← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

٦١١٤ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «إن الناسَ كانوا مع النبيِّ ﷺ يَوْمَ الحديبية، تفرَّقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس، مُحْدِقُون بالنبيِّ ﷺ فقال: - يعني عمرَ -: يا عبد الله، انظرْ ما شأنُ الناسِ أَحْدَقُوا برسولِ الله ﷺ ؟ فذهب فوجدهم يُبايعون، فبايعَ، ثم رجع إلى عمرَ، فخرج فبايَعَهُ» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 6337

٦١١٥ - (م) معقل بن يسار ﵁ قال: «لقد رأيتُني يوم الشجرة والنبيُّ ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غُصْناً من أغصانها عن رأْسه، ونحن أربعَ عشرةَ مائة، قال: لم نبايعْهُ على الموتِ، ولكن بايعناه على أن لا نَفِرَّ» . أخرجه مسلم (١) .

стр. 6338

٦١١٦ - (م ت س) أبو الزبير ﵀ «أنه سمع جابراً ﵁ يُسأَلُ: كم كانوا يومَ الحديبية؟ قال: كنا أَرْبَعَ عشرةَ مائة، فبايعناه، وعمرُ آخذ بيده تحتَ الشجرة، وهي سَمُرَة، فبايعناه، غير جَدِّ بنِ قيس الأنصاريِّ، اختفى تحتَ بَطْنِ بعيرِهِ - زاد في رواية: وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايِعْه على الموت» . وهذه الزيادة وحدَها أيضاً لسفيان بن عيينة عن أبي الزبير، أخرجه مسلم. وفي رواية الترمذي عن جابر في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قال: بايَعْنا رسولُ الله ﷺ على أن لا نَفِرَّ، ولم نبايعْهُ على الموت. ⦗٣٢٦⦘ وفي أخرى له قال جابر: «لم نُبايِعْ رسولَ الله ﷺ على الموت، إنما بايعناه على أن لا نَفِرَّ» . وأخرج النسائي رواية الترمذي الأخيرة (١) .

стр. 6339

٦١١٧ - (م) أبو الزبير ﵀ عن جابر ﵁ «أنه سُئِلَ: هل بايعَ النبيُّ ﷺ بذي الحُليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يُبايعْ عند شجرة، إلا الشجرةَ التي بالحديبية» . قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابراً يقول: «دعا النبيُّ ﷺ على بئرِ الحديبيةِ» . أخرجه مسلم. وهذا الحديث أفرده الحميديُّ عن الذي قبله، وجعلهما حديثين، وهما بمعنى واحد، وحيث أفرده اتَّبعناه (١) .

стр. 6340

٦١١٨ - (خ م) عمرو بن دينار قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله ﵄ يقول: قال لنا رسولُ الله ﷺ يومَ الحديبية: «أنتم اليومَ خيرُ أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، قال: ولو كنتُ أبْصرُ اليوم، ⦗٣٢٧⦘ لأريتُكم مكانَ الشجرة» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .

стр. 6341

٦١١٩ - (خ م) ابن أبي أوفى ﵁ قال: «كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثَمائة، وكانت أَسْلَمُ ثُمْنَ المهاجرين» . أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) .

стр. 6342

٦١٢٠ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رَجَعْنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله» ، قال الراوي (١) : «فسألتُ نافعاً: على أيِّ شيء بايعَهم؟ على الموت؟ قال: لا، بَايَعَهم على الصَّبْرِ» . أخرجه البخاري (٢) .

стр. 6343

٦١٢١ - (خ م) طارق بن عبد الرحمن ﵀ قال: «انطلقتُ حاجاً، فمررتُ بقوم يُصَلُّون، قلتُ: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرةُ، ⦗٣٢٨⦘ حيث بايعَ رسولُ الله ﷺ بيعةَ الرِّضوان، فأتيتُ [سعيد] بنَ المسيب فأخبرتُهُ، فقال سعيد: كان أَبي ممن بايعَ تحتَ الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فَعَمِيَتْ علينا، فلم نقدرْ عليها، قال سعيد: فأصحابُ محمد ﷺ لم يَعْلَمُوها وَعَلِمتُموها [أنتم] فأنتم أعلم!» . [وفي رواية قال: «ذُكِرَتْ عند سعيدِ بنِ المسيبِ الشجرةُ] فضحك [وقال: أخبرني أبي، وكان شهدها» ، ولم يزد] . وفي رواية عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لقد رأيتُ الشجرةَ ثم أتيتُها بعد عام فلم أعرِفْها» . أخرجه البخاري ومسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (بَيْعَةُ الرِّضوان) الرضوان: الرضى، وسميت بيعة الحديبية [بيعةَ] الرضوان لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . (فَعَمِيَتْ) عَمِيتْ علينا، أي: خَفِيتْ، يعني: الشجرة.

