المسند: هو أن يروي الحديث واحد عن واحد، رآه وسمع منه أو عليه قراءةً أو إجازة، أو مناولة، روايةً متصلة إلى من رأى النبي ﷺ وسمع منه.
وللإسناد أوضاع واصطلاح وشرائط.
فمن شروطه: أن لا يكون في الإسناد: أُخْبِرْت عن فلان، ولا حُدِّثت، ولا بَلَغَني، ولا رَفَعه فلان، ولا أظنه مرفوعًا، إنما يرويه المحدِّث عن شيخ يُظْهِر
سماعه منه والسن يحتمله، وكذلك سماع شيخه عن شيخه، إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور، إلى رسول الله ﷺ .
وعلى الراوي أن يتعرف حال شيخه، وهل يحتمل سماعه من شيوخه الذين يُحَدِّث عنهم؟ ثم يتأمل أصوله، أعَتِيقةٌ هي، أم جديدة؟ وعليها طبقة سماعه أم لا؟ فكل ذلك احتياط في أخذ الحديث عنه.
ومن المسندات: أن يقول الصحابي المعروف بالصحبة: «أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، وكنا نُؤمر بكذا، ونُنهى عن كذا، وكنا نفعل، وكنا نقول ورسول الله ﷺ فينا، وكنا لا نرى بأسًا بكذا، وكان يُقال كذا، ومن السُّنة كذا، فإذا صدر هذا عن صحابي مشهور بالصحبة، فهو حديث مسند، وكلُّه مُخَرَّج في المسانيد.
ومن المسندات: المعَنْعَن، وهو أن يقول: أحد الرواة: «حدَّثنا
стр. 107
فلان عن فلان عن فلان، ولا يذكرون طرق سماعهم بـ: «حدَّثنا» و «أخبرنا» و «سمعنا» ، فإن هذا إذا كان رواته موثوقًا بهم مشهورين بالصدق، لا يُنسب إليهم التدليس، وليس من مذهبهم: فسواءٌ ذكروا طريق السماع أو لم يذكروه، فإن حديثهم مقبول معمولٌ به، فإن كان رواته أو أحدهم متهمًا، أو مِن مذهبه التدليس، فيحتاج أن يذكر طريق سماعه حتى يكون حديثه مسندًا (١) .
ومن المسندات: نوع يسمى المُسَلْسَل، وهو اصطلاح بين المحدِّثين، مثل أن يكون جميع رواة الحديث قد اشتركوا عند سماع ذلك الحديث في قولٍ، أو فعلٍ، أو حالةٍ من النبي ﷺ إلى آخر رُواته.
مثل: تشبيك الأصابع، أو الأخذ باللحية، أو المصافحة، ونحو ذلك من الأسباب، فيقول: حدَّثني فلان، ويده على لحيته، قال:
стр. 108
حدثني فلان، ويده على لحيته، قال: حدثني فلان، ويده على لحيته، وكذلك إلى النبي ﷺ . وكذلك: حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان، وهو أو حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، ونحو ذلك.
واعلم أن الإسناد في الحديث هو الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تعرف صحة الحديث وسَقَمه.
قال سفيان الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟» .
وقال شعبة: «كل علم ليس فيه: أخبرنا، وحدثنا، فهو خَل وبقل» (١) .
وقال يزيد بن زُريع (٢) : «لكل دِينٍ فُرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الإسناد» .
وقال أحمد بن حنبل: «إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والسُّنن والأحكام - تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه في فضائل الأعمال وما لا يضع (٣) حكمًا ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد (٤) ، ولولا الأسانيد لقال من شاء ما شاء» .
стр. 109
ثم من الإسناد عال ونازل، وطلب العالي سنة، فعلى طالب علم الحديث: أن يرغب في طلبه.
وعلو الإسناد على مراتب.
منها: ما هو بقلة العدد. ومنها ما هو بثقة الرواة.
ومنها: ما هو بفقه الرواة. ومنها: ما هو باشتهار الرواة.
ومنها: ما يجمع هذه الأوصاف، وهو أكملها، أو بعضها.
стр. 110
فأما قلة العدد، فأقل ما يُروى من الصحيح في زماننا هذا: «ثلاثيات البخاري» من طريق أبي الوَقْت عبد الأوَّل السِّجزي (١) ، فإن أصحاب أبي الوقت بينهم وبين النبي ﷺ ثمانية أنفس في «ثلاثيات البخاري» .
أحدهم: أبو الوقت، ثم الداوُدي، ثم السرخسي، ثم الفَرَبْري، ثم البخاري، فهؤلاء خمسة، والذين روى عنهم البخاري ثلاثياته ثلاثة.
وقد تقع أحاديث من الأحاديث الصحاح المخرَّجة في «الصحيحين» أو في أحدهما من غير طريق البخاري ومسلم التي يُروى بها كتابهما، إلا أن شرط الصحة موجود فيها. مثل ما حدثنا به الشيخ أبو ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حِيَّة البغدادي، قراءةً عليه، قال: حدثنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصَين، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البَزَّاز،
قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد ومحمد بن سليمان الواسطي، قال إسماعيل: حدثنا وقال محمد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان لي أخ يقال له: أبو عُمير، وكان له عصفور يلعب به، فمات العصفور، وكان النبي ﷺ
стр. 111
يَدخل بيتنا، ويقول: «أبا عُمير، ما فعل النُّغير؟» .
