← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 25787

التبصرة في أصول الفقه

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (521 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مَسْأَلَة ٣ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ يدل على الْمَنْع من الضَّرْب من نَاحيَة الْمَعْنى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ يدل على مَا زَاد عَلَيْهِ من نَاحيَة الْمَعْنى وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يدل على ذَلِك من نَاحيَة اللُّغَة وَهُوَ قَول عَامَّة المتكملين وَبَعض أهل الظَّاهِر لنا هُوَ أَن التأفيف فِي اللُّغَة غير مَوْضُوع للضرب والذرة غير مَوْضُوعَة لما زَاد عَلَيْهَا فَوَجَبَ أَن يكون الْمَنْع مِمَّا زَاد مفهوما من طَرِيق الْمَعْنى وَاحْتَجُّوا بِأَن أهل اللِّسَان يفهمون من هَذَا الْكَلَام الْمَنْع مِمَّا زَاد عَلَيْهِ وَلِهَذَا

стр. 212

إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إياك أَن تَقول لفُلَان عقل مِنْهُ الْمَنْع عَمَّا زَاد عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَنهم يفهمون ذَلِك من اللَّفْظ وَكَيف يفهم ذَلِك من اللَّفْظ وَاللَّفْظ غير مَوْضُوع لَهُ وَإِنَّمَا يفهم ذَلِك من طَرِيق الْمَعْنى لَكِن الْمَعْنى إِذا كَانَ جليا اشْترك الْخَاص وَالْعَام فِي إِدْرَاكه وَحكى أَن ابْن دَاوُد قَالَ لأبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أَن ذرتين فَصَاعِدا ذرة وذرة فَكل ذرة مِنْهُمَا دَاخِلَة تَحت الِاسْم فَيكون اللَّفْظ دَالا على مَا زَاد فألزمه أَبُو الْعَبَّاس نصف ذرة وَقَالَ لَا يُسمى نصف ذرة ذرة على أَن الْمَعْنى دلّ عَلَيْهِ

стр. 213

مَسْأَلَة ٤ الِاسْتِدْلَال بالقران لَا يجوز وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز وَهُوَ قَول المزنى لنا هُوَ أَن كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ المقترنين يَقْتَضِي غير مَا يَقْتَضِيهِ الآخر فَلَا يحمل أَحدهمَا على مَا يحمل عَلَيْهِ الآخر من جِهَة اللَّفْظ كَمَا لَو وردا غير مقترنين وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه إِذا جمعت بَين شَيْئَيْنِ عِلّة فِي حكم لم يجب أَن يستويا فِي جَمِيع الْأَحْكَام فَكَذَلِك إِذا جَمعهمَا لفظ صَاحب الشَّرْع لم يجب أَن يستويا فِي جَمِيع الْأَحْكَام وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ لَا يفرق بَين مُجْتَمعين وَلم يفرق وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا وَارِد فِي بَاب الزَّكَاة وَأَن النّصاب الْمُجْتَمع فِي ملك رجلَيْنِ لَا يفرق بَينهمَا وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن أبي الصّديق ﵁ أَنه قَالَ فِي قتال

стр. 214

مانعي الزَّكَاة لَا أفرق بَين مَا جمع الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَبِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي الْعمرَة إِنَّهَا لقَرِينَة الْحَج فِي كتاب الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَالْجَوَاب هُوَ أَن أَبَا أَنا بكر ﵁ أَرَادَ لَا أفرق بَين مَا جمع الله فِي الْإِيجَاب بِالْأَمر وَكَذَلِكَ ابْن عَبَّاس إِنَّهَا لقَرِينَة الْحَج فِي الْأَمر وَالْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب فَكَانَ الِاحْتِجَاج فِي الْحَقِيقَة بِظَاهِر الْأَمر لَا بالاقتران

стр. 215

مَسْأَلَة ٥ الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي قَول بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ مَذْهَب ثَعْلَب وَأبي عمر الزَّاهِد غُلَام ثَعْلَب

стр. 216

وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يَقُول من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ لَهُ ﵇ بئس الْخَطِيب أَنْت قل وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَلَو كَانَت الْوَاو تفِيد الْجمع دون التَّرْتِيب لَكَانَ قد نَهَاهُ عَن شَيْء وَأمره بِمثلِهِ وَذَلِكَ لَا يجوز وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَن عبد بني الحسحاس أنْشد عمر ﵁ قَوْله عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا ... كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا

стр. 217

فَقَالَ عمر ﵁ لَو قدمت الْإِسْلَام على الشيب لأجزتك فَدلَّ على أَن الْوَاو اقْتَضَت التَّرْتِيب وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس ﵁ كَيفَ تقدم الْعمرَة على الْحَج وَقد قدم الله الْحَج على الْعمرَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس كَمَا تقدم الدَّين على الْوَصِيَّة فَدلَّ على أَنهم فَهموا من التَّقْدِيم فِي اللَّفْظ التَّقْدِيم فِي الحكم وَأَيْضًا هُوَ أَن رجلا لَو كتب كتابا فِي معنى رجلَيْنِ وَقَالَ أنفذت إِلَيْك فلَانا وَفُلَانًا سبق إِلَى فهم كل أحد من أهل اللُّغَة أَن الْمُقدم فِي الذّكر هُوَ الْمُقدم فِي الرُّتْبَة فَدلَّ على أَن الْوَاو اقْتَضَت التَّرْتِيب وَلِأَن الْمَعْنى نتيجة اللَّفْظ وَاللَّفْظ فِي أَحدهمَا سَابق فَكَانَ الْمَعْنى سَابِقًا وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ لامْرَأَته الَّتِي لم يدْخل بهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَقعت الأولى دون الثَّانِيَة فَلَو كَانَت الْوَاو للْجمع دون التَّرْتِيب لوقعت الطلقتان كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق تَطْلِيقَتَيْنِ وَلما وَقعت الأولى دون الثَّانِيَة دلّ على أَن الأولى سبقت فِي الْوُقُوع ثمَّ جَاءَت الثَّانِيَة فصادفتها وَهِي بَائِن فَلم تقع

