← Книги сунны

Книги сунны · id 25794

مسند أحمد - ط الرسالة

أحمد بن حنبل

Полный текст (23 339 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال في رواية الأثرم: هو خطأ، وقال وكيع عن أبيه مرسل أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا. وهذا أيضاً عجب، النبي ﷺ يوم النحر ما يصنع بمكة! يُنْكِرُ ذلك. ١٨ - وروى ٢/ ٣٢١ حديث أبي هريرة يرفعه: "مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانا". وقال في رواية حنبل: هذا حديث منكر. ١٩ - ونظير ما نحن فيه سواء بسواء ما رواه ٦/ ٢٤٧ عن عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا نَذْرَ في معصية وكفارتُه كَفَّارَةُ اليمين". فهذا حديث رواه وبنى عليه مذهبَه، واحتج به، ثم قال في رواية حنبل: هذا حديث منكر. وهذا بابٌ واسع جداً لو تتبعناه لجاء كتاباً كبيراً. والمقصودُ أنه ليس كُلُّ ما رواه، وسَكَتَ عنه يكونُ صحيحاً عنده وحتى لو كان صحيحاً عنده، وخالفه غيرُه في تصحيحه لم يكن قولُه حُجَّةً على نظيره. وبهذا يُعرف وهم الحافظ أبي موسى المديني في قوله في "خصائص المسند" ص ٢٤: إنَّ ما خَرَّجه الإِمام أحمد في مسنده، فهو صحيحٌ عنده، فإن أحمد لم يقل ذلك قط، ولا قال ما يَدُلُّ عليه، بل قال ما يَدُلُّ على خلافِ ذلكَ كما قال أبو العز بنُ كادش كما في "خصائص المسند" ص ٢٧: إن عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال لأبيه؟ ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلتُ: يصح؟ قال: لا، الأحاديثُ

стр. 72

بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجلٍ لم يسمه، قال: فقلت له: قد ذكرتَه في "المسند"؟ فقال: قصدت في المسندِ الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناسَ تحت سِتر الله، ولو أردتُ أن أَقْصِدَ ما صَحَّ عندي، لم أَرْوِ هذا المسندَ إلا الشيءَ بعدَ الشيء، ولكنك يا بني تَعْرِفُ طريقتي في الحديث لستُ أُخَالِفُ ما فيه ضعفٌ إذا لم يَكُنْ في البابِ شَيءٌ يدفعه. فهذا تصريحٌ منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيحَ وغيرَه. وقد استشكل أبو موسى المديني هذه الحكاية في "خصائص المسند" ص ٢٧ وظنها كلاماً متناقضاً، فقال: ما أظن هذا يَصِحُّ، لأنَّه كلامٌ متناقض، لأنه يقولُ: لَسْتُ أخالِفُ ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديثُ بخلافه، قال: وإن صحَّ، فلعله كان أولاً، ثم أخرج منه ما ضعف، لأني طلبته في المسند، فلم أجده. قال ابن القيم: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد رحمه الله تعالى، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه وهو لا يُقَدِّمُ على الحديث الصحيحِ شيئاً لا عملاً ولا قياساً، ولا قولَ صاحب، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيح، وكان فيها حديثٌ ضعيف، وليس في الباب شيء يَرُدُّه، عَمِلَ به، فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمُعَارِضِ القوي، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياسٌ، قدَّمَ الحديثَ الضعيفَ على القياس انتهى. وقد نَقَلَ ابنُ الجوزي من خط القاضي أبي يعلى الفَرَّاء في مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمدُ في "مسنده" ما اشتهر، ولم يقصِدِ الصحيحَ ولا السقيمَ (١). وقال عبدُ الله: هذا "المسندُ" أخرجه أبي ﵀ من سبع مئة ألف

стр. 73

حديث (١)، وأخرج فيه أحاديث معلولةً، بعضُها ذَكَر علَلَها، وسائرها في كتاب "العلل" لئلا يخرَّج في الصحيح (٢). وقد صوَّرَ لنا ابنُ الجوزي استغرابَ معاصريه من أن يكونَ في "المسند" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعضُ أصحاب الحديث: هل في "مسند الإمام أحمد" ما ليس بصحيح؟ فقلتُ: نعم. فعظَّمَ ذلك جماعةٌ ينتسبون إلى المذهب، فحَمَلْتُ أمرَهم على أنهم عوامُّ، وأهملتُ فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعةٌ من أهل خُراسان منهم أبو العلاء الهَمَذاني، يُعظمون هذا القولَ ويردُّونَه، ويُقَبِّحون قولَ من قاله، فبقيتُ دَهِشاً متعجباً، وقلتُ في نفسي: واعجباً، صار المنتسبونَ إلى العلم عامَّةً أيضاً! وما ذاك إلا أنهم سَمِعُوا الحديثَ، ولم يَبحَثُوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أنَّ مَنْ قال ما قلتُه قد تعرَّض للطَّعْنِ فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإِمام أحمد روى المشهورَ والجيدَ وَالرديء، ثم هو قد رَدَّ كثيراً مما روى ولم يَقُلْ به، ولم يجعله مذهباً له، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنَّفَه أبو بكر الخلّال رأى أحاديثَ كثيرةً كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد (٣). وقال الحافظ السخاوي في "شرح الألفية" ١/ ٨٩: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضُها أشدُّ في الضَّعف من بعض حتى إنَّ ابنَ الجوزي أدخل كثيراً منها في موضوعاته، ولكن قد تعقَّبَهُ في بعضها

стр. 74

الحافظ العراقيُّ في جزء له، وفي سائرها الحافظ ابن حجر، وحقَّقَ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسنُ انتقاءً وتحريراً من الكتبِ التي لم تلتزم الصحة في جمعها. ولا يغُضُّ من قيمة المسند كثرة الأحاديث الضعيفة فيه، فإنَّ عدداً غير قليل منها صالحٌ للترقي إلى الحسن لغيره، والصحيح لغيره، وذلك بما وُجد له من متابعات وشواهد كما يظهر ذلك من تخريجنا للأحاديث وبيان درجاتها، وما تبقَّى منها، فهو من الضعيف الذي خَفَّ ضعفُه، ما عدا الأحاديث القليلة التي انتُقِدَتْ عليه، فإنه ﵀ كان يرى الأخذَ بها والعملَ بمضمونها، وتقديمَها على القياس كما مرَّ في قوله لابنه عبد الله: لستُ أُخالِفُ ما ضَعُفَ من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه (١). وقد قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢): إن تعدُّدَ الطرقِ مع عدمِ التشاعر والاتفاق في العادة يُوجبُ العلمَ بمضمون المنقولِ - أي: بالقدر المشترك في أصل الخبر - لكن هذا يُنتَفَعُ به كثيراً في علم أحوال الناقلين - أي: نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصَّبَ لها بعضُهم - وفي مثلِ هذا ينتفعُ برواية المجهول، والسيئِ الحفظ، وبالحديث المُرسَل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهلُ العلم يَكتُبون مثلَ هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلُحُ للشواهد والاعتبار ما لا يصلُح لغيره. قال الإمام أحمد: قد أكتبُ حديث الرجل لأعتبِرَه. وقال شيخ الإِسلام أيضاً (٣): وقد يروي الإمامُ أحمد وإسحاقُ وغَيْرُهُما أحاديثَ تكون ضعيفةً عندهم لاتهام رواتها بسُوءِ الحفظ، ونحو ذلك، ليعتبرَ

стр. 75

بها ويستشهدَ بها، فإنه قد يكونُ لذلك الحديثِ ما يَشهَدُ أنه محفوظ، وقد يكونُ له ما يشهد بأنه خطأ، وقد يكونُ صاحبُها كذاباً في الباطن ليس مشهوراً بالكذب، بل يروي كثيراً من الصدق، فيُروى حديثه، وليس كلُّ ما رواه الفاسق يكون كذباً، بل يجب التبيُّنُ في خبره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فيروى لتُنظَر سائر الشواهد هل تدلُّ على الصدق أو الكذب. وقال ﵀ أيضاً (١): وليس كلُّ ما رواه أحمد في "المسند" وغيره يكون حجةً عنده، بل يروي ما رواه أهلُ العلم، وشرطُهُ في "المسند" أن لا يرويَ عن المعروفين بالكذبِ عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف. وقال الإِمامُ الذهبيُّ عن "المسند" (٢): فيه جملةٌ من الأحاديث الضعيفة مما يَسوغُ نقلُها، ولا يجبُ الاحتجاجُ بها. وكذلك قال الحافظ العراقي فيما نقله عنه الحافظ ابنُ حجر في "القول المسدَّد" (٣): إن في "المسند" أحاديثَ ضعيفة كثيرة. وقال الحافظ ابن حجر (٤): و "مسند أحمد" ادَّعى قومٌ فيه الصحةَ، وكذا في شيوخه، وصنَّفَ الحافظُ أبو موسى المَدِيني في ذلك تصنيفاً، والحقُّ أنَّ أحاديثَه غالبُها جياد، والضعافُ منها إنما يُورِدُها للمتابعات، وفيه القليلُ من الضعاف الغرائبِ الأفرادِ، أخرجها، ثم صارَ يضرِبُ عليها شيئاً فشيئاً، وبقي منها بعدَه بقيةٌ.

