وروى أيوب السِّختياني، وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه «من المسلمين» .
فأخذ جماعة من الأئمة بحديث مالك، واحتجوُّا به، منهم الشافعي، وأحمد ابن حنبل، وغيرهما.
قالوا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤدِّ عنهم صدقة الفطر.
فإذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حفظه وثقته. قُبِلَ ذلك منه، وكان الحديث مع ذلك غريبًا لهذه الزيادة.
وربَّ أحاديث مشهورة في أيدي الناس، متداولة بين الأئمة، لم يخرّج منها في الصحيح شيء.
وربَّ أحاديث خُرجت في الصحيح، وهي غير مشهورة ولا متداولة بين الأئمة.
وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، فزال الخلل منه.
والشاذ: ما لا يعرف له علة.
وربَّ حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يُستغرب لإسناده.
مثل: ما حدَّث أبو كُريب وأبو هشام الرفاعي، وأبو السائب، والحسين ابن الأسود قالوا: حدثنا أبو أسامة عن بُريد بن عبد الله بن أبي بردة عن
стр. 177
جده أبي بردة عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في مِعي واحد» هذا حديث غريب من قبل إسناده، فإنه قد رُوي هذا الحديث من غير وجه (١) ، وإنما استُغرب من حديث أبي موسى لا غير.
قال الترمذي [﵀] : ما ذكرنا في كتابنا - يعني «الجامع» الذي له - حديث حسن، فإنما أردنا حُسن إسناده عندنا، كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتَّهَمُ بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن (٢) .
فالحديث الحسن إذًا: واسطة بين الصحيح والغريب (٣) ، والله أعلم.
هذا آخر القول في [الباب] الثالث من هذه المقدمة
стр. 178
الباب الرابع: في ذكر الأئمة الستة ﵃ وأسمائهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ومناقبهم وآثارهم .
هذا باب واسع، إن أتينا فيه بالواجب من ذكر هؤلاء القوم طال وخرج عن حد المقدمات، وتجاوز قدر المختصرات، وتركنا الغرض المقصود إليه.
وإنما نذكر فيه طرفاً مما أشرنا إليه، ونُكتاً مما نبهنا عليه، ليُعْرَفَ بالمذكور قدر المتروك، ويُستدل بالشاهد على الغائب، فإن القوم كانوا أعلام الهدى، ومعادن الفضائل، واللسان في وصفهم مطلق العنان.
وقد بدأنا بذكر مالك ﵀، لأنه المقدم زماناً وقدراً، ومعرفة وعلماً، ونباهة وذكراً، وهو شيخ العلم، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في ذكر تخريج الحديث قدمنا عليه البخاري ومسلماً للشرط الذي لكتابيهما، فلا نقدمهما عليه في الذكر، إذ هو أحق وأولى، وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى.
стр. 179
[الإمام] مالك
هو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان ابن خثيل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد، من بني حمير ابن سبأ الأكبر، ثم من بني يَشْجب بن قحطان، وفي نسبه خلاف غير هذا.
ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره.
هو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه.
أخذ العلمَ: عن محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر [﵄] ، ومحمد بن المنكدر، وهشام ابن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، ومَخْرمَة بن سليمان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم.
وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يُحْصون كثرة. وهم أئمة البلاد.
стр. 180
منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة - هؤلاء نُظَراؤه من أصحابه - ومَعْنُ بن عيسى القزاز، وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ويحيى بن يحيى الأندلسي - ومن طريقه
روينا «الموطأ» - وعبد الله بن مسلمة القَعْنَبيّ، وعبد الله بن وهب، وأصبغ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده.
وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الحديث.
قال مالك [رحمة الله عليه] : قلَّ مَنْ كتَبْتُ عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني.
وقال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة ابن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ ! قال: أما علمتم أن مثقالاً من دَولة خير من حمل علم؟ .
وكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من
стр. 181
الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أُحب أن أُعظِّم حديث رسول الله ﷺ .
ومر يومًا على أبي حازم وهو جالس، فجازه، فقيل له، فقال: إني لم أجد موضعًا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
قال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثًا من مالك.
وقال الشافعي [﵀] : إذا ذكر العلماء، فمالكٌ النجم، وما أحد أمَنَّ عليّ مِن مالك [رحمة الله عليه] .
ورُوي أن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره، ثم دس عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس «ليس على مستكره طلاق» فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.
وروي أن الرشيد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها. فلما أراد الرشيد الشخوص، قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على «الموطأ» كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال: أمَّا حمل الناس على «الموطأ» فليس إلى ذلك سبيل، لأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ : «اختلاف أمتي رحمة» (١) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول الله ﷺ : «المدينة
стр. 182
خير لهم لو كانوا يعلمون» وقال: «المدينة تنفي خبثها» وهاذي دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها.
يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعتَه إليَّ، فلا أُوثِر الدنيا
стр. 183
على مدينة رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي [﵀] : رأيت على باب مالك كُراعًا من أفراس خراسان، وبغال مصر، ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة. وكم مثل هذه المناقب لهذا الطَّود الأشم، والبحر الزاخر.
стр. 184
[الإمام] البخاري
هو أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعفي البخاري.
وإنما قيل له: الجُعفي، لأن المغيرة - أبا جده - كان مجوسيًا، أسلم على يد يمان البخاري، وهو الجعفي والي بخارى، فنُسب إليه حيث أسلم على يده.
وجُعفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جُعفي بن سعد العشيرة بن مَذْحج، والنسبة إليه كذلك.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا، [ولم يُعقب ذَكَرًا] .
والبخاري - الإمام في علم الحديث - رحل في طلب العلم إلى جميع مُحَدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفَّاظ.
منهم: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبو نعيم الفضل بن دُكين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن أبي أويس المدني، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأخذ عنه الحديث خلقٌ كثير في كل بلدة حدَّث بها.
стр. 185
قال الفرَبري: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وكذلك لا يُرْوَى اليوم - «صحيح البخاري» - عن أحد سواه. وردَّ على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين.قال البخاريُّ: خرَّجتُ كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين. وقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث، فلم اطمأن المجلس بأهله، انتُدِبَ إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه. فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه، ثم انتُدِبَ رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه.
فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا، على النسق، إلى آخر العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
стр. 186
[الإمام] مسلم
هو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ.
ولد سنة ست ومائتين، وتوفي عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر.
وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وشُريح بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وحرملة بن يحيى. وخلف بن هشام، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه.
وقدم بغداد غير مرة وحدَّث بها.