стр. 218

وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يَقُول مَا شَاءَ الله وشئت فَقَالَ أمثلان أَنْتُمَا قل مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت وَلَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لما نَقله عَن الْوَاو إِلَى ثمَّ لِأَنَّهُمَا فِي التَّرْتِيب سَوَاء وَالْجَوَاب هُوَ إِنَّمَا نَقله عَن الْوَاو إِلَى ثمَّ لِأَن الْوَاو وَإِن اقْتَضَت التَّرْتِيب فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي المهلة وَثمّ تَقْتَضِي المهلة فنقله عَمَّا لَا يَقْتَضِي المهلة إِلَى مَا يَقْتَضِي المهلة فِي الاسمين المتفقين قَالُوا وَلِأَن الْوَاو تدخل فِي الاسمين الْمُخْتَلِفين بَدَلا من التَّثْنِيَة فِي الاسمين المتفقين فَإِذا كَانَ لفظ فِي الاسمين المتفقين لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب وَجب أَن تكون الْوَاو فِي الاسمين الْمُخْتَلِفين لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَالْجَوَاب أَن هَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا ثمَّ هُوَ بَاطِل بتكرير الطَّلَاق على من لم يدْخل بهَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لجَاز أَن تجْعَل فِي جَوَاب الشَّرْط كالفاء وَلما لم يجز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط دلّ على أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب قُلْنَا يبطل بثم فَإِنَّهَا لَا تسْتَعْمل فِي جَوَاب الشَّرْط ثمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيب فَإِن قيل إِنَّمَا لم يَجْعَل ثمَّ جَوَابا للشّرط لِأَنَّهَا تَقْتَضِي المهلة وَمن حكم

стр. 219

الْجَواب أَن لَا يتَأَخَّر عَن الشَّرْط وَالْوَاو لَا تَقْتَضِي ذَلِك وَلَو اقْتَضَت التَّرْتِيب لجَاز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط قيل إِن كَانَت ثمَّ تَقْتَضِي المهلة فَلم تجْعَل جَوَابا للشّرط حَتَّى لَا يتَأَخَّر الْجَزَاء عَن الشَّرْط فَكَذَلِك الْوَاو وَلم تجْعَل جَوَابا للشّرط لِأَنَّهَا تحْتَمل التَّرَاخِي وَمن حكم الْجَزَاء أَن لَا يتَأَخَّر عَن الشَّرْط فَلم يجز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط لذَلِك قَالُوا ولأنا رَأينَا الْوَاو تسْتَعْمل فِي مَوَاضِع تحْتَمل التَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة﴾ ﴿وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ فَلَو رتبت الْوَاو لم يجز أَن يقدم فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ مَا أَخّرهُ فِي الْموضع الآخر وكقول الشَّاعِر ومنهل فِيهِ الْغُرَاب ميت ... كَأَنَّهُ من الأجون زَيْت ... سقيت مِنْهُ الْقَوْم واستقيت وَمَعْلُوم أَنه استقى أَولا ثمَّ سقى فَدلَّ على أَنه لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب قُلْنَا لَيْسَ إِذا اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا تحْتَمل التَّرْتِيب دلّ على أَنَّهَا غير مَوْضُوعَة للتَّرْتِيب أَلا ترى أَن ثمَّ اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا تحْتَمل التَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فإلينا مرجعهم ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ وَالْمرَاد بِهِ وَالله شَهِيد وَقَول الشَّاعِر

стр. 220

كهز الرديني تَحت العجاج ... جرى فِي الأنابيب ثمَّ اضْطربَ وَمَعْلُوم أَن الاهتزاز وَالِاضْطِرَاب لَا يفترقان وَلَا يدل على أَن ثمَّ غير مَوْضُوعَة للتَّرْتِيب والتفريق وعَلى أَن الْبَيْت الَّذِي ذكره لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك إِخْبَارًا عَن أَفعَال مُتَفَرِّقَة لَا يتَعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْض فَتكون على التَّرْتِيب قَالُوا لَو كَانَت الْوَاو ترَتّب لما حسن اسْتِعْمَال لفظ الْمُقَارنَة فِيهِ بِأَن تَقول جَاءَ زيد وَعَمْرو مَعًا كَمَا لَا يجوز جَاءَ زيد ثمَّ عمر مَعًا قُلْنَا يجوز أَن يكون اللَّفْظ يَقْتَضِي معنى ثمَّ يتَغَيَّر ذَلِك بِمَا يدْخل عَلَيْهِ من الْحُرُوف والألفاظ أَلا ترى أَن قَوْله زيد فِي الدَّار يَقْتَضِي الْإِخْبَار ثمَّ تدخل عَلَيْهِ الْألف فَنَقُول أَزِيد فِي الدَّار فَيصير استفهاما فَكَذَلِك هَاهُنَا

стр. 221

مَسْأَلَة ٦ الْبَاء إِذا دخلت على فعل يتَعَدَّى من غير بَاء اقْتَضَت التَّبْعِيض فِي قَول بعض أَصْحَابنَا وَذَلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا تَقْتَضِي التَّبْعِيض لنا أَن أهل اللِّسَان فرقوا بَين قَوْلهم أخذت قَمِيص فلَان وَبَين قَوْلهم أخذت بقميص فلَان فيحملون الأول على أَخذ جَمِيعه وَالثَّانِي على التَّعَلُّق بِبَعْضِه وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه إِذا قَالَ مسحت يَدي بالمنديل ومسحت يَدي بِالْحَائِطِ عقل من ذَلِك كُله التَّبْعِيض فَدلَّ على أَن ذَلِك مُقْتَضَاهُ

стр. 222

وَاحْتَجُّوا بِأَن الْبَاء مَوْضُوعَة لإلصاق الْفِعْل بالمفعول يدلك عَلَيْهِ أَنَّك تَقول مَرَرْت بزيد وكتبت بالقلم وطفت بِالْبَيْتِ فتفيد الْبَاء إِلْحَاق الْفِعْل بالمفعول وَالْجَوَاب عَن ذَلِك كُله هُوَ أَن فِي الْمُرُور وَالْكِتَابَة إِنَّمَا حملا على الإلصاق لِأَن الْفِعْل لَا يتَعَدَّى بِغَيْر الْبَاء أَلا ترى أَنه لَو قَالَ مَرَرْت زيدا وكتبت الْقَلَم لم يكن ذَلِك كلَاما صَحِيحا فَكَانَ دُخُولهَا للإلصاق وَهَاهُنَا الْفِعْل يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول وَيلْحق بِهِ من غير الْبَاء فَكَانَ دُخُولهَا للتَّبْعِيض وَأما قَوْلهم طفت بِالْبَيْتِ فَإنَّا لَا نحمله على التَّبْعِيض لِأَن الطّواف عبارَة عَن الجولان حول جَمِيع الْبَيْت أَلا ترى أَنه إِذا فَاتَتْهُ طَائِفَة من الْبَيْت لم يسم طَائِفًا فروعي مُقْتَضى اللَّفْظ فَجعلت الْبَاء مزيدة فِي الْكَلَام وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْله مسحت بِالرَّأْسِ لِأَن الْفِعْل يسْتَعْمل فِي الْبَعْض وَالْكل فَإِذا دخلت الْبَاء وَجب أَن يحمل على الْبَعْض كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله أخذت بِقَمِيصِهِ