стр. 76

أما القسمُ السادسُ، وهو الأحاديثُ الشديدةُ الضعف التي تكادُ تقتربُ من الموضوع، فقد أشارَ إليها الإِمام الذهبي في كلامه عن "المسند"، فقال (١): وفيه أحاديثُ معدودة شِبْهُ موضوعةٍ، ولكنها قطرةٌ في بحر. وقد أدرجها النقادُ في سِلْكِ الموضوعات فبلغت ثمانيةً وثلاثين حديثاً، أورد الحافظُ ابن حجر في "القول المسدَّد في الذبِّ عن مسند أحمد" الأحاديثَ التسعة التي جمعها الحافظ العراقي في جزءٍ وانتقدها، وأضاف إليها خمسةَ عشر حديثاً أوردها الإِمامُ ابنُ الجوزي في الموضوعات، وأجاب عنها حديثاً حديثاً، وقد فاته أحاديثُ أُخَرُ ذكرها ابن الجوزي في "الموضوعات" نقلها الإِمامُ السيوطي في جزء، وسماها "الذيل الممهَّد" وأجاب عنها وعِدَّتها أربعة عشر حديثاً. وأقلُّ ما يقوله المتمكن في هذا الفن بعد النظر في هذه الأحاديث وما أجاب به العلماءُ عنها: إنها بالغة الضعف، وكثير منها يُعلم بطلانُ متونها بالبداهة، فلا يمكن أن تشد أزرها تلك المتابعات والشواهد وسنفصِّلُ القول في هذه الأحاديث المنتقدة في مواضعها من الكتاب، إن شاء الله تعالى. هذا وإن الدراسة الدقيقة لأسانيد الأحاديث ومتونها التي وَرَدَتْ في الجزء الأول والتي بلغت خمس مئة وواحداً وستين حديثاً، كانت النتيجة التي توصلنا إليها من خلالها أن عدد الأحاديث الصحيحة لذاتها ولغيرها (٣٥٩) حديثاً، وعدد الأحاديث الحسنة لذاتها ولغيرها (١١٠) أحاديث، وعدد الأحاديث الضعيفة (٧٩) حديثاً، وأكثرها ضعفه خفيف، وتوقفنا في الحكم على (١٣) حديثاً، وستكون هذه الدراسة إن شاء الله لعامة الأجزاء التي سَتصْدُرُ تِباعاً، وهي القول الفصلُ في هذا الباب.

стр. 77

وأخيراً لا بدَّ من التنبيه هنا على أن تحسينَ الحديث الضعيف ضعفاً خفيفاً بتعدُّد طرقه، أو وجود شواهد له، مذهبٌ دَرَجَ عليه حفاظ الحديث ونقاده من الأئمة المتقدمين، أمثال الإِمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم، وارتضاه المتأخرون من أهل العلم، وأخذوا به، ومَشَوْا عليه إلى يومنا هذا، وفيما دوَّنَه الحفاظ: المنذريُّ والعراقي وابن كثير والذهبي وابن حجر والزَّيْلعي وغيرهم في تواليفهم أمثلة كثيرة تَفُوقُ الحصرَ شاهدة بصحة ما نقول. ولما كان هذا الأمرُ قد خَفِيَ على بعض من ينتحلُ صناعةَ الحديث في عصرِنا هذا، أو استراب في صحته وأحقيته، وَجَب أن نَبسُط القولَ فيما أُثِر عن الأئمة المتقدمين من إطلاق لفظ الحسن على كثير من الأحاديث التي خَفَّتْ فيها شروط الصحة، لإزالة هذه الشُّبهة من أذهانهم. قال الحافظ ابن حجر في نُكَتِه على ابن الصَّلاح (١): وأما عليُّ بن المديني فقد أكثر من وَصْف الأحاديث بالصحة والحسن في "مسنده" (٢) وفي "علله"، وظاهرُ عبارته أنه قَصَدَ المعنى الاصطلاحي، وكأنَّه الإِمامُ السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاريُّ ويعقوبُ بن شيبة وغيرُ واحد، وعن البخاري أخذ الترمذيُّ. فمن ذلك ما ذكره الترمذي في "العلل الكبير" (٣) أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عسَّال

стр. 78

صحيح، وحديث أبي بَكْرة ﵁ حسن. وحديثُ صفوان الذي أشار إليه موجود فيه شرائط الصحة، وحديث أبي بكرة رواه ابن ماجه (٥٥٦) من رواية المهاجر أبي مخلد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁. والمهاجرُ قال فيه وهيبٌ: إنه كان غيرَ حافظٍ، وقال ابنُ معين: صالح، وقال السَّاجي: صدوق، وقال أبو حاتم: لَيِّنُ الحديث، يُكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته. وذكر الترمذي أيضاً في "الجامع" (١٣٦٦) أنه سأله عن حديث شريك بن عبد اللهِ النَّخَعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خَدِيج رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: "مَنْ زَرَعَ في أرضِ قومٍ بغير إذْنهم، فليس له من الزَّرْع شيء، وله نَفَقَتُه" وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاريُّ: هو حديث حسن. وتفرُّد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق مع كثرة الرواة عن أبي إسحاق مما يوجبُ التوقفَ عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي بأثر الحديث (١٣٦٦) أيضاً من طريق عُقْبَة بن الأَصَم، عن عطاء، عن رافع ﵁، فوصفه بالحسن. وقال في "العلل" (١) بعد أن أورد حديث عثمان من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان أن النبيَّ ﷺ كان يُخَلِّلُ لحيته: قال محمد - يعني البخاريَّ -: أصحُّ شيءٍ عندي في التخليل حديثُ عثمان. قلتُ (أي الترمذي): إنَّهم يتكلَّمونَ في هذا الحديثِ، فقال: هو حسن.

стр. 79

وقال الترمذي في "العلل" أيضاً (١) بَعْدَ أن روى حديث أبي هريرة من طريق معلى بن منصور، عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي، عن عثمان بن محمد بن الأخنس، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لَعَنَ المحلِّلَ والمحلَّل له. فسألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنس ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري. قلنا: وعثمان بن محمد: هو ابن المغيرة بن الأخنس، وثَّقه ابن معين، وقال ابن المديني: روى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مناكير، وقال الترمذي: يُعتَبَر حديثُه من غير رواية المَخْرَمي عنه، وقال النسائي: ليس بذاك القويِّ. وروى الترمذي في "العلل" (٢) من طريق أبي خزيمة، عن مالك بن دينار، عن الحسن حديث أنس مرفوعاً: "إنَّ الله ليؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجرِ"، ثم ذكر أنه سأل عنه البخاري فقال: حديث حسن. وقد استعمل الإِمامُ أحمد لفظ الحسن الاصطلاحي الذي يُطلَق على الراوي الذي خفَّ ضبطه، فقد قال في محمد بن إسحاق صاحب "المغازي": حَسَنُ الحديث. وقد ورد عنه أنه حَسَّن حديث: "من كنتُ مَوْلاهُ فعَليٌّ مولاهُ " فيما نقله عنه شيخ الإِسلام ابن تيمية في رسالته: تفضيل أبي بكر على عليٍّ ﵄.

стр. 80

وقال ابن القيم (١) عن حديث رُكَانة في طلاق امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ: وقد صحح الإِمام أحمد هذا الإسناد وحسنه! ونقل ابن سيِّد الناس (٢) عن الحافظ محمد بن عبد الله بن نُمَيْر المتوفى سنة (٢٣٤ هـ)، وهو في طبقة شيخ شيوخ الترمذي، قوله في ابن إسحاق: حسن الحديث، صدوق. وقد أكثر الحافظ يعقوب بن شيبة السَّدُوسي البصري، المتوفى سنة (٢٦٢ هـ)، استعمال كلمة حسن مريداً بها الحسن الاصطلاحي، وذلك في "مسنده الكبير المعلَّل" الذي قال فيه الذهبي: ما صُنِّف مسندٌ أحسنَ منه، ولكنه ما أتمَّه (٣)، فقد ورد في القطعة الصغيرة التي طُبِعَتْ منه قولُه: هذا حديثٌ حسن الإِسناد، في أَكثر من موضع. انظرَ على سبيل المثال الصفحات: ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٦٥، ٦٦، ٨٢، ١٠٢ من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية. وفي كتاب "الجرح والتعديل" (٤) لابن أبي حاتم في ترجمة إبراهيم بن يوسف بن إسحاق السَّبيعي: وسمعتُ أبي يقول: يُكتَب حديثه، وهو حسن الحديث. وفي ترجمة محمد بن راشد المكحولي (٥): قال أبي: كان صَدوقاً حسن الحديث. وقد استعمل الإمام الترمذي الحسن بمعناه الاصطلاحي في جامعه، وأكثر منه حتى ظن كثير من أهل العلم أنه أول من استعمله وأتى به.

