الحكّة والجرب أنّ الجرب بثور صغار بعضها وكبار بعضها، مختلفة في الرطوبة واليبوسة والتقيّح وغيره مع حكّة شديدة، والحكّة لا بثر معها.
الحكم:
[في الانكليزية] Verdict ،judgement ،gouvernment ،power
[ في الفرنسية] Verdict ،jugement ،gouvernement ،pouvoir
بالضم وسكون الكاف يطلق بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز على معان. منها إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا. وهذا المعنى عرفي، وحاصله أنّ الحكم نفس النسبة الخبرية التي إدراكها تصديق إيجابية كانت أو سلبية، وقد يعبّر عن هذا المعنى بوقوع النسبة ولا وقوعها، وقد يعبّر عنه بقولنا إنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة، وهذا المعنى من المعلومات فليس بتصوّر ولا تصديق لأنهما نوعان مندرجان تحت العلم. فالإسناد بمعنى مطلق النسبة والإيجاب الوقوع. والسلب اللاوقوع. واحترز بهما عمّا سوى النسبة الخبرية. وتوضيحه أنّه قد حقّق أنّ الواقع بين زيد والقائم هو الوقوع نفسه أو اللاوقوع كذلك، وليس هناك نسبة أخرى مورد الإيجاب والسلب، وأنّه قد يتصوّر هذه النسبة في نفسها من غير اعتبار حصولها أو لا حصولها في نفس الأمر، بل باعتبار أنّها تعلّق بين الطرفين تعلّق الثبوت أو الانتفاء، وتسمّى نسبة حكمية، ومورد الإيجاب والسلب ونسبة ثبوتية أيضا نسبة العام إلى الخاص أعني الثبوت لأنّه المتصوّر أولا، وقد تسمّى سلبية أيضا إذا اعتبر انتفاء الثبوت. وقد يتصوّر باعتبار حصولها أو لا حصولها في نفس الأمر، فإن تردّد فهو الشك وإن أذعن بحصولها أو لا حصولها فهو التصديق. فالنسبة الثبوتية تتعلّق بها علوم ثلاثة اثنان تصوّريان أحدهما لا يحتمل النقيض وهو تصوّرها في نفسها من غير اعتبار حصولها ولا حصولها. وثانيهما يحتمله. والثالث تصديقي فقد ظهر أنّ المعنى المذكور للحكم ليس أمرا مغايرا للوقوع واللاوقوع. وأنّ معنى قولنا نسبة أمر بأمر وإسناد أمر إلى أمر تعلّق أمر بأمر وقوعا كان أو لا وقوعا إن كان الإيجاب والسلب بمعنى الوقوع واللاوقوع، وإن أريد بالإيجاب والسّلب إدراك أنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة. فمعناه تعلّق أمر بأمر سواء كان موردا للإيجاب أو موردا للسلب، فإنّ الإيجاب والسّلب يطلق على كلا هذين المعنيين، كما صرّح بذلك المحقق التفتازاني في حاشية العضدي. وأنّ معنى قولنا إدراك أنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة ادراك أنّ النسبة الثبوتية واقعة في نفس الأمر أو ليست بواقعة فيها. ثم هذا التقرير على مذهب من يقول إنّ الحكم ليس من مقولة الفعل. وأما من يقول بأنّ الحكم من مقولة الفعل كالإمام الرازي والمتأخرين من المنطقيين فالمناسب عندهم في تفسير الحكم بإسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا أن يقال إنّ الإسناد لغة بمعنى تكيه دادن چيزي به چيزى،- إضافة شيء إلى شيء- وفي العرف ضم أمر إلى آخر، بحيث يفيد فائدة تامّة. وقد يطلق بمعنى مطلق النسبة. فعلى الأول قولنا إيجابا أو سلبا بيان لنوعه، وعلى الثاني يفيد لإخراج ما سوى النسبة الخبرية، والإيجاب لازم كردن والسلب ربودن كما في الصراح. وبالجملة فالمناسب على هذا أن يفسّر الإسناد والإيجاب والسلب بمعان منبئة عن كون الحكم فعلا. ولا يراد بالضم وبالنسبة التعلّق بين الطرفين وبالإيجاب والسلب الوقوع [فعلا] «١» واللاوقوع، إذ لو أريد ذلك لم يبق الحكم فعلا، وعلى هذا القياس قولنا الحكم هو الإيجاب والسّلب أو الإيقاع والانتزاع أو النفي والإثبات فإنها مفسّرة
стр. 737
بالمعاني اللغوية المنبئة عن كون الحكم فعلا.
فالحكم على هذا إمّا جزء من التصديق كما ذهب إليه الإمام أو شرط له كما هو مذهب المتأخرين من المنطقيين، ويجيء في لفظ التصديق زيادة تحقيق لهذا.
ومنها نفس النسبة الحكمية على ما صرّح به الچلپي في حاشية الخيالي بعد التصريح بالمعنى الأول. وهذا المعنى إنّما يكون مغايرا للأول عند المتأخرين الذاهبين إلى أنّ أجزاء القضية أربعة: المحكوم عليه وبه ونسبة تقييدية مسمّاة بالنسبة الحكمية ووقوع تلك النسبة أولا وقوعها الذي إدراكه هو المسمّى بالتصديق.
وأما عند المتقدمين الذاهبين إلى أنّ أجزاء القضية ثلاثة: المحكوم عليه وبه والنسبة التامة الخبرية التي إدراكها تصديق فلا يكون مغايرا للمعنى الأول، لما عرفت من أنّ النسبة الحكمية ليست أمرا مغايرا للنسبة الخبرية.
ومنها إدراك تلك النسبة الحكمية
ومنها إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها المسمّى بالتصديق، وهذا مصطلح المنطقيين والحكماء وقد صرّح بكلا هذين المعنيين الچلپي أيضا في حاشية الخيالي. والتغاير بين هذين المعنيين أيضا إنما يتصوّر على مذهب المتأخرين. قالوا الفرق بين إدراك النسبة الحكمية وإدراك وقوعها أولا وقوعها المسمّى بالحكم هو أنّه ربّما يحصل إدراك النسبة الحكمية بدون الحكم، فإنّ المتشكّك في النسبة الحكمية متردّد بين وقوعها ولا وقوعها، فقد حصل له إدراك النسبة قطعا ولم يحصل له إدراك الوقوع واللاوقوع المسمّى بالحكم فهما متغايران قطعا. وأجيب بأنّ التردّد لا يتقوم حقيقة ما لم يتعلّق بالوقوع أو اللاوقوع فالمدرك في الصورتين واحد والتفاوت في الإدراك بأنّه إذعاني أو تردّدي. وبالجملة فيتعلّق بهذا المدرك علمان علم تصوّري من حيث إنّه نسبة بينهما وعلم تصديقي باعتبار مطابقته للنسبة التي بينهما في نفس الأمر، وعدم مطابقته إياها على ما مرّت الإشارة إليه في المعنى الأول. وأما على مذهب القدماء فلا فرق بين العبارتين إلّا بالتعبير. فمعنى قولنا إدراك النسبة وإدراك الوقوع واللاوقوع على مذهبهم واحد إذ ليس نسبة سوى الوقوع واللاوقوع، وهي النسبة التامة الخبرية. وأمّا النسبة التقييدية الحكمية المغايرة لها فممّا لا ثبوت له كما عرفت. فعلى هذا إضافة الوقوع واللاوقوع إلى النسبة بيانية. لكنّ هذا الإدراك نوعان: إذعاني وهو المسمّى عندهم بالحكم المرادف للتصديق وغير إذعاني وتسميته بالحكم عندهم محتمل غير معلوم، ويؤيد هذا ما ذكر السيّد السّند والمولوي عبد الحكيم في حواشي شرح الشمسية. وحاصله أنّ معنى قولنا إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها ليس أن يدرك معنى الوقوع أو اللاوقوع مضافا إلى النسبة، فإنّ إدراكهما بهذا المعنى ليس حكما بل هو إدراك مركّب تقييدي من قبيل الإضافة، بل معناه أن يدرك أنّ النسبة واقعة ويسمّى هذا الإدراك حكما إيجابيا، أو أن يدرك أنّ النسبة ليست بواقعة ويسمّى هذا الإدراك حكما سلبيا، أعني معناه أن يدرك أنّ النسبة المدركة بين الطرفين أي المحكوم عليه والمحكوم به واقعة بينهما في حدّ ذاتها مع قطع النظر عن إدراكنا إيّاها أو ليست بواقعة كذلك، وهو الإذعان بمطابقة النسبة الذهنية لما في نفس الأمر أو في الخارج، أعني للنسبة مع قطع النظر عن إدراك المدرك بل من حيث إنها مستفادة من البداهة أو الحسّ أو النظر. فمآل قولنا إنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة.
وقولنا إنّها مطابقة واحدة والمراد به الحالة الإجمالية التي يقال لها الإذعان والتسليم المعبّر عنه بالفارسية بگرويدن لا إدراك هذه القضية، فإنّه تصوّر تعلّق بما يتعلّق به التصديق يوجد في
стр. 738
صورة التخييل والوهم ضرورة أنّ المدرك في جانب الوهم هو الوقوع واللاوقوع، إلّا أنّها ليست على وجه الإذعان والتسليم فظهر فساد ما توهّمه البعض من أنّ الشكّ والوهم من أنواع التصديق، ولا التفصيل المستفاد من ظاهر اللفظ لأنّه خلاف الوجدان، ولاستلزامه ترتّب تصديقات غير متناهية. فقد ظهر أنّ الحكم إدراك متعلّق بالنسبة التامة الخبرية فإنّها لمّا كانت مشعرة بنسبة خارجية كان إدراكها على وجهين من حيث إنّها متعلّقة بالطرفين رابطة بينهما كما في صورة الشكّ مثلا. ومن حيث إنّها كذلك في نفس الأمر كما في صورة الإذعان. وهذا هو الحكم والتصديق.
وإنما قيل كون الحكم بمعنى إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها يشعر بأنّ المراد بالنسبة النسبة الحكمية لا النسبة التامة الخبرية لأنّ الحكم على تقدير كونها تامة هو إدراك نفسها ليس بشيء عند التحقيق، وإنّ أجزاء القضية ثلاثة المحكوم عليه وبه والنسبة التامة الخبرية وهي نسبة واحدة هي اتحاد المحمول بالموضوع، أو عدم اتحاده به، وهو الحقّ عند المحققين، لا كما ذهب إليه المتأخرون من أنّ أجزاءها أربعة: المحكوم عليه وبه والنسبة الحكمية ووقوعها أولا وقوعها وأنّ الاختلاف بين التصوّر والتصديق بحسب الذات والمتعلّق، فإنّ التصوّر لا يتعلّق عندهم به التصديق، فالتصديق عندهم إدراك متعلّق بوقوع النسبة أولا وقوعها والتصوّر إدراك متعلّق بغير ذلك. والحق عند المحققين أنّ التصوّر يتعلّق بما يتعلّق به التصديق أيضا، فلا امتياز بين التصور والتصديق إلّا بحسب الذات واللوازم كاحتمال الصدق والكذب دون المتعلق.
واعلم أنّه ذكر السّيد الشريف أنّه يجوز أن يفسّر الحكم بالتصديق فقط وأن يفسّر بالتصديق والتكذيب، وهذا بناء على أنّ إذعان أنّ النسبة ليست بواقعة إذعان بأنّ النسبة السلبية واقعة.
فعلى هذا يجوز أن يعرف الحكم بإدراك الوقوع فقط وأن يعرف بإدراك الوقوع واللاوقوع معا.
التقسيم
الحكم سواء أخذ بمعنى التصديق أو بمعنى النسبة الخبرية ينقسم إلى شرعي وغير شرعي. فالشرعي ما يؤخذ من الشرع بشرط أن لا يخالف القطعيات بالنسبة إلى فهم الآخذ سواء كان مما يتوقف على الشرع بأن لا يدرك لولا خطاب الشارع كوجوب الصلاة، أو لم يكن كوجوده تعالى وتوحيده، وهو ينقسم إلى ما لا يتعلّق بكيفية عمل ويسمّى أصليا واعتقاديا وإلى ما يتعلّق بها ويسمّى عمليا وفرعيا، وغير الشرعي ما لا يؤخذ من الشرع كالأحكام العقلية المأخوذة من مجرّد العقل، والاصطلاحية المأخوذة من الاصطلاح. وأكثر ما ذكرنا هو خلاصة ما ذكره المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في الخطبة وحاشية شرح الشمسية.
ومنها المحكوم عليه.
ومنها المحكوم به. قال الچلپي في حاشية المطول في بحث التأكيد: إطلاق الحكم على المحكوم به متعارف عند النحاة كإطلاقه على المحكوم عليه انتهى. وهكذا ذكر السيّد الشريف في حاشية المطول.
ومنها نفس القضية على ما ذكر الچلپي أيضا في حاشية الخيالي، وهذا كما يطلق التصديق على القضية.
ومنها القضاء كما يجيء في لفظ الديانة.
وما ذكره الغزالي حيث قال: الحكم والقضاء والقدر: هو توجّه الأسباب لجانب المسبّبات هو الحكم المطلق. وهو مسبب لجميع الأسباب المجمل منه والمفصّل، وعن الحكم يتفرع القضاء والقدر. فإذن: التدبير
стр. 739
الإلهي هو أصل لوضع الأسباب لكي تتوجه نحو مسبّبات وهو الحكم الإلهي. وقيام الأسباب الكلية وظهورها مثل الأرض والسّماء والكواكب والحركات المتناسبة لها وغير ذلك مما لا يتغيّر ولا يتبدّل حتى يحين وقتها فذلك هو القضاء. ثم توجّه الأسباب هذه للأحوال والحركات المتناسبة والمحدودة والمقدّرة لجانب الأسباب، وحددت ذلك لحظة بلحظة فهو القدر.
إذن فالحكم: هو التدبير الأزلي كله وأمره كلمح البصر. والقضاء: وضع كلّ الأسباب الكلية الدائمة.
والقدر: هو توجيه هذه الأسباب الكلية لمسبباتها المعدودة بعدد معين فلا تزيد ولا تنقص «١». وكذا ذكر المولوي عبد الحق المحدّث في ترجمة المشكاة في باب الإيمان بالقدر.
ومنها خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين. هكذا نقل عن الأشعري. وهذا المعنى مصطلحات الأصوليين.
والخطاب في اللغة توجيه الكلام نحو الغير ثم نقل إلى الكلام الذي يقع به التخاطب، وبإضافته إلى الله تعالى خرج خطاب من سواه إذ لا حكم إلّا حكمه ووجوب طاعة النبي ﵇ وأولي الأمر والسيّد إنّما هو بإيجاب الله تعالى إياها. والمراد بالخطاب هاهنا ليس المعنى اللغوي، اللهم إلّا أن يراد بالحكم المعنى المصدري، بل المراد به المعنى المنقول من الكلام المذكور لكن لا مطلقا بل الكلام النفسي، لأنّ اللفظي ليس بحكم بل دال عليه سواء أريد بالكلام الذي يقع به التخاطب الكلام الذي من شأنه التخاطب فيكون الكلام خطابا به أزليا كما هو رأي الأشعري من قدم الحكم والخطاب بناء على أزلية تعلّقات الكلام وتنوعه في الأزل أمرا أو نهيا أو غيرهما، أو أريد به معناه الظاهر المتبادر أي الكلام الذي يقع به التخاطب بالفعل، وهو الكلام الذي قصد منه إفهام من هو متهيئ لفهمه كما ذهب إليه ابن القطّان «٢» من أنّ الحكم والخطاب حادثان بناء على حدوث تعلّقات الكلام وعدم تنوّعه في الأزل، وهذا معنى ما قال إنّ الحكم والخطاب حادثان بل جميع أقسام الكلام مع قدمه فهو لا يسمّى الكلام في الأزل خطابا. ومعنى تعلقه بأفعال المكلّفين تعلّقه بفعل من أفعالهم لا بجميع أفعالهم على ما يوهم إضافة الجمع من الاستغراق، وإلّا لم يوجد حكم أصلا إذ لا خطاب يتعلّق بجميع الأفعال فيشمل خواص النبي ﵌ أيضا كإباحة ما فوق الأربع من النساء.
لا يقال إذا كان المراد بالخطاب الكلام النفسي ولا شكّ أنّه صفة واحدة فيتحقّق خطاب واحد متعلّق بجميع الأفعال لأنّا نقول الكلام وإن كانت صفة واحدة لكن ليس خطابا إلّا
стр. 740
باعتبار تعلّقه، وهو متعدّد بحسب المتعلّقات، فلا يكون خطاب واحد متعلقا بالجميع، وخرج بقوله المتعلّق بأفعال المكلّفين الخطابات المتعلّقة بأحوال ذاته وصفاته وتنزيهاته وغير ذلك ممّا ليس بفعل المكلّف كالقصص. واعترض على الحدّ بأنه غير مانع إذ يدخل فيه القصص المبينة لأفعال المكلّفين وأحوالهم والأخبار المتعلّقة بأعمالهم كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ «١» مع أنّها ليست أحكاما.
وأجيب بأنّ الحيثية معتبرة في الحدود، فالمعنى الحكم خطاب الله متعلّق بفعل المكلّفين من حيث هو فعل المكلّف وليس تعلّق الخطاب بالأفعال في صور النقض من حيث إنّها أفعال المكلّفين هذا لكن اعتبار حيثية التكليف فيما يتعلّق به خطاب الإباحة بل الندب والكراهة موضع تأمّل. ولذا أراد البعض في الحدّ قولنا بالاقتضاء أو التخيير للاحتراز عن الأمور المذكورة وكلمة أو لتقسيم المحدود دون الحدّ.
ومعنى الاقتضاء الطلب. وهو إمّا طلب الفعل مع المنع عن الترك وهو الإيجاب، أو طلب الترك مع المنع عن الفعل وهو التحريم، أو طلب الفعل بدون المنع عن الترك وهو الندب، أو طلب الترك بدون المنع عن الفعل وهو الكراهة. ومعنى التخيير عدم طلب الفعل والترك وهو الإباحة.
إن قيل إذا كان الخطاب متعلّقا بأفعال المكلّفين في الأزل كما هو رأي الأشعري يلزم طلب الفعل والترك من المعدوم وهو سفه. قلت السفه إنّما هو طلب الفعل أو الترك عن المعدوم حال عدمه. وأمّا طلبه منه على تقدير وجوده فلا، كما إذا قدّر الرجل ابنا فأمره بطلب العلم حين الوجود لكن بقي أنّه يلزم خروج الخطاب الوضعي من الحدّ، مع أنّه حكم فإنّ الخطاب نوعان: تكليفي وهو المتعلّق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، والتخيير، ووضعي وهو الخطاب باختصاص شيء بشيء وذلك على ثلاثة أقسام:
سببي كالخطاب بأنّ هذا سبب لذلك كالدلوك للصلاة، وشرطي كالخطاب بأنّ هذا شرط لذلك كالطهارة للصلاة، ومانعي أي هذا مانع لذلك كالنجاسة للصلاة. فأجاب البعض عنه بأنّ خطاب الوضع ليس بحكم، وإن جعلها غيرنا حكما إذ لا مشاحة في الاصطلاح ولو سلّم أنّه حكم فلا نسلّم خروجه عن الحدّ إذ المراد من الاقتضاء والتخيير أعمّ من التصريحي والضمني، والخطاب الوضعي من قبيل الضمني إذ معنى سببية الدلوك وجوب الصلاة عند الدلوك.
