ التقدير لأنا أقسم وذلك لأنّ فعل الحال لا يقسم عليه. ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف فلا يجوز زيد ضارب وعمرو أي ضارب، ويراد بالمحذوف معنى يخالف المذكور. ومن الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلّا بتقدير محذوف، ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالته على تعيينه بل يستفاد التعيين من دليل آخر نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ «٥» فإنّه لمّا لم تصح إضافته إلى الإحرام دلّ العقل على حذف شيء، وأمّا تعيينه وهو التناول فمستفاد من قوله ﵇ والصلاة «إنّما حرم أكلها» «٦». وتارة يدل على التعيين أيضا نحو وَجاءَ رَبُّكَ «٧» أي أمر ربك بمعنى عذابه لأنّ العقل دلّ على استحالة مجيء الربّ تعالى، وعلى أنّ الجائي أمره. وتارة يدلّ على التعيين عادة نحو فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ «٨» دلّ العقل على الحذف لأنّ يوسف لا يصلح ظرفا للّوم. ثم يحتمل أن يقدّر لمتنني في حبه لقوله تعالى قَدْ شَغَفَها حُبًّا «٩» وفي مراودته لقوله تعالى تُراوِدُ فَتاها «١٠»، والعادة دلّت على الثاني لأنّ الحبّ المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة لأنه ليس اختياريا بخلاف المراودة. وتارة يدلّ عليه التصريح به في موضع آخر وهو أقواها نحو رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ «١١» أي من عند الله بدليل وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «١٢». ومن الأدلة علي أصل الحذف العادة بأن يكون العقل

стр. 681

غير مانع عن إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف نحو قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ «١» أي مكان قتال. والمراد مكانا صالحا للقتال لأنّهم كانوا أخبروا الناس بالقتال ويتغيّرون بأن يتفوّهوا بأنهم لا يعرفونه، فالعادة تمنع إرادة حقيقة القتال. ومن الأدلة الشروع في الفعل نحو: بسم الله الرحمن الرحيم، فيقدّر ما جعلت التسمية مبدأ له قراءة كان أو فعلا. الثاني أن لا يكون المحذوف كالجزء، فلا يحذف الفاعل ولا نائبه ولا شبهه كاسم إنّ وأخواتها. الثالث أن لا يكون مؤكّدا لأنّ الحذف مناف للتأكيد لأنه مبني على الاختصار والتأكيد مبني على الطّول، ومن ثمّ ردّ الفارسي على الزّجاج في قوله تعالى قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٢» أي إن هذان لهما ساحران، فقال الحذف والتأكيد باللام متنافيان. وأما حذف الشيء لدليل وتأكيده فلا تنافي بينهما لأنّ المحذوف بالدليل كالثابت. ولذا قال ابن مالك: لا يجوز حذف عامل المصدر المؤكّد. الرابع أن لا يؤدّي حذفه إلى اختصار المختصر فلا يحذف اسم الفعل دون معموله لأنه اختصار الفعل. الخامس أن لا يكون عاملا ضعيفا كالجار والناصب للفعل والجازم إلّا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر فيها الاستعمال لتلك العوامل ولا يجوز القياس عليها. السادس أن لا يكون عوضا عن شيء فلا يحذف ما في أمّا أنت منطلقا انطلقت، ولا كلمة لا في قولهم افعل هذا أمّا لا، ولا التاء من عدة. السابع والثامن أن لا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، ولا إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوي. وللأمر الأول منع البصريون حذف مفعول الفعل الثاني من نحو ضربني وضربته زيد لئلّا يتسلّط على زيد ثم يقطع عنه برفعه بالفعل الأول. ولاجتماع الأمرين امتنع عندهم أيضا حذف المفعول من زيد ضربته لأنّ في حذفه تسليط ضرب على العمل في زيد مع قطعه عنه وإعمال الابتداء مع التمكّن من إعمال الفعل، ثم حملوا على ذلك زيدا ضربته أو هل زيدا ضربته، فمنعوا الحذف وإن لم يؤدّ إلى ذلك. فائدة: اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن. ولهذا قال في قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ «٣» أنّ الأصل لا تجزئ فيه، فحذف حرف الجر ثم الضمير، وهذه ملاطفة في الصناعة ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا. فائدة: الأصل أن يقدّر الشيء في مكانه الأصلي لئلّا يخالف الأصل من وجهين: الحذف ووضع الشيء في غير محله، فيجب أن يقدّر المفسّر في زيدا رأيته مقدما عليه. وجوز البيانيون تقديره مؤخرا لإفادة الاختصاص كما قاله النحاة إذا منع منه مانع نحو وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «٤» فإنّ النحاة على أنه يقدّر مؤخرا هاهنا إذ لا يلي أمّا فعل. فائدة: ينبغي تقليل المقدّر مهما أمكن لتقلّ مخالفة الأصل، ولذلك كان تقدير الأخفش في ضربي زيدا قائما ضربه قائما أولى. من تقدير باقي البصريين، وهو حاصل إذا كان قائما. قال الشيخ عز الدين «٥» ولا يقدّر من المحذوفات إلّا

стр. 682

أشدها موافقة للغرض وأفصحها. ومهما تردّد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن في التنزيل لأنّ الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث. فائدة: إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقي فاعلا وبين كونه مبتدأ والباقي خبرا فالثاني أولى لأنّ المبتدأ عين الخبر، فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف. فأمّا الفعل فإنه غير الفاعل، اللهم إلّا أن يعتضد الأول برد آية «١» أخرى في ذلك الموضع أو بموضع آخر يشبهه. وإذا دار بين كونه مبتدأ وخبرا فقال الواسطي «٢» كونه مبتدأ أولى لأنّ الخبر محط الفائدة. وقال العبدي «٣» الأولى الخبر لأنّ التجوّز في آخر الجملة أسهل. وإذا دار الأمر بين كونه أولا وثانيا فالثاني أولى، ومن ثمّ رجّح أنّ المحذوف في نحو أتحاجّونّي نون الوقاية لا نون الرفع. فائدة: في حذف المفعول اختصارا واقتصارا جرت عادة النحاة أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا واقتصارا ويريدون بالاختصار الحذف بدليل، وبالاقتصار الحذف بغير دليل، ويمثلونه بنحو كلوا واشربوا أي أوقعوا هذين الفعلين. والتحقيق أن يقال كما قال أهل البيان تارة يتعلّق الغرض بالإعلام بمجرّد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه ومن أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام، فيقال: حصل حريق أو نهب، وتارة يتعلّق بالإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول ولا ينوى لأنّ المنوي كالثابت، ولا يسمّى محذوفا لأنّ الفعل ينزّل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «٤» وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله فيذكران. وهذا النوع إذا لم يذكر مفعوله قيل إنه محذوف. وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره نحو أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا «٥». وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه نحو قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «٦» قد يتوهّم أنّ معناه نادوا فلا حذف، أو سمّوا فالحذف واقع. فائدة: اختلف في الحذف فالمشهور أنه من المجاز وأنكره البعض لأنّ المجاز استعمال اللفظ في غير موضعه والحذف ليس كذلك. وقال ابن عطية «٧» حذف المضاف وهو عين المجاز ومعظمه وليس كل حذف مجازا. وقال الفراء في الحذف أربعة أقسام. قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد نحو

стр. 683

وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» أي أهلها إذ لا يصح إسناد السؤال إليها. وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعا كقوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ «٢» أي فافطر فعدة. وقسم يتوقّف عليه عادة لا شرعا نحو أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ «٣» فضربه فانفلق. وقسم يدلّ عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة نحو فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ «٤» دلّ الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول وليس في هذه الأقسام مجاز إلّا الأول. وقال الزنجاني في المعيار إنّما يكون مجازا إذا تغيّر حكم، فأمّا إذا لم يتغيّر كحذف خبر المبتدأ فليس مجازا، إذ لم يتغيّر حكم ما بقي من الكلام. وقال القزويني في الإيضاح متى تغيّر إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فمجاز وإلّا فلا. وقد سبق في لفظ المجاز. فائدة: للحذف فوائد كالاختصار والاحتراز عن العبث بظهوره وكالتنبيه على ضيق الوقت كما في التحذير والإغراء وكالتفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام وكالتخفيف لكثرته في الكلام، كما في حذف حرف النداء وغير ذلك، مما بيّن في كتب البيان. وإن شئت توضيح تلك المباحث فارجع إلى المغني والإتقان. الحذف والإيصال: [في الانكليزية] Omission of the preposition [ في الفرنسية] Omission de la preposition عند أهل العربية عبارة عن حذف الجار وإيصال الفعل أو شبهه إلى المجرور. هكذا يستفاد من بعض حواشي التلخيص. الحذو: [في الانكليزية] Accent [ في الفرنسية] Accent بالفتح وسكون الذال المعجمة هو عند أهل القوافي حركة ما قبل الرّدف، كذا في عنوان الشرف. ويقول في رسالة منتخب تكميل الصناعة: الحذو هو الحركة ما قبل الرّدف والقيد مثل الحركة في ما قبل ألف الكلمات: بهار وقرار. وحركة ما قبل الكلمات: مهر وگلچهر. ورعاية تكرار الحذو في القوافي إلزامي ما عدا حالة كون الرّوي متحركا بسبب حرف وصل. ففي هذا الحال عند أكثر الشّعراء اختلاف حول كون الحذو أي الحركة ما قبل القيد جائزة بشرط ألّا يؤدّي ذلك إلى تبديل القيد على الرّدف، فإن أدّى لذلك فلا يعود هذا أيضا جائزا. والحذو في اللغة بمعنى المساواة بين شيئين، مثل حركة ما قبل الرّدف هي مساوية لحركة التّأسيس في اللزوم وسمّوا ذلك حذوا. انتهى. وعليه فإنّ هذا المصطلح خاص بأهل الفارسية أمّا الشعراء العرب فلا اعتبار عندهم للقيد. ولهذا اعتبر صاحب كتاب عنوان الشرف الحذو مخصوصا بحركة ما قبل الرّدف «٥».

стр. 684

الحرّ: [في الانكليزية] Deliverance freeing ،emancipation [ في الفرنسية] Delivrance ،affranchissement ،liberation بالفتح والتشديد لغة الخلوص. وشرعا خلوص حكمي يظهر في الآدمي لانقطاع حق الغير عنه، والحرية بالضم مثله. والحرّ بالضم لغة من الحرّ بالفتح، ويقابله الرقيق، ويقابل الحرّ والحرية الرق. هكذا صرح في جامع الرموز. وفي مجمع السلوك والحرية عند السالكين انقطاع الخاطر من تعلق ما سوى الله تعالى بالكلية، إذا، فالعبد يصل إلى مقام الحرية حينما لا يبقى فيه غرض دنيوي، أو لم يعد له ميل للدنيا والآخرة (زهد في الآخرة) وما ذلك إلّا لأنّك أنت مقيّد لوقتك وهو مقيّد بالروح. وفي الإنسان الكامل يقول: الحرّ هو الذي بثمانية أشياء يكمل: الأقوال والأفعال والمعارف، والأخلاق الحسنة والتّرك، والعزلة والقناعة والفراغ. فإن توفرت الأربعة الأولى لدى أحد الأشخاص فذلك يقال له: البالغ. لا الحرّ. والأحرار فرقتان: فرقة آثرت الخمول والاحتراز عن الاختلاط بأهل الدنيا وقبول هداياهم. ويعلمون أنّ صحبة أهل الدنيا تزيد في التفرقة أي التشتّت. وبعضهم ينظر بعين التسليم والرضا ويعلمون أنّ الإنسان عند ما يواجه أمرا نافعا، ولو كان في نظره ضارا وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. فإذا يتساوى عندهم الاختلاط بالناس أو العزلة عنهم، وكذلك قبول هداياهم أو ردّها. ثم اعلم بأنّ بعض الملاحدة يقولون: متى وصل العبد إلى مقام الحرّية تزول عنه صفة العبودية وهكذا كفر، لأنّ العبودية لم تزل عن مولانا رسول الله صاحب الرسالة ﷺ ، فمن ذاك الذي في هذا المقام يتكلّم. نعم. العبد حين يصل إلى مقام الحرية يعتق من العبودية لنفسه، يعني كل ما تطلبه النّفس فهو لا يلبّي طلبها لأنّه مالك لنفسه، ونفسه مطيعة ومنقادة له، وقد زالت مشقّة التكاليف في أداء العبادة، بل يجد هدوء نفسه ونشاطا للعبادة، ويؤدّي العبادات بكل راحة. والحرية نهاية العبودية، فهي هداية العبد عند ابتداء خلقته كذا في مجمع السلوك في بيان الطريق «١» الحرارة: [في الانكليزية] Heat [ في الفرنسية] Chaleur بالفتح بمعنى گرمى ضد البرودة بمعنى سردى وماهيتهما من البديهات، وما ذكر في حقيقتهما فهي من جملة الأحكام. وبعض الحكماء جعل البرودة عبارة عن عدم الحرارة عمّا من شأنه أن يكون حارا. وقيد من شأنه للاحتراز عن الفلك فإنّ عدم حرارته لا يسمّى برودة إذ ليس من شأنه أن يكون حارا، فعلى هذا التقابل بينهما تقابل العدم والملكة وهو باطل لأنّها محسوسة ولا شيء من العدم بمحسوس. واعترض عليه بأنّ الانفصال عدم