стр. 223

مَسْأَلَة ٧ إِنَّمَا تدخل فِي الْكَلَام لإِثْبَات الحكم فِي الْمَذْكُور وَحده ونفيه عَمَّا عداهُ وَبِه قَالَ القَاضِي أَبُو حَامِد مَعَ نَفْيه لدَلِيل الْخطاب وَقَالَ كثير من الْمُتَكَلِّمين لَا يَقْتَضِي نفي الحكم عَمَّا عداهُ لنا هُوَ أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يسْتَعْمل فِي عرف أهل اللِّسَان إِلَّا فِيمَا ذَكرْنَاهُ يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَن رجلا لَو قَالَ لغيره هَل فِي الدَّار غير زيد فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا فِي الدَّار زيد كَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة قَوْله لَيْسَ فِي الدَّار غير زيد وَلَو لم يقتض إِثْبَات الحكم فِي الْمَذْكُور وَالنَّفْي عَمَّا عداهُ لما صَار بذلك مجيبا ويدلك عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد﴾ وَالْمرَاد بِهِ لَا إِلَه إِلَّا وَاحِد وَقَول الشَّاعِر أَنا الرجل الحامي الذمار وَإِنَّمَا ... يدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي وَالْمرَاد بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ وَاحْتَجُّوا بِأَن هَذِه الْكَلِمَة تدخل فِي الْكَلَام لتأكيد الْمَذْكُور أما فِي نفي أَو إِثْبَات وَقد بَينا أَن النَّفْي لَا يدل على الْإِثْبَات وَالْإِثْبَات لَا يدل على النَّفْي وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَنه يدْخل لإِثْبَات الحكم الْمَذْكُور بعده وَنفي مَا عداهُ فَسقط مَا قَالُوهُ

стр. 224

مسَائِل الْأَفْعَال مَسْأَلَة ١ مَا فعله النَّبِي ﷺ وَعلم أَنه فعله على وَجه الْوُجُوب أَو الِاسْتِحْبَاب أَو الْإِبَاحَة شاركته الْأمة فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا أَمر بِهِ شاركته الْأمة فِيهِ مَا لم يدل الدَّلِيل على تَخْصِيصه وَقَالَت الأشعرية لَا تشاركه فِيهِ الْأمة إِلَّا بِدَلِيل

стр. 225

لنا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا﴾ فَأخْبر أَنه زوجه بِامْرَأَة زيد ليدل على أَنه يجوز لكل أحد أَن يتَزَوَّج امْرَأَة من تبناه وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَن رجلا سَأَلَ أم سَلمَة ﵂ عَمَّن قبل امْرَأَته وَهُوَ صَائِم فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ أَلا أخْبرته أَنِّي أفعل ذَلِك فَدلَّ على أَن مَا كَانَ مُبَاحا لَهُ فَهُوَ مُبَاح لأمته وَأَيْضًا هُوَ أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانَت ترجع فِي الِاسْتِدْلَال على الْأَشْيَاء إِلَى أَفعَال رَسُول الله ﷺ فَدلَّ على مَا ذَكرْنَاهُ وَاحْتَجُّوا بِأَن مَا فعله أَو أَمر بِهِ يجوز أَن يكون مصلحَة لَهُ خَاصَّة لَا مصلحَة لغيره فِيهِ فجيب أَن لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره إِلَّا بِدَلِيل وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يجوز ذَلِك لِأَن الشَّرْع ورد باتباعه فِيهِ والاقتداء بِهِ فَوَجَبَ أَن يتبع قَالُوا مَا وجد فِيهِ من الْفِعْل لَا يتعداه وَمَا أَمر بِهِ لَا يتَنَاوَل غَيره فَوَجَبَ أَن لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره إِلَّا بِدَلِيل وَالْجَوَاب هُوَ أَنا قد دللنا على وجوب اتِّبَاعه والتسوية بَينه وَبَين غَيره فِي الْأَحْكَام فَبَطل مَا قَالُوهُ

стр. 226

مَسْأَلَة ٢ مَا فعله رَسُول الله ﷺ وَلم يعلم على وَجه فعله وَجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يقوم الدَّلِيل عَلَيْهِ فِي قَول أَكثر أَصْحَابنَا وَحكى ذَلِك عَن أبي بكر الدقاق وَهُوَ قَول أَكثر الْمُتَكَلِّمين وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يَقْتَضِي النّدب حكى ذَلِك عَن أبي بكر الصَّيْرَفِي والقفال وَالْقَاضِي أبي حَامِد وَقَالَ بَعضهم يحمل ذَلِك على الْوُجُوب حُكيَ ذَلِك عَن أبي

стр. 227

الْعَبَّاس وَأبي سعيد وَابْن خيران وَهُوَ مَذْهَب مَالك لنا أَن فعله يحْتَمل الْوُجُوب والاستحباب وَالْإِبَاحَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن صُورَة الْفِعْل فِي الْجَمِيع وَاحِدَة وَإِذا احْتمل هَذِه الْوُجُوه لم يكن حمله على بَعْضهَا بِأولى من الْحمل على الْبَاقِي فَوَجَبَ التَّوَقُّف وَلِأَن الْقطع فِيهِ بِالْوُجُوب أَو النّدب لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من غير اعْتِبَار الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فَيجب أَن يقطع بذلك وَإِن علم أَنه فعله على غير ذَلِك الْوَجْه وَهَذَا لَا يَقُوله أحد وَإِمَّا أَن يكون الْقطع مَعَ اعْتِبَار الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فَيجب أَن لَا يقطع مَا لم يعلم الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل وَاحْتج من قَالَ بالندب بقوله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَحسن التأسي يَقْتَضِي النّدب والاستحباب

стр. 228

قُلْنَا هَذَا دَلِيل لنا لِأَن التأسي هُوَ أَن تفعل كَفِعْلِهِ وَهَذَا لَا يعلم من صُورَة الْفِعْل فَيجب التَّوَقُّف فِيهِ حَتَّى يرد الدَّلِيل قَالُوا النّدب مُتَيَقن لِأَنَّهُ أقل أَحْوَال الْقرب فَوَجَبَ أَن يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ قُلْنَا هَذَا يُعَارضهُ بِأَن فِي الْإِيجَاب احْتِيَاط فَوَجَبَ أَن يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ وَاجِبا فَلَا يخرج مِنْهُ إِلَّا الْفِعْل وَإِذا بَطل هَذَا فِي الْإِيجَاب بَطل مَا قَالُوهُ فِي النّدب وَاحْتج من ذهب إِلَى الْوُجُوب بقوله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ قُلْنَا الِاتِّبَاع أَن يفعل كَفِعْلِهِ يدلك عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو فعله على وَجه الْوُجُوب وفعلناه على وَجه النّدب لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَإِذا ثَبت هَذَا فَإِن مَا يُمكن فِيهِ الِاتِّبَاع إِذا علم وَجه الْفِعْل الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فنتبعه فِيهِ فَأَما مَا لم يعلم فِيهِ وَجه الْفِعْل فَلَا يُمكن فِيهِ الِاتِّبَاع فَإِن قيل الْخَبَر يَقْتَضِي وجوب الْمُتَابَعَة فِي الْفِعْل وَذَلِكَ يُمكن وَإِن لم يعلم حَال الْفِعْل كَمَا تَقول فِي الصَّلَاة فَإِن تصح الْمُتَابَعَة فِيهَا وَإِن لم تعلم نِيَّة الإِمَام قُلْنَا هَذَا مُخَالف للمتابعة فِي الصَّلَاة لِأَن هُنَاكَ الْمُتَابَعَة تقع فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة وَذَلِكَ يُمكن وَإِن لم تعلم نِيَّة الإِمَام وَهَاهُنَا تقع فِي الْفِعْل على جِهَته أَلا ترى أَنه لَو فعله وَاجِبا لم يجز فعله ندبا وَلَو صلى الإِمَام صَلَاة فرض جَازَ أَن نتبعه فِي النَّفْل فَافْتَرقَا وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالْأَمر يَقع على القَوْل وعَلى الْفِعْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض﴾ وَالْمرَاد بذلك كُله الْفِعْل