стр. 81

وقد أدرج الإِمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما جملة أحاديث في أسانيدها رواة تنزل رتبتهم عن رتبة أهل الضبط التام مما يقال في مثل أسانيدها: حسنة الإِسناد. وقال الإِمامُ الذهبيُّ في "الموقظة" ص ٣٢: أعلى مراتبِ الحَسَنِ: ١ - بهزُ بن حكيم، عن أبيه، عن جده. ٢ - وعمرو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جده. ٣ - ومحمدُ بنُ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ٤ - وابنُ إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك. وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإنَّ عدةً من الحفاظ يصححون هذه الطرقَ، وينعتونها بأنَّها من أدنى مراتب الصحيح. وقال الإِمام الحافظ العلاّمة سراج الدين عمر بن رسلان البُلْقَيْنِي المتوفى سنة ٨٠٥ هـ في "محاسن الاصطلاح" ص ١٠٩: قد أكثر يعقوبُ بن شيبة تلميذ علي بن المديني من تحسين الأحاديث في كتابه، وفي مواضع كثيرة يجمع بين الحسن والصحة، وجمع أبو علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه "الأحكام" بين الحسن والصحة والغرابة إثر كل حديث، وكان معاصراً للترمذي. ٧ - عناية العلماء بالمسند: استقطب "مسندُ" الإِمام أحمدَ اهتمامَ العلماءِ في كافَّةِ الأمصار والأعصار، وضربوا لسماعه أكبادَ الإِبل، ولقي مِن حفاوتهم وعظيم اعتنائهم وحِرصهم على قراءَته أو قراءةِ جزء منه ما يقضي منه المرءُ العَجَب العُجابَ، بل إنَّ بعضهم قد حَفِظَه كلَّه بالرَّغْم من أنه يَقرُب من ثلاثين ألف حديث،

стр. 82

وما ذاكَ إلا لأن هذا "المسند" قد حَوَى معظم الحديث النبوي الشريف، المصدر الثاني من مصادر شريعة الإِسلام، فقد جمعه مؤلِّفُه ﵁ وانتقاه ليكون مثابةً للناس وإماماً، وصرَّح بذلك، فقال: عملت هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناسُ في سنة رسول الله ﷺ رُجع إليه (١). وهكذا كان، فقد رُزِقَ هذا "المسند" من الشُّهرة والقَبول ما لم ينله كتابٌ آخر من المسانيد. وقد تجلَّت عنايةُ العلماء به في الوجوه التالية: أ- حرصهم على سماعه وقراءته: فقد كان لدى أئمة علم الحديث رَغْبَةٌ شديدةُ في تحصيل قراءته، والظَّفَر بسماعه، حتى إذا ظَفِر أحدُهم بسماع جزء منه لم يستطِعْ أن يُخفيَ فرحته بتحصيله، فها هو الحافظُ المتقن أبو موسى المديني يقول (٢): إن مما أنعم الله علينا أن رَزَقَنا سماعَ كتاب "المسند" للإِمام الكبير إمام الدِّين أبي عبد الله أحمد. ويُصوِّر الحافظ أبو موسى ما كان يَجِدُه المحدث في نفسه من غِبْطَةٍ وفخرٍ إذا وقع له جزء من أجزاء هذا "المسند" فيقول (٢): ولَعَمْري إن مَن كانَ مِن قَبْلِنا مِن الحفاظ يتبجَّحون بجزء واحد يَقَعُ لهم من حديث هذا الإمام الكبير. ويستشهد أبو موسى المديني لِقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المُزَني - وهو بشهادة المديني من الحفاظ الكبار المكثرين - لرجلٍ قَدِم عليه من بغداد كان أقام بها على كتابة الحديث إذ سأله أبو محمد المزنيُّ وذلك في سنة ستٍّ وخمسين وثلاث مئة عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق،

стр. 83

فقال في جُملَة ما ذكر: سمعتُ "مسند" أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالك في مئة وخمسين جزءاً، فعَجِبَ أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مئة وخمسون جزءاً من حديث أحمد ابن حنبل! كنا ونحن بالعِراقِ إذا رأينا عندَ شيخٍ من شيوخنا جزءاً من حديث أحمد ابن حنبل قَضَيْنا العجبَ من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا "المسند" الجليل! ثم ذكر المديني كيف أن الحاكمَ لم يبدأ بتأليف كتابه "المستدرك على الصحيحين" إلا بعد أن أقام في بغداد أشهراً، وسمع جملةَ "المسند" من أبي بكر بن مالك القَطِيعي. ومن طريف ما ذكره أبو موسى المدينيُّ في شِدة حِرْصِ العلماء على سماع "المسند" وعنايتهم به ما رواه عن أبي بكر القطيعي - وهو الذي انتشر "المسند" عنه - قال: رأيتُ أبا بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد (١) في النوم وهو على حالة جميلة، فقلت: أيَّ شيء كان خَبَرُك؟ قال: كل ما تحبُّ، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإنَّ الأمرَ هو ما نحن عليه وما أنتم عليه، ثم قال: بالله إلا حَفِظْتَ هذا "المسند"، فهو إمامُ المسلمين وإليه يَرجِعون، وقد كنتُ قديماً أسألك بالله إن أَعَرْت منه أكثر من جزء لمن تعرفه ليَبقى. ومما يُدهِشُ أيضاً أن بعضَهم قد حَفِظَه كُلَّه، فقد سُئِل الشيخ الإِمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإِمام الحافظ الفقيه محمد اليُونِينِي رحمهما الله تعالى - فيما رواه ابن الجَزَري (٢) -: أنت تحفظُ الكُتُبَ الستَّة؟ فقال: أحفَظُها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظُ "مسند"

стр. 84

أحمد، وما يفوتُ "المسندَ" من الكتب الستة إلا قليلٌ، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصلُه في "المسند"، فأنا أحفظها بهذا الوجه (١). وإن كان لا يفوتُ "المسند" من الكتب الستة إلا القليل، فإن مَنْ وَقَع له هذا "المسند" لم تَعُدْ به حاجةٌ إلى غيره، واستغنى به عما سواه، وهذا ما حصل لأبي بكر القطيعي، إذ قال - فيما رواه المديني (٢) -: حضرتُ مجلس يوسف القاضي (٣) سنة خمس وثمانين ومئتين، أَسْمَعُ منه كتاب "الوقوف"، فقال لي: مَنْ عنده "مسند" أحمد ابن حنبل و "الفضائل" أَيْشٍ يعمَلُ هاهنا؟ ويكفي لِتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا "المسند" أن نَذْكُرَ ما قاله فيه ابنُ الجزري (٤) حين وصفه فقال: هو كتابٌ لم يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه.

стр. 85

ب - تقريبه وتيسير الإفاده منه: وهذا هو الوجهُ الثاني من وجوه اعتناء العلماء بهذا الدِّيوان العظيم، فقد دَفَعَهُم إلى ذلك صعوبةُ البحث عن الأحاديث التي يحتاج إليها العالمُ منهُ، فكان أن ألَّفوا مؤلفاتٍ لتذليلِ هذه الصعوبة، وتيسير الاستفادة منه، فمن ذلك: ١ - ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمدُ ابن حنبل في "المسند" (١) للحافظ أبي القاسم ابن عساكر المتوفَّى سنة ٥٧١ هـ، طبع بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري. ٢ - ترتيبُ "المسند" للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الصامت ابن المُحبّ المتوفى سنة ٧٨٩ هـ، ذكره ابنُ الجزري في "المُصعَد الأحمد" ص ٣٩، وقال: رتبه على معجم الصحابة، ورتَّب الرواة كذلك كترتيب كتاب "الأطراف"، تَعِبَ فيه تعباً كثيراً، وقد أخذ هذا الكتاب المرتَّبَ من مؤلفه حافظُ الشام ومؤرخُ الإسلام عمادُ الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير المتوفى سنة (٧٧٤ هـ)، وأضاف إليه أحاديثَ الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، قال تلميذُه ابن الجزري في "المصعد الأحمد" ص ٤٠: وأجهَدَ نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظيرَ له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يُكمِلَه، فإنه عُوجِلَ بكفِّ بصره. ٣ - ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن

стр. 86

عمر المقدسي الحنبلي، المتوفى سنة ٨٢٠ هـ. انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين ٣/ ٢٢١. ٤ - "ترتيب مسند الإِمام أحمد على أبواب صحيح البخاري" وقد أَلَّفَ هذا الكتابَ الإِمامُ علي بن الحسين بن عُروة بن زُكْنون المتوفى سنة (٨٣٧ هـ)، وسماه "الكواكب الدراري"، قال السخاوي في "الضوء اللامع" ٥/ ٢١٤ في ترجمته: رتب "المسند" على أبواب البخاري، وسماه "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" وشرحه في مئة وعشرين مجلداً، طريقته فيه إنه إذا جاء لحديثِ الإِفك مثلاً يأخذ نسخةً من شرحه للقاضي عياض، فيَضَعُها بتمامها، وإذا مرَّت به مسألة فيها تصنيف مُفرَدٌ لابن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه، ويستوفي ذاك الباب من "المغني" لابن قدامة ونحوه. ويوجد من هذا الكتاب في المكتبة الظاهرية بدمشق المحمية عدةُ مجلدات تزيدُ على الأربعين، ومنه مجلدات في دار الكتب المصرية بمصر، وكان لهذا الكتاب فضلٌ كبير في حفظِ كثير من مؤلفات شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من الإِتلاف. ٥ - تهذيبُ المسند وترتيبه على الأبواب للشيخ الإِمام المحدث قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي الشهير بابن زُريق المتوفى (٨٤١ هـ)، وقد فُقِدت هذه النسخة فيما فقد في كائنة تيمور في دمشق سنة (٨٠٣ هـ). ٦ - أطرافُ الأحاديث التي اشتمل عليها المسند، للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، سماه "إطراف المُسنِدِ المُعتَلي بأطراف المُسنَد الحنبلي"، عندنا منه نسخة خطية (١).

стр. 87

٧ - "الفتحُ الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد ابن حنبل الشيباني" للشيخ العلامة أحمد بن عبد الرحمن البَنّا الشهير بالساعاتي المتوفى نحو سنة ١٣٧١ هـ/ ١٩٥١ م، وقد عَمَد فيه إلى السند فحذفه، ولم يُثبِتْه في المتن إلا في مواضع يسيرة حين تَمَسُّ الحاجةُ إلى ذكر اسم أحد رَواته، ثم إنه عَقَّب كُلَّ حديث بسنده في التعليق، وجمع الحديثَ الواحد المتكرر في غير ما موضعٍ، وجعله في مكان واحد بحيث لا يختَلُّ المعنى، وألمع إلى اختلاف الروايات، وميّز بينها بقوله: وفي رواية كذا وكذا … ثم إنه كَسَر الكتابَ على سبعة أقسام، وهي: التوحيد وأصول الدين، الفقه، تفسير القرآن، الترغيب، الترهيب، التاريخ، أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن، وأدرج تحت كلِّ قسم ما يدخُلُ في معناه من الكتب والأبواب، أما الأحاديث الطويلة الواردة في "المسند" فقد وَضَعها في أول باب يليق بها، ثم جزَّأ الحديث الواحد، فوضع كل جزء منه في الباب الذي يَنْدَرِجُ تحتَه. وهذا الكتاب مطبوع في القاهرة مع مختصر شرحه في أربعة وعشرين جزءاً. ٨ - ومن وجوه تقريبه صُنْعُ مختصرٍ له، وهذا ما فعله الشيخ الإِمام المحدث سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقّن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ. انظر "كشف الظنون" ٢/ ١٦٨٠. وكذا فعل الشيخ عمر بن أحمد الشّمَّاع الشافعي الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦ هـ، إذ انتقى من "المسند" كتاباً سماه "الدر المنضَّد من مسند أحمد". انظر "الكواكب السائرة" ٢/ ٢٢٥. جـ - في التأليف حوله: ومن مظاهر عناية العلماء بالمسنَد والاحتفاء به كثرةُ المؤلفات التي ألَّفها

стр. 88

أهلُ العلم فيه، وفي رجاله، وخصائصه، وشرح غريبه، وتجريد ثلاثياته (١)، وإعراب ما يُشْكِلُ من ألفاظه، فمن ذلك: ١ - غريبُ الحديث على مسند أحمد ابن حنبل، للغوي الزاهد أبي عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف بغُلام ثَعْلَب، المتوفى سنة (٣٤٥ هـ)، ذكره ابنُ أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ٢/ ٦٨٢ عن أبي القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدي قال: لم يتكلَّمْ في علم اللغة أحدٌ من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، قال: وله كتاب "غريب الحديث" صنَّفَه على مسند أحمد ابن حنبل، وجعل يستحسنُه جداً (٢). ٢ - "خصائص المسند" للحافظ أبي موسى المديني، المتوفى سنة (٥٨١ هـ)، طبع في أول كتاب "المسند" بتحقيق العلامة أحمد شاكر. وألَّف في خصائصه وفضائله أيضاً ابن الجزري المتوفى سنة (٨٣٣ هـ) كتاباً سماه "المصعد الأحمد في ختم مسند الإِمام أحمد"، وهو مطبوع كذلك في أول "المسند" بتحقيق العلامة أحمد شاكر. ٣ - تجريد ثلاثياته للإِمام العلّامة المحدّث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي المتوفى سنة (٦١٣ هـ). وللإِمام الحجة ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد

стр. 89

المقدسي المتوفى سنة (٦٤٣ هـ). وشرح بعضُهم هذه الثلاثيات كالعلامة المُتَفنِّن محمد بن أحمد بن سالم السفاريني المتوفى ١١٨٨ هـ، وسماه "نفثات صدر المُكْمَد وقرّة عين المسعَد بشرح ثلاثيات مسند الإِمام أحمد"، طبع في دمشق بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرنؤوط سنة ١٣٨٠ هـ. ٤ - تراجم رجاله، صنَّف في ذلك الإِمامُ الحافظ أبو المحاسن شمس الدين محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيني الشافعي المتوفى سنة ٧٦٥ هـ، كتاباً سماه "الإكمال في تراجم من له رواية في مسند الإِمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وقد طُبع بتحقيق عبد المعطي قلعجي سنة ١٩٨٩ م، ثم طبع سنة ١٩٩٢ م بتحقيق عبد الله السرور. قال ابنُ الجزري في "المصعد الأحمد" ص ٤٠: وأما رجال "المسند" فما لم يكن في "تهذيب الكمال" أفرده المحدثُ الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسن الحسيني بإفادة شيخنا الحافظ أبي بكر بن المحب فيما قَصَّرَ، وما فاته فإني استدركته وأضفته إليه في كتاب سميته "المقصد الأحمد في رجال مسند أحمد" وقد تَلِفَ بعضه في الفتنة، فكتبته بعد ذلك مختصراً. وألف الحافظ الناقدُ العلّامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢ هـ) كتاباً سماه "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" ويبدو لنا أن الحافظ ابن حجر قد ألفه على عجل، فليس فيه من التحقيقات المتقنة التي نقع عليها في عامة مؤلفاته، وهو مطبوع طبعة يفشو فيها التصحيف والتحريف والسقط سنة (١٣٢٤) هـ بحيدرآباد الدكن.

стр. 90

وقد فاته أن يترجمَ لعددٍ غير قليلٍ من رواة "المسند" الذين هم من شرطِهِ، وسننبه على ذلك في دراستنا للأسانيد إن شاء الله تعالى. ٥ - إفراد زوائده، وألف في ذلك الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة (٨٠٧ هـ) كتاب "غاية المُقْصَد في زوائد المُسند" أفرد زوائده على الكتب الستة بأسانيدها، ورتبها على الأبواب، وهذا الكتاب لم يُطبَع بعد، وعندنا منه نسخة مصورة (١)، وقد أُدرِجت زوائدُ "المسند" بعد حذفِ الأسانيد في "مجمع الزوائد" للمؤلف نفسه. ٦ - إعراب ما يُشكِل من ألفاظه، وألَّف في ذلك جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ كتابه المسمى "عقود الزَّبرجَد على مسند أحمد" طبع في بيروت. ولأبي البقاء العكبري كتاب "إعراب الحديث النبوي" أورد فيه أحاديث كثيرة من مسند الإمام أحمد، طُبِع ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق بتحقيق الأستاذ عبد الإِله نبهان. ٧ - الدفاع عن الأحاديث القليلة الموجودة فيه، التي انتقدها الحفاظ وحكموا عليها بالوضع، وألَّف في ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب "القول المسدَّد في الذَّبِّ عن مسند الإِمام أحمد" طُبع بدائرة المعارف بحيدرأباد، وفي غيرها. وألّف العلّامة محمد صبغة الله المِدْراسي الهندي ﵀ "ذيل القول المسدَّد" طبع مع "القول المسدَّد" بحيدرآباد، الطبعة الثالثة، سنة ١٩٧٩ م. ٨ - شرحه، وألف في ذلك حاشيةً نفيسة عليه العالم المحدث المحقق أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٩ هـ. وقد تضمنت تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب، وما إلى ذلك وهي عندنا وسيرد وصفها في الكتب التي استعنا بها وأفدنا منها.

