← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

٦٠٧٩ - (خ) عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «اشتدَّ غضبُ الله على مَن قتله نبيّ في سبيل الله، اشتد غضبُ الله على قَوْم أدْمَوْا وجهَ نبيّ الله» أخرجه البخاري (١) .

стр. 6302

٦٠٨٠ - (م ت خ) أنس بن مالك ﵁ «أن رسولَ الله ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُه يوم أُحُد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدمَ عن وجهه، ويقول: كيف يُفْلِحُ قوم شَجُّوا نبيَّهم، وكسروا ربَاعِيَتَهُ، وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عليهم أَو يُعَذِّبَهُمْ فإنَّهمْ ظَالِمون﴾ [آل عمران: ١٢٨] . أخرجه مسلم والترمذي، وأخرج البخاري ذكر الشَّجِّ والآية في ترجمة باب (١) . ⦗٢٥٣⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (شجَّ) رأسه: إذا شَق جلدَه وأجْرَى دمه. (يَسْلُت) سَلَتَ الدم عن الجرح: إذا مسحه.

стр. 6303

٦٠٨١ - (م) أنس بن مالك ﵁ أن رسولَ الله ﷺ كان يقول يوم أُحُد «اللهم إنك إنْ تَشَأْ لا تُعبَدْ في الأرض» . أخرجه مسلم (١) .

стр. 6304

٦٠٨٢ - (خ) السائب بن يزيد ﵁ قال: «صحبتُ ابنَ عوف، وطلحةَ بنَ عبيد الله، والمقدادَ، وسعداً، فما سمعتُ أَحداً منهم يحدِّث عن رسول الله ﷺ ، إِلا أَني سمعتُ طلحةَ يُحَدِّثُ عن يَوْمِ أُحُد» . أَخرجه البخاري (١) .

стр. 6305

٦٠٨٣ - (خ) جابر بن عبد الله ﵄ قال: «اصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَومَ أُحُد ناس [ثم] قُتِلُوا شُهَدَاءَ (١) » . ⦗٢٥٤⦘ أخرجه البخاري (٢) .

стр. 6306

٦٠٨٤ - (خ م) عائشة ﵂ ﴿الَّذينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] قالت لعروةَ: «يا ابنَ أُخْتي، كانَ أَبوَاكَ مِنْهُم الزبيرُ وَأَبو بَكْر، لمَّا أَصَابَ نبيَّ الله ﷺ ما أَصابَ يومَ أُحد، فانصرف عنه المشركون خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فقال: مَنْ يَذهبُ في إثْرِهِم؟ فانتدب منهم سبعون رَجُلاً، قال: كان فيهم أبو بكر والزُّبَيْرُ» . أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية: قال عُروة: قالت لي عائشةُ: «أَبَواكَ واللهِ من الذين استجابوا للهِ والرسولِ من بعد ما أصابهم القَرْحُ - زاد في رواية - تعني: أبا بكر والزبيرَ» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (القَرح) : الجُرح، وأراد به: ما نالهم من القتل والهزيمة. ⦗٢٥٥⦘ (فانْتَدب) أي: أجاب وبادر إلى الأمر المطلوب.

стр. 6307

غزوة الرَّجيع (١) قال البخاري: قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر: أنها بعد أُحُد (٢) . ٦٠٨٥ - (خ د) أبو هريرة ﵁ قال: «بَعَثَ النبيُّ ﷺ سَرِيَّة عَيْناً، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت (٣) - وهو جدُّ عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا، حتى إذا كانوا بين عُسْفَانَ ومكةَ ذُكِرُوا لِحَيّ مِنْ هُذَيل، يقال: لهم بنو لِحْيَان، فَتَبِعُوهُمْ بقريب من مائة رام، فاقْتَفَوْا آثارهم، حتى أَتَوْا منزلاً نَزَلُوهُ، فوجدوا فيه نَوَى تمر تَزَوَّدُوه من المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثربَ، فَتَبِعُوا آثارهم حتى لَحِقُوهُمْ، فلما أَحسَّ بهم عاصم وأصحابُه، لجؤوا إلى فَدفَد، وجاء القوم، فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق: إن نزلتم إلينا أنْ لا نَقْتُلَ منكم رَجُلاً، فقال عاصم: أمَّا أنا فلا أنزل في ذِمَّةِ كافر، اللهم أخْبِر عنَّا رسولَكَ، ⦗٢٥٦⦘ فقاتلوهم، فَرَمْوهُمْ حتى قَتلوا عاصماً في سبعةِ نَفَر بالنَّبْلِ، وَبَقِيَ خُبَيْب وزيد، ورجل آخرُ، فأعطَوْهُمُ العَهْدَ والميثاقَ، فلما أَعْطَوْهم العهدَ والميثاقَ نزلوا إِليهم، فلما استمكَنُوا منهم، حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِم فَرَبَطُوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهم: هذا أَوَّلُ الغَدْرِ، فأَبَى أَن يَصْحَبَهُم، فجرَّرُوهُ وعالجوه على أن يَصْحَبَهُمْ، فلم يفعلْ، فقتلوه، وانطلقوا بخُبَيْب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خُبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارثَ يومَ بدر، فمكثَ عندهم أسيراً، حتى إذا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، استعار موسى من [بعض] بنات الحارث، لِيَسْتَحِدَّ بها، فأعارَتْه، قالت: فَغَفَلْتُ عَنْ صَبيّ لي، فَدَرَجَ إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيتُهُ فَزِعتُ منه فَزْعَة عَرفَ ذلك مني، وفي يده الموسى، فقال: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ ما كنتُ لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيتُ أسيراً قَطُّ خيراً من خُبَيْب، لقد رأيتُهُ يأكلُ من قِطْفِ عِنَب وما بمكة يومئذ ثَمَرَة، وإنَّه لموثَق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله خُبَيْباً (٤) ، فلما خرجوا به من الحَرَم ليقتلوه، قال: دَعُوني أُصلِّي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تَرَوا أَنَّ ما بي جَزَع من الموت لَزِدْتُ، فكان أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الركعتين عند القتل، وقال: اللهم أحصِهِمْ عَدَداً. ⦗٢٥٧⦘ وقال: فَلَسْتُ أُبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلى أَيِّ شِقّ كَانَ في الله مَصْرَعِي وَذَلِكَ في ذَاتِ الإِلَهِ، وَإِن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أَوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثم قام إليه عُقبةُ بنُ الحارث، فقتله، وبعثتْ قريش إلى عاصم، ليُؤتَوْا بشيء من جسده بعد موته (٥) - وكان قَتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر - فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْرِ، فحمتْهُ [من رُسُلهم] ، فلم يقدروا منه على شيء» . وفي رواية قال: «بعثَ رسولُ الله ﷺ عَشْرَة رَهْط عيناً، وأَمَّر عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاريَّ - جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب -، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدْأَة، بين عسفان ومكةَ ... » وذكر الحديث. وفي رواية: «بقريب من مائتي رجل، [كلُّهم رامٍ] » ، وفيه: «لجؤوا إلى موضع» ، وفيه فقال عاصم: «أيها القوم، أما أنا» ، وفيه: «منهم خُبيب وزيد بن الدّثِنَّة» ، وفيه «حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خُبَيْباً» وفيه «فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ» ، وفيه قال: «اللهم أحصهم عَدَداً، واقتُلهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً» . ⦗٢٥٨⦘ وقال: وَلَسْتُ أُبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... عَلى أي جَنْب كان في الله مَصرَعي وذلك في ذاتِ الإله، وإن يشأْ ... يُبَارِكْ على أَوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثم قام إليه أبو سَروَعة، عقبةُ بن الحارث [فقتله] ، وكان خبيب هو سَنَّ لكلِّ مسلم قُتِلَ صبراً: الصلاةَ، وأخبر - يعني النبيَّ ﷺ أصحابَهُ يوم أصيبوا خَبَرَهُمْ، وبَعَثَ ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت، حين حُدِّثوا: أنه قُتِلَ - أن يُؤتَوْا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قَتَلَ رَجُلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظُّلَّةِ من الدَّبْرِ، فَحَمْتهُ من رُسُلهم، فلم يقدِروا أن يقطعوا منه شيئاً. أخرجه البخاري. وأخرجه أبو داود إلى قوله: «يستحدُّ بها» ، ثم قال: «فلما خرجوا به ليقتلوه، قال لهم خُبَيْب: دعوني أركعُ رَكْعتين، ثم قال: والله، لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدتُ» . وأخرجه في موضع آخر قال: «ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خُبَيْباً - وكان خُبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيراً، حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها، فأَعارته ... » وذكر الحديث إلى قوله: ما كنتُ لأفعلَ ذلك. قال أبو داود: وروى الزهريُّ هذه القصة، قال: أخبرني عبيد الله بن عياض: «أنَّ بنتَ الحارث أخبرتْهُ: أَنَّهم حين اجتمعوا - يعني لقتله - استعار ⦗٢٥٩⦘ منها موسى ليستحدَّ بها، فأعارتْهُ» ، وهذه الحكاية عن الزهريِّ قد أخرجها البخاريُّ أيضاً في رواية له (٦) . وفي رواية رزين زيادة: «قال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذِمّةِ كافر، اللهم أَخْبِرْ عَنَّا رسولَكَ، فجعل يرميهم ويقول: ما عِلَّتي وأنا جَلد نَابلُ ... والقوسُ فيها وتَرٌ عُنَابِلُ» [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فَدْفَد) الفَدْفَد: الموضع الذي فيه غِلَظٌ وارتفاع. (عالجوه) أي: مارسوه، وأراد به: أنهم خَدَعُوه لِيَتْبَعَهُم، فأبى. (ليستحدَّ) الاستحداد: حلق العانة. ⦗٢٦٠⦘ (قِطْفٌ) القِطْف: العُنْقُود، وهو اسم لكل ما يُقْطَف. (شِلْو) الشِّلْو: العضو من أعضاء الإنسان. (ممزَّع) الممزَّع: المفرَّق. (الظُّلّة) : الشيء الذي يُظَلِّل من فوق. (الدَّبْر) : جماعة النَّحْل. (بدَداً) البَدَد: المتفرِّقون أشتاتاً. (صَبراً) قَتْل الصَّبْر: هو أن يُقْتَل بأي أنواع القتل كان، من غير أن يكون في حرب ولا قتال. (نَابِل) النَّابل: الذي معه النَّبل. (عُنَابِل) العُنابل: الغليظ.

стр. 6308

٦٠٨٦ - (خ) جابر ﵁ قال: «الذي قتل خبيباً: هو أبو سَرْوعة» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6309