روى عنه خلق كثير.
منهم: إبراهيم بن محمد بن سفيان - ومن طريقه روينا «صحيحه» - وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين.
قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما.
وقال الحسن بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول:
стр. 187
صنفت «المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال محمد بن إسحاق بن مندة، سمعت أبا علي بن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وقال أبو عمرو محمد بن حمدان الحيري (١) : سألت أبا العباس بن عُقدة عن محمد ابن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري: أيهما أعلم.
فقال: كان البخاري عالمًا، وكان مسلم عالمًا، فكررت عليه مرارًا وهو يجيبني بمثل هذا الجواب، ثم قال: يا أبا عمرو، قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته. ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم، فقلما يقع له الغلط، لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.
وقال محمد بن يعقوب الأخرم - وذكر كلامًا معناه -: قلما يفوت البخاري ومسلمًا مما يثبت في الحديث حديث.
قال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه.
ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه.
وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلمٌ ولا جاء.
стр. 188
[الإمام] أبو داود
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، أحد من رحل وطوف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين.
ولد سنة اثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقدم بغداد مرارًا، ثم خرج منها آخر مرَّاته سنة إحدى وسبعين.
وأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومسدد بن مُسَرْهد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن يونس، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، ممن لا يحصى كثرة.
وأخذ الحديث عنه: ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن محمد الخلال، وأبو علي محمد بن عمرو اللؤلؤي، ومن طريقه نروي كتابه.
وكان أبو داود سكن البصرة.
وقدم بغداد، وروى كتابه المصنف في «السنن» بها. ونقلها أهلها عنه، وصنفه قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجابه واستحسنه.
стр. 189
قال أبو بكر بن داسة: قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب «السنن» - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث. ذكرت الصحيح، وما يُشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث.
أحدها: قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات» .
والثاني: قوله ﷺ : «مِنْ حُسنِ إسلام المرء تِركهُ ما لا يعنيه» .
والثالث: قوله ﷺ : «لا يكوُن المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه» .
والرابع: قوله ﷺ : «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات ... » الحديث.
وقال أبو بكر الخلال: أبو داود، سليمان بن الأشعث، الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدَّم.
وكان إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر بن صدقة، يرفعان من قدره، ويذكرانه بما لا يذكران أحدًا في زمانه بمثله.
وقال أحمد بن حنبل بن ياسين الهروي: كان سليمان بن الأشعث، أبو داود، أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ : عِلمِهِِِ وعلله وسنده، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف، والصلاح والورع، من
стр. 190
فرسان الحديث.
وقال محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمُّ واسع وكُمُّ ضيِّق، فقيل له: يرحمك الله! ما هذا؟ قال: الواسع للكتب، والآخر لا نحتاج إليه.
وقال أبو سليمان الخطابي: كتاب «السنن» لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، على اختلاف مذاهبهم، فصار حَكَمًا بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد، ومنه شِرب، وعليه معوَّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري، وكتاب مسلم بن الحجاج النيسابوري.
وقال: قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود: «الجوامع» و «المسانيد» ، ونحوهما، فتجمع تلك الكتب - إلى ما فيها من «السنن» و «الأحكام» -:
أخبارًا وقصصًا، ومواعظ وأدبًا. فأما «السنن» المحضة، فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصها من أثناء تلك الأحاديث، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود، ولذلك حلَّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر مَحَلَّ العجب، فضُرِبت إليه أكباد الإبل، ورامت إليه الرحل.
стр. 191
قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب: أُلين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود ﵇ الحديد.
وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ، ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (١) .
стр. 192
[الإمام] الترمذي
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي ولد [سنة تسع ومائتين] .
وتوفي بـ «ترمذ» ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة.
أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ.
مثل قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى، ومحمود بن غيلان، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار، وعلي بن حُجر، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغير هؤلاء، وأخذ عن خلق كثير لا يُحصون كثرة.
وأخذ عنه خلق كثير، منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، ومن طريقه روينا كتابه «الجامع» .
وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه «الصحيح» أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره: من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح، والحسن، والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب «العلل» ، قد جمع فيه
стр. 193
فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.
قال الترمذي [رحمه الله تعالى] : صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بيته نبي يتكلم.
وقال الترمذي: كان جدي مَرْوَزِيًا انتقل من مَرْو، أيام الليث بن سيَّار.
стр. 194
[الإمام] النسائي
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي.
ولد [سنة خمس وعشرين ومائتين]
ومات بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة، وهو مدفون بها.
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم، فيبدأ بأبي عبد الرحمن.
وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار.
وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وحميد بن مسعدة، وعلي ابن خشرم، ومحمد بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين، وهنَّاد بن السَّري، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ.
وأخذ عنه الحديث خلق كثير، منهم: أبو بشر الدولابي - وكان من أقرانه - وأبو القاسم الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، ومحمد بن هارون بن شعيب، وأبو الميمون بن راشد، وإبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّني الحافظ، ومن طريقه روينا كتابه «السنن» .
وله كتب كثيرة في الحديث والعلل، وغير ذلك.
стр. 195
قال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مُرَبَّع، وأبو الآذان، وكِيلجه (١) وغيرهم. فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.
وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر. ومن نظر في كتابه «السنن» له تحير في حسن كلامه.
وقال: سمعت علي بن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مُقدَّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه.
وكان شافعي المذهب، له مناسك، ألَّفها على مذهب الشافعي، وكان ورعًا متحريًا، ألا تراه يقول في كتابه «الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع» ولا يقول فيه: «حدثنا» ولا «أخبرنا» كما يقول عن باقي مشايخه.
وذلك: أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين أبي عبد الرحمن خشونة، لم يمكنه حضور مجلسه، فكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه، فلذلك تورع وتحرى، فلم يقل: «حدثنا وأخبرنا» .
وقيل: إن الحارث كان خائضًا في أمور تتعلق بالسلطان، فقدم أبو عبد الرحمن فدخل إليه في زي أنكره، قالوا: كان عليه قباء طويل، وقلنسوة
стр. 196
طويلة، فأنكر زيه، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان، فمنعه من الدخول إليه، فكان يجيء فيقعد خلف الباب، ويسمع ما يقرؤه الناس عليه من خارج، فمن أجل ذلك لم يقل فيما يرويه عنه: «حدثنا، وأخبرنا» .