стр. 91

د- روايته: انفرد عبدُ الله بن أحمد ابن حنبل برواية "المسند" عن أبيه، مع أنَّه سمعه مع أخيه صالح وابنِ عم أبيه حنبل بن إسحاق، فصالح - وهو أكبرُ أولاد الإمام - كان كثيراً ما يتغيَّبُ عن السماع سعياً وراءَ عياله (١)، ولعلَّ حنبلَ بن إسحاق اهتمَّ بفقه الإِمام أحمد أكثر من اهتمامه بحديثه (٢)، ومن ثَمَّ انفرد عبدُ الله بسماع سائر "المسند" عن أبيه (٣)، بل إن بعضَ الأحاديث سمعها منه مرتين وثلاثة (٤)، وقد أدَّى لنا "المسندَ" كما سمعه وزاد عليه أحاديثَ عن عوالي شيوخه (٥) وقد بلغ عددهم مئة وثلاثةً وسبعين شيخاً (٦). وثَّقه النسائي والدارقطني والخطيب وغيرهم، وحدَّث عنه النسائي وابن صاعد، وأبو علي بن الصواف، وأبو بكر بن النّجاد، وأبو بكر القطيعي، وخلق كثير. كانت ولادته سنة (٢١٣ هـ)، وتوفي سنة (٢٩٠ هـ) عن سبع وسبعين سنة (٧). وقد انتهى إلينا "المسندُ" برواية ابنِ الحُصَيْن عن ابن المُذْهِب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن الإِمام أحمد. فأما الراوي عن عبد الله: فهو أبو بكرٍ أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك القَطِيعيُّ، ولد سنة (٢٧٤ هـ)، سمع "المسند" مع عمِّ أمه عبد الله بن الجصَّاص، وكان لأبيه جعفر اتصالٌ بالدولة، وكان عبدُ الله يقرأ "المسنَدَ" لابن ذلك السلطان، فحضر القطيعيُّ أيضاً، وسَمِعه منه (٨).

стр. 92

وقد اتَّهمه ابنُ أبي الفوارس، فقال: لم يكن بذاك، له في بعض "المسند" أصولٌ فيها نَظَر، ذُكر أنه كتبها بعد الغَرق (١). وكانت القطيعةُ - حيث يسكن - قد غَرِقت، فغرق فيها بعضُ كتبه، فَغَمَزَه الناس لاستحداث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعُه (٢)، وقد دافع ابنُ الجوزي عن هذه التهمة بقوله: ومثلُ هذا لا يُطعَنُ به عليه، لأنه يجوزُ أن تكونَ تلك الكتبُ التي غَرِقَت قد قُرِئَتْ عليه، وعُورِض بها أصلُه، وقد روى عنه الأئمةُ كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني وأبي نعيم والحاكم (٣). وقال الخطيب البغدادي: لم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا تَرَك الاحتجاجَ به (٤). وقال الحاكم: ثقة مأمون (٥). توفِّي أبو بكر سنة (٣٦٨ هـ) وله خمس وتسعون سنة (٦). وأما الراوي عن القَطيعي: فهو أبو علي الحسنُ بن علي ابن المُذْهِب، البغداديُّ الواعظ. وُلِدَ سنة (٣٥٥ هـ). قال الخطيب البغدادي: كَتَبْنا عنه، وكان يروي عن ابنِ مالك القَطيعي "مسنَد" أحمد ابن حنبل بأسْرِه، وكان سماعُه صحيحاً إلا في أجزاء منه، فإنَّه أَلْحَقَ اسمَه فيها (٧). وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة أيضاً بقوله: هذا لا يوجب القدحَ، لأنه إذا تيقَّنَ سماعه لِلكتاب جاز أن يكْتُبَ سماعَه بخطه (٨).

стр. 93

وقال أبو بكر ابن نُقْطَة: ليتَ الخطيب نبَّه في أيٍّ مسندٍ تلك الأجزاءُ التي استثنى، ولو فَعَل لأتى بالفائدة، وقد ذكرنا أن مسنَدي فَضالة بن عُبيد، وعوف بن مالك لم يكونا في نسخة ابن المُذْهِب، وكذلك أحاديثُ من مسند جابر، لم تُوجَدْ في نسخته، رواها الحرَّاني عن القطيعي، ولو كان ممن يُلحِقُ اسمه كما قيل لألحق ما ذكرناه أيضاً، والعجبُ من الخطيب يَرُدُّ قولَه بفعله (١). قلنا: ويقوي هذا أنَّ الحافظ ابنَ عساكر قد روى "المسند" من طريق ابن المُذْهِب وليس في نسخته مسندُ فضالة بنِ عبيد وعوفِ بن مالك، فقد قال في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة": عوفُ بن مالك الأشجعي في جزءٍ فيه فضالة بن عبيد، ولم يَقَعْ إلينا مسموعاً (٢). وقال ابن حجر في "أطراف المسند": وهو فَوْتٌ لابنِ المُذْهِبِ على القَطيعي لم يسمَعْهُ منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بِشران، وحدَّث به عنه أبو الحسن علي بن العَلَّاف، وهذا العلّاف قد أجاز لأبي القاسم بن عساكر ولأبي موسى المديني وطائفة، فيمكن اتصالُه بالإِجازة من طريق بعضهم (٣). توفي ابنُ المُذْهِبِ سنة (٤٤٤ هـ) (٤). وأما الراوي عن ابن المُذْهِبِ: فهو أبو القاسم هبةُ الله بنُ محمد بن عبد الواحد بن الحُصَيْنِ الشَّيباني البغدادي. ولد سنة (٤٣٢ هـ).

стр. 94

قال ابن الجوزي: كان ثقةً، صحيحَ السماع، وسمعتُ منه "مسنَد" الإِمام أحمد جميعَهُ (١). وقال السَّمعاني: شيخٌ ثقة، دَيِّنٌ، صحيحُ السماع، واسعُ الرواية (٢). وقد حدَّث عن ابنِ الحُصين أيضاً أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وحنبل بن عبد الله المكبِّر. وعن ابن الحصين اشتهرت روايةُ "المسند" وذاع في جميع البلدان، ورواه العَدَدُ الجَمُّ مِن الحفاظ الثقات، وتَصدوا لإِسماعه وروايته. تُوفِّي ابنُ الحُصين سنة (٥٢٥ هـ) (٣). وللحافظ أبي موسى المديني طريقٌ آخر للمسند ينتهي إلى القطيعي أورده في كتابه "خصائص المسند" قال: فإن مما أنعم الله علينا أن رَزَقَنا سماعَ كتاب المسند للإِمام الكبير، إمام الدِّين أبي عبد الله أحمدَ بنِ محمد بن حنبل الشيباني، رحمه الله تعالى، فحصَّل لي والدي ﵀ وجزاه عني خيراً - إحضاري قراءته سنةَ خمس وخمس مئة على الشيخ المقرئ بقيةِ المشايخ أبي علي الحسن بن الحدَّاد، وكان سماعُه لأَكثره عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ - وما فاته منه قُرِئ عليه بإجازته له - وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، على ما تنطِقُ فهرست مسموعاتي بخط والدي ﵀ (٤). ١ - أما أبو علي بن الحدّاد، فهو مسندُ العصر، الشيخُ الإِمام،

стр. 95

الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مِهْرة الأَصْبَهَاني، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً. وُلِدَ سنة (٤١٩ هـ)، وبدأ بالسماع سنة (٤٢٤ هـ) وبعدها، وأكثر عن أبي نعيم الحافظ، ومن جُملة ما سمع منه "مسند" الإِمام أحمد. قال السمعاني: هو أجلُّ شيخٍ أجاز لي، رَحَلَ الناسُ إليه، وكان خيراً صالحاً ثقة. توفي سنة (٥١٥ هـ) (١). ٢ - وأما أبو نعيم: فهو الإِمامُ، الحافظُ، الثقة، أحمدُ بن عبدِ الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مِهران، الأصبهاني، صاحب كتاب "حِلية الأولياء"، و "تاريخ أصبهان"، و "معرفة الصحابة"، و "المستخرج على الصحيحين". وُلِدَ سنةَ (٣٣٦ هـ). كان حافظاً مبرِّزاً، عاليَ الإِسناد، تفرَّد في الدنيا بشيء كثيرٍ من العوالي، وهاجر إلى لُقِيّةِ الحفاظ. توفي سنة (٤٣٠ هـ) (٢). ٣ - وأما أبو علي بنُ الصواف: فهو الشيخُ، الإِمام، المحدث، الثقة، الحجة، محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق البغدادي. ولد سنة (٢٧٠ هـ). قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثلَ أبي علي بن الصواف.