غزوة بئر معونة ٦٠٨٧ - (خ م) أنس بن مالك ﵁ قال: «بعثَ رسولُ الله ﷺ أقواماً من بني سُلَيم إلى بني عامر في سبعين» . ⦗٢٦١⦘ وفي رواية «أن النبيَّ ﷺ بعث خاله - أخاً لأمِّ سُلَيم، واسمه: حرام في سبعين راكباً، فلما قَدِمُوا قال لهم خالي: أَتَقَدَّمُكم، فإن آمنوني حتى أُبَلِّغَهم عن رسولِ الله ﷺ ، وإلا كنتم مني قريباً، فتقدَّم، فآمنوه، فبينما يُحدِّثهم عن رسولِ الله ﷺ ، إذ أَومَؤُوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فُزْتُ وربِّ الكعبة (١) ، ثم مالوا على بقية أصحابه، فقتلوهم، إلا رجلاً أعرجَ صَعِد الجبل. قال همام: وأُراه آخرَ معه، فأخبر جبريلُ ﵇ النبيَّ ﷺ أنهم قد لَقُوا ربَّهم، فرضي عنهم وأرضاهم، قال: فكُنَّا نقرأُ: «أن بَلِّغوا قومَنا أَنَّا قد لَقِينا رَّبنا، فرضي عَنَّا وأرضانا» ثم نسخ بعدُ، فدعا عليهم أربعين صباحاً على رِعْل وذَكْوان [وبني لِحْيان] وبني عُصَيَّة الذين عَصَوُا الله ورسولَهُ» . وفي رواية: «أن رِعلاً وذَكْوَانَ، وبني لِحيان استمدُّوا رسولَ الله ﷺ [على عدوّ] فأمدَّهم بسبعين من الأنصار كُنَّا نسمِّيهم: القُراءَ في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلُّون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر مَعُونةَ قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فقنتَ شهراً يدعو في الصبح على أَحياء من العرب، على رِعْل وذَكْوان وعُصيةَ وبني لحيان، قال أنس: ⦗٢٦٢⦘ فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إن ذلك رُفِعَ (٢) : بَلِّغوا [عَنَّا] قومَنا ... » وذكره. وفي رواية قال: «دعا رسولُ الله ﷺ على الذين قَتلوا أصحابَ بئرِ معونَة: ثلاثين صباحاً، يدعو على رِعْل وذَكوان [ولِحيان] وعُصَيَّةَ، عَصَتِ الله ورسولَهُ. قال أنس: فأنزلَ الله لنبيِّه في الذين قُتلوا في بئر معونةَ قرآناً قرأناه، حتى نسخَ بعدُ: أن بلِّغوا قومنا أنْ قد لَقينا رَّبنا، فرضي عنا، ورَضِينا عنه» . أخرجه البخاري ومسلم. وللبخاري عن أنس قال: «لما طُعِنَ حَرَامُ بنُ مِلْحان - وكان خالَه - يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا، فَنضحَه على وجهه ورأسه، ثم قال: فُزتُ وربِّ الكعبة» . ولمسلم قال: «جاء ناس إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلِّمونا القرآنَ والسُّنَّةَ، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القُرَّاءُ، فيهم خالي حَرَام، يقرؤون القرآنَ، ويتدارَسُون بالليل يتعلَّمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأَهل الصُّفَّة والفقراءِ، فبعثهم النبيُّ ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلُغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عَنَّا نَبِيَّنا: أنا قد لَقِيناكَ، ⦗٢٦٣⦘ فَرَضينا عنكَ، ورَضِيتَ عَنَّا، قال: وأتى رجل حَرَاماً - خالَ أنس - من خَلْفِهِ، فطعنه برُمح حتى أَنْفَذَهُ، فقالَ حَرَام: فُزْتُ وربِّ الكعبة، فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: إنَّ إخوانَكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بَلِّغْ عنا نبيَّنا: أنَّا قد لَقِينَاكَ، فَرَضِينا عنك، ورَضِيت عنا» . وفي رواية للبخاري «أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ خاله - أخاً لأمِّ سُليم - في سبعين راكباً، وكان رئيسَ المشركين عامرُ بن الطُّفَيل خَيَّر بين ثلاث خصال، فقال: يكونُ لك أهلُ السَّهْل، ولي أَهْلُ المدَرِ، أو أكون خليفتَك، أو أغزوكَ بَأهلِ غَطَفَان بألف وألف، فطُعِن عامر في بيت أُمِّ فلان، فقال: غُدَّة كَغُدَّة البَكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حَرَام أَخو أُمِّ سليم - وهو رجل أعرجُ - ورجل من بني فلان، قال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم قريباً، وإِن قتلوني أتيتُم أصحابَكم، فقال: أتؤْمنوني أن أبلِّغ رسالةَ رسولِ الله ﷺ ... » وذكر الحديث مثل الأولى. وهذه الرواية لم يذكرها الحميديُّ في كتابه، ولهذا الحديث روايات مختصرة، تتضمَّن ذِكْرَ القنوت، وقد ذكرناها في «كتاب الصلاة» من حرف الصاد (٣) . ⦗٢٦٤⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أهل السهل) أراد بأهل السهل: أهل البادية، فإنه جعل في مقابلها أهل المدر، وأهل المدر: هم أهل المدن والقرى. (طُعِنَ) الرجل: إذا رُمِيَ بالطاعون. (غُدَّةٌ) غدَّة البعير: الطاعون يطعن الذي يعرض له.

стр. 6310

غزوة فَزارة ٦٠٨٨ - (م د) سلمة بن الأَكوع ﵁ قال: «غَزَونا فَزارةَ، وعلينا أبو بكر، أَمّره رسولُ الله ﷺ ، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أَمَرَنا أبو بكر فَعرّسْنا، ثم شَنَّ الغارةَ، فورَدَ الماءَ فقَتَلَ من قَتل عليه، وسَبَى من سَبَى، وأَنظُرُ إلى عُنُق من الناس فيهم الذَّراريُّ، فخشيتُ أن يسبقوني إلى الجبل، فَرَمَيْتُ بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رَأَوُا السَّهْمَ وقفوا، فجئتُ بهم أَسُوقُهم، وفيهم امرأة من بني فزارة، عليها قَشْعٌ من أَدَم - قال: القَشْعُ: النِّطَعُ - معها ابنة لها من أحسن العرب، فَسُقْتُهُم حتى أتيتُ بهم أبا بكر فنفَّلني أبو بكر ابنتَها، فَقَدِمْنا المدينةَ، وما كشفتُ لها ثوباً، فلقيني رسولُ الله ﷺ في السوق، فقال: يا سلمةُ، هبْ لي المرأةَ، ⦗٢٦٥⦘ فقلتُ: يا رسول الله، لقد أعجبتني، وما كشفتُ لها ثوباً (١) ، ثم لقيني رسولُ الله ﷺ من الغدِ في السوق، فقال: يا سلمةُ، هب لي المرأةَ، لله أبوكَ، فقلتُ: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوباً، فبعث بها نبيُّ الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أُسِرُوا بمكةَ» ، أخرجه مسلم وأبو داود (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (شن الغارة) الغارة: النهب، وشَنُّها: تفريقها في كل ناحية. (عُنق) من الناس، أي: جماعة. (قَشْع) القَشْع: الجلد اليابس، وجمعه قِشَع، على غير قياس، لأن واحد قَشْع قَشْعة، مثل بَدْرَة وبِدَر.

стр. 6311

غزوة الخندق، وهي الأحزاب قال البخاري: قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع (١) . ⦗٢٦٦⦘ ٦٠٨٩ - (خ م ت) أنس بن مالك ﵁ قال: «خرج رسولُ الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يَحْفِرُون في غَداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع، قال: اللهم إن العيشَ عيشُ الآخره ... فاغفرْ للأنصار والمهاجره (٢) فقالوا مجيبين له: نحنُ الَّذينَ بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا» وفي رواية قال: «كانت الأنصار يوم الخندق تقول: نحنُ الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا فأجابهم النبيُّ ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ... فأكرم الأنصار والمهاجره» وفي أخرى قال: «جعل المهاجرون يحفرون الخندق حول المدينة وينقُلون التراب على مُتُونهم، وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا قال: يقول النبيُّ ﷺ وهو يجيبهم: ⦗٢٦٧⦘ اللهمَ لا خيرَ إِلا خيرُ الآخره ... فباركْ في الأنصار والمهاجره قال: فيُؤتَوْن (٣) بملء كَفّ (٤) من الشعير، فيُصنَع لهم بِإهَالَةٍ سَنِخَة توضع بين يدي القوم، والقومُ جياع، وهي بَشِعَة في الحَلْق، ولها ريح مُنكرَة» . أخرجه البخاري. وله ولمسلم: أن النبيَّ ﷺ قال: اللهم لا عيشَ إِلا عيشُ الآخرة ... فاغفرْ للأنصار والمهاجره ومنهم مَن قال: «فأصلحْ» ، ومنهم من قال: «فأكرمْ» ، وأخرج الترمذي هذا الأخير مثل مسلم (٥) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (بإهالة) الإهَالة: كل شيء من الأدهان مما يُؤتَدَم به. (سَنِخَة) السَّنِخَة: المُتَغَيِّرة الرائحة مثل الزَّنِخَة. (بَشِعة) البَشِع: الكريه الطَّعم.

стр. 6312

٦٠٩٠ - (خ م ت) سهل بن سعد ﵁ قال: «جاءنا رسولُ الله ﷺ ونحن نَحْفِرُ الخندق، وننقُلُ الترابَ على أكتادِنا (١) - وفي رواية -: على أكتافِنا- فقال النبيُّ ﷺ : اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرةِ، فاغفر للمهاجرين والأنصارِ» . أخرجه البخاري ومسلم. وأَخرجه الترمذي، ولم يذكر «أكتادَنا» (١) ، ولا «أكتافنا» ، وقال: «ونحن ننقُل الترابَ، فَبَصُرَ بنا، فقال ... » وذكره (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أكتادَنا) الأكتاد: جمع كَتَد، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر.

стр. 6313

٦٠٩١ - (خ م) البراء بن عازب ﵁ قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ ينقُلُ معنا الترابَ، وهو يقول: واللهِ لولا الله ما اهتدينا ... ولا صُمْنا ولا صَلَّينا ومنهم من يقول: ولا تصدَّقنا ولا صلَّيْنا. فأنْزِلَنْ سكينة علينا ... وثَبِّت الأقدام إِنْ لاقينا ⦗٢٦٩⦘ والمشركون قد بَغَوْا علينا ... إذا أرادوا فِتْنَة أَبَيْنا ويرفع بها صوته (١) . وفي رواية: «ولقد وَارَى الترابُ بياضَ بَطْنِهِ» . أخرجه البخاري ومسلم. وللبخاري قال: «كان رسولُ الله ﷺ ينقُلُ الترابَ يوم الخندق حتى اغْمَرَّ بطنُه- أو اغْبَرَّ بطنُهُ (٢) - زاد في رواية: حتى وَارَى عَنِّي الغبارُ جِلْدَةَ بطنه، وكان كثيرَ الشَعر (٣) ، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رَوَاحَةَ، ثم اتفقا - ويقول: والله لولا الله ما اهتدينا. وذكر الحديث. قال: ويرفع بها صوته: أَبَيْنا، أبينا» (٤) . ⦗٢٧٠⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (اغمرَّ بطنه) أي: وارى التراب جلده وسَتَره.

стр. 6314

٦٠٩٢ - (م) يزيد بن شريك (١) ﵀ قال: «كُنَّا عند حُذَيفة، فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ الله ﷺ ، قاتلتُ معه وأَبْلَيْتُ، فقال حُذَيفةُ: أنتَ كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ ليلةَ الأحزاب، وأَخَذَتْنا ريح شديدة وقُرّ، فقال رسولُ الله ﷺ : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتْنا، فلم يُجِبْه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ [فسكتنا] ، فلم يُجِبْه منا أحد، [ثم قال: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتْنا، فلم يجبه منا أحد] ، فقال: قم يا حذيفةُ [فَائْتِنا بخبر القوم] فلم أَجد بُدّاً إذ دعاني باسمي إلا أن أقومَ، قال: اذهب، فائتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم عليَّ (٢) ، فلما وَلَّيْتُ من عنده جعلتُ كأنما أمشي في حمَّام حتى أتيتُهم، فرأيت أبا سفيان يَصْلِي ظهره بالنار، فوضعتُ سهماً في كَبِد القوس، فأردت أن أرميَهُ، فذكرتُ قولَ رسول الله ﷺ : لا تَذْعَرْهم عليَّ، ولو رميتُهُ لأصبتُه، فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحمّام، فلما أتيتُه، ⦗٢٧١⦘ فأخبرتُهُ خبر القوم، وفرغتُ، قُرِرْتُ فألبَسَني رسولُ الله ﷺ من فَضْل عباءَة كانت عليه يُصَلِّي فيها. فلم أَزلْ نائماً حتى أصبحتُ، فلما أصبحت قال: قم يا نَوْمَان» . أخرجه مسلم (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يَصْلِي ظهره) صليت اللحم أصْلِيه صَلْياً: إذا شويته، وصليت الرجل ناراً: إذا أدخلته فيها، فجعلته يصلاها، والمراد به هاهنا: إدْفاء ظهره بالنار. (كَبِدُ القَوْس) : وسطها. (قُرِرْت) أقرّ: أي أصابني القُرُّ، وهو البرد. (يا نَوْمان) النَّوْمان: كثير النوم، قال الجوهري: وهو مختص بالنداء.

стр. 6315

٦٠٩٣ - (خ) سليمان بن صُرَد ﵁ قال: «سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: - حين أَجْلى الأحزابَ عنه - الآن نَغْزُوهم، ولا يغزونا، نحن نسير إِليهم (١) » أخرجه البخاري (٢) .

стр. 6316

٦٠٩٤ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أولُ مَشْهَد شهدتُهُ [يومُ] الخَندقِ (١) » . أخرجه البخاري (٢) .