стр. 685

الاتصال مع أنّه محسوس. وأجيب بأنّ المحسوس هو المنفصل وعوارضه كاللون، والانفصال يدرك بالوهم التابع للحسّ الظاهر لا بالحسّ الظاهر، فإنّ الحكم بأنّ العدم غير محسوس بالحواس الظاهرة بديهية، فالحق أنها كيفية موجودة مضادة للحرارة من شأنها أن تجمع المتشاكلات وغيرها. وهاهنا أبحاث. الأول كما يقال الحار لما تحسّ حرارته بالفعل كالنار مثلا يقال أيضا لما لا تحسّ حرارته بالفعل، ولكن تحسّ بها بعد مماسّة البدن الحيواني والتأثر منه كالأدوية والأغذية الحارّة ويسمّى حارا بالقوة، وكذا البارد يطلق على البارد بالفعل والبارد بالقوة. ولهم في معرفة الحار والبارد بالقوة طريقان، التجربة والقياس من الاستدلال باللون والطعم والرائحة وسرعة الانفعال مع استواء القوام أو قوته. والثاني الأشبه بالصواب أنّ الحرارة الغريزية أي الطبيعية الملائمة للحياة الموجودة في أبدان الحيوانات، ويسمّيها أفلاطون بالنار الإلهية والحرارة الكوكبية، والنارية أنواع متخالفة الماهية لاختلاف آثارها الدالة على اختلاف ملزوماتها في الحقيقة، فإنّه يفعل حرّ الشمس في عين الأغشى من المضرّة ما لا يفعل حرّ النار. والحرارة الغريزية أشدّ الأشياء مقاومة للحرارة النارية التي ليست غريزية بل غريبة فإنّ الحرارة النارية إذا حاولت إبطال اعتدال المزاج الحيواني قاومتها الغريزية أشدّ مقاومة حتى أنّ السموم الحارة والباردة لا يدافعها إلّا الغريزية، وهذا مذهب أرسطو. وقال جالينوس الغريزية والنارية من نوع واحد. فالغريزية هي النارية واستفادت بالمزاج مزاجا معتدلا حصل به التيام، فإذا أرادت الحرارة أو البرودة تفريقها عسر عليها ذلك التفريق. والفرق بين الحار الغريزي والغريب أنّ أحدهما جزء المركب والآخر خارج عنه، مع كونهما متوافقين في الماهية. الثالث قال ابن سينا الحرارة تفرّق المختلفات وتجمع المتماثلات والبرودة بالعكس، أي تجمّع بين المتشاكلات وغيرها أيضا لأنّ الحرارة فيها قوة مصعّدة فإذا أثرت في جسم مركب من أجزاء مختلفة في رقة القوام وغلظه ينفعل الجزء اللطيف الرقيق منه انفعالا أسرع من الكثيف الغليظ فيتبادر الألطف فالألطف إلى الصعود دون الكثيف، فإنّه لا ينفعل إلّا ببطء وربّما لم تفد الحرارة فيه خفة تقوي على تصعّده، فيلزم بهذا السبب تفريق المختلفات. ثم تلك الأجزاء تجتمع بالطبع إلى ما يجانسها، فإنّ الجنسية علّة الضم كما اشتهر، والحرارة معدّة للاجتماع الصادر عن طبائعها بعد زوال المانع الذي هو الالتئام، فنسب الاجتماع إليها كما نسبت الأفعال إلى معدّاتها، هذا إذا لم يكن الالتئام بين بسائط ذلك المركّب شديدا. وأما إذا اشتد وقوي التركيب لا تفرقها لوجود المانع، فإن كانت الأجزاء اللطيفة والكثيفة في الجسم متقاربة في الكمية كما في الذهب أفادته الحرارة سيلانا وذوبانا، وكلّما حاول اللطيف صعودا منعه الكثيف، فحدث بينهما تمانع وتجاذب، فيحدث من ذلك حركة دوران كما نشاهد في الذهب من حركته السريعة العجيبة في البوتقة. ولولا هذا العائق لفرّقه النار. وإن غلب اللطيف جدا فيصعد ويستصحب معه الكثيف لقلته كالنوشادر فإنّه إذا أشرفته النار تفرقه النار. وإن غلب الكثيف جدا لم يتأثر فلا يذوب ولا يلين كالطلق فإنّه يحتاج في تليينه إلى حيل. ولذا قيل من حل الطلق فقد استغنى عن الخلق. تنبيه الفعل الأوليّ للحرارة هو التصعيد، والجمع والتفريق لا زمان له. ولذا قال ابن سينا في كتاب الحدود «١» إنّها كيفية فعلية أي تجعل

стр. 686

محلها فاعلا لمثلها فيما يجاوره، فإنّ النار تسخن ما جاورها محركة لما تكون تلك الكيفية فيه إلى فوق لإحداثها الخفة، فيحدث عن هذا التحريك أن تفرق الحرارة المختلفات وتجمع التماثلات وتحدث تخلخلا من باب الكيف وتكاثفا من باب الوضع لتحليله الكثيف وتصعيده اللطيف. وفعلها في الماء إحالته إلى الهواء لا تفريق بين أجزاء المتماثلات. وفعلها في البيض إحالتها في القوام لا جمع للأجزاء المختلفة فإنّ النار بحرارتها توجب غلظا في قوام الصفرة والبياض، وأمّا الانضمام بينهما فقد كان حاصلا قبل تأثير الحرارة فيهما. الرابع الحركة تحدث الحرارة والتجربة تشهده، وأنكره أبو البركات مستدلا بأنه حينئذ يجب أن تسخّن الأفلاك سخونة شديدة، وتسخّن بمجاورتها العناصر الثلاثة، فتصير كلها بالتدريج نارا. والجواب أنّ مواد الأفلاك لا تقبل السخونة أصلا ولا بدّ في وجود الحرارة مع المقتضي الذي هو الحركة من وجود القابل، ولا تسخّن العناصر، فإنّ النار متحركة بمشايعة الفلك دون باقي العناصر، وليس سخونة النار توجب سخونة الباقي لأنّ برودة الطبقة الزمهريرية تقاومها، هذا كلّه خلاصة ما في شرح المواقف وشرح التجريد. الحرز: [في الانكليزية] Safe place [ في الفرنسية] Lieu sur بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين في اللغة الموضع الحصين. يقال أحرزه إذا جعله في الحرز كذا في المغرب. وفي الشرع ما يحفظ فيه المال عادة، أي المكان الذي يحرز فيه كالدار والحانوت والخيمة والشخص نفسه. والمحرز على صيغة اسم المفعول من الإحراز ما لا يعدّه صاحبه مضيّعا كذا في البحر الرائق في كتاب السرقة في فصل الحرز. وفي فتح القدير الحرز في اللغة الموضع الذي يحرز فيه الشيء، وكذا في الشرع إلّا أنه بقيد المالية أي المكان الذي يحرز فيه المال كالدار والحانوت والخيمة والشخص. الحرص: [في الانكليزية] Lust ،greed [ في الفرنسية] Convoitise ،avidite بالكسر وسكون الراء المهملة عند السالكين ضد القناعة، وهو طلب زوال نعم الغير. وقيل طلب ما لا يقسم. وقال أهل الرياضة الحرص فغير مذموم عند العقلاء، كذا في خلاصة السلوك. وفي اصطلاحات السيّد الجرجاني الحرص طلب شيء باجتهاد في إصابة. الحرف: [في الانكليزية] Letter ،phoneme [ في الفرنسية] Lettre ،phoneme بالفتح وسكون الراء المهملة في العرف أي عرف العرب كما في شرح المواقف يطلق على ما يتركب منه اللفظ نحو اب ت لا ألف وباء وتاء، فإنّها أسماء الحروف لا أنفسها كما في النظامي شرح الشافية «١» ويسمّى حرف التهجي وحرف الهجاء وحرف المبني. وماهيته واضحة بديهية وجميع ما ذكر في تعريفها المقصود منها التنبيه على خواصها وصفاتها. وبهذا الاعتبار عرفه القرّاء بأنه صوت معتمد على مقطع محقّق وهو أن يكون اعتماده على جزء معين من أجزاء الحلق واللسان والشفة، أو مقطّع مقدّر وهو هواء الفم إذ الأنف لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم بحيث إنه ينقطع في ذلك الجزء، ولذا يقبل الزيادة والنقصان

стр. 687

ويختصّ بالإنسان وضعا كذا في تيسير القاري. وعرّفه ابن سينا بأنه كيفية تعرض للصوت بها أي بتلك الكيفية يمتاز الصوت عن صوت آخر مثله في الحدة والثقل تمييزا في المسموع. فقوله كيفية أي هيئة وضعية. وقوله تعرض للصوت أراد به ما يتناول عروضها له في طرفه عروض الآن للزمان، فلا يرد ما قيل إنّ التعريف لا يتناول الصوامت كالتاء والطاء والدال فإنها لا توجد إلّا في الآن الذي هو بداية زمان الصوت أو نهايته فلا تكون عارضة له حقيقة، إذ العارض يجب أن يكون موجودا مع المعروض، وهذه الحروف الآنية لا توجد مع الصوت الذي هو زماني. وتوضيح الدفع أنها عارضة للصوت عروض الآن للزمان والنقطة للخط، فإنّ عروض الشيء للشيء قد يكون بحيث يجتمعان في الزمان وقد لا يكون، وحينئذ يجوز أن يكون كلّ واحد من الحروف الآنية طرفا للصوت عارضا له عروض الآن للزمان. وقوله مثله في الحدّة والثقل ليخرج عن التعريف الحدّة والثّقل فإنّهما وإن كانتا صفتين مسموعتين عارضتين للصوت يمتاز بهما ذلك الصوت عما يخالفه في تلك الصفة العارضة، إلّا أنه لا يمتاز بالحدّة صوت عن صوت آخر يماثله في الحدّة ولا بالثقل صوت عما يشاركه فيه. وقوله تمييزا في المسموع ليخرج الغنّة وهي التي تظهر من تسريب الهواء بعضها إلى جانب الأنف وبعضها إلى الفم مع انطباق الشفتين، والبحوحة التي هي غلظ الصوت الخارج من الحلق، فإنّ الغنّة والبحوحة سواء كانتا ملذتين أو غير ملذتين صفتان عارضتان للصوت يمتاز بهما عما يشاركه في الحدّة والثّقل، لكنهما ليسا مسموعين، فلا يكون التمييز الحاصل منهما تمييزا في المسموع من حيث هو مسموع ونحوهما كطول الصوت وقصره، وكونه طيبا وغير طيب، فإنّ هذه الأمور ليست مسموعة أيضا. أما الطول والقصر فلأنهما من الكميات المحضة والمأخوذة مع الإضافة ولا شيء منهما بمسموع وإن كان يتضمن هاهنا المسموع، فإنّ الطول إنما يحصل من اعتبار مجموع صوتين صوت حاصل في ذلك الوقت وهو مسموع وصوت حاصل قبل ذلك الوقت وهو ليس بمسموع. وأمّا كون الصوت طيبا أي ملائما للطبع أو غير طيب فأمر يدركه الوجدان دون السمع فهما مطبوعان لا مسموعان، إذ قد تختلف هذه الأمور أعني الغنّة والبحوحة ونحوهما والمسموع واحد، وقد تتّحد والمسموع مختلف، وذلك لأنّ هذه الأمور وإن كانت عارضة للصوت المسموع إلّا أنها في أنفسها ليست مسموعة فلا يكون اختلافها مقتضيا لاختلاف المسموع، ولا اتحادها مقتضيا لاتحاده، بخلاف العوارض المسموعة فإنّ اختلافها يقتضي اختلاف المسموع الذي هو مجموع الصوت وعارضه واتحادها يقتضي اتحاد المسموع لا مطلقا بل باعتبار ذلك العارض المسموع. والحق أنّ معنى التمييز في المسموع ليس أن يكون ما به التمييز مسموعا بل أن يحصل به التمييز في نفس المسموع بأن يختلف باختلافه ويتّحد باتحاده، كالحرف بخلاف الغنّة والبحوحة ونحوهما، كذا في شرح المواقف في مبحث الأصوات. ويعرّف الحرف عند أهل الجفر بأنّه بناء مفرد مستقل بالدلالة وتسمّى دلالة الحروف دلالة أولية، ودلالة الكلمة دلالة ثانية، وهو موضوع علم الجفر، وبهذا صرح في بعض رسائل الجفر. ولذا يسمّى علم الجفر بعلم الحروف. تقسيمات حروف الهجاء الأول إلى المعجمة وهي المنقوطة وغير المعجمة وهي غير المنقوطة وتسمى بالمهملة أيضا. الثاني إلى نوراني وظلماني. قال أهل الجفر الحروف النورانية حروف فواتح السور ومجموعها صراط علي حق نمسكه والباقية

