← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الطبقة السادسة قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة. ولم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه، وإتقانه، فاستخفوا بالرواية، فظهرت أحوالهم. مثل ثابت بن موسى الزاهد، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، والمستملي بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ، ولم يذكر متن الحديث، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار (١) » وإنما أراد بذلك، ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه روى الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وليس لهذا الحديث أصل إلا من هذا الوجه. الطبقة السابعة قوم سمعوا من شيوخ، وأكثروا عنهم، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ، فحدثوا بها، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا. قال يحيى بن معين: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مُطرف بن مازن،

стр. 142

فقال: أعطني حديث ابن جُريج ومعمر، حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبه عني، ثم جعل يحدث به عن مَعْمَر وابن جريج أنفسهما. الطبقة الثامنة قوم سمعوا كتبًا مصنفة عن شيوخ أدركوهم، ولم ينسخوا أسماعهم عنهم عند السماع، وتهاونوا بها، إلى أن طعنوا في السن، وسئلوا عن الحديث فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة، ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ، وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون. وهذا النوع مما كثر في الناس، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء، اللهم إلا أن تكون النسخة مقروءة على شيخه، أو مقابلة بأصل شيخه، أو أصلٍ مقابل بأصل شيخه، ونحو ذلك من الاحتياط والضبط، فإن ذلك جائز له أن يرويه، لا سيما في هذا الزمان، فإن التعويل على النقل من الكتب والقراءة لما فيها، لا على الحفظ، فإن الحفظ كان وظيفة أولئك الموفَّقين السعداء. وقد تقدم في الباب الأول من هذه المقدمة شرح ذلك مستقصًى. الطبقة التاسعة قوم ليس الحديث من صناعتهم، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع التي يحتاج المحدث إلى معرفتها، ولا يحفظون حديثهم، فيجيئهم طالب العلم، فيقرأ عليهم ما ليس من حديثهم، فيجيبون ويقرُّون بذلك وهم لا يدرون. قال يحيى بن سعيد: كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، فإذا

стр. 143

جارية بن هرم (١) يكتب عنه، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا؟ فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول حفص: حدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا؟ فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا وكذا، ويقول: حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله؟ فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال جارية: تحسدونني؟ فقال له حفص: لا، ولكن هذا يكذب، قال حفص: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يُسمِّه لي، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد: لعلي كتبت عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: هو موسى بن دينار. الطبقة العاشرة قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه، وعُرفوا به، فتلفت كتبهم بأنواع من التلف، فلما سئلوا عن الحديث حدثوا به من كتب غيرهم. أو من حفظهم على التخمين، فسقطوا بذلك. منهم عبد الله بن لهيعة الحضرمي، على جلالة محله، وعلو قدره، لما احترقت كتبه بمصر ذهب حديثه، فخلط من حفظه، وحدث بالمناكير، فصار

стр. 144

في حد من لا يُحتج بحديثه، وكان أحمد بن حنبل يقول: سماع ابن المبارك وأقرانه الذين سمعوا من ابن لهيعة قبل وفاته بعشرين سنة صحيح، لأجل احتراق كتبه (١) . الفصل الثالث في النسخ (٢) وفيه ثلاثة فروع الفرع الأول: في حده وأركانه النسخ: عبارة عن الرفع والإزالة، في وضع اللسان العربي، وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب، والأول هو المقصود. وحدُّه: أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه. وقد اشتمل هذا الحد على ألفاظ تحتاج إلى بيان. أما قولنا «الخطاب» وإيثارنا إياه على «النص» فليكون شاملاً للفظ والفَحْوى والمفهوم وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.

стр. 145

وأما تقييد الحد بالخطاب المتقدم، فلأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة، ولا يسمى نسخًا، لأنه لم يزل حكم خطاب. وأما تقييده بارتفاع الحكم، ولم يخصص بارتفاع الأمر والنهي، فلِيَعُمَّ جميع أنواع الحكم: من الندب، والكراهية، والإباحة، فإن جميع ذلك قد ينسخ. وأما قولنا: «لولاه لكان الحكم ثابتًا» فلأن حقيقة النسخ: الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا، لم يكن هذا رافعًا، فإنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد انقضاء ذلك الوقت، لا يكون الثاني نسخًا، بل الرافع: ما لا يرتفع الحكم لولاه. وأما قولنا: «مع تراخيه عنه» فلأنه لو اتصل به كان بيانًا لمعنى الكلام، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد استقرار الحكم، بحيث إنه يدوم لولاه، هذا حده، وهو أعم حد وجدته للعلماء وأخصره. ولم ينكر النسخ من المسلمين إلا آحاد لا اعتداد بهم، فإن الأمة مجتمعة على جوازه ووقوعه. وأما أركانه: فأربعة: ناسخ: وهو الله تعالى، ومنسوخ: وهو الحكم المرفوع. ومنسوخ عنه: وهو المكلف، ونسخ: وهو قوله الدال على رفع الحكم الثابت. وقد يسمى الدليل ناسخًا مجازًا، فيقال: هذه الآية ناسخة لتلك. وقد يسمى الحكم ناسخًا، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء،