وفي حديث القاضي إسماعيل قال: كان ابنٌ لأم سُليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه، إذا دخل على أم سليم، فدخل يومًا، فوجده حزينًا، فقال: ما لأبي عُمير حزينًا؟ قالوا: يا رسول الله، مات نُغَيْره الذي كان يلعب به، فجعل يقول: «أبا عمير، ما فعل النُّغير؟» . فهذا حديث صحيح قد أخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما (١) ، ومن يرويه بهذا الطريق الذي ذكرناه عن ابن حُصَين يكون بينه وبين النبي ﷺ سبعة رجال، فهو أعلى من «ثلاثيات البخاري» المروية من طريق أبي الوقت برجل، وشرط الصحة موجود فيه، وقد جاء في هذه الأحاديث «الغيلانيَّات» غير هذا الحديث بهذا العدد.
وأما ثقة الرواة، فهو أن يكونوا معروفين بالصدق، مشهورين بالأمانة وصحة النقل والرواية، لا يتطرق إليهم تهمة، ولا جرح ولا ريبة، كمشايخ البخاري ومسلم اللَّذَين خرَّجا أحاديثهم في كتابيهما (٢) ،
стр. 112
فهذا وأشباهه، وإن بَعُدَ طريقه وكثر رجاله، فهو عالٍ، وإن كان غيره أقل رجالاً منه وليست له هذه الحال.
وأما فقه الرواة، فأن يكون رواته أو بعضهم فقيهًا، كسعيد بن المسيب، ومحمد بن شهاب الزهري، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، ومن يجري مجراهم من أئمة الفقه.
فإذا كان الحديث مرويًا من طريق هؤلاء، كان عاليًا وإن كثرت رجاله.
قال علي بن خَشْرَم: قال لنا وكيع: أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش
стр. 113
عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل، فقال: يا سبحان الله! الأعمش شيخٌ، وأبو وائل شيخٌ، وسفيان فقيهٌ، ومنصورٌ فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديثٌ يتداوله الفقهاء، خير من حديث يتداوله الشيوخ.
فهذا من طريق الفقهاء رُباعي إلى ابن مسعود، وثنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قُدِّم الرباعي لأجل فِقْه رجاله.
وأما اشتهار الرواة، فأن يكونوا معروفين بالرواية عمَّنْ روَوْا عنه: كعلقمة، وأبي وائل عن ابن مسعود، والقاسم بن محمد وعروة عن عائشة، وإبراهيم عن علقمة، وهشام عن عروة، ونحو ذلك، فإن هؤلاء مشهورون بمن رووا عنه، وذلك يجعل إسنادهم عاليًا وإن كثُرَت رجاله.
فإذًا أعلى هذه الرتب مختلَف فيه، وكلٌّ يذهب إلى ما يميل إليه نظره، لكن الأولى أن يكون أعلاها: ما اجتمع فيه هذه الأوصاف، ثم ما كان في طريقه الفقهاء، ثم الثقات، ثم المشهورون، ثم العدد إذا عَرِيَ من هذه الأوصاف.
ومن تحقق ما ذكرناه في علو الإسناد، فقد عرف النازل منه، لأنه ضده، لكن من طُرُق النازل ما يكون قد أُخِذَ عن شيخ قد تقدَّم موته، واشتهر فضله، فأنه أقل نزولاً مما (١) أُخِذَ عن شيخ تأخر موته، وعرف بالصدق.
стр. 114
ومنها: أن ينظر طالب الحديث إلى إسناد شيخه الذي يكتب عنه، فما قرب من سِنِّه طلب أعلى منه.
ومنها: أن يكون له شيخان، أحدهما سمع حديثًا من شيخه عن أمدٍ مُعين، والآخر سمعه عن أمد أبعد منه، فروايته عن أبعد الأَمَدَيْن أعلى، وعن أقربهما أنزل.
الفرع الخامس: في المرسل
المرسل من الحديث: هو أن يروي الرجل حديثًا عمن لم يعاصره، وله بين المحدثين أنواع واصطلاح في تسمية أنواعه.
فمنه: المرسل المطلق، وهو أن يقول التابعي (١) : قال رسول الله ﷺ . فلا يكون الحديث مرسلاً مطلقًا، ما لم يرسله التابعي خاصة عن رسول الله ﷺ .
ومنه قسم يسمى المنقطع، وهو غير الأول.
قال الحاكم: وقلما تجد من يفرق بينهما، وهو على نوعين:
أحدهما: أن يكون في الإسناد رواية راوٍ لم يسمع من الذي روى عنه الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال.
والآخر: أن يذكر أحد رواته في الحديث عن رجل ولا يسميه جهلاً به،
стр. 115
فإن لم يكن للجهل به، وإنما ترك اسمه وهو يعرفه، فليس بمنقطع، لكونه معروف الاسم.