стр. 6344

٦١٢٢ - (خ م) عباد بن تميم ﵀ عن عَمِّه عبد الله بنِ زيد ⦗٣٢٩⦘ الأنصاريِّ قال: «لما كان يومُ الحَرَّةِ، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلةَ، قال ابنُ زيد: علامَ يُبايعُ ابنُ حنظلةَ [الناسَ؟] (١) قيل له: على الموت، قال: لا أبايعُ على ذلك أحداً بعدَ رسولِ الله ﷺ ، وكان شهدَ معه الحديبيةَ» . أخرجه البخاري ومسلم (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يومُ الحَرَّة) الحرَّةُ: أرض ذات حجارة سُود، وأراد بها حرة من حِرار المدينة، ويومُها: هو اليوم المشهور الذي جرى من أهل الشام فيه ما جرى، من قتل أهل المدينة ونهبها، وسَبي النساء والولدان في زمن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.

стр. 6345

٦١٢٣ - (خ م) أبو وائل قال: «قام سَهْلُ بنُ حُنَيْف ﵁ يوم صفِّين، فقال: يا أَيُّها الناس، اتَّهِمُوا أنفُسَكم، لقد كُنَّا مع رسولِ الله ⦗٣٣٠⦘ ﷺ يومَ الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسولِ الله ﷺ وبين المشركين، قال: فجاءَ عمرُ بنُ الخطَّاب، [فأتى رسولَ الله ﷺ ] ، فقال: يا رسولَ الله، ألسنا على حَقّ وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نُعطي الدَّنِيَّةَ في دِيننا، ونرجعُ ولمَّا يحكم الله بينَنا وبينَهم؟ قال: يا ابن الخطَّاب، إني رسولُ الله، ولن يُضَيِّعَني الله أبداً، قال: فانطلق عمرُ، فلم يَصْبر مُتغيِّظاً، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على حَقّ وهم على باطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطِي الدَّنيّةَ في دِيننا، ونرجعُ ولما يحكم الله بيننا وبينَهم؟ فقال: يا ابنَ الخطَّاب، إنه رسولُ الله، ولن يضيّعه الله أبداً، قال: فنزل القرآنُ على رسولِ الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمرَ، فأقرأه إِيَّاه، فقال: يا رسولَ الله، أَوَ فَتْح هو؟ قال: نعم، فطابَتْ نفسُهُ ورَجَعَ» . وفي رواية: فنزلتْ سورةُ الفتح، فقرأها رسولُ الله ﷺ على عمر. وفي أخرى: أنه سمع سَهْلَ بنَ حُنَيْف بِصِفِّينَ يقول: «يا أَيُّها الناس اتَّهِموا رَأْيَكم على دِينكم، لقد رأيتُني يوم أبي جَنْدَل، ولو أستطيعُ أن أردَّ أمرَ رسولِ الله ﷺ لرددتُه، وما وضعنا سُيوفَنا على عواتقنا إلى أمر يُفْظِعُنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، غير هذا الأمر» . ⦗٣٣١⦘ زاد في رواية: «ما نَسُدُّ منه خُصْماً إلا انفجر علينا منه خُصْم، ما ندري كيف نأتي له؟» . وفي أخرى «لما قَدِمَ سهلُ بنُ حُنَيف من صِفِّينَ أتيناه نَسْتَخْبِرُهُ (١) ، فقال: اتهموا الرَّأيَ ... » وذكر نحوه. وفي أخرى «أتيتُ أبا وائل أسأله؟ فقال: كُنَّا بِصِفِّينَ، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يُدْعَوْن إلى كتاب الله؟ فقال عليّ: نعم، فقال سَهْل بنُ حُنَيْف: اتَّهموا أَنفسكم ... وذكر الحديث» أخرجه البخاري ومسلم (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (إلى أمر يُفظِعنا) الأمر الفظيع: الشنيع الشديد، وقوله: «يُفْظِعنا» أي: يُوقِعنا في أمر فظيع شديد علينا. (خُصْماً) الخُصْم: الطرَف، وخُصم كل شيء: طرَفُه، وأراد بقوله: «ما نشدُّ خُصْماً إلا انفجر علينا منه خُصم» : الإخبار عن انتشار [الأمر وشدته، وأنه لا يتهيأ] إصلاحه وتلافيه، لأنه بخلاف ما كانوا عليه ⦗٣٣٢⦘ من الاتفاق، ولذلك قال: «إلا أسْهَلَنْ بنا» أي رأينا في عاقبة السلوك فيه سهولة، كأنه ركب السَّهْلَ في طريقه، ولم يَرَ فيه مكروهاً.

стр. 6346

غزوة ذي قَرَد قال البخاري: وهي الغزوة التي أغاروا [فيها] على لقاح النبي ﷺ قبل خيبر بثلاث (١) . ٦١٢٤ - (خ م د) سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «خرجتُ قبل أن يُؤذَّنَ بالأُولى، وكانت لِقَاحُ رسولِ الله ﷺ تَرْعى بذي قَرَد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخِذَتْ لقاحُ رسولِ الله ﷺ فقلتُ: مَن أخَذَها؟ قال: غَطَفانُ، قال: فصرختُ ثلاثَ صَرَخَات: يا صباحاه، قال: فأسمعتُ ما بين لابَتي المدينة، ثم اندفعتُ على وجهي، حتى أدركتُهمْ وقد أخذوا يسقون (٢) من الماء، فجعلت أرميهم بَنَبْلي - وكنتُ رامياً - وأقول: أنا ابنُ الأكوعِ ... اليومُ يومُ الرُّضَّعِ وأرتجز، حتى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ منهم، واسْتَلَبْتُ منهم ثلاثين بُرْدَة، ⦗٣٣٣⦘ قال: وجاء النبيُّ ﷺ والناسُ، فقلت: يا نبيَّ الله، إني قد حَمَيْتُ القومَ الماءَ وهم عِطَاش، فابعثْ إليهم الساعةَ، فقال: يا ابنَ الأكوع: مَلكتَ فأسْجِحْ، قال: ثم رجعنا، ويُرْدِفُني رسولُ الله ﷺ على ناقته، حتى دخلنا المدينة» . وفي رواية: أنَّ سلمةَ بن الأكوع قال: «خرجتُ من المدينة أريدُ الغابةَ، حتى إذا كنتُ بِثَنيَّة الغابةِ، لقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقلتُ: وَيْحَكَ، ما بكَ؟ قال: أُخِذَت لِقاحُ النبيِّ ﷺ ، فقلتُ: مَن أخَذَها؟ قال: غطفانُ وفَزَارةُ، قال: فصرختُ ثلاثَ صَرَخَات ... ثم ذكر نحوه» وفي آخره: «ملكتَ فأسْجِح، إن القوم يَغْزُونَ» . قال الحميديُّ في كتابه: الصواب: «يُقْرَونَ» (٣) بالقاف والراء. أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج أبو داود عن سلمة بن الأكوع هذا الحديث نحو ما أخرجه مسلم في حديث الحديبية، وهذا لفظه، قال سلمةُ: «أغارَ عبد الرحمن بنُ عُيينة على إبلِ رسولِ الله ﷺ فقتل راعيها، وخرج يَطْرُدها هو وأُناس ⦗٣٣٤⦘ معه في خَيل (٤) ، فعجلتُ وجهي قِبَلَ المدينةِ، ثم ناديْتُ ثلاثَ مرات: يا صباحاه، ثم اتَّبَعْتُ القومَ، فجعلتُ أرْمي وأعقِرُهم، فإذا رجع إليَّ فارس جلستُ في أصل شجرة، حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر النبيِّ ﷺ إلا خَلّفْتُه وراءَ ظهري، وحتى ألْقَوْا أكثرَ من ثلاثين رُمحاً وثلاثين بُردة، يستخِفُّون منها، ثم أتاهم عُيَيْنَةُ مَدداً، فقال: لِيَقُمْ إليه نَفَر منكم، فقام منهم أربعة فَصَعِدوا الجبلَ، فلما أسمعتُهم، قلتُ: أتعرفوني؟ قالوا: ومَن أنتَ؟ قلتُ: أنا ابنُ الأكوع، والذي كَرَّمَ وجهَ محمدّ ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيُدركني، ولا أطلبُه فيفوتني، فما برحتُ حتى نظرتُ إلى فوارس رسولِ الله ﷺ يتخلَّلون الشجرَ، أوَّلُهم: الأخرَمُ الأسديُّ، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينةَ، ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طَعْنَتَيْن، فَعَقَرَ الأخرمُ عبد الرحمن (٥) ، وطعنه عبد الرحمن فقتلَهُ، فتحوَّلَ عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادةَ بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، فَعقَر بأبي قتادةَ، وقتله أبو قتادةَ، فتحوَّلَ أبو قتادةَ على فرس الأخرم، ثم جئتُ رسولَ الله ﷺ وهو على الماء (٦) الذي جَلَّيتُهم (٧) عنه: ذُو قَرَد، قال: ونبيُّ الله ﷺ في خمسمائة، فأعطاني ⦗٣٣٥⦘ سهم الفارس والرَّاجل» (٨) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (لِقَاح) اللِّقاحُ من النوق: الحوامل، واحدها: لَقُوحُ ولاقح، وقيل: اللِّقَاحُ: ذوات الألبان، الواحدة: لَقُوح ولَقِحَة، بكسر اللام وفتحها، واللَّواقح: الحوامل. (فأسْجِح) أحسنِ العفوَ، وسَهِّلِ الأمرَ، فقد قَدرتَ ومَلكتَ الأمر.