стр. 146

والحقيقة هو الأول. الفرع الثاني: في شرائطه شروط النسخ أربعة: الأول: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا، لا عقليًا. الثاني: أن يكون النسخ بخطاب، فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخًا. الثالث: أن يكون الخطاب المرفوع حكمه غير مقيد بوقت يقتضي دخوله زوال الحكم، كقوله تعالى: ﴿ثم أَتموا الصيام إلى الليل﴾ (البقرة: الآية ١٨٧) . الرابع: أن يكون الخطاب الرافع متراخيًا، لا كقوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدٍ﴾ (التوبة: الآية ٢٩) . وها هنا أمور يُتوهم أنها شروط، وليست شروطًا. الأول: أن يكون رافعًا للمثل بالمثل، بل الشرط: أن يكون رافعًا فقط. الثاني: ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ، بل يجوز قبل وقته. الثالث: لا يشترط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص، بل يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد في وقت واحد. الرابع: لا يشترط أن يكون نسخ القرآن بالقرآن. والسنة بالسنة، فلا يشترط الجنسية، بل يكفي أن يكون بما يصح النسخ به، وقد اشترطه الشافعي ﵀ وسيجيء بيانه. الخامس: لا يشترط أن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، إذ يجوز

стр. 147

نسخ خبر الواحد بخبر الواحد، وبالتواتر، وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد. السادس: لا يشترط أن يكون الناسخ منقولاً بمثل لفظ المنسوخ، بل أن يكون ثابتًا بأي طريق كان. السابع: لا يشترط أن يكون الناسخ مقابلاً للمنسوخ، حتى لا ينسخ الأمر إلا بالنهي، والنهي بالأمر، بل يجوز أن ينسخ كلاهما بالإباحة، وأن ينسخ الواجب المضيق بالموسع. الثامن: لا يشترط كونهما ثابتين بالنص، بل لو كان بلحن القول وظاهره (١) وفحواه، وكيف كان، جاز. التاسع: نسخ الحكم ببدل ليس بشرط، بل يجوز نسخ الحكم بغير بدل، وقال قوم: لابد من البدل. العاشر: نسخ الحكم بما هو أخف منه ليس بشرط، بل يجوز بالمثل والأثقل (٢) . وقال قوم: يجوز بالأخف، ولا يجوز بالأثقل، وليس ذلك ضابطًا.

стр. 148

الفرع الثالث: في أحكامه ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ، خلافًا لبعضهم، فإنهم قالوا: من الأفعال ما لا يمكن نسخه، مثل شكر المنعم والعدل، فلا يجوز نسخ وجوبه، ومثل الكفر والظلم، فلا يجوز نسخ تحريمه، والآية إذا تضمنت حكمًا جاز نسخ تلاوتها دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخها جميعًا، وقد ظن قوم استحالة ذلك. ويجوز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن عند الأكثرين، فإن كلاً من عند الله، والعقل لا يحيله، وقد دل السمع على وقوعه. أما نسخ السنة بالقرآن، فإن التوجه إلى بيت المقدس ليس في القرآن، وهو من السنة، وناسخه القرآن، وصوم يوم عاشوراء كان ثابتًا بالسنة، ونسخه القرآن بصوم شهر رمضان. وأما نسخ القرآن بالسنة، فنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث (١) » لأن آية الميراث لا تمنع الوصية، إذ الجمع بينهما ممكن. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز

стр. 149

نسخ القرآن بالسنة، خلافًا لغيره (١) . ولا ينسخ الحكم بقول الصحابي «نسخ حكم كذا» ما لم يقل: «سمعت رسول الله ﷺ » فإذا قال ذلك، نظر في الحكم إن كان ثابتًا بخبر الواحد، صار منسوخًا بقوله، وإن كان قاطعًا، فلا. ولا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد. والإجماع لا ينسخ به، إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي. وإذا تناقض نصان، فالناسخ هو المتأخر. ولا يعرف تأخره بدليل العقل، ولا بقياس الشرع، بل يعرف بمجرد النقل، وذلك بطرق: الأول: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، كقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٢) . الثاني: أن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ، وأن ناسخه متأخر. الثالث: أن يذكر الراوي التاريخ، مثل أن يقول: سمعت عام الخندق،

стр. 150

أو عام الفتح، وكان المنسوخ معلومًا قبله. ولا فرق بين أن يروي الناسخ والمنسوخ راوٍ واحد، أو راويان. ولا يثبت التأخر إلا بطرق. مثل أن يقول الصحابي: «كان الحكم علينا كذا، ثم نسخ» لأنه ربما قاله عن اجتهاد. ولا أن يكون مثبتًا في المصحف بعد الآخر، لأن السور والآيات، ليس إثباتها على ترتيب النزول، بل ربما قُدِّم وأُخِّر. ولا أن يكون راويه من أحداث الصحابة، فقد ينقل الصبي عمن تقدمت صحبته، وقد ينقل الأكابر عن الأصاغر وبعكسه. ولا أن يكون الراوي أسلم عام الفتح، إذ لعله في حالة كفره، ثم روى بعد إسلامه، أو سمع من سبق بالإسلام. ولا أن يكون الراوي قد انقطعت صحبته، فربما يظن أن حديثه يتقدم على حديث من بقيت صحبته، وليس من ضرورة من تأخرت صحبته أن يكون حديثه متأخرًا عن وقت انقطاع صحبة غيره. ولا أن يكون أحد الخبرين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية، فربما يظن تقدمه، ولا يلزم ذلك، كقوله ﷺ : «لا وضوء مما مسته النار» (١) .