ومعنى شرطية الطهارة وجوبها في الصلاة أو حرمة الصلاة بدونها. ومعنى مانعية النجاسة حرمة الصلاة معها أو وجوب إزالتها حالة الصلاة، وكذا في جميع الأسباب والشروط والموانع. وبعضهم زاد قيدا في التعريف ليشتمله، فقال بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، أي وضع الشارع وجعله. فإن قلت الحكم يتناول القياس المحتمل للخطأ فكيف ينسب إلى الله تعالى؟ قلت الحاكم في المسألة الاجتهادية هو الله تعالى إلّا أنه لم يحكم إلّا بالصواب.
فالحكم المنسوب إليه هو الحق الذي لا يحوم حوله الباطل، وما وقع من الخطأ للمجتهد فليس بحكم حقيقة بل ظاهرا وهو معذور في ذلك.
قال صدر الشريعة بعضهم عرّف الحكم الشرعي بهذا التعريف المذكور، فإذا كان هذا التعريف للحكم فمعنى الشرعي ما يتوقّف على الشرع فيكون قيدا مخرجا لوجوب الإيمان ونحوه. وإذا كان تعريفا للحكم الشرعي فمعنى الشرعي ما ورد به خطاب الشارع لا ما يتوقّف
стр. 741
على الشرع، وإلّا لكان الحدّ أعمّ من المحدود لتناوله مثل وجوب الإيمان. ومعنى الحكم في قولنا الحكم الشرعي على هذا إسناد أمر إلى آخر، وإلّا لزم تكرار قيد الشرعي. وقال الآمدي الحكم خطاب الشارع لفائدة شرعية. قيل إن فسّر الآمدي الفائدة الشرعية بمتعلّق الحكم فدور، ولو سلّم أن لا دور فلا دليل عليه في اللفظ. وإن فسّرها بما لا تكون حسّية ولا عقلية على ما يشعر به كلامه حيث قال: هذا القيد احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن المحسوسات والمعقولات، وردّ على طرد الحدّ إخبار الشارع بالمغيبات كقوله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «١» فزيد قيد يختصّ به ليخرج ما أورد عليه إذ لا تحصل تلك الفائدة إلّا بالاطلاع على الخطاب لأنّ فائدة الإخبار عن المغيّبات قد يطّلع عليها لا من خطاب الشرع، إذ لكل خبر مدلول خارجي قد يعلم وقوعه بطريق آخر كالإحساس في المحسوسات والضرورة، والاستدلال في المعقولات والإلهام، مثلا في المغيبات فإن للخبر لفظا ومعنى ثابتا في نفس المتكلم يدلّ عليه اللفظ فيرتسم في نفس السامع، هو مفهوم الطرفين والحكم، ومتعلقا لذلك المعنى هو النسبة المتحققة في نفس الأمر بين الطرفين يشعر اللفظ بوقوعه في الخارج. لكن الإشعار بوقوعه لا يستلزم وقوعه بل قد يكون واقعا فيكون الخبر صادقا وقد لا يكون فيكون كاذبا، بخلاف الحكم بالمعنى المذكور فإنّه إنشاء والإنشاء له لفظ ومعنى يدلّ عليه لكن ليس لمعناه متعلّق يقصد الإشعار والإعلام به، بل إنّما يقصد به الإشعار بنفس ذلك المعنى الثابت في النفس كالطّلب مثلا في الإنشاءات الطلبية.
ومثل هذا المعنى لا يعلم إلّا باللفظ توقيفا، أي بطريق جعل السامع واقفا على ثبوته في النفس، فيختصّ بالخطاب الدال عليه. فمثل قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ «٢» إن قصد به الإعلام بنسبة واقعة سابقة كان خبرا فلا يكون حكما بالمعنى المذكور، وإن قصد به الإعلام بالطلب القائم بالنفس كان إنشاء فيكون حكما. قيل هاهنا دور إذ معرفة الخطاب المفيدة فائدة مختصّة به موقوفة على تصوّر الفائدة المختصّة ضرورة توقّف الكلام على تصوّر أجزائه، وهي متوقّفة على الخطاب فيلزم الدور. قيل جوابه أنّ المتوقّف على الخطاب حصول الفائدة، وما توقّف عليه الخطاب تصوّرها وحصول الشيء غير تصوّره فلا دور. قيل لا حاجة إلى زيادة القيد بل الحدّ مطّرد ومنعكس لا غبار عليه وذلك بأن تفسّر الفائدة الشرعية بتحصيل ما هو حصولها بخطاب الشارع دون ما هو حاصل في نفسه ولو في المستقبل، ورد به خطاب الشرع أم لا، لكنه يعلم بخطابه كالمغيّبات، فإنّ الإخبار عنها لا يحصلها بل يفيد العلم بها.
لكن بقي بعد شيء وهو أنّ مثل قوله تعالى فَنِعْمَ الْماهِدُونَ «٣» ونِعْمَ الْعَبْدُ «٤» يدخل في الحدّ وليس بحكم.
ومنها الأثر الثابت بالشيء كما وقع في الهادية حاشية الكافية في بحث المعرب. وفي العارفية حاشية شرح الوقاية «٥» في بيان الوضوء
стр. 742
كون الحكم بمعنى الأثر الثابت بالشيء إنما هو من أوضاع الفقهاء واصطلاحات المتأخرين انتهى. وفي التوضيح يطلقون الحكم على ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة مجازا بطريق إطلاق اسم المصدر على المفعول كالخلق على المخلوق. لكن لما شاع فيه صار منقولا اصطلاحيا وهو حقيقة اصطلاحية انتهى.
وحاصل هذا أنّ الحكم عند الفقهاء هو أثر خطاب الشارع.
ومنها الأثر المترتّب على العقود والفسوخ كملك الرقبة أو المتعة أو المنفعة المترتّب على فعل المكلّف وهو الشراء. وفي التلويح في باب الحكم إطلاق الحكم في الشرع على خطاب الشارع وعلى الأثر المترتّب على العقود والفسوخ إنّما هو بطريق الاشتراك انتهى. فعلم من هذا أنّ إطلاق الحكم على الأثر الثابت بالشيء ليس من أوضاع الفقهاء كما ذكره صاحب العارفية، اللهم إلّا أن يراد بالشيء خطاب الشارع أو العقود والفسوخ. نعم إطلاقه بهذا المعنى شائع في عرفهم وعرف غيرهم.
قال المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية: تفسير الحكم بالأثر المترتّب على الشيء مما أتى به أقوام بعد أقوام وإن لم أعثر على مأخذه في أفانين الكلام انتهى.
ومنها الخاصة كما وقع في الحاشية الهندية في بحث المعرب. قال في الهادية هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأنّ حكم الشيء أي أثره لا يكون إلّا مختصا به ضرورة استحالة توارد المؤثّرين على أثر واحد.
تقسيم
ما يطلق عليه لفظ الحكم شرعا على ما اختاره صدر الشريعة في التوضيح هو ما حاصله أنّ الحكم إمّا حكم بتعلّق شيء بشيء أو لا. فإن لم يكن فالحكم إمّا صفة لفعل المكلّف أو أثر له. فإن كان أثرا كالملك فلا بحث هاهنا عنه، وإن كان صفة فالمعتبر فيه اعتبارا أوليا إمّا المقاصد الدنيوية أو الأخروية.
فالأول ينقسم الفعل بالنظر إليه تارة إلى صحيح وباطل وفاسد وتارة إلى منعقد وغير منعقد، وتارة إلى نافذ وغير نافذ، وتارة إلى لازم وغير لازم، والثاني إمّا أصلي أو غير أصلي.
فالأصلي إمّا أن يكون الفعل أولى من الترك أو الترك أولى من الفعل، أو لا يكون أحدهما أولى. فالأوّل إن كان مع منع الترك بدليل قطعي ففرض أو بظني فواجب، وإلّا فإن كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين فسنة، وإلّا فندب. والثاني إن كان مع منع الفعل فحرام وإلّا فمكروه. والثالث مباح وغير الأصلي رخصة. وإن كان حكما بتعلّق شيء بشيء فالمتعلّق إن كان داخلا فركن، وإلّا فإن كان مؤثّرا فيه فعلّة، وإلّا فإن كان موصلا إليه في الجملة فسبب، وإلّا فإن توقّف الشيء عليه فشرط، وإلّا فعلامة. وإنّما قلنا هذا تقسيم ما يطلق عليه لفظ الحكم شرعا إذ لو أريد بالحكم خطاب الشارع أو أثره لا يشمل الحكم نحو الملك لأنّ الملك إنّما ثبت بفعل المكلّف لا الخطاب. فالمقصود هاهنا بيان أقسام ما يطلق عليه لفظ الحكم في الشرع. فإنّ التحقيق أنّ إطلاق الحكم على خطاب الشرع وعلى أثره وعلى الأثر المترتّب على العقود والفسوخ إنّما هو بطريق الاشتراك، هكذا ذكر في التلويح في باب الحكم. ومثل هذا تقسيمهم العلّة إلى سبعة أقسام كما يجيء في محله.
اعلم أنّ أفعال المكلّف اثنا عشر قسما لأنّ ما يأتي به المكلّف إن تساوى فعله وتركه فمباح، وإلّا فإن كان فعله أولى فمع المنع عن الترك واجب وبدونه مندوب. وإن كان تركه أولى فمع المنع عن الفعل بدليل قطعي حرام وبدليل ظنّي مكروه كراهة التحريم، وبدون المنع
стр. 743
عن الفعل مكروه كراهة التنزيه، هذا على رأي محمد. وأمّا على رأيهما فهو أنّ ما يكون تركه أولى من فعله فهو مع المنع عن الفعل حرام، وبدونه مكروه كراهة التنزيه إن كان إلى الحلّ أقرب، بمعنى أنّه لا يعاقب فاعله لكن يثاب تاركه أدنى ثواب، ومكروه كراهة التحريم إن كان إلى الحرام أقرب، بمعنى أنّ فاعله يستحق محذورا دون العقوبة بالنار. ثم المراد بالواجب ما يشمل الفرض أيضا لأنّ استعماله بهذا المعنى شائع عندهم كقولهم الزكاة واجبة والحج واجب، بخلاف إطلاق الحرام على المكروه تحريما فإنه ليس بشائع. والمراد بالمندوب ما يشمل السّنة الغير المؤكّدة والنفل.
وأمّا السّنة المؤكّدة فهي داخلة في الواجب على الأصح، فصارت الأقسام ستة، ولكلّ منها طرفان، فعل أي الإيقاع، وترك أي عدم الفعل، فيصير اثنا عشر قسما، هكذا في التلويح وحواشيه.
خاتمة
قد عرفت أنّ الحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الله تعالى. فالإيجاب هو نفس معنى قوله افعل وهو قائم بذاته سبحانه، وليس للفعل من الإيجاب المتعلّق به صفة حقيقية قائمة به تسمّى وجوبا. فإنّ القول لفظيا كان أو نفسيا ليس لمتعلّقه منه صفة حقيقية، أي لا يحصل لما يتعلّق به القول بسبب تعلّقه به صفة موجودة لأنّ القول يتعلّق بالمعدوم كما يتعلّق بالموجود. فلو اقتضى تعلّقه تلك الصفة لكان المعدوم متصفا بصفة حقيقية، وهو أي معنى قوله افعل إذ أنسب إلى الحاكم تعالى لقيامه به يسمّى إيجابا، وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل لتعلّقه به يسمّى وجوبا، فالإيجاب والوجوب متّحدان بالذات لأنّهما ذلك المعنى القائم بذاته تعالى المتعلّق بالفعل مختلفان بالاعتبار لأنّه باعتبار القيام إيجاب وباعتبار التعلّق وجوب، وكذا الحال في التحريم والحرمة وترتّب الوجوب على الإيجاب بأن يقال أوجب الفعل، فوجب مبني على التغاير الاعتباري، فلا ينافي الاتّحاد الذاتي. وهذا كما قيل التعليم والتعلّم واحد بالذات واثنان بالاعتبار لأنّ شيئا واحدا وهو إسباق ما إلى اكتساب مجهول بمعلوم يسمّى بالقياس إلى الذي يحصل فيه تعلّما، وبالقياس إلى الذي يحصل منه تعليما، كالتّحرّك والتّحريك. فلذلك الاتحاد ترى الأصوليين يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة تارة والإيجاب والتحريم أخرى ومرة الوجوب والتحريم. قيل ما ذكرتم إنما يدلّ على أنّ الفعل من حيث تعلّق به القول لم يتصف بصفة حقيقية يسمّى وجوبا، لكن لم لا يجوز أن يكون صفة اعتبارية هي المسمّاة بالوجوب، أعني كونه حيث تعلّق به الإيجاب، بل هذا هو الظاهر، فيكون كلّ من الموجب والواجب متصفا بما هو قائم به. ولا شكّ أنّ القائم بالفعل ما ذكرناه لا نفس القول، وإن كانت هناك نسبة قيام باعتبار التعلّق. ولو ثبت أنّ الوجوب صفة حقيقية لتمّ المراد إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر إلّا أنّ الكلام في ذلك.
واعلم أنّ النزاع لفظي إذ لا شكّ في خطاب نفساني قائم بذاته تعالى متعلّق بالفعل يسمّى إيجابا مثلا، وفي أنّ الفعل بحيث يتعلّق به ذلك الخطاب الإيجابي يسمّى وجوبا. فلفظ الوجوب إن أطلق على ذلك الخطاب من حيث تعلقه بالفعل كان الأمر على ما سبق، ولا يلزم المسامحة في وصف الفعل حينئذ بالوجوب، وإن أطلق على كون الفعل تعلّق به ذلك الخطاب لم يتحدا بالذات، وتلزم المسامحة في عباراتهم حيث أطلق أحدهما على الآخر. هذا كله خلاصة ما في العضدي وحواشيه.
стр. 744
الحكمة:
[في الانكليزية] Wisdom ،philosophy
[ في الفرنسية] Sagesse ،philosophie
بالكسر في الأصل هي إتقان الفعل والقول وأحكامهما. وفي اصطلاح العلماء تطلق على معان. منها علم الحكمة وقد سبق في المقدمة مع بيان الحكمة العملية من الحكمة الخلقية والحكمة المنزلية والحكمة السياسية والمدنية وبيان الحكمة النظرية. ومنها معرفة الحقّ لذاته والخير لأجل العمل به وهو التكاليف الشرعية، هكذا في التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى:
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ «١» في سورة بني إسرائيل. ويقرب منه ما ذكر أهل السلوك من أنّ الحكمة معرفة آفات النفس والشيطان والرياضات كما مرّ في المقدّمة في تعريف علم السلوك. والحكمة بهذا المعنى أخصّ من علم الحكمة لأنها من أنواعه كما لا يخفى. ومنها هيئة للقوة العقلية العملية متوسطة بين الجربزة وهي هيئة تصدر بها الأفعال بالمكر والحيلة من غير اتّصاف، وبين البلاهة وهي الحمق. والحكمة بهذا المعنى أحد أجزاء العدالة المقابلة للجور كما يجيء في لفظ الخلق. وظن البعض أنّها هي الحكمة العملية وهذا باطل، إذ هي ملكة تصدر عنها أفعال متوسطة بين الجربزة والغباوة. والحكمة العملية هي العلم بالأمور المخصوصة. والفرق بين الملكة والعلم ظاهر. وكذا هي مغايرة لعلم الحكمة إذ هي العلم بالأشياء مطلقا سواء كانت مستندة إلى قدرتنا أو لا، كذا في شرح المواقف في خاتمة مبحث القدرة. ومنها الحجة القطعية المفيدة للاعتقاد دون الظن والإقناع الكامل. قال الله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً «٢». وقال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ «٣» الآية. كذا في التفسير الكبير في تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل.
وحاصل هذا أنّ الحكمة تطلق على البرهان أيضا، ويؤيّده ما وقع في شرح المطالع أنّ صاحب البرهان يسمّى حكيما. ومنها فائدة ومصلحة تترتّب على الفعل من غير أن تكون باعثة للفاعل على الفعل وتسمّى بالغاية أيضا كما سيجيء. والحكمة المسكوت عنها عند الصوفية هي أسرار لا يمكن التحدّث بها مع أيّ كان. والحكمة المجهولة عندهم تلك التي هي مستورة بغير الحكمة كما في ألم بعض الناس وحياة بعضهم وموت الأطفال وبقاء الهرمين والخلود في الجنة أو النار كذا نقل عن الشيخ عبد الرزاق الكاشي «٤».
الحكيم:
[في الانكليزية] Wiseman ،philosopher
[ في الفرنسية] Sage ،philosophe
يطلق على صاحب علم الحكمة وعلى صاحب الهيئة المذكورة وعلى صاحب الحجّة القطعية المسمّاة بالبرهان. وجمع الحكيم الحكماء.
اعلم أنّ السعادة العظمى والمرتبة العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع تعالى بماله من صفات الكمال والتّنزّه عن النّقصان، وبما صدر عنه من الآثار والأفعال في النشأة [الأولى] «٥» والآخرة. والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين.
الأوّل طريقة أهل النظر والاستدلال. وسالكوها
стр. 745
إن اتّبعوا ملّة من ملل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم المتكلّمون وإلّا فهم الحكماء المشّائيّون، لقّبوا بذلك لأنّهم كانوا مشّائين في ركاب أفلاطون متعلّمين منه العلم والحكمة بطريق المباحثة. والثاني طريقة أهل الرياضة والمجاهدة. وسالكوها إن وافقوا في رياضتهم الشريعة فهم الصوفية المتشرّعون، وإلّا فهم الحكماء الإشراقيون، لقّبوا بذلك لأنّهم هم الذين أشرقت بواطنهم الصافية بالرياضة والمجاهدة من باطن أفلاطون حاضرين في مجلسه أو غائبين عن مجلسه، ومتوجهين إلى باطنه الصافي المتحلى بالعلوم والمعارف، مستفيدين منه بالتوجّه إلى باطنه لا بالمباحثة والمناظرة، فلكلّ طريقة طائفتان. وحاصل الطريقة الأولى الاستكمال بالقوة النظرية والترقّي في مراتبها، والغاية [القصوى] «١» من تلك المراتب هي العقل المستفاد. ومحصول الطريقة الثانية الاستكمال بالقوة العملية والترقّي في درجاتها. وفي الدرجة الثالثة من هذه القوة تفيض على النفس صور المعلومات على سبيل المشاهدة كما في العقل المستفاد، بل هذه الدرجة أكمل وأقوى منه لأنّ الحاصل في المستفاد لا يخلو عن الشبهات الوهمية كما يجيء تحقيقه في بابه. هكذا في حواشي شرح المطالع في الخطبة. وفي شرح إشراق الحكمة مراتب الحكماء عشر. إحداها حكيم إلهي متوغّل في التأله عديم البحث، وهذا كأكثر الأنبياء والأولياء من مشايخ التصوّف كأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله «٢» ونحوهما من أرباب الذوق دون البحث الحكمي. وثانيتها حكيم بحّاث عديم التّألّه متوغّل في البحث وهذه المرتبة عكس المرتبة الأولى، وهو من المتقدّمين كأكثر المشّائين ومن المتأخّرين كالشيخين الفارابي وأبي علي وأتباعهما. وثالثتها حكيم إلهي متوغّل في البحث والتألّه، وهذه الطبقة أعزّ من الكبريت الأحمر ولا يعرف أحد من المتقدّمين موصوفا بهذه الصفة لأنّهم وإن كانوا متوغّلين في التألّه لم يكونوا متوغّلين في البحث، إلّا أن يراد بتوغّلهم فيه معرفة الأصول والقواعد بالبرهان من غير بسط الفروع، وتفصيل المجمل وتمييز العلوم بعضها من بعض مع التنقيح والتهذيب، لأنّ هذا ما تمّ إلّا باجتهاد أرسطو. ورابعتها وخامستها حكيم إلهي متوغّل في التألّه متوسّط في البحث أو ضعيف.
