← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 257

رفع اليدين في الصلاة

ابن القيم

Полный текст (343 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشعبي: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يرفعهما (١). قال مكحول: ما رأيتُ أعلمَ بسنةٍ ماضية من الشعبي (٢). ومنهم إمام أهل الكوفة سفيان الثوري، كان لا يرفع يديه (٣). وقد قال أبو عاصم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث (٤). ولو كان الرفع ثابتًا غير منسوخ لما خفي على هؤلاء الأعلام، مع كثرتهم وكثرة من نزل بالكوفة من الصحابة، فقد ذكر بعض الحفَّاظ أنه نزل بها أربعمائة منهم، والناسُ في العلم تَبَعٌ لهذين المِصرَين المدينة والكوفة، وفقهاؤهما أئمة الناس، وهذان المِصران هما اللذان كانا يتباريان، ويردّ بعضُهم على بعض، وكان علماء الكوفة ينا ظرون علماء المدينة ويبارونهم، وكان علماء المدينة لا يرون مقابلتهم غير علماء الكوفة , فإياهم يقصدون ولهم يستعِدُّون، فَمَن الناسُ غير هؤلاء؟!

стр. 177

فصل * قالوا (١): وأما حديث أبي بكر الصديق (٢)، فلو كان محفوظًا بهذا الإسناد، لكان في الصحاح والمسانيد، وكتب السنن، ولمَّا لم يَرْوِهِ أحد منهم وإسناده في الشهرة كالشمس، دلَّ على أن في الوسط شيئًا. ويا سبحان الله! المصنِّفون في هذا الباب مثل البخاري وغيره يذكرون حديث وائل بن حُجر، ومالك بن الحويرث، وآثارًا عمن هو دون الصدِّيق، ويكون عندهم عن الصديق الأكبر وخليفة رسول الله ﷺ مثل هذا، ويصبرون عن إخراجه ورَمْي منازعهم به وإبدائه وإعادته! هذا مما تكاد تُحيله طِباع أهل العلم وعاداتهم. والبخاري في كتاب «رفع اليدين» احتجّ بما هو من شرطه في الصحيح، وبما ليس من شرطه، فكيف [ق ٤٦] يكون في الباب هذا الحديث العظيم بهذا الإسناد القويم الشهير، ثم لا يذكره ولا يشير إليه ألبتة؟! * قالوا: وأما حديث عمر بن الخطاب (٣)؛ فكذلك الكلام فيه أيضًا، مع زيادة أخرى تدلُّ على ضعفه، وبَيِّنٌ (٤) أن الثابت عن عمر هو ما رواه إبراهيم عن الأسود، قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من

стр. 178

صلاته، إلا حين افتتح الصلاة. ذكره ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح (١). ويدل على ضعفه أيضًا: أن أعلم الناس بشعبة، وأخصّ الناس به، وأحفظهم لحديثه: غُنْدَر رواه عنه عن الحكم بن عُتيبة، عن طاووس، عن ابن عمر، لم يجاوزه به، وهو أثبت في شعبة من أبي النضر (٢). * وأما حديث عليّ بن أبي طالب (٣)؛ ففي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال الإمام أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال أيضًا هو وأبو حاتم: لا يُحتجّ بحديثه، وقال عَمرو بن علي: تركه ابن مهدي , وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا (٤). قال الطحاوي (٥): حديث عبد الرحمن هذا لا اختلافَ بين أهل العلم بالحديث أنه خطأ منه على موسى بن عقبة، وأنّ أصلَه الذي رواه الأثباتُ (٦) عن موسى بن عُقبة ــ منهم ابن جُريج ــ ليس فيه مِن ذِكْر الرفعِ شيء. قال الطحاوي (٧): «ثنا ابن أبي داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر النَّهْشَلي، عن عاصم، عن أبيه ــ وكان من أصحاب عليّ ــ عن عليّ رضي الله

стр. 179

عنه: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد. فحديث عاصم بن كُليب هذا قد دلَّ أن حديث ابن أبي الزناد على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا، أوْ لا يكون فيه ذكر الرفع أصلًا، كما رواه عنه غيره، فإنَّ ابن (١) خزيمة حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء. وحدثنا ابن أبي داود، ثنا عبد الله بن صالح والوهبي قالوا: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل. فذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه، ولم يذكروا الرفعَ في شيء من ذلك. فإن كان هذا هو المحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ؛ فقد ارتفع بذلك أن يجبَ لكم بحديثٍ خطأ حجةٌ. وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحًا؛ لأنه زاد على ما روى غيره، فإن عليًّا لم يكن ليرى النبيّ ﷺ يرفع ثم يترك هو الرفع بعده إلا وقد ثبت عنه نسخ الرفع، فحديث عليّ إذا صحّ ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع» (٢). فصل * قالوا: وأما حديث مالك بن الحويرث (٣)، فحديثٌ مضطربُ المتن، إذ في بعض ألفاظه: «حتى يحاذي بهما أذنيه»، وفي بعضها: «فروع أذنيه».