стр. 6317

مرجع النبي ﷺ وخروجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم ٦٠٩٥ - (خ م) عائشة ﵂ قالت: «لما رجعَ رسولُ الله ﷺ من الخندق، ووضعَ السلاحَ واغتسل، أتاه جبريل فقال: قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم، قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا- وأشار إلى بني قريظة - فخرج النبيُّ ﷺ إليهم» . وفي رواية قالت: «أُصِيبَ سعد يومَ الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حِبَّان بن العَرِقة، رماه في الأكْحَل، فضربَ عليه رسولُ الله ﷺ خَيْمة في المسجد، ليعودَهُ من قريب، فلما رجع رسولُ الله ﷺ من الخندق، وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريلُ وهو يَنْفُض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعتُه، اخرج إليهم، فقال النبيُّ ﷺ فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسولُ الله ﷺ ، فنزلوا على حُكْمِهِ، فردَّ الحُكْمَ إلى سعد، قال: فإني أحْكُمُ فيهم: أن تُقْتَل المقاتِلةُ، وأن تُسْبى النساءُ والذُّرِّيَّةُ، وأن تُقسَمَ أموالُهم» ، قال هشام: ⦗٢٧٣⦘ فأخبرني أبي عن عائشة أن سعداً قال: «اللهم إنكَ تعلم أنه ليس أحد أحبَّ إليَّ أن أُجاهدَهم فيك من قوم كذَّبوا رسولَك وأخرجوه، اللهم فإني أظنّ أنك قد وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني [لهم] حتى أجاهدَهم فيك، وإن كنتَ وضعتَ الحرب فافْجُرْها واجعل موتي فيها، فانفجرتْ من لَبّته، فلم يَرُعْهم - وفي المسجد خيمة من بني غِفار - إلا الدمُ يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلكم؟ فإذا سعد يَغْذُو جُرحُه دماً، فمات منها» . أخرجه البخاري. وأخرج مسلم إلى قوله: «وتُقْسَمَ أموالُهم» ، ولم يسمّ فيها اسمَ ابنِ العَرِقة، إنَّمَا قال: «رماه رجل من قريش: ابنُ العَرِقَةِ» ، وقال فيه: «والله ما وضعناه» ، وقال عن هشام: «قال أبي: فأُخبِرتُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: لقد حَكَمْتَ فيهم بِحُكْمِ الله» . وله في أخرى عن هشام قال: «أخبرني أبي عن عائشةَ أن سعداً قال: - وتحجَّر كَلْمُه للبُرْءِ - فقالَ: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحَبَّ إليَّ أن أُجاهدَ فيك من قوم كَذَّبوا رسولكَ وأخرجوه، اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدْهم فيك، اللهم فإني أظنُّ أنكَ قد وضعتَ الحرب بيننا وبينهم، فإن كنتَ قد وَضَعْتَ الحرب بيننا وبينهم فافْجُرها، واجعل موتي فيها، فانفجرت من لَبَّته ... وذكر باقيه ... إلى قوله: فمات فيها» . ⦗٢٧٤⦘ وفي رواية له قال بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: «فانفجرت من ليلته (١) ، قال: فما زال يسيل حتى مات» ، وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر: ألا يا سعد، سعد بني معاذ ... فما فعلت (٢) قريظة والنضير؟ لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لَهُوَ الصبور تركتم قِدْرَكم (٣) لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور (٤) وقد قال الكريم (٥) أبو حباب ... أقيموا قينقاع ولا تسيروا وقد كانوا (٦) ببلدتهم ثقالاً (٧) ... كما ثقلت بميطان (٨) الصخور (٩) ⦗٢٧٥⦘ هذا الشعر لم يذكره الحميديُّ في كتابه. وأخرج أبو داود من أوله طرفاً في «باب عيادة المريض مراراً» ، وهذا لفظه: قال: «لما أُصِيب سعدُ بنُ معاذ يوم الخندق رماه رجل في الأكْحَلِ، فضرب عليه رسولُ الله ﷺ خيمة في المسجد ليعودَه من قريب» . وأخرج النسائي أيضاً مثلَ أبي داود (١٠) . وحيث اقتصرا على هذا القدر لم نُثْبِتْ لهما علامة، وقد ذكرنا ما أخرجاه في عيادة المريض من «كتاب الصحبة (١١) » من حرف الصاد. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (في الأكْحَل) الأكْحَل: عِرْقٌ في وسط اليد يكثر فَصْدُه. (فلم يَرُعْهُم إلا كذا) أي: لم يفزعهم إلا هو، والرَّوْع: الفزَع. (يَغْذُو) غذا الجرح - بالذال المعجمة - يغذو غَذْواً: إذا سال دماً. (تَحَجَّر كَلْمُه) الكَلْم: الجُرْح، وتحجُّره: اشتداده وقوته، أي: صار مثل الحجر قوياً لا وجع به.

стр. 6318

٦٠٩٦ - (خ م) عبد الله بن عمر ﵄ «أن النبيَّ ﷺ لما رجع من الأحزاب قال: لا يُصَلِّينَّ أحد العصرَ (١) إلا في بني قُريظة، فأدرك بعضُهم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلي حتى نأتيَها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِدْ ذلك منا، فذُكر للنبيِّ ﷺ ، فلم يُعَنِّفْ أحداً منهم» . أخرجه البخاري ومسلم (٢) .

стр. 6319

٦٠٩٧ - (خ) أنس بن مالك ﵁ قال: «كأني أنظر إِلى الغُبارِ سَاطِعاً في زُقاق بني غَنْم، موكبُ جبريل، حين سار رسولُ الله ﷺ إلى بني قريظةَ» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6320

٦٠٩٨ - (ت) جابر بن عبد الله ﵄ «أنَّ سعدَ بنَ معاذ رُمِيَ يوم الأحزاب، فقطعوا أَكْحَلَه - أو أَبْجَلَه - فَحسَمه رسولُ الله ﷺ بالنار، فانْتَفَخَتْ يدُه، فتركه، فَنَزَفه الدمُ، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تُخْرِجْ نفسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عِرْقُه، فما قَطَر قَطْرَة حتى نزلوا إِلى رسولِ الله ﷺ على حكمه، فَحكَم فيهم: أن يُقْتَل رجالهم، وتُسْتَحْيا نساؤهم، يستعين بهنَّ المسلمون، فقال رسولُ الله ﷺ : أَصَبْتَ حُكْمَ الله فيهم، وكانوا أربعمائة، قال: فلما فرغ من قتلهم انْفَتَقَ عِرْقُه، فمات» . أخرجه الترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أبجله) الأبْجَلُ: عرق، وهو من الفرس والبعير بمنزلة الأكحل من الإنسان. (فَحَسَمه) الحَسْمُ: الكيُّ لينقطع الدم. (تُستحيا) الاستحياء: الإبقاء، وهو استفعال من الحياة.

стр. 6321

٦٠٩٩ - (خ م د) أبو سعيد الخدري ﵁ قال: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى سعد، فأتى ⦗٢٧٨⦘ على حمار، فلما دنا من المسجد - وقال مسلم: قريباً من المسجد - قال للأنصار: قوموا إلى سيّدِكم - أو قال: خيرِكم- فقال: هؤلاءِ نزلوا على حُكْمِكَ، فقال: تُقتَل مُقاتِلتُهم، وتُسْبَى ذَرارِيهم، فقال رسولُ الله ﷺ : قضيتَ بحكمِ الله، وربما قال: بحكم المَلِكِ» . ولمسلم: «لقد حَكَمْتَ فيهم بحكم الله» . وقال مرة: «بحكم الملك» . أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج أبو داود إلى قوله: «خيركم» . وفي رواية: «على حمار أقمَرَ» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أقمر) الأقمر من الألوان: هو الأبيض، يقال: حمار أقمر.

стр. 6322

٦١٠٠ - (ت د س) عطية القرظي ﵁ قال: «عُرِضْنا على رسولِ الله ﷺ يومَ قريظةَ، فكلُّ من أنْبَت قُتِل، وكلُّ من لَم يُنبِتْ خُلِّيَ سبيلُه، فكنتُ ممن لم يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سبيلي» . أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وللنسائي قال: «كنتُ يومَ حُكمِ سعد في بني قريظة غلاماً، ⦗٢٧٩⦘ فَشَكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فَاسْتُبْقِيتُ، فها أنذا بين أظهركم» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (أنبتُّ) أراد بالإنبات: نبات شعر العانة، فجعله علامة على البلوغ، وليس ذلك حدّاً إلا في أهل الشرك عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل ﵀: الإنبات: حدٌّ يقام به الحدُّ على من أنبت، ويحكى مثل ذلك عن مالك ﵀: فأما مَن جعله مخصوصاً بأهل الشرك: فيشبه أن يكون أن أهل الشرك لا يوقف على بلوغهم من جهة السن، ولا يمكن الرجوع إلى قولهم لأنهم مُتهمون في ذلك لدفع القتل عنهم، وأداء الجزية، وغير ذلك من الأحكام، بخلاف المسلمين، فإنهم يمكن أن تعرف أوقاتُ [بلوغهم] [و] ولادتهم.

стр. 6323

٦١٠١ - (د) عائشة ﵂ قالت: «لم يُقتَل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، إنها لَعندي تَحَدَّثُ، وتضحك ظَهْراً وبَطْناً، ورسولُ الله ﷺ يقتلُ رجالهم بالسيوف، إذ هتف بها هاتف باسمها: أين ⦗٢٨٠⦘ فلانة؟ قالت: أنا، فقلتُ: وما شأنكِ؟ قالت: حَدَث أَحْدَثْتُه، فانْطُلِق بها فضُرِبَ عنقُها، فما أنْسى عجباً منها: أنها كانت تَضْحَكُ ظَهْراً وبَطْناً، وقد علمتْ أنها تُقْتَلُ» . أخرجه أبو داود (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (حَدَث) قال الخطابي: يقال: إن الحدث الذي أحدثته: أنها شتمت النبي ﷺ .

стр. 6324

٦١٠٢ - (خ م) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان الرجل يجعلُ للنبيِّ ﷺ النَّخلات، حتى افْتَتَحَ قريظةَ والنضيرَ، فكان بعد ذلك يردُّ عليهم» . أخرجه البخاري، وهو طرف من حديث قد أخرجه هو ومسلم، وقد تقدَّم ذِكْرُه في «كتاب السخاء» من حرف السين (١) .

стр. 6325

غزوة ذات الرِّقاع قال البخاري: وهي غزوة محارب خصفة (١) من بني ثعلبة، من غطفان، فنزل نخلاً، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر (٢) ⦗٢٨١⦘ قال (٣) : وقال أبو هريرة: " صليت مع رسول الله ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف " وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي ﷺ أيام خيبر (٤) . ٦١٠٣ - (خ م) جابر بن عبد الله ﵄ «أن رسولَ الله ﷺ صلّى بأصحابه في الخوف غزوة السابعة: غزوةَ ذات الرِّقاع» . أخرجه البخاري ومسلم (٥) ، وقد تقدَّم لهما طُرُق طويلة تتضمَّن ذِكْر صلاةِ الخوف، وذكرناها في «كتاب الصلاة» ، من حرف الصاد. قال البخاري: وقال ابنُ عباس: «صلَّى رسولُ الله ﷺ [صلاةَ] الخوف بذي قَرَد» (٦) . وفي رواية عن جابر قال: «خرج النبيُّ ﷺ إِلى ذات الرِّقَاعِ من ⦗٢٨٢⦘ نخل، فلقَي جمعاً من غَطَفان، فلم يكن قِتال، وأخاف الناسُ بعضهم بعضاً، فصلَّى رسولُ الله ﷺ ركعتي الخوف» (٧) . وفي أُخرى عن أبي موسى: أن جابراً حدَّثهم: «صلى النبيُّ ﷺ بهم يوم مُحارِبَ وثعلبة» (٨) .

стр. 6326

٦١٠٤ - (خ م) أبو موسى الأشعري ﵁ قال: «خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ في غَزَاة ونحن سِتَّةُ نَفَر، بيننا بعير نَعْتَقِبهُ، فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَتْ قدمايَ، وسقطتْ أظفاري، فكنا نَلُفُّ على ⦗٢٨٣⦘ أرجلنا الخِرَقَ، فسُمِّيت: غزوة ذات الرِّقاعِ، لِمَا كنا نَعْصِبُ من الخِرَق على أرجلنا، قال: وحدَّث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، وقال: ما كنتُ أصنعُ بأن أَذْكُرَهُ؟ كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفْشَاه» . أخرجه البخاري ومسلم. وفيه في كتاب مسلم: قال أَبو أُسامة: وزادني غيرُ بُرْيد: «واللهُ يُجزي به» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (نَعْتَقِبُه) اعتقاب المركوب: هو أن يركبه واحدٌ بعد واحد. (نقِب) البعير، بالكسر: إذا رَقَّت أخفافه، والمراد به: تقرَّحت وتنفَّطت.