стр. 688

ظلمانية. ومنهم من يسمّى الحروف النورانية بحروف الحق والظلمانية بحروف الخلق. ومنهم من قال: النورانية تسمّى الأعلى والظلمانية قسمان. منها سبعة حروف تسمّى الأدنى وهي: ب، ت، د، ذ، ض، و، غ، والسبعة الباقية تسمّى أدنى الأدنى. كذا في بعض رسائل الجفر. الثالث: إلى المسروري والملبوبي والملفوظي. وفي بعض رسائل الجفر: الحروف ثلاثة أقسام: ١ - ملفوظى: وهي التي تلفظ بواسطة ٣ حروف مثل: ألف وجيم ودال. وهذه ١٣ حرفا تنحصر في قسمين: قسم زائد الحركة مثل الألف التي وسطها متحرك وقسم زائد الأول وهو ثلاثة حروف: الميم والنون والواو. ٢ - ملبوبي: وهو ما يلفظ بحرفين وهي ١٢ حرفا. انتهى كلامه. وينبغي أن يعلم أنّ الحرف الملفوظي يشترك فيه أن لا يكون أوّله وآخره نفس الحرف، وإلّا فالمسروري يمكن اعتباره من الملفوظي. فحينئذ يلغي التقابل بين الأقسام. وهذا مبطل للتّقسيم الثلاثي ومؤيّد لما ذكره في قاموس جهانگيري حيث قال: إنّ علماء العربية ذكروا أنواع الحروف وقسّموها إلى ثلاثة أقسام: الأول: مسروري وهو ما يتم لفظه بواسطة حرفين اثنين وعددها: ١٢ حرفا وهي با تا ثا حا خا را زا طا ظا فا ها يا. والثاني: ملفوظى: وهو ما يلفظ بثلاثة أحرف لا يكون آخرها مثل أوّلها: وهي ١٣ حرفا: الف جيم دال ذال سين شين صاد ضاد عين غين قاف كاف لام. والقسم الثالث: يقال له: ملبوبي ومكتوبي: وهو ثلاثي الحروف وآخره مثل أوله ومجموعه ٣ أحرف هي: الميم والنون والواو. انتهى. ولا يخفى أنّه في هذا الكلام أطلق اسم الملبوبي على المسروري بعكس الكلام السابق. الرابع: إلى المنفصلة وغيرها في أنواع البسط يأتي بالألف والدال والذال والراء والزاي والواو ولا، ويسمّيها الحروف السبعة المنفصلة وما عداها يقال لها: غير منفصلة. الخامس: إلى المفردة والمتزاوجة التي تسمّى بالمتشابهة أيضا. ويقول في أنواع البسط: الحروف إما متشابهة، وتسمّى أيضا متزاوجة، وهي الحروف التي لا اختلاف بينها في الصورة إلّا في النقط مثل الحاء والخاء. وإمّا مفردة: وهي التي ليست كذلك «١».

стр. 689

السادس إلى المصوّتة والصامتة فالمصوتة حروف المدّ واللين أي حروف العلّة الساكنة التي حركة ما قبلها مجانسة لها. والصامتة ما سواها سواء كانت متحركة أو ساكنة ولكن ليس حركة ما قبلها من جنسها. فالألف أبدا مصوتة لوجوب كونها ساكنة وما قبلها مفتوحا. وإطلاق اسم الألف على الهمزة بالاشتراك اللفظي. وأما الواو والياء فقد تكونان صامتتين أيضا كذا في شرح المواقف. السابع إلى زمانية وآنية. وفي شرح المواقف الحروف إمّا زمانية صرفة كالمصوتة فإنها زمانية عارضة للصوت باقية معه زمانا بلا شبهة. وكذا بعض الصوامت كالفاء والقاف والسين والشين ونحوها ممّا يمكن تمديدها بلا توهّم تكرار، فإنّ الغالب على الظنّ أنها زمانية أيضا. وإمّا آنية صرفة كالتاء والطاء وغيرهما من الصوامت التي لا يمكن تمديدها أصلا فإنها لا توجد في آخر زمان حبس النفس كما في لفظ بيت وفرط، أو في أوله كما في لفظ تراب، أو في آن يتوسطهما، كما إذا وقعت تلك الصوامت في أوساط الكلم فهي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة والآن بالنسبة إلى الخط والزمان. وتسميتها بالحروف أولى من تسميتها بغيرها لأنها أطراف الصوت والحرف هو الطرف. وأما آنية تشبه الزمانية وهي أن تتوارد افرادا آنية مرارا فيظن أنها فرد زماني كالراء والحاء والخاء، فإنّ الغالب على الظن أنّ الراء في آخر الدار مثلا راءات متوالية، كلّ واحد منها آني الوجود، إلّا أنّ الحسّ لا يشعر بامتياز أزمنتها فيظنها حرفا واحدا زمانيا، وكذا الحال في الحاء والخاء كذا في شرح المواقف. الثامن إلى المتماثلة والمتخالفة. فالمتماثلة ما لا اختلاف بينها بذواتها ولا بعوارضها المسمّاة بالحركة والسكون كالياءين المتحركين بنوع واحد من الحركة. والمتخالفة ما ليس كذلك سواء كانت متخالفة بالذات والحقيقة كالياء والميم، أو بالعرض كالياء الساكنة والمتحركة كذا في شرح المواقف. هذا لكن المذكور في فن الصرف أنّ المتماثلة هي المتفقة في الحقيقة وإن كانت مختلفة بالعوارض. قال في الإتقان في بحث الإدغام نعني بالمتماثلين ما اتفقا مخرجا وصفة كالياءين واللامين، وبالمتجانسين ما اتفقا مخرجا واختلفا صفة كالطاء والتاء والظاء والثاء، وبالمتقاربين ما تقاربا مخرجا أو صفة كالدال والسين والضاد والشين انتهى. فالحروف على هذا أربعة أقسام. المتماثلة والمتجانسة والمتقاربة وما ليس شيئا منها. التاسع إلى المجهورة والمهموسة فالمجهورة ما ينحصر جري النّفس مع تحركه. والمهموسة بخلافها أي ما لا ينحصر جري النفس مع تحركه. والانحصار الاحتباس وهي السين والشين والحاء والخاء والثاء المثلثة والتاء المثناة الفوقانية والصاد المهملة والفاء والهاء والكاف. والمجهورة ما سواها، ففي المجهورة يشبع الاعتماد في موضعه. فمن إشباع الاعتماد يحصل ارتفاع الصوت، والجهر هو ارتفاع الصوت فسمّيت بها. وكذا الحال في المهموسة لأنه بسبب ضعف الاعتماد يحصل الهمس وهو الإخفاء، فإذا أشبعت الاعتماد وجرى الصوت كما في الضاد والزاء والعين والغين والياء فهي مجهورة رخوة، وإذا أشبعته ولم يجر الصوت كالقاف والجيم والطاء والدال فهي مجهورة شديدة. قيل المجهورة تخرج أصواتها من الصدر، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها في الفم وذلك مما يرخي الصوت، فيخرج الصوت من الفم ضعيفا. ثم إن أردت الجهر بها وإسماعها أتبعت صوتها بصوت من الصدر لتفهم. وتمتحن المجهورة بأن تكرّرها مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة، رفعت صوتك بها أو أخفيته، سواء أشبعت الحركات حتى تتولّد الحروف نحو قا قا قا، أو قو قو قو، أو قي قي

стр. 690

قي، أو لم تشبعها نحو ققق فإنّك ترى الصوت يجري ولا ينقطع، ولا يجري النّفس إلّا بعد انقضاء الاعتماد وسكون الصوت. وأما مع الصوت فلا يجري وذلك لأنّ النّفس الخارج من الصدر وهو مركّب الصوت يحتبس إذا اشتدّ اعتماد الناطق على مخرج الحرف، إذ الاعتماد على موضع من الحلق أو الفم يحبس النّفس وإن لم يكن هناك صوت، وإنّما يجري النّفس إذا ضعف الاعتماد. وإنّما كرّرت الحروف في الامتحان لأنك لو نطقت بواحد منها غير مكرّر فعقيب فراغك منه يجري النّفس بلا فصل فيظن أنّ النفس إنّما خرج مع المجهورة لا بعده، فإذا تكرّر وطال زمان الحرف ولم يخرج النّفس مع تلك الحروف المكرّرة عرفت أنّ النطق بالحروف هو الحابس للنفس. وإنّما جاز إشباع الحركات لأنّ الواو والألف والياء أيضا مجهورة، فلا يجري مع صوتها النّفس. وأما المهموسة فإنّك إذا كرّرتها مع إشباع الحركة أو بدونها فإنّ جوهرها لضعف الاعتماد على مخارجها لا يحبس النّفس، فيخرج النّفس ويجري كما يجري الصوت نحوك، وقس على هذا. العاشر إلى الشديدة والرخوة وما بينهما. فالشديدة ما ينحصر جري صوته في مخرجه عند إسكانه فلا يجري الصوت والرخوة بخلافها. وأما ما بينهما فحروف لا يتم لها الانحصار ولا الجري. وإنما اعتبر إسكان الحروف لأنّك لو حرّكتها، والحركات أبعاض الحروف من الواو والياء والألف وفيها رخاوة ما، لجرت الحركات لشدة اتصالها بالحروف الشديدة إلى شيء من الرخاوة فلم يتبين شدتها. فقيد الإسكان لامتحان الشديدة من الرخوة. فالحروف الشديدة الهمزة والجيم والدال والطاء المهملتان والباء الموحدة والتاء المثناة الفوقانية والكاف والقاف. والرخوة ما عدا هذه الحروف المذكورة، وما عدا حروف لم يرو عنا فإنها ليست شديدة ولا رخوة فهي مما بينهما. وإنّما جعل هذه الأحرف الثمانية أي اللام والميم والياء المثناة التحتانية والراء المهملة والواو والعين المهملة والنون والألف مما بينهما أي بين الشديدة والرخوة لأنّ الشديدة هي التي ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، وهذه الأحرف الثمانية ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف أيضا لكن يعرض لها إعراض توجب حصر الصوت من غير مواضعها. أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه لكن لقربه من الحاء التي هي من المهموسة ينسلّ صوته قليلا فكأنّك وقفت على الحاء. وأما اللام فمخرجها أعني طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه من الحنك عند النطق به، فلا يجري منه صوت، لكن لمّا لم يسدّ طريق الصوت بالكلية كالدال بل انحرف طرف اللسان عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من متشدّق اللسان فويق مخرجه. وأمّا الميم والنون فإنّ الصوت لا يخرج عن موضعهما من الفم، لكن لمّا كان لهما مخرجان في الفم والخيشوم جرى الصوت من الأنف دون الفم لأنّك لو أمسكت أنفك لم يجر الصوت بهما. وأمّا الراء فلم يجر الصوت في ابتداء النطق به لكنه جرى شيئا لانحرافه وميله إلى اللام كما قلنا في العين المائل إلى الحاء، وأيضا والراء مكرّر فإذا تكرّر جرى الصوت معه في أثناء التكرير. وكذلك حروف العلّة لا يجري الصوت معها كثيرا، لكن لمّا كان مخارجها تتسع لهواء الصوت أشدّ من اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها يكثر فيجري منه شيء. واتساع مخرج الألف لهواء صوته أكثر من اتساع مخرجي الواو والياء لهواء صوتهما، فلذلك سمّي الهاوي أي ذا الهواء كالناشب والنابل. وإنّما كان الاتساع للألف أكثر لأنّك تضم شفتيك للواو فتضيق المخرج وترفع لسانك قبل الحنك للياء. وأما الألف فلا يعمل له شيء من هذا، فأوسعهنّ