стр. 180

قال البيهقي (١): «ورواه إسماعيل بن عُليَّة، عن سعيد بن أبي عروبة, وقال: «رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه»، وكذلك قاله هشام الدَّستوائي، عن قتادة (٢)، ورواه [ق ٤٧] شعبة، عن قتادة، فقال: «حتى يحاذي بهما فروعَ أُذنيه»، وفي رواية: «حذو مَنْكِبيه»» (٣). وإذا كان قد اضطربت ألفاظه، عُلِم أنه غير محفوظ، فسقط الاحتجاجُ به. قالوا: وأيضًا لعلّ مالك بن الحُويرث فعل ذلك مرةً أو مرتين، فكيف يُقدَّم حديثه على حديث من لم يزل يصلي معه حضرًا وسفرًا إلى أن مات ﷺ وهو عبد الله بن مسعود؟ ولعله قد صلى معه أكثر من عشرين ألف صلاة. ومثل هذا الترجيح لو كان من جانبكم لاسْتَطَلْتُم به غاية الاستطالة، ولناديتم به علينا، والله المستعان.

стр. 181

فصل قالوا: وأما حديث وائل بن حُجْر (١)؛ فقال الطحاوي (٢): «قد ضادَّه إبراهيم بما ذكر عن عبد الله أنه لم يكن رأى النبي ﷺ يفعل ما ذكر، فعبد الله أقدم صحبةً لرسول الله ﷺ ، وأفهم بأفعاله من وائل (٣)، قد كان رسول الله ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون ليحفظوا عنه. حدثنا علي بن مَعْبد، ثنا عبد الله بن بكر، ثنا حُميد، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه. وكما حدثنا أبو بكرة، ثنا عبد الله بن بكر، فذكر بإسناده مثله، وقال: «ليَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى». كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا بِشْر بن عُمر (٤)، ثنا شعبة، قال: أخبرني سليمان، قال: سمعت عُمارة بن عمير يحدث عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ [يقول]: «لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». وكما حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة،

стр. 182

عن أبي جمرة (١)، عن إياس، عن قيس بن عُبَاد قال: قال لي أُبيّ بن كعب: قال لنا رسول الله ﷺ : «كونوا في الصف الذي يليني». فعبدالله كان من أولئك الذين كانوا يَقْرُبون من النبي ﷺ ، ليَعْلَموا أفعاله في الصلاة كيف هي، ليعلِّموا الناسَ ذلك، فما حكوا من ذلك فهو أولى مما جاء به من كان أبعد منهم في الصلاة. قال الطحاوي: فإن قالوا: ما ذكرتموه عن إبراهيم، عن عبد الله غير متَّصل. قيل لهم: كان إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده، وتواتُر (٢) الرواية عن عبد الله. فقد قال له الأعمش: إذا حدثتني فأَسْنِد، فقال: إذا قلتُ لكَ: قال عبد الله، فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعةٌ عن عبد الله، وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني. حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق، ثنا وهب أو بِشر بن عُمر ــ شكَّ أبو جعفر ــ عن شعبة، عن الأعمش بذلك. فأخبر أن ما أرسله عن عبد الله، فمَخْرجه عنده أصحّ من مخرج ما ذكره عن رجل بعينه عن عبد الله، فكذلك هذا الذي أرسله عن عبد الله لم يرسله إلا [ق ٤٨] ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه عن رجل بعينه

стр. 183

عن عبد الله. ومع ذلك فقد روِّيناه متصلًا في حديث عبد الرحمن بن الأسود، وكذلك كان يفعل عبد الله في سائر صلاته (١). وقد رُوي ذلك (٢) عن عمر بن الخطاب. ثم ذكر حديثَ الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزُّبير ابن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود: رأيت عُمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. قال: وهو حديث صحيح؛ لأن الحسن بن عياش , وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه فإنه ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره. أَفَترى عمرَ بن الخطاب خفي عليه أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعَلِم ذلك من هو دونه، ومن هو معه يراه يفعل غير ما رأى النبي ﷺ يفعل، ثم لا ينكر ذلك عليه! هذا عندنا مُحال. وفِعْل عمر هذا وتَرْك أصحابِ رسول الله ﷺ إياه على ذلك دليلٌ صحيح أن ذلك هو الحقّ الذي لا ينبغي لأحدٍ خلافه» (٣).

стр. 184

فصل * وأما حديث أبي هريرة (١)؛ فمن رواته إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، وأنتم لا تحتجُّون برواية إسماعيل بن عيَّاش عن غير الشاميين، فكيف تحتجون علينا بما لو احْتَجَجْنا به عليكم لدفعتموه وأنكرتموه (٢)؟! وأما الطريق الأخرى؛ ففيها يحيى بن أيوب، وهو الغافقي، قال أبو حاتم الرّازي: محلُّه الصِّدق ولا يحتجّ به (٣)، وقال النسائيّ: ليس بذلك القويّ (٤). فصل * وأما حديث أنس بن مالك (٥)؛ فقال الطحاوي (٦): لم يرفعه أحد إلا عبد الوهاب الثقفي، والحُفَّاظ يوقفونه على أنس. قال الطحاوي: وعبدالوهاب إذا انفرد بالحديث لم يكن عند أهله

стр. 185

حجة، يقال: إنه كان يحدِّث من كتب الناس ولا يحفظ ذلك الحفظ (١). وقال عُقبة بن مُكْرَم: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع (٢). وذكر الدارقطني أنه لم يروه عن حميد مرفوعًا غير عبد الوهاب، ثم قال: والصواب من فِعْل أنس (٣). [فصل] * وأما حديث جابر بن عبد الله (٤)؛ فمداره على أبي الزبير، ولم يقل فيه: سمعت جابرًا، وأبو الزبير مدلِّس، وأنتم تقولون: لا يُحتج بعنعنة المدلِّس حتى يصرِّح بالسماع، ولهذا لم يخرج البخاري حديثَه، ولم يحتجّ به. فصل * وأما حديث أبي موسى الأشعري (٥)؛ ففيه محمد بن حُميد الرّازي.