وسأل بعض الأمراء، أبا عبد الرحمن عن كتابه «السنن» : أكُلُّه صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردًا، فصنع المجْتَبى، فهو «المجتبى من السنن» ، ترك كل حديث أورده في «السنن» . مما تُكُلِّم في إسناده بالتعليل.
والله أعلم بالصواب.
стр. 197
الباب الخامس: في ذكر أسانيد الكتب الأصول المودعة في كتابنا هذا
أما «صحيح البخاري»
فأخبرنا بجميعه الشيخ الإمام العالم الأجل جمال الدين زين الإسلام أبو عبد الله محمد بن محمد بن سرايا بن علي بن نصر بن أحمد بن علي، أدام الله توفيقه بقراءتي عليه وهو يسمع، فأقر به، بمدينة الموصل، في مدة آخرها شهور سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ، بقية المشايخ، أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إسحاق بن إبراهيم الصوفي الهروي السِّجزي، قراءة عليه وأنا أسمع بمدينة السلام، في المدرسة النظامية في شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود ابن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداودي، قراءة عليه، وأنا أسمع في سنة خمس وستين وأربعمائة.
قال: أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّوية بن أحمد بن يوسف السرخسي خطيب سرخس، قراءة عليه، وأنا أسمع في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
стр. 198
قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، قراءة عليه وأنا أسمع، في سنة ست عشرة وثلاثمائة.
قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي، قراءة عليه بكتابه «الصحيح الجامع» جميعه.
وأما «صحيح مسلم»
فأخبرنا الشيخ الإمام الثقة أبو ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن عبد الوهاب بن أبي حِبة البغدادي ﵀ بقراءتي عليه وهو يسمع، فأقر به بمدينة الموصل، في شهور سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ العالم أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي ﵀، قراءة عليه وأنا أسمع، بمدينة السلام، في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ الجليل الحافظ أبو الفتح نصر بن الحسن بن أبي القاسم الشاشي المعروف بالتَّنْكُتي (١) ، قراءة عليه وأنا أسمع في شعبان من سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
قال: أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي.
قال: أخبرنا الإمام أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمروية الجلودي، قراءة
стр. 199
عليه [وأنا أسمع] في شهور سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
قال: سمعت الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه. في شهور سنة ثمان وثلاثمائة. يقول: سمعت الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم، وشرع في ذكر خطبة كتابه «الصحيح» ، وساق الكتاب ... إلى آخره.
وأخبرني بـ «صحيح مسلم» أيضًا: الشيخ الإمام الصدر الكبير العالم الحافظ، الزاهد العابد ضياء الدين، شيخ الإمام والمشايخ أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي الأمين، إجازة في سنة خمس وثمانين وخمسمائة بظاهر الموصل.
قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد الصاعدي الفراوي (١) إجازة في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
قال: أخبرنا عبد الغافر الفارسي عن الجلودي عن [أبي] إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم بن الحجاج.
فهذا الطريق أعلى من الطريق الأول برجل، إلا أنه إجازة، وذلك سماع.
وأما كتاب «الموطأ»
فأخبرنا بجميعه الشيخ الإمام، العالم الأَجَّلُ صائن الدين جمال الإسلام أبو الحرم مكي بن ريان بن شبة، المقرئ الماكسيني، أدام الله توفيقه، بقراءتي عليه فأقر به في مدة آخرها شهور سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، بمدينة الموصل.
стр. 200
قال: أخبرنا الشيخ الإمام العالم الثقة، صائن الدين، أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي القرطبي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع، بمدينة الموصل، سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، سماعًا عليه. قال: أخبرنا القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث.قال: أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبيد الله.قال: أخبرنا عم أبي عبيد الله بن يحيى.قال: أخبرنا أبي يحيى عن يحيى.
قال: أخبرنا مالك بن أنس ﵀ بجميع كتاب «الموطأ» .
وأما كتاب «السنن» لأبي داود
فإنه أخبرنا بجميعه الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد، ضياء الدين، أبو أحمد عبد الوهاب بن علي المقدَّم ذكره، بقراءتي عليه، وقراءة غيري، فأقر به بمدينة السلام، في رباط شيخ الشيوخ في ذي القعدة من سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو غالب بن الحسين بن علي المارودي سماعًا عليه، ومناولة بمدينة السلام.قال: أخبرنا الإمام أبو علي علي بن أحمد بن علي التستري بالبصرة.قال: أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، قراءة عليه.
стр. 201
قال: أخبرنا الإمام أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي.قال: أخبرنا الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني بجميع كتاب «السنن» .
وأما كتاب «الترمذي»
فأخبرنا به الشيخ الإمام الصدر العالم الزاهد العابد ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي المقدَّم ذكره، بقراءتي عليه، وقراءة غيري، بمدينة السلام في سنة ست وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الإمام أبو الفتح عبد الملك ابن أبي القاسم بن أبي سهل الكروخي الهروي، قراءة عليه وأنا أسمع فأقرَّ به.
قال: أخبرنا القاضي الزاهد أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد الأزدي، قراءة عليه وأنا أسمع، في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وأخبرنا الشيخ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي بن إبراهيم التُرياقي (١) والشيخ أبو بكر أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الغُورَجي، قراءة عليهما وأنا أسمع، في شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح الجراحي المروزي.قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي المَرزُباني قراءة عليه.
стр. 202
قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀ بكتاب «الجامع الكبير» ، إلا أن رواية الشيخ أبي القاسم الكروخي عن مشايخه انتهت إلى آخر مناقب جرير بن عبد الله البجلي، وهي في أواخر المجلد
الثالث من الأصل المسموع. ومن هناك إلى آخر الكتاب يرويه الكروخي عن الأزدي والغُورَجي، دون التُرياقي. وعن أبي المظفر علي بن علي بن ياسين بن الدهان عن الجراحي عن المحبوبي عن المصنف ﵀.
وأما كتاب «السنن» للنسائي
فأخبرنا بجميعه الشيخ الإمام الحافظ العالم بقية المشايخ، أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفُراتي الإمام الشافعي بمدينة السلام، في سنة ست وثمانين وخمسمائة، بقراءتي عليه.قال: أخبرنا الشيخ الفقيه العالم أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن محمُويَة اليزدي، قراءة عليه، وأنا أسمع، في شهور سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ العالم الزاهد أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن إسحاق الصوفي الدُّوني (١) ، قراءة عليه بأصفهان، في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين وأربعمائة وبقراءتي عليه ثانيًا في صفر من سنة خمسمائة.قال: أخبرنا القاضي أبو نصر أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله الكسَّار الدِّينَوَرِي، قراءة عليه بخانكاه دُوّن في شوال سنة ثلاثة وثلاثين وأربعمائة.