стр. 691

مخرجا الألف ثم الياء ثم الواو، فهذه الحروف أخفى الحروف لاتساع مخارجها وأخفاهن الألف لسعة مخرجها أكثر. اعلم أنّ الفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجري الصوت بها بل إنّك تسمع به في آن ثم ينقطع. والمجهورة لا اعتبار فيها لعدم جري الصوت بل الاعتبار فيها لعدم جري النّفس عند التصويت بها. هذا كله ما ذهب إليه ابن الحاجب واختاره الرضي. وبعضهم أخرج من المجهورة الأحرف السبعة التي هي من الرخوة أي الضاد والطاء والذال والزاء والعين والغين والياء، فيبقى فيها الحروف الشديدة، وأربعة أحرف مما بينهما وهي اللام والميم والواو والنون، فيكون مجموع المجهورة عنده اثنى عشر حرفا، وهي حروف ولمن أجدك قطبت. وهذا القائل ظنّ أنّ الرخاوة تنافي الجهر وليس بشيء لأنّ الرخاوة أن يجري الصوت بالحرف، والجهر رفع الصوت بالحرف سواء جرى الصوت أو لم يجر. الحادي عشر إلى المطبقة والمنفتحة. فالمطبقة ما ينطبق معه الحنك على اللسان لأنّك ترفع اللسان إليه فيصير الحنك كالطبق على اللسان، فتكون الحروف التي يخرج بينهما مطبقا عليهما، وهي الصاد والضاد والطاء والظاء. وأما قول ابن الحاجب من أنّها ما ينطبق على مخرجه الحنك فليس بمطّرد لأنّ مخرج الضاد حافّة اللسان وحافته ينطبق عليها الأضراس وباقي اللسان ينطبق عليه الحنك. قال سيبويه لولا الإطباق في الصاد لكان سينا وفي الظاء لكان ذالا وفي الطاء لكان دالا، ولخرجت الضاد من الكلام لأنه ليس شيء من الحروف في موضعها غيرها. والمنفتحة بخلافها لأنه ينفتح ما بين اللسان والحنك عند النطق بها، وهي ما سوى الحروف الأربعة المطبقة. الثاني عشر إلى المستعلية والمنخفضة. فالمستعلية ما يرتفع بسببها اللسان وهي الحروف الأربعة المطبقة والخاء والغين المعجمتان والقاف لأنه يرتفع بهذه الثلاثة أيضا اللسان، لكن لا إلى حدّ انطباق الحنك عليها. والمنخفضة ما ينخفض معه اللسان ولا يرتفع وهي ما عدا المستعلية. وبالجملة فالمستعلية أعمّ من المطبقة إذ لا يلزم من الاستعلاء الإطباق ويلزم من الإطباق الاستعلاء. ولذا يسمّى الأحرف الأربعة المطبقة مستعلية مطبقة. الثالث عشر إلى حروف الذّلاقة والمصمتة، فحروف الذّلاقة ما لا ينفك عنه رباعي أو خماسي إلّا شاذا كالعسجد والدهدقة والزهزقة والعسطوس، وهي الميم والراء المهملة والباء الموحدة والنون والفاء واللام. والمصمتة بخلافها وهي حروف ينفك عنها رباعي وخماسي وهي ما سوى حروف الذلاقة. والذلاقة الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخفّ الحروف. ولذا لا ينفك عنها رباعي وخماسي فسمّيت بها. والشيء المصمت هو الذي لا جوف له فيكون ثقيلا فسمّيت بذلك لثقلها على اللسان. الرابع عشر إلى حروف القلقلة وغيرها. فحروف القلقلة ما ينضم إلى الشدّة فيها ضغط في الوقف وذلك لاتفاق كونها شديدة مجهورة معا. فالجهر يمنع النّفس أن يجري معها، والشدّة تمنع الصوت أن يجري معها، فلذلك يحصل ما يحصل من الضغط للمتكلّم عند النطق بها ساكنة فيحتاج إلى قلقلة اللسان وتحريكه عن موضع، حتى يجري صوتها فيسمع، وهي القاف والدال المهملة والطاء المهملة والباء الموحدة والجيم. وقال المبرّد ليس القاف منها بل الكاف وغيرها ما سواها. الخامس عشر إلى حروف الصفير وغيرها. فحروف الصفير ما يصفر بها أي يصوت بها وهي الزاء المعجمة والصاد والسين المهملتان، سمّيت بها لوجود الصفير عند النطق بها وغيرها غيرها. السادس عشر إلى حروف العلّة وغيرها.

стр. 692

فحروف العلة الألف والواو والياء، سمّيت بها لكثرة دورانها على لسان العليل فإنّه يقول واي وغيرها غيرها. وحروف العلّة تسمّى بالحروف الجوفية أيضا لخروجها من الجوف. ثم إنّ حروف العلّة إذا سكنت تسمّى حروف لين، ثم إذا جانسها حركة ما قبلها فتسمّى حروف مدّ، فكلّ حرف مدّ حرف لين ولا ينعكس. والألف حرف مدّ أبدا والواو والياء تارة حرفا مدّ وتارة حرفا لين، هكذا ذكر في بعض شروح المفصل «١». وكثيرا ما يطلقون على هذه الحروف حرف المدّ واللين مطلقا، فهو إمّا محمول على هذا التفصيل أو تسمية الشيء باسم ما يئول إليه. هكذا في جاربردي شرح الشافية في بحث التقاء الساكنين. وقيل بتباين المدّ واللين وعدم صدق أحدهما على الآخر، لكن من المحققين من جعل بينهما عموما وخصوصا مطلقا كذا في تيسير القاري. السابع عشر إلى حروف اللين والمدّ وغيرها وقد عرفت قبيل هذا. الثامن عشر إلى الأصلية والزائدة. فالأصلية ما ثبت في تصاريف اللفظ كبقاء حروف الضرب في متصرفاته. والزائدة ما سقط في بعضها كواو قعود في قعد. ثم إذا أريد تعليم المتعلمين فالطريق أن يقال إذا وزن اللفظ فما كان من حروفه في مقابلة الفاء والعين واللام الأولى والثانية والثالثة فهو أصلي وما ليس كذلك فهو زائد. وليس المراد من الزائد هاهنا ما لو حذف لدلّ الكلمة على ما دلّت عليه وهو فيها، فإنّ ألف ضارب زائدة لو حذفت لم يدل الباقي على اسم الفاعل، كذا في جاربردي حاشية الشافية. وحروف الزيادة حروف: اليوم تنساه، أعني أنه إذا وجد في الكلمة زائد لا يكون إلّا من تلك الحروف لا من غيرها. ولمعرفة الزائد من الأصلي طرق كالاشتقاق وعدم النظير وغيرهما يطلب من الشافية وشروحه في بحث ذي الزيادة. والحروف في اصطلاح الصوفية الصورة المعلومية في عرضة العلم الإلهي قبل انصباغها بالوجود العيني. كذا قال الشيخ الكبير صدر الدين «٢» في النفحات «٣». ويجيء في لفظ الكلمة. وفي الإنسان الكامل في باب أم الكتاب: أمّا الحروف فالمنقوطة منها عبارة عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي، والمهملة منها نوعان، مهملة تتعلق بها الحروف ولا تتعلّق هي بها وهي خمسة: الألف والدال والراء والواو واللام، فالألف إشارة إلى مقتضيات كمالاته وهي خمسة، الذات والحياة والعلم والقدرة والإرادة إذ لا سبيل إلى وجود هذه الأربعة إلّا للذات، فلا سبيل إلى كمالات الذات إلّا بها. ومهملة تتعلّق بها الحروف وتتعلّق هي بها وهي تسعة. فالإشارة بها إلى الإنسان الكامل لجمعه بين الخمسة الإلهية والأربعة الخلقية وهي العناصر الأربع مع ما تولّد منها فكانت أحرف الإنسان الكامل غير منقوطة لأنّه خلقها على صورته، ولكن تميّزت الحقائق المطلقة الإلهية

стр. 693

عن الحقائق المقيّدة الإنسانية لاستناد الإنسان إلى موجد يوجده. ولو كان هو الموجد فإنّ حكمه أن يستند إلى غيره. ولذا كانت حروفه متعلّقة بالحروف وتتعلّق الحروف بها. ولما كان حكم واجب الوجود أنّه قائم بذاته غير محتاج في وجوده إلى غيره مع احتياج الكلّ إليه. كانت الحروف المشيرة إلى هذا المعنى من الكتاب مهملة تتعلّق بها الحروف ولا تتعلق هي بحرف منها. ولا يقال إنّ لام ألف حرفان فإن الحديث النبوي قد صرّح بأن لام ألف حرف واحد فافهم. واعلم أنّ الحروف ليست كلمات لأنّ الأعيان الثابتة لا تدخل تحت كلمة كن إلّا عند الإيجاد العيني، وأمّا هي ففي أوجهها وتعيينها العلمي فلا يدخل عليها اسم التكوين، فهي حقّ لا خلق، لأنّ الخلق عبارة عمّا دخل تحت كلمة كن، وليست الأعيان في العلم بهذا الوصف، لكنها ملحقة بالحدوث إلحاقا حكميا لما تقتضيه ذواتها من استناد وجود الحادث في نفسه إلى قديم. فالأعيان الموجودة المعبّر عنها بالحروف ملحقة في العالم العلمي بالعلم الذي هو ملحق بالعالم فهي بهذا الاعتبار الثاني قديمة انتهى كلامه. وقال الشيخ عبد الرزاق الكاشي: إنّ حروف الحقائق بسيطة وهي من الأعيان، وأمّا الحروف العالية فهي للشئون الذاتية وهي كامنة في غيب الغيوب، كالشّجرة في النواة. واعلم أنّ أهل الجفر يقولون لبعض حروف الزمام حروف أوتاد. وذلك كالأوّل والرابع، ومثل هذين الحرفين يتجاوزونهما ويأخذون الحرف الثالث كما سيرد في بحث الوتد. ويقول بعضهم: الحروف أدوار. وهي دائما أربعة: الأول: حرف زمام، والثاني: الحرف الأخير، والثالث: الحرف الأول للزمام الأخير. والحرف الرابع: الحرف الأخير لذلك. ويسمّى بعضهم الحروف قلوبا. وتلك الحروف هي التي وسط الزمام. وعليه فإذا كانت الحروف والسطور كل منها شفعا فتكون حروف القلوب أربعة وهي وسط جميع الحروف، وإذا كانت مفردة كلاهما. فهو واحد (أي حرف القلب) وفي غير هذا الشّكل حروف القلوب اثنان. مثلا: إذا كان عدد الحروف والسطور كلّ منها تسعة. وعليه فحرف القلب هو الخامس من السطر الخامس. وإذا كان عدد الحروف ثمانية وعدد السطور أربعة فالحرف الرابع والخامس من كلّ من السطر الثاني والثالث هي حروف قلوب. يعني كل أربعة وإذا كانت الحروف سبعة والسطور أربعة، فالحرف الرابع من كلّ السطرين الثاني والثالث هي حروف قلوب. وإذا كانت الحروف عشرة والسطور خمسة، فالخامس والسادس من السطر الثالث هي حروف قلوب. وعلى هذا فقس. كذا في أنواع البسط «١».