стр. 186

قال أبو زرعة: كذّاب، وكذلك كذَّبه ابنُ وارة (١). قال النسائي: ليس بثقة (٢). وقال ابن حبان: يتفرَّد عن الثقات بالمقلوبات (٣). وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدًا أحذق بالكذب منه ومن الشاذَكُوني (٤). على أن ابن [ق ٤٩] المبارك رواه عن حماد بن سلمة موقوفًا على أبي موسى، وهو الصواب. فما محمد بن حُميد وأمثاله ممن يتقدم على ابن المبارك! فصل * وأما حديث عُمير بن حبيب الليثي (٥)؛ ففيه رِفْدة بن قُضاعة الغسَّاني الدمشقي، تفرّد به ابن ماجه.

стр. 187

قال أبو حاتم: منكر الحديث (١). وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير لا يتابع في حديثه (٢). وقال النسائي: ليس بالقوي (٣). وقال العُقيلي: لا يتابع على حديثه (٤). وقال الدارقطني: متروك (٥). فصل * وأما حديث ابن عباس (٦)؛ ففي حديث أبي داود: عبد الله بن لهيعة. وفي حديث ابن ماجه: عمر بن رياح (٧) أبو حفص الضرير البصري، يقال له: عمر بن أبي عمر. قال الفلَّاس: هو دجَّال. وقال النسائي والدارقطني: هو متروك.

стр. 188

وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كَتْب حديثه إلا على التعجّب (١). فصل * وأما حديث البراء بن عازب (٢)؛ فهو عُمدتنا في المسألة، ومن أكبر حُجَجنا عليكم، فكيف تحتجون به علينا؟ وأما رواية إبراهيم بن بشَّار له عن سفيان، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع= فقد خالف إبراهيمُ بن بشَّار الناسَ في هذا الحديث، وتفرَّد به عن ابن عيينة بهذا السياق. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كأنَّ سفيان الذي يرويه عنه إبراهيم بن بشَّار ليس هو سفيان بن عُيينة (٣). وقال أيضًا: سمعتُ أبي ذكر إبراهيم بن بشَّار الرَّمادي، فقال: كان يحضر معنا عند سفيان بن عيينة، وكان يُمِلُّ على الناس ما يسمعون من سفيان، وكان ربما أَمَلَّ عليهم ما لم يسمعوا، ويقول: كأنه يغيِّر الألفاظ

стр. 189

فتكون زيادة ليس في الحديث، أو كما قال. قال (١) أبي: فقلت له يومًا: ألا تتقي الله، ويحك تُمِلّ عليهم ما لم يسمعوا، ولم يحمده أبي في ذلك، وذمَّه في ذلك ذمًّا شديدًا (٢). وقال معاوية بن صالح: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بشيء لم يكن يكتب عند سفيان، وما رأيتُ في يده قلمًا قط، وكان يملي على الناس ما لم يقله سفيان (٣). وقال عباس عن يحيى بن معين: رأيت الرمادي ينظر في كتاب، وابن عيينة يقرأ ولا يغيِّر شيئًا، ليس معه ألواح ولا دواة (٤). وقال النسائي: ليس بالقوي (٥). وقال أبو الفتح الأزدي: صدوق لكنه يهم في الحديث بعد الحديث (٦). قلت: ولا ريب أن له أوهامًا في حديثه عن ابن عيينة، منها: حديثه عنه عن عَمرٍو وابنِ جريجٍ عن عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تمتلئ جهنم

стр. 190

حتى تكون كذا وكذا، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قطٍ قطٍ». قال العقيلي (١): «ليس لهذا أصل في حديث ابن عيينة عن عمرو، ولا عن ابن جريج، إنما عند ابن عيينة عن عَمرو عن عطاء حديثان: «لا تسبوا الدهر»، و «عُذِّبت امرأة في هِرَّة» جميعًا موقوفين. وعنده عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة حديثان: أحدهما: «[في كل] (٢) صلاة قراءة ... »، والثاني: «إذا كنت إمامًا فخفِّف». موقوف. وقال العُقَيلي في حديثه عن سفيان، عن بُريد [بن عبد الله] بن أبي بردة، [عن أبي بردة] (٣)، عن أبي موسى: «كلكم راع ... »: هذا أيضًا ليس له أصل (يعني بهذا الإسناد) ولم يتابعه عليه أحد عن ابن عيينة. وعند ابن عيينة عن بُرَيد أربعة أحاديث، ليس عنده غيرها. وليس هذا الحديث منها (٤). قالوا (٥): وحديث يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، قد رواه عن يزيد سبعةٌ كلهم قالوا: رفع يديه في أول مرة، ثم لم يعد. قال ابن عدي في «كامله» (٦): رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد عن ابن أبي ليلى، عن البراء، وقالوا فيه: «ثم لم يعد».