стр. 96

وقال ابن أبي الفوارس: كان أبو علي ثقة مأموناً، ما رأيتُ مثله في التحرُّزِ. توفي سنة (٣٥٩ هـ) وله تسع وثمانون سنة (١). وممن سَمِع "المسند" من ابن الحصين: المُسْنِد، المعمَّر، الصالح، أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سَعادة، الواسطي البغدادي، الرُّصافي، المكبِّر، وهو آخرُ من روى "المسند" عنه، فألحق الصغارَ بالكبار (٢). وُلِدَ سنة (٥١١ هـ)، فبادر والدُه إلى شيخ الإسلام عبد القادر الكيلاني، فأعلمه أنه وُلِدَ له وَلَدٌ ذكر فقال: سمِّ ابنك حنبلاً، وأسمِعْه "المسند" فإنه يُعَمَّر ويُحْتَاجُ إليه (٣). فسمَّعه أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره جميعَ "المسند" من ابنِ الحصين بقراءة نحويِّ عصره أبي محمد بن الخشَّاب، وذلك في رجب وشعبان سنة (٥٢٣ هـ) (٤). قال ابن الأنماطي: تتبَّعتُ سماعَ حنبل للمسند من عدة نُسَخ وأَثبات، وخطوط أئمة أثبات، إلى أن شاهدتُ بها أصولَ سماعه لجميع "المسند" سوى أجزاء من مسند ابن عباس، شاهدت بها نَقْلَ سماعه بخط من يُوثَق به. وسمعتُ منه جميعَ "المسند" ببغداد في نيف وعشرين مجلساً، ثم أخذتُ أرغِّبُه في السفرِ إلى الشام، وقلتُ له: يَحصُلُ لك مِن الدنيا شيء، وتُقْبِلُ عليك وجوهُ الناس، فقال: دعني، فو الله ما أُسَافِرُ من أجلهم، ولا لما يحصُل منهم، إنما أسافر خدمةً لِرسول الله ﷺ ، أروي أحاديثَه في بلدٍ لا تُرْوى.

стр. 97

قال: ولما عَلِمَ الله تعالى نيتَه الصالحةَ، أقبل بوجوه الناس عليه، وحرَّك الهممَ للسماع عليه، فاجتمع عليه جماعةٌ ما اجتمعوا بمجلسٍ بدمشق. قال ابنُ الجزري: وذلك في مجالس، آخِرُها في صفر سنةَ ثلاث وست مئة. قالَ ابنُ الأنماطي: فحدَّث بالمسند بالبلدِ (يعني بدمشق) مرة، وبالجامع المظفَّري (أي بالصالحيَّة) أخرى، وازدحم عليه الخلقُ، وسمع منه السلطان الملك المعظَّم وأقاربه، وأبو عمر الزاهد، وسائر المقادسة (١)، وحدَّث عنه الكبارُ بالمسند كالشيخ الفقيه ببَعْلَبَك (ت ٦١٧ هـ، السير ٢٢/ ١٠١)، وقاضي الحنفية شمس الدين عبد الله بن عطاء (ت ٦٧٣ هـ، الجواهر المضية ٢/ ٣٣٦)، والشيخ تقي الدين بن أبي اليُسر (ت ٦٧٢ هـ، الوافي بالوفيات ٩/ ٧١)، والشيخ شمس الدين بن قُدَامة (ت ٦٨٢ هـ، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٠٤)، والشيخ شمس الدين أبي الغنائم بن عَلّان (ت ٦٣١ هـ، السير ٢٢/ ٣٦٢)، والشيخ أبي العباس بن شيبان (ت ٦٨٥ هـ، الوافي ٦/ ٤١٧)، والشيخ فخر الدين بن البخاري (ت ٦٩٠ هـ، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٢٥)، والمرأة الصالحة زينب بنت مَكِّي (ت ٦٨٨ هـ، العبر ٥/ ٣٥٨). وأما من حدَّث عنه ببعض "المسند" فعددٌ كثير، ورجع إلى وطنه، فمرَّ

стр. 98

على حلب، فحدَّث بالمسند بها، ثم بالمَوْصِلِ، فحدَّث بالمسند بها أيضاً وبإربل، ودخل إلى بغداد بخيرٍ كثير. فتوفي بالرُّصافة في نصف المحرَّم سنة (٦٠٤ هـ) عن نحو ثلاث وتسعين سنة، رحمه الله تعالى (١). وعن حنبلٍ روى "المسند" الإِمامُ، العالم، المحدِّث، الفقيه، الصَّالح، الثقة، الأمين، فخر الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد، السَّعْدي، المقدسي، الحنبلي، الشهير بابن البخاري، المتوفى سنة (٦٩٠ هـ) بجبل قاسيون. قال ابن الجزري: وقد قرئ عليه "المسندُ" مراتٍ، آخِرُها في سنة (٦٨٩ هـ)، سَمِعَهُ منه جماعات بقراءة الإِمام كمال الدين أحمد بن أحمد بن محمد بن الشريشي (ت ٧١٨ هـ، الدرر الكامنة ١/ ٢٥٢)، منهم شيختنا أم محمد ست العرب بنت محمد (ت ٧٦٧ هـ، شذرات الذهب ٦/ ٢٠٨)، وآخرهم شيخنا صلاح الدين محمد بن أحمد (٢). وصلاح الدين: هو الشيخ الصالح، الصدوق، الدَّيِّن، الخيِّر، المُسْنِد، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة، المقدسي، الحنبلي. قال ابن الجزري: أخذتُ عنه "المسند" كاملاً بقراءتي وقراءةِ غيري في نحو سبعِ سنين. وسببُه أن نسخة أصلِ سماعِه كانت بخطِّ الحافظ الضياء رحمه الله تعالى فوُجِدَ بعضُها، وكان شيخُنا الحافظ الكبير شمس الدين أبو بكر ابن

стр. 99

المُحب يُحَرِّضُنا على سماع "المسند" منه، ويقول: لا تشكُّوا في أنه سمعه كاملاً، فكنا نقرؤه من نسخة وَقْفِ البَاذْرائية (مدرسة لا تزال إلى يومنا هذا بمحلة العَمارة الجُوَّانية شمال شرق جامع بني أمية) لوضوحها، وكان بعضُ المحدثين قد احتاط عليها، ولا يُعطي منها شيئاً إلا بعد تعبٍ كثير فطالَتْ المدةُ لذلك. وسمعه أيضاً كاملاً الشيخُ صدرُ الدين سليمان الياسوفي (ت ٧٨٩ هـ، الدرر ٢/ ١٦٦)، والشيخُ بدر الدين محمد بن مكتوم، والشيخُ شهاب الدين أحمدُ بن شيخنا عماد الدين بن الحُسْباني (ت ٨١٥ هـ، إنباء الغمر ٧/ ٧٨)، والشيخ شهابُ الدين أحمد بن الشيخ علاء الدين حِجِّي (ت ٨١٦ هـ، إنباء الغمر ٧/ ١٢١)، والمُحدِّث شمسُ الدين محمد بن محمود بن إسحاق الحلبي، والشيخُ الإمام ناصرُ الدين محمد بن عشائر الحلبيُّ (ت ٧٨٩ هـ، الدرر ٤/ ٨٥)، والشيخ جمالُ الدين محمد بن ظُهَيْرة المكي (ت ٨١٧ هـ، العقد الثمين ٢/ ٥٣)، وصاحبنا أبو عبد الله محمدُ بنُ محمد بن ميمون البَلَوي الأندلسي (ت بعد التسعين وسبع مئة، غاية النهاية ٢/ ٢٥٥)، والفقيهُ الفاضل شمسُ الدين محمد بن عثمان بن سَعْد بن السَّقَّا المالكي وغيرهم. وسمع بعضه عليه جماعة كثيرون. ولم يَظْهَر سماعُه بالمجلد الثاني من مسند أبي هريرة، ولا بمسند عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رِمْثَة نحو ثلاثة أوراق، ولا بمسند الكوفيين، ومسند ابن مسعود، ومسند ابن عمر، ومسند الشاميين، ومسند المكيين لعدم وقوفنا على ذلك من نسخة الحافظ الضِّياء، فكنا نقرأ ذلك عليه إجازةً إن لم يكن سماعاً، فظَهَر قبلَ موته مُجَلدان من ذلك بخطِّ الحافظ الضياء، وفيهما أَصْلُ سماعِه، فقال لنا الحافظ ابن المحبِّ: ألَمْ أقلْ