стр. 694

الحرف: [في الانكليزية] Particle [ في الفرنسية] Particule في اصطلاح النحاة كلمة دلّت على معنى في غيره ويسمّى بحرف المعنى أيضا، وبالأداة أيضا. ويسمّيه المنطقيون بالأداة. ومعنى قولهم على معنى في غيره على معنى ثابت في لفظ غيره، فإنّ اللام في قولنا الرجل مثلا يدلّ بنفسه على التعريف الذي هو في الرجل، وهل في قولنا هل قام زيد يدلّ بنفسه على الاستفهام الذي هو في جملة قام زيد. وقيل المعنى على معنى حاصل في غيره أي باعتبار متعلّقه لا باعتباره «١» في نفسه. وهذا هو التحقيق؛ وقد مرّ ذلك مستوفى في لفظ الاسم. ثم الحروف بعضها عاملة جارة كانت أو جازمة أو ناصبة صرفة كان وأخواتها، أو مع الرفع كالحروف المشبّهة بالفعل وهي إنّ وأنّ وكأنّ وليت ولعلّ ولكنّ فإنها تنصب الاسم وترفع الخبر على عكس ما ولا المشبّهتين بليس، وبعضها غير عاملة كحروف العطف كالواو وأو وبل ونحوها مما يحصل به العطف، وحروف الزيادة التي لا يختلّ بتركها أصل المعنى كإن المكسورة المخففة وتسمّى بحروف الصّلة كما يجيء في لفظ الصلة. وحروف النفي الغير العاملة، وحروف النداء التي يحصل بها النداء كيا، وحروف الاستثناء وحروف الاستفهام، وحروف الإيجاب كنعم وبلى، وحروف التنبيه كها وألا، وحروف التحضيض كهلا وألّا، وحروف التفسير كأي، وحروف التنفيس كالسين وسوف، وحرف التوقّع كقد، وحرف الردع أي الزجر والمنع وهو كلّا، وغير ذلك. وإن شئت تفاصيل هذه فارجع إلى كتب النحو. الحرق: [في الانكليزية] Ardour ،flame [ في الفرنسية] Ardeur ،flamme بالفتح وبالراء المهملة الساكنة سوختن. وفي اصطلاح الصوفية عبارة عن واسطة التّجلّيات التي هي جاذبة للسّالك نحو الفناء. كذا في لطائف اللغات «٢». الحرقة: [في الانكليزية] Sourness ،heartburn [ في الفرنسية] Aigreur بالضم وسكون الراء المهملة سوزش وما يجده الإنسان في العين من الرّمد أو في القلب من الألم أو في طعم شيء محرق. وحرقة البول وجع احتراقي عند خروج البول كذا في بحر الجواهر. والحرقة عند البلغاء هي أن يؤتى بكلام يبعث على الرّقّة ويدعو إلى البكاء، وإن يكن تركيبه عاديا ومعانيه ليست بديعة. ولا صناعة فيها. ولكنها وجدانية وليس ثمّة إجماع على ذلك، بخلاف الذوق فإنّه شرط، ولا يتلذّذ بهذا الكلام إلّا أصحاب القلوب. وهو مؤثّر في ذوي الطباع السّليمة لأنّه يذكر عظمة الباري تعالى وهيبته واستغناءه. ومثل هذا الكلام يسمّى بالحقيقي ويمكن أن يكون الكلام بالوصف المذكور إذا تضمّن ذكر الثناء على بعض الناس والأحبة والفراق، وإمّا أن يتعلّق بقلّة وفاء الزمان أو غلبة الشوق وشدّة ألم الفراق وأمثال ذلك. ومثل هذا الكلام يدعى مجازيا. كذا في جامع الصنائع «٣».

стр. 695

الحركة: [في الانكليزية] Movement ،motion [ في الفرنسية] Mouvement بفتح الحاء والراء المهملة في العرف العام النقل من مكان إلى مكان، هكذا ذكر العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة، وهذا هو الحركة الأينية المسماة بالنقلة. قال صاحب الأطول: لا تطلق الحركة عند المتكلمين إلّا على هذه الحركة الأينية وهي المتبادرة في استعمالات أهل اللغة. وقد تطلق عند أهل اللغة على الوضعية دون الكميّة والكيفية انتهى. وهكذا في شرح المواقف. ويؤيد الإطلاقين ما وقع في شرح الصحائف «١» من أنّ الحركة في العرف العام انتقال الجسم من مكان إلى مكان آخر، أو انتقال أجزائه كما في حركة الرّحى انتهى. وعند الصوفية الحركة السلوك في سبيل الله تعالى، كذا في لطائف اللغات: ثم المتكلمون عرّفوا الحركة بحصول جوهر في مكان بعد حصوله في مكان آخر أي مجموع الحصولين لا الحصول في الحيز الثاني المقيّد بكونه بعد الحصول في الحيز الأول، وإن كان متبادرا من ظاهر التعريف. ولذا قيل الحركة كونان في آنين في مكانين، والسكون كونان في آنين في مكان واحد. ويرد عليه أنّ ما أحدث «٢» في مكان واستقر فيه آنين وانتقل منه في الآن الثالث إلى مكان آخر لزم أن يكون كون ذلك الحادث في الآن الثاني جزءا من الحركة والسكون، فإنّ هذا الكون مع الكون الأول يكون سكونا، ومع الثالث يكون حركة، فلا تمتاز الحركة عن السكون بالذات، بمعنى أنّه يكون الساكن في آن سكونه أعني الآن الثاني شارعا في الحركة. فالحق هو المعنى المتبادر من التعريف. ولذا قيل الحركة كون أول في مكان ثان، والسكون كون ثان في مكان أول. ويرد عليه وعلى القول الأول أيضا أنّ الكون في أول زمان الحدوث لا يكون حركة ولا سكونا. اعلم أنّ الأشاعرة على أنّ الأكوان وسائر الأعراض متجدّدة في كل آن. والمعتزلة قد اتفقوا على أنّ السكون كون باق غير متجدّد، واختلفوا في الحركة هل هي باقية أم لا؟ فعلى القول ببقاء الأكوان يردّ على كلا الفريقين أنه لا معنى للكونين ولا لكون الكون أولا، وثانيا لعدم تعدّده اللهم إلّا أن يفرض التجدّد فرضا. وعلى القول بعدم بقائها يرد أن لا يكون الحركة والسكون موجودين لعدم اجتماع الكونين في الوجود، اللهم إلّا أن يقال يكفي في وجود الكل وجود أجزائه ولو على سبيل التعاقب. وقيل الحق أنّ السكون مجموع الكونين في مكان واحد، والحركة كون أول في مكان ثان. ومما يجب أن يعلم أنّ المراد بكونين في مكان أنّ أقل السكون ذلك وبالكون الثاني في مكان أول ما يعمّ الكون الثالث. وعلى هذا قس سائر التعاريف. واعلم أيضا أنّ جميع التعاريف لا يشتمل الحركة الوضعية لأنّه لا كون للمتحرك بها إلّا في المكان الأول، هكذا يستفاد مما ذكره المولوي عصام الدين والمولوي عبد الحكيم في حواشيهما على شرح العقائد النسفية. ويجيء ما يدفع بعض الشكوك في لفظ الكون. وأمّا الحكماء فقد اختلفوا في تعريف

стр. 696

الحركة. فقال بعض القدماء هي خروج ما بالقوة إلى الفعل على التدريج. بيانه أنّ الشيء الموجود لا يجوز أن يكون بالقوة من جميع الوجوه وإلّا لكان وجوده أيضا بالقوة، فيلزم أن لا يكون موجودا، فهو إمّا بالفعل من جميع الوجوه وهو البارئ تعالى، والعقول على رأيهم أو بالفعل، من بعضها وبالقوة من بعض. فمن حيث إنّه موجود بالقوة لو خرج ذلك البعض من القوة إلى الفعل فهو إمّا دفعة وهو الكون والفساد فتبدل الصورة النارية بالهوائية انتقال دفعي، ولا يسمّونه حركة بل كونا وفسادا، وإمّا على التدريج وهو الحركة. فحقيقة الحركة هو الحدوث أو الحصول أو الخروج من القوة إلى الفعل إمّا يسيرا يسيرا أو لا دفعة أو بالتدريج. وكل من هذه العبارات صالحة لإفادة تصوّر الحركة. لكن المتأخّرين عدلوا عن ذلك لأنّ التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان، فيقع الزمان في تعريفه، والزمان مفسّر بأنّه مقدار الحركة، فيلزم الدور. وكذا الحال في اللادفعة، وكذا معنى يسيرا يسيرا. فقالوا الحركة كمال أول لما هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة. وهكذا قال أرسطو. وتوضيحه أنّ الجسم إذا كان في مكان مثلا وأمكن حصوله في مكان آخر فله [هناك] «١» إمكانان، إمكان الحصول في المكان الثاني، وإمكان التوجّه إليه. وكلّ ما هو ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالا له، فكل من التوجه إلى المكان الثاني والحصول فيه كمال، إلّا أنّ التوجّه متقدّم على الحصول لا محالة، فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام التوجّه بالفعل. فالتوجّه كمال أول للجسم الذي يجب أن يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو الحصول. ثم إنّ التوجّه ما دام موجودا فقد بقي منه شيء بالقوة. فالحركة تفارق سائر الكمالات بخاصتين: إحداهما أنها من حيث إنّ حقيقتها هي التأدّي إلى الغير، والسلوك إليه تستلزم أن يكون هناك مطلوب ممكن الحصول غير حاصل معها بالفعل ليكون التأدّي تأدّيا إليه، وليس شيء من سائر الكمالات بهذه الصفة، إذ ليست ماهيتها التأدّي إلى الغير ولا يحصل فيها واحد من هذين الوصفين. فإنّ الشيء مثلا إذا كان مربعا بالقوة ثم صار مربعا بالفعل فحصول المربعية من حيث هو هو لا يستعقب شيئا ولا يبقى عند حصولها شيء منها بالقوة. وأما الإمكان الاستعدادي وإن كان يستلزم أن لا يكون المقبول غير حاصل معه بالفعل فإنّ التحقيق أنّ الاستعداد يبطل مع الفعل لكن حقيقتها ليس التأدّي. وثانيتهما أنها تقتضي أن يكون شيء منها بالقوة فإنّ المتحرّك إنما يكون متحركا إذا لم يصل إلى المقصد، فإنّه إذا وصل إليه فقد انقطع حركته، وما دام لم يصل فقد بقي من الحركة شيء بالقوة. فهوية الحركة مستلزمة لأن يكون محلها حال اتصافه بها يكون مشتملا على قوتين، قوة بالقياس إليها وقوة أخرى بالقياس إلى ما هو المقصود بها. أما القوة التي بالنسبة إلى المقصد فمشتركة بلا تفاوت بين الحركة، بمعنى القطع والحركة بمعنى التوسط. فإنّ الجسم ما دام في المسافة لم يكن واصلا إلى المنتهى، وإذا وصل إليه لم تبق الحركة أصلا. وأما القوة الأخرى ففيها تفاوت بينهما، فإنّ الحركة بمعنى القطع حال اتصاف المتحرّك بها يكون بعض أجزائها بالقوة وبعضها بالفعل. فالقوة والفعل في ذات شيء واحد. والحركة بمعنى التوسّط إذا حصلت كانت بالفعل، ولم تكن هناك قوة متعلّقة بذاتها، بل بنسبتها إلى حدود المسافة. وتلك النسبة خارجة عن ذاتها عارضة لها كما ستعرف. فقد ظهر أنّ الحركة كمال بالمعنى المذكور للجسم الذي هو بالقوة في ذلك الكمال وفيما يتأدّى