стр. 6327

٦١٠٥ - (خ م) جابر بن عبد الله ﵄ «غزا مع رسولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْد، فلما قَفَل رسولُ الله ﷺ قَفَل معه، فأدركتْهم القائلةُ في واد كثيرِ العِضَاهِ، فنزل رسولُ الله ﷺ ، وتفرَّق الناس في العِضاهِ، يستظلُّون بالشجر، ونزلَ رسولُ الله ﷺ تحت سَمُرة، فعلَّق بها سَيْفَهُ، قال جابر: فَنِمْنا نَوْمَة، ثم إذا رسولُ الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا ⦗٢٨٤⦘ عنده أعرابيّ جالس، فقال رسولُ الله ﷺ : إنَّ هذا اخْتَرَطَ عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صَلْتاً، فقال لي: مَن يمنعكَ مني؟ قلتُ: الله، فها هو ذا جالس، ثم لم يُعاقبْهُ رسولُ الله ﷺ » . أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدَّم ذلك أيضاً في «صلاة الخوف» من حرف الصاد (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (العِضاه) : كل شجر له شوك. (سَمُرة) السَّمُرةُ: نوع من شجر العِضاه. (اخترط) السيف: إذا سَلَّه. (صلتاً) الصَّلْت: المشهور، أصلتُّ السيف: إذا شهرتَهُ.

стр. 6328

غزوة بني المُصْطَلِق من خزاعة قال البخاري: وهي غزوة المُرَيسيع، قال: وقال ابن إسحاق: [وذلك]⦗٢٨٥⦘ سنة ست (١) ، قال: وقال موسى بن عقبة: سنة أربع (٢) ، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (المُرَيْسيع) : ماء معروف بالحجاز. ٦١٠٦ - (خ م د) عبد الله بن عون (٤) [بن أرْطَبان المزني البصري] قال: «كتبتُ إِلى نافع: أسألُه عن الدعاء قبل القتال؟ فكتب إِليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسولُ الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارُّون وأنعامُهم تُسْقَى على الماء، فقَتل مقاتلتهم، وسَبَى ذراريهم، وأصاب يومئذ جُويرية» حدثني به عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش. ⦗٢٨٦⦘ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود (٥) ، إِلا أن في كتاب مسلم: قال يحيى بن يحيى: أحسبه قال: «جويرية» ، أو «أَلبتَّة» [بنت الحارث] (٦) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (غارُّون) الغرّة: الغفلة، والغارّ: الغافل.

стр. 6329

غزوة أنْمَار ٦١٠٧ - (خ) جابر بن عبد الله ﵄ قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ في غزوة أنمار يُصَلّي على راحلته، متوجّهاً قِبَلَ المشرق، مُتطوعاً» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6330