стр. 229

وَالْجَوَاب هُوَ أَن إِطْلَاق الْأَمر يتَنَاوَل القَوْل خَاصَّة وَلَا يحمل على الْفِعْل من غير دَلِيل وعَلى أَن قَوْله ﴿عَن أمره﴾ كِنَايَة وَالْكِنَايَة ترجع إِلَى أقرب مَذْكُور وَأقرب مَذْكُور هُوَ الله تَعَالَى لِأَنَّهُ قَالَ ﴿قد يعلم الله الَّذين يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ وَالظَّاهِر أَن الْكِنَايَة عَائِدَة إِلَيْهِ وَأمر الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسْتَدْعِي بِهِ الْفِعْل وَذَلِكَ وَاجِب وَلِأَن هَذَا يَقْتَضِي أمرا تصح فِيهِ الْمُوَافقَة وَترك الْمُخَالفَة وَهُوَ الَّذِي علم صفته فيوافقه فِيهِ وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَا علم مِنْهُ وَجه الْفِعْل وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ التغابن ٦٤١٢ وَلم يفرق قُلْنَا الطَّاعَة مُوَافقَة الْأَمر والعصيان مُخَالفَته وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَا علم وَجه الْفِعْل فِيهِ وَنحن لَا نعلم حَال هَذَا الْفِعْل فَلَا يدْخل فِي الْآيَة وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ خلع نَعله فِي الصَّلَاة فَخلع النَّاس نعَالهمْ ثمَّ قَالُوا رَأَيْنَاك خلعت نعلك فخلعنا نعالنا فَدلَّ على أَن مُتَابَعَته فِيمَا يفعل وَاجِبَة قُلْنَا هَذَا خبر الْوَاحِد فَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ بِهِ على إِثْبَات أصل من الْأُصُول وعَلى أَنهم إِنَّمَا تبعوه فِي خلع النَّعْل لِأَنَّهُ كَانَ قد أَمرهم باتباعه فِي الصَّلَاة أَلا ترَاهُ قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَلَمَّا خلع نَعله ظنُّوا أَن ذَلِك مِمَّا شرع فِي الصَّلَاة فتبعوه امتثالا لقَوْله ﵇ قَالُوا رُوِيَ أَن أم سَلمَة قَالَت للنَّبِي ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة انْحَرْ هديك حَيْثُ وجدته واحلق فَإِنَّهُم يحلقون فتبعوه فَدلَّ على أَن فعله يَقْتَضِي الْوُجُوب

стр. 230

قُلْنَا إِنَّمَا تبعوه فِي الْحلق وَالذّبْح لِأَنَّهُ اقْترن بِهِ دَلِيل من جِهَة القَوْل وَهُوَ قَوْله ﵇ اذبحوا واحلقوا وكلامنا فِي الْفِعْل الْمُجَرّد هَل يَقْتَضِي الْوُجُوب قَالُوا أَيْضا إِن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي التقاء الختانين هَل يُوجب الْغسْل فَرَجَعُوا إِلَى فعل رَسُول الله ﷺ حَيْثُ رَوَت عَائِشَة ﵂ فعلته أَنا وَرَسُول الله ﵇ فاغتسلنا وَالْجَوَاب هُوَ رُوِيَ أَنَّهَا رَوَت إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل فصاروا فِي الْإِيجَاب إِلَى القَوْل قَالُوا ولأنا لَا نَأْمَن من أَن يكون وَاجِبا فنتركه وَذَلِكَ لَا يجوز فَيجب إِيجَابه احْتِيَاطًا قُلْنَا ولأنا لَا نَأْمَن أَن لَا يكون وَاجِبا فيعتقد وُجُوبه وَذَلِكَ لَا يجوز قَالُوا وَلِأَن الْبَيَان تَارَة يَقع بالْقَوْل وَتارَة بِالْفِعْلِ ثمَّ ثَبت أَن القَوْل يَقْتَضِي الْوُجُوب فَكَذَلِك الْفِعْل قُلْنَا القَوْل لَهُ صِيغَة تدل على الاستدعاء فَحمل عَلَيْهِ وَالْفِعْل لَيْسَ لَهُ صِيغَة تدل على الاستدعاء فوزانه من الْأَقْوَال مَا لَا يدل على الْإِيجَاب كالخبر عَن غَيره فَلَا يحمل على الْإِيجَاب علينا قَالُوا وَلِأَنَّهُ ﵇ لَا يفعل إِلَّا حَقًا وصوابا فَوَجَبَ أَن يتبع فِيهِ قُلْنَا الِاتِّبَاع إِنَّمَا يكون بِأَن تفعل على حسب فعله حَتَّى يكون ذَلِك حَقًا وصوابا وَهَذَا لَا يُمكن فِيمَا لَا نعلم فِيهِ حَال الْفِعْل فَوَجَبَ التَّوَقُّف

стр. 231

مَسْأَلَة ٣ الْبَيَان يَصح بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَن يفعل بعض مَا دخل تَحْرِيمه فِي الْعُمُوم وَيدل ذَلِك على تخيص الْعُمُوم وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز الْبَيَان بِالْفِعْلِ وَلَا يخص بِهِ الْعُمُوم وَحكي ذَلِك عَن أبي إِسْحَق وَهُوَ قَول أبي الْحسن الْكَرْخِي لنا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَلم يفصل وَقَوله تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ وَلم يفرق بَين القَوْل وَالْفِعْل وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لما ذكر لَهُ أَن قوما يكْرهُونَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة فقصد بفروجهم أَمر بِأَن تحول مقعدته إِلَى الْقبْلَة إِلَى بَيَان تَخْصِيص الْعُمُوم الْوَارِد فِي التَّحْرِيم بِفِعْلِهِ فَدلَّ على أَن التَّخْصِيص يَقع بِهِ وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن مَا خرج مِنْهُ ابْتِدَاء فَهُوَ شرع لَهُ وَلغيره فَكَذَلِك مَا خرج بعد الْعُمُوم وَاحْتَجُّوا بِأَن تَخْصِيص الْعُمُوم أحد نَوْعي الْبَيَان فَلَا يجوز بِفِعْلِهِ كالنسخ