стр. 697

إليه ذلك الكمال. وبقيد الأول تخرج الكمالات الثانية، وبقيد الحيثية المتعلّقة بالأول تخرج الكمالات الأولى على الإطلاق، أعني الصورة النوعية لأنواع الأجسام والصور الجسمية للجسم المطلق فإنّها كمالات أولى لما بالقوة، لكن لا من هذه الحيثية بل مطلقا، لأنّ تحصيل هذه الأنواع والجسم المطلق في نفسه إنّما هو بهذه الصور وما عداها من أحوالها تابعة لها، بخلاف الحركة فإنّها كمال أول من هذه الحيثية فقط، وذلك لأنّ الحركة في الحقيقة من الكمالات الثانية بالقياس إلى الصور النوعية. وإنّما اتصفت بالأولية لاستلزامها ترتّب كمال آخر عليها بحيث يجب كونه بالقوة معها فهي أول بالقياس إلى ذلك الكمال، وكونه بالقوة معها لا مطلقا. فالحاصل أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني بحيث يكون أوليته من جهة الأمر الذي هو له بالقوة بأن تكون أولية هذا الكمال بالنسبة إليه. وهاهنا توجيهان آخران. الأول أن يكون قولهم من جهة ما هو بالقوة متعلّقا بما يتعلّق به قولهم لما هو بالقوة كالثابت والحاصل، فيكون المعنى كمال أول حاصل للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، ومتعلّق به من جهة كونه بالقوة، وذلك لأنّ الحركة كمال بالنسبة إلى الوصول أو بقية الحركة للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في كماله الثاني، وحصوله له من جهة كونه بالقوة إذ على تقدير الوصول أو بقية الحركة بالفعل تكون الحركة منقطعة غير حاصلة للجسم. وبيان فائدة القيود مثل ما مرّ، لكن بقي انتقاض تعريف الحركة بالإمكان الاستعدادي إذ يصدق أنّه كمال بالنسبة إلى ما يترتب عليه سواء كان قريبا أو بعيدا للجسم الذي يجب كونه معه بالقوة في الكمال الثاني، من جهة كونه بالقوة، فإنّه إذا حصل ما يترتّب عليه بطل استعداده، وكذلك أولية الاستعداد بالنسبة إلى ما يترتب. والثاني أن يكون متعلّقا بلفظ الكمال ويكون المعنى أنّ الحركة كمال أول للجسم الذي هو بالقوة في كماله الثاني من جهة المعنى الذي هو به بالقوة، بأن يكون ذلك المعنى سببا لكماليته، وذلك فإنّ الحركة ليست كمالا له من جهة كونه جسما أو حيوانا بل إنما هي كمال من الجهة التي باعتبارها كان بالقوة، أعني حصوله في أين مخصوص أو وضع مخصوص أو غير ذلك؛ وفيه نظر، وهو أنّ الحركة ليست كمالا من جهة حصوله في أين أو وضع أو غير ذلك، فإنّ كماليتها إنما هو باعتبار حصولها بعد ما كان بالقوة. ويردّ على التوجيهات الثلاثة أنه يخرج من التعريف الحركة المستديرة الأزلية الأبدية الفلكية على زعمهم، إذ لا منتهى لها إلّا بالوهم، فليس هناك كمالان أول هو الحركة وثان هو الوصول إلى المنتهى إلّا إذا اعتبر وضع معين واعتبر ما قبله دون ما بعده؛ إلّا أنّ هذا منتهى بحسب الوهم دون الواقع المتبادر من التعريف. وفي الملخص أنّ تصور الحركة أسهل مما ذكر فإنّ كل عاقل يدرك التفرقة بين كون الجسم متحركا وبين كونه ساكنا. وأمّا الأمور المذكورة فمما لا يتصورها إلّا الأذكياء من الناس. وقد أجيب عنه بأنّ ما أورده يدلّ على تصورها بوجه والتصديق بحصولها للأجسام لا على تصوّر حقيقتها. اعلم انهم اختلفوا في وجود الحركة. فقيل بوجوده وقيل بعدم وجوده. وحاكم بينهم ارسطو، فقال: الحركة يقال بالاشتراك اللفظي لمعنيين. الأول التوجّه نحو المقصد وهو كيفية بها يكون الجسم أبدا متوسطا بين المبدأ والمنتهى، أي مبدأ المسافة ومنتهاها، ولا يكون في حيّز آنين بل يكون في كل آن في حيّز آخر، وتسمّى الحركة بمعنى التوسط. وقد يعبر عنها بأنها كون الجسم بحيث أي حدّ من حدود

стр. 698

المسافة يفرض لا يكون هو قبل الوصول إليه ولا بعده حاصلا فيه، وبأنها كون الجسم فيما بين المبدأ والمنتهى بحيث أي آن يفرض يكون حاله في ذلك الآن مخالفا لحاله في آنين يحيطان به، والحركة بهذا المعنى أمر موجود في الخارج، فإنّا نعلم بمعاونة الحسّ أنّ للمتحرك حالة مخصوصة ليست ثابتة له في المبدأ ولا في المنتهى، بل فيما بينهما، وتستمر تلك الحالة إلى المنتهى وتوجد دفعة. ويستلزم اختلاف نسب المتحرك إلى حدود المسافة فهي باعتبار ذاتها مستمرة وباعتبار نسبتها إلى تلك الحدود سيالة وبواسطة استمرارها وسيلانها تفعل في الخيال أمرا ممتدا غير قارّ هو الحركة بمعنى القطع. فالحركة بمعنى التوسّط تنافي استقرار المتحرّك في حيّز واحد سواء كان منتقلا عنه أو منتقلا إليه، فتكون ضدا للسكون في الحيّز المنتقل عنه وإليه، بخلاف من جعل الحركة الكون في الحيّز الثاني كما يجيء في لفظ الكون. الثاني الأمر الممتد من أول المسافة إلى آخرها ويسمّى الحركة بمعنى القطع ولا وجود لها إلّا في التوهم، إذ عند الحصول في الجزء الثاني بطل نسبته إلى الجزء الأول منها ضرورة، فلا يوجد هناك أمر ممتد من مبدأها إلى منتهاها. نعم لما ارتسم نسبة المتحرك إلى الجزء الثاني الذي أدركه في الخيال قبل أن يزول نسبته إلى الجزء الأول الذي تركه عنه، أي عن الخيال، يخيّل أمر ممتد، كما يحصل من القطرة النازلة والشعلة المدارة أمر ممتد في الحسّ المشترك فيرى لذلك خطّا ودائرة. التقسيم الحركة إمّا سريعة أو بطيئة. فالسريعة هي التي تقطع مسافة مساوية لمسافة أخرى في زمان أقلّ من زمانها، ويلزمها أن تقطع الأكثر من المسافة في الزمان المساوي. أعني إذا فرض تساوي الحركتين في المسافة كان زمان السريعة أقلّ، وإذا فرض تساويهما في الزمان كانت مسافة السريعة أكثر. فهذان الوصفان لا زمان للسريعة مساويان لها. ولذلك عرفت بكلّ واحد منهما. وأمّا قطعها لمسافة أطول في زمان أقصر فخاصة قاصرة. والبطيئة عكسها فتقطع المساوي من المسافة في الزمان الأكثر أو تقطع الأقل من المسافة في الزمان المساوي، وربما قطعت مسافة أقل في زمان أكثر لكنه غير شامل لها. والاختلاف بالسرعة والبطء ليس اختلافا بالنوع إذ الحركة الواحدة سريعة بالنسبة إلى حركة والبطيئة بالنسبة إلى أخرى، ولأنهما قابلان للاشتداد والنقص. فائدة: قالوا علّة البطء في الطبيعة ممانعة المخروق الذي في المسافة، فكلما كان قوامه أغلظ كان أشدّ ممانعة للطبيعة وأقوى في اقتضاء بطء الحركة كالماء مع الهواء، فنزول الحجر إلى الأرض في الماء أبطأ من نزوله إليها في الهواء. وأمّا في الحركات القسرية والإرادية فممانعة الطبيعة إمّا وحدها لأنه كلما كان الجسم أكبر أو كانت الطبيعة السارية فيه أكبر كان ذلك الجسم بطبيعته أشدّ ممانعة للقاسر، والمحرك بالإرادة وأقوى في اقتضاء البطء وإن اتحد المخروق والقاسر والمحرّك الإرادي. ومن ثمّ كان حركة الحجر الكبير أبطأ من حركة الصغير في مسافة واحدة من قاسر واحد، أو ممانعة الطبيعة مع ممانعة المخروق كالسهم المرمي بقوة واحدة تارة في الهواء، وكالشخص السائر فيهما بالإرادة، وربّما عاوق أحدهما أكثر والآخر أقل فتعادلا، مثل أن يحرك قاسر واحد الجسم الكبير في الهواء والصغير في الماء الذي يزيد معاوقة الهواء بمقدار الزيادة التي في طبيعته «١». وأيضا الحركة

стр. 699

إمّا أينية وهي الانتقال من مكان إلى مكان تدريجا وتسمّى النقلة، وإمّا كمية وهي الانتقال من كم إلى كم آخر تدريجا وهو أولى مما ذكره الشارح القديم من أنّها انتقال الجسم من كمّ إلى كمّ على التدريج، إذ قد ينتقل الهيولى والصورة أيضا من كم إلى كم، وهذه الحركة تقع على وجوه التخلخل والتكاثف والنمو والذبول والسّمن والهزال، وإمّا كيفية وهي الانتقال من كيفية إلى أخرى تدريجا وتسمّى بالاستحالة أيضا، وإمّا وضعية وهي أن يكون للشيء حركة على الاستدارة، فإنّ كلّ واحد من أجزاء المتحرّك يفارق كلّ واحد من أجزاء مكانه لو كان له مكان، ويلازم كله مكانه، فقد اختلفت نسبة أجزائه إلى أجزاء مكانه على التدريج. وقولهم لو كان له مكان ليشمل التعريف فلك الأفلاك. والمراد بالحركة المستديرة ما هو المصطلح وهو ما لا يخرج المتحرّك بها عن مكانه لا اللغوي فإنّ معناها اللغوي أعمّ من ذلك، فإنّ الجسم إذا تحرك على محيط دائرة يقال إنه متحرك بحركة مستديرة، فعلى هذا حركة الرحى وضعية وكذا حركة الجسم الآخر الذي يدور حول نفسه من غير أن تخرج عن مكانه حركة وضعية. وقيل الحركة الوضعية منحصرة في حركة الكرة في مكانها وليس بشيء إذ الحركة في الوضع هي الانتقال من وضع إلى وضع آخر تدريجا. وقيل حصر الوضعية في الحركة المستديرة أيضا ليس بشيء على ما عرفت من معنى الحركة في الوضع، كيف والقائم إذا قعد فقد انتقل من وضع إلى وضع آخر مع أنّه لا يتحرك على الاستدارة وثبوت الحركة الأينية لا ينافي ذلك. نعم لا توجد الوضعية هناك على الانفراد. وبالجملة فالحق أنّ الحركة الوضعية هي الانتقال من وضع إلى وضع كما عرفت، فكان الحصر المذكور بناء على إرادة الحركة الوضعية على الانفراد. ولذا قيل الحركة الوضعية تبدل وضع المتحرك دون مكانه على سبيل التدريج، وتسمّى حركة دورية أيضا انتهى. وهذا التقسيم بناء على أنّ الحركة عند الحكماء لا تقع إلّا في هذه المقولات الأربع، وأما باقي المقولات فلا تقع فيها حركة لا في الجوهر لأنّ حصوله دفعي ويسمّى بالكون والفساد، ولا في باقي مقولات العرض لأنها تابعة لمعروضاتها، فإن كانت معروضاتها مما تقع فيه الحركة تقع في تلك المقولة الحركة أيضا وإلّا فلا. ومعنى وقوع الحركة في مقولة عند جماعة هو أنّ تلك المقولة مع بقائها بعينها تتغير من حال إلى حال على سبيل التدريج، فتكون تلك المقولة هي الموضوع الحقيقي لتلك الحركة، سواء قلنا إنّ الجوهر الذي هو موضوع لتلك المقولة موصوف بتلك الحركة بالعرض وعلى سبيل التبع أو لم نقل وهو باطل، لأنّ التسود مثلا ليس هو أنّ ذات السواد يشتدّ لأنّ ذلك السواد إن عدم عند الاشتداد فليس فيه اشتداد قطعا، وإن بقي ولم تحدث فيه صفة زائدة فلا اشتداد فيه أيضا، وإن حدثت فيه صفة زائدة فلا تبدل ولا اشتداد قطعا ولا حركة في ذات السواد، بل في صفة «١» والمفروض خلافه. وعند جماعة معناه أنّ تلك المقولة جنس لتلك الحركة، قاموا إنّ من الأين ما هو قارّ ومنه ما هو سيّال، وكذا الحال في الكم والكيف والوضع. فالسيّال من كل جنس من هذه الأجناس هو الحركة فتكون الحركة نوعا من ذلك الجنس وهو باطل أيضا إذ لا معنى للحركة إلّا تغيّر الموضوع في صفاته على سبيل التدريج، ولا شك أنّ التغيّر ليس من جنس المتغيّر والمتبدّل لأنّ التبدّل حالة نسبية إضافية