стр. 6347

غزوة خَيْبر ٦١٢٥ - (خ م د س) سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «خرجنا مَعَ رسولِ الله ﷺ إلى خَيْبَرَ، فَسِرْنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامرِ بن الأكوع: ألا تُسْمِعُنا من هُنَيْهَاتِكَ (١) ؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يَحْدو بالقوم، يقول: ⦗٣٣٦⦘ اللَّهُمَ (٢) لولا أَنتَ مَا اهتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا فَاغفِرْ فِدَاء لَكَ (٣) مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لاقيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَة عَلَيْنا ... إنَّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنا وبِالصيِّاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فقال رسولُ الله ﷺ : مَن هذا السائق؟ فقالوا: عامرُ بنُ الأكوع، فقال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وَجَبَتْ يا رسول الله؛ لولا مَتَّعْتَنا به! ، قال: فأتينا خيبرَ، فحاصرناهم، حتى أصابتْنا مَخْمَصَة شديدة، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمْسَى الناسُ مساءَ اليوم الذي فُتِحَتْ عليهم أوْقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسولُ الله ﷺ : ما هذه النيرانُ؟ على أيِّ شيء توقدون؟ قالوا: على لحم، قال: على أيِّ لحم؟ قالوا: لحم الحُمُر الإِنسية، ⦗٣٣٧⦘ فقال النبيُّ ﷺ : أهْرِيقُوها واكْسِرُوها، فقال رجل: يا رسول الله، أوَ نُهرِيقُها ونغسلها؟ فقال: أَو ذَاكَ، فلما تَصَافَّ القومُ كان سَيفُ عامر فيه قِصَر، فتناول به يهودياً ليضربَهُ، فرجع ذُبابُ سيفه، فأصاب رُكْبَتَهُ، فماتَ منها، فلما قَفَلُوا، قال سلمةُ: رآني رسولُ الله ﷺ شاحِباً ساكتاً (٤) ، قال سلمةُ - وهو آخذ بيدي -[قال: ما لك؟] فقلت [له] : فداك أبي وأُمِّي، زعموا أن عامراً حَبِطَ عَمَلُه، قال: مَن قاله؟ قلتُ: قاله فلان وفلان، وأُسَيْد بنُ حُضَير، فقال رسولُ الله ﷺ : كذبَ مَن قاله، إن له لأجْرَيْن، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مُجاهِد، قَلَّ عربيّ مشى بها مثلَه. وفي رواية: نشأ بها» . أخرجه البخاري ومسلم، ولم يقل مسلم: «نشأ بها» . ولمسلم قال سلمةُ: «لما كان يومُ خيبر قاتَل أخي قتالاً شديداً مع رسول الله ﷺ ، فارتدّ عليه سَيْفُهُ فقتله، فقال أصحابُ رسولِ الله ﷺ في ذلك - وشكُّوا فيه - رجل مات في سلاحه، قال سلمةُ: فقفل رسولُ الله ﷺ من خيبرَ، فقلت: يا رسولَ الله، ائْذَنْ لي أن أرْجُزَ بك، فأَذِنَ له رسول الله ⦗٣٣٨⦘ ﷺ فقال عمر [بن الخطاب] : اعلمْ ما تقول، فقلتُ: واللهِ لولا الله مَا اهْتَدَيْنا ... وَلا تَصَدَّقْنا ولا صلّينَا فقال رسولُ الله ﷺ : صدقتَ. فأنزِلَنْ سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقَينَا والمشركون قد بَغَوْا علينا فلما قضيتُ رَجَزي، قال رسولُ الله ﷺ : مَن قال هذا؟ قلتُ: قاله أخي، فقال رسولُ الله ﷺ : يرحمه الله، قال: فقلتُ: يا رسول الله، والله إِن ناساً ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رَجُل مات بسلاحه، فقال رسولُ الله ﷺ : كذبوا، مات جاهِداً مجاهداً» . قال ابن شهاب: ثم سألتُ ابناً لسلمةَ بنِ الأكوع؟ فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال - حين قلتُ: «إن ناساً يهابون الصلاة عليه» ، فقال رسولُ الله ﷺ : «كذبوا مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين» . وأخرجه أبو داود مختصراً، قال: «لما كان يومُ خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً، فارتدَّ عليه سَيفُهُ فقتله، فقال أصحابُ رسولِ الله ﷺ في ذلك - وشكُّوا فيه - رجل مات بسلاحه، فقال رسولُ الله ﷺ : ماتَ جاهداً مُجاهداً. ⦗٣٣٩⦘ قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بنِ الأكوع ... » وذكر باقي الحديث إلى آخره. وأخرجه النسائي مثل رواية مسلم المفردة بطولها، وزاد: «وأشار بإصبعيه» (٥) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (هُنَيْهَاتِكَ) هنيهاتك وهُنَيَّاتك، يعني: الأشياء التي تظهر منه مما يُسْتَغْرَبُ ويستظرف ويُسْتَحْسَن ويُشتهى ونحو ذلك. (وَجَبَتْ) قوله: وجبت، أي: وجبت الرحمة والمغفرة التي تَرَحمَّ بها عليه، يعني: أنه باستغفاره له وجبت له المغفرة، وأنه يُقتَل شهيداً، وقد تقدَّم معنى قولهم: «لولا متّعتنا» . (مَخْمَصَة) المخمصةُ: المجاعة. (ذُبَاب) السيفِ: طرفُه الذي يُضرَبُ به. (قَفَلُوا) قفل المسافر: إذا رجع من سفره. ⦗٣٤٠⦘ (شاحباً) الشاحبُ: الجسم المتغيِّر، تقول: شَحَبَ يَشْحَبُ. (حَبِطَ) عمله، أي: بطل، وضاع أجرُه. (جاهداً) الجاهد: المبالغُ في الأمر الذي ينتهي إلى آخر ما يَجِد، والمجاهد: الغازي في سبيل الله تعالى.

стр. 6348

٦١٢٦ - (خ م س) أنس بن مالك ﵁ «أن رسولَ الله ﷺ غزا خيبرَ، قال: فصلّينا عندها صلاة الغَدَاةِ بغَلَس، فركبَ النبيُّ ﷺ ، وركبَ أبو طلحة، وأنا رَدِيفُ أبي طلحةَ، فأجْرَى نبيُّ الله ﷺ في زُقاقِ خيبرَ - وإن رُكبتي لتمَسُّ فَخِذَ نَبيِّ الله ﷺ وانْحَسَرَ الإزارُ عن فخذ النبيِّ ﷺ ، قال: فإني لأرى بَيَاضَ فَخذِ نبيِّ الله ﷺ . وفي رواية: ثم حَسَرَ رسولُ الله ﷺ الإزارَ عن فخذه، حتى [إِنِّي] أنظر إلى بياض فَخِذِ نبيِّ الله ﷺ ، فلما دخل القرية قال: الله أكبرُ، خَرِبَتْ خَيبرُ، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم، فساءَ صَباحُ المنْذَرين - قالها ثلاث مرات - قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد والخميسُ، قال: وأَصَبْنَاها عَنْوَة، وجُمع السَّبْيُ، فجاء دِحْيَةُ، فقال: يا رسولَ الله، أعطني جارية من السَّبْي، فقال: اذهب فخُذ جارية، فأخذ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيّ. فجاء رَجُل إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله، أعطيتَ دِحيةَ صفيَّةَ بنتَ حُيَيّ سيدةَ قريظةَ والنضيرِ، لا تصلُح إلا لك، قال: ادعوه بها، قال: فجاء بها، ⦗٣٤١⦘ فلما نظر إليها النبيُّ ﷺ قال: خُذ جارية من السَّبْي غيرَها، فأعْتَقها وتزوَّجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة، ما أَصْدَقَها؟ قال: نفسَها، أعْتَقها وتزوَّجَها - حتى إذا كان بالطريق جَهّزتْها أُمُّ سُليم، فأهدتْها له من الليل، فأصبحَ النبيُّ ﷺ عَرُوساً، فقال: مَن كان عنده شيء فليجِئُ به، قال: وبَسَط نِطْعاً، قال: فجعل الرجلُ يجيءُ بالأقِطِ، وجعل الرجل يجيءُ بالتمر، وجعل الرجل يجيءُ بالسمن، فحاسُوا حَيْساً، فكانت وليمةَ رسولِ الله ﷺ » . أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١) ، ولهذا الحديث طُرُق كثيرة طويلة ومختصرة، وَرَدَ بَعضُها في «كتاب الدعاء» من حرف الدال، وبعضُها في «كتاب الصَّدَاق» ، من حرف الصاد، وبعضُها في ذِكْر الوليمة والحمُرُ الإِنسية في «كتاب الطعام» من حرف الطاء، وبعضها في «كتاب الجهاد» من حرف الجيم، وبعضها في ذكر الركوب والارتداف من «كتاب الصحبة» في حرف الصاد، وبعضها جاء هاهنا، ويجيءُ بعضها في فضائل المدينة من «كتاب الفضائل» في حرف الفاء، ويجيءُ باقيها في «كتاب النكاح» ⦗٣٤٢⦘ من حرف النون إن شاء الله تعالى. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (حَسَرَ) عن وجهه اللثام، أي: كشفه، وكذلك الثوب عن بدنه. (الخميسُ) : الجَيْشُ. (عَنْوَة) فُتِحَتْ هذه البلدة عَنوة، أي: قهراً بغير صلح، كما يقال: أخذها بالسيف. (الأقِطُ) : لبن جامد يابس فيه قوة. (الحيسُ) : أخلاط من تَمْر وأقِط وسمن.

стр. 6349

٦١٢٧ - (خ) يزيد بن أبي عبيد قال: «رأيت أَثَرَ ضَرْبة في ساق سلمةَ ﵁، فقلتُ: يا أبا مُسلم، ما هذه؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يومَ خيبرَ، فقال لي الناسُ: أُصيبَ سلمةُ، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فَنَفَثَ فيها ثلاث نَفَثَات، فما اشتكيتُها حتى الساعة» أخرجه البخاري (١) .

стр. 6350

٦١٢٨ - (خ م د س) عبد الله بن مغفل ﵁ قال: «كنا مُحاصِري قَصْرَ خيبرَ، فرمى إِنسان بِجِرَاب فيه شَحْم، فَنَزَوْتُ لآخذَه، فالتفتُّ، فإذا النبيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ منه» . أخرجه البخاري ومسلم. ولمسلم قال: «أصبتُ جِراباً من شَحم يوم خيبرَ، قال: فالتزمتُه، ⦗٣٤٣⦘ وقلتُ: لا أَعْطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، فالتفتُّ، فإذا رسولُ الله ﷺ مُتَبَسِّماً» . وفي رواية أبي داود والنسائي قال: «دُلِّيَ جِراب من شَحم يومَ خَيْبَر، فأتيتُه فالتزمتُه، قال: ثم قلت ... وذكر رواية مسلم - وقال: يَتَبَسَّمُ إليَّ» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فَنَزَوْتُ) النّزْو: الوثوب على الشيء، ومنه نزا التَّيْسُ على الأنثى.

стр. 6351

٦١٢٩ - (د) أنس بن مالك ﵁ «أن رسولَ الله ﷺ غزا خيبرَ، فأصبناها عَنْوَة، فَجُمِع السَّبْيُ» . أخرجه أبو داود (١) .

стр. 6352

٦١٣٠ - (د) [محمد بن شهاب] الزهري ﵀ أن سعيد بن المسيب أخبره أن: «رسولَ الله ﷺ افْتَتَحَ بعض خيبرَ عَنْوَة» . أخرجه أبو داود (١) .

стр. 6353

٦١٣١ - (د) [محمد بن شهاب] الزهري ﵀ قال: بلغني «أن رسولَ الله ﷺ افتتح خيبر عَنْوَة بعد القتال، ونزل مَنْ نَزَلَ من أهلها على الجلاء بعد القتال» . أخرجه أبو داود (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الجَلاء) : النَّفي عن الأوطان.

стр. 6354

٦١٣٢ - (د) عبد الله بن سلمان (١) ﵀ أن رجلاً من أصحاب النبيِّ ﷺ حدَّثه، قال: «لما فَتحْنَا خيبرَ أخرجوا غنائمهم من المتاع والسَّبْي، فجعل الناس يتبايعون (٢) غنائمهم، فجاء رجل، فقال: يا رسولَ الله، لقد رَبِحْتُ اليومَ رِبحاً ما ربحه أحد من أهل هذا الوادي (٣) قال: ويحكَ، وما ربحتَ؟ قال: ما زلتُ أَبيعُ وأَبْتَاعُ حتى ربحتُ ثلاثمائةِ أُوقية، فقال له النبيُّ ﷺ : ألا أُنَبِّؤكَ بخيرِ ربح (٤) ؟ فقال: ما هو يا رسولَ الله؟ قال: ركعتين بعد ⦗٣٤٥⦘ الصلاة» . أخرجه أبو داود (٥) .

стр. 6355

عُمْرَة القَضَاء ٦١٣٣ - (خ م) البراء بن عازب ﵁ قال: اعْتَمر رسولُ الله ﷺ في ذي القَعدة، فأبى أهلُ مكةَ أن يَدَعُوه يدخلُ مكةَ، حتى قاضاهم على أن يدخلَ - يعني من العام المقبل - يُقِيمُ فيها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتابَ، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسولُ الله، قالوا: لا نُقِرُّ بها، فلو نعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما منعناك، ولكن أنتَ محمدُ بنُ عبد الله، فقال: أنا رسول الله، وأنا محمدُ بنُ عبد الله، ثم قال لعليِّ بن أبي طالب: امْحُ «رسول الله» قال: لا والله، لا أمحوك أبداً، فأخذ رسولُ الله ﷺ وليس يُحسِنُ يَكْتُبُ - فَكَتبَ: هذا ما قاضى عليه محمدُ بنُ عبد الله: لا يُدْخِلُ مكةَ السلاحَ إلا السيفَ في القِراب، وأن لا يَخرُجَ من أهلها بأحَد إن أراد أن يَتَّبِعَه، وأن لا يمنع من أصحابه أحداً إن أراد أن يُقيم بها، فلما دَخَلها ومضى الأجلُ أَتَوْا عليّاً، فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عَنَّا، فقد مضى الأجل، فخرجَ النبيُّ ﷺ ، فتَبِعَته ابْنَةُ حمزةَ تنادي: يا عمُّ، يا عم، فتناولها عليّ، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونكِ بنتَ عَمِّكِ، فحملتها، فاختصم فيها عليّ وزيد وجعفر، قال عليّ: أنا أخذتُها وهي بنتُ ⦗٣٤٦⦘ عمّي، وقال جعفر: بنتُ عمّي، وخالتُها تحتي، وقال زيد: بنتُ أخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتها، وقال: الخالةُ بمنزلة الأم، وقال لعليّ: أنتَ مِنِّي، وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهتَ خَلْقي وخُلُقِي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. وفي رواية قال: «لمّا صَالَحَ رسولُ الله ﷺ أهلَ الحديبية: كتب عليّ بينهم كتاباً، فكتب: محمد رسولُ الله، فقال المشركون: لا تكتبْ: محمد رسولُ الله، لو كنتَ رسولاً لم نُقاتِلْكَ، ثم [قال] لعليّ: امْحُه، فقال علي: ما أنا بالذي أَمْحوه، فمحاه رسولُ الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخُل هو وأصحابُه ثلاثة أيام، وأن لا يدخلوها إِلا بِجُلُبَّان السِّلاح، فسألوه: وما جُلُبَّانُ السِّلاح؟ قال: القِرَابُ بما فيه» والمسؤول عن جُلُبَّان السِّلاح هو أبو إسحاق [السبَّيعي] ، بَيَّنَ ذلك عبيد الله بن معاذ العنبريّ في حديثه قال: قال شعبة لأبي إسحاق: ما جُلُبَّان السلاح؟ قال: القِرَابُ [وما فيه] . وفي رواية قال: «صالَحَ النبيُّ ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياءَ: على أن مَن أتاه من المشركين ردَّه إِليهم، ومَن أتاهم من المسلمين لم يردُّوه، وعلى أن يدخلَها من قابل، ويُقيمَ بها ثلاثةَ أيام، ولا يدخلَها إِلا بجُلُبَّان السلاح - السيف والقوس ونحوه - فجاء أبو جَنْدَل يَحْجُلُ في قُيُودِهِ، فردَّه إليهم» . ⦗٣٤٧⦘ وفي أخرى: أن النبيَّ ﷺ لما أراد أن يَعْتَمرَ أَرْسَلَ إِلى أهل مكة يستأذِنُهم ليدخلَ مَكة، فاشترطوا عليه: أن لا يقيمَ بها إلا ثلاثَ ليال، ولا يدخُلها إِلا بجُلُبَّان السلاح، ولا يَدْعو منهم أحداً، قال: فأخذ يكتُبُ الشَّرْطَ بينهم عليُّ بنُ أبي طالب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسولُ الله، فقالوا: لو علمنا أنَّكَ رسولُ الله، لم نمنعْكَ، وتابَعْنَاكَ. وفي رواية لمسلم: بايعناك، ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد الله، فقال: أنا والله محمدُ بنُ عبد الله، وأنا رسولُ الله، قال: وكان لا يكتبُ، فقال لعليّ: امْحُ «رسولَ الله» ، فقال عليّ: لا والله لا أمحوه أبداً، قال: فأَرِنِيه، فأراه إِياه، فمحاهُ رسولُ الله ﷺ بيده، فلما دخل ومضى الأجلُ أَتَوْا عليّاً، فقالوا: مُرْ صاحبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ، فذكر ذلك عليّ لرسول الله ﷺ ، فقال: نعم، ثم ارْتَحَلَ. وفي أخرى ثم قال لعليّ: امْحُ «رسولَ الله» ، قال: لا، والله لا أمحوك أبداً، قال: فأخذ رسولُ الله ﷺ الكتاب - وليس يُحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... الحديث، وفيه ذكر بنت حمزة، والأخذ لها، والخصومة فيها» أخرجه البخاري ومسلم (١) . ⦗٣٤٨⦘ هذه «عمرة القضاء» : ليست من الغزوات، وإنما البخاري ذَكَرَها في كتاب الغزوات، حيث تضمَّنتْ ذِكْرَ المصالحة مع المشركين في الحديبية، وحيث ذكرها هاهنا اتَّبعناه، وذكرناها مثله. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (القِرَابُ) قِرَابُ السيف: ما يوضَع فيه بغمدِه، شبيه بالجِراب، وأرادوا في صلحهم أن يستروا السلاح ولا يظهروه. (جُلبَّان السلاح) الجُلبان أيضاً، يقال للقِراب وما فيه: جُلُبّان، وقال الأزهري: القِراب: غِمْدُ السيف، والجلبّان: شبه الجِراب من الأدَم يوضع فيه السيف مغموداً، ويَطرح فيه الراكب سَوطَه وأداته، ويعلقه في آخرة الرَّحْلِ، أو واسطته، وكأن اشتقاقه من الجُلْبة، وهي الجلدة التي تجعل على القَتَب، وهي كالغشاء للقِراب، وكذلك الجلدة التي تُغَشَّى بها التميمة تسمى جُلباناً، وقال ابن قتيبة «جُلُبّان» بضم الجيم واللام وتشديد الباء، قال: ولا أراه سُمِّي بذلك إلا لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية: جُلُبّانة وفي بعض الروايات «ولا يدخلها إلا بجُلْبان [السلاح] : السيفِ والقوس ونحوهما» يريد: ما كان مُغمَداً يحتاج في إظهاره إلى معاناة، لا بالرِّماح والقنا، لأنها أسلحة مُظْهَرة يمكن تعجيل الأذى بها، قال الهروي: والقول ما قال الأزهري. ⦗٣٤٩⦘ (يحجُل) الحَجْل: مشي المقيَّد ليقارب ما بين خطوه.