ومنه قسم يسمى المعضَل: وهو أن يكون من المرسِل إلى رسول الله- ﷺ أكثر من رجل، ومثاله: أن يروي عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا، ثم لا يسنده، ولا يرسله في حالةٍ ما، ولا أحد من الرواة، وعمرو بن شعيب أقل ما بينه وبين رسول الله ﷺ اثنان، فإن كان الحديث قد أسنده وقتًا ما، أو أرسله، فليس بمعْضَل.
ومن أنواع المعْضَل: أن يُعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحد، ويجعله كلامًا موقوفًا، فلا يذكره عن رسول الله ﷺ معضلاً (١) ثم يوجد ذلك الكلام عن رسول الله ﷺ متصلاً من طريق آخر.
وأكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن زيد النخعي.
وأصحها مراسيل ابن المسيِّب، فإنه أدرك جماعة من أكابر الصحابة، وأخذ عنهم، وأدرك من لم يُدركه غيره من التابعين، وقد تأمل الأئمة مراسيله، فوجدوها جميعها بأسانيد صحيحة.
стр. 116
والناس في قبول المراسيل مختلفون.
فذهب أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ومن بعدهم من أئمة الكوفة إلى أن المراسيل مقبولة، محتج بها عندهم (١) ، حتى إن منهم من قال: إنها أصح من المتصل المسند، فإن التابعي إذا أسند الحديث أحال الرواية على من رواه عنه، وإذا قال: قال رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقوله إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته.
وأما أهل الحديث قاطبة. أو معظمهم، فإن المراسيل عندهم واهية غير
стр. 117
محتج بها، وإليه ذهب الشافعي (١) ، وأحمد بن حنبل، وهو قول ابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، ومَن بعدهم من فقهاء الحجاز.
ومن هؤلاء الذين قالوا برد المراسيل: من قَبِلَ مرسل الصحابي، لأنه يحدث عن الصحابي، وكلهم عدول.
ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين، لأنهم يروون عن الصحابة.
ومنهم من خصص كبار التابعين، كابن المسيب، ويحكى أنه قول الشافعي، وأنه قبل مراسيل ابن المسيب وحده، واحتُج له بأنه وجدها مسندة (٢) .
والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي والصحابي إذا عُرف بصريح
стр. 118
خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، قُبل مرسله، وإن لم يعرف ذلك، فلا يقبل، لأنهم قد يروون عن غير الصحابي من الأعرابي الذي لا صحبة له.
الفرع السادس: في الموقوف
وهو على أنواع:
أحدها: الموقوف عن الصحابي، وقلما يخفى على أهل العلم.
وذلك: أن يروي الحديث مسندًا إلى الصحابي، فإذا بلغ إلى الصحابي قال: إنه كان يقول كذا وكذا، أو كان يفعل كذا وكذا، أو كان يأمر بكذا وكذا، ونحو ذلك.
الثاني: الموقوف على أحد الرواة قبل الصحابي.
مثل: أن يقول أحد رواة الحديث: قال ابن مسعود، ولم يكن قد أدركه ولا رآه، فهذا موقوف عند ذلك الراوي، وإن كان اللفظ لابن مسعود. وهذا أحد أنواع المرسل، وهو أحد قسمي المنقطع.
الثالث: أن يكون موقوفًا على أحد رواته، وهو مسند في الأصل، إلا أن أحد رواته قصَّر به فلم يرفعه، وهو أحد نوعي المعضل.
الرابع: ما يوهم لفظه أنه مسند، وليس بمسند، كما روى المغيرة بن شعبة قال:
стр. 119
كان أصحاب رسول الله ﷺ يَقْرَعون بابه بالأظافير (١) ، فهذا يوهم لذكر رسول الله ﷺ فيه أنه مسند، وليس كذلك، إنما هو موقوف على صحابي حكى عن أقرانه من الصحابة فعلاً، ولم يُسنده واحد منهم (٢) .
الفرع السابع: في ذكر التواتر والآحاد
وصول الحديث إلينا لا يخلو من أحد طريقين، إما بطريق التواتر، وإما بطريق الآحاد، ولكل واحد منهما شرح وبيان وأحكام يحتاج إلى ذكرها لئلا تخلو هذه المقدمة منها.
والكلام في ذكرهما ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في ذكر التواتر، وهو حكم يتعلق بالأخبار
وحدُّ الخبر: ما دخله الصدق أو الكذب، أو تطرق إليه التصديق أو التكذيب، وذلك أولى من قولهم: «ما دخله الصدق أو الكذب» ، فإن كلام الله تعالى لا يدخله الكذب، والإخبار عن المحالات لا يدخله الصدق.
стр. 120
والتواتر يفيد العلم، وذلك ظاهر، لا خلاف فيه، إلا في قول ضعيف قليل وله أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يُخْبِر عن علم لا عن ظن، فإن أهل بلد عظيم لو أخبروا عن طائر أنهم ظنوا أنه حمام، أو عن شخص أنهم ظنوا أنه زيد، لم يحصل لنا العلم بكونه حمامًا أو زيدًا.