стр. 700

والمتبدّل ليس كذلك، فإذا كان المتبدّل في الحركة هذه المقولات لم يكن شيء منها جنسا للتبدل الواقع فيها. والصواب أنّ معنى ذلك هو أنّ الموضوع يتحرك من نوع لتلك المقولة إلى نوع آخر من صنف إلى صنف آخر أو من فرد إلى فرد آخر. وأيضا الحركة إمّا ذاتية أو عرضية. قالوا ما يوصف بالحركة إمّا أن تكون الحركة حاصلة فيه بالحقيقة بأن تكون الحركة عارضة له بلا توسط عروضها لشيء آخر أو لا تكون، بأن تكون الحركة حاصلة في شيء آخر يقارنه فيوصف بالحركة تبعا لذلك، والثاني يقال له إنّه متحرك بالعرض وبالتبع وتسمّى حركته حركة عرضية وتبعية كراكب السفينة، والأول يقال له إنّه متحرك بالذات وتسمّى حركته حركة ذاتية. والحركة الذاتية ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يكون مبدأ الحركة في غيره وهي الحركة القسرية أو يكون [مبدأ] «١» الحركة فيه إمّا مع الشعور أي شعور مبدأ الحركة بتلك الحركة، وهي الحركة الإرادية أو لا مع الشعور وهي الحركة الطبعية. فالحركة النباتية طبعية وكذلك حركة النّبض لأنّ مبدأ هاتين الحركتين موجود في المتحرّك ولا شعور له بالحركة الصادرة عنه. وقد أخطأ من جعل الحركة الطبعية هي الصاعدة والهابطة وحصرها فيهما إذ تخرج عنها حينئذ هاتان الحركتان، وكذا أخطأ من جعل الحركة الطبعية هي التي على وتيرة واحدة من غير شعور بخروج هاتين الحركتين. ومنهم من قسّم الحركة إلى ذاتية وعرضية، والذاتية إلى ستة أقسام، لأنّ القوة المحركة إن كانت خارجة عن المتحرك فالحركة قسرية، وإن لم تكن خارجة عنه فإمّا أن تكون الحركة بسيطة أي على نهج واحد وإمّا أن تكون مركّبة أي لا على نهج واحد. والبسيطة إمّا أن تكون بإرادة وهي الحركة الفلكية أو لا بإرادة وهي الحركة الطبعية. والمركّبة إمّا أن يكون مصدرها القوة الحيوانية أو لا. الثانية الحركة النباتية. والاولى إمّا أن تكون مع شعور بها وهي الحركة الإرادية الحيوانية أو مع عدم شعور وهي الحركة التسخيرية كحركة النبض. فائدة: الحركة تقتضي أمورا ستة. الأول ما به الحركة أي السبب الفاعلي. الثاني ما له الحركة أي محلها. الثالث ما فيه الحركة أي إحدى المقولات الأربع. الرابع ما منه الحركة أي المبدأ. والخامس ما إليه الحركة أي المنتهى وهما أي المبدأ والمنتهى بالفعل في الحركة المستقيمة وبالفرض في الحركة المستديرة. السادس المقدار أي الزمان فإنّ كل حركة في زمان بالضرورة فوحدتها متعلّقة بوحدة هذه الأمور، فوحدتها الشخصية بوحدة موضوعها وزمانها وما هي فيه ويتبع هذا وحدة ما منه وما إليه، ولا يعتبر وحدة المحرك وتعدده، ووحدتها النوعية بوحدة ما فيه وما منه وما إليه ووحدتها الجنسية بوحدة ما فيه فقط. فالحركة الواقعة «٢» في كل جنس جنس من الحركة، فالحركات الأينية كلّها متحدة في الجنس العالي، وكذا الحركات الكمية والكيفية. ويترتّب أجناس الحركات بترتب الأجناس التي تقع تلك الحركة «٣» فيها فالحركة في الكيف جنس هي فوق الحركة في الكيفيات المحسوسة وهي فوق الحركة في المبصرات وهي [جنس] «٤» فوق

стр. 701

الحركة في الألوان، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الحركات النوعية المنتهية إلى الحركات الشخصية. وتضاد الحركتين ليس لتضاد المحرّك والزمان وما فيه بل لتضاد ما منه وما إليه إمّا بالذات كالتسوّد والتبيّض أو بالعرض كالصعود والهبوط، فإنّ مبدأهما ومنتهاهما نقطتان متماثلتان عرض لهما تضاد من حيث إنّ إحداهما صارت مبدأ والأخرى منتهى، فالتضاد إنّما هو بين الحركات المتجانسة المتشاركة في الجنس الأخير. ففي الاستحالة كالتسوّد والتبيّض وفي الكم كالنمو والذبول وفي النقلة كالصاعدة والهابطة وأمّا الحركات الوضعية فلا تضاد فيها. فائدة: انقسام الحركة ليس بالذات بل بانقسام الزمان والمسافة والمتحرك؛ فإنّ الجسم إذا تحرّك تحركت أجزاؤه المفروضة فيه، والحركة القائمة بكل جزء غير القائمة بالجزء الآخر، فقد انقسمت الحركة بانقسام محلها. فائدة: ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه والجبّائي من المعتزلة إلى أنّ بين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكونا، فالحجر إذا صعد قسرا ثم رجع فلا بد أن يسكن فيما بينهما فإنّ كل حركة مستقيمة لا بدّ أن تنتهي إلى سكون لأنها لا تذهب على الاستقامة إلى غير النهاية، ومنعه غيرهم كأفلاطون وأكثر المتكلّمين من المعتزلة. وإن شئت تحقيق المباحث فارجع إلى شرح المواقف وشرح الطوالع والعلمي وغيرها. تذنيب الحركة كما تطلق على ما مرّ كذلك تطلق على كيفية عارضية «١» للصوت وهي الضم والفتح الكسر ويقابلها السكون. قال الإمام الرازي الحركات أبعاض المصوّتات. أمّا أولا فلأنّ الحروف المصوتة قابلة للزيادة والنقصان، وكلّما كان كذلك فله طرفان ولا طرف في النقصان للمصوّتة إلّا بهذه الحركات بشهادة الاستقراء. وأمّا ثانيا فلأنّ الحركات لو لم تكن أبعاض المصوّتات لما حصلت المصوتات بتمديدها، فإن الحركة إذا كانت مخالفة لها ومددتها لم يمكنك أن تذكر المصوّت إلّا باستئناف صامت آخر يجعل المصوّت تبعا له، لكن الحسّ شاهد بحصول المصوتة «٢» بمجرّد تمديد الحركات، كذا في شرح المواقف في بحث المسموعات. حركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماء الحركة البسيطة وتسمّى متشابهة وبالحركة حول المركز أيضا، وبالحركة حول النقطة أيضا، وهي حركة تحدث بها عند مركز الفلك في أزمنة متساوية زوايا متساوية. وبعبارة أخرى تحدث بها عند المركز في أزمنة متساوية قسي متساوية. والحركة المختلفة وهي ما لا تكون كذلك. والحركة المفردة وهي الحركة الصادرة عن فلك واحد وقد تسمّى بسيطة، لكن المشهور أنّ البسيطة هي المتشابهة. والحركة المركّبة وهي الصادرة عن أكثر من فلك واحد. وكل حركة مفردة بسيطة وكل مختلفة مركبة وليس كل بسيطة مفردة وليس كل مركّبة مختلفة. والحركة الشرقية وهي الحركة من المشرق إلى المغرب سمّيت بها بظهور الكوكب بها من الشرق، وتسمّى أيضا حركة إلى خلاف التوالي لأنّها على خلاف توالي البروج، والبعض يسمّيها بالغربية لكونها إلى جهة الغرب. والحركات الشرقية أربع: الأولى الحركة الأولى وهي حركة الفلك الأعظم حول مركز العالم سمّيت بها

стр. 702

لأنها أول ما يعرف من الحركات السماوية بلا إقامة دليل، وتسمّى بحركة الكلّ أيضا إذ الفلك الأعظم يسمّى أيضا بفلك الكل لأنّ باقي الأجرام في جوفه وتسمّى أيضا بالحركة اليومية، لأنّ دورة الفلك الأعظم تتم في قريب من يوم بليلته على اصطلاح الحساب، وتسمّى أيضا بالحركة السريعة لأنّ هذه الحركة أسرع الحركات. الثانية حركة مدير عطارد حول مركزه وتسمّى حركة الأوج إذ في المدير الأوج الثاني لعطارد فيتحرك هذا الأوج بحركة المدير ضرورة. الثالثة حركة جوزهر القمر حول مركزه وتسمّى بحركة الرأس والذنب لتحركهما بهذه الحركة. الرابعة حركة مائل القمر حول مركزه وتسمّى حركة أوج القمر لتحركه بحركته. ولما كان الأوج كما يتحرك بهذه الحركة كذلك يتحرك بحركة الجوزهر أيضا. ويسمّى البعض مجموع حركتي الجوزهر والمائل بحركة الأوج صرّح به العلّامة في النهاية. والحركة الغربية كحركة فلك الثوابت وهي الحركة من المغرب إلى المشرق وتسمّى أيضا بالحركة إلى التوالي لأنها على توالي البروج والبعض يسميها شرقية أيضا لكونها إلى جهة الشرق، وتسمّى أيضا بالحركة البطيئة لأنها أبطأ من الحركة الأولى، وبالحركة الثانية لأنها لا تعرف أولا بلا إقامة دليل. وحركات السبعة السيارة أيضا تسمّى بالحركة الثانية والبطيئة وإلى التوالي والغربية أو الشرقية. فمن الحركات الغربية حركة فلك الثوابت. ومنها حركات الممثلات سوى ممثل القمر حول مراكزها وتسمّى حركات الأوجات والجوزهرات، وحركات العقدة. ومنها حركات الأفلاك الخارجة المراكز حول مراكزها. وحركة خارج مركز كل كوكب يسمّى بحركة مركز ذلك الكوكب اصطلاحا ولا تسمّى حركة مركز التدوير كما زعم البعض وإن كانت يطلق عليها بحسب اللغة. وحركة مركز القمر تسمّى بالبعد المضعف أيضا. اعلم أنّ خارج مركز ما سوى الشمس يسمّى حاملا فحركة حامل كل كوكب كما تسمّى بحركة المركز كذلك تسمّى بحركة العرض لأنّ عرض مركز التداوير إنّما حصل بها فلهذه الحركة دخل في عرض الكوكب وهي أي حركة العرض هي حركة الطول بعينها إذا أضيفت وقيست إلى فلك البروج. اعلم أنّ مركز التدوير إذا سار قوسا من منطقة الحامل في زمان مثلا تحدث زاوية عند مركز معدّل المسير ويعتبر مقدارها من منطقة معدل المسير، وبهذا الاعتبار يقال لهذه الحركة حركة المركز المعدّل الوسطى وتحدث أيضا زاوية عند مركز العالم ويعتبر مقدارها من منطقة البروج. وبهذا الاعتبار يقال لهذه الحركة حركة المركز المعدل. وإذا أضيفت إلى حركة المركز المعدّل حركة الأوج حصل الوسط المعدّل فإذا زيد التعديل الثاني على الوسط المعدّل أو نقص منه يحصل التقويم المسمّى بالطول وهذا في المتحيرة، ويعلم من ذلك الحال في النيرين. فلهذا سميت بهذه الحركة المضافة إلى فلك البروج بحركة الطول. ومعنى الإضافة إلى فلك البروج أن تعتبر هذه الحركة بالنسبة إلى مركز فلك البروج الذي هو مركز العالم. اعلم أنّ مجموع حركة الخارج والممثل في الشمس والمتحيّرة تسمّى حركة الوسط وقد تسمّى حركة المركز فقط بحركة الوسط وأهل العمل يسمّون مجموع حركة الممثل وفضل حركة الحامل على المدير في عطارد بالوسط، فإنهم لما سمّوا فضل حركة الحامل على حركة المدير في عطارد بحركة المركز سمّوا مجموع حركة الممثل والفضل المذكور بحركة الوسط. وأما الوسط في القمر فهو فضل حركة المركز على مجموع حركتي الجوزهر والمائل، وتسمّى حركة مركز القمر في الطول أيضا وقد يسمّى