وسادستها وسابعتها حكيم متوغّل في البحث متوسّط في التألّه أو ضعيف. وثامنتها طالب للتألّه والبحث. وتاسعتها طالب للتألّه فحسب.
وعاشرتها طالب البحث فحسب.
فائدة:
إن اتّفق في وقت متوغّل في التألّه والبحث فله الرئاسة أي رئاسة العالم العنصري لكماله في الحكمتين، وهو خليفة الله لأنّه أقرب الخلق منه تعالى، وإن لم يتّفق فالمتوغّل في التألّه المتوسّط في البحث، وإن لم يتّفق فالمتوغّل في التألّه عديم البحث. ولا يمكن خلوّ الأرض عن مثله أبدا بخلاف الأولين فإنّه يجوز خلوّ الأرض عنهما لندرتهما. ولا رئاسة في الأرض للباحث المتوغّل في البحث فقط إذ لا بد في الخلافة من التلقّي من الباري والعقول؛ وليس المراد بالرئاسة التغلّب بل استحقاق الإمامة. فقد يكون الإمام المتألّه مستوليا ظاهرا كسائر الأنبياء ذوي الشوكة
стр. 746
وبعض الملوك الحكماء كإسكندر وأفريدون «١» وكيومرث، «٢» وقد يكون خفيّا وهو الذي سمّاه الكافة القطب فله الرئاسة، وإن كان في غاية الخمول كسائر متألّهي الحكماء والصوفية المشهورين أو الخاملين. والمتألّه الخفي يسمّى قطبا. وفي كل عصر وزمان يكون منهم جماعة إلّا أنّ الأتمّ كمالا يكون واحدا كما في الأخبار النبوية. وإذا كانت السياسة بيد المتألّه كان الزمان نوريا لتمكّنه من نشر العلم والحكمة والعدل ونحوها كزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإذا خلا الزمان عن تدبير إلهي سنّ على ألسنة أنبيائه وحكمائه كانت الظلمات غالبة كزمان الفترات وبعد عهد النبوات كزماننا هذا.
وأجود الطلبة طالب التألّه والبحث، ثم طالب التألّه، ثم طالب البحث. انتهى ما في شرح إشراق الحكمة.
الحلّ:
[في الانكليزية] Solution ،dissolution ،sesame oil
-
[ في الفرنسية] Solution ،dissolution ،huile de sesame
بالفتح والتشديد ضد العقد فلذلك يكون ترقيق القوام حلا. والأطباء خصّوا ذلك بالترقيق الذي يلزمه فناء المادّة كالسمسم ودهنه كذا في بحر الجواهر. وفي اصطلاح البلغاء عبارة عن أن ينثر نظم وعكسه العقد أي أن ينظم نثر.
مثال الحل قول بعض المغاربة: فإنّه لمّا قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظنّ يقتاده، ويصدّق توهمه الذي يعتاده. أي قول بعض أهل المغرب لمّا قبحت أعماله وصارت ثمار نخلاته كالحنظل في المرارة ما زال سوء ظنّه يقوده إلى تخيلات فاسدة وتوهمات باطلة، ويصدق أوهامه التي صارت عادة له. فهذا النثر حلّ شعر أبي الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهّم «٣» ومثال العقد شعر [أبي] العتاهية: «٤» ما بال من أوّله نطفة. وجيفة آخره يفخر فهذا الشعر عقد قول علي رضي الله تعالى عنه:
ما لابن آدم والفخر وإنّما أوله نطفة وآخره جيفة.
كذا في المطول في الخاتمة.
الحلال:
[في الانكليزية] Licit ،lawful ،permitted
[ في الفرنسية] Licite ،legal ،permis
بالفتح هو في الشرع ما أباحه الكتاب والسنة بسبب جائز مباح. وفي الطريقة ما لا بدّ فيه من العلم ولا يكون فيه شبهة كأكل هدايا الملوك والسلاطين. ما دام لا يعلم يقينا أنّها حرام فبعض العلماء أفتى بحلّها، ولكن علماء الطريقة يرون الامتناع عنها حتى يتأكّدوا تماما من كونها حلالا. كذا في مجمع السلوك «٥».
стр. 747
وفي خلاصة السلوك الحلال هو الذي قد انقطع عنه حقّ الغير. وقال سهل ما لا تعصى الله فيه.
قال النبي ﵌: (من أكل الحلال أربعين يوما نوّر الله قلبه وتجري ينابيع الحكمة من قلبه) «١» انتهى. قال ابن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث السادس: الحلال ضد الحرام لغة وشرعا.
والحلال البيّن أي الظاهر هو ما نصّ الله تعالى ورسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه. ومنه أيضا ما لم يعلم فيه منع على أسهل القولين. والحرام البيّن ما نصّ أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه، أو على أنّ فيه حدّا أو تعزيرا أو وعيدا. والمشتبه ما ليس بواضح.
الحلّ والحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام وبعضها يعضده دليل الحلال. ومن ثمّ فسّر أحمد وإسحاق «٢» وغيرهما المشتبه بما اختلف في حلّ أكله كالخيل أو شربه كالنبيذ أو لبسه كجلود السباع أو كسبه كبيع العينة. وفسّره أحمد مرّة باختلاط الحلال والحرام. وحكم هذا أنّه يخرج قدر الحرام ويأكل الحلال عند كثيرين من العلماء سواء قلّ الحرام أم كثر. ومن المشتبه معاملة من في ماله حرام. فالورع تركه مطلقا وإن جازت. وقيل واعتمده الغزالي إن كان أكثر ماله الحرام حرمت معاملته. ثم الحصر في الثلاثة صحيح لأنّه إن نصّ أو أجمع على الفعل فالحلال، أو على المنع جازما فالحرام، أو سكت عنه أو تعارض فيه نصّان ولم يعلم المتأخّر منهما فالمشتبه. وليس المراد بتعارضها تقابلها على جهة واحدة في الترجيح، فإنّ هذا كلام متناقض، بل المراد التعارض بحيث يتخيّل الناظر في ابتداء نظره فإذا حقّق فكره رجح.
والمشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس لتعارض الأدلّة. وأمّا العلماء فيعرفون حكمها بنصّ أو إجماع أو قياس أو استصحاب ونحوها. فإذا تردّد شيء بين الحلّ والحرمة ولم يكن فيه نصّ ولا إجماع اجتهد المجتهد فيه وأخذ بأحدهما بالدليل الشرعي فيصير حلالا أو حراما. وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال فيكون الورع تركه. وما لم يظهر لمجتهد فيه شيء فهو باق على اشتباهه بالنسبة إلى العلماء وغيرهم، كشيء وجده في بيته ولم يدر هل هو له أو لغيره، وحينئذ اختلفوا فيما يأخذ به، فقيل بحلّه والورع تركه، وقيل بحرمته لأنّه يوقع في الحرام، وقيل لا يقال فيه واحد منهما، قال القرطبي «٣» والصواب الأوّل. قال المصنف أي النووي الظاهر أنّ هذا الخلاف مخرّج على الخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب. الأول وهو الأصح أنّه لا يحكم بتحليل ولا تحريم ولا إباحة ولا غيرها، لأنّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلّا بالشرع.
والثاني أنّ الحكم الحلّ والإباحة. قال القرطبي دليل الحلّ أنّ الشرع أخرجها من قسم الحرام، وأشار إلى أنّ الورع تركها بقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). «٤» وممن عبّر بأنّها حلال
стр. 748
يتورّع عنها أراد بالحلال مطلق الجائز الشامل للمكروه بدليل قوله: (يتورّع عنها) «١» لا المباح المستوي الطرفين لأنّه لا يتصوّر فيه ورع ما داما مستويين، بخلاف ما إذا ترجّح أحدهما. فإن كان الراجح الترك كره أو الفعل نذب. والثالث المنع. والرابع التوقّف. ولقد أطنب ابن الحجر هاهنا الكلام وذكر أقسام المشتبهات مفصلا.
فمن أراد فليرجع إلى شرحه المذكور.
وقال العيني «٢» في شرح البخاري في كتاب العلم في شرح هذا الحديث بعد ذكر أكثر الأقوال المذكورة: فحصل لنا مما تقدّم ذكره أنّ في المتشابهات المذكورة في الحديث التي ينبغي اجتنابها أقوالا. أحدها أنّها التي تعارضت فيها الأدلة فاشتبهت، فمثل هذا يجب فيه الوقف إلى الترجيح لأنّ الإقدام على أحد الأمرين من غير رجحان الحكم بغير دليل محرم. وثانيها أنّها المكروهات وهو قول الخطابي والمازري «٣» وغيرهما ويدخل فيه مواضع اختلاف العلماء.
وثالثها أنّها المباحات. وقال بعضهم هي حلال يتورّع عنها، وقد ردّه القرطبي واختار القول الثاني. فإن قيل هذا يؤدّي إلى رفع معلوم من الشرع وهو أنّ النبي ﵌ والخلفاء بعد وأكثر أصحابه ﵈ كانوا يزهدون في التنعّم في المآكل وغيره. قلت ذلك محمول على موجب شرعي اقتضى ترجيح الترك على الفعل فلم يزهدوا في مباح، لأنّ حقيقته التساوي، بل في أمر مكروه. ولكن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو وتارة يكرهه لأنّه يؤدّي إليه كالقبلة للصائم فإنّها مكروهة لما يخاف منها من إفساد الصوم. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵀ في ترك الطّيب وترك لبس الناعم، فقيل ليس بطاعة وقيل إنّه طاعة. وقال ابن الصّبّاغ «٤» يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وتفرّغهم للعبادة واشتغالهم بالضيق والسعة. وقال الرافعي «٥» من أصحابنا هو الصواب. وأما ما يخرج إلى باب الوسوسة من تجويز الأمر البعيد، فهذا ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها، كترك النكاح من نساء بلدكم خوفا عن أن يكون له فيها محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وترك استعمال ماء لجواز عروض النجاسة، إلى غير ذلك ممّا يشتبه بهذا بأن يكون سبب التحريم فيه مجرّد توهّم ليس من الورع. قال القرطبي الورع في مثل هذا وسوسة شيطانية إذ ليس فيه من معنى الشّبهة شيء، وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية انتهى. ويجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ الشبهة والورع.
стр. 749
الحلاوة:
[في الانكليزية] Illumination ،unveiling ،revelation
[ في الفرنسية] Illumination ،devoilement ،revelation
عند الصوفية هي ظهور الأنوار التي تحصل عن طريق المشاهدة المجرّدة عن المادة. كذا في بعض الرسائل «١».
الحلف:
[في الانكليزية] Oath ،taking the oath
[ في الفرنسية] Serment ،prestation de serment
بالفتح وسكون اللام أو كسرها يمين يؤخذ بها العهد ثم سمّي به كلّ يمين كما في المضمرات فهو مرادف لليمين كذا في جامع الرموز. وفيه في فصل الإيلاء الحلف المؤقّت ما يصرّح فيه بتعيين الوقت، والحلف المؤبّد ما يصرّح فيه بالتأبيد، والحلف المجهول ما لم يعيّن فيه الوقت بالتأبيد وغيره.
الحلقة:
[في الانكليزية] Link ،ring ،surface surrounded by two circles
[ في الفرنسية] Chainon ،anneau ،surface entouree par deux cercles
هي في عرف الرياضيّين سطح يحيط به دائرتان غير متلاقيتين، فإن اتّحد مركزاهما يسمّى سطحا مطوّقا، كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة في مباحث الكسوف.
الحلم:
[في الانكليزية] Cool ،indulgence ،patience ،clemency ،mangnanimity -Sang
[ في الفرنسية] Froid ،mansuetude ،patience ،indulgence ،clemence ،magnanimite
بالكسر وسكون اللام هو أن يكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة ولا تضطرب عند إصابة المكروه كذا في الأطول. وقيل الظاهر أنّ الحلم كيفية نفسانية تقتضى أن تكون النفس مطمئنة الخ. فالكلام مبني على التسامح ويجيء في لفظ الغضب.
الحلول:
[في الانكليزية] Incarnation ،pantheism ،union
-
[ في الفرنسية] Incarntion ،pantheisme ،fusion
بضمتين اختلف العلماء في تعريفه، فقيل هو اختصاص شيء بشيء بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر. واعترض عليه بأنّه إن أريد بالإشارة العقلية فلا اتحاد أصلا، فإنّ العقل يميّز بن الإشارتين. وإن أريد بها الحسّية فلا يصدق التعريف على حلول الأعراض في المجردات لعدم الإشارة الحسّية إليها، ولا على حلول الأطراف في محالها كحلول النقطة في الخط والخط في السطح والسطح في الجسم لأنّ الإشارة إلى الطرف غير الإشارة إلى ذي الطرف، ولو سلم فيلزم منه أن يكون الأطراف المتداخلة حالّا بعضها في بعض وليس كذلك. وأيضا يصدق التعريف على حصول الجسم في المكان ونحوه كحصول الشخص في اللباس مع أنه ليس بحلول اصطلاحا. وأجيب بأنّ بناء التعريف على رأي المتقدّمين المجوّزين للتعريف بالأعم والأخصّ، وبأنّ المراد بكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أن لا يتحقق الإشارة إلى أحدهما إلّا وأن يتحقق الإشارة إلى الآخر بالذات أو بالتبع، أي لا يمكن عند العقل تباينهما في الإشارة. وبأن يراد بالإشارة أعمّ من العقلية والحسّية. ولا شكّ أنّ الإشارة العقلية إلى المجرّدات قصدا وبالذات هي الإشارة إلى ما قام بها بالتبع وبالعكس. والإشارة الحسية إلى ذوي الأطراف قصدا وبالذات هي الإشارة إلى الأطراف بالتبع وبالعكس. والأطراف المتداخلة خارجة عن التعريف، إذ التداخل
стр. 750
يقتضي الاتحاد والحلول يقتضي المغايرة، إذ المختص غير المختص به، وإن كانا متحدين إشارة. وكذا الحال في حصول الجسم في المكان والشخص في اللباس لأنّه يجوز تحقّق «١» الإشارة إلى الجسم والشخص بدون الإشارة إلى المكان واللباس لا بالذات ولا بالتبع كذا ذكر العلمي.
إن قلت الحال عند الحكماء منحصر في الصورة والعرض مع أنّ التعريف يصدق على حصول الماء في الورد والنار في الجمرة، أقول: المراد باتحاد الإشارة هو الاتّحاد الدائمي لأنّه الفرد الكامل فلا بد من أن يكون الحال والمحل بحيث لا يكون لكلّ منهما وجود منفرد أصلا. ومثل هذا لا يتصوّر إلّا في الصورة والهيولى والعرض والموضوع؛ فرجع حاصل التعريف إلى ما اختاره صاحب الصدري حيث قال: معنى حلول شيء في شيء على ما أدّى إليه نظري وهو أن يكون وجوده في نفسه هو بعينه وجوده لذلك الشيء. وهذا أجود ما قيل في تعريفه حيث لا يرد شيء مما يرد على غيره انتهى. وقد ذكر العلمي هاهنا اعتراضات أخر لا يرد شيء منها على هذا التحقيق. وقيل معنى حلول شيء في شيء هو أن يكون حاصلا فيه بحيث تتحد الإشارة إليهما تحقيقا كما في حلول الأعراض في الأجسام أو تقديرا كحلول العلوم في المجردات. والمراد بالحصول ما لا يكون بطريق الاتحاد بل بطريق الافتقار فلا يصدق على الأطراف المتداخلة ولا على حصول الجسم في المكان، إذ لا يفتقر الجسم إلى المكان، وإلّا يلزم تقدم المكان عليه. هذا خلف كذا ذكر العلمي. فعلى هذا أيضا رجع معنى التعريف إلى التحقيق المذكور.
قيل لا يبعد أن يكون مقصود هذا القائل تحقيق التعريف الأول بأنّ المراد بالاختصاص الحصول ومن الإشارة ما يعمّ التحقيقية والتقديرية. وعلى هذا لا يكون تعريفا آخر للحلول بل تفسيرا لقيود التعريف الأول على وجه تندفع عنه الأنظار. قيل هذا في غاية البعد فإنّ هذا التعريف ذكره ولد السّيد السّند ولم يذكر تعريفا آخر حتى يكون المقصود من هذا تفسيره. وأيضا تعدّد التعريف يتحقّق بتفاوت القيود واختلافها فلا وجه لإثبات التفاوت ونفي التعدّد وكونه تعريفا آخر. وقيل حلول شيء في شيء أن يكون مختصا به ساريا فيه. والمراد بالاختصاص كون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر تحقيقا أو تقديرا دائما.
والمراد بالسراية الذاتية لا بالواسطة لأنّها المتبادر، فلا يرد أنّ التعريف يصدق على حلول الماء في الورد والنار في الجمرة لأنّ الماء والنار لا نسلم اتحادهما في الإشارة بالمعنى المذكور بالنسبة إلى الورد والجمرة، وكذا لا يرد أنّه يصدق على كلّ واحد من الأعراض الحالة في محلّ واحد بالنسبة إلى العرض الآخر، وعلى العرض الحال في عرض آخر بالنسبة إلى محل ذلك العرض، إذ لا نسلّم سراية أحدهما في الآخر بالذات بل بواسطة المحل. ويمكن أن يقال أيضا إنّا نلتزم ذلك ونقول إنّه حلول أيضا ولا استحالة فيه لكون أحدهما بالواسطة. ثم إنه بقي هاهنا أنّه يخرج من التعريف حلول الأعراض الغير السارية كحلول الأطراف في محالها وحصول الباصرة في العين والشامّة في الخيشوم والسامعة في الصّماخ ونحو ذلك. وأجيب بأنّ هذا التعريف للحلول السرياني لا لمطلق الحلول.