الشرط الثاني: أن يكون علمهم ضروريًا مستندًا إلى محسوس إذا لو أخبرونا عن حدوث العالم أو عن صدق الأنبياء لم يحصل لنا العلم.
الشرط الثالث: أن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد، فإذا نقل الخلف عن السلف، وتوالت الأعصار، ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر، لم يحصل العلم بصدقهم، لأن خبر أهل كل عصر مستقل بنفسه، فلابد فيه من الشروط، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود - مع كثرتهم - في نقلهم عن موسى ﵇ تكذيب كل ناسخ لشريعته، ولا بصدق الشيعة بنقل النص على إمامة علي - كرم الله وجهه-، والبكرية على إمامة أبي بكر ﵁.
ولأن هذا وضعه الآحاد أولاً، وأفشوه، ثم كثر الناقلون في عصره وبعده في الأعصار، فلذلك لم يحصل التصديق، بخلاف وجود موسى ﵇ وتحديه بالنبوة، ووجود أبي بكر وعلي ﵄ وانتصابهما للإمامة، فإن ذلك لما تساوى فيه الأطراف والوساطة، حصل لنا العلم الضروري الذي لا نقدر على تشكيك أنفسنا فيه، ونقدر على التشكيك فيما نقلوه عن موسى
стр. 121
وأبي بكر وعلي.
والشرط الرابع: العدد، وعدد المخبرين ينقسم إلى ناقص، فلا يفيد العلم، وإلى كامل، فيفيد العلم، وإلى زائد يحصل العلم ببعضه، وتقع الزيادة فضْلة.
والكامل وهو أقل عدد يورث العلم، ليس معلوماً لنا، لكنَّا بحصول العلم الضروري نتبيَّن كمال العدد، لا أنَّا بكمال العدد نستدل على حصول العلم.
ثم العدد الذي يفيد العلم يفيده في كل واقعة وكل شخص، بحيث إنه متى وجد العدد أفاد العلم لكل من سمعه في كل (١) واقعة وذلك إذا تجرد الخبر عن القرائن.
فأما إذا اقترن الخبر بقرائن، فقد اختلف فيه (٢) ، فقال قوم: لا أثر لها.
وقال آخرون: لها أثر، فإن خمسة أو ستة لو أخبرونا عن موت شخص لم يحصل العلم بصدقهم، لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت حاسر الرأس حافيًا، ممزق الثياب، مضطرب الحال، يلطم وجهه ورأسه، وهو رجل كبير، ذو منصب ومروءة، لا يخالف عادته إلا عن ضرورة، فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك، فيقوم في التأثير مقام بقية العدد.
فدل ذلك على أن العدد يجوز أن يختلف بالوقائع وبالأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأشياء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين، أما متى انتفت القرائن، فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم لله تعالى، غير معلوم
стр. 122
لنا، ولا سبيل لنا إلى معرفته، لأنَّا
لا ندري متى حصل لنا العلم بوجود مكة، وبوجود الشافعي مثلاً عند تواتر الخبر إلينا، وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين، ويعسر علينا تجربة ذلك، وإن تكلفناها، فسبيل التكليف أن نراقب أنفسنا إذا قتل رجل في السوق مثلاً وانصرف جماعة من موضع القتل، ودخلوا علينا يخبرون عن قتله، فإن قول الأول يحرك الظن، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد تأكده إلى أن يصير ضروريًا لا يمكننا (١) أن نشكك فيه أنفسنا.
فلو تصور الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة، وحفظ حساب المخبرين وعددهم، لأمكن الوقوف، ولكن درك تلك اللحظة أيضًا عسير، فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفي التدريج، نحو تزايد ضوء الصبح إلى أن يبلغ حد الكمال، فلذلك بقي هذا في غطاء من الإشكال، وتعذر على القوة البشرية إدراكه.
فأما ما ذهب إليه قوم من تخصيص عدد التواتر بالأربعين، أخذًا بعدد الجمعة، وبالسبعين، أخذًا من قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومَه سَبعين رجلاً لميقاتنا﴾ (الأعراف: الآية ١٥٥) وبثلاثمائة وبضعة عشر، أخذًا بعدد أهل بدر، فكل ذلك تحكمات فاسدة، لا تُناسب الغرض، ولا تدل عليه.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأربعة ناقصة عن العدد الكامل، لأنها بينة شرعية تحصل بها غلبة الظن، ولا يُطلب الظن فيما يعلم ضرورة، قال: والخمسة لا تَوَقُّف فيها.
стр. 123
فإذًا لا سبيل لنا إلى حصر العدد، لكنا بالعلم الضروري نستدل على أن العدد الذي هو كامل عند الله تعالى قد توافقوا على الإخبار.
وقد شرط قوم لعدد التواتر شروطًا فاسدة.
منها: أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد.
ومنها: أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد، وتختلف أوطانهم فلا يكونوا من محلة واحدة، وتختلف أديانهم، فلا يكونوا من مذهب واحد.
ومنها: أن يكونوا أولياء المؤمنين.
ومنها: أن يكونوا غير محمولين بالسيف على الإخبار.
ومنها: أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين، وهذا شَرَطَه الرافضة.
