← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 257

رفع اليدين في الصلاة

ابن القيم

Полный текст (343 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيا لله العجب! كيف ينكر عليهم رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه ــ بزعمكم ــ وهو يفعله دائمًا، وهم يشاهدونه ويأخذونه عنه، ويفعلونه في حياته وبعده، ويَحْصُب بعضُهم من لم يفعله، ويخبر عمر بن عبد العزيز: أنهم كانوا يؤدَّبون على تركه؟! وكيف لم يَنْتهوا عنه بعد هذا النهي؟! وكيف فهموا من هذا الترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولم يفهموا تركه عند الافتتاح؟! أفترى إذا رُفِعت الأيدي عند الافتتاح لم تكن كأذناب الخيل؟! وإذا رُفِعت للركوع صارت حينئذٍ كأذناب الخيل فيتناولها النهي؟! إن هذا من عَجب (١) العَجَب! وأعجبُ منه أن يكون قد نهاهم عنه وأمرهم بضده، ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه أطاع هذا الأمر وانتهى عما نهى عنه، إلا ما يُروى [ق ٣٤] عن ابن مسعود وحده إن صح. وأعجبُ منهما رواية الصحابة عنه ﷺ الرفعَ الذي قد نهى عنه ــ بزعمكم ــ وتبليغه للأمة وتعليمهم إياه وإشاعتهم له مع كونه منهيًّا عنه! فليتأمل المُنصف ما تبلغ نُصرةُ أقوال الرجال والتعصّب للمذاهب بصاحبها، فنسأل الله التوفيق بمنّه وكرمه.

стр. 142

قالوا (١): ولا ندري أعَلِمَ صاحبُ هذا الاستدلال سبب الحديث، وأن القوم كانوا إذا سلَّموا من الصلاة رفع أحدُهم يدَه اليمنى مشيرًا بها إلى مَنْ عن يمينه، ثم رفع اليسرى مشيرًا بها إلى مَن عن شماله كذلك، فنُهوا عن ذلك وأُمِروا بالاقتصار على السلام، وقيل لهم: إنما يكفي أحدكم أن يسلّم على أخيه مِن عن يمينه وعن شماله: السلامُ عليكم ورحمة الله، السلامُ عليكم ورحمة الله، أم لم يعلم أن ذلك هو المنهيّ عنه؟ فإن كان لا يدري فتلك مصيبة ... وإن كان يدري فالمصيبة أعظم (٢) قال إمام السُّنة محمد بن إسماعيل البخاري (٣): «وأما احتجاج من لا يعلم بحديث وكيع، عن الأعمش، عن المسيّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سَمُرة، قال: دخل علينا النبي ﷺ ونحن رافعو (٤) أيدينا في الصلاة فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس اسكنوا في الصلاة» (٥)، فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام، كان يُسَلِّم بعضُهم على بعض، فنهى النبيُّ ﷺ عن رفع الأيدي في التشهد. ولا يحتجُّ بمثل هذا من له حظٌّ من العلم، هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه.

стр. 143

ولو كان كما ذهب إليه، لكان رفع الأيدي في أول تكبيرة كذلك، وأيضًا تكبيرات صلاة العيد منهيٌّ عنها؛ لأنه لم يَسْتثن رفعًا دون رَفْع، وقد بيَّنه حديثٌ حدَّثناه أبو نعيم، قال: ثنا مِسْعر، عن عبيدالله (١) بن القِبْطِيَّة، قال: سمعت جابر بن سَمُرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم ــ وأشار مِسْعرٌ بيده ــ فقال: «ما بال هؤلاء يرفعون (٢) أيديهم كأنها أذنابُ خَيلٍ شُمْس، إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فَخِذِه، ثم يسلِّم على أخيه مِنْ عن يمينه ومِنْ عن شماله». فليحذر امرؤٌ أن يتأوَّل أن يقول (٣) على رسول الله ﷺ ما لم يقل، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور/٦٣]». انتهى كلام البخاري. فصل * وأما قولكم: إن أبا هريرة حافظ الأمة، كان لا يرفع يديه، وهو أعلمهم بحديث رسول الله ﷺ . فيقال: من العجب العُجاب أن يكون أبو هريرة ــ لو صحّ عنه ما ذكرتم في هذا الموضع ــ حافظ الأمة وأعلمها بحديث رسول الله ﷺ ، حتى يُقدَّم

стр. 144

فعله على تلك الأحاديث الثابتة المستفيضة! وعلى فِعْل مَن ذكرنا فِعْله من الصحابة الذين هم أكثر منه عددًا، وأعظم منه قدرًا، وأعلم منه برسول الله ﷺ [ق ٣٥] وسنته، وهم الخلفاء الراشدون ومن ذُكِر معهم! ثم إذا روى حديثَ المُصرَّاة المخالف لقولكم، رُدّ حديثُه بأنه لم يكن من فقهاء الصحابة، ومستندُ الردِّ رواية أبي هريرة له؛ لأن الفقه لم يكن شأنه. قال الشافعي (١): «كلَّمْتُ محمد بن الحسن في مسألة المُصرَّاة،