وقيل الحلول هو الاختصاص الناعت أي التعلّق الخاص الذي به يصير أحد المتعلقين نعتا للآخر والآخر منعوتا به والأول أعني الناعت
стр. 751
يسمّى حالا والثاني أعني المنعوت يسمّى محلا كالتعلّق بين البياض والجسم المقتضي لكون البياض نعتا، وكون الجسم منعوتا به، بأن يقال جسم أبيض. وهذا هو المرضي عند المتأخرين، ومنهم الشارح الجديد للتجريد «١». وأورد عليه من وجوه. الأول أنه إن أريد بالاختصاص الناعت ما يصحّح حمل النعت على المنعوت بالمواطأة فلا يصدق على حلول أصلا، إذ لا تحمل الصورة على الهيولى ولا العرض كالبياض على الجسم.
وإن أريد به ما يصحّ حمله عليه بالاشتقاق أو الأعمّ فيلزم أن يكون المال حالا في المالك وبالعكس، وكذا حال الجسم مع المكان والكوكب مع الفلك، بل يكون الموضوع والهيولى حالا في العرض والصورة إذ يصح أن يقال المالك ذو مال وبالعكس، والجسم والكوكب ذو مكان وذو فلك وبالعكس، والعرض والهيولى ذو موضوع وذو صورة. وأجاب عنه السّيد السّند بما حاصله اختيار الثاني والثالث من الترديد. والمراد أن يكون النعت بذاته نعتا للمنعوت كالبياض فإنّه بذاته وصف للجسم بخلاف المال فإنّه ليس بذاته صفة للمالك، بل الصفة إنّما هو التملك الذي هو إضافة بين المال والمالك، والمال بواسطة تلك الإضافة نعت له، وكذا حال الجسم والكوكب مع المكان والفلك، وكذا الموضوع والهيولى مع العرض والصورة. ومحصوله أنّ هذا الاختصاص أمر بديهي لا يتحقّق إلّا فيما له حصول في الآخر على وجه لا يكون للنعت جزء يتميّز عن المنعوت في الوضع إذا كان من المحسوسات. وأجيب أيضا باختيار الشقّ الثاني أو الثالث. والمراد من التعلّق الخاص ما هو على وجه الافتقار بأن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر. وفيه أنّ الهيولى بالنسبة إلى الصورة والعلّة بالنسبة إلى المعلول يصدق عليه
الاختصاص بالاشتقاق على وجه الافتقار. ويمكن الجواب أيضا باختيار الثاني أو الثالث وبجعل التمثيل وهو قوله كالتعلّق بين البياض والجسم الخ من تتمّة التعريف. ولا يخفى أنّ تعلّق المال بالمالك والجسم بالمكان والكوكب بالفلك والهيولى بالنسبة إلى الصور وغيرها وأمثالها ممّا لم يذكر ليس كتعلّق البياض بالجسم.
والثاني أنّ تفسير الاختصاص الناعت بالتعلّق الخاص تعريف للاختصاص بالخاصّ فيلزم تعريف الشيء بنفسه.
والثالث أنّ تفسيره بقوله بحيث يصير أحد المتعلّقين نعتا الخ تعريف للنعت بالنعت.
والجواب عنهما أنّ هذا التفسير تنبيه لا تعريف.
ويظهر من هذا التنبيه الجواب عن جميع ما فيه.
والرابع أنّه يصدق على اختصاص الصفات الاعتبارية كالوجوب والإمكان والحدوث وغير ذلك، ويلزم منه أن يكون هذه الصفات حالة وليس كذلك، لأنّهم حصروا الحال في الصورة والعرض. والجواب أنّ المراد الاختصاص الناعت بالنعوت الحقيقية. أو نقول إنّ هذا ليس بتفسير بل تنبيه كما عرفت كذا ذكر العلمي.
وقال بعض المتكلّمين الحلول هو الحصول على سبيل التبعية. قال جمهور المتكلّمين إنّ الله تعالى لا يحلّ في غيره لأنّ الحلول هو الحصول على سبيل التبعية وإنّه ينفي الوجوب الذاتي. إن قيل يجوز أن يكون الحلول بمعنى الاختصاص الناعت كما في الصفات وكونه منافيا للوجوب ممنوع وإلّا لم يقع الترديد في الصفات. قيل لا يراد بالتبعية «٢» في التحيّز حتى يرد أنّ الحلول بمعنى الاختصاص الناعت، بل أريد أنّ الحال تابع للمحلّ في الجملة،
стр. 752
وذلك ضروري ومناف للوجوب الذاتي الذي هو منشأ الاستغناء المطلق. والاستدلال على انتفاء الوجوب الذاتي في الصفات بغير هذا لا يقدح فيما ذكرنا، إذ تعدّد العلل لا ينفيه. وكما لا تحلّ ذاته في غيره لا تحلّ صفته في غيره لأنّ الانتقال لا يتصوّر على الصفات، وإنّما هو من خواصّ الأجسام والجواهر.
اعلم أنّ المخالف في هذا الأصل طوائف ثلاث. الأولى النصارى. قالوا حلّ الباري تعالى في عيسى ﵇. قالوا لا يمتنع أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين، فأكملهم العترة الطاهرة ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم، وهذه ضلالة بيّنة. والثانية النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة. والثالثة قال بعض المتصوّفة يحلّ الله تعالى في العارفين. فإن أراد بالحلول ما ذكرنا فقد كفر.
وإن أراد شيئا آخر فلا بد من تصويره أوّلا حتى نتكلّم عليه بالنفي والإثبات هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف وحاشيته للچلپي وغيرهما.
الحلولية:
[في الانكليزية] Pantheisme -Al -Hululiyya (mystical sect)
[ في الفرنسية] Pantheisme -Al -Hululiyya (secte mystique)
فرقة من المتصوّفة المبطلة القائلين بإباحة النّظر إلى النّساء والمرد، وفي تلك الحال يرقصون ويطربون ويقولون: إنّ هذه صفة من صفات الله تعالى التي حلّت علينا، وهي مباح وحلال. وهذا كفر محض. وبعضهم يقيمون مجالس لهم وعليهم لباس الدراويش ويتصايحون بآه واوه وبالبكاء وإظهار الحرقة وشق الجيوب والأكمام وإلقاء العمائم بالأرض، وأمثال ذلك، وذلك منهم مراءاة للناس. وكل ذلك بدع وضلالة. كذا في توضيح المذاهب «١».
الحمّى:
[في الانكليزية] Fever
[ في الفرنسية] Fievre
بالضم وتشديد الميم والألف المقصورة في اللغة بمعنى تب. وعرّفها الأطباء بأنها حرارة غريبة تضرّ بالأفعال تنبعث من القلب إلى الأعضاء. فالحرارة بمنزلة الجنس تشتمل الأسطقسية الموجودة في البدن حيا وميتا.
والغريزية الموجودة فيه حيا وهي مقوّمة لوجود الإنسان، والأسطقسية لماهيته، والغريبة احتراز عنهما لأنّ المراد بها ما يرد على البدن من خارج بأن لا تكون جزءا من البدن. والمراد بالأفعال الطبعية «٢» الصادرة عن القوى البدنية وهو احتراز عن الغريبة التي لا تضرّ بالأفعال كحرارة الغضب إذا لم تبلغ حدّ مضرة الأفعال.
وقولهم تنبعث احتراز عن غير المنبعثة عن القلب إلى الأعضاء كحرارة حاصلة من الشمس والنار في البدن إذا لم تضرّ بالأفعال. وكيفية الانبعاث أنّ تلك الحرارة تنبعث من القلب إلى الأعضاء جميعها بواسطة الروح والدمّ والشرايين. ولذا عرّفت بأنها حرارة غريبة تشتعل في القلب أولا وتنبسط منه بواسطة الروح والدم والشرايين في جميع البدن، فتشتعل اشتعالا يضرّ بالأفعال الطبعيّة «٣»
التقسيم
تنقسم الحمّى باعتبارات إلى أقسام.
стр. 753
التقسيم الأول:
تنقسم باعتبار السبب إلى حمّى مرض وحمّى عرض. فما كان منها تابعة لما ليس بمرض مثل عفونة الأخلاط تسمّى حمّى مرض.
وما كان تابعة لمرض مثل الورم تسمّى حمّى عرض. فإنّ الورم مرض دون العفونة. ومعنى التبعية أن يكون سببها مقارنا لمرض تزول الحمّى بزواله وتوجد بوجوده.
التقسيم الثاني:
تنقسم باعتبار المحل إلى حمّى يوم وحمّى دقّ وحمّى خلطية. فإنّ تعلّقها أولا إمّا «١» بأرواح البدن من الروح الحيوانية أو النفسانية أو الطبعية وهي حمّى يوم سمّيت بها، لأنها تزول في اليوم غالبا. وإن امتدّت في بعض الأزمان إلى سبعة أيام أيضا. وإمّا بأعضاء البدن وهي حمّى الدّق وعرّفت بأنّها حرارة غريبة تحدث في البدن بواسطة حدوثها في الأعضاء أولا، وهي لا محالة تفنى الأصناف الأربعة من الرطوبات الثانية، فإن أفنت الصنف الأول وشرعت في إفناء الثاني خصّت باسم حمّى الدّق. وإن أفنت الصنف الثاني من الرطوبة وشرعت في إفناء الثالث خصّت باسم الذبول. ولا يفلح من بلغ نهايته. وإن أفنت الصنف الثالث وشرعت في إفناء الرابع خصّت باسم المفتت. وبالجملة فحمّى الدّق تطلق على جميع تلك الأقسام وعلى بعضها أيضا من باب تسمية المقيّد باسم المطلق. والمعتبر في التقسيم حالة فناء الرطوبة وشروع الحرارة الأخرى لأنّ التغيّر يظهر عند ذلك لأنّ زمان فعل الحرارة في رطوبة واحدة متشابهة. وأمّا بأخلاط البدن وهي الحمّى الخلطية وتسمّى الحمّى المادية أيضا. فإن كانت حادثة بسبب تعفّن خلط تسمّى حمّى العفن وحمّى العفونة والحمّى العفنية. وإن كانت حادثة بسبب خلط فقط من غير عفونة تسمّى سونوخس. والمراد بالخلط هاهنا الدّم لا غير لأنّ سونوخس لا يوجد في الحمّى الغير الدموية. وفي شرح القانونچة والمادية تسمّى حمى عفن أيضا انتهى.
ووجه الحصر أنّ البدن مركّب من الأعضاء والأخلاط والأرواح فمتى سخن أحد هذه الأقسام أولا نسبت الحمّى إليه، وإن سخن الباقي بسبه لأنّ بعضها حاو وبعضها محوي فتتأدّى السخونة من البعض إلى البعض. فإن قيل إن تعلقت بالجميع دفعة كانت خارجة عن الأقسام الثلاثة. قلت تكون في كلّ واحد من الأجناس الثلاثة في هذه الصورة حرارتان: ذاتية وعرضية لأنّها تسري من كلّ واحد إلى آخر، وحينئذ تكون حميات ثلاثا، فلا تخرج.
ثم التعفن إمّا أن يكون داخل العروق أو خارجها. والتي يكون التعفن فيها داخل العروق تسمّى حمّى لازمة. والتي يكون التعفّن فيها خارج العروق تسمّى حمّى دائرة ونائبة ومغيرة.
والحمّى اللازمة أربعة أقسام باعتبار أقسام الأخلاط. الأول السوداوية وتسمّى الربع اللازمة ومطلق الربع هو الحمّى السوداوية كما يستفاد من شرح القانونچة. الثاني البلغمية وتسمّى الحمّى اللثقة وتسمّى بالحمّى اللازمة أيضا من باب تسمية المقيّد باسم المطلق كما في حمّى الدّق. الثالث الدموية وتسمّى الحمّى المطبقة وهي ثلاثة أقسام، لأنّ من الدم شيئا يتحلّل وشيئا يتعفّن. فإن تساويا فهي المساوية، وإن كان التحلّل أكثر فهي المتناقصة، وإن كان التعفّن أكثر فهي المتزايدة كما في الأقسرائي.
وفي بحر الجواهر: الحمّى المطبقة هي الحمّى الدموية اللازمة وهي نوعان: أحدهما من عفونة
стр. 754
الدم في العروق وخارجها. وثانيهما أنّ تسخّن الدم وتغلى من غير عفونة وتسمّى سونوخس انتهى. وهذا مخالف لما سبق من أنّ الدموية اللازمة من أقسام العفنية وسونوخس مقابل لها، ولما قيل من أنّ الدم لا يتعفن خارج العروق.
الرابع الصفراوية وتسمّى بالحمّى المحرقة وبالغبّ اللازمة كما في شرح القانونچة. وفي بحر الجواهر أنّ الحمّى المحرقة هي الصفراوية أيضا إلّا أنّ مادتها تعفنت داخل العروق بقرب القلب أو الكبد. فإن تعفنت في العروق البعيدة عن القلب أو الكبد سمّيت بالاسم العام وهي الغب اللازمة، سمّيت بالمحرقة لشدة حرارته وكثرة عطشه وقلعه. وقد تطلق الحمّى المحرقة على ما كان عن بلغم مالح عفن بقرب القلب لأنّها بسبب ملوحية مادتها وقربها من القلب تكون أعراضها قوية في الاشتداد من المحرقة.
فإطلاق المحرقة عليها يكون بالاشتراك اللفظي انتهى.
الحمّى الدائرة ثلاثة أقسام، لأنّها لا تكون دموية إذ الدم لا تكون خارج العروق، فلا تتعفن إلّا فيها. الأول السوداوية وتسمّى بالربع الدائرة، ومن أنواعها حمّى الخمس والسدس والسبع وما وراءها. الثاني البلغمية وتسمّى بالمواظبة وهي النائبة كل يوم. قال الإيلاقي «١» نوعان من البلغمية ينوب أحدهما نهارا ويقلع ليلا ويسمّى النهارية، والآخر ينوب ليلا ويقلع نهارا ويسمّى الليلية. الثالث الصفراوية وتسمّى بالغب الدائرة أيضا، وهي تنقسم إلى خالصة بأن تكون مادتها صفراء رقيقة صرفة، وغير خالصة بأن تكون مختلطة بالبلغم اختلاطا ممتزجا مغلظا. وهكذا الغبّ اللازمة تنقسم إلى خالصة وغير خالصة كما يستفاد من المؤجز.
وفي القانونچة وشرحها وأمّا حمّى الصفراء خارج العروق فتنقسم إلى خالصة وهي التي لا تزيد مدة نوبتها على اثنتي عشرة ساعة، وهي الغبّ الدائرة لأنها تنوب يوما، ويوما لا؛ وإلى غير خالصة وهي التي تزيد مدة نوبتها على اثنتي عشرة ساعة وهي شطر الغب. وفي بحر الجواهر الحمّى المثلّثة هي حمّى الغب.
التقسيم الثالث:
تنقسم باعتبار حدوثها عن خلط أو أكثر إلى بسيطة ومركّبة. فالبسيطة هي التي تحدث بفساد خلط واحد، والمركّبة هي التي تحدث بسبب فساد خلطين أو أكثر. ثم التركيب إمّا تركيب مداخلة وهو أن تدخل احداهما على الأخرى وتسمّى حمّى متداخلة، أو تركيب مبادلة وهو أن تأخذ احداهما بعد إقلاع الأخرى وتسمّى حمى متبادلة، أو تركيب مشاركة وهو أن تأخذا معا وتتركا معا وتسمّى حمّى مشاركة ومشابكة. والأولى أن لا يعتبر قيد وتتركا معا، فإنّ ذلك لا يتحقق إلّا فيما كانت المواد للحميات من نوع واحد، فإنّ الصفراوية والسوداوية إذا أخذتا معا لا تتركان معا، فإنّ السوداوية تنوب أربعا وعشرين ساعة، والصفراوية تنوب اثنتي عشرة ساعة. ومن جملة المركبات شطر الغب.
التقسيم الرابع:
تنقسم باعتبار اهتزاز البدن وعدمه إلى الحمّى الناقصة وهي التي يحصل فيها اهتزاز للبدن مع حركات إرادية فارسيتها تب لرزه، والحمّى الصالبة وهي ما ليس كذلك. ومن أنواع الحميات الحمى الغشية وهي التي يحدث
стр. 755
فيها الغشي وقت ورودها. ومنها الحمّى الوبائية وهي الحادثة بسبب الوباء. ومنها الحمّى الحادّة وهي التي تعرض فيها أعراض شديدة هي قصيرة المدة. ومنها المختلطة وهي حميات ذات فترات وسجانات غير منظومة لا نوبة لها، كذا في بحر الجواهر.
الحمد:
[في الانكليزية] Praise ،thanking
[ في الفرنسية] Reconnaissance ،louange ،remerciement
بالفتح وسكون الميم في اللغة هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري على قصد التعظيم، ونقيضه الذمّ. وهذا أولى مما قيل هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل، لأنّ الحمد لا يتحقّق إلّا بعد أمور ثلاثة:
الوصف بالجميل وهو المحمود به، وكونه على الجميل الاختياري أعنى المحمود عليه، وكونه على قصد التعظيم. والتعريف الأول مشتمل على جميع هذه الأمور بخلاف التعريف الثاني فإنّه لا يشتمل المحمود عليه إن جعل الباء صلة للوصف كما هو الظاهر، أو المحمود به إن جعل الباء للسببية.
فإن قيل إذا وصف المنعم بالشجاعة ونحوها لأجل إنعامه كانت الشجاعة محمودا بها والإنعام محمودا عليه. وأمّا إذا وصف الشجاع بالشجاعة لشجاعته لم يكن هناك محمود عليه مع أنّ هذا الوصف حمد قطعا. قلت تلك الشجاعة من حيث إنّها كان الوصف بها كانت محمودا بها، ومن حيث قيامها بمحلها كانت محمودا عليها، فهما متغايران هنا بالاعتبار.
ولذا يقال وصفته بالشجاعة لكونه شجاعا. ثم الوصف يتبادر منه ذكر ما يدلّ على صفة الكمال فيكون قولا مخصوصا فصار مورد الحمد اللسان وحده. ولمّا لم يقيد الوصف بكونه في مقابلة النعمة ظهر أنّ الحمد قد يكون واقعا بإزاء النعمة وقد لا يكون. وبقيد الجميل المحمود به يخرج الوصف على الجميل بما ليس بجميل. وبقيد الجميل المحمود عليه يخرج الوصف على غير الجميل. وفي قيد الاختياري إشارة إلى أنّ الحمد أخصّ من المدح. والبعض اعتبر قيد الاختياري في جميع المحمود به وهو غير مشهور، فإنّه يعمّ الاختياري وغيره على الأظهر.
وعلى هذا قيل الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري من إنعام أو غيره. والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطلقا. يقال مدحت اللؤلؤ على صفائها ولا يقال حمدتها على ذلك فالحمد يختص بالفاعل المختار دون المدح فإنّه يقع على الحي وغيره. وبالجملة فالممدوح عليه كالممدوح به لا يجب أن يكون اختياريا، بخلاف المحمود عليه فإنّه يجب كونه اختياريا. ومنهم من منع صحّة المدح على ما ليس اختياريا وجعل مثال اللؤلؤ مصنوعا.