стр. 100

لكم: إنه سمع جميعَ "المسند". ثم بعد وفاة الشيخ صلاح الدين ظهر تتمَّةُ "المسند" بخط الحافظ الضياء، وظهر سماعُه فسُرَّ طلبةُ الحديث بذلك. وكانت وفاته سنة (٧٨٠ هـ) بمنزله بدَيْر الحنابلة بسَفْح قاسيون (١). وذكر المُحَدِّثُ المتقنُ الشيخ أبو بكر محمدُ بنُ خَيْر الإِشبيلي، المتوفَّى سنة (٥٧٥ هـ)، في "فهرسته" (٢) من مروياته "مسند" الإِمام أحمد، وقال: حدثني به الشيخُ أبو محمد بن عتاب إجازةً، قال: حدثنا به أبو عمر بنُ عبد البر إجازةً، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبدُ الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي ﵀. ثم قال: قال ابن عبد البر: وكذلك ناوَلَنِيه وأجازه لي أبو القاسم عبدُ الرحمن بن عبد الله بن خالد الوَهْراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه، ﵀. قال أبو محمد بن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو عمر أحمد بن محمد بن الحَذَّاء، وأبو القاسم حاتِمُ بنُ محمد الطرابُلُسِي، قالا: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوَهْراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبدِ الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه. وذكر أيضاً إسنادَه من طريق ابن الحُصَيْن. وقال القاسم بن يوسف التُّجِيبيُّ السَّبْتي المتوفى سنة (٧٣٠ هـ) في

стр. 101

"برنامجه" (١) ص ١٢١ - ١٢٢: سمعتُ يسيراً من "المسند"، وذلك جميع مسندِ أبي بكر الصديق ﵁، على الشيخ الفقيه المفتي علاء الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان بن سالم بن سلامة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن العَطَّار، وأجازنا جميعَه بحقِّ سماعه لجميعه على أبي محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التَّنُوخي، بحق سماعه من أبي علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرُّصافي البغدادي المكبِّر بجامع المهدي بالرصافة، بحقِّ سماعه لجميعه من أبي القاسم هبةِ الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، بحقِّ سماعه من أبي علي الحسن بن علي بن المُذْهِب التميمي، بسماعِهِ من الإمام أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القَطيعي، بسماعه من أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، بسماعه من أبيه أحمد بن محمد بن حنبل، ﵏ أجمعين. وأخبرنا أيضاً به الشيخُ الفقيهُ الإمامُ - جار الله تعالى ونزيلُ حَرَمه - الأمين فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد المالكي فيما شافهنا به من إذنه، وأقرَّ لنا بروايته، قال: قرأتُه على سفير الخلافة العباسية نجيب الدين أبي الفرج عبدِ اللطيف بن عبد المنعم الحراني في سنة إحدى وستين وست مئة بمنزله من القاهرة، بحقِّ سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد الحربي في سنة ست وتسعين وخمس مئة ببغداد، بسماعه من أبي القاسم بن الحصين المذكور بالسند المذكور.

стр. 102

وكتب إلينا عامّاً المسنِدُ الأجلُّ، فخر الدين، أبو الحسن عليُّ بنُ الإِمام أبي العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، المعروف بابن البُخاري، رحمه الله تعالى، قال: سمعتُ جميع هذا "المسند" على حنبلٍ المذكور، وهو آخِرُ من رُوي عنه في الدنيا. وقال العلامة المحدث محمد بن جابر الوادي آشي الأصل، التونسي مولداً وإقامة، المتوفى سنة (٧٤٩ هـ)، في "برنامجه" (١): ناولني "مسند الإمام أحمد" الشيخُ جمال الدين أبو يعقوب يوسف المِزِّي بدمشق، وكان في أربعة وعشرين سِفْراً، وأجازَنِيهِ، وحدثني به بحقِّ سماعه لجميعه على أبي الغنائم المسلَّم بن محمد بن المسلَّم بن علَّان القيسي، وبجميعه إلَّا مسندَ بني هاشم على أبي العباس أحمد بن شيبان بن تغلب، بسماعهما من حنبل بن عبد الله الرصافي، عن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحُصَيْن، عن أبي علي بن المُذْهِب، عن أبي بكر القَطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، مع ما فيه من زيادات عبد الله عن شيوخه. وقد ذكر الوادي آشي (٢) أن صفي الدين محمود بن أبي بكر بن محمود الأُرْمَوي القَرَافي المتوفى سنة (٧٢٣ هـ) قرأ "المسند" على المسلَّم بن علان. وذكر أيضاً (٣) أن الإِمامَ المحدِّثَ البارعَ المتقن شهاب الدين أحمد بن فَرْح بن محمد الإِشبيلي الأندلسي الشافعي المتوفى سنة (٦٩٩ هـ) سمع

стр. 103

"المسند" على شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصاري، بسماعه من عبد الله بن أحمد بن أبي المَجْد الحَرْبي، بسماعه من ابن الحُصين (١). ٨ - وصف النسخ المعتمدة: اعتمدنا في تحقيقنا للمسند على عِدَّةِ نسخٍ خطية، حصلنا على صُوَرٍ عنها من دمشق والقاهرة وبغداد والمَوْصِل واستنبول والرياض، منها ما هو كاملٌ لا نقصَ فيه، ومنها ما وقع فيه بعضُ النقص، أو كان قطعة من المسند، وإليك وصفَ هذه النسخ: ١ - نسخة المكتبة القادرية (٢) ببغداد تحت رقم (٦٦١) وقد رمزنا إليها بالرمز (ق). وهذه النسخة متقنة يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيها، نُسخت بخطٍّ جميل واضح، حديثِ العهد، فقد كتبت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وهي نسخة مقابلة على نسخٍ صحيحة، بعضُها قديم قد تداولها أهلُ العلم كابنِ عساكر وغيره من أئمة الحديث، كما يظهر ذلك مما كتبه الشيخ أبو الخير الخطيب على هوامش الكتاب، وقد أثبتنا نصوصَ ما كتبه في وصفنا لِكل جزء من هذه النسخة.

стр. 104

وهذه النسخة كاملة، تحتوي على المسندِ كُلِّهِ، وتقعُ في أربعة مجلدات، على النحو التالي: - المجلد الأول: وعَدَدُ صفحاته (٥٦٩) صفحة، ويبتدئ بمسند أبي بكرٍ الصديق ﵁، و ينتهي بمسند أبي رمثة ﵁. وعلى لوحة العنوان طبع خاتم، نصه: هدية من وقف عاتكة خاتون إلى مكتبة المدرسة القادرية العامة، وقد تكرر هذا الخاتم في المجلدات الثلاثة الباقية. وجاء في الصفحة الأخيرة منه ما نصه: قد تمَّ هذا المجلد الأول من مسند الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله تعالى به وبعلمه، يومَ الأحد لخمسة عشر يوماً مضين من شهر جمادى الآخرة من شهور سنةِ الألفِ ومئتين وخمسة وتسعين هجرية، على صاحبها أفضلُ صلاة وأكملُ تحية، بقلم الحقيرِ الفقيرِ، أفقرِ العباد وأذلِّهِمْ وأدناهم محمد الحافظ بن علي بن ملا أحمد سبتة الشيخلي (١)، غفر الله له وللمؤمنين أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لكتابته كله آمين. وعلى هامش الصفحة الأخيرة ما نصه: بلغ ولله الحمد والمنة مقابلةً إلى انتهاء هذا الجزء الشريف على نسخة مقابلة صحيحةٍ على حسب طاقة هذا العبدِ العاجز الحقير، ما عدا من صحيفة إحدى وستين إلى صحيفة مئة وتسع وأربعين، فإن نسخة المكتبة مخرومة من هذا الموضع، وأمعنتُ النظرَ في المكتبة فلم أجد عن هذا الموضع أصلاً. ثم إني إن عثرتُ عندَ أحدٍ من أهل العلم أُتِمُّ ذلك إن شاء الله تعالى، وأكتبُ بأني عثرتُ وتممتُ، وإلا فلا حولَ

стр. 105

ولا قوةَ إلا بالله، حيث إن أكثر كتب الإسلام انتقلت إلى غير بلادنا … الفقير إليه تعالى محمد أبو الخير ابن المرحوم الشيخ عبد القادر الخطيب، خطيب الجامع الأموي (١). وعلى هامشها أيضاً ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لمستحق الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه أولي الفضل والمجد، قد سَهَّل الله تعالى بمنه وكرمه نسخة فقابلت عليها الذي لم يكن مقابلاً قبله، وهو من صحيفة إحدى وستين إلى صحيفة مئة وتسع وأربعين … والحمد لله رب العالمين، الفقير إليه تعالى محمد أبو الخير الخطيب. - المجلد الثاني: وعدد صفحاته (٥١٢) صفحة، ويبتدئ بمسند أبي