стр. 232

وَالْجَوَاب أَن من أَصْحَابنَا من أجَاز النّسخ بِفِعْلِهِ وَإِن سلمنَا لم يمْتَنع لِأَن لَا يجوز النّسخ وَيجوز التَّخْصِيص أَلا ترى أَن نسخ الْكتاب بِالسنةِ لَا يجوز وَيجوز تَخْصِيصه بهَا فَدلَّ على أَن الْفرق بَينهمَا قَالُوا وَلِأَن مَا فعله يحْتَمل أَن يكون تَخْصِيصًا لَهُ وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ وَغَيره فِيهِ سَوَاء فَلَا يتْرك الْعُمُوم الْمُتَيَقن بِأَمْر مُحْتَمل قُلْنَا هُوَ وَإِن احْتمل الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَن الظَّاهِر أَنه هُوَ وَغَيره فِيهِ سَوَاء فَوَجَبَ أَن يحمل الْأَمر على الظَّاهِر

стр. 233

مَسْأَلَة ٤ إِذا تعَارض القَوْل وَالْفِعْل فِي الْبَيَان فَالْقَوْل أولى من الْفِعْل وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ الْفِعْل أولى وَذهب بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاء لنا هُوَ أَن القَوْل يدل على الحكم بِنَفسِهِ وَالْفِعْل لَا يدل بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يسْتَدلّ بِهِ على الحكم بِوَاسِطَة وَهُوَ أَن يُقَال لَو لم يجز ذَلِك لما فعل لِأَنَّهُ ﷺ لَا يجوز أَن يفعل مَالا يجوز فَكَانَ مَا دلّ على الحكم بِنَفسِهِ أولى مِمَّا دلّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَة وَأَيْضًا فَإِن القوى يتَعَدَّى وَالْفِعْل مُخْتَلف فِيهِ فَمن النَّاس من قَالَ لَا يتَعَدَّى حكمه إِلَى غَيره إِلَّا بِدَلِيل فَكَانَ مَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ بِإِجْمَاع أولى وَلِأَن الْبَيَان بالْقَوْل يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ عَن الْفِعْل وَالْبَيَان بِالْفِعْلِ لَا يَسْتَغْنِي عَن الْبَيَان بالْقَوْل أَلا ترى أَنه ﵇ لما حج وَبَين الْمَنَاسِك للنَّاس قَالَ لَهُم خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَلما صلى وَبَين أَفعَال الصَّلَاة قَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلما صلى جِبْرِيل ﵇ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبَين لَهُ الْمَوَاقِيت قَالَ

стр. 234

الْوَقْت مَا بَين هذَيْن فَلم يكتف فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِالْفِعْلِ حَتَّى ضم إِلَيْهِ القَوْل فَكَانَ تَقْدِيم القَوْل أولى وَاحْتج من قَالَ إِن الْبَيَان بِالْفِعْلِ أولى بِأَن النَّبِي ﵇ سُئِلَ عَن مَوَاقِيت الصَّلَاة فَلم يبين قولا بل قَالَ للسَّائِل اجْعَل صَلَاتك مَعنا وَبَين لَهُ ذَلِك بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ بَين الْمَنَاسِك وَالصَّلَاة بِالْفِعْلِ فَدلَّ على أَن الْفِعْل آكِد وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يدل على جَوَاز الْبَيَان بِالْفِعْلِ وَنحن نقُول بذلك وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي تَقْدِيم أقوى البيانين وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يدل على أَن الْفِعْل أقوى قَالُوا وَلِأَن مُشَاهدَة الْفِعْل آكِد فِي الْبَيَان من القَوْل لِأَن فِي الْفِعْل من الهيئات مَالا يُمكن الْخَبَر عَنْهَا بالْقَوْل وَلَا يُوقف مِنْهُ على الْغَرَض إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْوَصْف فَدلَّ على أَن الْفِعْل آكِد وأبلغ فِي الْبَيَان قُلْنَا هَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ مَا من فعل إِلَّا وَيُمكن الْعبارَة عَن وَصفه بالْقَوْل حَتَّى يصير كالمشاهد وَلِهَذَا علم النَّبِي ﷺ الْمُسِيء صلَاته بالْقَوْل وَعبر عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَفْعَال وَأما من قَالَ إنَّهُمَا سَوَاء فاحتج بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع بِهِ الْبَيَان كَمَا يَقع بِالْآخرِ وَقد بَين النَّبِي ﵇ مرّة بالْقَوْل وَمرَّة بِالْفِعْلِ فَدلَّ على أَنَّهُمَا سَوَاء وَالْجَوَاب هُوَ أَنَّهُمَا وَإِن اسْتَويَا فِي الْبَيَان إِلَّا أَن القَوْل هُوَ الأَصْل فِي الْبَيَان وَالْفِعْل إِنَّمَا يصير بَيَانا بِغَيْرِهِ وَالْقَوْل مجمع على وُقُوع الْبَيَان بِهِ وَالْفِعْل مُخْتَلف فِيهِ فَكَانَ القَوْل أولى بالتقديم

стр. 235

مسَائِل النّسخ مَسْأَلَة ١ النّسخ جَائِز وَلَا يمْنَع مِنْهُ عقل وَلَا شرع وَقَالَ أَبُو مُسلم عَمْرو بن يحيى الْأَصْبَهَانِيّ النّسخ لَا يجوز

стр. 236

وَهُوَ قَول بعض الْيَهُود لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ وَهَذَا دَلِيل على جَوَاز النّسخ وَلِأَن نِكَاح الْأَخَوَات كَانَ جَائِزا فِي شرع آدم صلوَات الله عَلَيْهِ ثمَّ حرم ذَلِك فِي شرع غَيره فَدلَّ على جَوَاز النّسخ وَلِأَن التَّكْلِيف وَإِن كَانَ على وَجه الْمصلحَة كَمَا قَالَ بعض النَّاس فَيجب أَن يجوز النّسخ لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْمصلحَة للعباد فِي فعل الشَّيْء إِلَى وَقت ثمَّ الْمصلحَة لَهُم فِي تَركه فِي وَقت آخر وَإِن كَانَ التَّكْلِيف غير مَشْرُوط فِي الْمصلحَة كَمَا قَالَه آخَرُونَ وَإِنَّمَا يُكَلف الله عباده مَا شَاءَ وَجب أَن يجوز النّسخ أَيْضا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكلفهم فِي وَقت شَيْئا وَفِي وَقت آخر غَيره وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يخلق الله تَعَالَى خلقه على صفة ثمَّ ينقلهم إِلَى صفة أُخْرَى وَلم يمْنَع ذَلِك من الْعقل جَازَ أَن يكلفهم فعل الْعِبَادَة فِي وَقت ثمَّ يسْقط ذَلِك عَنْهُم فِي وَقت آخر