وتوضيحه ما ذكره السّيد السّند في حاشية إيساغوجي من أنّ من يقول بكون الجميل الاختياري مأخوذا في الحمد إنّما يقول بكونه مأخوذا فيه بحسب العقل، ولا فرق فيه بين الحمد والمدح، صرّح به صاحب الكشاف حيث قال: وكلّ ذي لب إذا رجع إلى بصيرته لا يخفى عليه أنّ الإنسان لا يمدح بغير فعله. وقد نفى الله تعالى على الذين أنزل فيهم ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية. ثم سأل كيف ذلك وأنّ العرب يمدح بالجمال وحسن الوجه؟
وأجاب بأنّ الذي يسوّغ ذلك أنّ حسن المنظر يشعر عن مخبر مرضي وأخلاق محمودة. ثم نقل عن علماء البيان تخطئة المادح على غير الاختياري وجعله غلطا، وهو مخالف للمعقول، وقصر المدح على الجميل الاختياري. وهذا صريح في أنّ أخذ الاختياري في الحمد إنّما هو بحسب العقل وأنّه لا فرق فيه بين الحمد والمدح انتهى. وأيضا صريح في أنّ الحمد والمدح مترادفان، وهذا هو الأشهر كما قيل.
وقيل ترادفهما باعتبار عدم اختصاصهما
стр. 756
بالاختياري. فالحمد أيضا غير مختصّ بالاختياري كالمدح، واختاره السيّد السّند في حاشية إيساغوجي، واستدل عليه بقوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «١» وبالحديث المأثور «وابعثه المقام المحمود الذي وعدته» «٢».
قال: والحمل على الوصف المجازي وصفا له بوصف صاحبه كالكتاب الكريم والأسلوب الحكيم صرف عن الظاهر. ثم معنى الجميل الاختياري هو الصادر بالاختيار كما هو المشهور أو الصادر عن المختار وإن لم يكن مختارا فيه، كما قال به بعض المتأخرين. فعلى القول الثاني لا نقض بصفات الله تعالى لأنّ صفاته تعالى صادرة عن المختار وهو ذاته تعالى أي مستندة إليه، وإن لم تكن صادرة عنه بالاختيار. وكذا على القول الأول بأن يراد بالاختياري أعمّ من أن يكون اختياريا حقيقة أو بمنزلة الاختياري. والصفات المذكورة بمنزلة الأفعال الاختيارية لاستقلال الذات فيها وعدم احتياجه فيها إلى أمر خارج كما هو شأن الأفعال الاختيارية. وفيه أنّ ذات الواجب تعالى يحتاج في بعض الأفعال الاختيارية إلى خارج كإرزاق زيد مثلا فإنه يحتاج فيه إلى وجود زيد، فالأولى أن يقال المراد بالاختيار المعنى الأعم المشترك بين القادر والموجب وهو كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، فإنّه متّفق عليه بين المتكلّمين والحكماء في الواجب وغيره، لا كونه بحيث يصحّ منه الفعل والترك لأنّه مقابل للإيجاب، هكذا يستفاد مما ذكر صاحب الاطول وأبو الفتح في حاشية الحاشية الجلالية.
وبالقيد الأخير خرج الاستهزاء والسخرية إذ لا بدّ في الحمد أن يكون ذلك الوصف على قصد التعظيم بأن لا يكون هناك قرينة صارفة عن ذلك القصد لأنّه إذا عرى عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح ونحوها لم يكن حمدا حقيقة، بل كان من السخرية والاستهزاء. لا يقال فقد اعتبر في الحمد فعل الجنان والأركان أيضا لأنّا نقول إنّ كلّ واحد منهما شرط لكون فعل اللسان حمدا لا ركن منه. وفي أسرار الفاتحة المدح يكون قبل الإحسان وبعده، والحمد لا يكون إلّا بعده.
وأيضا قد يكون منهيا كما قال ﵇:
«احثوا التراب على وجوه المدّاحين» «٣».
والحمد مأمور به مطلقا. قال ﵇: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» «٤» انتهى. ولا يخفى ما فيه من المخالفة لما سبق عن عموم الحمد النعم الواصلة إلى الحامد وغيرها.
ثم اعلم أنّ القول المخصوص الذي يحمدون به إنّما يريدون به إنشاء الحمد وإيجاد الوصف لا الإخبار به، فهو إنشاء لا خبر؛ وليس ذلك القول حمدا بخصوصه بل لأنّه دالّ على صفة الكمال ومظهر لها، أي لها مدخل تام في ذلك. ومن ثمّ أي من أجل أنّ لدلالته على صفة الكمال وإظهاره لها مدخلا تاما في كونه حمدا عبّر بعض المحقّقين من الصوفية عن إظهار الصفات الكمالية بالحمد تعبيرا عن اللازم
стр. 757
بالملزوم مجازا حيث قال: حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، وذلك قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل، وهذا أقوى لأنّ الأفعال التي هي آثار السخاوة تدلّ عليها دلالة قطعية، بخلاف دلالة الأقوال فإنّها وضعية قد يتخلّف عنها مدلولها. ومن هذا القبيل حمد الله وثناؤه على ذاته وذلك أنّه تعالى حين بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى فقد كشف عن صفات كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية، فإنّ كل ذرة من ذرات الوجود تدلّ عليها، ولا يتصوّر في العبارات مثل ذلك. ومن ثمة قال النبي ﵌: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «١».
والإحصاء يمكن أن يكون بمعنى العلم أو العدّ على سبيل الاستقصاء. وعلى كلا التقديرين الضمير المرفوع أعني أنت مبتدأ والكاف زائدة وكلمة ما موصولة أو موصوفة، واختيارها على كلمة من يأباها وأثنيت على نفسك صلتها أو صفتها كما في قوله:
أنا الذي سمّتني أمي حيدرة
وهذه الجملة خبر للمبتدإ، والمجموع تعليل لعدم علمه ﵌ ثناء عليه تعالى لأنّه إذا أثنى على نفسه كان ثناء غير متناه، فلا يعلم ولا يعدّ، بل لا مناسبة لشيء من العلم والعدّ المذكورين إلّا لله تعالى، أو بمعنى القدرة، والجملة استئنافية كأنه قيل من ثنى «٢» حق الثناء وتمامه، ويكون كلمة أنت تأكيد للضمير المجرور في عليك، وما موصولة أو موصوفة أو مصدرية، والمعنى أنّه لا أقدر على ثناء عليك مثل الثناء الذي أثنيت به، بحذف العائد إلى الموصول أو الموصوف، أو مثل ثنائك بجعل ما مصدرية. ومقصوده ﵇ من هذا الكلام إظهار العجز عن مثل ثناء الله تعالى على ذاته وسلب المماثلة بين ثنائه قولا أو فعلا وبين ثنائه تعالى على ذاته.
اعلم أنّ الحمد في العرف هو الشكر في اللغة. وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما. قال بعض الصوفية لسان الحمد ثلاث:
اللسان الإنساني واللسان الروحاني واللسان الرباني. أمّا اللسان الإنساني فهو للعوام وشكره به التحدّث لإنعام الله وإكرامه مع تصديق القلب بأداء الشكر. وأمّا اللسان الروحاني فهو للخواصّ وهو ذكر القلب لطائف اصطناع الحق في تربية الأحوال وتزكية الأفعال. وأما اللسان الرباني فهو للعارفين وهو حركة السرّ لقصد شكر الحق ﷻ بعد إدراكه لطائف المعارف وغرائب الكواشف بنعت المشاهدة والغيبة في القربة واجتناء ثمرة الأنس وخوض الروح في نحو القدس وذوق الأسرار بمباشرة الأنوار.
الحمراء:
[في الانكليزية] Red -striped suit
[ في الفرنسية] Costume rouge raye
بالألف الممدودة في اللغة الفارسية سرخ صرف. وفي اصطلاح المحدثين: هي البذلة التي توجد فيها خطوط حمر. وكذلك الخضراء والصّفراء عندهم: البذلة المخططة بخطوط خضر أو صفر. وهكذا الأيچهـ في بلادنا. هكذا في ترجمة صحيح البخاري المسمّى بتيسير القاري.
وهذا الاصطلاح بسبب أنّه يعتبر لبس الثياب الحمراء الخالصة عند أكثر المحدثين ممنوع أخذا بظاهر حديث: «إياكم والحمرة فإنّها زي الشّيطان» وأمّا ما نقل في لباس النبي ﷺ أنه كان يلبس حلّة حمراء (في العيد ولدى استقبال
стр. 758
الوفود) فمؤوّل على كونها مخطّطة بخطوط حمر. ولكون تلك الخطوط متقاربة وتبدو من بعيد حمراء، فلذا غلط الراوي حين قال: حلّة حمراء. ولا يخفى أنّ التأويل المذكور هو خلاف الظاهر وبعيد عن القياس. وفقهاء مكّة يقولون بجواز لبس الثوب الأحمر. ويستثنون اللون المعصفر ويقولون: إنّ حديث إياكم والحمرة إنما ورد بشأن اللون المعصفر، والألف واللام هي عهدية. وقصّة النهي هكذا يرونها بأنّ النبيّ ﷺ مرّ على قوم كانوا يصبغون الأقمشة باللون المعصفر وحينئذ نبههم بقوله: إياكم والحمرة الحديث .. لأنّ أصل أل عهدية. أمّا إذا لم يكن الأمر معهودا فحينئذ تحمل على الاستغراق إذا أمكن، وإلّا فعلى الجنس. هكذا في كتب الفقه «١».
الحمرة:
[في الانكليزية] Erysipelas
[ في الفرنسية] Erysipele
بالضم وسكون الميم في اللغة بمعنى سرخى. وعند الأطباء هي الورم الحار الصفراوي المحض، فارسيها سرخ باد كذا في بحر الجواهر. وعند أهل الرمل اسم شكل من الأشكال الستّة عشر وصورته هكذا.
الحمزيّة:
[في الانكليزية] Al -Hamziyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Hamziyya (secte)
بالفتح فرقة من الخوارج العجاردة أصحاب حمزة بن أدرك «٢». وافقوا الميمونية «٣».، إلّا أنهم قالوا أطفال الكفار في النار كذا في شرح المواقف.
الحمق:
[في الانكليزية] Idiocy ،debility
[ في الفرنسية] Idiotie ،debilite
بالضم وسكون الميم أو ضمها في الأصل من لا عقل له. وفي اصطلاح الأطباء هو نقصان في الفكر في الأشياء العملية التي تتعلّق بحسن التدبير في المنزل والمدينة وجودة المعاش ومخالطة الناس والمعاملة معهم لا في العلوم النظرية ولا في العلوم العملية، مثل علمي الطب والهندسة، فإنّ ضعف الفكر فيها لا يسمّى حمقا بل بلادة. فإن كان هذا ذاتيا في
стр. 759
أصل الخلقة والجبلّة فلا علاج له. والرعونة مرادفة للحمق كذا في بحر الجواهر. وفي الأقسرائي الرعونة هي نقصان الفكر والحمق بطلانه.
الحمل:
[في الانكليزية] Lamb ،Aries
[ في الفرنسية] Agneau ،Belier
بفتح الحاء والميم في اللغة وقيل:
الخروف الصغير إلى أن يبلغ الحول. حتى دون التسعة أشهر. كذا في بحر الجواهر «١». وعند أهل الهيئة اسم برج من البروج الربيعية. وأول الحمل نقطة في أوله مسمّاة بنقطة الاعتدال الربيعي. ومعنى أول الحمل من المائل وأول الحمل من معدّل المسير مذكور في لفظ الوسط.
الحمل:
[في الانكليزية] Attribution of a predicate
[ في الفرنسية] Attribution d'un predicat
بالفتح والسكون في عرف العلماء هو اتحاد المتغايرين ذهنا في الخارج. فقولهم ذهنا تمييز من النسبة في المتغايرين. وقولهم في الخارج ظرف الاتحاد، ومعناه أنّ الحمل اتحاد المتغايرين ذهنا أي في الوجود الظلّي الذي هو العلم في الخارج، أي في الخارج عن الوجود الذهني الذي يتغايران فيه، سواء كان ذلك الخارج وجودا خارجيا محقّقا أو مقدرا، أو كان وجودا ذهنيا أصليا محققا أو مقدرا. فالأول كالحيوان والناطق المتّحدين في ضمن وجود زيد. والثاني كجنس العنقاء وفصله المتّحدين في ضمن وجود فرده المقدّر. والثالث كوجود جنس العلم وفصله في ضمن فرد منه كالعلم بالإنسان.
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج ١ ٧١٦ الحمل: ..... ص: ٧١٦
لفتح والسكون في عرف العلماء هو اتحاد المتغايرين ذهنا في الخارج. فقولهم ذهنا تمييز من النسبة في المتغايرين. وقولهم في الخارج ظرف الاتحاد، ومعناه أنّ الحمل اتحاد المتغايرين ذهنا أي في الوجود الظلّي الذي هو العلم في الخارج، أي في الخارج عن الوجود الذهني الذي يتغايران فيه، سواء كان ذلك الخارج وجودا خارجيا محقّقا أو مقدرا، أو كان وجودا ذهنيا أصليا محققا أو مقدرا. فالأول كالحيوان والناطق المتّحدين في ضمن وجود زيد. والثاني كجنس العنقاء وفصله المتّحدين في ضمن وجود فرده المقدّر. والثالث كوجود جنس العلم وفصله في ضمن فرد منه كالعلم بالإنسان.
والرابع كشريك الباري ممتنع فإنّهما متّحدان بالوجود الذهني المقدّر، ثم ذلك الاتحاد أعمّ من أن يكون بالذات كما في الذاتيات أو بالعرض كما في العرضيات والعدميات.
فالحاصل أنّ الحمل اتحاد المتغايرين مفهوما أي وجودا ظليا في الوجود المتأصّل المحقق أو المفروض. ولا شك أنّ المتأصّل في الوجود هو الأشخاص فتعيّن للموضوعية، والمفهومات للحملية، وهذا أمر خارج عن مفهوم الحمل.
وبعبارة أخرى الحمل اتحاد المتغايرين في نحو من التعقّل بحسب نحو آخر من الوجود اتحادا بالذات أو بالعرض، وهو إمّا يعنى به أنّ الموضوع بعينه المحمول فيسمّى الحمل الأوّلي، وقد يكون نظريا أيضا. أو يقتصر فيه على مجرّد الاتحاد في الوجود فيسمّى الحمل الشائع المتعارف وهو المعتبر في العلوم. وقد يقسم بأنّ نسبة المحمول إلى الموضوع إمّا بواسطة ذو أوله أو في فهو الحمل بالاشتقاق أو بلا واسطة وهو الحمل بالمواطأة. بالجملة حمل المواطأة أن يكون الشيء محمولا على الموضوع بالحقيقة أي بلا واسطة كقولنا الإنسان حيوان. وفسّر الشيخ الموضوع بالحقيقة بما يعطي موضوعه اسمه وحده كالحيوان، فإنّه يعطي للإنسان اسمه فيقال الإنسان حيوان، ويعطيه حدّه فيقال الإنسان جسم نام حسّاس متحرّك بالإرادة. وحمل الاشتقاق أن لا يكون محمولا عليه بالحقيقة بل ينسب إليه كالبياض بالنسبة إلى الإنسان، فلا يقال الإنسان بياض بل ذو بياض أو أبيض، وحينئذ يكون محمولا عليه بالمواطأة. ومنهم من يسمّى الأول حمل تركيب والثاني حمل اشتقاق، والواسطة على الأول كلمة ذو وعلى الثاني الاشتقاق لاشتماله على معنى كلمة ذو. وزيد يمشي أو مشى بمعنى زيد ذو مشي في الحال أو الاستقبال أو الماضي، وكذا مشى زيد ويمشي زيد فإنّ الحمل إنّما يظهر بذلك التأويل. وربما يفسّر حمل المواطأة بحمل هو هو والاشتقاق بحمل هو ذو هو. وقال الإمام في الملخّص حمل
стр. 760
الموصوف على الصفة كقولنا المتحرك جسم يسمّى حمل المواطأة، وحمل الصفة على الموصوف كقولنا الجسم متحرّك يسمّى حمل الاشتقاق ولا فائدة في هذا الاصطلاح. ولذا كان المتعارف هو الاصطلاح على المعنى الأول السابق على كلام الإمام، فإنّ مرجع التفاسير الثلاثة إلى شيء واحد عند التحقيق. هذا كلّه خلاصة ما حقّقه المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية وصاحب السلم في المحصورات، وصاحب شرح المطالع والسيّد السّند في حاشية شرح المطالع في مبحث الكلّيات.
اعلم أنّ إطلاق الحمل على حمل المواطأة وحمل الاشتقاق على هذا بالاشتراك المعنوي. والأشبه أنّ إطلاقه عليهما بالاشتراك اللفظي، هكذا ذكر صاحب السلّم. وظاهر كلام مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف يدل على الاشتراك اللفظي حيث قال في المقصد العاشر من مرصد الماهية: إنّ الحمل يطلق على ثلاثة معان. الأول الحمل اللغوي وهو الحكم بثبوت الشيء للشيء وانتفاؤه عنه، وحقيقته الإذعان والقبول. والثاني الحمل الاشتقاقي ويقال له الحمل بوجود في وتوسّط ذو، وحقيقته الحلول بمعنى الاختصاص الناعت، وهو ليس مختصا بمبادئ المشتقّات، بل يجري في المشتقات أيضا. فإنّ العرض أعمّ من العرضي كما تقرّر.
فإن قلت المال محمول على صاحبه بتوسّط ذو مع أنّه ليس حالا فيه؟ قلت المحمول في الحقيقة هو إضافة بين المال والمالك. والثالث حمل المواطأة ويقال له الحمل بقول على وحقيقته الهوهو، فلا محالة يستدعي وحدة باعتبار وكثرة باعتبار آخر، سواء كانت الوحدة بالذات أو بالعرض، وسواء كانت جهة الوحدة الوجود أو غيره، فإنّه يجري في الهوهو جميع أقسام الوحدة المفارقة للكثرة وجميع جهاتها. لكنّ المتعارف خصّص جهة الوحدة بالوجود سواء كان وجودا بالذات كما في حمل الحيوان على الإنسان وحمل الضاحك عليه، أو وجودا بالعرض كما في حمل الضاحك على الكاتب وحمل اللّاكاتب على الأعمى. وسواء كان وجودا خارجيا كما في القضايا الخارجية أو وجودا ذهنيا كما في القضايا الذهنية، أو مطلق الوجود كما في القضايا الحقيقية. فحمل المواطأة يرجع إلى اتحاد المتغايرين في نحو من أنحاء الوجود بحسب نحو آخر به سواء كان اتحادا بالذات كما في حمل الذاتيات أو بالعرض كما في حمل العرضيات. فإنّ الذات والذاتي متّحدان بحسب الحقيقة والوجود، والمعروض والعرضي متغايران بحسبهما. وربما يطلق حمل المواطأة على مصداقه من حيث إنّه مصداق. فإن قيل حمل الطبيعة على الفرد حمل بالذات لكونها ذاتية له، وحمل الفرد عليها حمل بالعرض لكونه خارجا عنها مع أنّ كلا منهما يوجد بوجود واحد. قلنا الأحكام تختلف باختلاف الجهات فذلك الوجود من حيث إنّه للفرد ينسب إلى الطبيعة التي هي من ذاتياته، فيقع حمل بالذات. ومن حيث إنّه للطبيعة ينسب إلى الفرد الذي هو من خواصّها بالعرض فيقع حمل بالعرض. ثم حمل المواطأة ينقسم إلى قسمين. الأول الحمل الأولي وهو يفيد أنّ المحمول هو نفس عنوان حقيقة الموضوع.