стр. 145

فاحتججتُ عليه بالحديث، فقال: هذا حديثٌ رواه أبو هريرة، فكان الذي فرَّ إليه شرًّا مما فرّ منه». هذا ولم يخالف أبا هريرة في هذا الحديث أحدٌ، ولا روى أحدٌ عن النبي ﷺ خلافَ ما روى، فهلَّا كان هنا حافظ الأمة وأعلمها بحديث رسول الله ﷺ !! والله المستعان. فصل *وأما قولكم: إنَّ القياس يقتضي عدم الرفع؛ لأن الانتقال من القيام إلى الركوع نظير الانتقال من القيام إلى السجود، وكذلك الانتقال من السجود إلى القيام والقعود نظير الانتقال من الركوع (١) إلى القيام سواء،

стр. 146

فكما لا يُشْرع الرفع في هذا الانتقال، فكذا لا يُشرع في الانتقال الآخر. قالوا: فهذا هو القياس والرأي الفاسد الذي أجمع السلفُ على ذَمِّه، وهو يتضمَّن الجمعَ بين ما فرَّق رسول الله ﷺ بينه، والتفريقَ بين ما جمع بينه, فإنَّ السنة قد فرَّقت بين الموضعين، فالرأي الذي يتضمن التسوية بينهما رأيٌ باطل وقياس فاسد لا يحلّ اعتباره، وهذا وأمثاله ممن يتناوله ما رواه البخاري في «صحيحه» (١) من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزعُ العلم بعد إذ أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهَّال فيُسْتفتون فيفتون برأيهم فيَضلون ويُضِلون». وفي رواية: «لا ينزع الله العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينتزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يبقَ عالم اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهّالًا فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا» (٢). وفي رواية: «فأفتوا بغير علم» (٣). وهو صريح في أن «الرأي» غيرُ علمٍ، ولاسيما رأيٌ يخالف ما جاء به

стр. 147

رسول الله ﷺ من العلم. وروى عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعدَه من النار» (١). وقال عَبْدُ بن حُميد: ثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر الجُمَحي، عن بن أبي مُليكة، قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: «أيّ أرضٍ تُقِلّني وأيُّ سماءٍ تُظِلّني إن قلتُ في آيةٍ من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم» (٢).

стр. 148

وذكر أبو عمر بن عبد البر (١) من حديث حمَّاد بن زيد، عن سعيد ابن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحدٌ (٢) أهْيَب لما لا يعلم من أبي بكر الصديق [ق ٣٦]، ولم يكن أحدٌ بعد أبي بكر أَهْيَب لما لا يعلم من عمر، وأن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا، فاجتهد رأيه، ثم قال: «هذا رأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني، وأستغفر الله». قالوا: فهذا رأي صدِّيقيّ لم يخالف أثرًا عن رسول الله ﷺ ، وهو يجوّز أن يكون خطأً، يُستغفرَ منه، فكيف برأيٍ غير صدِّيقيّ يخالف الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ وأصحابه؟! وقال عمر ﵁: «أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني وإني لأردّ أمرَ رسول الله ﷺ برأيي، أجتهدُ ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يُكْتب، فقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: نكتب: باسمك اللهم، فرضي رسول الله ﷺ وأبيتُ، فقال: يا عمر، تراني قد رضيتُ وتأبى؟» (٣).

стр. 149

وقال ابنُ وهب: ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري: أن عمر بن الخطاب قال ــ وهو على المنبر ــ: «يا أيها الناس إنما كان رأي رسول الله ﷺ مصيبًا؛ لأن الله كان يُرِيه، وإنما هو مِنّا الظنُّ والتكلّف» (١). وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٢) من حديث عَمرو بن حُريث، قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السّنن، أعْيتهم الأحاديثُ أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضَلّوا. وقال محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمر بن الخطاب: أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن، أعْيتهم أن يعوها، وتفَلّتت أن يرووها فاشتقُّوها (٣) بالرأي (٤). وقال مسروق: كتبَ كاتبٌ لعمر بن الخطاب: هذا ما أرى اللهُ عمرَ، فقال: بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر. وفي رواية: هذا ما رأى اللهُ ورأى عمرُ، فقال: بئس ما قلت، إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر (٥).