стр. 703

جميع الحركات المستوية وسطا. وحركة الاختلاف وهي حركة تدوير كل كوكب سمّيت بها لأنّ تقويم الكوكب يختلف بها، فتارة تزاد تلك الحركة على الوسط وتارة تنقص منه ليحصل التقويم وتسمّى أيضا حركة خاصة الكوكب لأنّ مركزه يتحرك بها بلا واسطة وهذه الحركة ليست من الشرقية والغربية لأنّ حركات أعالي التداوير لا محالة مخالفة في الجهة لحركات أسافلها لكونها غير شاملة للأرض فإن كانت حركة أعلى التدوير إلى التوالي أي من المغرب إلى المشرق كانت حركة الأسفل إلى خلافه، وإن كانت بالعكس فبالعكس. هذا كله مما يستفاد مما ذكره الفاضل عبد العلي البرجندي في تصانيفه في علم الهيئة والسيّد السّند في شرح الملخص. الحرمة: [في الانكليزية] Holy thing ،taboo ،prohibition [ في الفرنسية] Chose sacree ،tabou ،interdiction بالضم وسكون الراء في الشرع هو الحكم بطلب ترك فعل ينتهض فعله سببا للعقاب ويسمّى بالتحريم أيضا. وذلك الفعل يسمّى حراما ومحظورا. قالوا الحرمة والتحريم متّحدان ذاتا ومختلفان اعتبارا وستعرف في لفظ الحكم. فالطلب احتراز عن غير الطلب. وبقيد ترك فعل خرج الواجب والمندوب. وبقولنا ينتهض فعله الخ خرج المكروه. وفي قولنا سببا للعقاب إشارة إلى أنّه يجوز العفو على الفعل. وقيد الحيثية معتبر أي ينتهض فعله سببا للعقاب من حيث هو فعل فخرج المباح المستلزم فعله ترك واجب كالاشتغال بالأكل والشرب وقت الصلاة إلى أن فاتت، فإنّ فعل مثل هذا المباح ليس سببا للعقاب من حيث إنّه فعل مباح بل من جهة أنّه مستلزم لترك واجب. إن قيل يخرج من الحدّ المحظور المخير وهو أن يكون المحرم واحدا لا بعينه من أمور متعددة كما إذا قال الشارع هذا حرام أو هذا فلا ينتهض فعل البعض وترك البعض سببا للعقاب، بل يكون فعل الجميع سببا له، فاختص الحدّ بالمحظور المعين. قلت المراد بانتهاض فعله سببا للعقاب هو الانتهاض بوجه ما وهو في المحظور المخيّر أن يفعل جميع الأمور. ولهذا قيل الحرام ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له. فالقيد الأول احتراز عن الواجب والمندوب والمكروه والمباح، والثاني أي قوله بوجه ما ليشتمل المحظور المخيّر وقيد الحيثية للاحتراز عن المباح المستلزم فعله ترك واجب. اعلم أنّ أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله لم يقولا بإطلاق الحرام على ما ثبت حرمته بدليل قطعي أو ظني، ومحمّد ﵀ يقول إنّ ما ثبت حرمته بدليل قطعي فهو حرام ويعرّف الحرام بما كان تركه أولى من فعله مع منع الفعل وثبت ذلك بدليل قطعي، فإن ثبت بدليل ظنّي يسمّى مكروها كراهة التحريم ويجيء في لفظ الحكم. ثم الحرام عند المعتزلة فيما تدرك جهة قبحه بالعقل هو ما اشتمل على مفسدة ويجيء في لفظ الحسن. التقسيم الحرام قد يكون حراما لعينه وقد يكون حراما لغيره. توضيحه أنّه قد يضاف الحلّ والحرمة إلى الأعيان كحرمة الميتة والخمر والأمهات ونحو ذلك. وكثير من المحققين على أنّه مجاز من باب إطلاق اسم المحلّ على الحال أو هو مبني على حذف المضاف أي حرّم أكل الميتة وشرب الخمر ونكاح الأمهات لدلالة العقل على الحذف. وذهب بعضهم إلى أنه حقيقة لوجهين. أحدهما أنّ الحرمة معناها المنع ومنه حرم مكّة وحريم البئر، فمعنى حرمة الفعل كونه ممنوعا بمعنى أنّ المكلّف منع من اكتسابه وتحصيله. ومعنى حرمة العين أنها منعت من العبد تصرفا فيها فحرمة الفعل من قبيل منع

стр. 704

الرجل عن الشيء كما يقال للغلام لا تشرب هذا الماء. ومعنى حرمة العين منع الشيء عن الرجل بأن يصب الماء مثلا وهو أوكد. وثانيهما أنّ معنى حرمة العين خروجها عن أن يكون محلا شرعا كما أنّ معنى حرمة الفعل خروجه عن الاعتبار شرعا. فالخروج عن الاعتبار متحقّق فيهما فلا يكون مجازا، وخروج العين عن أن يكون محلا للفعل يستلزم منع الفعل بطريق أوكد وألزم بحيث لا يبقى احتمال الفعل أصلا، فنفي الفعل فيه وإن كان طبعا أقوى من نفيه إذا كان مقصودا. ولمّا لاح على هذا الكلام أثر الضعف بناء على أنّ الحرمة في الشرع قد نقلت عن معناه اللغوي إلى كون الفعل ممنوعا عنه شرعا، وكونه بحيث يعاقب فاعله، وكان مع ذلك إضافة الحرمة إلى بعض الأعيان مستحسنة جدا كحرمة الميتة والخمر دون البعض كحرمة خبز الغير، سلك صدر الشريعة في ذلك طريقة متوسطة، وهو أنّ الفعل الحرام نوعان. أحدهما ما يكون منشأ حرمته عين ذلك المحل كحرمة أكل الميتة وشرب الخمر ويسمّى حراما لعينه. والثاني ما يكون منشأ الحرمة غير ذلك المحلّ كحرمة أكل مال الغير فإنها ليست لنفس ذلك المال، بل لكونه ملك الغير. فالأكل ممنوع لكن المحل قابل للأكل في الجملة بأن يأكله مالكه، بخلاف الأولى فإنّ المحلّ قد خرج عن قابلية الفعل، ولزم من ذلك عدم الفعل ضرورة عدم محله ففي الحرام لعينه المحل أصل والفعل تبع بمعنى أنّ المحلّ قد أخرج أولا من قبول الفعل ومنع ثم صار الفعل ممنوعا ومخرجا عن الاعتبار. فحسن نسبة الحرمة وإضافتها إلى المحل دلالة على أنه غير صالح للفعل شرعا حتى كأنّه الحرام لنفسه، ولا يكون ذلك من إطلاق المحلّ وإرادة الفعل الحال فيه، بأن يراد بالميتة أكلها لما في ذلك من فوات الدلالة على خروج المحلّ عن صلاحية الفعل، بخلاف الحرام لغيره، فإنّه إذا أضيفت الحرمة فيه إلى المحل يكون على حذف المضاف أو إطلاق المحل على الحال. فإذا قلنا الميتة حرام فمعناه أنّ الميتة منشأ لحرمة أكلها. وإذا قلنا خبز الغير حرام فمعناه أنّ أكله حرام إمّا مجازا، أو على حذف المضاف. وذكر في الأسرار «١» أنّ الحلّ والحرمة صفتا فعل لا صفتا محل الفعل، لكن متى أثبت الحلّ أو الحرمة لمعنى العين أضيف إليها لأنها سببه كما يقال جرى النهر لأنه سبيل الجريان وطريق يجري الماء فيه، فيقال حرمت الميتة لأنها حرمت لمعنى فيها، ولا يقال حرمت شاة الغير لأنّ الحرمة هناك لاحترام الملك كذا في التلويح. الحروف العاليات: [في الانكليزية] Hidden features or characteristics [ في الفرنسية] Caracteristiques cachees هي الشئون الذاتية الكامنة في غيب الغيوب كالشجرة في النواة وإليها أشار الشيخ بقوله: كنا حروفا عاليات لم تقل متعلّقات في ذرى أعلى القلل إنما «٢» أنت فيه ونحن أنت وأنت هو والكل في هو هو فسل عمّن وصل هكذا في الاصطلاحات الصوفية لكمال الدين أبي الغنائم. الحزّ: [في الانكليزية] Incision [ في الفرنسية] Incision بالفتح والتشديد في اللغة القطع والفرجة. وعند الأطباء هو تفرّق اتصال يكون في وسط

стр. 705

العضلة عرضا كذا في بحر الجواهر. حزيران: June -Juin اسم شهر في التقويم الرومي «١». الحسّ: [في الانكليزية] Sense ،sensation [ في الفرنسية] Sens ،sensation بالكسر والتّشديد هو القوة المدركة النفسانية، وأيضا وجع يأخذ النساء بعد الولادة. والحواس هي المشاعر الخمس وهي البصر والسمع والذوق والشم واللمس، كذا في بحر الجواهر. والحواس جمع الحاسة وهي الخمس المذكورة على ما في المنتخب، والاقتصار على تلك الخمس بناء على أنّ أهل اللغة لا يعرفون إلّا هذه الخمس الظاهرة، كما أنّ المتكلمين لا يثبتون إلّا هذه. وأمّا الحواس الخمس الباطنة وهي الحسّ المشترك والخيال. والوهم والحافظة والمتصرّفة فإنّما هي من مخترعات الفلاسفة. فإن قلت تعريف الحسّ بالقوة المدركة غير جامع على مذهب الفلاسفة لخروج الخيال والذاكرة والمتصرفة لأنها ليست مدركة بل معينة في الإدراك، قلت المراد بالمدركة على مذهبهم القوة التي بها يمكن الإدراك سواء كانت مدركة في نفسها أو معينة. اعلم أنّ الحكماء والمتكلمين قالوا العقل حاكم بالضرورة بوجود الحواس الخمس الظاهرة لا بحصرها في الخمس، لجواز أن يتحقق في نفس الأمر حاسة أخرى لبعض الحيوانات وإن لم نعلمها، كما أنّ الأكمه لا يعلم قوة الإبصار. ثم إنه لا شكّ أنّ الله تعالى خلق كلّا من الحواس لإدراك أشياء مخصوصة كالسمع لأصوات والذوق للطعوم والشم للروائح لا يدرك بها ما يدرك بالحاسة الأخرى. وأمّا أنّه هل يجوز ذلك ففيه خلاف. فالحكماء والمعتزلة قالوا بعدم الجواز، وأهل السّنة بالجواز، لما أنّ ذلك بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير للحواس فيها، فلا يمتنع أن يخلق عقيب صرف الباصرة إدراك الأصوات مثلا، ولكن اتفقوا على عدم الجواز بالفعل. فإن قيل الذائقة تدرك حلاوة الشيء وحرارته معا، قلنا: لا بل الحلاوة تدرك بالذوق والحرارة باللمس الموجودين في الفم واللسان. وأمّا الحواس الباطنة فقال الحكماء المفهوم إمّا كلي أو جزئي، والجزئي إمّا صور وهي المحسوسة بإحدى الحواس الظاهرة، وإمّا معان وهي الأمور الجزئية المنتزعة من الصّور المحسوسة، ولكل واحد من الأقسام الثلاثة مدرك وحافظ. فمدرك الكلي وما في حكمه من الجزئيات المجرّدة عن العوارض المادية هو العقل وحافظة المبدأ الفيّاض. ومدرك الصّور هو الحسّ المشترك وحافظها الخيال. ومدرك المعاني هو الوهم وحافظ الذاكرة؛ ولا بدّ من قوة أخرى متصرّفة سمّيت مفكرة ومتخيلة. وبهذه الأمور السبعة تنتظم أحوال الإدراكات كلها. هذا كلام على الإجمال، وتفصيل كل منها يطلب من موضعه. تنبيه الحواس الباطنة أثبتها بعض الفلاسفة وأنكرها أهل الإسلام. وتوضيحه على ما ذكره المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في بيان أسباب العلم أنّ المحققين اتفقوا على أنّ المدرك للكليات والجزئيات هو النفس الناطقة، وأنّ نسبة الإدراك إلى قواها نسبة القطع إلى السكين. واختلفوا في أنّ صور الجزئيات المادية ترتسم فيها أو في آلاتها. فذهب جماعة إلى أنّ النفس ترتسم صور الكليات فيها، وصور الجزئيات المادية ترتسم في آلاتها بناء على أنّ النفس بسيطة مجردة، وتكيّفها بالصور الجزئية
следующие страницы →