غزوة الحُدَيْبِيَة ٦١٠٨ - (خ د) عروة بن الزبير ﵄ عن المِسْوَر بن ⦗٢٨٧⦘ مَخْرَمَة ومَرْوان - يُصدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه - قالا: «خرج النبيُّ ﷺ زَمَن الحُدَيْبِيَةِ، حتى إِذا كانوا ببعض الطريق قال النبيُّ ﷺ : إِنَّ خالدَ بنَ الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذاتَ اليمين، فوالله ما شَعَر بهم خالد، حتى إذا همَّ بقَتَرة الجيش، فانطلق يركُضُ نذيراً لقريش، وسار النبيُّ ﷺ حتى إذا كان بالثَّنِيَّة التي يُهْبَطُ عليهم منها بَرَكَتْ به راحلتُهُ، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ، فقالوا: خَلأَتِ القَصوَاءُ، خَلأَتِ القصواءُ، فقال النبيُّ ﷺ : ما خلأتِ القصواءُ، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حَبَسها حَابِسُ الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّة يعظّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتُهم إِياها، ثم زجرها، فوثَبَتْ، قال: فَعَدَلَ عنهم حتى نزل بأقصى الحُدَيبية على ثَمَد قليلِ الماء، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبرُّضاً، فلم يلبثِ الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العطشُ، فانْتَزَع سهماً من كِنانَتِه، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيِّ حتى صَدَرُوا عنه، فبينا هم كذلك إذْ جاءَ بُدَيلُ بنُ وَرْقَاءَ الخزاعيُّ في نفر من قومه من خُزاعةَ - وكانوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسولِ الله ﷺ من أهل تِهامةَ - فقال: إني تركْتُ كَعْبَ بنَ لُؤيّ وعامرَ بن لؤيّ نزلوا أعدادَ مياه الحديبية، معهم العُوذُ المطَافِيل، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، فقال رسولُ الله ﷺ : إِنا لم نجئْ لقتالِ ⦗٢٨٨⦘ أحد، ولكنا جئنا مُعتمِرين، وإنَّ قريشاً قد نَهَكَتْهُم الحربُ، وأضرَّتْ بهم، فإِن شاؤوا مَادَدْتُهم مُدَّة، ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أَظْهرْ عليهم، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أَبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا، حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتي، ولَيُنْفِذَنَّ الله أمرَه، فقال بُديل: سأُبلِّغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً، فقال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وقد سمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرِضَهُ عليكم فَعَلْنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجةَ لنا أن تُخبرَنا عنه بشيء، وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سمعتَه يقول، قال: سمعتُه يقول كذا وكذا - فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ فقام عروةُ بنُ مسعود، فقال: أي قوم، ألَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أَوَلَسْتُ بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتَّهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني اسْتَنْفَرْتُ أهلَ عُكاظ، فلما بَلَّحوا عليَّ جئتُكم بأهلي وولدي ومن أطاعَني؟ قالوا: بلى، [قال] : فإن هذا قد عرض عليكم خُطَّة رُشْد، اقْبلوها، ودعوني آتِهِ، قالوا: ائْتِهِ، فأتاه، فجعل يكلِّم النبيَّ ﷺ ، فقال له النبيُّ ﷺ نحواً من قوله لبُديل، فقال عروةُ عند ذلك: أيْ محمدُ، أرأيتَ إِن اسْتَأصَلْتَ أمر قومك، هل سمعتَ بأحد من العرب اجْتَاحَ أصلَه قَبْلَكَ؟ وإن تكن الأخرى، فإني واللهِ لأرَى وجوهاً، وإني لأرى أَوشاباً من الناس، لَخَلِيقاً أن يَفِرُّوا ⦗٢٨٩⦘ ويَدَعُوكَ، فقال له أبو بكر: امْصُصْ بِبَظْرِ اللات، أنحنُ نَفِرُّ عنه وَنَدَعُهُ؟ فقال: مَن ذَا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لكَ عندي لم أَجْزِك بها لأجبْتُك، قال: وجعل يكلِّم النبيَّ ﷺ ، فكلما كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شُعبةَ قائم على رأس النبيِّ ﷺ ، ومعه السيف، وعليه المِغْفَرُ، فكلما أهْوَى عروةُ بيده إلى لحيةِ رسولِ الله ﷺ ضرب يدَه بنَعْل السيف، وقال: أَخِّرْ يَدَك عن لحية رسولِ الله ﷺ ، فرفع عُروةُ رأسَهُ، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَرُ ألستُ أَسْعَى في غَدْرتِكَ؟ - وكان المغيرةُ صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبيُّ ﷺ : أمَّا الإسلامُ فأقبلُ، وأمَّا المالُ فلستُ منه في شيء - ثم إن عروةَ جعلَ يَرْمُقُ أصحاب النبيِّ ﷺ بعينه، قال: فوالله ما تَنَخَّمَ رسولُ الله ﷺ نُخامة إلا وقعتْ في كفّ رجل منهم فدَلَك بها وجهه وجِلْدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروةُ إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وَفدتُ على الملوك، وَوَفَدْتُ على كسرى وقيصرَ والنجاشيِّ، والله إِنْ رأيتُ مَلِكا قَطُّ يُعظِّمُهُ أصحابُهُ ما يعظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمداً، والله إِنْ تَنخَّم نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على ⦗٢٩٠⦘ وَضوئه، وإِذا تكلَّم خَفَضُوا أصواتَهم عنده، وما يُحِدُّون إِليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْد فاقبلوها، فقال رجل من بني كِنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ائْتِه، فلما أشرف على النبيِّ ﷺ وأصحابه، قال رسولُ الله ﷺ هذا فلان، وهو من قوم يُعظِّمون البُدْنَ، فابعثوها له [فَبُعِثت له] واستقبله الناسُ يُلبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَزُ بنُ حفص، فقال: دعوني آتِه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبيُّ ﷺ : هذا مِكْرَزُ بنُ حفص، وهو رجل فاجر، فجعل يكلِّم النبيَّ ﷺ ، فبينا هو يكلِّمه، [إذْ] جاء سُهيل بن عمرو - قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل، قال النبيُّ ﷺ : قد سَهُل لكم من أمركم. قال معمر: قال الزهريُّ في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتِ اكْتُبْ بيننا وبينك كتاباً، فدعا النبيُّ ﷺ الكاتب، فقال النبيُّ ﷺ : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنتَ تكتبُ، فقال المسلمون: والله لا نكتُبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبيُّ ﷺ اكتبْ: باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسولُ الله، فقال ⦗٢٩١⦘ سهيل: والله لو كُنَّا نعلم أَنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيت، ولا قاتَلْناكَ، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد الله، قال النبيُّ ﷺ : والله إني لرسولُ الله، وإن كذَّبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله - قال الزهريُّ: وذلك لقوله: لا يسألوني خُطّة يُعَظِّمون فيها حرمات الله إِلا أَعطيتُهم إياها - فقال له النبيُّ ﷺ : على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوفَ به، فقال سهيل: والله لا تَتَحدَّثُ العربُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنَّهُ لا يأتيك مِنَّا رَجُل - وإن كان على دِينِكَ - إلا رَدَدْتَه إلينا، قال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين، وقد جاء مسلماً؟ فبينا هم كذلك، إذْ جاء أَبو جَنْدَل بنُ سُهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكةَ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أُقاضيك عليه: أَنْ تردَّهُ إليَّ، فقال النبيُّ ﷺ : إنا لم نَقْضِ الكتاب بعدُ، قال: فوالله إِذاً لا أُصالحك على شيء أبداً، فقال النبيُّ ﷺ : فأجِزْه لي، قال: ما أَنا بمُجيزِهِ لك، قال: بلى [فافعل] ، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَزُ بنُ حفص: بلى، قد أجزناهُ لكَ، قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلماً؟ ألا تَرَوْنَ ما قد لقيتُ؟ - وكان قد عُذِّبَ عذاباً شديداً في الله - فقال عمرُ بنُ الخطاب: فأتيتُ نبيَّ الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: بلى، قلتُ: أَلسنا ⦗٢٩٢⦘ على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فلم نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديِننا إذاً؟ قال: إني رسولُ الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري، قلتُ: أو ليس كنتَ تحدِّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرتُكَ أنكَ تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطَّوِّف به، قال: فأتيتُ أبا بكر، فقلتُ: يا أبا بكر، أليس هذا نبيَّ الله حقّاً؟ قال: بلى، قلتُ: ألسنا على الحق، وعدُّونا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فلم نُعْطِي الدَّنيّةَ في دِيننا إذاً؟ قال: أيُّها الرجل، إنَّهُ رسولُ الله ﷺ ، وليس يَعصي ربَّه، وهو ناصرُهُ، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزهِ، فواللهِ إنَّهُ على الحقِّ، قلتُ: أوَليس كان يحدِّثنا: أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ بهِ؟ قال: بلى، أفأخبرَك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطَّوِّف به؟ قال عمرُ: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالاً، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: قُوموا فانحروا، ثم احْلِقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يَقُمْ منهم أحد دخل على أُمِّ سَلَمَةَ، فذكر لها ما لَقيَ من الناس، قالتْ أُمُّ سلمةَ: يا نبيَّ الله، أَتُحِبُّ ذلك؟ اخرج، ولا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حَالِقَكَ فيحلقك، فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحرَ بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يَحْلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُل بعضاً غمّاً، ثم جاءه نِسوة مؤمنات، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا ⦗٢٩٣⦘ إذَا جَاءَكُم المؤمِناتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإيمانِهِنَّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهم ما أنفقوا ولا جُنَاح عليكم أن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلَّق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّركِ، فتزوج إحداهما معاويةُ بنُ أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أُميَّةَ، ثم رجع النبيُّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير - رجل من قُريش - وهو مسلم، فأرسَلوا في طلبه رَجُلَيْنِ، فقالوا: العَهْدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغَا ذا الحُلَيفةِ، فنزلوا يأكلون من تَمْر لهم، فقال أَبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سَيْفَكَ هذا جَيِّداً، فاستلَّهُ الآخَرُ، فقال: أجَلْ، والله إنه لَجيِّد، لقد جَرَّبتُ به، ثم جَرَّبتُ، فقال أبو بصيرُ: أرني أنظرْ إليه، فأمكنَه منه، فضربه حتى برد، وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينةَ، فدخل المسجدَ يعدُو، فقال النبيُّ ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْراً، فلما انتهى إِلى النبيِّ ﷺ قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبيَّ الله، قد [والله] أوْفَى الله ذِمَّتَكَ، قد رددتني إِليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبيُّ ﷺ : ويلُ امِّه، مِسْعَرُ حَرْب، لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر، قال: وينفلتُ منهم أبو جَنْدل بنُ سهيل فلحق بأبي بصير، فكان لا يخرج من ⦗٢٩٤⦘ قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعتْ منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بِعِير خرجتْ لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إِلى النبيِّ ﷺ ، تُنَاشِدُهُ الله والرَّحِمَ لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبيُّ ﷺ [إليهم] ، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُم وَأَيْدِيَكُم عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكمْ عَنِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَديَ مَعْكُوفاً أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤمِنُونَ ونِسَاءٌ مُؤمِنَاتٌ لَمْ تعلموهم أَنْ تَطَؤوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ في رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. إِذْ جَعلَ الَّذينَ كَفَرُوا في قُلوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦] وكانت حَمِيَّتُهمْ: أَنَّهُم لم يُقِرُّوا أنه نبيُّ الله، ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت» . وقال عُقَيل عن الزهري: قال عروةُ: فأخبرتني عائشةُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ «كان يمتحنُهنَّ» . وبلغنا (١) أنه لما أَنْزَلَ الله أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفقوا على مَنْ هاجر من أزواجهنَّ (٢) وحكم على المسلمين أن لا يُمْسِكوا بِعِصَمِ الكوافِر: أنَّ ⦗٢٩٥⦘ عُمر طلَّق امرأتين: قُرَيبَةَ بنتَ أبي أميَّةَ، وابنةَ جَرْول الخزاعيِّ، فتزوجَ قُرَيبةَ معاويةُ، وتزوج الأُخرى أبو جَهْم، فلما أبى الكفارُ أن يُقرُّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل الله ﴿وَإن فَاتَكُم شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُم إِلى الكفَّار فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] ، والعَقِبُ: ما يُؤدِّي المسلمون إِلى مَن هاجرت امرأتُه من الكفار، فأمَرَ أن يُعطَى مَن ذهب له زوج من المسلمين ما أنفقَ من صَدَاقِ نِسَائه الكفارِ اللاتي هاجرن، وما نعلم أحداً من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها. قال: وبلغنا: «أن أبا بصير بن أَسِيد الثقفي قَدِمَ على رسولِ الله ﷺ مؤمناً مُهَاجراً في المدة، فكتبَ الأخنسُ بنُ شَريق إلى النبيِّ ﷺ يسأَله أبا بصير ... » فذكر الحديث. وفي رواية: أن عروةَ سمع مَرْوان والمِسْور يُخْبِرَان عن أصحاب رسولِ الله ﷺ قال: «لما كاتبَ سُهيلُ بنُ عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سُهَيْل على النبيِّ ﷺ : أنه لا يأتيكَ مِنَّا أَحَد وإن كان على دِينكَ إِلا رددتَه إِلينا، وخلَّيتَ بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبى سُهَيْل إلا ذلك، فكاتبه النبيُّ ﷺ على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سُهيْلِ بن عمرو، ولم يأتِهِ أحد من الرجال إلا رَدَّهُ في تلك المدَّةِ وإن كان مسلماً، ⦗٢٩٦⦘ وجاء المؤمناتُ مهاجرات، وكانت أمُّ كلثوم بنتُ عُقبةَ بن أبي مُعيط ممن خرج إِلى رسولِ الله ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلُها يسألون النبيَّ ﷺ أن يَرْجِعَها إليهم، فلم يَرْجِعْها إليهم، حتى أنزل الله فيهنَّ ﴿إذَا جَاءَكم المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمَانِهِنَّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . قال عروةُ: فأخبرتْني عائشةُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يمتحنُهنَّ بهذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إذَا جَاءكُمُ المُؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمَانِهِنَّ فإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ علَيْكمْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُم بَيْنَكمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبتْ أزْوَاجُهُمْ مِثلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ. يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إذَا جَاءكَ المُؤْمِناتُ يُبَايِعْنكَ على أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ ⦗٢٩٧⦘ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينكَ في مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١٢] . قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّت بهذا الشرط منهنَّ، قال لها رسولُ الله ﷺ قد بايعتُكِ كلاماً يُكلّمها به، والله ما مَسَّتْ يَدُه يدَ امرأة قَطُّ في المُبايعة، ما بايعهنَّ إِلا بقوله» . وفي رواية عبد الرزاق مختصرة من حديث المسور وحدَه «أنَّ رسولَ الله ﷺ نحر قَبْلَ أن يَحْلِقَ، وأمر بذلك أصحابه» . وفي رواية عن عروة «أنه سمع مَرْوَانَ والمِسْوَرَ يخبِران خبراً من خَبَرِ رسولِ الله ﷺ في غزوة الحديبية ... فذكر نحو الرواية التي قبلها» ولم يقل: «عن أصحاب رسولِ الله ﷺ » . وفي حديث سفيان الذي ثبَّته فيه معمر عن الزهريِّ: أنَّ المسورَ بن مخرمةَ ومَروانَ - يزيدُ أحدُهما على صاحبه - قالا: «خرجَ النبيُّ ﷺ في بضع عشرةَ مائة من أصحاب النبيِّ ﷺ ، فلما أَتى ذَا الحليفةَ قَلَّدَ الهدْيَ وأشْعَرْهُ، وأحرم منها بعمرة، وبعث عَيْناً له من خُزاعة، وسار النبيُّ ﷺ ، حتى إذا كان بغدِير الأشظاظ (٣) تلقَّاه عَينُه، فقال: إن قريشاً جمعوا لكَ جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيشَ، وهم مُقاتِلوكَ، وصادُّوكَ عن البيتِ ⦗٢٩٨⦘ ومانِعوك، فقال: أَشيروا أيُّها الناس عليَّ، أتَرون أن أميلَ على عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدون أن يَصُدُّونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع جَنْباً (٤) من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، قال أبو بكر: يا رسولَ الله، خرجتَ عامداً لهذا البيت، لا تريدُ قِتال أحد، ولا حربَ أحد، فتوجَّهْ له، فمن صدّنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله» . وفي رواية طرف من أوله، قالا: «خرجَ النبيُّ ﷺ من المدينة في بضع عشرةَ مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُليفة قلّد الهَدْي، وأشعر [هـ] ، وأحرمَ بالعمرة» لم يزد. زاد في أخرى: «وأحرم منها» ، لا أُحصي كم سمعتُه من سفيان (٥) ، حتى سمعتُه يقول: لا أحفظ من الزهريِّ الإشعارَ والتقليدَ، قال: فلا أدري - يعني موضع الإشعار والتقليد، أو الحديثَ كلَّه؟ هذه روايات البخاري. وفي روايات أبي داود طرف منه أخرجه في «كتاب السُّنَّة» عن المسورِ بنِ مخرمةَ، قال: «خرج النبيُّ ﷺ زمنَ الحديبية ... » فذكر الحديث، كذا قال أبو داود: فذكر الحديث - قال: «فأتاه - يعني عُروةَ بنَ مسعود - فجعل يكلِّم النبيَّ ﷺ ، فَكُلَّما كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائم على رأَس النبيِّ ﷺ ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ، فضربَ يَدَهُ بنعل ⦗٢٩٩⦘ السيف، وقال: أَخِّرْ يدك عن لحيته، فرفع عروةُ رأسَهُ، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبةَ» . وأخرج أيضاً في «كتاب الجهاد» بعضه، وهذا لفظه قال: «خرج رسولُ الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عَشرةَ مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد الهَدْيَ وأشعره، وأحرمَ بالعمرة ... » وساق الحديث، هكذا قال أبو داود: ... وساق الحديث حتى إذا كان بالثنيَّة التي يُهبَطُ عليهم منها بَرَكَتْ به راحلتُه، قال الناسُ: حَلْ حَلْ، خَلت القصواء، مرتين، فقال رسولُ الله ﷺ : ما خَلت القصواءُ وما ذاك لها بخُلُق، ولكنْ حَبسها حابسُ الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونِّي اليوم خُطّة يعظِّمون بها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهُم إِياها ثم زجرها فوثبتْ، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء، فجاء [هـ] بُديلُ بنَ ورْقاءَ الخزاعيُّ، ثم أتاه - يعني عُروةَ بنَ مسعود - فجعل يكلِّم النبيَّ ﷺ ، فكُلَّمَا كلَّمَهُ أخذ بلحيته، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائم على رأس النبيِّ ﷺ ، ومعه السيفُ، وعليه المِغْفَرُ، فضرب يده بنعل السيف، وقال: أخِّرْ يدك عن لحيته، فرفع عُرْوَةُ رأسَهُ، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرةُ بنُ شعبة، قال: أيْ غُدَرُ، أولستُ أسعى في غَدْرتِكَ؟ وكان المغيرةُ صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبيُّ ﷺ : أمَّا الإسلامُ فقد قَبِلْنَا، وأمَّا المالُ: فإِنه مَالُ غدر، لا حاجةَ ⦗٣٠٠⦘ لنا فيه ... وذكر الحديث، كذا قال أبو داود، فقال النبيُّ ﷺ : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ... وقَصَّ الخبر - فقال سُهيل: وعلى أنه لا يأتيكَ مِنَّا رجل وإن كان على دِينكَ إلا رددتَه إلينا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، ثم جاء نِسْوَة مؤمنات، مُهاجرات ... الآية (٦) ، فنهاهم الله أن يردُّوهنَّ، وأمرهم أن يردُّوا الصَّدَاقَ، ثم رجع إِلى المدينة، فجاء أبو بَصير - رجل من قريش - يعني: أرسلوا في طلبه، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بَصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفَك هذا يا فلانَ جيِّداً، فاستلَّه الآخَرُ، فقال: أجل، قد جَرَّبْتُ به، فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إِليه، فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخرُ، حتى أتى المدينةَ، فدخل المسجد يعدو، فقال النبيُّ ﷺ : لقد رأى هذا ذُعْراً، فقال: قُتِلَ واللهِ صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: قد أوفى الله ذِمَّتَكَ، وقد رددتَني إليهم، ثم نجَّاني الله منهم، فقال النبيُّ ﷺ : ويلُ امِّه، مِسْعَر حرب، لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم، فخرج إليهم حتى أتى سِيفَ البحر، وينفلتُ أبو جَنْدل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. ⦗٣٠١⦘ وأخرج أبو داود أيضاً عن المسور ومروان «أنهم اصطلحوا على وَضع الحرب عشرَ سنين، يأمَنُ فيهنَّ الناسُ، وعلى أن بيننا عَيْبةً مكفوفة وأنه لا إِسلال ولا إغلال» (٧) . وذكر رزين في رواية زيادة في حديث البخاري بعد قوله: «اكتب: باسمك اللهم» قال: وفي رواية قال رسولُ الله ﷺ «اكتب الشرط بيننا وبينهم: بسم الله الرحمن الرحيم ... وذَكَرَ مِثْلَ ما تقدَّم» ، وزاد بعد قوله: «كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟» قال: وفي رواية زيادة «فكيف نكتبُ هذا؟ قال رسولُ الله ﷺ : نعم، مَن ذهب منا إليهم أبعدَهُ الله، ومن جاءنا منهم ورددناه، سيجعل الله له فرجاً» وزاد بعد قوله: «وقد كان عُذّب عذاباً شديداً في الله» ، قال: «فقال عمرُ بنُ الخطاب: فأمكنتُ يدَه من السيف ليضرب به أباه، فَضَنَّ به، وعلم بذلك رسولُ الله ﷺ ، فقال لي: يا عمر، لعلَّه أن يقوم في الله مقاماً يحمدُه عليه» (٨) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (قَتَرَة الجيش) : هو الغُّبار الساطع منه، ولا تكون القَتَرةُ إلا مع سوادٍ في اللون. ⦗٣٠٢⦘ (نذيرٌ) النذير: الذي يُعلم القومَ بالأمر الحادث. (بالثنيَّة) الثَّنيَّةُ: الطريق المرتفع في الجبل. (حَلْ حَلْ) زجر للناقة، و «حَوْب» زجر للجمل. (فألحت) أَلَحّ البعير: إذا حَرَن، وقيل: إنما يقال ذلك للجمل، فأما الناقة فإنما يقال لها: خَلأَت. (القصواء) القصواء: اسم ناقة النبي ﷺ ، ولم تكن قصواء، أي: مشقوقة الأذن، وإنما كان هذا لقباً لها. (حابس الفيل) الفيل: هو فيل أبرهة الذي جاء يقصد البيت ليخرِّبه، فحبس الله الفيل، فلم يتقدَّم إلى مكة، وردَّ رأسه راجعاً من حيث جاء، فأرسل الله عليهم كما قال: ﴿طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سِجِّيل﴾ والقصة مشهورة. (خُطة) الخطة: الحال والقضية والطريقة. (حُرُمات الله) حرمات الله: جمع حرمة، يريد بها: حُرْمة الحرم، وحرمة الإحرام، وحرمة الشهر الحرام. (يتبرَّض) التَّبرُّض: أخذ الشيء قليلاً قليلاً، وهو أيضاً التَّبَلُّغ بالشيء القليل. (ثَمَد) الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. ⦗٣٠٣⦘ (يجيش) جاشت البئر بالماء: [إذا] ارتفعت وفاضت، وجاشت القِدر: إذا غَلَت. (بالرِّي) الرَّيُّ: ضد العطش. (صَدَروا) الصَّدَرُ: الرُّجوعُ بعد الورود. (عَيْبة نُصح) يقال: فلانٌ عيبة نُصح فلان: إذا كان موضَع سِرِّه وثِقَتِهِ في ذلك. (أعداد مياه) الماء العدُّ: الكثير الذي لا انقطاع لمادته، كماء العيون، وجمعه: أعداد. (العُوذ) جمع عائذ: وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى وَلَدها. (المطافيل) جمع مُطْفِل، وهي الناقة معها فصيلها، فاستعار ذلك للناس، أراد به النساء والصبيان. (نَهَكَتْهم الحرب) يقول: نهكته الحرب تنهكه، أي: أضرت به وأثَّرت فيه، من نَهْك الحُمَّى، وهو ألمها وضررها. (ماددتهم) ماددتَ القوم، أي: جعلت بينك وبينهم مُدَّة. (جَمُّوا) : استراحوا، والجمام: الراحة بعد التعب. (سالفتي) السالفة: صفحة العنق، وانفرادها كناية عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت. ⦗٣٠٤⦘ (استنفرت) القومَ: دعوتهم إلى قتال العدو. (بَلَّحُوا) أصل التبليح: الإعياء والفتور، والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم به، وفيه لغة أخرى «بَلَحُوا» بالتخفيف. (قد قُلِّدت) تقليد البُدْنِ: هو أن يجعل في رقابها شيء كالقلائد من لحاء الشجر، أو غيره، ليعلم أنها هَدْي. (اجتاح) الاجتياح: إيقاع المكروه بالإنسان، ومنه الجائحة، والاجتياح والاستئصال متقاربان في مبالغة الأذى. (أشوَاباً) الأشواب والأوباش والأوشاب: سواء، وهم الأخلاط من الناس والرَّعاع. (خطة) يقال: خطة رشد، وخطة غَيّ، والرشد: خلاف الغَيِّ والضلال، والمراد: أنه قد طلب منكم طريقاً واضحاً في الهدى والاستقامة. (خليقاً) يقال: فلان خليق بكذا، أي: جدير، لا يبعد ذلك من خُلُقه. (امصص ببظر اللات) اللات: صنم كانوا يعبدونه. (والبظر) : ما تقطعه الخافضة من الهنة التي تكون في فرج المرأة، وكان هذا شتماً لهم يدور في ألسنتهم. ⦗٣٠٥⦘ (فاجر) أصل الفجور: الميل عن الحق والتكذيب به، وكل انبعاث في شر فهو فجور. (لولا يد) اليد: النِّعمَة، وما يمتنُّ الإنسان به على غيره. (المغفر) : ما يلبسه الدَّارع على رأسه من الزَّرَدِ. (غُدَر) : معدول عن غادر، وهو بناء للمبالغة. (نخامة) النُّخامة: البصقة من أقصى الحلق. (يُحِدُّونَ) أحددتُ إليه النظر: إذا ملأت عينك منه ولم تهبه، ولا استحييت منه. (على وَضوئِه) الوَضوء، بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأُ به. (البُدْن) : الإبل التي تُهدى إلى البيت في حج أو عمرة. (قاضَى) : فاعل، من القضاء، وهو إحكام الأمر وإمضاؤه، قال الأزهري: «قضى» في اللغة على وجوه، مَرْجِعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. (ضُغْطَة) الضُّغطة: القهر والضيق. (يَرسُفُ) رسف المقيَّد في قيده: إذا مشى فيه. (فأجزه لي) يجوز أن يكون بالزاي والراء، فأما بالزاي: فمعناه من الإجازة، أي: اجعله جائزاً غير ممنوع، ولا محرَّم أو غيره، وأطلقه، وإن ⦗٣٠٦⦘ كان بالراء المهملة: فمعناه من الإجارة: الحماية والحفظ، وكلاهما صالح في هذا الموضع. (الدَّنِيَّة) : القضية التي لا يُرضى بها ولا تُراد. (بغرزه) الغرز: الكور للناقة، كالرِّكاب لسرج الفرس، إلا أنه من جلد، فإذا كان من حديد أو خشب: فهو ركاب. (وَيلُ امِّهِ مِسْعَرُ حَرْب) مسعر الحرب: مُوقِدها، يقال: سعرتُ النار وأسعرتُها: إذا أوقدتها، والمِسعَر: الخشب الذي توقَد به النار، وقوله: «ويل امه» كلمة يتعجَّب بها. (سِيفُ البحر) : جانبه وساحله. (بِعصَم الكَوافِر) العِصَم: جمع عِصمَة، وهو ما يتمسَّك به، والكوافر: جمع كافرة، وأراد بعصمها: عقد نكاحها. (امتَعَضُوا) الامتعاض: كراهيةُ الشيء والغيظ منه. (العاتق) من الجواري: التي أدركت فَخَدِرَتْ. (الأحابيش) : الجماعات المجتمعة من قبائل شَتَّى متفرقة. (جَنْباً) الذي جاء في كتاب الحميدي «كان الله قد قطع جنباً من المشركين» وشرحه في غريبه فقال: الجنب: الأمر، يقال: ما فعلت هذا في جَنب حاجتي، إلا في أمر حاجتي، والجنب: القِطعةُ من الشيء تكون ⦗٣٠٧⦘ معظمه، أو شيئاً كثيراً منه، والذي جاء في كتاب البخاري «قد قطع عيناً من المشركين» فإن صحت الرواية ولم تكن غلطاً من الناسخ: فيكون معناه - والله أعلم- من العين: الجاسوس، أي: كفى الله منهم [من] كان يرصُدنا، ويتجسَّس علينا أخبارنا. (محروبين) المحروب: المسلوب، يقال: حُرِبَ فلان ماله: إذا سُلِبَهُ. (خَلَتِ القصواء) قد جاء في هذه الرواية «خلت القصواءُ» بترك الهمزة، واللغة «خَلأَت» فإن صحت الرواية: كان قد خفف الهمزة، وهو مذهب مشهور في العربية. (عيبة مكفوفة) المكفوفة: المشرجة والمشدودة (٩) ، والعيبة هاهنا: مثل، والمعنى: بيننا صدور سليمة، وعقائدُ صحيحة في المحافظة على العهد الذي تعاهدنا، والعقد الذي عقدنا، وقد يُشبَّه صدر الإنسان - الذي هو مستودع سَرِّه وموضع مكنون أمره بالعَيبة التي يودِعها متاعَه، ويصون فيها ثيابه. (لا إسلال ولا إغلال) الإسلال: من السَّلَّة، وهي السرقة، والإغلال: الخيانة، يقال: أغلَّ الرجل إغلالاً: إذا خان، وغل من الغَنيمة غلولاً، وقال بعضهم: إن الإسلال من سلّ السيوف في الحرب، والإغلال: لبس الدروع، وليس بمرضٍ. ⦗٣٠٨⦘ (مقاماً يحمَده عليه) هذا القول من النبيِّ ﷺ في حق سهيل بن عمرو: إشارةً إلى ما كان عند وفاة النبيِّ ﷺ ، وارتداد الناس بمكة، فقام خطيباً ووعظهم، وثبَّتهم على الإسلام، فكان هذا هو المقام الذي يحمده عليه.