القسم الثاني: في أخبار الآحاد
وهي ما لا ينتهي إلى حد خبر التواتر المفيد للعلم، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلاً، فهو خبر واحد.
قال إمام الحرمين: ولا يُراد بخبر الواحد الخبر الذي ينقله الواحد، ولكن كل خبر عن جائز ممكن، لا سبيل إلى القطع بصدقه، ولا إلى القطع بكذبه، لا اضطرارًا ولا استدلالاً، فهو خبر الواحد وخبر الآحاد، سواء نقله واحد أو جمع منحصرون.
قال: وقد يُخبر الواحد، فيُعلَم صدقه قطعًا، كالنبي- ﷺ فيما يخبر به عن الغائبات، ولا يُعَدُّ من أخبار الآحاد.
стр. 124
وخبر الواحد لا يفيد العلم (١) ، ولكنا مُتَعَبَّدُون به.
وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يورث العلم، فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل، أو سمَّوا الظن علمًا، ولهذا قال بعضهم: يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن.
وقد أنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلاً، فضلاً عن وقوعه سمعًا، وليس بشيء.
وذهب قوم إلى أن العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد، وليس بشيء، فإن الصحيح من المذهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلاً. ولا يجب
стр. 125
التعبد به عقلاً، وأن التعبد واقع سمعًا، بدليل قبول الصحابة لخبر الواحد، وعملهم به في وقائع شتى لا تنحصر، وإنفاذ رسول الله ﷺ رسله وقضاته وأمراءه وسُعَاته إلى الأطراف، وهم آحاد، وبإجماع الأمة على أن العامي مأمور بإتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع الذي لا شك فيه أولى بالتصديق.
الفصل الثاني: في الجرح والتعديل، وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: في بيانهما وذكر أحكامهما
الجرح: وصف متى التحق بالراوي والشاهد سقط الاعتبار بقوله، وبطل العمل به.
والتعديل: وصف متى التحق بهما اعتُبِرَ قولهما وأُخِذَ به.
ثم التزكية والجرح: هل يُشترط فيهما عدد المزكِّي والجارح، أم لا؟ فيه خلاف.
قال قوم: لا يشترط العدد في الرواية، ويشترط في الشهادة.
[وقال آخرون: يشترط فيهما] (١) .
وقال آخرون: لا يشترط فيهما، والأول أصح (٢) ، لأن الرواية نفسها تثبت
стр. 126
بالواحد، فكان جرحها وتزكيتها أولى.
أما سبب الجرح، فيجب ذكره دون سبب التعديل، إذ قد يجرح بما لا يراه جارحًا، لاختلاف المذاهب فيه (١) .
وأما العدالة: فليس لها سبب واحد، فتفتقر إلى ذكره.
وقال قوم: مطلق الجرح يُبْطل الثقة، ومطلق التعديل لا تحصل به الثقة، لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر، فلابد من ذكر سببه.
وقال آخرون: لا يجب ذكر سببهما جميعًا، لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الأمر، فلا يصلح للتزكية والجرح، وإن كان بصيرًا، فأي معنى للسؤال؟ .
стр. 127
والصحيح: أن هذا يختلف باختلاف أحوال المزكي، فمن حصلت الثقة ببصيرته، وضبطه يُكتفى بإطلاقه، ومن عُرِفَت عدالته في نفسه ولم تعرف بصيرته بشرط العدالة، فقد يُراجَعُ ويستَفْسَر.
أما إذا تعارض الجرح والتعديل، فإنه يُقدم الجرح (١) ، فإنه اطلاع على زيادة وصف ما اطلع عليها المعدل ولا نفاها، فإن نفاها، بطلت عدالة
стр. 128
المزكي، إذ النفي لا يُعلم إلا إذا نفى جرحه بقتل إنسان مثلاً، فقال المعدِّل: رأيته حيًا بعده، وحينئذ يتعارضان.
وقال قوم: إن عدد المعدل إذا زاد، قُدِّم على الجارح، وهو ضعيف، لأن سبب تقدم الجرح إنما هو اطلاع الجارح على مزيد وصف، فلا ينتفي بكثرة العدد.
والتزكية: تكون بالقول (١) أو بالرواية عنه، أو بالعمل بخبره، أو بالحكم بشهادته.
وأعلى هذه الأسباب: صريح القول. وتمامه أن يقول: هو عدل رضي، لأني عرفت منه كيت وكيت، فإن لم يذكر السبب، وكان بصيرًا بشروط العدالة، كفى.
وأما الرواية عن المزكي، فقد اختلف في كونها تعديلاً، والصحيح: أن من عرف من عادته، أو من صريح قوله أنه لا يستجيز الرواية إلا عن عدل، كانت الرواية تعديلاً، وإلا فلا (٢) ، إذ من عادة أكثرهم الرواية عن كل من سمعوه ولو
стр. 129
كُلُّفوا الثناء عليهم سكتوا.
وأما العمل بالخبر، فإن أمكن حمله على الاحتياط، أو على العمل بدليل آخر، ووافق الخبر، فليس بتعديل، وإن عرف يقينًا أنه عمل بالخبر، فهو تعديل، إذ لو عمل بخبر غير العدل لفَسَقَ، وبطلت عدالته (١) .