وإنّما سمّي حملا أوليا لكونه أولي الصدق أو الكذب. ومن هذا القبيل حمل الشيء على نفسه. وهو إمّا مع تغاير الطرفين بأن يؤخذ أحدهما مع حيثية، والآخر مع حيثية أخرى.
وإمّا بدون التغاير بينهما بأن يتكرّر الالتفات إلى شيء واحد ذاتا واعتبارا. والأول صحيح غير مفيد، والثاني غير صحيح غير مفيد ضرورة أنّه لا تعقل «١» النسبة إلّا بين الشيئين ولا يمكن أن
стр. 761
يتعلّق بشيء واحد التفاتان من نفس واحدة في زمان واحد. لا يقال فحينئذ حمل الشيء على نفسه لا يكون حملا بالذات لأنّ مصداق الحمل على ذلك التقدير فيه ليس نفس الموضوع فقط، بل مع أنّ حمل الإنسان على نفسه حمل بالذات، لأنّا نقول طبيعة الحمل تستدعي تغايرا بين الموضوع والمحمول. وما ذكروا أنّ نفس الموضوع إن كان كافيا في تحقّق الحمل، فحمل بالذات وإلّا فحمل بالعرض، فهو بعد ذلك التغاير فحمل الشيء على نفسه حمل بالذات، لأنّ بعد ذلك التغاير لا يحتاج إلى غيره.
والحق أنّ التغاير في مفهوم الحمل وهو هو.
والثاني الحمل الشائع المتعارف وهو يفيد أن يكون الموضوع من أفراد المحمول أو ما هو فرد لأحدهما فرد لآخر. وإنّما يسمّى بالمتعارف لتعارفه وشيوعه استعمالا. وهو ينقسم إلى حمل بالذات وهو حمل الذاتيات، وإلى حمل بالعرض وهو حمل العرضيات. وربّما يطلق الحمل المتعارف في المنطق على الحمل المتحقّق في المحصورات انتهى.
ثمّ إنّه ذكر في تلك الحاشية في مبحث عينية الوجود وغيريته أنّ الحمل بالذات أن يكون مصداق الحمل نفس ذات الموضوع من حيث هي، والحمل بالعرض أن يكون مصداق الحمل خارجا عنها. وهو إمّا أن تكون ذات الموضوع مع حيثية مأخوذة فيها كما في حمل الوجود على تقدير كونه زائدا. وإمّا أن تكون ذات الموضوع مع ملاحظة مبدأ المحمول كما في حمل الأوصاف العينية. وإمّا أن تكون ذات الموضوع مع ملاحظة أمر آخر مباين لها ومقابلة بينهما كما في حمل الاضافيات. وإمّا أن تكون ذات الموضوع مع ملاحظة أمر زائد بعدم مصاحبته لها كما في حمل العدميات. فمصداق حمل الوجود على تقدير العينية ذات الموضوع من حيث هي، وعلى تقدير الغيرية ذات الموضوع مع حيثية زائدة عليه عقلية كحيثية استناده إلى الجاعل انتهى.
اعلم أنّ الحمل فسّره البعض بالتغاير في المفهوم والاتحاد في الهوية. وهذا إنّما يصحّ في الذاتيات دون العرضيات مثل الإنسان أبيض لأنّ الهوية الماهية الجزئية. ولا شكّ أنّ الأبيض معتبر في هوية البياض دون الإنسان ودون الأمور العدمية نحو الإنسان أعمى، إذ ليس لمفهوم الأعمى هوية خارجية متّحدة بهوية الإنسان، وإلّا لكان مفهومه موجودا متأصّلا.
قيل إذا أريد مفهومه بحيث يعمّ الكلّ قيل معنى الحمل أنّ المتغايرين مفهوما متّحدان ذاتا، بمعنى أنّ ما صدق عليه ذات واحدة. وفيه أنّه لا يشتمل الحمل في القضايا الشخصية والطبعية، إلّا أن يحمل الصدق بحيث يشتمل صدق الشيء لنفسه؛ وأيضا الصدق هو الحمل فيلزم تعريف الشيء بنفسه، إلّا أن يقال التعريف لفظي. وقيل الحمل اتحاد المفهومين المتغايرين بحسب الوجود تحقيقا أو تقديرا وهو لا يشتمل الحمل في القضايا الذهنية. وقيل الحمل اتصاف الموضوع بالمحمول، وهو لا يشتمل حمل الذاتيات. والحقّ في معنى الحمل ما مرّ سابقا.
حمل المواطأة:
[في الانكليزية] Subject attribution
[ في الفرنسية] Attribution du sujet
قد سبق في لفظ الحمل.
الحملي:
[في الانكليزية] Attributive
[ في الفرنسية] Attributif
عند المنطقيين يطلق على قسم من القياس الاقتراني كما يجيء في لفظ القياس. وعلى قسم من القضية مقابل للشرطية. ولكون الشرطية تنتهي بالتحليل إلى الحمليتين سمّيت الحملية بسيطة أيضا. وأبسط القضايا الحملية الموجبة كذا في شرح المطالع وتعريفها يذكر في لفظ القضية. ولها أي للقضية الحملية تقسيمات.
الأول باعتبار الطرفين فإن لم يكن حرف السلب
стр. 762
جزءا من أحد طرفيها سمّيت محصّلة وإلّا سمّيت معدولة. الثاني باعتبار الجهة فإن كانت مشتملة على الجهة تسمّى موجّهة وإلّا تسمّى مطلقة. الثالث باعتبار الرابطة فإن ذكرت الرابطة تسمّى ثلاثية كقولنا زيد هو قائم، وإن لم تذكر سمّيت ثنائية كقولنا زيد قائم. وليست حاجة محمول هو كلمة أو اسم مشتق إلى الرابط حاجة الاسم الجامد لما فيهما من الدلالة على النسبة إلى موضوع ما، مع أنّ الحاجة إلى الرابط للدلالة على النسبة إلى موضوع معين.
فإذن مراتب القضايا ثلاث ثنائية لم يدل فيها على نسبة أصلا وثلاثية تامّة دلّ فيها على النسبة إلى موضوع معيّن كالمذكور فيها رابطة غير زمانية، وثلاثية ناقصة دلّ فيها على النسبة إلى موضوع غير معيّن كالمذكور فيها رابطة زمانية أو التي محمولها كلمة أو اسم مشتق.
وهاهنا أبحاث. منها أنّ القضية التي محمولها كلمة أو اسم مشتق إن كانت ثلاثية لم يستقم عدّها في الثنائية وإن كانت ثنائية لم تنحصر المراتب في الثلاث، بل يكون هناك ثنائية دلّ فيها على النسبة. فالصواب تثليث المراتب بالثلاثية التي ذكرت فيها الرابطة.
والثنائية التّامّة التي لم تذكر فيها ولم تدل فيها على النسبة، والثنائية الزائدة التي دلّت فيها على النسبة وذلك لأنّه لا يمكن الدلالة على الحكم بدون الدلالة على النسبة، بخلاف العكس. فإذا دلّ على الحكم فقد دلّ على النسبة. فالقضية ثلاثية حينئذ أمّا إذا لم تدل على الحكم فربما لم تدل على النسبة أيضا فتكون ثنائية تامّة.
وربما تدلّ على النسبة فزيدت القضية دلالة على الثنائية لكنها تأخّرت عن مرتبتها إذ لم تتناول إلّا أحد جزئي مفهوم الرابط، وهو النسبة لا الحكم فهي ثنائية زائدة. وقال الإمام القضية التي محمولها كلمة أو اسم مشتقّ ثنائية في اللفظ ثلاثية بالطبع، لأنّ النسبة مدلول عليها تضمنا، فذكرها يوجب التكرار، وقد سبقت الإشارة إلى دفعه.
ثم اعلم أنّ من جعل روابط العرب الحركات الإعرابية وما يجري مجراها يقول إن كان التركيب العربي من المعربات وما يجري مجراها فالقضية ثلاثية كزيد قائم، وإن كان من المبنيات فهي ثنائية كقولنا هذا سيبويه.
الرابع باعتبار الموضوع فموضوع الحملية إن كان جزئيا حقيقيا سمّيت مخصوصة وشخصية لخصوص موضوعها وتشخّصه، موجبة كانت كقولنا زيد كاتب، أو سالبة كقولنا زيد ليس بكاتب. وإن كان كليّا فإن لم يذكر فيها السور بل أهمل بيان كمية الأفراد سمّيت مهملة موجبة نحو الإنسان حيوان أو سالبة نحو الانسان ليس بحجر وأن ذكر فيها السور سمّيت محصورة ومسوّرة موجبة نحو كل إنسان حيوان أو سالبة نحو ليس كلّ حيوان إنسانا. وأورد على الحصر أنّه لا يشتمل نحو الإنسان نوع. وأجيب بأنّها مندرجة تحت المخصوصة لأنّ كلية الموضوع إنّما يتصوّر لو حكم عليه باعتبار ما صدق عليه.
فالمراد أنّ الموضوع إمّا أن يحكم عليه باعتبار كليته أي صدقه على كثيرين أو لا. الثاني المخصوصة والأوّل المحصورة أو المهملة. وفيه أنّ القول بالاندراج يبطل تنزيلهم المخصوصات بمنزلة الكليات حتى يوردوها في كبرى الشكل الأول نحو: هذا زيد وزيد إنسان فهذا إنسان، وذلك لأنّه يصدق زيد إنسان والإنسان نوع مع كذب النتيجة وهي زيد نوع. وزاد البعض ترديد أو قال إن لم يبيّن كمية الأفراد أي كليتها وجزئيتها، فإن كان الحكم على ما صدق عليه الكلّي فهي المهملة، وإن كان الحكم على نفس الكلّي من حيث هو عام نحو الإنسان نوع فهي الطبيعية. ويقرب منه ما قيل إنّ الحكم على المفهوم الكلّي إمّا أن يكون حكما عليه من حيث يصدق على الجزئيات وهي الطبيعية، أو
стр. 763
حكما على الجزئيات من حيث يصدق عليها الكلّي وهي المحصورة أو المهملة. ويرد عليه أنّه بقي قسم آخر وهو أن يكون الحكم على الكلّي من حيث هو، وأيضا تسمية تلك القضية طبيعية غير مناسبة لأنّ الحكم ليس فيها على الطبيعة من حيث هي هي، بل على المقيّدة بقيد العموم. ومنهم من قال إنّ موضوع القضية إن لم يصلح، لأن يقال على كثيرين فهي المخصوصة، سواء كان شخصا أو مقيدا بالعموم كقولنا الإنسان نوع. وإن صلح لأن يقال على كثيرين فمتعلّق الحكم إمّا الأفراد فهي إمّا محصورة أو مهملة أو نفس الكلّي وهي الطبيعية، فعاد البحث السابق من جعل العام مخصوصة. وقيل الموضوع إمّا ما صدق عليه الطبيعة وهي المحصورة أو المهملة، وإمّا نفس الطبيعة، فلا يخلو إمّا مع قيد التشخّص وهي المخصوصة أو مع قيد العموم وهي القضية العامة، أو من حيث هي هي، وهي الطبيعية.
والحق أنّ القيد لا يعتبر مع الموضوع ما لم يؤخذ الموضوع معه، فإذا حكم على الإنسان بحكم لا يكون ذلك الحكم من حيث إنّه عام أو خاص أو غير ذلك، فإنّه لو اعتبر القيود التي يصلح أخذها مع قيود الموضوع لم تنحصر القضية في الأربعة والخمسة. نعم إذا قيّد الموضوع بقيد فذلك الموضوع المقيّد إن كان جزئيا يكون القضية مخصوصة، وإن كان كليّا تجري أقسامه فيه فالأولى أن تربّع القسمة.
ويقال موضوع القضية إن كان جزئيا حقيقيا فهي المخصوصة، وإن كان كليا فالحكم إن كان على ما صدق عليه فهي المحصورة أو المهملة، وإلّا يكون الحكم على نفس الطبيعة الكلية، سواء قيّد بقيد كقولنا الإنسان من حيث إنه عام نوع، أو لم يقيّد كقولنا الإنسان نوع، إلّا أنّ الواجب أن لا يعتبر القيد ما لم يقيّد الموضوع به، فالموضوع في هذا المثال ليس إلّا الإنسان، اللهم إلّا أن يصرّح بالقيد، وكيف كان فالقضية طبيعية، فإنّ الحكم في أحد القسمين على طبيعة الكلّي المقيّد وفي الآخر على طبعية الكلّي المطلق. هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع.
وفي السلّم الموضوع إن كان جزئيا فالقضية شخصية ومخصوصة، وإن كان كليا فإن حكم عليه بلا زيادة شرط فمهملة عند المتقدّمين، وإن حكم عليه بشرط الوحدة الذهنية فطبيعية، وإن حكم على أفراده فإن بيّن كمية الأفراد فمحصورة، وإن لم يبيّن «١». فمهملة عند المتأخرين انتهى. اعلم أنّ هذا التقسيم يجري في الشرطية أيضا كما يجيء.
الحوالة:
[في الانكليزية] Transference of a debt to a third
[ في الفرنسية] Transfert d'une creance sur un tiers
بالفتح لغة النقل. في المغرب أحلت زيدا بما كان له علي على رجل. فالمتكلّم وهو المديون محيل، وزيد وهو الدائن محال ومحتال، والمال محال به ومحتال به، والرجل وهو الذي يقبل الحوالة محال عليه ومحتال عليه. وتسمية المحتال محتالا له باللام لغو لعدم الحاجة إلى الصلة. وفي التاج «٢» المحتال في الفقه إذا وصل باللام فهو الدائن، وإذا وصل بعلى فهو من يقبل الحوالة، وإذا وصل بالباء فهو المال. فالظاهر أنّ الموصولة باللام اسم مفعول أي من يقبل الحوالة والقابل هو المحتال عليه فلا لغو. وشرعا إثبات دين الآخر على آخر مع عدم بقاء الدين على المحيل بعده، أي بعد إثبات الدّين. والمراد بقولهم لآخر المحتال، وعلى آخر المحتال عليه. وقولهم
стр. 764
إثبات دين أي ولو حكما في ضمن عقد أو لا، فدخل في الحدّ حوالة دراهم الوديعة، وخرج عنه الكفالة على المذهب الأصح. وكذا دخل فيه الحوالة التي لا يكون فيها على المحيل دين، فإنّ المحتال عليه إذا قبل الحوالة يثبت في ذمته للمحتال. ولذا عدل عن تعريف المشايخ بأنها نقل الدّين من ذمة إلى ذمة إذ يخرج عنه هذه الحوالة المذكورة، ولا يخرج عنه الحوالة على المديون، ولا يدخل فيه إثبات الثمن للبائع على المشتري والقرض للمقرض على المستقرض ونحوهما، لأنّ في الأول إثبات دين للمحتال على المحتال عليه، ومن الثاني ليس كذلك. ولذا قلنا إنّ المراد بقولهم على آخر المحتال عليه، واحترز بهذا عن الكفالة على القولين الراجح والمرجوح. وقولهم مع عدم بقاء الدين الخ تأكيد لردّ ما قال بعض المشايخ إنّ الدين باق في ذمّة المحيل فإنّ الحوالة إثبات المطالبة. ثم هذا الحدّ رسمي فإنّ الحدّ هو العقد المخصوص فلا دور في ذكر لفظ المحيل. هكذا يستفاد من شروح مختصر الوقاية ومن جامع الرموز والبرجندي وشرح أبي المكارم «١». وفي الغرر وشرحه الدرر: المديون محيل والدائن محتال ومحتال له ومحال له، يطلق على الدائن. هذه الألفاظ الثلاثة في الاصطلاح، ومن يقبل الحوالة محتال عليه محال عليه.
الحورية:
[في الانكليزية] Al -Huriyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Huriyya (secte)
بالضم فرقة من المتصوفة المبطلة ومذهبهم مثل مذهب الحالية ما عدا في قولهم بأنّ حور الجنّة في حالة اللّاوعي يقتربن منهم ونضاجعهن وحين يفيقون يغتسلون. كذا في توضيح المذاهب «٢».
الحياء:
[في الانكليزية] Decency
[ في الفرنسية] Pudeur
بالفتح والياء المثناة التحتانية وهو انكسار وتغيّر يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به أو يذمّ على ما قال الزمخشري، كذا في بحر الجواهر. وفي الشرع عبارة عن خلق باعث على ترك القبيح كما في تيسير القارئ ترجمة صحيح البخاري. وفي رسالة السّيد الجرجاني الحياء انقباض النفس من شيء وتركه حذرا عن اللوم فيه وهو نوعان: نفساني وهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلّها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمتنع المؤمن من فعل المعاصي خوفا من الله تعالى.
الحياة:
[في الانكليزية] Life
[ في الفرنسية] Vie
بالفتح بمعنى زندگى ضد موت. والحي زنده كما في الصراح. ومفهومه بديهي فإنه من الكيفيات المحسوسة. وقال ابن سينا ماهيات المحسوسات غنية عن التعريف. واختلف في رسومها. فقيل هي قوة تتبع الاعتدال النوعي وتفيض منها سائر القوى الحيوانية. ومعنى
стр. 765
الاعتدال النوعي أنّ كل نوع من أنواع المركّبات العنصرية له مزاج مخصوص هو أصلح الأمزجة بالنسبة إليه فالحياة في كل نوع من أنواع الحيوانات تابعة لذلك المزاج المسمّى بالاعتدال النوعي. ومعنى الفيضان أنّه إذا حصل في مركّب عنصري اعتدال نوعي فاضت عليه من المبدأ قوة الحياة ثم انبعثت منها قوى أخرى، أعني الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحرّكة إلى جلب المنافع ودفع المضار، كلّ ذلك بتقدير العزيز العليم فهي تابعة للمزاج النوعي ومتبوعة لما عداها. وقد ترسم الحياة بأنّها قوة تقتضي الحسّ والحركة الإرادية مشروطة باعتدال المزاج.
واستدلّ الحكيم على مغايرة الحياة لقوتي الحسّ والحركة فقال ابن سينا هي غير قوة الحسّ والحركة، وغير قوة التغذية فإنّها توجد في العضو المفلوج إذ هي الحافظة للأجزاء عن الانفكاك، وليس له قوة الحسّ والحركة. وكذا الحال في العضو الذابل فإنّه لو لم يكن حيّا يفسد بالتعفّن مع عدم قوة التغذية، وتوجد في النبات قوة التغذية مع عدم الحياة. وأجيب بأنّا لا نسلّم أن قوة الحس والحركة والتغذية مفقودة في المفلوج والذابل لجواز أن يكون الإحساس والحركة والتغذية قد تخلّف عن القوة الموجودة فيها لمانع يمنعها عن فعلها، لا لعدم المقتضي.
ولا نسلم أنّ التغذية التي في الحي موجودة في النبات لجواز أن تكون التغذية في النبات مخالفة بالماهية للتغذية في الحي. هذا خلاصة ما في شرح الطوالع وشرح المواقف. فعلى هذا لا توجد الحياة في النبات وقيل بوجودها في النبات أيضا لأن الحياة صفة هي مبدأ التغذية والتنمية. ومنهم من ادّعى تحقق الحس والحركة في النبات كما سيجيء. وفي الملخّص الحياة إما اعتدال المزاج أو قوة الحسّ والحركة أو قوة تتبع ذلك الاعتدال، سواء كان نفس قوة الحسّ والحركة، أو مغايرة لها كما اختاره ابن سينا انتهى.
وفي البيضاوي في تفسير قوله تعالى:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ «١» الآية، الحياة حقيقة في القوة الحسّاسة أو ما يقتضيها مجاز في القوة النامية لأنّها من مقدماتها، وفيما يخصّ الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنّه كمالها وغايتها، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة كما قال تعالى: يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ «٢»، وقال اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها «٣»، وقال أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ «٤» انتهى كلامه.
فائدة:
شرط الحياة عند الحكماء البنية «٥» التي هي الجسم المركّب من العناصر على وجه
стр. 766
يحصل من تركيبها مزاج. قالوا الحياة مشروطة باعتدال المزاج وبالروح الذي هي أجسام لطيفة تتولّد من بخارية الأخلاط سارية في الشرايين المنبثّة من القلب. وكذا عند المعتزلة إلّا أنّ البنية عندهم هي مجموع جواهر فردة لا يمكن [تركب بدن] «١» الحيوان من أقلّ منها، والأشاعرة لا يشترطون البنية ويقولون يجوز أن يخلق الله تعالى الحياة في جزء واحد من الأجزاء التي لا تتجزى.
قال الصوفية: الحياة عبارة عن تجلّي النفس وتنورها بالأنوار الإلهية. وفي التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى «٢» أنّ المراد من الموتى عند أهل التصوّف القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلّي، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلّي والأنوار الإلهية انتهى.
وفي القشيري «٣» في تفسير هذه الآية، قال الجنيد: الحي من تكون حياته بحياة خالقه، لا من تكون حياته ببقاء هيكله. ومن يكون بقاؤه ببقاء نفسه فإنّه ميت في وقت حياته. ومن كانت حياته به كان حقيقة حياته عند وفاته، لأنّه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية. قال تعالى:
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «٤» انتهى.
والمستفاد من الإنسان الكامل أنّ الحياة هي الوجود وهي تعمّ المعاني والهيئات والأشكال والصّور والأقوال والأعمال والمعادن والنباتات وغير ذلك. قال وجود الشيء لنفسه حياته التامة ووجوده لغيره حياة إضافية له.
فالحق سبحانه موجود لنفسه فهو الحيّ، وحياته وهي الحياة التامة، والخلق من حيث الجملة موجودون بالله فحياتهم إضافية، ولذا التحق بها الفناء والموت. ثم إنّ حياة الله تعالى في الخلق واحدة تامة، لكنهم متفاوتون فيها. فمنهم من ظهرت الحياة فيه على صورتها التامة وهو الإنسان الكامل، فإنّه موجود لنفسه وجودا حقيقيا لا مجازيا ولا إضافيا. فربّه هو الحيّ التام الحياة بخلاف غيره، والملائكة العلّيّون «٥» وهم المهيمنة ومن يلحق بهم، وهم الذين ليسوا من العناصر كالقلم الأعلى واللوح وغيرهما من هذا النوع، فإنّهم ملحقون بالإنسان الكامل
стр. 767
فافهم، ومنهم من ظهرت فيه الحياة على صورتها لكن غير تامة وهو الإنسان الحيواني والملك والجنّ فإنّ كلا من هؤلاء موجود لنفسه يعلم أنّه موجود وأنّه كذا وكذا، ولكنّ هذا الوجود له غير حقيقي لقيامه بغيره. فربّه موجود للحق لا له، وكانت حياة ربّه حياة «١» غير تامة. ومنهم من ظهرت فيه لا على صورتها وهي باقي الحيوانات، ومنهم من بطنت فيه الحياة فكان موجودا لغيره لا لنفسه كالنباتات والمعادن والمعاني وأمثال ذلك، فسارت الحياة في جميع الأشياء. فما موجود إلّا وهو حي لأنّ وجوده عين حياته، وما الفرق إلّا أن يكون تامّا أو غير تام، بل ما تمّ إلّا من حياته التّامة لأنّه على القدر الذي تستحقه مرتبة، فلو نقص أو زاد لعدمت تلك المرتبة. فما في الوجود إلّا ما هو حي بحياة تامة ولأنّ الحياة عن واحدة ولا سبيل إلى نقص فيها ولا إلى انقسام لاستحالة تجزئ الجوهر الفرد. فالحياة جوهر فرد موجود بكماله في كل شيء، فشيئية الشيء هي حياته وهي حياة الله التي قامت الأشياء بها، وذلك هو تسبيحها من حيث اسمه الحي لأن كل موجود يسبح الحق من حيث كل اسم فتسبيحه من حيث اسمه الحيّ هو عين وجوده بحياته ومن حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه. وقولها لها يا عالم هو كونها أعطاها العلم من نفسها بأن حكم عليها أنّها كذا وكذا وتسبيحها له من حيث اسمه السميع هو إسماعها إيّاه كلامها، وهو ما استحقّ حقائقها بطريق الحال فيما بينها وبين الله بطريق المقال، ومن حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته، وقس على ذلك باقي الأسماء.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ حياتها محدّثة بالنسبة إليها قديمة بالنسبة إلى الله تعالى لأنّها حياته، وحياته صفة له قديمة. ومتى أردت أن تتعقل ذلك فانظر إلى حياتك وقيّدها بك فإنّك لا تجد إلّا روحا يختصّ بك، وذلك هو المحدث. ومتى رفعت النظر في حياتك من الاختصاص بك وذقت من حيث الشهود أنّ كل حي في حياته كما كنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات، علمت أنّها الحياة الحق التي أقام بها العالم وهي الحياة القديمة الإلهية.
واعلم أنّ كلّ شيء من المعاني والهيئات والأشكال والصور والأقوال والأعمال والمعادن والنباتات وغير ذلك مما يطلق عليه اسم الوجود فإنّ له حياة في نفسه لنفسه، حياة تامة كحياة الإنسان. لكن لمّا حجب ذلك عن الأكثرين نزّلناه عن درجة الإنسان وجعلناه موجودا لغيره، وإلّا فكلّ شيء له وجود في نفسه لنفسه وحياة تامة، بها ينطق ويعقل ويسمع ويبصر ويقدر ويريد ويفعل ما يشاء ولا يعرف هذا إلّا بطريق الذوق والكشف، وأيّد ذلك الإخبارات الإلهية من أنّ الأعمال تأتي يوم القيمة صورا تخاطب صاحبها فتقول له عملك ثم يأتيه غيرها وتطرده وتناجيه. ومن هذا القبيل نطق الأعضاء والجوارح، انتهى ما في الإنسان الكامل.
فائدة:
اختلف العلماء في حياته تعالى. فذهب الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أنها صحة العلم والقدرة. وقال الجمهور من الأشاعرة ومن المعتزلة إنّها صفة توجب صحّة العلم والقدرة. وقال صاحب الإنسان الكامل إنّها هي وجوده لنفسه كما عرفت.
стр. 768
الحيّز:
[في الانكليزية] Space ،area ،surface ،locus
[ في الفرنسية] Espace ،etendue ،surface ،lieu
بالفتح وكسر الياء المثناة التحتانيّة المشدّدة وقد جاء بتخفيف الياء وسكونها أيضا كما في المنتخب هو في اللغة الفراغ مطلقا، سواء كان مساويا لما يشغله أو زائدا عليه أو ناقصا عنه.
يقال زيد في حيّز وسيع يسعه جمع كثير أو في حيّز ضيّق لا يسعه هو بل بعض أعضائه خارج الحيّز كذا قيل. وفي أكثر كتب اللغة إنّه المكان. وفي اصطلاح الحكماء والمتكلّمين لا يتصوّر زيادة الشيء على حيّزه ولا زيادة حيّزه عليه. قال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد في بيان الصفات السلبية: الحيّز والمكان واحد عند من جعل المكان السطح أو البعد المجرّد المحقّق، وكذا عند المتكلّمين.
إلّا أنّه بمعنى البعد المتوهم. فما قال الشارح التفتازاني من أنّ الحيز أعمّ من المكان لأنّ الحيّز هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتد أو غير ممتد. «١» فالجوهر الفرد متحيّز وليس بمتمكّن لم نجده إلّا في كلامه. وأمّا عباراتهم فتفصح عن اتحاد معنى الحيّز والمكان انتهى.
ويؤيده ما وقع في شرح المواقف في مباحث الكون وهو أنّ المتكلّمين اتفقوا في أنّه إذا تحرّك جسم تحرّك الجواهر الظاهرة منه.
واختلفوا في الجواهر المتوسّطة. فقيل متحرّك وقيل لا. وكذلك الحال في المستقر في السفينة وهو نزاع لفظي يعود إلى تفسير الحيّز. فإن فسّر بالبعد المفروض كان المستقر في السفينة المتحرّكة متحرّكا، وكذا الجواهر المتوسطة لخروج كلّ منهما حينئذ من حيّز إلى حيّز آخر لأنّ حيز كل منهما بعض من الحيز للكل. وإن فسّر الحيّز بالجواهر المحيطة لم يكن الجوهر الوسطاني مفارقا لحيزه أصلا. وأمّا المستقر المذكور فإنّه يفارق بعضا من الجواهر المحيطة به دون بعض. وإن فسّر الحيّز بما اعتمد عليه ثقل الجوهر كما هو المتعارف عند العامة لم يكن المستقر مفارقا لمكانه أصلا انتهى. فإنّ هذا صريح في أنّ الحيّز والمكان مترادفان لغة واصطلاحا؛ فإنّ المعنى الأخير لغوي للمكان، والأول اصطلاح المتكلّمين على ما صرّح بذلك شارح المواقف في مبحث المكان. وقال شارح الإشارات إنّ المكان عند القائلين بالجزء غير الحيّز لأنّ المكان عندهم قريب من مفهومه اللغوي وهو ما يعتمد عليه المتمكّن كالأرض للسرير. وأمّا الحيّز فهو عندهم الفراغ المتوهّم المشغول بالمتحيّز الذي لو لم يشغله لكان خلاء كداخل الكوز للماء. وأمّا عند الشيخ والجمهور فهما واحد، وهو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. وقيل حاصله أنّ المكان عند المتكلمين قريب من معناه اللغوي، ومعناه اللغوي ما يعتمد عليه المتمكن، فإنّ ضمير هو راجع إلى المفهوم اللغوي بدليل أنّ المكان عندهم بعد موهوم لا أمر موجود كالأرض للسرير، وأنّ الحيّز غير المكان عندهم، فالحيّز هو الفراغ المتوهّم مع غير اعتبار حصول الجسم فيه أو عدمه كما قال الشارح المرزباني «٢» والمكان هو الفراغ المتوهّم مع اعتبار حصول الجسم فيه، والخلاء هو الفراغ المتوهّم الذي من شأنه أن يكون مشغولا بالمتحيّز انتهى. يعني أنّ الخلاء هو الفراغ المتوهّم الذي من شأنه أن يكون مشغولا، والآن خال عن الشاغل على ما
стр. 769
هو رأي المتكلّمين، وإلّا يصير الخلاء مرادفا للحيز. ولذا قيل إنّ الخلاء عندهم أخصّ من الحيّز لأنّ الخلاء هو الفراغ الموهوم مع اعتبار أن لا يحصل فيه جسم والحيّز هو الفراغ الموهوم من غير اعتبار حصول الجسم فيه أو عدم حصوله. والمفهوم من كلام شارح هداية الحكمة ومحشيه العلمي أنّ الحيّز عند القائلين بأنّ المكان هو السطح أعمّ من المكان، فإنّ الحيّز عندهم ما به يمتاز الأجسام في الإشارة الحسّية فهو متناول أيضا للوضع الذي به يمتاز المحدد أعني الفلك الأعظم من غيره في الإشارة الحسّية فهو متحيّز، وليس في المكان لأنّ المكان هو السطح الباطن المذكور. ولا يرد على هذا التفسير الهيولى والصورة النوعية إذ الأجساد وإن كانت تتمايز بهما لكن لا تتمايز بهما في الإشارة الحسّية إذ لا وضع لهما. إن قيل يلزم أن يكون لغير المحدد حيزان إذ لهذه الأجسام وضع ومكان. قلت بالوضع والمكان يحصل التمايز بين الأجسام في الإشارة الحسّية، فالمجموع حيز واحد والمراد بالوضع هاهنا هو المقولة أو جزؤها.
فائدة:
قال الحكماء: كلّ جسم فله حيّز طبعي ولا يمكن أن يكون له حيزان طبعيان. قال العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة: المفهوم من كلام السيّد السّند في حاشية شرح حكمة العين أنّ الحيز الطبعي هو ما يكون لذات الجسم مدخل فيه سواء كان مستندا إلى جزئه أو نفس ذاته أو لازم ذاته، والمفهوم من بعض مؤلفاته أنّ المكان الطبعي هو ما يكون مستندا إلى الصورة النوعية حيث أبطل استناد ذلك المكان إلى الجسمية المشتركة لكون نسبتها إلى الأحياز كلها على السوية وكذا إلى الهيولى لكونها تابعة للجسمية في اقتضاء حيّزها على الإطلاق، وكذا إلى أمر خارج لكون الفرض خلوه عن جميع ما يمكن خلوه عنه من الأمور الخارجة فهو مستند إلى أمر داخل فيه مختصّ به وهو المراد بالطبعية، وهذا المعنى أخصّ من الأول. والمراد بالطبعية على المعنى الأول الحقيقة. ثم المفهوم من كلام صاحب هداية الحكمة هاهنا هو المعنى الأول، ومن كلام شارحه هاهنا المعنى الثاني، ومن كلام شارحه في مبحث الشكل أنّ المراد من كون المكان طبعيا للجسم أنّ المكان من العوارض الذاتية له لا من الأعراض الغريبة، حيث يقول وما يعرض لشيء بواسطة ليست مستندة إلى ذاته ولا لازمة له من حيث هو لا يكون عارضا له لذاته انتهى.
ويفهم من إشارات الشيخ أنّ المكان الطبعي للجسم ما يكون ملائما لذاته. ولا يخفى أنّه يمكن تطبيقه على الأول والثالث بل على الثاني أيضا من تخصيص في الملائمة، لكنه خلاف الظاهر. وبالجملة كلامهم في هذا الباب لا يخلو عن الاضطراب انتهى ما ذكر العلمي.
فائدة:
قال الحكماء: المكان الطبعي للمركّب مكان البسيط الغالب فيه فإنّه. يقهر ما عداه ويجذبه إلى حيّزه، فيكون الكلّ إذا خلّي وطبعه طالبا لذلك الحيّز. وإن تساوت البسائط كلّها فمكانه هو الذي اتّفق وجوده فيه لعدم أولوية الغير وفيه نظر لأنّه إذا أخرج ذلك المركّب عن ذلك المكان لم يعد إليه طبعا بل يسكن أينما أخرج لعدم المرجّح، فلا يكون ذلك المكان طبعيّا له؛ والبسيطان المتساويان حجما ومقدارا قد يختلفان قوة فإنّه إذا أخذ مقداران متساويان من الأرض والنار فربما كان اقتضاء الأرضية للميل السافل أقوى من اقتضاء النارية للميل الصاعد أو بالعكس بل ربما كان الناقص مقدارا أقوى قوة. فالمعتبر هو التساوي في القوة دون الحجم والمقدار.
وقد يفصّل ويقال إنّه إن تركّب من بسيطين
стр. 770
فإن كان أحدهما غالبا قوة وكان هناك ما يحفظ الامتزاج فالمركّب ينجذب بالطبع إلى مكان الغالب وإن تساويا فإمّا أن يكون كلّ منهما متمانعا «١» للآخر في حركته أولا؛ فإن لم يتمانعا افترقا ولم يجتمعا إلّا بقاسر، وإن تمانعا مثل أن تكون النار من تحت الأرض والأرض من فوق فإمّا أن يكون بعد كل منهما عن حيّزه مساويا لبعد الآخر أولا، فعلى الأول يتعاوقان، فيحتبس المركّب في ذلك المكان لا سيما إذا كان في الحدّ المشترك بين حيّزيهما. وعلى الثاني ينجذب المركّب إلى حيّز ما هو أقرب إلى حيّزه لأنّ الحركات الطبعية تشتدّ عند القرب من أحيازها وتفتر عند البعد. وإنّ تركّب من ثلاثة فإن غلب أحدها حصل المركّب لطبعه في حيّز الغالب كما مرّ. وإن تساوت فإن كانت الثلاثة متجاورة كالأرض والماء والهواء حصل المركّب في حيّز العنصر الوسط كالماء. وإن كانت متباينة كالأرض والماء والنار حصل المركّب في الوسط أيضا لتساوى الجذب من الجانبين ولأنّ الأرض والماء يشتركان في الميل إلى أسفل فهما يغلبان النار بهذا الاعتبار. وإن تركّب من أربعة فإن كانت متساوية حصل المركّب في الوسط وإلّا ففي حيّز الغالب. هذا كلّه بالنظر إلى ما يقتضيه التركيب إذا خلا عن مقتض آخر يمنع العناصر عن أفعالها، فإنّه يجوز أن يحصل للمركّب صورة نوعية تعيّن له مكان البسيط المغلوب والله أعلم، كذا في شرح المواقف.
والحيّز عند المنجّمين عبارة عن أنّ كوكبا يوما يكون نهارا فوق الأرض، وكوكبا يكون ذات ليلة ليلا تحت الأرض، قال هذا في الشجرة. «٢»
الحيض:
[في الانكليزية] Menstruation
[ في الفرنسية] Menstruation ،regles
بالفتح وسكون المثناة التحتانية في اللغة خروج الدم. وفي الشرع هو دم ينفضه رحم امرأة بالغة لأداء بها ولم تبلغ الإياس. فقولهم دم أي خروج دم حقيقي أو حكمي فيشتمل الطّهر المتخلّل بين الدمين. وخرج منه خروج ما ليس بدم كأن يكون الخارج أبيض. وقولهم ينفضه أي يخرجه إلى الفرج الخارج، فإنّه لو نزل الدم إلى فرج داخل لا يسمّى حيضا كما في ظاهر الرواية.
وعن محمّد رحمه الله تعالى أنّه حيض وكذا النّفاس وبالأول يفتى. ولا يثبت الاستحاضة إلّا بالنزول إلى الخارج بلا خلاف. وقولهم رحم فخرج دم خارج من الأنف والجراحات والحامل فإنّه ليس من الرحم لانسداد فمه إذا حبلت، وكذا غيره من دم الاستحاضة سواء كان من الكبيرة أو الصغيرة لأنّه دم عرق بالاتفاق. وما قال الحكيم إنّه من الرحم فلم يعتبر الشارع، وكذا مخرج لدم الدّبر. وقيد البالغة يخرج الخنثى الذي خرج الدم من رحمه والمني من ذكره فإنّه في حكم الذكر.