стр. 106

هريرة ﵁، وينتهي بمسند أنس بن مالك ﵁. وجاء في الصفحة الأخيرة ما نصه: تمَّ المجلدُ الثاني من مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ويليه المجلدُ الثالث، أوله: مسند جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وقد تم بقلم الحقيرِ الفقير، أفقرِ العباد وأذلهم وأدناهم محمد بن علي بن ملا أحمد سبتة، غفر الله له ولوالديه ولكافة المؤمنين والمؤمنات، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لتتمة كمال المسند بجاه سيدنا محمد ﷺ ، وذلك غُرَّةَ جمادى الأولى سنة السادسة والتسعين بعد المئتين وألف هجرية. وجاء على هامش الصفحة الأخيرة ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، حمداً لمستحق الحمد، وصلاة وسلاماً على سيدنا محمد وآله وأصحابه أولي الفضل والمجد، وعلى الأئمةِ الأربعة الذين شادوا الدينَ، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فقد حصل - ولله الحمد والمنة - مقابلةُ الجزء الثاني من مسند سيدنا الإِمام أحمد بن حنبل من أوله إلى مسند سيدنا أبي سعيد الخدري على الأصل الذي قابلتُ عنه الجزء الأول، وقد سَهَّل الله تعالى لي المقابلة أيضاً من مسندِ سيدنا أبي سعيد الخدري على أصل قوبل على نسخةِ سيدنا عبد الله بن الإِمام أحمد ابن حنبل قد تداولها أئمة أعلام، وجهابذةٌ فخام، كابن عساكر وأمثاله من الرجال أئمة الحديثِ، جمعنا الله وإياهم، ومن قوبل لأجله هذا الكتاب الشريف تحتَ لواء سيد المرسلين مع السابقين الأولين بحرمة سيدنا محمدٍ وآله أجمعين. غير أن تلك النسخة المقابل عليها النقطُ بها قليل، وعلى رسم الخط القديم الذي يَقْرُبُ من الكتابة الكوفية، فأمعنت جهدي في المقابلة على حسب طاقتي، وإني معترف بالعجز والتقصير، وقد وجدتها ناقصة ورقة واحدة، فلم أجد نسخة أخرى أقابل عليها تلك الورقة، وقد كتبت على طرف الهامش بالقلم الأحمر

стр. 107

بأنه ناقص من الأصل ورقة، وتلك الورقة هي ورقة مئة واثنين وسبعين، وثلثا ورقة مئة وثلاث وسبعين، وجملة الأسطر اثنان وستون سطراً فقط التي لم تقابل، وبقية الجزء الثاني - ولله الحمد والمنة - قد قوبلت تماماً وكمالاً، جعل الله ذلك في حيِّز القبول بجاه أفضلِ رسول، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين … محمد أبو الخير الخطيب. - المجلد الثالث: وعدد صفحاته (٦٤٥) صفحة، يبتدئ بمسند جابر بن عبد الله ﵁، وينتهي بمسند أُبي بن كعب ﵁. وجاء في الصفحة الأخيرة: أنه نسخ في ١٣ صفر الخير من سنة ١٢٩٨ هـ. وجاء على هامش الصفحة الأخيرة ما نصه: بلغ ولله الحمد مقابلةً ما عدا ثمانية وعشرين ورقة من أثناء مسند جابر إلى مسند صفوان بن أمية، ويعلم الله بأني أعملت جهدي (١)، فلم أجد أصلاً أقام (كذا) عليه هذه الورقات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الفقير إليه تعالى محمد أبو الخير بن الشيخ عبد القادر الخطيب، رحمه الله تعالى. - المجلد الرابع: وعدد صفحاته (٦٤٢) صفحة، يبتدئ بمسند أبي ذر الغفاري ﵁، وينتهي بحديث شداد بن الهاد ﵁، وهو نهاية المسند. وجاء في الصفحة الأخيرة ما نصه: وقد وقع الفراغ من كتابة هذا المسند المبارك للإِمام أحمد ابن حنبل عليه الرحمة، يوم الاثنين ثالث والعشرين من

стр. 108

شهر ربيع الثاني من شهور سنة التاسعة والتسعين بعد المئتين وألف، وذلك بحول الله وقوته، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بقلم الحقير الفقير، الراجي عفو ربِّه القدير، عبده محمد بن علي بن ملا أحمد سبتة الشيخلي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين، وأستغفر الله من الغلط والسهو والنسيان في حديث من لا ينطق عن الهوى، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه أجمعين. وجاء فيها أيضاً ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لمستحق الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أولي الفضل والمجد، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد بلغ هذا الجزء الشريف مقابلة من أوله إلى آخره على حسب طاقة هذا العبد الضعيف العاجز، وشَرُفنا بروايته ومقابلته على أصل صحيح، فالحمد لله تعالى على التمام، وأسأله تعالى حُسْنَ الختام، جمعنا الله تعالى مع جامع هذا المسند ومستكتبه وكاتبه ومن قابل هذا الكتاب، تحت لواء سيد المرسلين مع السابقين الأولين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، والحمد لله رب العالمين. الفقير لرحمة القريب المجيب محمد أبو الخير ابن الشيخ عبد القادر الخطيب. ٢ - نسخة مكتبة الأوقاف العامة بالموصل، تحت رقم (٦٤٠)، وقد رمزنا لها بالرمز (ص). وهي منسوخة عن أصل العلامة عبد الله بن سالم البصري التي رمزنا لها بـ (س)، وهي نسخة نفيسة مقابلة وسيرد وصفها بعد قليل، وقد أثبت ناسخ (ص) جميع ما في حواشي (س) وتقع هذه النسخة في مجلدين يتضمنان ثلثي "المسند".

стр. 109

- المجلد الأول: ويقع في (١١٠٠) صفحة، يبتدئ بمسند أبي بكر، وينتهي بمسند أبي هريرة. - المجلد الثاني: ويقع في (١٠٢٤) صفحة، يبتدئ بمسند أبي سعيد الخدري، وينتهي بمسند أبي برزة الأسلمي. ولأن المجلد الثالث من هذه النسخة لم يقع لنا، فلم نقف على اسمِ ناسخها، ولا على تاريخِ النسخ، لكن يَظْهَرُ من نوع الخط أنها نُسِخَتْ بعد الألف للهجرة. وقد جاء على اللوحة الأولى منها ثبت بسندِ الشيخ عبد الله بن سالم البصري، ويغلب على ظننا أن هذا السند ألحق إلحاقاً بهذه النسخة لاختلاف خطها عن خط النسخة ولعدم ورود أي شيء في هوامش النسخة يدل على إنها مسموعة، والله أعلم. وفي اللوحة نفسها ما يدل على أنها ملكت شراءً من مكة بعد سنة (١١٣٢ هـ). ٣ - نسخة دار الكتب المصرية، تحت رقم (٤٤٨) و (٤٤٩) حديث، وقد رمزنا لها بالرمز (س). وهي نسخةٌ نفيسة متقنة قُوبِلَتْ على عِدَّةِ نُسَخٍ خطية أكثرُها قديم، منها نسخةُ الحافظ ابنِ عساكر. وهذه النسخة هي نسخةُ العلامة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة (١١٣٤ هـ)، قرأها عليه العالم الشيخ محمد بن عبد الله المغربي (١) في المسجد النبوي في المدينة المنورة في ستة وخمسين مجلساً.

стр. 110

وقد حُليت الهوامش بتعليقات نفيسة تتضمن تصحيحَ بعضِ ما وقع من الخطأ عند النسخ، وإثباتَ فروق النسخ، وتصويبَ الخطأ الواقع في أسماء الرواة، والتعريفَ ببعض الرواة المبهمين، وتفسيرَ الألفاظ الغريبة، وقد كانت هذه النسخة تقرأ بمحضر من أعيانِ أهل المدينة ومن الفضلاء الذين قَدِمُوا من مكة إلى المدينة بصحبةِ الشيخ عبد الله بن سالم البصري. وتقع في ثلاثة مجلدات، الموجودُ منها المجلدُ الأول والثاني، والثالث مفقود، وأما المجلدان، فيمثلان ثلثي "المسند". - المجلد الأول: وعَدَدُ أوراقه (٥٩٥) ورقة، يبتدئ بأول "المسند"، وينتهي بمسند أبي هريرة. وجاء في الورقة الأخيرة منه أنه وقع الفراغ من نسخه وقتَ الضحى من يوم الأحد (١٥) ذو القعدة سنة (١١١٩ هـ). وناسخه هو أحمد بن القاضي سليمان بن محمد بن الخليل الأحسائي. وقد ذُكِرَ في اللوحة الأولى من هذا المجلد إسنادُ الشيخ عبد الله بن سالم البصري بالمسند إلى مؤلِّفه الإِمامِ أحمد بن حنبل، وهاك نصُّه:
следующие страницы →