وأما الحكم بالشهادة، فذلك أقوى من تزكيته بالقول، وأما تركه العمل بشهادته وبخبره، فليس جرحًا، إذ قد يتوقف في شهادة العدل وروايته لأسباب سوى الجرح.
الفرع الثاني: في جواز الجرح ووقوعه (٢)
قد عاب بعضُ من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، لأنهم
стр. 130
لم يقفوا على الغرض من ذلك، ولا أدركوا المقصد فيه، وإنما حمل أصحاب الحديث على الكلام في الرجال، وتعديل من عدَّلوا، وجرح من جرحوا، الاحتياط في أمور الدين، وحراسة قانونه، وتمييز مواقع الغلط والخطأ في هذا الأصل الأعظم الذي عليه مبنى الإسلام وأساس الشريعة.
ولا يُظَنّ بهم أنهم أرادوا الطعن في الناس والغيبة والوقيعة فيهم، ولكنهم بيَّنوا ضعف من ضعفوه، لكي يُعرف فتُجتنب الرواية عنه والأخذ بحديثه، تورعًا وحِسبة وتثبتًا في أمر الدين، فإن الشهادة في الدين أحق وأولى أن يُتَثَبَّتَ فيها من الشهادة في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك وتبيين أحوال الناس، وهو من الأمور المتعينة العائدة بالنفع العظيم في أصول الدين.
قال ابن سيرين: كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتن سألوا عن الإسناد، ليأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع، فإن
القوم كانوا أصحاب حفظ وإتقان، ورُبَّ رجل وإن كان صالحًا، لا يقيم الشهادة ولا يحفظها.
وكل من كان متهمًا بالكذب في الحديث، أو كان مغفلاً يُخطئ كثيرًا، فالذي اختاره أهل العلم من الأئمة: أن لا (١) يُشتغل بالرواية عنه.
وقد تكلم جماعة من أهل الحديث في جماعة من أكابر العلماء، وضعفوهم
стр. 131
من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وَهِمُوا في بعض ما رووا، ألا ترى أن الحسن البصري وطاوسًا قد تكلما في معبد الجُهَنِّي (١) وتكلم سعيد بن جبير في طَلْق بن حبيب (٢) . وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور (٣) .
وكذلك أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وغير هؤلاء من أئمة الحديث والفقه قد تكلموا في الرجال وضعفوهم.
стр. 132
وعلى ذلك جاء الناس بعدهم، ما زالوا يتكلمون في الرجال ليعرفوا.
كيف والمسلمون مجمعون على أنه لا يجوز الاحتجاج في أحكام الشريعة إلا بحديث الصدوق العاقل الحافظ؟ فيكفي هذا مبيحًا لجرح من ليس هذا صفته، وتبيين حاله، ليُعلم عمن تؤخذ الأدلة، وتُتَلَقَّى الرواية.
الفرع الثالث: في بيان طبقات المجروحين
الصحابة ﵃ أجمعين - جميعهم عدول بتعديل الله تعالى ورسوله ﷺ ، لا يحتاجون إلى بحث عن عدالتهم.
وعلى هذا القول مُعظم المسلمين من الأئمة والعلماء من السلف والخلف.
وذهب جمهور المعتزلة إلى أن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية. وجميع أهل العراق والشام فُسَّاق بقتالهم الإمام الحق، يعنون عليًا كرم الله وجهه.
وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي، والزبير، وطلحة، مجتمعين ومتفرقين، لأن فيهم فاسقًا لا بعينه.
وقال قوم: تقبل شهادة كل واحد منهم إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه، رُدَّت شهادته، إذ يُعلم أن أحدهما فاسق.
وشك بعضهم في فسق عثمان ﵁ وقَتَلَتِه.
وكل هذا جُرأة على السلف تخالف السنة، فإن ما جرى بينهم كان مبنيًا على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب (١) ، والمصيب واحد مثاب، والمخطئ معذور، لا تردُّ شهادته.
стр. 133
وقال قوم: ليس ذلك أمرًا مجتهدًا فيه، فإن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعًا، لكن جهلوا خطأهم، فكانوا متأولين، والفاسق المتأول لا ترد روايته، وهذا أقرب من المصير إلى سقوط تعديل القرآن للصحابة.
[تعريف الصحابة]
ثم الصحبة من حيث الوضع تنطبق على من صحب النبي ﷺ ولو ساعة، لكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته، ولا حدَّ لتلك الكثرة بتقدير، بل بتقريب.
وقيل: هو من اجتمع فيه أمران. أحدهما: هذا. والآخر: أن تكون صحبته طالت معه على سبيل الأخذ عنه، والإتِّباع له، لأن من أطال مجالسة العالم، لا على سبيل الاستفادة والإتباع له، لا يدخل في زمرة أصحابه (١) .
ولمعرفة الصحابي طريقان:
стр. 134
أحدهما: يوجب العلم، وهو الخبر المتواتر، أنه صاحب النبي ﷺ .
والآخر: يوجب الظنَّ، وهو إخبار الثقة والنقل الصحيح.