стр. 203
قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني الدِّينَوَرِي، قراءة عليه في داره بالدِّينور، في جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي [﵀] بكتاب «السنن» جميعه.
وأما كتاب «الجمع بين الصحيحين» للحُمَيْدِي [ رحمة الله عليه]
فأخبرنا جميعه الشيخ الإمام العالم الزاهد، ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي الأمين المقدَّم ذكره بقراءتي عليه، وقراءة غيري، بظاهر الموصل، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا والدي سماعًا من أول الكتاب إلى آخر الحديث الحادي والأربعين، من المتفق عليه لعبد الله بن عباس.والشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقي، قراءة عليه، من الحديث الثاني والأربعين، من المتفق عليه لابن عباس، إلى آخر الكتاب. وإجازة من والدي ومن الرقي لما لم أسمعه من كل واحد منهما، فكمل إلي الكتاب جميعه سماعًا وإجازة.
قالا: أخبرنا المصنف الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي بكتابه «الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم» .
стр. 204
وأما كتاب «رزين» (١)
فأخبرني به الشيخ الإمام العالم أبو جعفر المبارك بن المبارك [بن] أحمد بن زُرَيق (٢) الحداد المقرئ الواسطي إجازة، في سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري (٣) كتابة، في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.
[هذا آخر الركن الأول، ويتلوه الركن الثاني في المقاصد]
وهو مقسوم بعدد حروف المعجم: ثمانية وعشرين حرفًا.
وكتاب يتلو الحروف، وهو كتاب اللواحق الذي أشرنا إليه في الركن الأول وسيأتي عدد ما في كل حرف من الكتب عند ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 205
الركن الثاني
في مقاصد الكتاب
стр. 206
حرف الهمزة
وفيه عشرة كتب: كتاب الإيمان والإسلام، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، كتاب الأمانة، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كتاب الاعتكاف، كتاب إحياء الموات، كتاب الإيلاء، كتاب الأَسماء والكُنى، كتاب الآنية، كتاب الأَمل والأَجل.
الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام ، وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأول: في تعريفهما حقيقةً ومجازاً ، وفيه فصلان
الفصل الأول: في حقيقتهما وأركانهما
١ - (خ م ت س) عبد الله بن عمر: قال: قال رسولُ الله ﷺ : «بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبْدُهُ ورسولُهُ، ⦗٢٠٨⦘ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزّكاةِ، وحَجِّ البيت، وصومِ رمضان» .
وفي رواية أنَّ رَجُلاً قال له: ألا تَغْزُو؟ فقال له: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ الإسلامَ بُنيَ على خمسٍ ... » وذكَرَ الحديثَ.
وفي أخرى: «بُنِيَ الإسلام على خَمْسَةٍ: على أنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصيامِ رمضان، والحجِّ» ، فقال رجل: الحجِّ وصيامِ رمضان؟ قال: «لا، صيام رمضان والحجِّ» ، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .
وفي أخرى «بُنِيَ الإسلام على خمس: [على] أن يُعْبَدَ اللهُ ويُكْفَرَ بما دُونه، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان» أخرَجَ طُرُقَهُ جميعَها مسلمٌ، ووافَقَه على الأولى: الترمذي، وعلى الثانية: البخاريّ والنسائيّ (١) .
стр. 207
٢ - (م ت د س) يحيى بن يعمر: قال: كان أول من قال في القَدَر (١) بالبَصْرَةِ: مَعْبدٌ الجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أنا وحُمَيْدُ بنُ عبد الرحمن الحِمْيَريّ حَاجَّيْنِ، أو مُعْتَمِرَيْنِ، فقلنا: لو لَقِينا أحدًا من أصْحَابِ رسول الله ﷺ ⦗٢٠٩⦘ فسألناه عما يَقول هؤلاء في القَدَر؟ فَوُفِّقَ لنا عبدُ الله بن عمر بن الخطاب ﵁ داخلاً المسجد، فاكتنفتُه أنا وصَاحبي، أحدُنا عن يمينه، والآخَرُ عن شِماله، فظننتُ أنَّ صاحبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظَهَرَ قِبَلَنا أُنَاسٌ يَقرؤُون القُرآنَ، ويتَقَفَّرون الْعِلْمَ، وذكَرَ من شأنِهِمْ، وأنّهم يزعمون أن لا قَدَرَ، وأنَّ الأمْرَ أُنُفٌ، فقال: إذا لَقِيتَ أُولئك فأخْبِرْهم: أنِّي بَريءٌ منهم، أنَّهم بُرَآءُ مِني، والذي يَحْلِفُ به عبْدُ اللهِ بن عمر: لَوْ أن لأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدِ ذَهَبًا فأنفَقَهُ، ما قَبِلَ اللهُ منه حتَّى يُؤمِنَ بالقدَرِ، ثم قال: حدَّثَنِي أبي عُمرُ بنُ الخطَّاب، قال: بَيْنَما نحنُ جلوسٌ عند رسول الله ﷺ ذَاتَ يومٍ، إذ طَلعَ عليْنا رجلٌ شَديدُ بياض الثِّياب، شديدُ سوادِ الشَّعر، لا يُرى عليه أثرُ السَّفَر، ولا يعرفُه مِنَّا أحدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ ﷺ فأسْندَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ، ووَضعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيهِ وقال: يا محمَّدُ، أخبرني عن الإسلام، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : «الإسلام أن تَشهدَ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيْتَ إن استطعت إليه سبيلاً» . قال: صدقت، قال: فَعَجِبنا لَهُ يَسْألُه ويُصدِّقُه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أنْ تُؤمن باللهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكتبه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خَيْرِهِ وشَرِّهِ» . قال: صدَقْتَ، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ» . قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول ⦗٢١٠⦘ عنها بِأعْلَمَ من السَّائِلِ» . قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ، العالَةَ رِعاءَ الشاءِ يتَطاوَلون في البُنْيان» ، قال: ثم انطلَقَ، فلبِثَ (٢) مَليًّا ثم قال لي: «يا عمر، أتدري مَنِ السَّائل؟» قُلْتُ: الله ورسُولُه أعلم، قال: «فإنَّه جبريل أتاكم يُعلِّمُكم دينَكُمْ (٣) » ، هذا لفظُ مُسْلِمٍ.
قال الْحُمَيْدِيُّ: جَمعَ مُسلِمٌ فيه الروايات، وذكَرَ ما أوْرَدْنا من المَتْنِ، وأنَّ في بعض الرِّوايات زيادةً ونُقصانًا.