стр. 150

وقال ابن وهب: أخبرني ابنُ لهيعة، عن عبد الله (١) بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب: السُّنة ما سَنَّه اللهُ ورسولُه، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة (٢). وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (٣) من حديث رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد ابن ثابت يفتي الناسَ في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: علَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أي عُدَيّ (٤) نفسِه! قد بلغتَ أن تفتي الناسَ برأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلت، ولكن سمعت من أعمامي حديثًا حدَّثتُ به؛ من أبي أيوب، ومن أُبيّ بن كعب، ومن رِفاعة بن رافع. فأقبل عمر على رِفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصابَ أحدُكم من المرأة فأكْسَل لم يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك في عهد رسول [ق ٣٧] الله ﷺ ، فلم يأتنا فيه من الله تحريم، ولم يكن فيه من النبي ﷺ نَهْي، فقال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: لا أدري، فأمر عمر بالمهاجرين والأنصار فجُمِعوا له فشاورهم، فأشار الناس أنْ لا غُسل

стр. 151

إلا ما كان من معاذٍ وعليٍّ، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْل، فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال علي: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله ﷺ من أزواجه، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا عِلم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز (١) الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسْل، فقال عمر: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا. وقال حمّاد بن سَلَمة، عن حُميد، عن أبي رجاء العُطاردي، أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال: من كان عنده عِلم فليعلّمه الناس، وإن لم يعلم فلا يقولنّ ما ليس له به علم، فيكون من المُتكلّفين ويمرق من الدّين (٢). وقال علي بن أبي طالب ﵁: لو كان الدّين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه (٣). وقال البخاري (٤): ثنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال سهل بن حُنيف: أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، لقد

стр. 152

رأيتُني يومَ أبي جندل، ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله ﷺ لرددته. وقال ابن وهب: حدثني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن ابن عباس قال: من أحْدَث رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تمضِ به سنةُ رسول الله ﷺ لم يدرِ على ما هو منه إذا لقي الله (١). وقد سئل ابنُ مسعود عن المُفوِّضة شهرًا يُخْتَلَفُ فيها إليه، فقال بعد ذلك: سأقول (٢) فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله وحده، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (٣). فلم يجزم برأيه أنه صواب يجب اتباعه، فضلًا عن أن يقدم على سنة رسول الله ﷺ ، بل جوَّز أن يكون خطأً، والله بريء منه ورسوله، هذا وهو رأي حَبْر الأمة وعالمها. وقال يحيى بن سعيد: ثنا مُجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال ابن مسعود: يذهب العلماء ويبقى قوم يفتون برأيهم (٤). وذكر حماد بن سلمة، عن أيوب السّخْتياني، عن أبي قلابة، عن يزيد

стр. 153

ابن عَميرة (١)، عن معاذ بن جبل قال: تكون فتنٌ يكثر فيها المال ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمؤمن والمنافق، فيقرؤه [ق ٣٨] الرجل فلا يُتَّبع، فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانية فلا يُتّبع، فيتخذ مسجدًا أو يبتدع كلامًا ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة. قاله معاذ ثلاث مرات (٢). وما أحسن ما قال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي مشاورة أهل العلم، لا أن يقول برأيه. حكاه إسحاقُ بن راهويه عنه (٣). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: إنه لا رأي لأحد مع سُنةٍ سنَّها رسول الله ﷺ (٤). وقال ابن وضَّاح: ثنا يوسف بن عدي، ثنا عَبيدة (٥) بن حميد، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خُثَيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا، أو نهى عنه، فيقول الله : كذبت لم أحرّمه، ولم أنْه

стр. 154

عنه، أو يقول: إن الله أحل هذا أو أمر به (١)، فيقول الله : كذبتَ لم أحلّه ولم آمر به (٢). وقال أبو نضرة: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول للحسن البصري: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفْتِ إلا أن تكون سنة عن رسول الله ﷺ أو كتابًا منزّلًا (٣). وقال شقيق بن سلمة: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت (٤). وقال الزهري: دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي (٥). وقال عروة بن الزبير: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم (٦). ورواه ابن ماجه في كتاب «السنن» (٧) مرفوعًا فقال: ثنا سويد بن

стр. 155

سعيد، ثنا ابن أبي الرِّجال، عن الأوزاعي, عن عَبْدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولّدون، وأبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا». ورواه محمد بن إسحاق الصغاني، عن المُسَيَّبي، عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا» (١). وذكر ابن وهب، عن ابن شهاب أنه ذكر ما وقع الناسُ فيه من الرأي، وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم، حين (٢) اشتقّوا الرأي وأخذوا فيه (٣). وقال الأوزاعي: عليك بآثار من مضى وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول (٤).

стр. 156

وقال ابن أبي عمران شيخُ الطحاوي وأستاذُه، عن أبي يوسف والحسن [ق ٣٩] بن زياد قالا: قال أبو حنيفة: عِلْمُنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه (١). وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٢) عن معن بن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلما وافق القرآن والسنة فخذوا به، وما لم يوافق [الكتاب و] السنة فاتركوه. ولقد أصاب القائل بأنا نناشدهم الله واحدًا واحدًا، هل يفعلون هكذا؟ فوالله لئن قالوا: نعم؛ ليعلمنَّ اللهُ تعالى وأنفسُهم أنهم كاذبون، وإن قالوا: لا، أو سكتوا؛ فقد خالفوا ما يدّعون اتباعَه، وبالله التوفيق. وقال القعنبي: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلّمت ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يُبْكيك؟ فقال لي: يا ابن قَعْنب، وما لي لا أبكي ومن أحقّ بالبكاء منّي! والله لوَدِدت أني ضُرِبْتُ بكلّ مسألة أفتيتُ فيها برأيي سوطًا سوطًا، وقد كانت لي سَعَة فيما سُبِقْت إليه وليتني لم أُفْتِ بالرأي (٣).

стр. 157

وذكر أبو عمر (١) عن محمد بن خليفة، عن الآجُرِّي، عن أبي بكر بن أبي داود، عن أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مَثَلُ الذي ينظر في الرأي ثم يتوب، كَمَثَل المجنون الذي عولج حتى برئ، فأعْقَلُ ما يكون قد هاج به. وقال الإمام أحمد: لا تكاد ترى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (٢). وذكر أبو عمربن عبدالبر (٣)، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن أبي علي الأسيوطي، عن محمد بن جعفر الأنباري (٤)، عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: دينُ النبيّ محمدٍ أخبارُ ... نِعْم المَطيّة للفتى الآثارُ لا ترغبنّ عن الحديثِ وأهلِه ... فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ ولربما جَهِل الفتى طرق الهدى ... والشمسُ طالعة لها أنوارُ

стр. 158

دع عنك آراءَ الرجال فما لها ... حدٌّ تحيطُ به ولا مِقدارُ وهذا البيت الأخير لغير أحمد من المتأخرين. وذكر عبد الله بن المبارك، ثنا عيسى بن يونس بن (١) أبي إسحاق السبيعي، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : «تفرّقت أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمُها فتنةً على أمتي: قومٌ يقيسون الأمور برأيهم فيُحِلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال» (٢).

стр. 159

وقال ابن وهب: بلغني عن ابن مسعود أنه قال: ليس عام إلا والذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عام أَمْطر من عام، ولا عام أَخْصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُهْدَم الإسلامُ وينثلم (١). [ق ٤٠] وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن مجاهد قال: نهى عمر بن الخطاب عن المكايلة. قال مجاهد: هي المقايسة (٢).

стр. 160

وقال سعيد بن منصور: ثنا سفيان ــ هو ابن عُيينة ــ عن مُجالِد، عن مسروق (١) قال: قال عبد الله بن مسعود: إياكم وأرأيتَ أرأيتَ، و (٢) إنما هلك من قبلكم بأرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا فتزلّ قدمٌ بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدُكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم (٣). وذكر البخاريّ (٤) عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة تُسْتفتى فلا تُفْتِ إلا بكتابٍ ناطق أو سنةٍ ماضية. وذكر مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: العلم ثلاثة (٥): كتاب الله الناطق، وسنة ماضية، ولا أدري (٦).

стр. 161

وذكر ابنُ وهب عن مَسْلمة بن عُلَيّ: أن شُريحًا القاضي قال: السنة سبقت قياسَكم (١). وذكر ابن عبدالبر (٢)، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء، قلت: لِمَهْ؟ قال: أخاف أن تزلّ رجلي. وفي رواية عنه: إني أخاف أن تزلّ قدمي بعد ثبوتها (٣). وذكر أبو عمر (٤) أيضًا عن الشعبي: إيَّاكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة، لتحلّنّ الحرام ولتحرّمنّ الحلال، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله ﷺ فاحفظوه.

стр. 162

وذكر سعيدُ بن منصور، عن الشعبي: السنة لم توضع بالقياس (١). وقال يحيى بن سعيد القطان: ثنا [صالح] (٢) بن مسلم قال: قال لي الشعبي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس، لقد بَغّض إليّ هذا المسجد ــ فلهو أبغض إليّ من كُناسة أهلي ــ هؤلاء الصَّعافقة (٣). قال بعض أهل العلم: «الصعافقة» الذين يتخذون تجارةً غير محمودة، ويقحمون في المضايق بلا رَوِيّة (٤). وقال عطاء وغيره في قوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥) [النساء/٥٩]: إلى كتاب الله وسنة رسوله (٦). وقال ميمون بن مِهران: يُرَدُّ إلى الرسول ما دام حيًّا، فإذا قُبِض فإلى

стр. 163

سنته (١). وذكر أبو زرعة الدمشقي (٢)، ثنا يزيد بن عبدربه قال: سمعت وكيع ابن الجرَّاح يقول ليحيى بن صالح الوُحاظي: احذر الرأي، فإني سمعتُ أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. وذكر الطحاوي، ثنا الحسن بن غُلَيب، ثنا عمران بن أبي عِمران، ثنا يحيى بن سُلَيم (٣) الطائفي، حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد ابن سيرين يقول: القياس شؤم، وأول من قاس إبليس، وإنما عُبِدت الشمسُ والقمر بالقياس (٤). قالوا: والآثار في هذا أضعاف [ق ٤١] أضعاف (٥) ما ذكرناه، ولا ريب أن هذا الذمّ يتناول القياس الباطل المتضمّن خلاف السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، الذي يقدمه أصحابه عليها ويردونها به. قالوا: ولا ريبَ أن السنة الصحيحة الصريحة جاءت عن النبي ﷺ بالرفع في موضع، وتركه في موضع، والقياس الصحيح إنما يكون على

стр. 164

أصل ثابتٍ بالسنة، فإذا تضمّن القياس مخالفة ما ثبت بالسنة كان باطلًا في نفسه فكيف يُقدّم على السنة؟! قالوا: وأين في القياس الذي ذكرتموه أيضًا اختصاص الرفع بالتكبيرة الأولى دون سائر الانتقالات، وما للقياس وهذا التخصيص؟ ولو قال لكم قائل: أول الركعة كآخرها، ولهذا يبتدئها بالتكبير ويختمها بالتكبير، فكما لا يسوغ الرفع بعد انتهاء الركعة لا (١) يسوغ في ابتدائها. وأيضًا الدخول في الصلاة أحد طرفيها، فلا يسوغ فيه رفع اليدين كطرف الخروج منها. أكنتم تقبلون هذا القياس مع أنه من جنس قياسكم لا فرق بينهما؟ وإن رددتموه لمخالفته السنة الصريحة، لزمكم ردّ ما ذكرتموه من القياس لأجل مخالفة السنة الصحيحة (٢) الصريحة، ولا فرق بينهما ألبتة، وبالله التوفيق. فصل * قالوا: وأما قولكم: إن أفعال الصلاة معقولة المعنى ظاهرة العبودية، وأيُّ معنى في رفع اليدين؟ وأي خضوع واستكانة فيه؟ فما أشبه حال فاعله بحال من يريد الطيران! فهذا من الكلام الباطل الذي تُصان عنه وعن أمثاله سنن رسول الله ﷺ أن تُعارَضَ به، وأن تُضْرَب لها به الأمثال، وهل هذا إلا اعتراضٌ مَحْضٌ

стр. 165

على السنة ودَفْع لها بالرَّاح؟ ثم نقول: فإذا كان الأمر كما زعمتم، فِلمَ رفعتم أيديكم في أول الصلاة؟ وهلّا حكمتم بترك الرفع في هذا المحل لِمَا ذكرتموه؟ وإن كان الرافع يشبه من يريد أن يطير، فلِمَ سوَّغتم له أن يطير في أول الصلاة ولم تسوّغوا له الطيران عند الركوع والرفع منه؟! وبهذا أجابَ عبد الله بن المبارك لأبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ حين صلى إلى جانبه، فرفع يديه عند الركوع والرفع منه، فلمَّا سلَّم قال له أبو حنيفة: أتريد أن تطير؟ فقال عبد الله: لو أردت أن أطير لطرت أول مرة! (١) قالوا: والرفع هو من زينة الصلاة ومحاسنها، وله بكل إشارة عشر حسنات. قال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، ذكره الإمام أحمد عنه (٢). وقال عبد الله بن عمر: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع (٣). وقال [ق ٤٢] الشافعي وقد سُئل عن معنى رفع اليدين في الصلاة، فقال:

стр. 166

هو تعظيم لأمر الله وزينة للصلاة واتباع للسنة (١). وقال ابن عبدالبر (٢): معنى رفع اليدين في الافتتاح وغيره: خضوع واستكانة، وابتهال وتعظيم لله ، واتباع لسنة رسول الله ﷺ . وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة. ذكر ابن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهري، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها (٣). وعن ابن لهيعة، عن ابن عجلان، عن النعمان بن أبي عياش قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع، وحين يريد أن يرفع (٤). وقال عقبة بن عامر: له بكل إصبع حسنة. وقد ذكر الناس لذلك عللًا وحِكمًا كثيرة، لا تجري على علل الفقهاء وما يذكرونه من الحِكَم والمناسبات، فرأينا ترك ذكرها أولى، وليس المُعوَّل إلا على اتباع السنة، والتسليم للعبودية، والبراءة من الامتثال بدون ظهور الحكمة، فإنَّ هذا يقدح في العبودية، ويخرج عن الامتثال، بل تُتَلقى السنة بالسمع والطاعة والإذعان، سواء ظهر لنا وجه حُكمه أو لم يظهر.

стр. 167

ولو رُدَّت السنن بعدم ظهور الحكمة والمناسبة، لكان ذلك ردًّا على الرسول ﷺ ، وخروجًا عن المتابعة، وخَلعًا لرِبْقة العبودية من العنق، ولو ساغ للعبد أن لا يقبل من السنة إلا ما رأى فيه الحكمة والمناسبة؛ لبطل الدين وتلاعب به المبطلون، وصار عُرضةً لردّ الرادين، وعياذًا بالله من هذا الرأي الباطل، وبالله التوفيق. * * *

стр. 168

فصل [في أجوبة القائلين بالخفض على أدلة القائلين بالرفع] قال الخافضون أيديهم: لقد استنفد الرميُ سهامَكم، ولم تدعوا حَجَرًا ولا مَدَرًا ولا قِشَعًا (١) إلا رميتمونا به، وظننتم أن الدولة كانت لكم في هذه الكرَّة، وأن الهزيمة بلغت بمنازعيكم إلى حيث أمِنْتُم كَرَّتهم، وأن الحرب قد وضعت أوزارَها، وقد برَدَت الغنائمُ لأربابها، وهيهات! الآن حَمِيَ الوطيس، واستدارت رَحى الحرب، وقال الفرسان: هل من مبارز؟ فاستعدّوا الآن للقاءِ كمينٍ من جيوش المناظرة لم يكن لكم في حساب، فإن ثبتّم له وكسرتموه، كنتم أولى بالحق في هذه المسألة منّا، وإلا فالرجوع إلى الحق أولى بكم، وبالله المستعان. [ق ٤٣] (٢) فأما حديث [عبدالله بن عمر الذي] عليه تُعوِّلون وبه تصولون، فهذا الحـ[ـديث، يرويه] ابن عمر عن النبي ﷺ ، وعنه نافع، وعنه مالك [ ... ... ] إمام أهل المدينة في وقته، وأهلها يقتدون به. وقد قال ابن القاسم: سألتُ مالكًا عن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه؟ [فقال: يرفع في أول] مرة. وذهب إلى أن الحديث منسوخ.

стр. 169

وقال مالك في «المدونة» (١): لا أعرف رفع اليدين في شيء من التكبير في خفضٍ ولا رفع إلا في افتتاح الصلاة شيئًا خفيفًا. قال ابن يونس: يريد به لا يعرف [العمل به] (٢). قال ابن القاسم: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفًا, وقال: إن كان ففي الإحرام (٣). وقد قال الشافعي ليونس بن عبدالأعلى: إذا رأيت [مُتقدّم أهل] المدينة [على شئ فلا يدخل عليك شك أنه الحق (٤)] (٥). وقال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة عن (٦) أهل المدينة خير من الحديث (٧). وقال رجل لأبي بكر بن حزم: [ما أدري] كيف أصنع بالاختلاف؟ فقال: يا

стр. 170

ابن أخي إذا وجدتَ أهل المدينة مجمعين على أمر فلا تشكّ أنه الحق (١). فهذا مالك إمام دار الهجرة [الذي] ضرب الناسُ أكبادَ الإبل في زمانه فلم يجدوا عالمًا أعلم منه. قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم (٢). وقال ابن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه (٣). وقال النسائي: أُمناء الله على علم رسوله: شعبة ومالك ويحيى القطان (٤). قال محمد بن رُمح: رأيت النبي ﷺ في المنام منذ أكثر من خمسين سنة، فقلت: يا رسول الله، إن مالكًا والليث يختلفان فبأيهما نأخذ؟ قال: مالك مالك (٥). وقال الدراوردي: رأيت في منامي أني دخلت مسجد رسول الله ﷺ ، فوافيت رسولَ الله ﷺ يخطبُ الناسَ؛ إذ أقبل مالكُ بن أنس، فدخل من باب المسجد، فلما أبصره رسول الله ﷺ قال: إليّ إليّ حتى دنا منه، فسلّ

стр. 171

خاتمه من خِنصره، فوضعه في خِنصر مالك (١). وقال مصعب بن عبد الله الزُّبيري عن أبيه: كنت جالسًا مع مالك في مسجد رسول الله ﷺ ، إذ أتاه رجل فقال: أيكم مالك بن أنس؟ فقالوا: هذا، فسلّم عليه واعتنقه وضمّه إلى صدره، وقال: والله لقد رأيت رسول الله ﷺ البارحة جالسًا في هذا الموضع، فقال: ائتوا بمالك فأُتيَ بك تُرْعَد فرائصُك، فقال: ليس بك بأسٌ يا أبا عبد الله ــ وكَنَّاك ــ وقال: اجلس فجلست، قال: افتح حجرك ففتحته، فملأه مِسكًا منثورًا، وقال: ضمه إليك وبثّه في أمتي. قال: فبكى [ق ٤٤] مالك، وقال: الرؤيا تسرّ ولا تغرّ، وإن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله (٢). وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٣): أن رجلًا رأى في المنام أن الناس اجتمعوا في جَبّانة الإسكندرية يرمون في غَرَض، فكلهم يخطئ الغرض، وإذا برجل يرمي فيصيب القرطاس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا مالك بن أنس. قالوا (٤): وقد أنكر مالكٌ الرفعَ ورآه ضعيفًا، وهو راوي الحديث وأعلم به، وهذا يدل على نسخه عنده. وراوي الحديث إذا عمل بخلافه دلّ

стр. 172

على ضعف الحديث أو نسخه؛ إذ لولا ذلك لقدح في عدالته، فبطلت روايته. ولم يزل أئمةُ الحديث يعلِّلون الحديث بمخالفة مذهب الراوي له، كما علل البخاريُّ حديثَ الزُّهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في الفأرة تقع في السمن، فقال: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» (١) = بأن ابنَ شِهاب سُئل عن الفأرة تقع في السمن؛ فقال: تُلقى وما حولها، ويؤكل السمن ولم يفصِّل (٢). وكذلك مخالفة ابن عمر أيضًا للحديث كما روى أبو بكر بن أبي شيبة

стр. 173

في «مصنفه» (١): حدثنا أبو بكر بن عياش عن حُصين عن مجاهد قال: ما رأيت ابنَ عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. قال الطحاويّ (٢): «فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع يديه، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ ، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد رأى النبي ﷺ فعلَه، وقامت عليه الحجة بذلك. قال: فإن قال قائل: هذا حديث منكر. قيل له: وما دلَّك (٣) على ذلك؟ فلن يجد إلى ذلك سبيلًا. فإن قال: فإنّ طاووسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما رُوي عنه عن النبي ﷺ من ذلك (٤). قيل له: فقد ذكر طاووسٌ ذلك، وقد خالفه مجاهد. فقد يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس يفعله قبل أن تقوم عنده الحجةُ بنسخه، ثم قامت عنده الحجة بنسخه، فتركه وفعل ما ذكره مجاهد. هكذا ينبغي أن يُحمل ما روي عنهم، ويُنفى عنه الوهم، حتى يتحقق

стр. 174

ذلك، وإلا سقط أكثر الروايات» (١). وكذلك عمر بن الخطَّاب، قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن عيَّاش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزُّبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة، [قال عبد الملك] (٢): ورأيتُ الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون (٣) إلا حين يفتتحون الصلاة (٤). وهذا سند صحيح على شرط مسلم أيضًا. وذكر الطحاوي (٥) عن أبي بكر بن عيَّاش قال: ما رأيت فقيهًا قط يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى. وقال أيضًا (٦): ثبت (٧) عن عمر بن [ق ٤٥] الخطاب أنه لم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. فهؤلاء أهل المدينة قاطبةً، وهم القاطنون في مهبط الوحي، ومحلّ

стр. 175

التنزيل، ومأْرِز الإيمان، ومقرّ الأحكام، المشاهدون لأسباب التنزيل، المطّلِعون على قرائن الأحوال، وقد وافقهم على تركه فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا. قال محمد بن نصر المروزي (١): لا نعلم مِصرًا (٢) من الأمصار تركوا بأجمعهم رفعَ اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة، فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام، فمنهم علي وابن مسعود وأصحابهما. قال ابن أبي شيبة (٣): حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب عبد الله وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة. قال وكيع: ثم لا يعودون. قال الشعبي: ما كان أفقه صاحبًا من عبد الله بن مسعود (٤). وقال سعيد بن جُبير: كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية (٥). ومنهم الشعبي. روى ابن أبي شيبة، عن ابن المبارك، عن أشْعث بن سوَّار، عن

стр. 176

الشعبي: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يرفعهما (١). قال مكحول: ما رأيتُ أعلمَ بسنةٍ ماضية من الشعبي (٢). ومنهم إمام أهل الكوفة سفيان الثوري، كان لا يرفع يديه (٣). وقد قال أبو عاصم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث (٤). ولو كان الرفع ثابتًا غير منسوخ لما خفي على هؤلاء الأعلام، مع كثرتهم وكثرة من نزل بالكوفة من الصحابة، فقد ذكر بعض الحفَّاظ أنه نزل بها أربعمائة منهم، والناسُ في العلم تَبَعٌ لهذين المِصرَين المدينة والكوفة، وفقهاؤهما أئمة الناس، وهذان المِصران هما اللذان كانا يتباريان، ويردّ بعضُهم على بعض، وكان علماء الكوفة ينا ظرون علماء المدينة ويبارونهم، وكان علماء المدينة لا يرون مقابلتهم غير علماء الكوفة , فإياهم يقصدون ولهم يستعِدُّون، فَمَن الناسُ غير هؤلاء؟!

стр. 177

فصل * قالوا (١): وأما حديث أبي بكر الصديق (٢)، فلو كان محفوظًا بهذا الإسناد، لكان في الصحاح والمسانيد، وكتب السنن، ولمَّا لم يَرْوِهِ أحد منهم وإسناده في الشهرة كالشمس، دلَّ على أن في الوسط شيئًا. ويا سبحان الله! المصنِّفون في هذا الباب مثل البخاري وغيره يذكرون حديث وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وآثارًا عمن هو دون الصدِّيق، ويكون عندهم عن الصديق الأكبر وخليفة رسول الله ﷺ مثل هذا، ويصبرون عن إخراجه ورَمْي منازعهم به وإبدائه وإعادته! هذا مما تكاد تُحيله طِباع أهل العلم وعاداتهم. والبخاري في كتاب «رفع اليدين» احتجّ بما هو من شرطه في الصحيح، وبما ليس من شرطه، فكيف [ق ٤٦] يكون في الباب هذا الحديث العظيم بهذا الإسناد القويم الشهير، ثم لا يذكره ولا يشير إليه ألبتة؟! * قالوا: وأما حديث عمر بن الخطاب (٣)؛ فكذلك الكلام فيه أيضًا، مع زيادة أخرى تدلُّ على ضعفه، وبَيِّنٌ (٤) أن الثابت عن عمر هو ما رواه إبراهيم عن الأسود، قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من

стр. 178

صلاته، إلا حين افتتح الصلاة. ذكره ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح (١). ويدل على ضعفه أيضًا: أن أعلم الناس بشعبة، وأخصّ الناس به، وأحفظهم لحديثه: غُنْدَر رواه عنه عن الحكم بن عُتيبة، عن طاووس، عن ابن عمر، لم يجاوزه به، وهو أثبت في شعبة من أبي النضر (٢). * وأما حديث عليّ بن أبي طالب (٣)؛ ففي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال الإمام أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال أيضًا هو وأبو حاتم: لا يُحتجّ بحديثه، وقال عَمرو بن علي: تركه ابن مهدي , وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا (٤). قال الطحاوي (٥): حديث عبد الرحمن هذا لا اختلافَ بين أهل العلم بالحديث أنه خطأ منه على موسى بن عقبة، وأنّ أصلَه الذي رواه الأثباتُ (٦) عن موسى بن عُقبة ــ منهم ابن جُريج ــ ليس فيه مِن ذِكْر الرفعِ شيء. قال الطحاوي (٧): «ثنا ابن أبي داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر النَّهْشَلي، عن عاصم، عن أبيه ــ وكان من أصحاب عليّ ــ عن عليّ رضي الله

стр. 179

عنه: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد. فحديث عاصم بن كُليب هذا قد دلَّ أن حديث ابن أبي الزناد على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا، أوْ لا يكون فيه ذكر الرفع أصلًا، كما رواه عنه غيره، فإنَّ ابن (١) خزيمة حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء. وحدثنا ابن أبي داود، ثنا عبد الله بن صالح والوهبي قالوا: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل. فذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه، ولم يذكروا الرفعَ في شيء من ذلك. فإن كان هذا هو المحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ؛ فقد ارتفع بذلك أن يجبَ لكم بحديثٍ خطأ حجةٌ. وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحًا؛ لأنه زاد على ما روى غيره، فإن عليًّا لم يكن ليرى النبيّ ﷺ يرفع ثم يترك هو الرفع بعده إلا وقد ثبت عنه نسخ الرفع، فحديث عليّ إذا صحّ ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع» (٢). فصل * قالوا: وأما حديث مالك بن الحويرث (٣)، فحديثٌ مضطربُ المتن، إذ في بعض ألفاظه: «حتى يحاذي بهما أذنيه»، وفي بعضها: «فروع أذنيه».

стр. 180

قال البيهقي (١): «ورواه إسماعيل بن عُليَّة، عن سعيد بن أبي عروبة, وقال: «رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه»، وكذلك قاله هشام الدَّستوائي، عن قتادة (٢)، ورواه [ق ٤٧] شعبة، عن قتادة، فقال: «حتى يحاذي بهما فروعَ أُذنيه»، وفي رواية: «حذو مَنْكِبيه»» (٣). وإذا كان قد اضطربت ألفاظه، عُلِم أنه غير محفوظ، فسقط الاحتجاجُ به. قالوا: وأيضًا لعلّ مالك بن الحُويرث فعل ذلك مرةً أو مرتين، فكيف يُقدَّم حديثه على حديث من لم يزل يصلي معه حضرًا وسفرًا إلى أن مات ﷺ وهو عبد الله بن مسعود؟ ولعله قد صلى معه أكثر من عشرين ألف صلاة. ومثل هذا الترجيح لو كان من جانبكم لاسْتَطَلْتُم به غاية الاستطالة، ولناديتم به علينا، والله المستعان.
следующие страницы →