стр. 191

ورواه النّضْر بن شُميل، عن إسرائيل، عن يونس، عن يزيد كذلك، ورواه سفيان بن عُيينة كذلك، وابن عيينة لم يشهد على يزيد بإقراره أنه تلقّن، وإنما ظنّ ظنًّا. ويزيد خرّج له مسلم، فكيف يُرَدُّ قوله بالظن ويُنْسَب إلى أنه زاد في الحديث زيادةً من عنده؟! قالوا: ولو فرضنا أنه حدَّث به أولًا من غير ذكر: «ثم لا يعود» كما ذكر ابنُ عُيينة، فما المانع من قبول الزيادة من الثقة؟ فإنه يجوز أن يحدِّث الراوي ببعض الحديث ثم يكمله، ويجوز أن يكون قد نسي الزيادة أولًا ثم ذَكَرها فحذفها لمَّا نسيها، وحدَّث بها لما ذكرها، فلا يسوغ تضعيفه بالظن المجرَّد. كيف وقد تابعه على هذه الزيادة غيره؟! كما قال ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١): حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن ابن أبي ليلى، عن البراء: أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يرفعهما حتى يفرغ. ورواه أبو داود (٢) من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن الحكم. وبالجملة: فيزيد ثقة، ولم يثبت تضعيفه بما يوجب ردَّ حديثه. فصل * وأما حديث أبي حُميد الساعدي في عشرةٍ من أصحاب النبي

стр. 192

- ﷺ (١)، فهو وإن كان قد رواه البخاريُّ وغيره من أصحاب الصحيح والسنن والمسانِد، فهو حديث له علة عجيبة دقيقة لا يَفْطن إليها إلا فرسان هذا الشأن، ونحن نذكر علَّته ليُعْلَم حاله. قال ابن القطان (٢): «هذا الحديث من رواية عبدالحميد بن جعفر، عن محمد بن عَمرو، صدوقٌ (٣)، وثَّقه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، [ق ٥١] وأخرج له مسلم، وضعَّفه يحيى بن سعيد في روايةٍ عنه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القَدَر (٤)، فيجب التثبُّت فيما روى من قوله: «فيهم (٥) أبو قتادة»، فإن أبا قتادة توفي في زمن علي، وصلى عليه عليٌّ، وهو ممن قُتِل معه، وسِنّ محمد بن عَمرو مقصّرة عن إدراك ذلك. وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك؛ أنه توفي سنة أربع وخمسين، وليس بصحيح، بل الصحيحُ ما ذكرناه. وقُتِل عليٌّ سنة أربعين، ذكر هذا التعليل

стр. 193

أبو جعفر الطحاوي (١). قال الطحاوي: والذي زاده محمد بن عَمرو غير معروف ولا متصل؛ لأنَّ في حديثه أنه حضر أبا حُميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قُتِل مع عليّ، وصلى عليه، فأين سِنّ محمد بن عَمرو من هذا؟! قال الطحاوي: وعبدالحميد بن جعفر ضعيف (٢). قال ابن القطان: ويزيد هذا المعنى تأكيدًا أن عطَّاف بن خالد روى هذا الحديث فقال: ثنا محمد بن عَمرو بن عطاء، ثنا رجل: أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسًا ... فذكر نحو حديث أبي عاصم. وعطَّاف بن خالد هذا مدنيٌّ ليس بدون عبدالحميد بن جعفر، وإن كان البخاريّ حكى أن مالكًا لم يَحْمَده، وذلك لا يضرّه؛ لأن ذلك غير مُفسَّر من مالك بأمر يجب لأجله ترك روايته. قال: وقد اعترض الطبريُّ في ذلك على مالك بما ذكرناه من عدم تفسير الجَرح [و] (٣) بأمرٍ آخر لا نراه صوابًا , وهو أن قال: وحتى لو كان مالك قد فسَّر لم يجب أن نترك بتجريحه رواية عطَّاف, حتى يكون معه مُجرِّحٌ آخر. قال ابن القطان: وإنما لم نره صوابًا لوجهين: أحدهما: أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جَرَّح واحدٌ بما هو

стр. 194

جُرحة قُبِل، فإنه نَقْلٌ منه لحالٍ سيئةٍ تسقطُ بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدُّد الرواة. والوجه الثاني: أن ابن مهدي أيضًا لم يرض عطافًا، لكن لم يفسِّر بماذا لم يرضه، فلو قبلنا قوله فيه قلَّدناه في رأيٍ لا في رواية، وغير مالك وابن مهدي يوثِّقه. قال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث. وقال ابن معين: صالح الحديث ليس به بأس. وقد قال ابن معين: من قلت: ليس به بأس، فهو عندي ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بذاك (١). قال ابن القطان: ولعله أحسن حالًا من عبدالحميد بن جعفر. وهو قد بَيَّن أن بَيْن محمد بن عَمرو وبين أولئك الصحابة رجلًا. قال: ولو كان هذا عندي محتاجًا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المَدْرك الذي قد فرغت منه، ولكنه غير محتاج إليه للمتقرِّر من تاريخ (٢) وفاة أبي قتادة، وتقاصُر سنّ محمد بن عَمرو عن إدراك حياته

стр. 195

رجلًا، فإنما جاءت رواية عطَّاف عاضدةً لما قد صحَّ وفرغ منه. قال: وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عيَّاش أو عباس بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلس فيه أبوه (١)، وأبو هريرة، وأبو أُسيد، وأبو حُميد، ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين (٢) [ق ٥٢] ما ذكره عبدالحميد بن جعفر. ذكره أبو داود (٣). وقد رواه البخاري في «صحيحه» (٤): حدثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد، سمع (٥) محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة، سمع محمد بن عَمرو بن عطاء: أنه كان جالسًا في نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكروا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد: أنا كنت أحفظكم لصلاة النبي ﷺ ، رأيته إذا كبر ... فذكر الحديث. ولا ذِكْر فيه لأبي قتادة، ولكن ليس فيه ذِكْرٌ لسماعه من أبي حميد، وإن كان ذلك ظاهره». هذا آخر كلامه.