стр. 237

وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يُطلق الْأَمر وَالْمرَاد بِهِ أَن يعجز عَنهُ بِمَرَض أَو غَيره جَازَ أَن يُطلق وَالْمرَاد بِهِ إِلَى أَن ينسخه عَنهُ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن لَا يجب الشَّيْء بُرْهَة من الزَّمَان لم يرد الشَّرْع بإيجابه جَازَ أَن يجب بُرْهَة من الزَّمَان لم يرد الشَّرْع بِرَفْعِهِ وإسقاطه وَاحْتَجُّوا بِأَن جَوَاز النّسخ يُؤَدِّي إِلَى البداء على الله تَعَالَى وَهنا لَا يجوز وَالْجَوَاب هُوَ أَن البداء أَن يظْهر لَهُ مَا كَانَ خفِيا وَنحن لَا نقُول فِيمَا ينْسَخ إِنَّه ظهر لَهُ مَا كَانَ خافيا عَلَيْهِ بل تَقول إِنَّه أَمر بِهِ وَهُوَ عَالم أَنه يرفعهُ فِي وَقت النّسخ وَإِن لم يطلعنا عَلَيْهِ فَلَا يكون ذَلِك بداء على أَنه لَو جَازَ أَن يُقَال إِن ذَلِك بداء لجَاز أَن يُقَال إِنَّه إِذا خلق الْخلق على صفة من الطفولية والصغر ثمَّ نقلهم إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال إِن ذَلِك بداء وَلما بَطل هَذَا فِيمَا ذَكرْنَاهُ بَطل فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ قَالُوا إِذا أَمر الله تَعَالَى بِشَيْء دلّ على حسنه وَإِذا نهى عَنهُ دلّ ذَلِك على قبحه وَلَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا قبيحا قُلْنَا إِنَّمَا يَصح هَذَا إِذا قُلْنَا إِن النَّهْي تعلق بِمَا تعلق الْأَمر بِهِ فَأَما إِذا قُلْنَا إِن النَّهْي تعلق بِمَا لم يتَعَلَّق الْأَمر لم يؤد إِلَى مَا ذَكرُوهُ وَمَتى أَمر بِشَيْء ثمَّ نسخه علمنَا بِأَن الْأَمر كَانَ إِلَى ذَلِك الْوَقْت فَلَا يكون النَّهْي مِمَّا تعلق بِهِ الْأَمر وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على إبِْطَال النّسخ لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا على إبِْطَال التَّخْصِيص فَيُقَال إِنَّه إِذا أَمر بقتل الْمُشْركين لَا يجوز أَن ينْهَى عَن قتل أهل الذِّمَّة لِأَن الْأَمر بِالْقَتْلِ يدل على حسنه وَالنَّهْي عَنهُ يدل على قبحه وَلَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا قبيحا وَلما لم يصلح أَن يُقَال هَذَا فِي إبِْطَال التَّخْصِيص لم يصلح أَن يُقَال مثله فِي إبِْطَال النّسخ قَالُوا القَوْل بالنسخ يُؤَدِّي إِلَى اعْتِقَاد الْجَهْل لِأَنَّهُ يعْتَقد وجوب الْأَمر على التَّأْبِيد وَهُوَ على خلاف مَا يعْتَقد

стр. 238

قُلْنَا لَا يعْتَقد الْوُجُوب على التَّأْبِيد بل يعْتَقد وُجُوبه مالم ينْسَخ عَنهُ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكرُوهُ وَاحْتج قوم من الْيَهُود بِأَن مُوسَى ﵇ قَالَ لَهُم شريعتي مُؤَبّدَة وَهَذَا يمْنَع من النّسخ وَالْجَوَاب أَن هَذَا كذب مِنْهُم فَإِن مُوسَى ﵇ مَا قَالَ لَهُم هَذَا وَإِنَّمَا لقنهم ذَلِك ابْن الراوندي وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه لَو كَانَ هَذَا أصلا لَكَانَ قد احْتج بِهِ أَحْبَار الْيَهُود على النَّبِي ﷺ وَلما لم يقل هَذَا أحد من قدمائهم أَنه ذكره دلّ على كذب ابتدعوه

стр. 239

مَسْأَلَة ٢ يجوز النّسخ وَإِن اقْترن بالمنسوخ ذكر التَّأْبِيد وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين لَا يجوز النّسخ إِلَّا فِي خطاب مُطلق فَأَما إِذا قيد بالتأبيد فَلَا يجوز نسخه لنا هُوَ أَنه إِذا جَازَ نسخ اللَّفْظ الْمُطلق وَإِن كَانَ ظَاهره التَّأْبِيد جَازَ نسخ مَا اقْترن بِهِ ذكر التَّأْبِيد لِأَن التَّأْبِيد يسْتَعْمل فِيمَا لَا يُرَاد بِهِ التَّأْبِيد أَلا ترى أَنَّك تَقول لَازم غريمك أبدا وتريد إِلَى وَقت وَكَذَلِكَ هَاهُنَا يجوز أَن يُقيد بالتأبيد وَالْمرَاد بِهِ إِلَى وَقت النّسخ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذكر التَّأْبِيد فِي الزَّمَان يمْنَع النّسخ لَكَانَ ذكر الْكل فِي الأعيا يمْنَع التَّخْصِيص وَلما جَازَ أَن يَقُول اقْتُلُوا الْمُشْركين كلهم ثمَّ يخص بعده من الْمُشْركين جَازَ أَن يَقُول افعلوا هَذَا أبدا ثمَّ ينْسَخ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يُقيد الْخطاب بالتأييد ثمَّ يرد بعده الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء جَازَ أَن يرد بعده النّسخ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يُقيد الْخطاب بالتأبيد وَيكون مَعْنَاهُ مَا لم يعْجزُوا عَنهُ بِمَرَض وَغَيره جَازَ أَن يُقَيِّدهُ بالتأبيد وَيكون مَعْنَاهُ افعلوا أبدا مالم ينْسَخ عَنْكُم

стр. 240

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو جَازَ النّسخ مَعَ ذكر التأييد لم يكن إِلَى معرفَة مالم ينْسَخ من الْخطاب سَبِيل وَمَتى جوزتم ذَلِك لزمكم أَن تَقولُوا أَنه لَا يعلم ختم النُّبُوَّة برَسُول الله وَالْجَوَاب هُوَ أَنه يُمكن معرفَة ذَلِك بِأَن نقُول الْمصلحَة فِي هَذَا الحكم لَا تَتَغَيَّر مَا دمتم مكلفين فنعلم بذلك أَنه لَا يرد عَلَيْهِ النّسخ وبمثل هَذَا يعلم أَن النَّبِي ﷺ خَاتم النَّبِيين وَأَن شَرعه مؤبد