هذا حكم عدالة الصحابة ﵃ باختلاف الناس فيهم.
وأما من جاء بعدهم فالكلام فيهم يطول، ولا يخلو قوم من عدالة أو فسق، والعدالة قليلة، وأسباب الفسق كثيرة، فكل من عَرِي عن شرط من شروط الرواية أو الشهادة التي تقدم ذكرها، فهو مجروح لا يقبل قوله.
[طبقات المجروحين]
وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.
الطبقة الأولى
وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله ﷺ . وقد قال ﷺ : «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .
وهي كبيرة من الكبائر، وقد ارتكبها جماعة كثيرة، اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها.
فممن ارتكبها، قوم من الزنادقة، مثل المغيرة بن سعيد الكوفي (١) ، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة (٢) ، وغيرهما، وضعوا الأحاديث وحدَّثوا
стр. 135
بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس.
فمما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله ﷺ : «أنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي» : «إلا أن يشاء الله (١) » فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة.
ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوًى يدعون الناس إليه، فمنهم من تاب وأقر على نفسه.
قال شيخ من شيوخ الخوارج: بعد أن تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيَّرناه حديثًا.
وقال أبو العيناء: وضعت أنا والجاحظ حديث فَدَك، وأدخلناه على الشيوخ ببغداد، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي، فإنه قال: لا يُشبه آخر هذا الحديث أوله، وأبى أن يقبله.
وقال سليمان بن حرب: دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: وضعت أربعمائة حديث، وأدخلتها في بارنامج الناس، فلا أدري كيف أصنع؟ .
ومنهم جماعة وضعوا الحديث حِسْبَة، كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل
стр. 136
الأعمال، مثل أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (١) ، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجُوَيباري وغيرهم.
قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حِسْبَة.
ومنهم جماعة وضعوا الحديث تقربًا إلى الملوك، مثل غياث بن إبراهيم (٢) ، دخل على المهدي بن منصور، وكان يُعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثًا عن النبي ﷺ أنه قال: «لا سَبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل، أو جناح (٣) » قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام
стр. 137
وخرج، قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ما قال رسول الله ﷺ : «جناح» ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام اذبح الحمام، قال: فذبح حمامًا بمال كثير. فقيل: يا أمير المؤمنين، وما ذنب الحمام؟ قال: من أجلهن كُذب على رسول الله ﷺ .
وقيل لمأمون بن أحمد المروزي (١) : ألا ترى إلى الشافعي ﵀ وإلى من تبع له بخراسان؟ فقال: حدثنا أحمد بن عبيد الله، حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي» .
ومنهم: قوم من السُّؤَّال والمكدين يقِفُون في الأسواق والمساجد، فيضعون على رسول الله ﷺ أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.
قال جعفر بن محمد الطيالسي: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد
стр. 138
الرصافة، فقام من بين أيديهما قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله يُخلق من كلمة منها طائر منقاره من ذهب، وريشه مرجان، وأخذ في قصة من نحو عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا؟ فقال: والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال: فسكتا جميعًا حتى فرغ من قصصه. وأخذ قطعة، ثم قعد ينتظر بقيتها، فقال يحيى بيده: أن تعال، فجاء متوهمًا لنوال يجيزه، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا ابن معين، وهذا أحمد بن حنبل، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فإن كان لابد من الكذب، فعلى غيرنا، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال: فوضع أحمد كمَّه على وجهه، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما.
فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله ﷺ ، ومن يجري مجراهم.
الطبقة الثانية من المجروحين
قوم عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله ﷺ بأسانيد معروفة
стр. 139
ووضعوا لها غير تلك الأسانيد، فركبوها عليها ليستغربوها بتلك الأسانيد.
منهم: إبراهيم بن اليسع من أهل مكة يحدث عن جعفر بن محمد الصادق، وهشام بن عروة، فركب حديث هذا على حديث هذا، وحديث هذا على حديث هذا.
ومنهم: حماد بن عمرو، وبهلول بن عبيد.
الطبقة الثالثة
قوم من أهل العلم حملهم الشَّرَه على الرواية عن قوم ماتوا قبل أن يولدوا، مثل إبراهيم بن هُدبة، كان يروي عن الأوزاعي ولم يدركه.
الطبقة الرابعة
قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة ﵃، فرفعوها إلى رسول الله ﷺ ، كأبي حُذافة أحمد بن إسماعيل السهمي، روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «الشفق هو الحمرة» ، والحديث في «الموطأ» عن نافع عن ابن عمر من قوله (١) .
стр. 140
ومثل يحيى بن سلام البصري، روى عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «كل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، إلا خلف الإمام» وهو في «الموطأ» عن وهب عن جابر من قوله.
الطبقة الخامسة
قوم عمدوا إلى أحاديث مروية عن التابعين أرسلوها عن رسول الله ﷺ ، فزادوا فيها رجلاً من الصحابة.
مثل إبراهيم بن محمد المقدسي، روى عن الفِرْيابي عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي ظبيان، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «ليس شيء خيراً (١) من ألف مثله إلا الإنسان» والحديث في كتاب الثوري عن الأعمش عن إبراهيم مرسلاً عن النبي ﷺ .