стр. 6331

٦١٠٩ - (م) أنس بن مالك ﵁ «أن قريشاً صالحوا النبيَّ ﷺ ، وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبيُّ ﷺ لعليّ: اكتُبْ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أمَّا بسم الله، فما ندري ما «بسم الله الرحمن الرحيم» ؟ ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب: من مُحمَّد رسولِ الله، قالوا: لو عَلِمْنا أنَّكَ رسولُ الله لاتَّبعناك، لكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبيُّ ﷺ اكتب: من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي ﷺ : أنَّ مَن جاء منكم لم نردَّه، ومن جاءكم منا رددتمُوه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعدَه الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً» . أَخرجه مسلم (١) .

стр. 6332

٦١١٠ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ : «خرجَ مُعتمِراً، فحال كُفَّارُ قريش بينه وبين البيت، فنحر هَدْيَه، ⦗٣٠٩⦘ وحَلَقَ رأسهُ بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمِرُوا العامَ المقبلَ، ولا يحملَ سلاحاً عليهم إلا سيوفاً، ولا يُقيمَ إلا ما أحبُّوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخَلَها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثاً، أمروه أن يَخْرُجَ، فخرَجَ» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6333

٦١١١ - (ت د) علي بن أبي طالب ﵁ قال: «خرج عُبدْان (١) إلى رسولِ الله ﷺ يوم الحديبية قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم يقولون: يا محمد، والله ما خرجوا إليكَ رغبة في دينك، وإنما خرجوا هَرَباً من الرِّقِّ، فقال ناس: [صدقوا يا رسول الله] رُدَّهم إليهم، فغضبَ رسولُ الله ﷺ من ذلك، وقال: ما أُراكم تَنتهون يا معشر قريش، حتى يبعثَ الله عليكم مَن يضرب رقابكم على هذا، وأبى أن يَرُدَّهم، وقال: هم عُتَقَاءُ الله» . أخرجه أبو داود. وفي رواية الترمذي قال: «لما كان يومُ الحديبية خرج إِلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله، قد خرج إليكَ ناس من أبنائنا وإخواننا وأرِقَّائنا، وليس بهم فِقْه في الدِّين، وإنما خرجوا فِرَاراً من أموالنا وضِياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فِقْه في الدين سَنُفَقِّهُهُم، فقال رسولُ الله ﷺ : يا معشر ⦗٣١٠⦘ قريش، لَتَنْتَهُنَّ أو لَيَبْعَثَنَّ الله عليكم من يَضْرِبُ رِقَابَكُم بالسيف على الدِّين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان، قال أبو بكر وعمر: مَن هو يا رسولَ الله؟ قال: هو خَاصِفُ النَّعْل، وكان قد أعطى عليّاً نعلَه يَخصِفُها، ثم التفت إلينا عليّ فقال: قال رسولُ الله ﷺ : مَن كذب عليَّ مُتعمِّداً فليتبوأ مقعدَهُ من النار» (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يخصفها) خَصَفَ النعل يخصِفها: إذا خرزها.

стр. 6334

٦١١٢ - (م) سلمة بن الأَكوع ﵁ قال: «قَدِمْنا الحديبيةَ مع رسول الله ﷺ ونحنُ أربعَ عشرةَ مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرويها، قال: فقعدَ رسولُ الله ﷺ على جَبَا الرَّكِيَّةِ، فإما دعا، وإِمَّا بصق (١) فيها، قال: فَجَاشَتْ، فَسَقَيْنا وَاسْتَقَيْنَا، قال: ثم إن رسولَ الله ﷺ دعا [نا] للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعتُه في أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إِذا كانَ في وسط من الناس قال: بايِع يا سلمةُ، قال: قلتُ: قد بايعتُكَ يا رسولَ الله في أول الناس، قال: وأيضاً قال: وقد رآني رسولُ الله ﷺ ⦗٣١١⦘ أَعْزَلَ - يعني: ليس معه سلاح - فأعطاني رسولُ الله ﷺ حَجفَة - أو دَرَقَة - ثم بايَعَ، حتى إذا كان في آخر الناس، قال: ألا تُبايعني يا سلمةُ؟ قال: قلتُ: قد بايعتُك يا رسولَ الله في أول الناس، وفي أوسط الناس، قال: وأيضاً، قال: فبايعتُه الثالثَةَ، ثم قال لي: [يا] سلمةُ، أين حَجفَتُك - أو دَرَقَتُكَ - التي أعطيتُكَ؟ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، لقيَني عمّي عامر أعْزَلَ، فأعطيتُه إياها، قال: فضحك رسولُ الله ﷺ ، وقال: إنكَ كالذي قال الأول: اللهم أبْغِنِي حبيباً هو أحبُّ إليَّ من نفسي، ثم إنَّ المشركين وَاسَوْنا الصلحَ، حتى مشى بعضُنا في بعض، واصطلحنا، قال: وكنتُ تَبِيعاً لطلحةَ بنِ عُبيد الله، أسقي فرَسه وأحُسُّه وأخدُمه، وآكل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجراً إلى الله وإلى رسولِه ﷺ ، فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكةَ، واختلط بعضُنا ببعض، أتيتُ شجرة، فَكَسَحْتُ شوكَها، فاضطجعتُ في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهلِ مكةَ، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأَبْغَضْتُهم، فتحوَّلتُ إلى شجرة أُخرى، وعلَّقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذْ نادى مُناد من أسفل الوادي: يَا لَلْمهاجرين، قُتِلَ ابنُ زُنَيْم، قال: فاخترطتُ سيفي، ثم شددتُ على أُولئك الأربعةِ وهم رُقُود، فأخذت سلاحهم، فجعلتُه ضِغْثاً في يدي، قال: ثم قلتُ: والذي كرَّم وجهَ محمَّد ﷺ ، لا يرفع أحد منكم رأسَهُ، إلا ضربتُ الذي فيه عيناه، قال: ثم ⦗٣١٢⦘ جئتُ بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ ، قال: وجاء عَمِّي عامر برجل من العَبَلات يقال له: مِكْرَز، يقودُهُ إلى رسولِ الله ﷺ على فَرَس مُجَفَّف في سبعين من المشركين، فنظر إِليهم رسولُ الله ﷺ ، فقال: دعُوهم، يكنْ لهم بَدْءُ الفُجور وثِناه، فعفا عنهم رسولُ الله ﷺ وأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وكانَ اللهُ بِمَا تعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الفتح: ٢٤] ، قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلاً، بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون، فاستغفرَ رسولُ الله ﷺ لمن رَقيَ هذا الجبل الليلةَ، كأنه طَليعة للنبيِّ ﷺ وأصحابه، قال سلمةُ: فرقِيتُ تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً، ثم قَدِمْنا المدينةَ، فبعثَ رسولُ الله ﷺ بظَهْره مع رَباح - غلامِ رسولِ الله ﷺ وأنا معه، وخرجتُ معه بفرس لطلحة أُنَدِّيه (٢) ، مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاريُّ قد أغار على ظَهْر رسول الله ﷺ ، فَاسْتَاقَه أَجْمَعَ، وقتل راعيَه، فقلتُ: يا رباحُ، خذ هذا الفرس فأبْلِغْه طلحةَ بنَ عبيد، وأخبِرْ رسولَ الله ﷺ أَنَّ المشركين قد أَغاروا على سَرْحه، ثم قمتُ على أَكمَة، فاستقبلتُ المدينةَ، فناديتُ ثلاثاً: يا صَبَاحَاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنَّبْل، وأَرْتَجِزُ، أقول: ⦗٣١٣⦘ أنا ابنُ الأكوَعِ ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ فألحَقُ رجلاً منهم، فأصُكُّ سهماً في رَحْله، حتى خَلَص نَصْلُ السهم إلى كتفه، قال: قلتُ: خذها وأنا ابنُ الأكوع ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ قال: فوالله، ما زلتُ أرميهم وأَعقِرُ بهم، فإذا رجع إِليَّ فارس أتيتُ شجرة، فجلستُ في أصلها، ثم رميتُه فَعَقَرتُه، حتى إِذا تَضَايَقَ الجبل، فدخلوا في تَضَايُقِهِ عَلَوْتُ الجبل، فجعلتُ أرميهم بالحجارة، فما زلتُ كذلك أَتْبَعُهم، حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسولِ الله ﷺ إلا خَلَّفتُهُ وراءَ ظهري، وَخَلَّوْا بيني وبينه، ثم اتَّبَعْتُهم أرميهم، حتى ألقَوْا أكثرَ من ثلاثين بُرْدَة وثلاثين رُمْحاً، يَسْتَخِفُّون، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلتُ عليه آرَاماً من الحجارة يعرفُها رسولُ الله ﷺ وأصحابه، حتى أتوا مُتَضَايقاً من ثَنِيَّة، فإذا هم قد أتاهم فلانُ بنُ بَدر الفزاريُّ، فجلسوا يتضحَّوْن - يعني: يتغدَّوْنَ - وجلستُ على رأس قَرْن، قال الفزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْحَ، واللهِ ما فارقنا مُنذُ غَلَس يرمينا، حتى انْتَزَع كلَّ شيء من أيدينا، قال: فليقُم إِليه نفر منكم أربعة، قال: فَصَعِدَ إِليَّ منهم أربعة في الجبل، فلما أمْكنَوني من الكلام، قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومَن أَنتَ؟ قال: قلتُ: أنا سلمةُ بنُ الأكوع، والذي ⦗٣١٤⦘ كَرَّمَ وجهَ محمد ﷺ ، لا أطلبُ رجلاً منكم إلا أدركتُه، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني، قال أحدُهم: أنا أظنُّ، قال: فرجعوا، فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فَوارِسَ رسولِ الله ﷺ يتخلّلون الشجر، قال: فإِذا أوَّلهُم الأخرَمُ الأسديُّ، وعلى إثْرِهِ أبو قتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إِثْرِهِ المقدادُ بنُ الأسودِ الكِنْديُّ، قال: فأخذتُ بعِنان الأخرم، قال: فَولَّوْا مُدبرين، قلتُ: يا أَخْرم، احْذَرْهم لا يَقْتَطِعُوكَ حتى تلحقَ رسولَ الله ﷺ وأصحابه، قال: يا سلمةُ إن كنتَ تؤمنُ بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنةَ حَقّ، والنارَ حَقّ، فلا تَحُلْ بيني وبين الشهادة، قال: فخلَّيتُهُ، فالتَقى هو وعبد الرحمن، قال: فعَقَر بعبد الرحمن فَرَسُهُ، وطعنَهُ عبد الرحمن فقتله، وتَحوَّل على فَرَسِهِ، ولحق أبو قتادةَ - فارسُ رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرَّم وجه محمد ﷺ لَتَبعتْهُم أعْدُو على رِجْليَّ، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمَّد ولا غبارهم شيئاً، حتى يَعدِلوا قبل غروب الشمس إلى شِعْب فيه ماء يقال له: ذو قَرَد، ليشربوا منه وهم عِطاش، قال: فنظروا إليَّ أعْدُو وَرَاءهم، فَحلَّيتُهم عنه - يعني: أجْلَيْتُهم عنه - فما ذاقوا منه قطرة، قال: ويخرجُون فيشتدُّون في ثَنِيَّة، قال: فأعْدُو، فأَلْحَقُ رجلاً منهم، فأصُكُّه بسهم في نُغْضِ كَتِفِهِ، قال: قلتُ: خُذْها وأنا ابنُ الأكوعِ ... واليومَ يومَ الرُّضَّعِ ⦗٣١٥⦘ قال: يا ثَكلَتْه أُمُّه، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ؟ قلت: نعم يا عدوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُك بكرة، وأَرْدَوْا فرسين على ثنيَّة، فجئتُ بهما أسوقُهما إلى رسولِ الله ﷺ ، ولحقني عامرُ بسطيِحَة فيها مَذْقَة من لَبَن، وسَطيحة فيها ماء، فتوضأتُ وشربتُ، ثم أتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو على الماء الذي حَلَّيتُهم عنه، فإذا رسولُ الله ﷺ قد أخذ تلكَ الإبلَ، وكلَّ شيء اسْتَنْقَذْتُه من المشركين، وكلّ رُمْح وبُرْدَة، وإذا بلال نحرَ ناقة من الإبل التي استنقذتُ من القوم، وإِذا هو يشوي لرسولِ الله ﷺ من كَبِدِها وسَنَامِها، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، خَلِّني فَأنْتَخِبُ من القوم مائةَ رجل، فأتْبَعُ القوم، فلا يبقى منهم مُخبِر إلا قتلتُه، قال: فضحكَ رسولُ الله ﷺ حتى بَدَتْ نَوَاجِذُه في ضوء النار، فقال: يا سلمةُ، أَتُراك كنتَ فاعلاً؟ قلتُ: نعم، والذي أكرمكَ، قال: إِنهم لَيُقْرَوْن في أرض غَطَفان، قال: فجاء رجل من غَطَفَانَ، فقال: نَحَرَ لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها رأَوْا غُبَاراً، فقالوا: أتاكم القومُ، فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسولُ الله ﷺ : كان خيرَ فُرْساننا اليومَ أبو قَتادةَ، وخيرَ رَجَّالَتِنا سلمةُ، قال: ثم أعطاني رسولُ الله ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً، ثم أرْدَفَني رسولُ الله ﷺ وراءه على العَضْبَاء، راجعِين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار ⦗٣١٦⦘ لا يُسْبَقُ شَدّاً، قال: فجعل يقولُ: ألا مُسابق إلى المدينة؟ هل مِنْ مُسابِق؟ فجعل يُعيدُ ذلك، قال: فلما سمعتُ كلامَه، قلتُ: أما تُكْرِم كريماً، ولا تَهابُ شَريفاً؟ قال: لا، إلا أَنْ يكونَ رسولُ الله ﷺ ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، بأبي وأُمِّي، ذَرْني فلأَسْبِق الرَّجُلَ، قال: إن شئتَ، قال: قلتُ: اذهب إليكَ، قال: وَثَنَيْت رِجْلي، فَطَفَرْتُ فعدوتُ، قال: فَربطتُ عليه شَرَفاً أو شَرَفَيْنِ، أَسْتَبْقي نَفسي، ثم عَدَوْتُ في إِثْرِهِ، فربطتُ عليه شَرَفاً أو شَرَفين، ثم إني رَفَعْتُ حتى أَلْحَقَه: فأصُكُّه بين كتفيه، قال: قلتُ: قد سُبِقْتَ والله، قال: أنا أظنّ، قال: فَسَبَقْتُه إلى المدينة، قال: فوالله، ما لبثنا إلا ثلاثَ ليال، حتى خرجنا إلى خيبرَ مع رسولِ الله ﷺ ، قال: فجعل عَمِّي عامر يَرْتَجِزُ بالقوم: تَاللهِ لَوْلا الله مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنا وَلا صَلَّيْنا وَنَحْنُ عنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَينا ... فَثَبِّتِ الأقدَامَ إِن لاقَيْنا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَليْنا فقال رسولُ الله ﷺ : من هذا؟ قال: أنا عامر، قال: غَفَرَ لكَ رَبُّكَ، قال: وما استغَفَرَ رسولُ الله ﷺ لإِنسان يَخُصُّهُ إلا اسْتُشْهِدَ، قال: فنادى عمرُ بنُ الخطاب وهو على جمل له: يا نبيَّ الله، لولا مَتَّعْتَنا بعامر؟ قال: فلمَّا قدِمنا خَيْبَر، قال: خرج مَلِكُهمْ مَرْحَب يخطِرُ بسيفه، يقول: ⦗٣١٧⦘ قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَل مُجَرَّبُ إذا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قال: وبرز له عمِّي عامر، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عامِرُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَل مُغَامِرُ قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيفُ مَرْحَب في تُرْسِ عامر، وذهب عامر يُسْفِل له، فرجع بسيفه على نفسه، فقطع أكْحَلَهُ، وكانت فيها نَفْسُه، قال سلمةُ: وخرجتُ، فإذا نفر من أصحاب رسولِ الله ﷺ يقولون: بَطَلَ عَمَلُ عامر، قتل نَفْسَهُ، قال: فأتيتُ رسولَ الله ﷺ وأنا أبكي - فقلتُ: يا رسولَ الله، بَطَلَ عَمَلُ عامر، قال رسولُ الله ﷺ : من قال ذلك؟ قال: قلتُ: ناس من أصحابك، قال: كذَبَ من قال ذلك، بل له أجرهُ مرتين، ثم أرسلني إلى عليّ - وهو أرمَدُ - فقال: لأعطينَّ الرَّايةَ رجلاً يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويُحِبُّهُ الله ورسولُهُ، قال: فأتيتُ عليّاً، فجئتُ به أقودُه - وهو أَرمَدُ - حتى أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فَبَصَقَ في عَيْنَيه، فَبَرأَ، وخرجَ مَرْحَب، فقال: قَدْ عَلِمتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شاكي السلاح بطل مجرَّبُ إذا الحروبُ أقبلتْ تَلَهَّبُ فقال عليّ ﵁: ⦗٣١٨⦘ أنا الذي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غابات كرِيهِ المَنْظَرَه أُوفِيهُمُ بالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قال: فضرب رأسَ مَرْحَب، فقتلهُ، ثم كان الفتحُ على يَدَيْه» . أخرجه مسلم (٣) . قال الحميديُّ: في هذا الحديث من ذِكْر الإغارة على السرحِ، وقصةِ عامر وارتجازهِ، وقوله ﷺ : «لأعطِينَّ الرايةَ» ، ما قد اتفق البخاري معه على معناه، ولكن فيه من الزيادة والشرح ما يوجب كونَه من أفراد مسلم، فأفردناه. وفي رواية أبي داود، أخرج بعضه، وسيجيء ذِكرُه في غزوة ذي قَرَد إن شاء الله (٤) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (على جبا الرَّكِيَّةِ) الرَّكِيَّةُ: البئر، وجباها: التراب الذي أُخرج منها وجُعلَ حولها. (أعزل) الأعزل: الذي لا سلاح معه، وقوم عُزَّل، وقد جاء في أحد نسخ مسلم «عُزُل» وأراد به الواحد، ولعله غلط من الكاتب. ⦗٣١٩⦘ (ابغِني) بمعنى أوجدني وأعطني. (واسَوْنا) من المواساة: المشاركة والموافقة. (تَبيعاً) التَّبيع: الخادم، لأنه يتبع الذي يخدُمه. (فكسحت) كسحتُ البيت: كنستُه ونحيَّت ما في أرضه مما يؤذي ساكنه. (ضِغْثاً) الضِّغث: الحزمة المجتمعة من قضبان أو حشيش ونحوه مما يجمع في اليد. (من العَبَلات) العبَلات: أُمية الصغرى من قريش، والنسب إليهم: عَبَليٌّ. (مجفف) فرس مجفَّف: عليه تجافيف، وهي ما يستره في الحرب خوفاً عليه مما يؤذيه من سلاح وغيره، فهو في الخيل كالمُدَجَّج من الرِّجال، وهو المنغمس في الدرع والسلاح. (بدء الفجور) : ابتداؤه وأوله، وثِناه: ثانيه، وقد يمدُّ. (طليعة) الطليعة: الجاسوس. (بظهره) الظهر: ما يُعَدُّ من الإبل للركوب والأحمال. (أُنَدِّيه) قال الأصمعي: التندية بالنون: أن تُورِد الإبل والخيل، حتى تشرب قليلاً، ثم ترعى ساعة، ثم تردُّها إلى الماء من يومها، أو من الغد، والإبل تندو من الحَمض إلى الخَلَّة، فتنتقل من جنس من المرعى إلى جنس آخر، وأنكر القتيبي هذا، وقال: الصواب «لأبَدِّيه» بالباء المعجمة ⦗٣٢٠⦘ بواحدة، أي: لأخرجه إلى البدو، وقال: ولا تكون التندية إلا للإبل خاصة، قال الأزهري: أخطأ القتيبي، والصواب ما قال الأصمعي. وللتندية معنى آخر، وهو تضمير الفرس وإجراؤه، حتى يسيل عرقه، ويقال لذلك العرق إذا سال: النَّدَى، وهذا أشبه بمعنى الحديث، والله أعلم. (سَرْحِهِ) السرح: المواشي السائمة. (على أكمَة) الأكمةُ: الرَّابيةُ ونحوها، وجمعها: أُكم وآكام وإكام. (يا صباحاه) يومُ الصَّباح: يومُ الغارة، وكان إذا دهمهم أمر صاحوا: يا صباحاه، يُعْلِمُون قومَهم بما دَهِمَهم ونابَهم، ليُبادروا إليه. (يوم الرُّضَع) أراد بقوله: يوم الرُّضَّع: يوم هلاك اللئام، والرُّضع جمع راضع، وأراد بهم: الذي يُرضِعون الإبل ولا يحلبونها خوفاً من أن يسمع حلبها من يستمنحهُم ويسألهم لبناً، وقد يكون كناية عن الشدة. (فأصكّ) الصَّكُّ: الضرب باليد، وأراد: أنه رماه بسهم. (في رحله) رَحْلُ الناقة: كورها، فأضافه إليه لأنه راكب عليه. (وأعْقِرُ بهم) عَقَرْتُ به: قتلتُ مركُوبَه، وجعلتُه راجلاً. (بُردَة) البُرْدَةُ: ضرب من الثياب. (آراماً) الآرام: جمع إرم، وهو العلم من الحجارة. (قَرَن) القَرَن: جبل صغير منفرد. ⦗٣٢١⦘ (البَرَح) : الشدة، يقال: لقيتُ منه بَرَحاً بارِحاً، أي: شدة شديدة. (غَلَس) الغَلَس: ظُلْمَةُ آخر الليل. (لا يقطعونك) الاقتطاع: أخذ الشيء والانفراد به، أراد به: لا يرونك منفرداً فيطمعوا فيك فيقتلوك. (شِعْب) الشِّعْبُ: الفُرْجَةُ بين الجبلين كالوادي. (فَحَلَّيْتُهم) عن الماء: أي: طردتُهم، هكذا جاء لفظ الحديث مُشدداً غير مهموز، وبهذا شرحه الحميدي في كتابه، والمعروف في اللغة: حَلأتُ الإبل مشدداً مهموزاً، ولعل الهمزة قد قُلبت ياء، وليس بالقياس، لأن الياء لا تُبدل من الهمزة إلا أن يكون ما قبلها مكسوراً، نحو إيلاف وبير، وقد جاء شاذاً: قَرَيْتُ في قرأتُ، وليس بالكثير. (فَيُسنِدونَ) وقد تقدَّم في أول هذه الغزوة ذكر «يسندون» وهو الصعود في الجبل. (نُغض) الكتف: الغضروف العريض الذي على أعلاه. (أكْوَعُه بكرة) قوله: أكوعه بكرة، يعني: الأكوع الذي كان قد تبعنا من بكرة، فإنه كان أول ما لحقهم قال: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرُّضع ⦗٣٢٢⦘ [فلما عاد] قال لهم هذا القول، فقال له: أنت الذي كنت معنا بكرة؟ قال له في الجواب: نعم أكوعك بكرة. (أرْدَوا فرسين) أرديتُه: رميتُه وتركته، والمراد: أنهم من خوفهم تركوا من خيلهم فرسين، ولم يقفوا عليهما هرباً وخوفاً أن يلحقهم. (مَذقَة من لبن) لبن ممذوق، أي: مخلوط بماء، والمراد بقوله: «مَذْقَة» شربة قليلة من لبن ممذوق. (لَيُقْرَوْن) القِرى: الضِّيافة ونُزُل الضَّيْف. (فأنتخب) الانتخاب: الاختيار، وانْتِقَاءُ الجَيِّد. (جزوراً) الجزور: البعير ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة. (العَضباء) : لقبُ ناقةِ النبيِّ ﷺ ولم تكن عضباء، أي: مشقوقة الأذُن. (شدّا) الشدّ: العدو. (فربطتُ) أي: تأخَّرتُ، كأنه ربط نفسه، أي: شدَّها. (شَرَفاً) الشَّرَفُ: الشَّوطُ والقَدْرُ المعلوم من المسافة. (لولا متَّعْتنا) «لولا» هاهنا بمعنى: هَلا، و «متعتنا» بمعنى: جعلتنا ننتفع به، فإنه ﷺ كان إذا استغفر في غزوة لأحد على الخصوص، أو ترَّحم [عليه] : عرفوا أنه يموت أو يُقتل، فقالوا لما استغفر له: هلا تركتنا ⦗٣٢٣⦘ نستمتع بحدائه في طول حياته؟ (يَخْطِر بسيفه) خَطَر بسيفه: إذا هَزّهُ مُعجَباً بنفسه، مُتعرِّضاً للمبارزة، ويجوز أن يكون أراد به: أنه كان يخطِر في مِشْيَتِه، أي: يتمايل ويمشي مِشْيَةَ المعجَب بنفسه، وسيفُه في يده، فكأنه خطر وسيفه معه. (شاكي السلاح) : ذو شدَّة وشوكة وحِدَّة في سلاحه. (مُغَامِرُ) رجل مُغامر: إذا كان يَقتحم المهالك. (يَسفُل) سفلتُ له أسفُل في الضرب: إذا عمدتَ أن تضرب أسافِلَه من وسطه إلى قدميه. (حَيْدَرَة) : اسم للأسد، وذلك أن فاطمةَ بنتَ أسد أُمَّ علي بن أبي طالب لما ولدته سمته باسم أبيها، وكان أبو طالب غائباً، فلما قدم كره هذا الاسم، فسماه علياً. (السَّندَرة) : مِكْيَال ضخم. (كَلَيْث غابات) الليث: الأسد، و «الغابات» جمع غابة، وهي الأجَمَةُ، وأُسود الغابات موصوفة بالشدة.

стр. 6335

٦١١٣ - (خ م ت س) سلمة بن الأكوع ﵁ قال يزيد بن أبي عبيد: «قلتُ لسلمةَ: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله ﷺ يومَ الحُديبية؟ قال: على الموتِ - وفي رواية قال: بايَعنا النبيَّ ﷺ تحت الشجرة، فقال لي: ⦗٣٢٤⦘ يا سلمةُ: ألا تُبايِعُ؟ قلتُ: يا رسولَ الله، قد بايعتُ في الأول، قال: وفي الثاني» . وفي أخرى قال: «بايَعتُ رسولَ الله ﷺ ، ثم عَدَلْتُ إلى ظِلِّ شجرة، فلما خَفَّ الناسُ قال: يا ابنَ الأكوع: ألا تبايعُ؟ قلت: قد بايعتُ، قال: وأيضاً، قال: فبايعتهُ الثانيةَ، فقلتُ: يا أبا مُسْلِم، على أي شيء تبايِعُون يومئذ؟ قال: على الموتِ» . أخرجه البخاريُّ ومسلم، وأخرج الترمذي والنسائي الأولى (١) .

стр. 6336

٦١١٤ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «إن الناسَ كانوا مع النبيِّ ﷺ يَوْمَ الحديبية، تفرَّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس، مُحْدِقُون بالنبيِّ ﷺ فقال: - يعني عمرَ -: يا عبد الله، انظرْ ما شأنُ الناسِ أَحْدَقُوا برسولِ الله ﷺ ؟ فذهب فوجدهم يُبايعون، فبايعَ، ثم رجع إلى عمرَ، فخرج فبايَعَهُ» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6337

٦١١٥ - (م) معقل بن يسار ﵁ قال: «لقد رأيتُني يوم الشجرة والنبيُّ ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غُصْناً من أغصانها عن رأْسه، ونحن أربعَ عشرةَ مائة، قال: لم نبايعْهُ على الموتِ، ولكن بايعناه على أن لا نَفِرَّ» . أخرجه مسلم (١) .

стр. 6338

٦١١٦ - (م ت س) أبو الزبير ﵀ «أنه سمع جابراً ﵁ يُسأَلُ: كم كانوا يومَ الحديبية؟ قال: كنا أَرْبَعَ عشرةَ مائة، فبايعناه، وعمرُ آخذ بيده تحتَ الشجرة، وهي سَمُرَة، فبايعناه، غير جَدِّ بنِ قيس الأنصاريِّ، اختفى تحتَ بَطْنِ بعيرِهِ - زاد في رواية: وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايِعْه على الموت» . وهذه الزيادة وحدَها أيضاً لسفيان بن عيينة عن أبي الزبير، أخرجه مسلم. وفي رواية الترمذي عن جابر في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قال: بايَعْنا رسولُ الله ﷺ على أن لا نَفِرَّ، ولم نبايعْهُ على الموت. ⦗٣٢٦⦘ وفي أخرى له قال جابر: «لم نُبايِعْ رسولَ الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على أن لا نَفِرَّ» . وأخرج النسائي رواية الترمذي الأخيرة (١) .

стр. 6339

٦١١٧ - (م) أبو الزبير ﵀ عن جابر ﵁ «أنه سُئِلَ: هل بايعَ النبيُّ ﷺ بذي الحُليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يُبايعْ عند شجرة، إلا الشجرةَ التي بالحديبية» . قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابراً يقول: «دعا النبيُّ ﷺ على بئرِ الحديبيةِ» . أخرجه مسلم. وهذا الحديث أفرده الحميديُّ عن الذي قبله، وجعلهما حديثين، وهما بمعنى واحد، وحيث أفرده اتَّبعناه (١) .

стр. 6340

٦١١٨ - (خ م) عمرو بن دينار قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله ﵄ يقول: قال لنا رسولُ الله ﷺ يومَ الحديبية: «أنتم اليومَ خيرُ أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، قال: ولو كنتُ أبْصرُ اليوم، ⦗٣٢٧⦘ لأريتُكم مكانَ الشجرة» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .
следующие страницы →