стр. 241

مَسْأَلَة ٣ يجوز النّسخ وَإِن لم يشْعر عِنْد التَّكْلِيف بالنسخ وَقَالَ بعض النَّاس لَا يجوز إِلَّا أَن يقْتَرن بِالْخِطَابِ مَا يدل على النّسخ فِي الْجُمْلَة لنا هُوَ أَنه لَو كَانَ يجب الْإِشْعَار بِمَا يزِيل الْأَمر من النّسخ لوَجَبَ الْإِشْعَار بِمَا يحدث من الْأَمْرَاض المسقطة لِلْأَمْرِ وَلما لم يجب بَيَان ذَلِك لم يجب بَيَان النّسخ وَلِأَنَّهُ لَو وَجب الْإِشْعَار بالنسخ لوَجَبَ بَيَان وقته وَلما لم يجب بَيَان وقته لم يجب بَيَانه فِي الْجُمْلَة وَلِأَن الْبَيَان إِنَّمَا يجب للْحَاجة وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك عِنْد التَّكْلِيف فَلم يجب وَاحْتَجُّوا بِأَن تَجْوِيز هَذَا الْأَمر يُؤَدِّي إِلَى اعْتِقَاد الْجَهْل فَإِنَّهُ يعْتَقد وجوب الْأَمر على الدَّوَام وَهُوَ على خلاف مَا يعْتَقد وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يعْتَقد وجوب ذَلِك على الدَّوَام بل يعْتَقد وُجُوبه بِشَرْط أَن لَا يرد عَلَيْهِ مَا ينسخه فَلَا يُؤَدِّي إِلَى اعْتِقَاد الْجَهْل

стр. 242

مَسْأَلَة ٤ يجوز نسخ الشَّيْء إِلَى مثله وَإِلَى أخف مِنْهُ وَإِلَى أغْلظ مِنْهُ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز النّسخ إِلَى الأغلظ وَهُوَ قَول أهل الظَّاهِر لنا هُوَ أَن الله تَعَالَى خير النَّاس فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام بَين الصَّوْم وَبَين الْفطر ثمَّ نسخ ذَلِك بالانحتام وَكَذَلِكَ أَمر بِحَبْس الزَّانِي فِي الْبيُوت ثمَّ نسخه بِالْجلدِ وَالرَّجم وَذَلِكَ أغْلظ من الْمَنْسُوخ وَلِأَن التَّكْلِيف إِن كَانَ على وَجه الْمصلحَة فَيجوز أَن تكون الْمصلحَة فِي النَّقْل إِلَى الأغلظ

стр. 243

وَإِن لم يكن على وَجه الْمصلحَة بل يُكَلف عباده مَا شَاءَ فَيجوز أَن يسْقط عَنْهُم شَيْئا ويكلفهم مَا هُوَ أغْلظ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يبتدىء إِيجَاب تَغْلِيظ بعد أَن لم يكن وَاجِبا جَازَ أَن يسْقط وَاجِبا وَيُوجب مَا هُوَ أغْلظ مِنْهُ وَاحْتَجُّوا بِأَن الله تَعَالَى نسخ آيَة المصابرة بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾ وَنسخ قيام اللَّيْل بِالتَّخْفِيفِ فَقَالَ ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذَا يدل على جَوَاز النّسخ إِلَى الأخف وَنحن نجيز ذَلِك وكلامنا فِي النّسخ إِلَى الأغلظ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يمْنَع مِنْهُ

стр. 244

مَسْأَلَة ٥ يجوز نسخ الشَّيْء قبل وَقت فعله وَقَالَ الصَّيْرَفِي لَا يجوز وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة لنا هُوَ أَن الله تَعَالَى أَمر إِبْرَاهِيم ﵇ بِذبح ابْنه ثمَّ نسخ ذَلِك قبل أَن يَفْعَله فَدلَّ على جَوَازه فَإِن قيل إِنَّمَا أمره بمقدمات الذّبْح وَهُوَ الإضجاع وتله للجبين وَقد فعل ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ فَدلَّ على أَنه فعل الْمَأْمُور قيل الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الذّبْح وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْمُقدمَات لما أظهر إِبْرَاهِيم ﵇ الْجزع وَقد

стр. 245

أظهر الْجزع من ذَلِك فَقَالَ ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك فَانْظُر مَاذَا ترى﴾ وَلِأَن إِسْمَاعِيل ﵇ أظهر التجلد وَالصَّبْر فَقَالَ ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ والمقدمات لَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى الصَّبْر والتجلد وَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ وَلَيْسَ فِي الْمُقدمَات بلَاء وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمَأْمُور بِهِ قد فعل لما احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاء وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ وَأما قَوْله ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ فَالْمُرَاد بِهِ أَنَّك قد آمَنت بذلك وعزمت على فعله فَدلَّ عَلَيْهِ التَّصْدِيق إِنَّمَا يكون بِالْقَلْبِ فَإِن قيل قد فعل الْمَأْمُور بِهِ وَهُوَ الذّبْح وَلَكِن كلما قطع جُزْءا التحم قيل وَلَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لَكَانَ قد ذكره الله تَعَالَى فَإِن ذَلِك من الْآيَات الْعَظِيمَة وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما احْتَاجَ إِلَى الْفِدَاء وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه إِذا جَازَ أَن يَأْمر بِأَفْعَال متكررة فِي الْأَزْمَان لم ينْسَخ ذَلِك فِي بعض الْأَزْمَان وَإِن لم يمض وَقت جَمِيع مَا تنَاوله الْأَمر جَازَ أَن يَأْمر بِفعل وَاحِد ثمَّ ينْسَخ ذَلِك قبل دُخُول وقته وَلِأَنَّهُ إِن كَانَ التَّكْلِيف على حسب الْمصلحَة كَمَا قَالَ بَعضهم جَازَ أَن تكون الْمصلحَة فِي إِيجَاب الِاعْتِقَاد وَإِظْهَار الطَّاعَة فِي الِالْتِزَام والعزم على الْفِعْل وَإِن كَانَ على حسب مَا يَشَاء من غير اعْتِبَار الْمصلحَة كَمَا قَالَ آخَرُونَ فَيجوز أَن يكون قد شَاءَ أَن يكلفهم مَا ذَكرْنَاهُ وَلَا يَشَاء الْفِعْل وَلِهَذَا أَمر إِبْرَاهِيم ﵇ بِذبح ابْنه وَلم يرد الْفِعْل وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يَأْمر الْإِنْسَان بِفعل الْعِبَادَة مَعَ علمه بِأَنَّهُ يَمُوت أَو يعجز عَنهُ