стр. 151

لا يجب أن يكون متقدمًا على إيجاب الوضوء مما مسته النار، إذ يَحْتَمِل أنه أُوجب ثم نُسخ. ثم النسخ في حق من لم يبلغه الخبر حاصل، وإن كان جاهلاً به. وقال قوم: ما لم يبلغه لا يكون نسخًا في حقه. الفصل الرابع: في بيان أقسام الصحيح من الحديث والكذب ، وفيه أربعة (*) فروع الفرع الأول: في مقدمات القول فيها اعلم أنه ليس كل خبر بمقبول، ولا كل خبر بمردود، ولسنا نعني بالقبول: التصديق، ولا بالرد: التكذيب، بل يجب علينا قبول قول العدل، وربما كان كاذبًا أو غالطًا، ولا يجوز قبول قول الفاسق، وربما يكون صادقًا.

стр. 152

وإنما نعني بالقبول: ما يجب العمل به، وبالمردود: ما لا تكليف علينا في العمل به. والأحاديث المخرجة في كتب الأئمة: منها ما هو صحيح، ومنها ما هو سقيم، والفائدة في تخريج ما لا يثبت إسناده، ولا تُعَدَّل رواته، أن الجرح والتعديل مختلف فيهما. ومن الأئمة من رأى الاحتجاج بالأحاديث المتكلم فيها، ومنهم من أبطلها. والأصل فيه: الاقتداء بالأئمة الماضين، فإنهم كانوا يحدثون عن الثقات وغيرهم، فإذا سئلوا عنهم، بيَّنوا حالهم. ألا ترى أن مالك بن أنس إمام أهل الحجاز بلا مدافعة، قد روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق، أبي أمية البصري وغيره ممن تكلموا فيه. ثم الإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام أهل الحجاز بعد مالك، روى عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وغيره من المجروحين، والإمام أبا حنيفة إمام أهل الكوفة، روى عن جابر بن زيد الجعفي، وغيره من المجروحين، ثم بعده أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني رويا عن الحسن بن عمارة وغيره من المجروحين، وكذلك من بعد هؤلاء من أئمة المسلمين قرنًا بعد قرن، لم يخل حديث إمام من الأئمة عن مطعون فيه من المحدثين والأئمة. وفي ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مَخْرجه، وأن المنفرد به مجروح أو عدل.

стр. 153

قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وقال الحاكم ﵀: وأهل العراق والشام والحجاز يشهدون لأهل خراسان بالتقدم في معرفة الصحيح، لسبق البخاري ومسلم إليه، وتفردهما به. [أصح الأسانيد] وأصح الأسانيد فيما قيل (١) : مالك عن نافع عن ابن عمر (٢) . وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (٣) . والزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي.

стр. 154

ومحمد بن سيرين عن عَبِيدة عن علي (١) . ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة (٢) . والزهري عن سالم عن أبيه (٣) .

стр. 155

الفرع الثاني: في انقسام الخبر إليها الخبر ينقسم إلى: ما يجب تصديقه، وإلى ما يجب تكذيبه، وإلى ما يجب التوقف فيه. فالأول: يتنوع أنواعًا . أولها: ما أخبر عنه عدد التواتر، فيجب تصديقه ضرورة، وإن لم يدل عليه دليل آخر. وثانيها: ما أخبر الله عنه، فهو صدق بدلالة استحالة الكذب عليه. وثالثها: خبر الرسول ﷺ ، بدليل المعجزة على صدقه. ورابعها: ما أخبرت عنه الأمة، إذ ثبت عصمتها بقول الرسول ﷺ . وخامسها: كل خبر يوافق ما أخبر الله عنه، أو رسوله ﷺ ، أو الأمة. وسادسها: كل خبر صح أنه ذكره المخبر، بين يدي رسول الله ﷺ بمسمع منه، ولم يكن غافلاً عنه، فسكت عنه. وسابعها: كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه، والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب، والامتناع من السكوت. القسم الثاني: ما يجب تكذيبه، ويتنوع أنواعًا أولها: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره، أو الحس، أو أخبار التواتر، كمن أخبر عن الجمع بين الضدين، ونحو ذلك. وثانيها: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 156

وثالثها: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب. ورابعها: ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره، لتوفر الدواعي على نقله كما لو أخبر مخبر أن أمير البلدة قتل في السوق على ملأ من الناس، ولم يتحدث أهل السوق به، فيقطع بكذبه. القسم الثالث: ما يجب التوقف فيه وهو جملة الأخبار الواردة في أحكام الشرع ما عدا القسمين المذكورين، مما لم يعرف صدقه ولا كذبه. قسمة ثانية أما التي يعلم صدقها. فمنها: ما يعلم ضرورة، كالخبر بأن السماء فوق الأرض. ومنها: ما يعلم باستدلال عقلي، كالخبر بحكمة الله. ومنها: ما يعلم باستدلال سمعي، كالخبر بوجوب الصلاة والصوم ونحوهما. ومنها: ما يعلم بأمر راجع إلى المخبِر، وهو أن يكون ممن لا يجوز عليه الكذب. وهو نوعان: أحدهما: لا يجوز الكذب عليه أصلاً، وهو الله تعالى، والرسول ﷺ ، لصدقه بالمعجزة، وإجماع الأمة.

стр. 157

الثاني: لا يجوز عليه الكذب فيما أخبر به وإن جاز في غيره، وذلك أن يكون المخبر ممن لا داعي له إلى الكذب، مثل أن يكونوا جماعة لا يجمعهم داع واحد إلى الكذب. ومنها: ما يعلم صدقه من جهة السامع، مثل أن يخبر بحضرة من يدعي عليه العلم، ولم ينكره عليه، بشرط أن يكون السامعون جماعة لا يمسكها عن الإنكار رغبة ولا رهبة، فإن من العادة إنكارهم على من يخبر بالكذب عنهم. وأما التي يعلم كذبها: فمنها: ما يعلم كذبه ضرورة واستدلالاً، عقليًا وسمعيًا، كما قلنا في الصدق. ومنها: ما يعلم كذبه بأمر راجع إلى الخبر وكيفية النقل، بأن ينقل نقلاً خفيًا ما كان من حقه أن ينقل نقلاً ظاهرًا، وقد توفرت دواعي الدين أو العادة أو كلاهما على نقله، كالنقل عن أصول الشرائع، أو عن حادثة وقعت في بلدة عظيمة، أو معجزة الأنبياء. وأما التي لا يُعلَم صدقها ولا كذبها، فهي أخبار الآحاد، لا يجوز أن يكون كلها كذبًا، لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن يكون كلها كذبًا، مع كثرة رواتها واختلافهم، ولا أن يكون كلها صدقًا، لأن النبي ﷺ قال: «سيُكذَب علي بعدي» ولأن الأمة كذبوا جماعة من الرواة، وحذفوا أحاديث كثيرة علموا كذبها فلم يعملوا بها.

стр. 158

قسمة ثالثة قسم يجب تصديقه، وقسم يجب تكذيبه، وقسم يحتملها على السواء، وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر. فالأول والثاني: قد ذكرا فيما تقدم. والثالث: خبر الفاسق، فإنه يحتمل الصدق والكذب، فإن كان صادرًا عن غلبة عقله، فيكون صدقًا، وإن كان صادرًا عن غلبة هواه، فيكون كذبًا. والرابع: خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح، لظهور غلبة عقله على هواه، لكنه غير يقين. الفرع [الثالث] (*) : في أقسام الصحيح من الأخبار الصحيح من الأخبار التي يعمل بهما قسمان: مشهور، وغريب. فالمشهور ضربان: أحدهما: ما بلغ حد التواتر، والآخر: ما لم يبلغ حد التواتر. والغريب ضربان. أحدهما: ما لم يدخل في حد الإنكار، والآخر: ما دخل في حد الإنكار. فالأول يسمى: علم يقين، وهو أخبار التواتر. والثاني: يسمى علم طمأنينة، وهو أخبار الآحاد التي لم يختلف السلف فيها وفي العمل بها. والثالث يسمى: علم غالب الرأي، وهو ما اختلف العلماء في أحكام الحوادث

стр. 159

على ورود أخبار فيها متعارضة، فقبلها بعضهم، وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل. والرابع يسمى: علم ظن، وهو مارده السلف من الأخبار التي يخشون منها الإثم على العامل بها، لقربها من الكذب، كما يخشون الإثم على تارك العمل بالمشهور، لقربه من الصدق، والمحدثون لا يطلقون اسم الصحيح إلا على مالا يتطرق إليه تهمة بوجه من الوجوه. وما ليس بصحيح، فهو عندهم حسن، وغريب، وشاذ، ومعلل، ومنفرد به، ولكل واحد من هذه الأقسام شرح وبيان نذكره في هذا الفرع. فلنقسم القول فيه إلى قسمين: أحدهما: في الصحيح، والآخر: في الغريب، والحسن. القسم الأول في الصحيح وينقسم إلى عشرة أنواع، خمسة منها متفق على صحتها، وخمسة مختلف في صحتها. النوع الأول: من المتفق عليه . اختيار الإمامين أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين مسلم، وهي الدرجة العليا من الصحيح، وهو الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ

стр. 160

المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة العليا من الصحيح. والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث. وكان مسلم أراد تخريج الصحيح على ثلاثة أقسام في الرواة، فلما فرغ من القسم الأول أدركته المنية، وهو في حد الكهولة. وكيف يجوز أن يقول: إن أحاديث رسول الله ﷺ لا تبلغ عشرة آلاف حديث وقد روى عنه من الصحابة أربعة آلاف رجل وامرأة، صحبوه نيفًا وعشرين سنة بمكة والمدينة، حفظوا عنه أقواله وأفعاله، ونومه ويقظته، وحركاته وسكناته، وكل حالاته، من جده وهزله، وقد كان الحافظ من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث وستمائة ألف، وسبعمائة ألف؟! . وهذا الشرط الذي ذكرناه، قد ذكره الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (١) .

стр. 161

وقد قال غيره: إن هذا الشرط غير مطَّرد في كتابَي البخاري ومسلم، فإنهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط. والظن بالحاكم غير هذا، فإنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلا بعد التفتيش والاختبار والتيقن لما حكم به عليهما. ثم غاية ما يدعيه هذا القائل، أنه تتبع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أن ينقض به، وليس ذلك ناقضًا، ولا يصلح أن يكون دافعًا لقول الحاكم، فإن الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعل غيره قد وجده ولم يبلغه وبلغ سواه؟ وحسن الظن بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى، على أن قول الحاكم له تأويلان. أحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم. التأويل الثاني: أن يكون للصحابي راويان ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية

стр. 162

الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث، والنقل عن المشهورين بالحديث والرواة، لا أنه صادر عن غير مشهور بالرواية والرواة والأصحاب (١) . فإن كان غرض الحاكم من قوله التأويل الأول، فقد سبق الاحتجاج له على من رام نقضه، على أن هذا الشرط قد ذهب إليه قوم من العلماء، ولم يحتجوا بحديث خرج عن هذا الشرط، ولا اعتدوا به، وقد سبق ذكره فيما سبق. وقد تقدم من هذه المقدمة، وبينا أنه ليس شرطًا في الاحتجاج عند الأكثرين. على أنا نعلم يقينًا أنه لم يقصد إلى إثبات الصحيح وتخريجه، والاحتياط فيه، مثل البخاري ومسلم، وهذا الطريق هو الغاية في إثبات الصحيح، فمن يكون أجدر من البخاري ومسلم؟ . على أنهما إن كانا قد أخرجاه كذلك، فإنهما لم يجعلا ذلك شرطًا لا يجوز قبول حديث لم يتصف به، وإنما فعلا الأحوَطَ، وراما الأعلَى والأشرفَ. وإن كان غرض الحاكم التأويل الثاني، فقد اندفع النقض، وكُفينا هذه الكُلفة. النوع الثاني: من المتفق عليه الحديث الذي ينقله العدْلُ عن العدلِ، ويرويه الثقات الحفاظ إلى الصحابي

стр. 163

وليس لهذا الصحابيّ إلا راو واحد. مثاله: حديث عروة بن مُضَرِّس الطائي قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله، أتيتك من جَبَلي طَيِّئٍ، أتْعَبْتُ فرسي (١) وأكللت مَطِيَّتي، والله ما تركت من جبل إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟» (٢) . هذا حديث من أصول الشريعة مقبول بين الفقهاء، ورواته كلهم ثقات، ولم يخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما، إذ ليس له راو عن عروة بن مضرس غير الشعبي. وشواهد هذا كثيرة في الصحابة، نحو قيس بن أبي غَرَزَة الغِفاري، على كثرة روايته عن رسول الله ﷺ ، ليس له راو غير أبي وائل شقيق بن سلمة. وأبو وائل: من كبار التابعين بالكوفة، أدْرك عمر، وعثمان، وعليًّا، ومن بعدهم من الصحابة. وأسامة بن شريك وقُطْبة بن مالك، على اشتهارهما في الصحابة، ليس لهما راو غير زياد بن علاقة، وهو من كبار التابعين.

стр. 164

وغيرهم من الصحابة ممن يجري مجراهم، لم يُخَرِّج البخاري ومسلم هذا النوع في كتابيهما، وأحاديثهم متداولة بين الفقهاء، محتج بها في الأسانيد. النوع الثالث: من المتفق عليه أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات، إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد، مثل: محمد بن حُنين، وعبد الرحمن بن فروخ، وعبد الرحمن بن مَعْبَد وغيرهم، ليس لهم راو غير عمرو بن دينار، وهو إمام أهل مكة، وكذلك محمد بن مسلم الزُّهري، تفرد بالرواية عن جماعة من التابعين، منهم عمرو ابن أبان، ومحمد بن عروة بن الزبير. وتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري عن جماعة من التابعين، وليس في كتابي البخاري ومسلم من هذه الروايات شيء، وهي كلها صحيحة، بنقل العدل عن العدل، وهي متداولة بين الفقهاء، محتج بها. النوع الرابع: من المتفق عليه الأحاديث الأفراد التي يرويها الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب، مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجيء رمضان» . وقد خرج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في كتابه، وترك هذا وأشباهه، مما ينفرد به العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. ومثل حديث أيمن بن نابل (١) المكي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، أن

стр. 165

رسول الله ﷺ كان يقول في التشهد: «بسم الله وبالله» . وأيمن بن نابل: ثقة، وأحاديثه مخرجة في «صحيح البخاري» ، ولم يخرج هذا الحديث، إذ ليس له متابع عن أبي الزبير من وجه يصح. وشواهد هذا القسم كثيرة، كلها صحيحة الإسناد، غير مخرجة في كتابَي البخاري ومسلم، فيُستدل بالقليل الذي ذكرناه على الكثير الذي لم نذكره من ذلك. النوع الخامس: من المتفق عليه أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب (١) ، عن أبيه عن جده، وجده: عبد الله بن عمرو بن العاص. ومثل بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٢) ، وجده: معاوية بن حَيدة القُشيري،

стр. 166

وهما صحابيان، وأحفادهما ثقات، وأحاديثهما على كثرتها، محتج بها في كتب العلماء، وليست في كتابَي البخاري ومسلم. النوع السادس: وهو الأول من المختلف فيه المراسيل: وقد تقدم القول فيها، واختلاف الأئمة في قبولها، والعمل بها، وردها، وترك الاحتجاج بها، وذلك في «الفرع الخامس» من «الفصل الأول» من هذا الباب. النوع السابع: وهو الثاني من المختلف فيه رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرواية، فيقولون: قال فلان، ممن هو معاصرهم، رأوه أو لم يروه، ولا يكون لهم عنه سماع ولا إجازة، ولا طريق من الرواية، فيوهمون بقولهم: قال فلان، أنهم قد سمعوا منه أو أجازه لهم، أو غير ذلك، فيكونون في قولهم: قال فلان، صادقين، لأنهم يكونون قد سمعوه من واحد أو أكثر منه عنه، وهذا يسمونه بينهم تدليسًا، للإيهام الذي حصل فيه (١) .

стр. 167

وقد جعله قوم صحيحًا محتجًا به، منهم: أبو حنيفة، وإبراهيم النخعي، وحماد ابن أبي سليمان، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ومن تابعهم من أئمة الكوفة. وجعله قوم غير صحيح، ولا يحتج به، منهم: الشافعي، وابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومن تابعهم من أئمة الحجاز. وأهل الحديث لا يعدُّونه صحيحًا، ولا محتجًا به (١) . وهو على ستة أصناف: الأول: جماعة دلسوا عن الثقات الذين هم في الثقة مثلهم أو دونهم أو فوقهم، إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين تقبل أخبارهم، لأنهم لم يكن غرضهم

стр. 168

بذلك التدليس، إنما كان غرضهم حث الناس على الخير، والدعاء إلى الله تعالى، لا رواية الحديث، فإنهم متى أرادوا رواية الحديث ذكروا طرقه. منهم: قتادة بن دعامة، إمام أهل البصرة يقول: قال أنس، أو قال الحسن، وهو مشهور بالتدليس عنهما فيما لم يذكروا روايته: بـ «أخبرنا» ، «وحدثنا» ، و «سمعت» ، ونحو ذلك. الصنف الثاني: قوم يدلسون الحديث، فيقولون: قال فلان، فإذا حقق معهم أحد ذلك، ذكروا طريق سماعه. منهم: سفيان بن عُيَيْنة، وهو إمام من أئمة أهل مكة يقول: قال الزهري، أو قال عمرو بن دينار، وسفيان مشهور بالسماع منهم جميعًا، إلا أنه لم يذكر طريق روايته في هذا الحديث، وقد عرف منه أنه يدلس فيما يفوته سماعه، كما قال علي ابن خشرم: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: قال الزهري: قيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت ثم قال: قال الزهري: فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، ألا تراه دلس أولاً، فلما استُفْسِر، ذكر طريق سماعه. والتدليس: إنما يتم إذا روى عن معاصره، أما إذا روى عن غير معاصره، فلا يكون مُدلسًا، ويدخل في حد المرسل، وقد ذكرناه. الصنف الثالث: قوم يدلسون الحديث على أقوام مجهولين، لا يُدرى مَن هُم، ولا مِن أين هم، فيذكرون أسماء لا تعرف.

стр. 169

الصنف الرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أسماءهم وكناهم، كيلا يعرفوا. الصنف الخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه، ولا يذكرون طريق روايتهم إذا سئلوا. الصنف السادس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع. النوع الثامن: وهو الثالث من المختلف فيه خَبرٌ يرويه ثقة من الثقات، عن إمام من أئمة المسلمين، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه. مثاله: حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من سمع النداء فلم يُجب، فلا صلاة له إلا من عذر (١) » هكذا رواه عدي بن ثابت عن سعيد ابن جبير، وهو ثقة، وقد وقفه سائر أصحاب سعيد بن جبير. وهذا القسم مما يكثر، وهو صحيح على مذهب الفقهاء، والقول عندهم فيه قول من زاد في الإسناد، أو المتن، إذا كان ثقة. وأما أئمة الحديث، فإن القول فيه عندهم قول الجمهور الذي وقفوه، وأرسلوه لما يخشى من الوهم على هذا الوجه المذكور.

стр. 170

النوع التاسع: وهو الرابع من المختلف فيه روايات محدِّث صحيح السماع، صحيح الكتاب، معروف بالرواية، ظاهر العدالة، غير أنه لا يَعْرِف ما يحدث به ولا يحفظه، قال الحاكم: كأكثر محدثي زماننا هذا، وهو محتج به عند أكثر أهل الحديث، وجماعة من الفقهاء، فأما أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله -، فلا يريان الحجة به. قلت: إذا كان الحاكم يقول عن زمانه، وهو قريب من الصدر الأول، كأكثر محدثي زماننا، فما عسى أن نقول نحن في زماننا هذا، لكنا نسأل الله العصمة والتوفيق، والسداد في القول والعمل. النوع العاشر: وهو الخامس من المختلف فيه روايات المبتدعة، وأصحاب الأهواء، وهي عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن عباد بن يعقوب، وكان أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: حدثني الصدوق في روايته المتهم في دينه: عباد بن يعقوب، وأخرج البخاري أيضًا في «صحيحه» عن محمد بن زياد، وحريز بن عثمان، وهما مشهوران بالنصب (١) ، وأخرج هو ومسلم في كتابيهما عن أبي معاوية محمد بن خازم، وعن عبيد الله بن موسى، وقد اشتهر عنهما الغلو.

стр. 171

وأما مالك بن أنس، فإنه يقول: لا يؤخذ حديث رسول الله ﷺ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في حديث الناس، وإن كان لا يُتهم أنه يكذب على رسول الله ﷺ . قال الحاكم: هذه وجوه الصحيح المتفقة والمختلفة، قد ذكرناها لئلا يتوهم متوهم أنه ليس يصح من الحديث إلا ما أخرجه البخاري ومسلم، فإنا نظرنا فوجدنا البخاري قد صنف كتابًا في التاريخ، جمع أسامي من رُوي عنهم الحديث من زمان الصحابة إلى زمن خمسين، فبلغ عددهم قريبًا من أربعين ألف رجل وامرأة، خرّج في «صحيحه» عن جماعة منهم، وخرّج مسلم في «صحيحه» عن جماعة. قال الحاكم: جمعت أنا أساميهم، وما اختلفا فيه، فاحتج به أحدهما، ولم يحتج به الآخر، فلم يبلغوا ألْفَي رجل وامرأة. قال: ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين ألفًا، فبلغ مائتين وستة وعشرين رجلاً. فليعلم طالب هذا العلم: أن أكثر رواة الأخبار ثقات، وأن الدرجة العليا، للذين في «صحيحي البخاري ومسلم» وأن الباقين أكثرهم ثقات، وإنما سقطت أساميهم من «الصحيحين» للوجوه التي قدمنا ذكرها، لا لجرح فيهم، وطعن في عدالتهم، وإنما فعلا ذلك في كتابَيهما زيادة في الاحتياط، وطلبًا لأشرف المنازل

стр. 172

وأعلى الرتب، وباقي الأحاديث معمول بها عند الأئمة. ألا ترى أن الإمام أبا عيسى الترمذي ﵀ وهو من المشهورين بالحديث والفقه - قال في آخر كتابه «الجامع» : إن جميع ما في كتابنا من الحديث معمول به، وأخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. أحدهما: حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر» (١) . والثاني: حديث معاوية: أن النبي ﷺ قال: «إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» (٢) . وما عدا هذين الحديثين، فقد عمل به قوم، وترك العمل به آخرون.

стр. 173

فإذا كان كتاب الترمذي على كثرة ما فيه من الأحاديث، لم يسقط العمل بشيء منه، إلا بحديثين، فكيف يُظن أنه لا صحيح إلا ما في كتابي البخاري ومسلم؟!. القسم الثاني: في الغريب والحسن وما يجري مجراهما قد تقدم في القسم الأول ذكر الصحيح المتفق عليه، والمختلف فيه: يدخل في هذا القسم عند من خالف في صحته. وللغريب أنواع أخرى من جهات متعددة، فرُبّ حديث مخرج في الصحيح، وهو غريب من جهة طريقه، مثل حديث جابر بن عبد الله في حفر الخندق، وجوع النبي ﷺ وتعصيبه بطنه، وذكر أهل الصفة، وهو حديث طويل قد أخرجه البخاري (١) ، وقد تفرد به عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو من غرائب الصحيح. ومثل حديث عبد الله بن عمرو لما حاصر النبي ﷺ الطائف وقوله: «إنا قافلون غدًا ... » الحديث، وقد أخرجه مسلم (٢) في كتابه، وهو غريب تفرد به السائب بن فروخ الشاعر عن ابن عمرو. ومن الغرائب: غرائب الشيوخ، مثل قول ابن عمر: عن النبي ﷺ «لا يبيع حاضر لباد» رواه الربيع بن سليمان عن الشافعي عن مالك عن نافع عن