وأخْرَجهُ الترمذيُّ بنحوه، وتقديم بعضه وتأخيره.
وفيه: قال عُمرُ: فلقيني رسولُ الله ﷺ بعدَ ثلاثٍ، فقال لي: «يا عُمَرُ، هل تدري مَنِ السائل؟ ... » الحديث.
وأخرجه أبو داود بنحوه، وفيه «فَلَبِثَ ثلاثًا (٤) » .
وفي أخرى له: قال: فما الإسلام؟ قال: «إقامُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجُّ البيت، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة» . ⦗٢١١⦘
وفي أخرى لأبي داود: عن يحيى بن يَعْمَرَ، وحُمَيْد بن عبد الرحمن قالا: لَقِينَا عبد الله بن عمر، فذكرنا له القدَرَ، وما يقولون فيه؟ فذكر نحوه، وزاد: قال: وسأله رجل من مُزَينة، أو جهَينة، فقال: يا رسول الله، فيم نعمل؟ في شيء خلا ومضى، أو شيء يُستأنف الآن؟ قال: «في شيء (٥) خلا ومضى» . فقال الرَّجل- أوْ بَعْضُ القوم - ففيمَ العملُ؟ قال: «إن أهل الجنَّة مُيسَّرون (٦) لعمل أهل الجنة، وإنَّ أهل النار مُيسَّرون (٦) لعمل أهل النار» .
وأخرجه النّسائي مثلَ رواية مسلم، إلا أنَّه أسقط حديثَ يحيى بن يَعمَر، وذِكْرَ مَعْبَدٍ، وما جَرى له مَعَ ابنِ عُمَر في ذكر القَدَر - إلى قوله: «حتى تُؤمن بالقدَر» .
وأوَّلُ حديثه قال ابن عمر: حدّثني أبي - وسرد الحديث إلى قوله - «البُنيان» . ثم قال: قال عُمَرُ: فلبث ثلاثًا، ثم قال لي رسول الله ﷺ : «أتدري من السائل؟ ... » الحديث.
وزاد هو والترمذي وأبو داود بعد «العُراةِ» - «العَالَة» (٧) . ⦗٢١٢⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
القَدَر: القَدرُ: مصدر قَدَرَ يَقْدُر، وقد تُسكَّنُ داله، وهو ما قضاه الله تعالى، وحكم به من الأمور.
اكتنفه: كَنفْتُ الرَّجُلَ واكْتَنفتهُ، أي صرتُ مما يليه، وكذلك إذا قُمت بأمره.
سَيَكِلُ: وكَلت الأمر إليه أكِلُهُ: إذا رددته إليه، واعتمدت فيه عليه، واستكفيته إياه.
يقتفرون: الاقتفار، والتقفر، والاقتفاء، والاقتداء: الاتباع، يقال: اقتفرت الأرض والأثر، وتقفرت.
الأنف: أنف: أي مستأنف، من غير أن يسبق له سابق قضاء وتقدير، وإنما هو مقصور على الاختيار.
الإحسان: قال الخطابي: إنما أراد بالإحسان هنا: الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان، والإسلام معًا، وذلك أن من تلفظ بالكلمة، وجاء بالعمل من غير نية وإخلاص لم يكن محسنًا، ولا كان إيمانه صحيحًا.
رَبتها، وربها: الرب: السيد، والمالك، والصاحب، والمدبر، والمربي، والمولى، والمراد به في الحديث: السيد، والمولى، وهي الأمة تلد للرجل فيكون ابنها مولى لها، وكذلك ابنتها، لأنها في الحسب كأبيها، ⦗٢١٣⦘ والمراد: أن السبي يكثر، والنعمة تفشو في الناس وتظهر.
رعاء الشاء: الرعاء: جمع راع، والشاء: جمع شاة.
مَلِيّاً: المليُّ: طائفة من الزمان طويلة، يقال: مضى مليٌّ من النهار، أي: ساعة طويلة منه.
العالة: الفقراء: جمع عائل، والعيل: الفقر.
стр. 208
٣ - (خ م د س) أبو هريرة وأبو ذر ﵄: قال: كان رسول الله ﷺ يومًا بازرًا للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «أن تُؤمن بالله، وملائكته، وكتابه (١) ، ولقائه، ورُسُلِهِ، وتؤمنَ بالبعث الآخر» قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبُدَ الله، لا تُشْركُ به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان» . قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره (٢) فإنَّه يراك» . قال: يا رسولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلَمَ من السَّائل، ولكن سأُحَدِّثُكَ عَنْ أشْراطها: إذا ولَدت الأمةُ ربَّتها (٣) ، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العُرَاةُ الحفاةُ رُؤوسَ النَّاسِ، فذاك من أشراطها، وإذا تَطَاوَل رِعَاءُ ⦗٢١٤⦘ البَهُم في البينان، فذاك من أشراطها، في خَمْسٍ لا يعلَمُهنَّ إلا الله، ثم تلا رسولُ الله ﷺ : ﴿إن الله عنده عِلْمُ الساعةِ، ويُنزِّل الغيثَ، ويَعْلَمُ ما في الأرحام﴾ - إلى قوله: ﴿إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ﴾ (لقمان: الآية ٣٤) . قال: ثم أدْبَرَ الرجلُ، فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوا عليّ الرَّجُلَ» ، فأخذُوا لِيَرُدُّوه، فلم يَروْا شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : «هذا جبريلُ جاء ليُعَلِّم النَّاس دينَهمْ» .
وفي رواية قال: «إذا ولدتِ الأمة بعْلَها» يعني السَّرَارِي.
وفي أخرى نحوُه: وفي أوّلِه: أن رسول الله ﷺ قال: «سَلوني» فهابُوهُ أن يسألوهُ، فجاء رجلٌ، فجلس عند رُكْبَتَيْهِ، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام - وذكَرَ نحوَهُ- وزاد: أنّه قال له في آخر كل سؤال منها: صدقت - وقال في الإحسان: «أن تخشى الله كأنك تراه» . وقال فيها: «وإذا رأيتَ الْحُفاةَ الْعُراةَ الصُّمّ الْبُكْم ملوكَ الأرض، فذاك من أشراطها» - وفي آخرها - «هذا جبريل أراد أن تَعَلَّموا، إذ لم تَسألوا» . هذا لفظ البخاري ومسلم عن أبي هريرة وحده.
وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة وأبي ذرٍّ، بمثل حديثٍ قَبْلَه، وهو حديث يحيى ابن يَعمَر، وهذا لفظُهُ:
قال أبو هريرة وأبو ذر: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظَهْرَانَي أصْحابه، فيجيءُ الغريب، فلا يدري: أيُّهم هو حتى يسألَ، فطلبْنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعلَ له مجلسًا، يعرفُه الغريبُ إذا أتاه، قال: فبَنينا له ⦗٢١٥⦘ دُكَّانًا من طين يجلس عليه، وكُنا نجلس بجنبَتِهِ - وذكرَ نحو حديث يحيى بن يَعْمَر - فأقبل رجلٌ، وذكرَ هيْأتهُ، حتى سلَّم من طرف السِّماط (٤) ، فقال: السلام عليك يا محمدُ، فرَدَّ عليه النبي ﷺ .
وأخرجه النسائي عن أبي هريرة وأبي ذر بمثل حديث أبي داود، إلى قوله: من طين كان يجلس عليه، ثم قال: وإنَّا لجُلوسٌ ورسولُ الله ﷺ ، إذ أقبل رجلٌ أحسنُ الناس وجهًا، وأطيبُ الناس ريحًا، كأن ثيابَه لم يمسَّها دَنَس، حتى سلَّمَ من طرف السِّماط، قال: السلام عليك يا محمَّدُ، فردَّ ﵇، قال: أدْنُو يا محمَّد؟ قال: «أُدْنهْ» . قال: فما زال يقول: أدنُو مرارًا، ويقول: «أُدْنُهْ» حتى وضع يَدَهُ على ركبَتي رسول الله ﷺ .
قال: يا محمد، أخبرني ما الإسلام، قال: «الإسلام أن تعبد الله لا تُشركَ به شيئًا، وتُقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتحجَّ البيتَ، وتصومَ رمضان» . قال: وإذا فعلتُ ذلك، فقد أسلمتُ؟ قال: «نَعَمْ» . قال: صدقتَ، فلما سَمِعْنَا قَولَ الرَّجُل: صَدَقْتَ، أنكَرْنَاهُ. قال: يا محمّدُ، أخبِرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله (٥) والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالقدَرِ» قال: «فإذا فعلت ذلك، فقد آمنتُ؟» قال رسول الله ﷺ : «نَعم» قال: صدقت، قال: يا محمَّدُ، أخبرني: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه ⦗٢١٦⦘ يراك» . [قال: صدقت] (٦) ، قال: يا محمَّدُ، أخبرني: متى الساعةُ؟ قال: فَنكَّس، فلم يجبه شيئًا، ثم عاد، فلم يجبه شيئًا، ثم رفع رأسهُ، قال: «ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل، ولكن لها علاماتٌ تُعرَفُ بها: إذا رأيتَ رِعاءَ البَهْم يتطاوَلونَ في البُنيان، ورأيتَ الْحُفاةَ العُراةَ ملوك الأرض، ورأيتَ الأمةَ (٧) تلدُ ربَّها، في خمسٍ لا يعلمُها إلا الله، ﴿إنّ الله عندهُ علمُ الساعة﴾ - ثم تلا إلى قوله -: ﴿إنَّ الله عليم خبيرٌ﴾ (لقمان: الآية ٣٤) ، قال: لا والذي بعثَ محمدًا بالحقِّ هاديًا وبشيرًا، ما كنْتُ بأعلمَ به من رجل منكم، وإنه لجبريل نزل في صورة دِحيةَ الكَلْبيّ» (٨) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
البَهم: جمع بَهْمة، وهي صغار الغنم.
أشراطها: الأشراط: جمع شَرَط، وهو العلامة.
رؤوس الناس: أراد: مُقَدَّميهم، وسادَتَهُم.
الصُّمُّ: جمع أصم، وهو الذي لا يسمع شيئًا.
البُّكم: جمع أبكم، وهو الذي خُلق أخرس، لا يتكلم. ⦗٢١٧⦘
ظَهراني: يقال: أقام فلانٌ بين أظهر قومه، وظَهرانَي قومه: أي أقام بينهم، والأظهرُ: جمع ظهرٍ، وفائدةُ إدخاله في الكلام: أنَّ إقامتهُ بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم.
وأما ظهرانيهم: فقد زيدت فيه الألف والنون على ظهر، عند التثنية للتأكيد، وكأنَّ معنى التثنية: أنَّ ظهرًا منهم قُدَّامَهُ، وآخرَ وراءَهُ، فكأنَهُ مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن لم يكن مكنوفًا بينهم.
دكانًا: الدكَّان: الدكة المبنية للجلوس عليها.
السماط: السماطان من الناس والنخل: الجانبان، يقال: مشى بين السماطين، والمراد بالسماط: الجماعةُ من الناس الجلوسُ عنده.
دَنَس: الدنس: الوسخ، وقد دَنِس الثَّوْبُ إذا توسخ.
أُدْنُهُ: أمرٌ بالدنو، وهو القرب، والهاء فيه هاء السكت، جيءَ بها لبيان الحركة.
стр. 209
٤ - (خ م ت د س) أنس بن مالك ﵁: قال: «بينما نحن جُلوسٌ مع النبي ﷺ في المسجد، إذ دخل (١) رجلٌ على جمل، ثم أناخَهُ في المسجد، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثم قال [لهم] (٢) : أيُّكُمْ محمدٌ؟ والنبي ﷺ مُتَّكِئٌ بين ⦗٢١٨⦘ ظَهْرانَيْهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيضُ المتَّكئُ، فقال له [الرجل] (٣) : ابن عبد المطَّلب؟ فقال له النبي ﷺ : «قد أجبتُك» . فقال الرَّجل [للنبي] (٤) : إنِّي سائِلُك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تجِدْ عَليَّ في نفسك، قال: «سلْ عمّا بدا لك» . فقال أسألك بربك وربِّ من قَبْلَكَ، آللهُ أرْسلك إلى الناس كلِّهم؟ قال: «اللهم نعم» . قال: أنشُدُك بالله: آللَّهُ أمرك أن تُصليَ الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللَّهم نعم» . قال: أنشدُك بالله، آللَّهُ أمركَ أن تصوم هذا الشهر من السَّنَة؟ قال: [اللهم] (٥) نعم» . قال: أنشدك بالله، آللَّهُ أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقْسِمها على فقرائنا؟. فقال النبي ﷺ : «اللَّهم نعم» . قال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَنْ ورائي من قومي، أنا ضِمامُ بنُ ثَعْلبَة، أخو بني سعْد بن بكْرٍ. هذا لفظ البخاري.