стр. 196

فصل * وأما حديث الأعرابي الذي رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١) عن النبي ﷺ : أنه لمَّا رفعَ رأسَه من الركوع رفع كفيه. فإن ساعدناكم على قبول رواية الصحابي المجهول الذي لم يسمَّ، كرجل وأعرابي؛ إذ الصحابة كلُّهم عدول، فلا يضر جهالة أحدهم. فمَن ساعدكم على قبول رواية المجهول الذي سمع منه؟ فإن حُميد بن هلال لم يَذْكر من حال من حدَّثه ما يجب به قبول روايته، ولا عرَّف به ألبتة، ومثل هذا لا يحتجُّ بحديثه حَدِيثيٌّ. * وأما الآثار التي ذكرتموها عن الصحابة ﵃، فقد ذكرنا عن أعلمهم وأعرفهم بالنبي ﷺ ، وهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود= عدم الرفع في غير التكبيرة الأولى، وناهيك بهؤلاء الثلاثة عِلمًا ونُبلًا وجلالةً واقتداءً بالنبي ﷺ ! قال الطحاوي (٢): «أَفَتَرَى عمر بن الخطاب ﵁ خفي عليه أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعَلِم ذلك من هو دونه، ومن هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله ﷺ يفعل ثم لا ينكر ذلك عليه؟ هذا عندنا مُحال.

стр. 197

وفِعْل عمر هذا وتَرْك أصحاب رسول الله ﷺ إياه على ذلك، دليل صحيح أن ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. حدثنا ابن أبي داود، ثنا الحِمَّاني، ثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن عيَّاش، عن عبد الملك بن أبْجَر، عن الزُّبير بن عَدِي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: رأيت عمر بن الخطَّاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود. قال: ورأيت الشعبيَّ وإبراهيم يفعلان ذلك. قال الطحاوي: وهذا حديث صحيح؛ لأن الحسن بن عياش، وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه فإنه ثقة حجة، ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره». * * * *

стр. 198

[فصل في أجوبة القائلين بالرفع عن أدلة القائلين بعدمه] قال الرافعون: صدقتم، الآن حَمِي الوطيس، ودارت رحى الحرب، وتنادت الأبطال: نَزَالِ نَزَالِ، وآن لأنصار الحديث أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يتحيَّزوا إلى فئة غير رسول الله ﷺ ، بحيث يجعلون قوله المُحكَم، وما خالفه من النصوص متشابهًا إن أمكن تأويله و تخريجه على الوجوه البعيدة المُسْتكرهة، خرَّجوه عليها وإلا أمَرُّوه على ظاهره ووَكَلوا علمَه إلى من قلَّدوه، وقالوا: هو أعلم بالنصوص مِنَّا، فاسمعوا الآن جوابَ ما أرعدتم به وأبرقتم [ق ٥٣] وقمتم فيه وقعدتم ... (١) كانت لكم في تلك المسألة ... (٢) لانسلِّم لكم، وأنه لا ... لهم قدرًا ... (٣) جئناكم بما لا قِبل لكم به ولا طاقة لكم ... (٤) العزيز الحكيم. * فأما ردّكم حديث ابن عمر بمخالفة مالك وأهل المدينة له، وأن هذا

стр. 199

يدلّ على نسخه وإلا لم يخالفه مالك ... مع اتباعه وتحرِّيه، فجوابه من وجوه: أحدها: أن مالكًا لم يخالفه بل ذهب إليه وعمِل بموجبه حتى مات. هذا الذي رواه عنه أخصُّ أصحابه وأعلمهم به وألزمهم له، حتى إن بعض أئمة المالكية قال: مذهب مالك رفع اليدين في هذه المواضع، ومذهب القاسميّة عدم الرفع. قال أبو عمر بن عبدالبر (١): «روى ابن وهب والوليد بن مسلم وسعيد ابن أبي مريم وأشهب وأبو المصعب عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر (٢) إلى أن مات. فحدثنا (٣) عبدالوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا أبو عبيدة بن أحمد، ثنا يونس بن عبدالأعلى، ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: صحبتُ مالكَ بن أنس قبل موته بسنة، فما مات إلا وهو يرفع يديه. فقيل ليونس: وصف أشهب رفع اليدين عن مالك؟ قال: سُئِل أشهب عنه غير مرّة، فكان يقول: يرفع يديه إذا أحرم، وإذا أراد أن يركع، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده». قال يونس: وحدثني ابن وهب قال: صَحِبت مالك بن أنس في طريق

стр. 200

الحج، فلما كان بموضعٍ ذكرَه يونس، دنت ناقتي من ناقته، فقلت: يا أبا عبد الله كيف يرفع المصلي يديه في الصلاة؟ فقال: وعن هذا تسألني، ما أحب أن أسمعه منك، ثم قال: إذا أحرم، وإذا أراد أن يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده. قال أبو عبيدة: سمعت هذا من يونس بن عبدالأعلى غير مرة. وفي «المستخرجة من سماع أشهب، وابن نافع عن مالك» قال: يرفع المصلي يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده. قال: ليس الرفع بلازم وفي ذلك سَعَة (١). وقال محمد بن جرير الطبري: ثنا يونس بن عبدالأعلى، عن أشهب، عن مالك مثل ذلك، وزاد: ويرفع من وراء الإمام أيديهم إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قال: وليس رفع اليدين بلازم وفي ذلك سَعَة. قال أبو عمر: وثنا أحمد بن محمد، ثنا وَهْب بن مسرَّة، ثنا ابن وضَّاح، ثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو، ثنا ابن وهب قال: رأيتُ مالك بن أنس يرفع يديه في كلِّ خفضٍ ورفع، أو قال: كلما خَفَض ورَفَع، فلم تزل تلك صلاته. وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا أحمد بن خالد، وسعيد بن عثمان: أنهما سمعا يحيى بن عمرو (٢) يقول: سمعت أبا المصعب [الزهري] يقول: رأيت مالك بن أنس يرفع يديه إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، على حديث ابن عمر.

стр. 201

وقال محمد بن عبدالحكم: الذي [ق ٥٤] آخذ به في رفع اليدين: أن أرفع (١) على حديث ابن عمر. قال: ولم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين» (٢). ورواه مَعْن بن عيسى القزَّاز أيضًا عن مالك. فهؤلاء سبعة من أصحاب مالك. فأما أشْهَب بن عبد العزيز فكان من أفقه أصحابه وأشدّهم انتحالًا لمذهبه ونُصْرةً له، حتى إنه كان يدعو على الشافعي ويقول: اللهمّ أمِتْه حتى لا يذهب علم مالك. قال محمد بن عبد الله بن عبدالحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثِّلًا: تمنَّى رجالٌ أن أموت وإن أَمُت ... فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحَدِ فقل للذي يَبْقَى (٣) خلافَ الذي مضى ... تهيَّأ لأخرى مثلها فكأنْ قَد قال: فمات الشافعي، ثم مات أشهب بعده بثمانية عشر يومًا (٤). والمقصود: أن شدة النصرة لمذهب مالك حَمَلَتْه على الدعاء على الشافعي لمَّا خالف مالكًا، وهو قد حكى عن مالك أن مذهبه رفع اليدين

стр. 202

عند الركوع والرفع منه. [ومع ذلك] فأشهب في الفقه والجلالة والإمامة بالمنزلة التي لا تخفى. وقد [فضَّله] ابنُ عبدالحكم على ابن القاسم في الفقه. قال أبو عمر بن عبدالبر في كتاب «الانتقاء» (١): «ثنا إبراهيم بن شاكر ثنا عبد الله بن عثمان، قال: ثنا سعد بن معاذ، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبدالحكم يقول: أشهب أفقه من (٢) ابن القاسم مئة مرَّة. قال: وحدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه: أنه ذكر قول محمد بن عبد الله بن عبدالحكم لمحمد بن عمر بن لبابة، فقال: ليس هذا عندنا، كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه. قال أبو عمر: أشهب شيخه وابن القاسم شيخه، وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذه عنهما». وأما الإمام عبد الله بن وهب، فهو من أجلِّ أصحاب مالك أو أجلّهم على الإطلاق، وكان مالك يُجِلّه ويعظّمه ويسمِّيه: الفقيه. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم (٣).

стр. 203

قال أبو عمر (١): يقولون: إن مالكًا لم يكتب إلى أحد كتابًا يُعَنْوِنه بـ «الفقيه» إلا إلى ابن وهب. وكان رجلًا صالحًا خائفًا لله تعالى، كان سبب موته أنه قُرئ عليه كتاب الأهوال من «جامعه»، فأخذه شيء كالغَشْي، فحُمِل إلى داره، فلم يزل كذلك إلى أن قضى نَحْبَه. قال أبو زرعة: نظرت في حديث ابن وهب ثمانين ألف (٢) حديث من حديثه عن المصريين وغيرهم، فما أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له، وهو ثقة (٣). قال أبو عمر: وقد قيل: إن مالكًا روى عنه عن ابن لهيعة حديث: بيع العُرْبان، والله أعلم (٤).

стр. 204

وأما ابن نافع فهو عبد الله بن نافع الصائغ (١)، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك. قال أبو خيثمة: سمعت يحيى بن معين [ق ٥٥] يقول: هو ثقة. وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الله بن نافع، فقال: لم يكن صاحب حديث كان صاحب رأي مالك، وكان يفتي أهل المدينة برأي مالك، ولم يكن في الحديث بذاك (٢). هذا إن كان المذكور في «المستخرجة» من سماع أشهب ونافع عن مالك هو الصائغ، وإن كان عبد الله بن نافع الزّبيري (٣) فهو ثقة. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: صدوق ليس به بأس. وكان يحيى بن يحيى الأندلسي يسأله عن تفسير «الموطأ». قال الزبير بن بكَّار: كان المنظور إليه من قريش بالمدينة في حين وفاته في هديه وفقهه وفضله.

стр. 205

وأما أبو المصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب ابن عبد الرحمن بن عوف (١)؛ فمن الطبقة الأولى من أصحاب مالك. قال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق (٢). وقال الزُّبير بن بكَّار: مات وهو فقيه أهل المدينة غير مُدافع. فهؤلاء الأربعة وهم: ابن وهب، وأشهب، وعبد الله بن نافع، وأبو مصعب الزُّبيري، من الطبقة الأولى من أهل الفقه من كبار أصحاب مالك. وأما مَعْن بن عيسى القزَّاز (٣)؛ فمن الثقات، ومن حُفَّاظ أصحاب مالك، وممن روى عنه «الموطأ». والوليد بن مسلم (٤) من ثقات المحدِّثين، وهو من الطبقة الثانية من أصحاب مالك. وهؤلاء كلهم رووا عنه الرفع على حديث ابن عمر، وانفرد ابن القاسم وحدَه برواية ترك الرفع، فإن حاكمناكم إلى قواعد أهل الحديث، حكموا لنا عليكم؛ إذ سبعة أثبات أئمة حُفَّاظ أولى أن يُؤخَذ بقولهم من واحد يتطرَّق الوهم إليه دونهم أولى من العكس.

стр. 206

وإن حاكمناكم إلى قواعد الفقهاء، حكموا لنا عليكم أيضًا، فإن شهادة سبعة على الإثبات أولى أن يُؤخَذ بها، وتُقَدَّم على شهادة واحدٍ على النفي، وهذا لأصحاب مالك خاصةً أَلْزَم، فإنهم يرجِّحون بكثرة العدد في الشهادة على ما رواه مُطَرِّف وابن الماجِشون عن مالك. وإن حاكمناكم إلى قواعد الأصوليين، حكموا لنا عليكم، فإن الظن المستفاد من إخبار سبعة بشيء أقوى من الظنِّ المُستفاد من إخبار واحد، ومن هاهنا قال بعض أئمة المالكية: مذهب المالكية رفع اليدين على حديث ابن عمر، ومذهب القاسمية تركه (١). وقال أبو عمر بن عبدالبر (٢): «قال أحمد بن خالد: كان عندنا بقرطبة جماعةٌ من علمائنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ورواية من روى ذلك عن مالك، وجماعةٌ لايرفعون إلا في الإحرام على رواية ابن القاسم، فما عاب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء». وقد تقدم (٣) قول محمد بن عبد الله بن عبدالحكم: إنه لم يَرْو أحدٌ عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين. قال ابن عبدالبر: «سمعت شيخَنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم يقول (٤): كان إسحاق بن إبراهيم شيخنا، يرفع يديه كلما [ق ٥٦]

стр. 207

خَفَض ورفع على حديث ابن عمر في «الموطأ». وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علمًا ودينًا. قال أبو عمر: فقلت له: فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك؟ فقال لي: لا أخالف رواية ابن القاسم؛ لأن الجماعة عندنا اليوم عليها، ومخالفة الجماعة فيما قد أُبِيح لنا ليس من شِيَم الأئمة، والرفع متروك عندنا اليوم (١)». فقد أخبر من تَرَك الرفعَ عن عُذْره، وأبان أنه لا عذر له سواه. ومعلوم قطعًا أن عذر الرافعين أصحّ من هذا العذر عند الله ورسوله وعباده المؤمنين، ولا يستوي عذرُ من أخبر أن تركه للرفع الثابت عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه، وعن إمامه برواية العدد الكثير عنه، ثم يتركه برواية واحد عن مالك، وبِتَرْك أهل بلده لهذه السنة. وعذرُ من رفعَ وقدَّم السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه، والرواية الشهيرة عن إمامه التي رواتها أكثر وأحْفَظ. فهذا جوابهم (٢) عن قولكم: إن مالكًا راوي الحديث، وقد ترك العمل به. وجوابٌ ثانٍ: أنه لو فُرِض صحة ما ذكرتم عن مالك ــ وحاشا وكلا ــ لم يكن موجبًا لترك العمل بالحديث؛ لأن الأخذ بما رواه الحافظ لا بما رآه. هذا قول الجمهور، وهذا لأن روايته حجة، ورأيه ليس بحجة، وترك

стр. 208

الحجة لِما ليس بحجة باطل [والأخذ بما رواه] إذا كان ثقةً حافظًا [أكثر بعدًا] عن الخطأ ورأيه ليس بمعصوم. فلا نترك ما ضُمِنَت لنا فيه العصمة (١) إلى ما لم تُضمن لنا فيه. وأيضًا: إن مخالفته لما رواه يجوز أن يكون بنسيانٍ، أو غلطٍ، أو قيام مُعارضٍ عندَه ظنَّه راجحًا وليس كذلك، أو لحمله ما رواه على غير ظاهره، أو لاعتقاده نسخَه، أو لعدم صحته عنده، فتعيينُ احتمال النسخ من بين هذه الاحتمالات (٢) تحكُّم لا معنى له. وأيضًا: فإنَّ هذا المَدْرَك لو كان صحيحًا، لكان أصحاب رسول الله ﷺ أولى به؛ لأنهم أعلم بالتأويل وبالناسخ والمنسوخ، فكان أحدهم إذا روى حديثًا وأفتى بخلافه= أُخِذ بفتواه، وتُرِك ما رواه عن النبي ﷺ (٣). وقد روى ابن عباس ــ حبر الأمة وعالمُها ــ حديثَ بَريرة (٤) أن النبي ﷺ خيَّرها لمّا بيعت وعَتَقَت بين المُقام مع زوجها وبين فَسْخ النكاح، فاختارت فسخ النكاح، ولم يكن بيعها طلاقًا لها. ثم أفتى هو وجماعة من

стр. 209

الصحابة (١) بأنَّ بيع الأمة طلاقها، فأخذ الأئمةُ الأربعة وغيرُهم بروايته دون فتواه ومذهبه، وهذا هو الواجب لِما قدَّمناه، إذ ما رواه حُجَّةٌ يجب اتباعها، وليس مذهبه الذي قد نازعه فيه غيره حجة يُقدَّم على النص. هذا، وهو من قد استُجيبت فيه دعوة رسول الله ﷺ ، بأن يفقِّهه الله في الدين ويعلِّمه التأويل، فكيف تكون روايةٌ عن إمام قد خالفها روايةُ جماعةٍ عنه، وخالفه غيره من الأئمه مُقدَّمةً على النصوص الثابتة الصحيحة؟! والله المستعان. وقد احتجُّوا (٢) على أن القيء يفطِّر الصائم بالحديث الذي رواه [ق ٥٧] أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من ذَرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء» (٣). وهو حديث حسن. وقد روى يحيى ابن أبي كثير، عن عمر بن الحكم: أن أبا هريرة كان لا

стр. 210

يرى القيء يفطِّر الصائم (١). فأخذوا برواية أبي هريرة، وتركوا رأيه ومذهبه. وأيضًا: فقد روى ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة في عُمرة القضاء، وأن يمشوا بين الركنين (٢). وقال ابن عباس: ليس الرَّمَل بسنة (٣). وهو راوي الخبر، فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه.

стр. 211

وأيضًا: فقد ثبت في «الصحيح» (١) عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ أمرها لمَّا حاضت أن تقضي المناسك، وتفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت. وقد روى سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن أبي بِشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمَّت بها عائشة بقية طوافها (٢). فأخذ الناس برواية عائشة وتركوا رأيها. وأيضًا: فقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير؟ فقال: «لا حرج». متفق عليه (٣). وفي رواية للبخاري (٤): سأله رجل فقال: حلقتُ قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج». وقال: رميتُ بعدما أمسيت، فقال: «لا حرج». وفي أخرى للبخاري أيضًا: زرت قبل أن أرمي، قال: «لا حرج». قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: «لا حرج». قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: «لا حرج». وصحّ عن ابن عباس فيما قدِّم من أفعال الحج أو أُخِّرَ دَمٌ (٥)، فأخذوا

стр. 212

بروايته، وتركوا رأيه. وأخذَ أصحابُ أبي حنيفة بحديث ابن عباس مرفوعًا: «كلُّ الطلاق جائز إلا طلاق المَعْتوه» (١). وهو حديث ضعيفٌ باتفاق أهل الحديث، فيه عطاء بن عجلان ضعيف جدًّا. وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق (٢). فأخذوا بروايته التي لم تثبت عنه وتركوا رأيه، مع أنه صحيح عنه، وقالوا: الاعتبار بما رواه لا بما رآه. وأيضًا: فقد رُوي عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن بيع الغَرَر (٣).

стр. 213

وصحَّ عن ابن عمر: أنه اشترى جملًا شاردًا (١). فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه، ولم يقولوا في هذه المواضع وأمثالها: لم يخالف الراوي الحديث إلا وهو منسوخ عنده. ونخصُّ أصحابَ مالك بأن عليًّا روى عن النبي ﷺ في الصلاة «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢). ورُوي عنه أنه لم يرَ التسليمَ من الصلاة فرضًا (٣). فأخذوا بروايته ولم يلتفتوا إلى مذهبه، ولم يقولوا: مخالفته للحديث تدل على نسخه عنده. ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ من طريق علي. وابن عباس: أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (٤). وقد ثبت عن عليٍّ وابن عباس أنها الصبح (٥)، فلم يلتفتوا إلى مذهبهما، وأخذوا بروايتهما.

стр. 214

وأيضًا: فقد صحَّ [ق ٥٨] عن عائشة عن النبي ﷺ : التحريم في الرّضاع بلبن الفحل في قصة أبي القُعَيس (١). وصحَّ عنها أنها أفتت بخلافه، وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بناتُ إخوتها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساءُ إخوتها (٢). فأخذَ الناسُ بروايتها، وتركوا رأيها ومذهبَها. وأيضًا: فقد صحَّ عن عائشة من رواية البخاري وغيره: «فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحَضَر وأُقِرَّت صلاة السَّفر» (٣). فهذه رواية منها لابتداء فرض الصلاة. وصحَّ عنها أنها أتمَّت في السفر (٤). فأخذَ أصحابُ أبي حنيفة ومالك بروايتها، وقدموها على رأيها وفعلها. ونخصُّ أصحاب أبي حنيفة، أنهم أخذوا بحديثين ضعيفين جدًّا عن أبي موسى، وجابر: الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة (٥). وقد صحَّ

стр. 215

عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك (١). فلم يلتفتوا إلى مذهبهما الصحيح عنهما، وقدَّموا عليه روايتهما التي لم تثبت عنهما. وأيضًا: فروت عائشة أن رسول الله ﷺ أكل لحمًا ولم يتوضأ (٢). وصحَّ عنها بأصحّ إسنادٍ إيجاب الوضوء من كلّ ما مسَّت النارُ (٣)، فلم يلتفتوا إلى رأيها، وقدّموا عليه روايتَها. وأيضًا: فقد روت عائشة وابن عباس وأبو هريرة: إباحة المسح على
следующие страницы →