стр. 174

ابن عمر (١) ، ولم يروه عن مالك غير الشافعي، ولا الشافعي غير الربيع. ومن الغرائب: غرائب المتون، كما روى محمد بن المنكدر عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذا الدين متين، فأوغِل فيه برفق ... » (٢) . الحديث. فهذا غريب المتن، وفي إسناده غرابة أيضًا. ومن الغرائب: الإفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي ﷺ ، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور، مثل ما حدث حماد بن سلمة عن أبي العُشَرَاء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنت في فخذها أجزأ عنك» (٣) فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة (٤) عن أبي العشراء، ولا يُعْرَف لأبي العشراء إلا هذا الحديث، وإن كان

стр. 175

مشهورًا عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد. وربّ حديث يُحدث به رجل من الأئمة وحده، فيشتهر لكثرة من يرويه عنه، مثل ما روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الولاء وهبته» (١) هذا حديث لا يُعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه عُبيد الله بن عبد الله بن عمر، وشعبة، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس وغير واحد من الأئمة. ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون فيه، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير» ، فزاد مالك في هذا الحديث «من المسلمين» (٢) .

стр. 176

وروى أيوب السِّختياني، وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه «من المسلمين» . فأخذ جماعة من الأئمة بحديث مالك، واحتجوُّا به، منهم الشافعي، وأحمد ابن حنبل، وغيرهما. قالوا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤدِّ عنهم صدقة الفطر. فإذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حفظه وثقته. قُبِلَ ذلك منه، وكان الحديث مع ذلك غريبًا لهذه الزيادة. وربَّ أحاديث مشهورة في أيدي الناس، متداولة بين الأئمة، لم يخرّج منها في الصحيح شيء. وربَّ أحاديث خُرجت في الصحيح، وهي غير مشهورة ولا متداولة بين الأئمة. وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، فزال الخلل منه. والشاذ: ما لا يعرف له علة. وربَّ حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لإسناده. مثل: ما حدَّث أبو كُريب وأبو هشام الرفاعي، وأبو السائب، والحسين ابن الأسود قالوا: حدثنا أبو أسامة عن بُريد بن عبد الله بن أبي بردة عن

стр. 177

جده أبي بردة عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعي واحد» هذا حديث غريب من قبل إسناده، فإنه قد رُوي هذا الحديث من غير وجه (١) ، وإنما استُغرب من حديث أبي موسى لا غير. قال الترمذي [﵀] : ما ذكرنا في كتابنا - يعني «الجامع» الذي له - حديث حسن، فإنما أردنا حُسن إسناده عندنا، كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتَّهَمُ بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن (٢) . فالحديث الحسن إذًا: واسطة بين الصحيح والغريب (٣) ، والله أعلم. هذا آخر القول في [الباب] الثالث من هذه المقدمة

стр. 178

الباب الرابع: في ذكر الأئمة الستة ﵃ وأسمائهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ومناقبهم وآثارهم . هذا باب واسع، إن أتينا فيه بالواجب من ذكر هؤلاء القوم طال وخرج عن حد المقدمات، وتجاوز قدر المختصرات، وتركنا الغرض المقصود إليه. وإنما نذكر فيه طرفاً مما أشرنا إليه، ونُكتاً مما نبهنا عليه، ليُعْرَفَ بالمذكور قدر المتروك، ويُستدل بالشاهد على الغائب، فإن القوم كانوا أعلام الهدى، ومعادن الفضائل، واللسان في وصفهم مطلق العنان. وقد بدأنا بذكر مالك ﵀، لأنه المقدم زماناً وقدراً، ومعرفة وعلماً، ونباهة وذكراً، وهو شيخ العلم، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في ذكر تخريج الحديث قدمنا عليه البخاري ومسلماً للشرط الذي لكتابيهما، فلا نقدمهما عليه في الذكر، إذ هو أحق وأولى، وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى.

стр. 179

[الإمام] مالك هو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان ابن خثيل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد، من بني حمير ابن سبأ الأكبر، ثم من بني يَشْجب بن قحطان، وفي نسبه خلاف غير هذا. ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة. وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره. هو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه. أخذ العلمَ: عن محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر [﵄] ، ومحمد بن المنكدر، وهشام ابن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، ومَخْرمَة بن سليمان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم. وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يُحْصون كثرة. وهم أئمة البلاد.

стр. 180

منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة - هؤلاء نُظَراؤه من أصحابه - ومَعْنُ بن عيسى القزاز، وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ويحيى بن يحيى الأندلسي - ومن طريقه روينا «الموطأ» - وعبد الله بن مسلمة القَعْنَبيّ، وعبد الله بن وهب، وأصبغ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده. وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الحديث. قال مالك [رحمة الله عليه] : قلَّ مَنْ كتَبْتُ عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني. وقال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة ابن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ ! قال: أما علمتم أن مثقالاً من دَولة خير من حمل علم؟ . وكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من
следующие страницы →