وأخرجه مسلم، وهذا لفظه، قال أنس ﵁: نُهينا في القرآن أن نسألَ رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يُعْجِبُنا أنْ يَجيءَ الرَّجُلُ من أهل البادية العاقلُ، فيسألَهُ ونحن نسمعُ، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمدُ، أتانا رسولُك، فزعم لنا أنك تزعُمُ أنَّ الله أرسلك، فقال: «صدَقَ» . ⦗٢١٩⦘ قال: فَمن خلق السماء؟ قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» . قال: فمن نَصَبَ هذه الجبالَ وجعل فيها ما جَعَلَ؟ قال: «الله» . قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض، ونصبَ هذه الجبال، آللَّهُ أرسلك؟ قال: «نَعَمْ» . قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «صدق» . قال: فبالذي أرسلك، آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا؟ قال: «صَدَق» . قال: فبالذي أرسلك، آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» ، قال: وزعم رسولُك أن علينا صوم شهر رمضان في سَنتنا؟ قال: «صدق» . قال: فبالذي أرسلك، آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» ، قال: وزعم رسولك أنَّ علينا حَجَّ البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: «صدق» . قال: [فبالذي أرسلك. آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال] (٦) : ثم ولَّى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيدُ عليهنَّ، ولا أنقُصُ منهن، فقال النبي ﷺ : «لئن صدق ليدخلنَّ الجنة» .
وأخرجه الترمذي مثل رواية مسلم.
وأخرجه النسائي مثل رواية البخاري ومسلم.
وأخرج أبو داود منه طرفًا من أول رواية البخاري إلى قوله إنِّي سائِلك، ثم قال- وساق الحديث - ولم يَذْكُرْ لَفظهُ (٧) . ⦗٢٢٠⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
متكئ: قال الخطابي: كل من استوى قاعدًا على وَطاءٍ (٧) فهو متكئ، والعامة لا تعرف المتكئ، إلا من مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه.
فلا تَجدُ: يقال: وَجدتُ عليه أَجد موجدة - إذا غضبتُ عليه، يقول له: إني سائِلكَ فلا تغضب من سؤالي.
أَنشدك: يقال: نشدتُك بالله، ونَشَدْتُكَ اللهَ، أي سألتُك به، وأصله من النشيد، وهو رفع الصوت، فكأن معناه: طلبتُ إليك بالله برفع نشيدي: أي صوتي بطلبها.
стр. 210
٥ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ قال: بعث بنو سعد بن بكر ضِمام ابن ثعلبة إلى رسول الله ﷺ فقدِم إليه (١) ، فأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عَقَله، ثُم دخلَ المسجد - فذكر نحوه - قال: فأيُّكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : «أنا ابنُ عبد المطلب» . فقال: يا ابن عبد المطلب ... وساق الحديث. ⦗٢٢١⦘
هكذا أخرجه أبو داود (٢) ، ولم يذكر لفظ الحديث، وإنما أورده عقيب حديث أنس المذكور.
стр. 211
٦ - (س) أبو هريرة ﵁ قال: بينما النبي ﷺ مع أصحابه، جاءهم رجلٌ من أهل البادية، فقال: أيُّكم ابنُ عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأمْغَرُ المرتفِقُ - قال حمزة: الأمغَر: الأبيض المشوبُ بِحُمْرةٍ - قال: إنِّي سائِلُك، فَمشْتَدٌّ عليكَ في المسألَةِ، قال: «سلْ عمَّا بدا لك» ، قال: أنشُدُكَ بِرَبِّ مَنْ قَبْلكَ، ورب مَنْ بَعدَكَ: آللَّهُ أرسلكَ؟ قال: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» . قال: أنشُدُك به: اللَّهُ أمركَ أن تُصَلِّيَ خمسَ صلوات في كل يوم وليلة؟ قال: «اللَّهُمَّ نعم» . قال: فأنشُدُك به: آللَّهُ أمرك أن تأخُذَ من أموال أغنيائنا فَتَرُدَّهُ على فُقرائِنا؟ قال: «اللهم نعم» . قال: فأنشُدُكَ به، آللَّهُ أمرك أن تَصوم هذا الشهر من اثْنَيْ عشرَ شهْرًا؟ قال: «اللهم نعم» . قال: فأنشُدُكَ باللَّه، آللَّهُ أمرَك أن يَحُجّ هذا البيتَ مَن استطاع إليه سبيلاً؟ قال: «اللهم نعم» . قال: [فإني] (١) آمنتُ وصدَّقتُ، وأنا ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ. أخرجه النسائي (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
الأمْغَرُ: قد جاء تفسيره في الحديث: أنه الأبيض المشربُ بالحمرة، ⦗٢٢٢⦘ وفي كُتب الغريب: هو الأحمر، مأخوذٌ من المغرةِ، وقال الأزهري: أراد بالأمغر: الأبيض، كما أَراد في موضع آخر بالأحمر: الأبيض، بدليل قوله العرب: امرأةٌ حمراءُ، يَعْنونَ: بيضاء، ومنه قوله ﷺ لعائشة ﵂: «يا حُمَيْرَاءُ» (٣) والكل متقارب.
المرتَفِق: المتكئ على مرفقه.
стр. 212
٧ - (خ م ط د س) طلحة بن عبيد الله ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، من أهل نجد، ثائر الرأس، نَسْمَعُ دَوِيَّ صوته، ولا نَفْقَهُ ما يقولُ، حتى دَنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يَسْألُ عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : «خَمْسُ صلوات في اليوم واللَّيلة» . فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطَّوَّع» . فقال رسول الله ﷺ : «وصيامُ رمضانَ» . فقال: هلْ عليَّ غيرُه؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوّع» . قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاةَ، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا ⦗٢٢٣⦘ أنْ تطوع» . قال: فأدبَرَ الرجلُ، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقصُ منه. فقال رسول الله ﷺ : «أفْلَحَ إنْ صَدق، أوْ دَخَلَ الجنَّةَ إن صدق» . أخرجه البخاري ومسلم و «الموطأ» وأبو داود والنسائيّ (١) .
إلا أن أبا داود والنسائي قالا: «الصدقة» عوضَ «الزكاة» .
وقال أبو داود: «أفلح وأبيه إنْ صَدَق» .
وأخرجه النسائي أيضًا من رواية أخرى: «أنَّ أعرابيّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخْبِرْني ماذا فَرضَ اللهُ من الصلاة؟» قال: «الصلوات الخمس، إلا أنْ تطوّع، قال: أخبرني: ماذا فَرضَ الله عليَّ من الصوم؟» فذكرَ الحديث كما سبق.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
الثائر الرأس: الشعث الشعر، البعيد العهد بالغسل والتسريح والدَّهن.