стр. 141
الطبقة السادسة
قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة. ولم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه، وإتقانه، فاستخفوا بالرواية، فظهرت أحوالهم.
مثل ثابت بن موسى الزاهد، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ، ولم يذكر متن الحديث، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (١) » وإنما أراد بذلك، ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه.
الطبقة السابعة
قوم سمعوا من شيوخ، وأكثروا عنهم، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ، فحدثوا بها، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا.
قال يحيى بن معين: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مُطرف بن مازن،
стр. 142
فقال: أعطني حديث ابن جُريج ومعمر، حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبه عني، ثم جعل يحدث به عن مَعْمَر وابن جريج أنفسهما.
الطبقة الثامنة
قوم سمعوا كتبًا مصنفة عن شيوخ أدركوهم، ولم ينسخوا أسماعهم عنهم عند السماع، وتهاونوا بها، إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة، ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ، وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون.
وهذا النوع مما كثر في الناس، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء، اللهم إلا أن تكون النسخة مقروءة على شيخه، أو مقابلة بأصل شيخه، أو أصلٍ مقابل بأصل شيخه، ونحو ذلك من الاحتياط والضبط، فإن ذلك جائز له أن يرويه، لا سيما في هذا الزمان، فإن التعويل على النقل من الكتب والقراءة لما فيها، لا على الحفظ، فإن الحفظ كان وظيفة أولئك الموفَّقين السعداء.
وقد تقدم في الباب الأول من هذه المقدمة شرح ذلك مستقصًى.
الطبقة التاسعة
قوم ليس الحديث من صناعتهم، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع التي يحتاج المحدث إلى معرفتها، ولا يحفظون حديثهم، فيجيئهم طالب العلم، فيقرأ عليهم ما ليس من حديثهم، فيجيبون ويقرُّون بذلك وهم لا يدرون.
قال يحيى بن سعيد: كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، فإذا
стр. 143
جارية بن هرم (١) يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا؟ فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول حفص: حدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا؟ فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا، ويقول: حدثك
سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله؟ فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال جارية: تحسدونني؟ فقال له حفص: لا، ولكن هذا يكذب، قال حفص: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يُسمِّه لي، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد: لعلي كتبت عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: هو موسى بن دينار.
الطبقة العاشرة
قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه، وعُرفوا به، فتلفت كتبهم بأنواع من التلف، فلما سئلوا عن الحديث حدثوا به من كتب غيرهم. أو من حفظهم على التخمين، فسقطوا بذلك.
منهم عبد الله بن لهيعة الحضرمي، على جلالة محله، وعلو قدره، لما احترقت كتبه بمصر ذهب حديثه، فخلط من حفظه، وحدث بالمناكير، فصار
стр. 144
في حد من لا يُحتج بحديثه، وكان أحمد بن حنبل يقول: سماع ابن المبارك وأقرانه الذين سمعوا من ابن لهيعة قبل وفاته بعشرين سنة صحيح، لأجل احتراق كتبه (١) .
الفصل الثالث في النسخ (٢)
وفيه ثلاثة فروع
الفرع الأول: في حده وأركانه
النسخ: عبارة عن الرفع والإزالة، في وضع اللسان العربي، وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب، والأول هو المقصود.
وحدُّه: أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه.
وقد اشتمل هذا الحد على ألفاظ تحتاج إلى بيان.
أما قولنا «الخطاب» وإيثارنا إياه على «النص» فليكون شاملاً للفظ والفَحْوى والمفهوم وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.
стр. 145
وأما تقييد الحد بالخطاب المتقدم، فلأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة، ولا يسمى نسخًا، لأنه لم يزل حكم خطاب.
وأما تقييده بارتفاع الحكم، ولم يخصص بارتفاع الأمر والنهي، فلِيَعُمَّ جميع أنواع الحكم: من الندب، والكراهية، والإباحة، فإن جميع ذلك قد ينسخ.
وأما قولنا: «لولاه لكان الحكم ثابتًا» فلأن حقيقة النسخ: الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا، لم يكن هذا رافعًا، فإنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد انقضاء ذلك الوقت، لا يكون الثاني نسخًا، بل الرافع: ما لا يرتفع الحكم لولاه.
وأما قولنا: «مع تراخيه عنه» فلأنه لو اتصل به كان بيانًا لمعنى الكلام، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد استقرار الحكم، بحيث إنه يدوم لولاه، هذا حده، وهو أعم حد وجدته للعلماء وأخصره.
ولم ينكر النسخ من المسلمين إلا آحاد لا اعتداد بهم، فإن الأمة مجتمعة على جوازه ووقوعه.
وأما أركانه: فأربعة: ناسخ: وهو الله تعالى، ومنسوخ: وهو الحكم المرفوع. ومنسوخ عنه: وهو المكلف، ونسخ: وهو قوله الدال على رفع الحكم الثابت.
وقد يسمى الدليل ناسخًا مجازًا، فيقال: هذه الآية ناسخة لتلك.
وقد يسمى الحكم ناسخًا، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء،