← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 257

رفع اليدين في الصلاة

ابن القيم

Полный текст (343 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأيضًا: فقد ثبت في «الصحيح» (١) عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ أمرها لمَّا حاضت أن تقضي المناسك، وتفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت. وقد روى سعيد بن منصور، ثنا أبو عوانة، عن أبي بِشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمَّت بها عائشة بقية طوافها (٢). فأخذ الناس برواية عائشة وتركوا رأيها. وأيضًا: فقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير؟ فقال: «لا حرج». متفق عليه (٣). وفي رواية للبخاري (٤): سأله رجل فقال: حلقتُ قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج». وقال: رميتُ بعدما أمسيت، فقال: «لا حرج». وفي أخرى للبخاري أيضًا: زرت قبل أن أرمي، قال: «لا حرج». قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: «لا حرج». قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: «لا حرج». وصحّ عن ابن عباس فيما قدِّم من أفعال الحج أو أُخِّرَ دَمٌ (٥)، فأخذوا

стр. 212

بروايته، وتركوا رأيه. وأخذَ أصحابُ أبي حنيفة بحديث ابن عباس مرفوعًا: «كلُّ الطلاق جائز إلا طلاق المَعْتوه» (١). وهو حديث ضعيفٌ باتفاق أهل الحديث، فيه عطاء بن عجلان ضعيف جدًّا. وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق (٢). فأخذوا بروايته التي لم تثبت عنه وتركوا رأيه، مع أنه صحيح عنه، وقالوا: الاعتبار بما رواه لا بما رآه. وأيضًا: فقد رُوي عن ابن عمر: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن بيع الغَرَر (٣).

стр. 213

وصحَّ عن ابن عمر: أنه اشترى جملًا شاردًا (١). فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه، ولم يقولوا في هذه المواضع وأمثالها: لم يخالف الراوي الحديث إلا وهو منسوخ عنده. ونخصُّ أصحابَ مالك بأن عليًّا روى عن النبي ﷺ في الصلاة «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢). ورُوي عنه أنه لم يرَ التسليمَ من الصلاة فرضًا (٣). فأخذوا بروايته ولم يلتفتوا إلى مذهبه، ولم يقولوا: مخالفته للحديث تدل على نسخه عنده. ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ من طريق علي. وابن عباس: أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (٤). وقد ثبت عن عليٍّ وابن عباس أنها الصبح (٥)، فلم يلتفتوا إلى مذهبهما، وأخذوا بروايتهما.

стр. 214

وأيضًا: فقد صحَّ [ق ٥٨] عن عائشة عن النبي ﷺ : التحريم في الرّضاع بلبن الفحل في قصة أبي القُعَيس (١). وصحَّ عنها أنها أفتت بخلافه، وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بناتُ إخوتها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساءُ إخوتها (٢). فأخذَ الناسُ بروايتها، وتركوا رأيها ومذهبَها. وأيضًا: فقد صحَّ عن عائشة من رواية البخاري وغيره: «فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحَضَر وأُقِرَّت صلاة السَّفر» (٣). فهذه رواية منها لابتداء فرض الصلاة. وصحَّ عنها أنها أتمَّت في السفر (٤). فأخذَ أصحابُ أبي حنيفة ومالك بروايتها، وقدموها على رأيها وفعلها. ونخصُّ أصحاب أبي حنيفة، أنهم أخذوا بحديثين ضعيفين جدًّا عن أبي موسى، وجابر: الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة (٥). وقد صحَّ

стр. 215

عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك (١). فلم يلتفتوا إلى مذهبهما الصحيح عنهما، وقدَّموا عليه روايتهما التي لم تثبت عنهما. وأيضًا: فروت عائشة أن رسول الله ﷺ أكل لحمًا ولم يتوضأ (٢). وصحَّ عنها بأصحّ إسنادٍ إيجاب الوضوء من كلّ ما مسَّت النارُ (٣)، فلم يلتفتوا إلى رأيها، وقدّموا عليه روايتَها. وأيضًا: فقد روت عائشة وابن عباس وأبو هريرة: إباحة المسح على

стр. 216

الخُفَّين (١). وصحّ عنهم ثلاثتهم المنعُ من المسح جملةً (٢). وأخذ الجمهورُ بروايتهم دون رأيهم. ورُوي عن عمر عن النبي ﷺ : «لا يُقتصّ لولد من والده» (٣)، وجاء عنه ﵁: لأقصنّ للولد من الوالد (٤)، فلم يروا مذهبه ورأيه موجبًا لترك روايته. وأيضًا: فاحتجوا بمنع بيع أمهات الأولاد بالخبرين عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «أيُّما رجلٍ ولدت منه أَمَتُه فهي مُعْتَقة عن دبرٍ منه» (٥)، وأنه ذُكِرَت أمُّ إبراهيم عند النبي ﷺ ، فقال: «أعتقها ولدها» (٦). وقد صحَّ عن

стр. 217

ابن عباس جواز بيعهنَّ (١)، والرواية عنه بذلك أصحّ من المرفوع، وقدموا روايته على رأيه، ولم يقولوا: لم يخالف الحديث إلا وهو منسوخ عنده. ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنهم احتجوا بحديث علي عن النبي ﷺ في صدقة الوَرِق: «لا زكاة فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما» (٢)، وقد صحَّ عن عليٍّ بأصحّ إسنادٍ يكون أنه قال: في المائتين خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك (٣). فلم يجعلوا ما صحّ عن عليّ من قوله موجبًا لترك روايته، مع ضعف سندها، وصحة مذهبه عنه. واحتجّوا على نجاسة الماء الكثير الذي يقع فيه النجاسة بحديث أبي هريرة: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم» (٤)، ولم يستثن ماءً من ماء. وقد صحّ عن أبي هريرة من طريق سعيد بن منصور، عن ابن عُليَّة، عن حبيب

стр. 218

ابن شهاب العنبري، عن أبيه: أنه سأل أبا هريرة عن سؤر الحوض، تَلِغُ فيه الكلاب، ويشرب منه الحمار؟ فقال أبو هريرة: لا يحرِّم الماءَ شيء (١). فلم يجعلوا فتوى [ق ٥٩] أبي هريرة دليلًا على نَسْخِ الحديث الذي رواه ولا ضَعْفِه. وهذا بابٌ يطول تتبُّعه وجمعُه، وإنما نبَّهنا على اليسير منه. ومما يُقضى منه العجب: أنهم إذا رأوا الرواية عن صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ أو غيره بخلاف ما روى تُوافِقُ قولَ من قلَّدوه قالوا: ما كان ليترك ما روى عن النبي ﷺ إلا وهو عنده منسوخ، أو لأمرٍ اطلع عليه خفي علينا، وإلا قَدَح ذلك في عدالته وسقطت روايته رأسًا، ويَبطلُ جميعُ ما رواه. فإذا كانت الرواية عنه بفتواه بخلاف ما رَوى تُخالف قولَ من قلَّدوه، والحديث يوافق قوله قالوا: الحُجَّة فيما روى، ولعله نسي أو تأوَّل تأويلًا ظنَّه موجِبًا لترك ما رواه، وليس كذلك في نفس الأمر. وقد رأينا هذا وهذا في كثير من كلامهم، والميزان الراجح عندهم هو قول من قلدوه، فإن وافقه قول الراوي ورأيه، ذكروا تلك الطريق وسلكوها، وإن خالفه قول الراوي ورأيه سلكوا الطريق الأخرى، وقدَّموا النص. والذي يتعيَّن المصيرُ إليه، ولا يجوز العدول عنه هو قول رسول الله ﷺ الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو المعصوم من الخطأ، والنقلُ عنه بذلك نقلٌ مصدَّق عن قائل معصوم،

стр. 219

فيتعيَّن المصيرُ إليه، والنقلُ عن غيره ــ إن كان نقلًا مصدَّقًا ــ فعن قائل غير معصوم، ومن الممكن بل الواقع أن ينسى الراوي ــ صحابيًّا كان أو دونه ــ ما سمعه وشاهده من النبي ﷺ ولا يحضره ذكره حين أفتى بخلافه، أو أن يتأول فيه تأويلًا لا يألو فيه عن الخير وقصد الحق، ويثيبه الله على ذلك، ويأْجُره عليه أجرًا واحدًا. وإذا كان هذا ممكنًا بل واقعًا، فلا حجَّة في قول أحدٍ خالفَ نصَّ رسول الله ﷺ كائن من كان (١). وأيضًا: فمن أبطل الباطل أن يكون عند أحدهم عن النبي ﷺ سنة في قضيَّة ناسخة أو مُخصِّصة للعموم، ثم يروي للأمة المنسوخ والعام دائمًا، ولا يروي لهم الناسخ ولا المخصِّص ألبتة. هذا مما لا يُظَن بهم، ولا بمن هو دونهم ممن له لسان صِدْق في الأمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة/ ١٥٩]. ومعلوم أن الناسخ والمخصِّص أحق بالهدى من المنسوخ والعام، فروايته وتبليغه للأمة أوجب وأفرض من رواية المنسوخ، وبالله التوفيق. فصل قالوا: نزلنا عن هذا المقام، وفرضنا أنا ساعدناكم ــ وحاشا لله ــ على تقديم رأي الراوي ومذهبه على ما رواه. فحديث الرفع في هذه المواطن لم يتفرَّد به مالك حتى تكون مخالفته له موجبة لعدم قبوله، فقد روى عن

стр. 220

النبيِّ ﷺ جماعةٌ من [ق ٦٠] الصحابة غير ابن عمر، كما تقدم، حتى لو لم يكن في الباب إلا حديث ابن عمر، فقد رواه عن ابن عمر سالم ابنه ونافع مولاه، ورواه عنهما غير مالك. قال البخاري (١): «ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين». فهذا السند ــ الذي (٢) لو أفاق مجنونٌ بسندٍ صحيحٍ لأفاقَ به ــ لا ذِكْر لمالكٍ فيه ألبتة، فبِمَ تستجيزون مخالفته؟ وكلُّ رواته ثبت (٣) عنهم الرفع في هذه المواطن والقول به، وصنف البخاري كتابه المشهور في رفع اليدين، وحكى عن شيخه علي بن عبد الله أنه قال: رفع الأيدي حقٌ على المسلمين، بما روى الزهري، عن سالم، عن أبيه (٤). ومذهب ابن عيينة في ذلك أشهر؛ قال ابن عبدالبر (٥) بعد أن ذكر رواية ابن وهب، وأبي المصعب، وسعيد بن أبي مريم، وأشهب، والوليد بن مسلم عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر إلى أن مات= قال: وبهذا قال الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وجماعةُ أهل الحديث.

стр. 221

وكذلك هو مذهب الزّهري. وأما سالم بن عبد الله؛ فحكى عنه البخاري الرفعَ في «كتابه» (١). وأما عبد الله بن عمر فقد صحَّت عنه الأسانيدُ التي لا مَطْعَن فيها ألبتة، بأنه كان يرفع يديه في هذه المواطن. ذكره البخاري عنه في «كتابه» (٢)، وأحمد بن حنبل، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة، ووكيع، وسعيد بن منصور، ومحمد بن جرير الطبري، وابن عبد البر وغيرهم. وقد تقدم ذِكْر بعض ذلك (٣). هؤلاء الأئمة الحُفَّاظ الأثبات كلٌّ منهم كان يرفع يديه بمقتضى هذا الحديث، وهم رواته. وقد روى هذا الحديث عن الزهري غير واحد، منهم: مالك، ويونس ابن يزيد، وسفيان بن عُيينة، وابن جُرَيج، ومَعْمر، وعُقيل بن خالد. فإن كان مخالفة مالك موجبًا لترك العمل به، فهلّا كان قول هؤلاء بموجبه موجبًا للعمل به! فتبين أنه لا عذر لكم ولا مُتعلَّق فيما رُوي عن مالك من إنكار الرفع بوجهٍ من الوجوه.

стр. 222

فصل * قالوا: وأما روايتكم عن ابن عمر (١): أنه لم يكن يرفع يديه إلا في أول مرة، فمن العجب أن تُردّ الروايات الصحيحة الثابتة عن ابن عمر من رواية سالم ابنه ونافع مولاه، وهما أعلم به، برواية شاذَّةٍ عنه من رواية أبي بكر بن عيَّاش، عن الليث بن سعد (٢). قال الليث بن سعد: ثنا نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا استقبل الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه. رواه البخاري عن عبد الله بن صالح عنه. وقد تقدم (٣) قول ابن جريج عن الحسن بن مسلم: أنه سمع طاووسًا يسأل عن رفع اليدين في الصلاة فقال: رأيت عبد الله وعبد الله وعبد الله يرفعون أيديهم في الصلاة [ق ٦١] لعبدالله بن عمر، وعبد الله بن عباس،

стр. 223

وعبد الله بن الزبير. ذكره البخاري أيضًا (١). وقال مُحارب بن دِثار: رأيت ابن عمر إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه. ذكره البخاري عن أبي النعمان عن عبدالواحد بن زياد عنه. وقال عبيدالله عن نافع عن ابن عمر: أنه كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه. ذكره البخاري عن عيَّاش (٢) ابن الوليد عن عبدالأعلى. وقال إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير: رأيتُ ابنَ عمر حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى يحاذي أُذُنيه، وحين يرفع رأسه من الركوع واستوى قائمًا فعل مثل ذلك. رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن عنه (٣). فهذا هو الثابت عن ابن عمر، فكيف تُقَدَّم عليه روايةٌ لا تثبت؟ قال البخاري (٤): قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر عن حصين إنماهو توهُّم منه لا أصل له.

стр. 224

يعني حديث أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة. وحتى لو صحت هذه الرواية عن ابن عمر (١) كانت رواية من ذكرنا عنه أولى أن يؤخَذ بها لوجوه: أحدها: كثرة رواتها. والثاني: تميُّزهم بالحفظ والإتقان. والثالث: أنها متضمِّنة للإثبات فتُقَدَّم على النفي. قالوا: ولم يكن ابن عمر لِيَرْوي عن النبي ﷺ شيئًا، ثم يعمل بخلافه مع تحرِّيه لاتِّباع سنته. وقد أعاذ الله ابنَ عمر من ذلك، فصحت الروايةُ عنه بالرفع من فعله. وصِحَّتُها عنه روايةً عن النبي ﷺ يرفعُ هذه الرواية الشاذَّة الباطلة، هذا موجب العلم والعدل والظن بالصحابة، والله أعلم. فصل * وأما ما رويتم عن عمر (٢): أنه لم يكن يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا حين افتتح الصلاة، فحاشا لله أن يصح ذلك عن عمر. قال البخاري (٣): ولم يثبت عند أهل العلم عن أحد من أصحاب النبي

стр. 225

- ﷺ أنه لم يرفع يديه. قال البخاري: وقال الحسن وحُميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم، فلم يستثن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ دون أحد. والذي رُوي عن عمر فهو من رواية حَسَن بن عياش. قال عثمان الدارمي: ليس في الحديث بذاك. والرواية الأخرى عن عمر بترك الرفع هي أيضًا من رواية أبي بكر بن عياش أخي حسن. قال عثمان الدارمي أيضًا: ليس في الحديث بذاك، ذكره الحافظ أبو الحجَّاج المِزِّي عنه في «تهذيبه» (١). وقد قال أبو النضر: ثنا شعبة عن الحكم بن عُتيبة (٢) قال: رأيت طاووسًا يرفع يديه في الصلاة إذا افتتحها، وإذا كبَّر للركوع، وعند رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فقال: رأيتُ ابنَ عمر يفعله، وذكر أن أباه كان [ق ٦٢] يفعله، وذكر عمر أن رسولَ الله ﷺ فَعَله. رواه الحاكم وقال: تابعه عليُّ بن الجعد، وعمَّار بن عبدالجبار، والحكم بن أسلم الحَجَبي، عن شعبة. وأما غندر فرواه عن شعبة، ولم يذكر عمر. قال الحاكم: والحديثان محفوظان (٣).

стр. 226

ولا ريب أن هذه الرواية أصح عن عمر، وأولى من رواية أبي بكر بن عيَّاش وأخيه، ولو تعارضا من كلّ وجه لكانت رواية الإثبات مقدَّمة على رواية النفي. وأما قول أبي بكر بن عيَّاش: ما رأيتُ فقيهًا قطّ يرفع يديه (١). فيقال: غاية هذا أنه لم ير هو أحدًا من الفقهاء يرفع يديه، وهذا يدلُّ على أنه ما صلى خلف أكبر الفقهاء، أفترى أصحابَ رسول الله ﷺ ليسوا فقهاء؟! وقد قال الحسن وحُميد: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم (٢). قال البخاري (٣): «وممن كان يرفع يديه عند الركوع أبو قَتادة الأنصاري، وأبو أُسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مَسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، وأم الدرداء، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس بن عبدالمطلب، وأنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة الدَّوسي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حُجْر الحضرمي، ومالك بن الحُويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حُميد الساعدي الأنصاري». أفترى هؤلاء ليسوا فقهاء؟ فليس فيهم فقيه؟ هذا من أبطل الباطل (٤)!

стр. 227

وقد حكى البخاري (١) الرفعَ عن: «سعيد بن جُبير، وعطاء (٢) بن أبي رَباح، ومجاهد بن جَبْر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن البصري (٣)، ومحمد بن سيرين، وطاووس بن كيسان اليماني (٤)، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، وعبيدالله بن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سَعْد. وقد كان ابن المبارك يرفع يديه، وكذلك عامة أصحاب ابن المبارك؛ منهم: علي بن الحسن، وعبد الله بن عثمان، ويحيى بن يحيى، ومحدِّثو أهل بخارى؛ منهم: عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعبد الله بن محمد المُسْندي، وعدة ممن لا يُحصى، لا اختلاف بين من وصفنا من أهل العلم. وكان عبد الله بن الزبير، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن معين، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ويرونها حقًّا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم». انتهى. وروي ذلك عن عبد الرحمن بن سابط، وقتادة، وابن أبي نَجيح، وعَمرو ابن دينار، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي،

стр. 228

وإسماعيل بن عُلية، والليث بن سعد، والأوزاعي، وجرير بن عبدالحميد، وابن وهب، وأحمد بن حنبل، والشافعي [ق ٦٣]، وأبي ثور، والبخاري ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وجماعة أهل الحديث، ومحمد (١) بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن عبد الله بن عبد الحكم، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ويزيد بن [هرون]، وخلائق من أهل العلم لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين. وهؤلاء أئمة الفقه والحديث. وإبراهيمُ النخعي إنما شاهد فقهاء الكوفة [وهم] (٢) لم يرفعوا أيديهم، ولا ريب أن أهل الكوفة انفردوا عن سائر الأمصار بترك الرفع. قال محمد بن نصر المروزي في كتابه الكبير: لا نعلم مِصرًا من الأمصار ينسبُ إلى أهله العلم قديمًا تركوا بأجمعهم رفع اليدين في الصلاة عند الخفض والرفع إلا أهل الكوفة (٣). وأما أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الشام، وأهل البصرة، وأهل اليمن، وأهل خراسان، وأهل العراق، فعلى الرفع كما حكاه البخاري (٤)، إلا الرواية التي انفرد بها ابن القاسم عن مالك، وخالفه الأكثرون عن مالك.

стр. 229

ولا ريب أنا إذا قِسْنا هذه الأمصار بالكوفة، وفقهاءَها بفقهائها كثرةً وعلمًا وحديثًا، كان أتباع أهل هذه الأمصار أولى، لو لم يكن من جانبهم إلا الترجيح بذلك، كيف ومعهم من الصحابة من سمّينا؟! ويا لله العجب! هلّا كان الشعبي أعلم الناس بالسُّنة في أكثر من مائة مسألة لقوَّته فيها، وكثير منها يكون الحديث فيها من جانبه، فلم يكن هناك أعلم الناس بسنةٍ ماضية لأنه قد خالفكم، وكان هنا لموافقتكم في هذه المسألة أعلم الناس بالسنة، فالعيار إنما هو موافقتكم ومخالفتكم، فمن وافقكم فهو أعلم الناس، ومن خالفكم (١) نزل عن هذه الرتبة! وهلَّا كان سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث في فتاويه وأقواله التي خالفكم فيها! وقد بيَّنَّا بعضَ خلافكم لابن مسعود فيما تقدم (٢) فضلًا عن أصحابه، فهلَّا كان ابن مسعود (٣) في تلك المسائل أفقه الناس صاحبًا! وأما قولكم: إنه نزل بالكوفة أربعمائة من الصحابة، فهذا من حُجج منازعيكم عليكم، فإنه لم يُحفظ عن أحدٍ منهم ترك الرفع إلا ابن مسعود (٤) وحده، ولو كانوا كلهم على ترك الرفع لنُقِل ذلك عنهم ولو نَقْل

стр. 230

آحادٍ، فحيث لم يُنقل عن أحد منهم ألبتة ــ سوى ابن مسعود ــ لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف، ولا متصل ولا منقطع تَرْكُ الرفع مع مشاهدة أهل المصر لهم في الصلوات الخمس كل يوم وليلة، والمنقول عنهم خلافه كما بيناه= عُلِم انفراد ابن مسعود بترك الرفع. وأنتم فخلافكم لابن مسعود لا يُنكَر حيث لا يُعلَم له مخالف من الصحابة، فكيف ومخالفوه من الصحابة في هذه المسألة أكثر وأشهر؟! فلو كان الرفع منسوخًا، أو ليس من السنة لَمَا خَفِي على هؤلاء الأعلام وسادات الإسلام، الذين عنهم تُلقِّيَ الدين، وهم الوسائط بين الأمة ونبيها ﷺ ، وهم كانوا أحرصَ على اتباعه وتبليغ [ق ٦٤] ما جاء به من المقلّدين على نُصْرة أئمتهم والذب عن أقوالهم، والله المستعان.

стр. 231

فصل * وأما ردُّكم لحديث الصدّيق (١): بأنه لو كان صحيحًا لكان في السنن والمساند والصحاح، وكانت شهرته فوق شهرة غيره من الأحاديث. فيقال: من العجائب ردّكم لهذا الحديث الصحيح بمثل هذا الكلام الذي لا حاصل له، واحتجاجكم بالمقطوعات والمراسيل التي بين الراوي وبين النبي ﷺ فيها مفاوز تنقطع فيها الأعناق! وقد يكون بين المرسِل وبين النبيّ ﷺ فيها أربعة أوخمسة أو أكثر، لا يُدْرَى من هم ولا تُعرف أحوالهم ألبتة (٢). حتى لو أرسل مشايخ بَلْخ وخراسان وما وراء النهر الحديثَ لقلتم: هذا مرسل، والمرسل حُجّة في أصل قولنا! ثم تجيئون إلى حديث متصل الإسناد مثل الشمس، تطعنون فيه بأنه ليس في السنن والمسانيد المعروفة، وإذا جاءت تلك المراسيل التي لا تُعرف في شيء من كتب الحديث ألبتة، ولا يَعرفها أحدٌ من المحدِّثين، وليس في الدنيا لها إسناد يُعرف= لم يضرَّها أن لا تكون في المسانيد والسنن والصحاح، ولا تُحيل طِباع أهل العلم نقلها وضبطها.

стр. 232

ثم هذا الحديث قد ذكره الإمام أحمد، وذكره الحاكم، وذكره عبدالرزاق، وغير هؤلاء. وعُذر من لم يذكره الاستغناءُ عنه بما هو أوضح دلالةً وأقرب تناولًا وأشهر رواةً، ولا يجب على المصنّف أن يستوعب جميعَ أحاديث الباب. فصل * وأما ردّكم لحديث عمر بن الخطاب بأن الثابتَ عن عمر ما رواه الأسودُ عنه، قال: صليت مع عمر فلم يرفع يديه إلا في الاستفتاح (١). فقد تقدم قولُ البخاري: إنه لا يصحّ عن أحد من الصحابة ترك الرفع (٢)، وتقدَّمت الروايةُ الصحيحة عن عمر بالرفع (٣). فإن تقاومت الروايات (٤) عنه تساقطتا، وكان الأخذُ بما رواه متعينًا، وإن كانت رواية الرفع عنه أصحَّ إسنادًا فالأمر أظهر، وإن كانت رواية ترك الرفع عنه أصح إسنادًا كان غايتها أن يكون عَمِل خلاف ما رواه. وقد تقدم من أصولكم وأصول كافة الفقهاء: أن الرجوع إلى الرواية أولى من الرجوع إلى فتوى الراوي، ويتعيّنُ الرُّجوع إلى الرواية ههنا. ولو قلنا: الأخذ بما رآه وأفتى به؛ لأن غاية ما حكاه الأسودُ عنه فِعل لا

стр. 233

فتوى، فلعله شاهَده في تلك الصلاة لم يرفع يديه لعذر، أو لنسيان وذهول، أو لبيان أن الرفع ليس بفرض، بل يجوز تركه، فقد كان عمر ﵁ حريصًا ألّا تلتبس الفرائض بالمستحبَّات، وقد كان يترك التضحية خشية أن يظن الناس وجوبَها (١). وإذا احتمل فعلُه هذه الوجوه فكيف يُقدَّم على الأحاديث الصحيحة الصريحة في الرفع! وهل هذا إلا عدولٌ عن موجب الدليل إلى ما ليس بدليل؟ ومن العجب العُجاب [ق ٦٥] ردّكم لحديثه أيضًا بأن أعلم الناس بشعبة ــ وهو غُنْدَر ــ رواه عن الحكم بن عُتيبة (٢)، عن طاووس، عن ابن عمر، عن عمر: أنه كان يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسَه من الركوع. لم يُجاوز به عمر. يعني أنه موقوف عليه (٣). فيا لله العجب! أين هذا من قولكم: إن الثابت عن عمر ترك الرفع، وكان عذركم (٤) أنكم رددتم المرفوع عنه بالموقوف عليه، ثم رددتم الموقوف عليه بالرواية الأخرى التي تخالفه. وهكذا رأينا المنتصرين منكم لعدم الرفع قد فعل. فهلّا رددتم رواية الترك برواية الرفع، ثم وفَّقتم

стр. 234

بين الموقوف والمرفوع، وقلتم: رواه وعَمِل به فالأمران ثابتان. أو هلّا قلتم: لا تنافيَ بين شيءٍ من هذه الروايات عن عمر؛ فرواية الترك بيانًا منه أن الرفع سنة وليس بحتم، ورواية الفعل دالة على الاستحباب، وروايته له عن النبي ﷺ إخبارًا عما شاهده كما شاهده ابنه ومن معه من الصحابة، وتصادقت الروايات كلها عن عمر، ولم يُضرَب بعضُها ببعض. فأيُّ الطريقين أَلْيَقُ بالعلم؟ فالتوفيق بين الروايات ونفي التعارض عنها والعمل بها كلها، والله الموفق. فصل * وأما ردُّكم لحديث علي بن أبي طالب بعبد الرحمن بن أبي الزِّناد، وتضعيفكم له بما ذكرتم (١)، فلا ريب أن الرجل من علماء أهل المدينة وفقهائهم، وكان مالك بن أنس ــ وحَسْبك به ــ يدلّ عليه ويرشد إليه. قال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة: قَدِمت المدينة فأتيتُ مالكَ بن أنس فقلت: إني قدمت لأسمع العلم، وأسمعُ ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد. وقال أبو داود عن يحيى بن معين: أثبتُ الناس في هشامِ بن عروة عبدُ الرحمن بن أبي الزِّناد. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في حديثه ضعف.

стр. 235

وقد استشهد به البخاري في «صحيحه» (١) , وروى له مسلم في مقدمة كتابه (٢)، وقد ضعّفه يحيى بن معين، وأبو زُرعة، وأبو حاتم الرازيان، والصواب في أمره القول الثالث، وهو التفصيل. قال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ما حدَّث في المدينة فهو صحيح، وما حدَّث ببغداد أفسده عليه البغداديون. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عليَّ بن المديني يقول: حديثه في المدينة مقارَب، وما حدَّث به في العراق فهو مضطرب. وقال عَمْرو بن علي: فيه ضعف، ما حدَّث بالمدينة أصحّ مما حدّث ببغداد. وقال زكريا بن يحيى الساجي: فيه ضعف، وما حدَّث بالمدينة أصحّ مما حدّث ببغداد. وعلى طريقة هؤلاء فيه يَجِبُ أن يكون حديثه هذا مقبولًا، وأقلّ درجاته أن يكون حسنًا، بل في أعلى رتب الحسن؛ لأنه من رواية أهل المدينة عنه. قال ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عُقْبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، فذكره (٣).

стр. 236

وقال البخاري (١): ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن موسى بن عُقْبة، فذكره. وأما معارضة هذا الحديث بحديث أبي بكر النهشلي، عن عاصم ابن كُليب، عن أبيه، عن علي: أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرةٍ من الصلاة ثم لا يرفع بعدُ (٢). فيا سبحان الله! ما الذي جعل أبا بكر النّهشليّ أولى بقبول حديثه من عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ ومعلوم عند كلِّ من له علم بالحديث فضل ما بين النَّهْشلي وعبدالرحمن بن أبي الزناد في العلم والحفظ والفضل، وإنما أُنْكِر على ابن أبي الزناد بعضُ حديثه بالعراق لوهمٍ وقع فيه، وأبو بكر النّهشليّ فمعروف أيضًا بالوهم. قال أبو حاتم بن حبّان (٣): كان شيخًا صالحًا لكن غلب عليه التقشُّف حتى صار يَهِم وهو لا يعلم، فبطل الاحتجاج به. وأما قول الذهبي: إنه رجل صالح يتكلَّم فيه ابن حبان بلا وجه (٤)؛

стр. 237

فشهادةٌ على نفيٍ لا علمَ له به، قد عَلِمَه ابن حبان وعرَّف به، وهو أنه يهم ولا يعلم. ولا ريب أن من كان يكثر منه الوهم وهو لا يعلم لم يحتج بحديثه، وأما إذا قلَّ وهمه لم يسقط حديثه. وبالجملة فالنَّهشليّ إن لم يكن دون عبد الرحمن بن أبي الزناد فليس فوقه، فما الذي جعله أولى بالقبول منه؟ هذا مع أن كليبًا والد عاصم بن كُليب ليس من المعروفين المشهورين. قال الحافظ أبو الحجاج المِزِّي في «تهذيبه» (١): «قال النسائي فيما قرأت بخطِّه: كليبٌ هذا لا يعلم أن أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم بن كُليب، وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم بن مهاجر ليس بقوي في الحديث». ولا ريب أن الجهالة المطلقة لا ترتفع عن الراوي إلا برواية ثقتين فصاعدا عنه (٢)، ولم يحصل ذلك في حقّ كُليب، فكيف يُقدَّم حديثه على حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ قالوا: سلَّمنا صِحَّته، فغايته أن يتضمَّن فعل عليٍّ لما روى خلافَه، والعذرُ عنه كما تقدَّم العذر عمّا رُوي عن عمر بن الخطاب سواء بسواء، والله أعلم.

стр. 238

وإذا عُرِف هذا فيقال: حديث ابن أبي الزناد هذا قد دلّ على أن حديث أبي بكر النّهشلي على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيمًا أو يكون عليٌّ تَرَك الرفعَ في بعض الأحيان لعذر أو لسهو ونسيان، أو لبيان الجواز. وهذا أولى من ردِّ روايته عن النبي ﷺ بالترك المجمل، وهذا مما لا يشكّ فيه منصف. وحاشا لله أن يُظن بعليٍّ أن يروي عن النبي ﷺ سنةً قد شاهدها هو وغيره، ثم يتركها ويستمرّ على تركها رغبةً عنها وكراهة لها. هذا مما لا يُظنّ بمن هو دون علي ﵁ بكثير فكيف به! فحديث أبي بكر النّهشلي إذا صحّ ففيه الحجة على من يرى الرفع فرضًا في الصلاة مع إمكان منعه للاحتجاج به عليه، إذ الحجةُ عندَه في روايته، لا في رأيه ومذهبه. فصل * وأما ردّكم لحديث مالك بن الحُوَيرث باضطرابه (١)، فقد برَّأه الله من الاضطراب، ورميه بالاضطراب من باب بَغْي البريء العَنَتَ (٢)، ومِن تَكَلُّف ردِّ السُّنن نُصْرةً لآراء الرجال.

стр. 239

فيا سبحان الله! أيُّ اضطرابٍ وتناقض بين قوله: «حتى يحاذي بهما أُذنيه»، وقوله: «فروع أُذنيه»؟ أفترى إذا حاذى فروع الأذنين لم يصحّ أن يقال: حاذى الأذنين! وكذلك قوله: «قريبًا من أُذُنيه»، وقوله في اللفظ الآخر: «حَذْو مَنْكِبيه»، أراد به أن يكون أسافل اليدين حذو المنكبين، ورؤوس الأصابع حذو فروع الأذنين، فأيُّ اضطراب واختلاف في هذا غير مخالفته لقولكم؟ ولو ساغ لأحدٍ ردّ السُّنن بمثل هذا التوهُّم الباطل لأفلس العلماء من كثير من السنن التي عليها مدار الدين، والله المستعان. قالوا: وأما قولكم: لعل مالك بن الحويرث رآه مرةً أو مرتين، فكيف يُقدَّم على حديث من لعله قد صلى معه عشرين ألف صلاة (١)؟! فهذا لو انفرد به مالك بن الحويرث لم يسغ ردّه بمثل هذا، فإن روايته تضمنت زيادة على ما رواه غيره، فكيف وقد رواه عن النبي ﷺ من تقدم ذكرهم. قالوا: وهلَّا رددتم حديثَ وضع الأيدي على الرُّكَب، مع أنه حديث فَرْد بحديث ابن مسعود وقلتم: لعله قد صلى مع رسول الله ﷺ عشرين ألف صلاة؟ وأيضًا: فعبدالله بن عمر قد صلى معه نحو هذه الصلوات، فهلَّا كانت صلاته معه كذلك وطول صحبته له موجبةً لقبول روايته عنه ﷺ ، مع تضمّنها زيادةَ إثباتٍ خفيت على ابن مسعود؟

стр. 240

فإن قيل: عبد الله بن عمر كان صغيرًا في عهد النبي ﷺ ، ومثله لم يكن يقوم في الصف الأول بحيث يشاهد النبي ﷺ ، وأما ابن مسعود فكان رجلًا كبيرًا مقامه في الصف حيث يقوم الرجال البالغون. قالوا: فالجواب أن نقول: الحمد لله الذي عافانا من ردِّ سنن رسول الله ﷺ بالقدح في أصحابه، وأنهم رووا ما لم يضبطوه أو لم يشاهدوه، ولا علم لهم به! قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (١): «والعجب أن يقول أحدهم: كان ابن عمر صغيرًا في عهد النبي ﷺ . قال: ولقد شَهِد النبيّ ﷺ لابن عمر بالصلاح. حدثنا يحيى بن سليمان، ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم [بن] (٢) عبد الله، عن أبيه، عن حفصة: أن رسول الله ﷺ قال: «إن عبد الله بن عمر رجلٌ صالح». حدثنا عليّ بن عبد الله، ثنا سفيان قال: قال عَمرو: قال ابن عمر: إني لأذكر حين [ق ٦٨] أسلم عمر، فقالوا (٣): صَبَأ عمر، فجاء العاصُ بن وائل فقال: صبأ عمر فَمَهْ، فأنا له جارٌ، فتركوه. قال سعيد بن المسيّب: لو شهدتُ لأحدٍ أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر.

стр. 241

وقال جابر بن عبد الله: لم يكن أحدٌ منهم ألْزَمَ لطريق رسول الله ﷺ ولا أَتْبعَ من ابنِ عمر». انتهى كلام البخاري. قالوا: فعبدالله بن عمر من المهاجرين الأوَّلين، أسلم قديمًا مع أبيه، وهاجر معه، وقدّمه أمامه (١) في ثَقَله (٢)، فمِنْ هاهنا قيل: هاجر قبل أبيه. وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله ﷺ . وقد قال الزّهري: لا نَعْدِل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة فلَمْ يخفَ عليه شيءٌ من أمره ولا من أمر أصحابه (٣). قال ابن عبدالبر (٤): وقد قيل: إن إسلامه كان قبل إسلام أبيه، ولا يصح، وكان عبد الله بن عمر ينكر ذلك. وأصحّ من ذلك قولهم: إن هجرته كانت قبل هجرة أبيه. قال سفيان بن عُيينة (٥)، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: أدرك ابن عمر

стр. 242

الفتحَ وهو ابن عشرين سنة (١). وقال ميمون بن مِهْران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس (٢). قال مالك بن أنس: بلغ ابن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة ونَشَر نافعٌ عنه علمًا جمًّا (٣). وبالجملة فرَدُّ السنة الثابتة التي لا مَطْعن فيها لطاعن بهذا ونحوه ليس من فعل أهل العلم. قالوا: وقد اشتد إنكاركم لقول من قال: إن أنسًا كان صغيرًا حيث قال: صليتُ خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم يكونوا يقرؤون: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة ولا في آخرها (٤). وبالغتم في الردّ على من قال: كان أنس صغيرًا لا يضبط ذلك. واشتدّ إنكار أصحاب أبي حنيفة ﵀ لقول من ردّ حديثه في

стр. 243

إحرام النبي ﷺ بالقِران (١)، بأنه كان صغيرًا، وقالوا: لا نظن بالصحابة ذلك، وهذا يتطرّق إلى إبطال السنن. فهلّا كِلْتم لأنفسكم ههنا بالصّاع الذي كِلْتم به لِمُنازِعيكم، وهل سمعتم أحدًا من أهل العلم ردّ روايات ابن عباس بصغره، وتأخُّر لقائه للنبي ﷺ ؟ فإنه إنما صَحِبه بعد الفتح. وأما أنس، وعبد الله بن عمر فاختصاصهما به وبصحبته فبالمكان الذي لا يجهله أهل العلم، والله المستعان. فصل * قالوا: وأما ردّكم لحديث وائل بن حُجْر (٢)، بأن إبراهيم قد ضادّه بما ذكر عن ابن مسعود أنه لم يكن رأى النبي ﷺ يفعل ما ذكر, وعبد الله أقدم صحبةً للنبي ﷺ وأفهم بأفعاله من وائل؛ فمِن النَّمَط الأول أيضًا في ردّ السنن بغير موجب. وأعجب من هذا ما حكاه البخاري عن بعضهم: بأنه ردّ الحديثَ بأن قال: وائل مجهول. قال البخاري (٣): «وطعن بعض مَن لا يعلم فقال: مَنْ وائل بن حُجْر؟

стр. 244

قال البخاري: ووائل بن حُجر مِن [ق ٦٩] أبناء ملوك اليمن، وقَدِم على النبي ﷺ فأكرمه وأقْطَع له أرضًا وبعث معه معاوية بن أبي سفيان. حدثنا حفص بن عمر، عن [جامع بن مطر، عن] (١) علقمة بن وائل، عن أبيه: أنّ النبيّ ﷺ أَقْطَع له أرضًا بحضرموت. قال البخاري: وقصّة وائل مشهورة عند أهل العلم، وما ذُكِر (٢) في أمره وما أعطاه معروف بذهابه إلى النبي ﷺ مرةً بعد مرة (٣). قال البخاري: ولو ثبتَ عن ابن مسعود (٤)، والبراء، وجابر، عن النبيّ ﷺ شيء لكان في عِلل هؤلاء الذين لا يعلمون أنهم يقولون: إنّ رؤساءنا لم يأخذوا بهذا، وليس هذا بمأخوذ، فما يزيدون الحديثَ إلا تعلُّلً (٥) برأيهم، فقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوّي هواه، فهو صاحب بدعة.

стр. 245

قال البخاري: «يعني أن الإنسان ينبغي له أن يُلقي رأيه لحديث النبيّ ﷺ حيث ثبت الحديث، ولا يعتلّ بعلل لا تصحّ ليقوّي هواه، وقد ذُكِر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعًا لما جئتُ به» (١). وقد قال بعض أهل العلم: كان الأوَّل فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جانب النعمان، فرفعتُ يديّ، فقال لي: ما خشيتَ أن تطير؟ فقلت: إن لم أَطِر في الأولى لم أَطِر في الثانية (٢). قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك، لقد كان حاضر الجواب، فتحيَّر الآخر». انتهى كلام البخاري. والمقصود أن وائل بن حُجر من مشاهير الصحابة باتفاق أهل العلم، والأمةُ كلها تلقّت رواياته بالقبول دون الردّ والدفع. ولوائل بن حُجْر عن النبي ﷺ عِدّة سنن رواها أهل الصحاح والسنن والمساند، وتلقاها العلماء كلهم بالقبول، ولم يردّوا شيئًا منها. فمنها: ما رواه البخاري في «صحيحه» (٣) عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: إني لقاعد مع النبيّ ﷺ إذ جاء رجلٌ يقودُ آخر بنِسْعَة، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ : «أقتلتَه؟» فقال: إنه لو لم يعترف أقمتُ عليه البيِّنة، قال: نعم قتلتُه، قال: «كيف قتلتَه؟» قال: كنت أنا وهو

стр. 246

نَحْتطب (١) من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلتُه. فقال له النبي ﷺ : «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومَك يشترونك؟» قال: أنا أهْوَن على قومي من ذاك، فرمى إليه بنِسْعتِه. وقال: «دونَك صاحبَك»، فانطلق به الرجل. فلمَّا ولَّى قال رسول الله ﷺ : «إن قتلَه فهو مثلُه»، فرجع فقال: يا رسول الله! بلغني أنك قلتَ: «إن قتلَه فهو مثلُه» وأخَذْتُه بأمرِك، فقال [ق ٧٠] رسول الله ﷺ : «أما تريدُ أن يَبوءَ بإثْمِك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيَّ الله ــ لعله قال ــ: بلى، قال: «فإنه كذلك». قال: فرمى بنِسْعَته وخلّى سبيلَه. وفي «مسند أحمد» (٢) من حديث عبدالجبار بن وائل، عن أبيه قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مجَّ في الدَّلو، ثم صَبَّ في البئر، أو شَرِب من الدّلو، ثم مجّ في البئر، ففاح منها مثل ريح المِسْك. وفي «المسند» (٣) عنه أيضًا: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد على أنفه مع جبهته. وسمعته يقول: «آمين» يمدّ بها صوته.

стр. 247

وفي «صحيح مسلم» (١) عن وائل قال: سأل سَلَمةُ بن يزيد الجعفي رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟ فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، فجَذَبَه الأشعثُ بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم». وفي «صحيح مسلم» (٢) حديثه هذا الذي نحن فيه في صفة صلاة النبي ﷺ . وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: أن رجلًا يقال له: سُويد بن طارق سأل النبيَّ ﷺ عن الخَمْر، فنهاه عنها، قال: نصنعها للدواء؟ فقال النبيُّ ﷺ : «إنها داء وليست بدواء». وفي «المسند» (٤) عنه: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ فقال رجل: «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: «مَن القائل؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، وما أردت إلا الخير، فقال: «لقد فُتِحَت لها أبوابُ السماء فلم يُنَهْنِهْها دون العرش».

стр. 248

وفي «صحيح مسلم» (١) عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: الكَرْم ولكن قولوا: العِنب والحَبْلَة». وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا عنه قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يَخْتصمان في أرض. فقال أحدهما: إن هذا انْتَزى (٣) على أرضي في الجاهلية ... فذكر الحديث. وفيه وفي «مسند أحمد» (٤) عنه قال: اسْتُكرِهَت امرأةٌ على عهد رسول الله ﷺ فدَرَأ عنها الحدّ، وأقامَه على الذي أصابَها، ولم يذكر أنه جَعَل لها مهرًا. وفي الترمذي (٥) عنه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله ﷺ تريد الصلاة، فتلقّاها رجلٌ فتجَلَّلها فقضى حاجَته منها، فصاحت، فانطلق، [ومرَّ عليها رجلٌ فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا]، فمرّت بعصابةٍ من المهاجرين، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجلَ الذي ظنَّت أنه وقع عليها، فأتوها به فقالت: نعم هو ذا، فأتوا به النبيَّ ﷺ ، فلما أمَرَ به ليُرْجَم قام صاحبُها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا

стр. 249

صاحبها، فقال لها: «اذهبي فقد غفر الله لك»، [ق ٧١] وقال لها قولًا حسنًا، وقال للرجل [قولاً حسنًا، وقال للرجل] الذي وقع عليها: «ارجموه»، وقال: «لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وفي «المسند» (٢) عن علقمة [بن] (٣) وائل، عن أبيه: أن النبي ﷺ أَقْطَعَه أرضًا، قال: فأرسل معي معاوية: أن أعْطِها إياه، فقال لي معاوية: أرْدِفْني خلفك، فقلت: لا تكون من أرداف الملوك، فقال: أعطني نعلك، فقلتُ: انتعل ظلّ الناقة، فلما اسْتُخْلِف معاوية أتيتُه فأقعدني معه على السرير، فذكَّرني الحديث. قال: فوددت أني حملته بين يديّ. فهذه نبذةٌ من حال هذا الرجل الذي لا يُعرف، ورُدّت روايته عن النبيّ ﷺ بالوهم الباطل والخيال الفاسد! قالوا: وغاية ما ذُكِر عن ابن مسعود أنه فِعْل صحابيّ خالفه فيه جمهور الصحابة، وهذا ليس بحجّة باتفاق الناس، فكيف يسوغ ردّ السنة الصحيحة وتقديمه عليها؟ ولو ساغ ردّ كلّ سنة خالفها واحد من الصحابة لرُدّ من السنة شيء كثير، [فإنه] (٤) قلّ أحدٌ من الصحابة ومن بعدهم إلا وقد خَفِي

стр. 250

عليه بعضُ [أمر] (١) رسول الله ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البر (٢): «وما أعلم أحدًا من الصحابة إلا وقد شذّ عنه من علم الخاصة، والوارد بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على مَن بعدهم أجْوَز، والإحاطة ممتنعة على كل أحد». قالوا: ولو فرضنا أن ابن مسعود روى عن النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة لم يَسُغْ ردّ رواية من روى عنه ﷺ إثبات الرفع ولو رآه مرةً واحدة، إذ كان عدلًا صادقًا مصدَّقًا عن رسول الله ﷺ ، فلا يسوغ ردّ ما شاهده وعاينه بكون غيره من الصحابة نفاه؛ لأن المُثْبِت مقدّم على النافي، فكيف وابن مسعود لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما ترك الرفعَ هو، وغيرُه من الصحابة فَعَله ونَقَله عن النبي ﷺ ، والله أعلم. ثم من العجب ردّكم للأحاديث المتصلة المرفوعة عن النبي ﷺ بالمرسل المنقطع الموقوف على الصحابي. فصل * قالوا: وأما ردّكم لحديث أبي هريرة (٣) بأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، وهو من غير أهل بلده (٤).
следующие страницы →