الدوي (٢) : كصوت النحل وغيره.
نفقه: الفقه: الفهم والعلم، أي: لا يفهم كلامه. ⦗٢٢٤⦘
أفلح وأبيه: كلمة جارية على ألسن العرب، تستعملها كثيرًا في خطابها، وتريد بها: التأكيد، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه. فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى منه على عادة الكلام الجاري على الألسن، وهو لا يُقْصَد به القسم، كاليمين المعفوِّ عنها من قبيل اللغو، أو أنه أراد به التوكيد، لا اليمين، فإن هذه اللفظةَ تجري في كلام العرب على ضربين: للتعظيم، وللتأكيد، والتعظيمُ هو المنهيُّ عنه، وأمَّا التوكيد فلا، كقوله:
لَعَمْرُ أَبي الوَاشِينَ لا عَمرُ غَيْرِهِمْ ... لَقَدْ كَلَّفَتْني خِطَّةً لا أُرِيدُهَا
فهذا توكيد؛ لأنه لا يَقصدُ أَنْ يُقسِم بأبي الواشِينَ، وهذا في كلامهم كثير.
стр. 213
٨ - (خ م ت د س) عبد الله بن عباس ﵄ أتَتْه امرأةٌ تَسأله عن نبيذ الجرِّ، فقال: إنَّ وَفْدَ عبد القيس أتوا النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «مَنِ الوفدُ؟ - أو مَنِ القومُ -؟» قالوا: ربيعةُ، قال: «مَرْحبًا بالقوم، أو بالوفد، غيرَ خَزايا، ولا ندامَى» . قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيَك إلا في الشهر الحرام، فمُرْنا بأمرٍ فصلٍ، نُخبر به مَنْ وراءنا، وندخُلُ به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرَهم بالإيمان بالله وحدَهُ، قال: «هل تدرون ما الإيمانُ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ⦗٢٢٥⦘: «شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُؤدّوا خُمْسًا من المغنم» ، ونهاهم عن الدُّبَّاءِ والحنْتَم، والمزفَّت، النَّقير - قال شعبة: وربما قال: الْمُقَيَّر - وقال: «احفظوه» وأخبِروا به مَنْ ورَاءَكم» .
وفي رواية نحوه، قال: «أنهاكم عما يُنْبَذ في الدُّبَّاءِ والنَّقير والحنتم والمزفّت» .
وزاد في رواية قال: وقال رسول الله ﷺ للأشجّ - أشجِّ عبد القيس: «إنَّ فيك خَصلتَيْن يُحبُّهما الله تعالى: الحلمُ والأناة» .
وفي أخرى «شهادةُ أن لا إله إلا الله» وعقد بيدِهِ واحدةً. هذا لفظ البخاري ومسلم.
وأخرج الترمذي بعضه، وهذا لفظه: قال: لما قدم وفدُ عبد القيس على رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: إنَّا هذا الحيَّ مِن ربيعة، ولسنا نصلُ إليك إلا في الشهر الحرام، فمُرنا بشيء نأخذه عنك، وندْعو إليه مَنْ وراءَنا، قال: «آمركم بأربع: الإيمان بالله (ثم فسرها لهم بـ:) شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تُؤَدُّوا خُمْسَ ما غنِمتم» .
وأخرجه النسائي وأبو داود بطوله.
وأول حديثهما: لمَّا قدم وفدُ عبد القيس على رسول الله ﷺ ، فقالوا: ⦗٢٢٦⦘ يا رسول الله، إنَّا هذا الحيَّ من ربيعة، وقد حال بيننا وبينك كُفَّار مُضَر، وليس نَخلُصُ إليك إلا في شهر حرامٍ، فمُرنا بشيء نَأخُذُ به، ونَدْعو مَن وراءنا. وذكر الحديث مثل البخاري ومسلم. وفي أخرى لأبي داود «النَّقير والمقيَّر» ولم يذكر «المزفت» .
وفي أخرى له مختصرًا مثل الترمذي، إلا أن أولَها: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ : أمرهم بالإيمان بالله. قال: «أتدرونَ ما الإيمانُ بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله ... » وذكر الحديث، وقال في آخره: «وأن تعطوا الخمس من المغنم (١) » . ⦗٢٢٧⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
الجَرّ: والجِرار، جمع جرة، وهو من الخَزَف، معروف، وقيل: هو ما كان منه مَدْهونًا.
خزايا: جمع خَزيان، من الخزاية، وهي الاستحياء، وكذلك ندامى جمع ندمان، وهو فَعلان من الندم، وهذا البناء من أبنية المبالغة.
شُقّة: يقال: بيني وبينك شُقّةٌ بعيدة، أي: مسافة بعيدة، والشقة: السفر البعيد.
فصل: أمر فَصلٌ: أي: فاصل قاطع، لا رجعة فيه، ولا مردَّ له.
الدُّبَّاء: القرعُ، واحدها: دُبَّاءة.
الحَنتم: جرارٌ خُضْرٌ كانوا يخزنون فيها الخمرَ.
النقير: أَصلُ خشبةٍ تُنْقَرُ، وقيل: أصل نخلة.
المُزَفَّتُ: الوِعاء المطلي بالزِّفتِ من داخل، وكذلك المقيّر، وهذه الأوعية تُسرعُ بالشِّدَّة في الشَّراب، وتُحدث فيه القوة المسكرة عاجلاً.
وتحريم الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام، ثم نُسخَ وهو المذهب. ⦗٢٢٨⦘ وقال بعضهم: التحريم باقٍ، وإليه ذهب مالك، وأحمد بن حنبل.
стр. 214
٩ - (ت) علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمِنُ عبدٌ حتَّى يؤمِنَ بأربَع: يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأني محمدٌ رسولُ الله، بَعَثَني بالحق، ويؤمِن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموتِ، ويؤمن بالقدر» . أخرجه الترمذي (١) .
стр. 215
١٠ - (ط) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁ قال: إنَّ رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ بجاريةٍ له سوداء، فقال: يا رسول الله، [إن] (١) عليّ رقَبةً مُؤمنَةً، أفأعتقُ هذه (٢) ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «أتشهدين أن لا إله إلا الله» ؟ قالتْ: نعم، قال: «أتشهدين أنَّ محمَّدًا رسولُ الله» ؟ قالت: نعم. قال: «أتؤمنين (٣) بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : «اعْتِقْها» أخرجه «الموطأ» (٤) .