وقيد لأداء بها يخرج النفاس لأنه علّة، ولذا اعتبر تبرّعاتها من الثلاث. وقيد لم يبلغ الإياس يخرج دم الآيسة وهي المرأة التي بلغت خمسين سنة على المختار في زماننا، وقيل خمسا وخمسين سنة.
فلو رأت تلك المرأة دما لا يكون حيضا على المختار، كذا في جامع الرموز وفتح القدير. هذا التعريف بناء على أنّ مسمّى الحيض خبث. أمّا إن كان مسمّاه الحدث الكائن عن الدم المحرّم للتلاوة والمسّ ونحو ذلك فتعريفه مانعة شرعية بسبب الدم المذكور عمّا اشترط فيه الطهارة وعن الصوم والمسجد والقربان.
стр. 771
الحين:
[في الانكليزية] Time ،moment ،duration
[ في الفرنسية] Temps ،moment ،dllree
بالكسر وسكون المثناة التحتانية الدّهر والمدة أو وقت مبهم سنة أو أكثر، أو معيّن شهران أو ستة أشهر أو سنتان أو سبع سنين أو أربعون سنة كما في القاموس. وفي العرف يطلق هو كلفظ الزمان على ستة أشهر سواء استعمل منكرا أو معرفا كذا في جامع الرموز في كتاب الإيمان. وفي البرجندي هو والزمان في أصل اللغة يقعان على القليل والكثير، لكن العرف خصصهما بستة أشهر. والحين عند النحاة هو المفعول فيه. وفي شرح الوقاية في كتاب الإيمان المصدر قد يقع حينا نحو آتيك خفوق النجم أي وقت خفوقه انتهى.
الحينيّة الممكنة عند المنطقيين قضية موجّهة بسيطة غير معتبرة عندهم كالحينية المطلقة وهي التي حكم فيها بسلب الضرورة بحسب الوصف من الجانب المخالف للحكم كقولنا:
كلّ من به ذات الجنب ممكن أن يسعل في بعض أوقات كونه مجنوبا، وهي نقيض المشروطة العامة. كما أنّ الحينية المطلقة نقيض العرفية العامة وهي التي حكم فيها بالثبوت أو السلب بالفعل في بعض أوقات وصف الموضوع كقولنا: كلّ من به ذات الجنب يسعل بالفعل في بعض أوقات كونه مجنوبا، هكذا ذكر في كتب المنطق في بيان التناقض بين الموجّهات.
الحيوان:
[في الانكليزية] Animal
[ في الفرنسية] Animal
بثلاث فتحات متواليات في الأصل مصدر حيي، والقياس حييان، قلبت الياء الثانية واوا ثم سمّي ما فيه حياة حيوانا كذا في الكشاف.
وعرّف بأنّه جسم نام حساس متحرّك بالإرادة.
فالجسم جنس. والنامي فصل يخرج الأجسام الغير النامية كالحجر ونحوه من المعادن.
والحسّاس فصل يخرج الجسم النامي الذي لا حسّ له كالشجرة ونحوه من النباتات. والمتحرّك بالإرادة مساو للحساس فلا بدّ أن يكون أحدهما ذاتيّا والآخر عرضيا لامتناع التركّب من أمور متساوية. ولما لم يعلم أنّ أيّهما ذاتي ذكرا معا. هكذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في مقصد تقسيم أجزاء الماهية.
وعرّف أيضا بأنّه مركّب تام متحقّق الحسّ والإرادة. وقيّد التحقق دفعا لما قيل من أنّ للنخلة إحساسا كما يجيء في لفظ النبات.
وعرّف أيضا بأنّه ما يختصّ بالنفس الحيوانيّة وما سوى الإنسان من الحيوانات يسمّى بالحيوان الأعجم. وفي بعض الحواشي المعلقة على شرح الملخّص من أنّ الحيوان ماله تنفس نسيمي، ومنه ماله بدل التنفس النسيمي تنشّق مائي، فهو يقبل الماء ثم يردّه، ولا يعيش بدون ذلك كالحيتان. ومنه ما لا تنفّس له ولا استنشاق من الحلازين.
стр. 772
حرف الخاء (خ)
خاتم:
[في الانكليزية] Man arrived to the perfection
[ في الفرنسية] Homme pervenu a la perfection
في اصطلاح الصّوفية عبارة عن شخص اجتاز المقامات ووصل لنهاية الكمال، كذا في لطائف اللغات «١».
خادم العلوم:
[في الانكليزية] Servant of Sciences (logic)
-
[ في الفرنسية] Servante des sciences (la logique)
هو المنطق وقد سبق في المقدمة.
الخارج:
[في الانكليزية] Exterior ،outside ،quotient
[ في الفرنسية] Exterieur ،dehors ،quotient
هو يطلق على معان. منها مقابل ذي اليد. وذو اليد هو المتصرّف في الشيء بحيث ينتفع به من عينه. فالخارج هو الخارج عن التصرّف، وغير ذي اليد هكذا يستفاد من جامع الرموز في كتاب الدعوى، وبهذا المعنى يستعمل في عرف الفقهاء كثيرا. ومنها ما يخرج عن قسمة عدد على عدد وهو مصطلح المحاسبين ويجيء في لفظ القسمة. ومنها ما ليس بجزء الماهية ولا نفسها ويسمّى عرضيا أيضا، ويقابله الذاتي. ويعرف الذاتي بما ليس بخارج عن الشيء حتى يشتمل ما هو جزء الشيء وما هو عين الشيء، فيدخل الجنس والفصل والنوع، بخلاف ما قيل إنّه ما دخل في الشيء، فإنّه لا يشتمل النوع. ومنها مقابل الذهن كما يجيء.
ومنها الخارج عن التعقّل ويسمّى بالواقع. وهذا هو المراد بالخارج الذي يدور عليه الصدق والكذب، إذ لو أريد به الخارج المقابل للذهن لم يشتمل الصادق والكاذب الذهنيين، صرّح بهذا صاحب الأطول في مبحث صدق الخبر.
ومنها الحسّ كما يجيء في لفظ الماهية. ومنها ما هو مصطلح أهل الرّمل ويجيء في لفظ الشكل. ومنها ما هو مصطلح أهل الهيئة ويسمّى بالخارج المركز وهو فلك جزئي شامل للأرض، مركزه خارج عن مركز العالم، محدّب سطحيه يماسّ بمحدّب سطحي الفلك الآخر الذي هو داخل في تحته على نقطة مشتركة بينهما مسمّاة بالأوج، ومقعّر سطحيه يماسّ بمقعّر سطحي ذلك الفلك الآخر على نقطة مقابلة للنقطة الأولى مسمّاة بالحضيض. فالفلك جنس يشتمل جميع الأفلاك. والجزئي فصل يخرج فلك الكلّي والشامل للأرض يخرج فلك التدوير. وقولنا مركزه خارج عن مركز العالم احتراز عن الموافق المركّز مثل المائل والجوزهر، والقيد الأخير ليس للاحتراز، إذ لا يوجد فلك خارج المركز لا يماسّ محدّب سطحيه بمقعّر سطحي الفلك الذي هو في تحته ولا يماسّ مقعّر سطحيه بمقعّر سطحيه، بل لدفع توهّم من يتوهّم ذلك الوهم ولتحقيق شكله وهيئته. ثم الأفلاك الخارجة المراكز التي لغير الشمس وغير الخارج الأول لعطارد وهي الأفلاك التي فيها مراكز التداوير تسمّى بالحوامل
стр. 773
أيضا لحملها مراكز التداوير «١». وأمّا الخارج الأول لعطارد فيسمّى بالمدير، هذا هو المطابق بشرحي الملخّص للقاضي وللسيّد السّند. وقيل الفلك الذي يكون التدوير فيه يسمّى في الاصطلاح حامل التدوير لا خارج المركز «٢».
قال عبد العلي البرجندي الظاهر أنّ منطقة الخارج المركّز قد سمّاها القدماء أولا بالحامل لحملها مراكز التداوير، ثم المتأخرون سمّوا خارج المركز بالحامل لأنّ عليه دائرة مسمّاة بالحامل انتهى.
اعلم أنّهم قسموا الأفلاك الخارجة المراكز والتداوير كل واحد منها أربعة أقسام مختلفة في العظم والصغر، وسمّوا كل قسم نطاقا قد سبق في لفظ التدوير.
الخارجي:
[في الانكليزية] Extraneous ،Kharijite
[ في الفرنسية] Externe ،Kharejite
بياء النسبة يطلق على معان. منها من كان معتقدا لمذهب الخوارج وتسمّى بالخارجية، وهم فرقة من كبار الفرق الإسلامية وهم سبع:
المحكّمية والبيهشية والأزارقية والنّجدات والصفرية والإباضية والعجاردة، وتفسير كلّ في موضعه. ومنها مقابل الذهني ويجيء في لفظ الوجود. ومنها القضية التي يكون الحكم فيها على الأفراد الخارجية فقط، وربما يزاد التاء وقد سبق في لفظ الحقيقي.
الخارق:
[في الانكليزية] Marvellous ،supernatural ،Fantastic
[ في الفرنسية] Merveilleux ،prodigieux ،miraculeux
في عرف العلماء هو الأمر الذي يخرق بسبب ظهوره العادة، وهو على الصحيح ينقسم باعتبار ظهوره إلى ستة أقسام. لأنّ الخارق إمّا ظهر عن «٣» المسلم أو الكافر، والأول إمّا أن لا يكون مقرونا بكمال العرفان وهو المعونة أو يكون، وحينئذ إمّا مقرون بدعوى النبوّة وهو المعجزة أولا، وحينئذ لا يخلو إمّا أن يكون ظاهرا من النبي قبل دعواه وهو الإرهاص أولا، وهو الكرامة. والثاني أعني الظاهر على يد الكافر إمّا أن يكون موافقا لدعواه وهو الاستدراج أولا، وهو الإهانة. ومنهم من ربّع القسم وأدخل الإرهاص في الكرامة، فإنّ مرتبة الأنبياء لا تكون أدنى من مرتبة الأولياء، وأدخل الاستدراج في الإهانة فإنّ معنى الاستدراج هو أن يقرّبه الشيطان إلى فساد على التدريج حتى يفعله سواء وافق ذلك غرض مرتكبه أو لم يوافق، وعاقبة ذلك حسرة وندامة، فقد آل الأمر إلى الإهانة.
والسّحر ليس من الخوارق لأنّ معنى ظهور الخارق هو أن يظهر أمر لم يعهد ظهور مثله عن مثله، وهاهنا ليس كذلك لأنّ كلّ من باشر الأسباب المختصّة به ترتّب ذلك بطريق جري العادة. ألا ترى أنّ شفاء المرضى بالدّعاء خارق وبالأدوية الطبية غير خارق، وكذلك الطّلسم والشّعبدة، وهذا هو الحق. وقيل الحق أنّ السّحر قد يكون من الخوارق فإنّه ربّما يحتاج إلى شرائط ليست مقدورة للبشر كالوقت والمكان ونحوهما. وفيه أنّه لا يشترط في عدم كون الفعل من الخوارق أن يكون جميع شرائطه مقدورة بل يكفيه أن يكون بعد مباشرة الأسباب سواء كانت مقدورة أولا. ولأنّه يلزم كون حركة البطش أيضا من الخوارق لتوقّفه على سلامة الأعصاب والعضلات وصحّة البدن التي ليست مقدورة للبشر، هكذا يستفاد من شرح العقائد النسفية في بيان كرامات الأولياء. وقيل إطلاق
стр. 774
الخارق على السّحر على سبيل المجاز.
وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير في سورة الكهف: إذا ظهر فعل خارق للعادة على يد إنسان فذلك إمّا أن يكون مقرونا بالدعوى أولا. أمّا القسم الأول فتلك الدعوى إمّا أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوّة أو دعوى الولاية أو دعوى السّحر وطاعة الشياطين، فهذه أربعة. الأول ادّعاء الإلهية ويسمّى هذا الخارق الذي يظهر من المتألّه بالابتلاء كما في الشمائل المحمدية. وجوّز أصحابنا ظهور الخارق على يده من غير معارضة، كما نقل عن فرعون من ظهور الخوارق على يده، وكما نقل ذلك عن الدّجّال. وإنما جاء ذلك لأنّ شكله وخلقته تدلّ على كذبه، وظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس. والثاني ادّعاء النبوّة، وهذا على ضربين لأنه إمّا أن يكون المدّعي صادقا أو كاذبا. فإن كان صادقا وجب ظهور الخوارق على يده، وهذا متفق عليه بين كل من أقرّ بصحة نبوة الأنبياء وإن كان كاذبا لم يجز ظهور الخوارق على يده. وبتقدير أن يظهر وجب حصول المعارضة. وأما الثالث وهو ادعاء الولاية فالقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا في انه هل يجوز ادّعاء الكرامة، ثم إنّها تحصل على وفق دعواه أم لا. وأما الرابع وهو ادّعاء السحر وطاعة الشياطين فعند أصحابنا يجوز ظهور الخوارق على يده، وعند المعتزلة لا يجوز.
أمّا القسم الثاني وهو أن تظهر الخوارق على يد إنسان من غير شيء من الدعاوي فذلك الإنسان إمّا أن يكون صالحا مرضيا عند الله أو يكون خبيثا مذنبا. فالأول هو القول بكرامات الأولياء. وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرتها المعتزلة إلّا أبا الحسين «١» البصري وصاحبه محمود الخوارزمي. وأمّا الثاني وهو أن تظهر الخوارق على يد بعض من كان مردودا عن طاعة الله تعالى فيجوز أيضا، وهذا هو المسمّى بالاستدراج. ثم قال اعلم أنّ من أراد شيئا فأعطاه الله تعالى مراده لم يدل ذلك على كونه وجيها عنده تعالى، سواء كانت تلك العطية على وفق العادة أو على خلافها، بل قد يكون ذلك إكراما للعبد وقد يكون استدراجا. ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كلّ ما أراد «٢» في الدنيا ليزداد غيّه وضلاله وجهله وعناده، فيزداد كلّ يوم بعدا من الله، وذلك لما تقرّر في العلوم العقلية أنّ تكرّر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة، فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه الله مراده «٣» فحينئذ يصل إلى المطلب ويزيد حصول اللذة والميل، وزيادته توجب زيادة السعي، ولا يزال تتقوى كل من هاتين الحالتين درجة فدرجة إلى أن تتكامل وتحصل غاية البعد. فصاحب الاستدراج يستأنس بذلك ويظن أنّه إنّما وجد تلك الكرامة لأنّه كان مستحقّا لها فحينئذ يستحقر غيره وينكر عليه ويحصل له أمر من مكر الله وغفلة، فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دلّ ذلك على أنها استدراج، فإنّ صاحب الكرامة لا يستأنس بها بل يصير خوفه من الله أشدّ وحذره من قهره أقوى، وإن كان بحسب الواقع كرامة له. ولذا قال المحقّقون أكثر الانقطاع من حضرة الله تعالى إنّما وقع في مقام الكرامات، فلا جرم ترى المحقّقين يخافون من الكرامات كما يخافون من أشدّ البلايا، وهذا هو الفرق بين الكرامة والاستدراج.
اعلم أنّ للاستدراج أسماء كثيرة في
стр. 775
القرآن، أحدها الاستدراج. قال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «١». وثانيها المكر وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ «٢». وثالثها الكيد إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ «٣». ورابعها الخدع يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ «٤». وخامسها الإملاء إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «٥». وسادسها الإهلاك حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً «٦» انتهى.
الخاص:
[في الانكليزية] Particular
[ في الفرنسية] Particulier
هو عند الأصوليين ما تعرفه بعد هذا.
وعند المنطقيين يطلق بالاشتراك اللفظي على معان. منها ما سيعرف بعد هذا ومنها الخاصة في ميزان المنطق كلّ واحد من العرض اللازم والمفارق إن اختصّ بأفراد حقيقة واحدة فهو خاص. وفي شرحه بديع الميزان الماشي بالنسبة إلى الإنسان خاص إضافي للإنسان انتهى. إلّا أنّ إطلاق لفظ الخاصة هاهنا أشهر، يقال الضاحك خاصّة الإنسان والماشي خاصة له ونحو ذلك. فعلى هذا التاء في لفظ الخاصة ليست للتأنيث بل للنقل من الوصفية إلى الاسمية كما في لفظ الحقيقة. ثم لفظ الخاصة عند المنطقيين يطلق بالاشتراك اللفظي كما وقع في الشفاء على المعنيين. الأول ما يختصّ بالشيء بالقياس إلى كلّ ما يغايره كالضاحك بالقياس إلى الإنسان، ويسمّى خاصّة مطلقة، وهي التي عدّت من الكلّيات الخمس ويقابلها العرض العام، ورسمت بأنّها المقولة على ما تحت طبيعة واحدة فقط قولا عرضيا. والمراد بالطبيعة الحقيقة، وفي اختيارها على لفظ الماهية حيث لم يقل على ما تحت ماهية واحدة، إشارة إلى أنّ الخاصة وكذا العرض العام المقابل له لا تكون للماهية المعدومة، إذ المعدوم مسلوب في نفسه فكيف يتّصف بشيء. والمراد بالحقيقة أعمّ من النوعية والجنسية فتشتمل خواص الأجناس أيضا.
ولا بد من اعتبار قيد الحيثية لأنّ خواص الأجناس أعراض الماهية بالقياس إلى أنواعها.
وما في قولنا ما تحت طبيعة يراد به جنس الأفراد فيشتمل المختصّ بفرد واحد سواء كان له حقيقة كخواص الأشخاص التي لها ماهية كلية أولا، كخواصه تعالى وخواص التشخصات. ولما كان غرض المنطقي لم يتعلّق بمثل هذه الخواص لأنّه لا يبحث عن أحوال الجزئيات أخرجها البعض من تعريف الخاصة، فقال هي المقولة على أفراد طبيعة واحدة فقط قولا عرضيا. وأراد بالأفراد ما فوق الواحد لا جميع الأفراد، فيدخل في التعريف الخاصّة الشاملة وغير الشاملة. وقيد فقط لإخراج العرض العام، والقيد الأخير لإخراج النوع والفصل القريب. وبكلّ واحد من القيدين خرج الجنس والفصل البعيد.
وقال الشيخ في الشفاء الخاصّة المعتبرة أي التي هي إحدى الكليّات الخمس هي المقولة على أشخاص نوع واحد في جواب أي شيء هو لا بالذات سواء كان نوعا أخيرا أولا. ولا يبعد أن يعني أحد بالخاصّة كل عارض لأيّ كلّي كان ولو جنسا أعلى، ويكون ذلك حسنا جدا، لكن التعارف جرى في إيراد الخاصة على أنّها خاصة للنوع وللفصل. والثاني ما يخصّ الشيء بالقياس إلى بعض ما يغايره ويسمّى