стр. 246

قبل أَن يدْخل وَقتهَا وَلم يقبح جَازَ أَن يَأْمر بِفِعْلِهَا ثمَّ يسْقط ذَلِك عَنهُ قبل فعلهَا وَاحْتَجُّوا بِأَن الْأَمر من الله سُبْحَانَهُ يدل على أَن الْمَأْمُور بِهِ صَلَاح للْمَأْمُور وَمَا كَانَ صلاحا لَهُم لَا يجوز للحكيم أَن ينهاهم عَنهُ ويمنعهم مِنْهُ وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْأَمر يدل على الصّلاح مَا دَامَ الْأَمر قَائِما فَإِذا نهى عَنهُ علمنَا أَنه كَانَ الصّلاح إِلَى غَايَة وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا دَلِيلا على الْمَنْع من النّسخ قبل الْفِعْل لوَجَبَ أَن يَجْعَل دَلِيلا على إبِْطَال النّسخ أصلا فَيُقَال إِن الْأَمر من الْحَكِيم يدل على كَونه صلاحا للعبيد وَمَا كَانَ صلاحا للعبيد لم يجز للحكيم أَن ينهاهم عَنهُ وَإِذا بَطل هَذَا فِي إبِْطَال النّسخ بَطل فِيمَا ذَكرُوهُ وَرُبمَا قَالُوا إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي حسن الْمَأْمُور بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي قبحه وَلَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد حسنا قبيحا وَالْجَوَاب نَحْو مَا تقدم قَالُوا لِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى البداء على الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يجوز فَالْجَوَاب هُوَ أَن البداء أَن يظْهر مَا كَانَ خافيا عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى لما أَمر كَانَ عَالما بِالْوَقْتِ الَّذِي ينسخه عَنْهُم فَلَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكرُوهُ قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن ينْسَخ الشَّيْء قبل وَقت الْفِعْل لجَاز أَن يرد الْأَمر مَعَ النَّهْي موضعا وَاحِد فَيَقُول افعلوا كَذَا وَكَذَا وَلَا تفعلوه وَلما لم يجز هَذَا لم يجز مَا نَحن فِيهِ قُلْنَا إِذا ورد الْأَمر مَقْرُونا بِالنَّهْي لم يفد شَيْئا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ إِذا ترَاخى النَّهْي كَانَ الْأَمر مُفِيدا لِأَنَّهُ يتَضَمَّن وجوب الِاعْتِقَاد والعزم على الْفِعْل فَافْتَرقَا

стр. 247

قَالُوا مُقْتَضى الْأَمر الْفِعْل فَإِذا لم يرد مُقْتَضَاهُ كَانَ لَغوا فَلم يصلح الْخطاب كَمَا لَو قَالَ اقْتُلُوا وَأَرَادَ بِهِ لَا تقتلُوا قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْأَمر الْمُطلق فِي الْأَزْمَان فَإِن مُقْتَضَاهُ الْفِعْل على الدَّوَام فَإِذا نسخ بعد الْفِعْل لم يرد مُقْتَضَاهُ ثمَّ لَا يصير لَغوا وعَلى أَنا لَا نسلم أَن مُقْتَضى هَذَا الْأَمر الْفِعْل فَإِن أوَامِر صَاحب الشَّرْع مَشْرُوطَة بِمَا يقوم عَلَيْهِ الدَّلِيل من نسخ وَعجز وَغير ذَلِك فَمَتَى قَامَ الدَّلِيل على النّسخ علمنَا أَن مُقْتَضى الْأَمر مالم يرد النَّهْي عَنهُ فَإِذا نهى عَنهُ فقد أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَا اقْتَضَاهُ فَلَا يكون هَذَا لَغوا وَيُخَالف هَذَا إِذا قَالَ اقْتُلُوا وَأَرَادَ بِهِ لَا تقتلُوا لِأَن هَذَا المُرَاد لَا يَصح شَرطه فِي الْكَلَام أَلا ترى أَنه لَا يحسن أَن يَقُول اقْتُلُوا لَا تقتلُوا وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِنَّهُ يَصح أَن يشْتَرط فِي الْأَمر مَا يرد بعده من النَّهْي بِأَن يَقُول افعلوا إِلَى أَن أنهاكم عَنهُ فَدلَّ على الْفرق بَينهمَا

стр. 248

مَسْأَلَة ٦ لَا يجوز نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ آحادا كَانَت أَو متواترة وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يجوز بِالسنةِ المتواترة وَلكنه لم يُوجد فِي الشَّرْع

стр. 249

وَذهب أَكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى جَوَاز ذَلِك بالأخبار المتواترة وَذهب بعض النَّاس إِلَى جَوَاز ذَلِك بالمتواترة والآحاد وَهُوَ مَذْهَب بعض أهل الظَّاهِر لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَأخْبر أَنه لَا ينْسَخ آيَة إِلَّا بِمِثْلِهَا أَو بِخَير مِنْهَا وَالسّنة لَيست مثل الْقُرْآن وَلَا هِيَ خير مِنْهُ فَوَجَبَ أَن لَا يجوز النّسخ بهَا فَإِن قيل المُرَاد نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا فِي الثَّوَاب وَقد يكون فِي السّنة مَا هُوَ خير من الْمَنْسُوخ فِي الثَّوَاب قيل هَذَا لَا يصلح لوجوه مِنْهَا أَنه قَالَ ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وَالسّنة إِنَّمَا يَأْتِي بهَا النَّبِي ﵇ وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاق الْآيَة ﴿ألم تعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ وَالَّذِي يخْتَص الله بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ هُوَ الْقُرْآن

стр. 250

وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا آخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه وَلِأَنَّهُ قَالَ نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا أَخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون مثله من كل وَجه وَالسّنة قطّ لَا تماثل الْقُرْآن فِي الثَّوَاب فِي تِلَاوَته وَلَا فِي الدّلَالَة على صدق النَّبِي ﵇ بنظمه فَإِذا قيل لَو كَانَت السّنة لَا تماثل الْقُرْآن فالقرآن أَيْضا لَا يكون بعضه خيرا من بعض فَيجب أَن يكون المُرَاد بِهِ الْأَحْكَام قيل قد يكون بعض الْقُرْآن خيرا من بعض فِي الثَّوَاب أَلا ترى أَن سُورَة الْإِخْلَاص وَيس وَغَيرهمَا أفضل من غَيرهمَا من الْقُرْآن فِي الثَّوَاب وَقد يكون بَعْضهَا أظهر فِي الإعجاز من بعض أَلا ترى أَن قَوْله ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أبلغ فِي الإعجاز من غَيره فَإِن قيل قَوْله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ لَيْسَ فِيهِ أَن مَا يَأْتِي بِهِ هُوَ النَّاسِخ وَيجوز أَن يكون النَّاسِخ غَيره قُلْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ شَرط وَقَوله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ جَزَاء وَلِهَذَا جزم قَوْله ﴿مَا ننسخ﴾ وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يكون مَا يَأْتِي بِهِ لأَجله وبدلا عَنهُ كَمَا إِذا قَالَ مَا تصنع اصْنَع وَمَا آخذه أعْط مثله اقْتضى أَن يكون الْجَزَاء لأجل الشَّرْط وبدلا عَنهُ فَدلَّ على أَنه هُوَ النَّاسِخ
следующие страницы →