стр. 6356

غزوة مُؤتة من أرض الشام ٦١٣٤ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أَمَّرَ النبيُّ ﷺ في غزوةِ مؤتةَ زيدَ بنَ حارثةَ، فقال: إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رَواحة، قال ابن عمر: فكنتُ معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً، فوجدناه في القتلى، ووجدنا فيما أَقبل من جسده بِضعاً وسبعين بين طعنة ورمية (١) » . وفي أخرى «أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددتُ به خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دُبُره (٢) » . أخرجه البخاري (٣) .

стр. 6357

٦١٣٥ - (د) عباد بن عبد الله بن يزيد ﵀ قال: «حدثني أحدُ بني مرة بن عوف (١) - وكان في غزوة مؤتة - قال: لكأني أنظر إلى ⦗٣٥٠⦘ جعفر حين اقْتَحَمَ عن فرس له شَقْراء (٢) ، فعقرها، وكان أولَ مَن عقر في سبيل الله، ثم قاتل القومَ حتى قُتِلَ» . أخرجه أبو داود، وقال: [هذا] الحديث ليس بذاك القوي (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (اقْتَحَم عن فرسه) الاقْتِحامُ: الدخول في الأمر العظيم من غير فكرة، والمراد به هاهنا: نزوله عن فرسه في الحرب مُسرعاً. (فعقرها) عقرتُ الفرسَ، أي: ضربت قوائمها بالسيف، أو جرحتُها جرحاً لا ينتفع بها بعده، وإنما فعل ذلك مُوَطِّناً نفسَه على الموت، لأنه إذا قتل فرسه وبَقِيَ راجلاً فقد حقّق عزيمته على القتال، وأنه لا يَفِرُّ ولا ينهزم.

стр. 6358

٦١٣٦ - (خ س) أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «أخَذ الرايةَ زيد، فأُصِيبَ، ثم أخذها جعفر، فأُصيبَ، ثم أخذها عبد الله بنُ رَوَاحةَ، فأُصيبَ - وإِن عَيْنَيْ رسولِ الله ﷺ لَتَذْرِفانِ- ثم أخذها خالدُ بنُ الوليد من غيرِ إمْرة، ففُتحَ له» . ⦗٣٥١⦘ وفي رواية قال «خطبَ النبيُّ ﷺ ، فقال: أخذ الرايةَ زيد، فأصيبَ ... » وذكر نحوه، وقال في آخره: «وما يَسُرُّنا أَنَّهم عندنا - قال أيوب: أو قال: ما يسرّهم أنهم عندنا - وعيناه تَذْرِفَان» . وفي أخرى «أن النبيَّ ﷺ نَعَى زيداً وجعفراً وابنَ رَوَاحَةَ للناس، قبل أن يأتيَهم خبرُهم، فقال: أخذَ الرايةَ زيد ... فذكرهم، وقال في آخره: حتى أخذَ الرايةَ سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» أخرجه البخاريُّ. وأخرج النسائيُّ منه طرفاً «أنَّ رسولَ الله ﷺ نَعَى زيداً وجعفراً قبل أن يجيءَ خَبرُهم، فنعاه وعيناه تَذْرِفَانِ» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (لَتَذْرِفان) ذرفت العينُ: سالَ دَمْعُها.

стр. 6359

٦١٣٧ - (خ) قيس بن أبي حازم ﵀ قال: سمعتُ خالداً يقول: «لقد انقطعت يوم مُؤتَةَ تسعةُ أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة (١) يمانيَّة» أخرجه البخاري (٢) .

стр. 6360

٦١٣٨ - (م د) عوف بن مالك ﵁ قال: «خرجتُ مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتةَ، وَرَافَقَني مَدَدِيٌّ (١) من اليمن، ليس معه غيرُ سيفِهِ، فنحرَ رجل من المسلمين جَزُوراً، فسأله المَدديُّ طائفة مِنْ جِلدِه، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدَّرَقِ، ومضينا فَلَقِينا جموعَ الرُّوم فيهم رجل على فرس له أشقرَ، عليه سَرْج مُذَهَّب، وله سِلاح مذهّب، فجعل الرُّوميُّ يَفَرِي بالمسلمين، فقعد له المدديُّ خلف صَخْرَة، فمرَّ به الرُّوميُّ فعَرقَبَ فرسه بسيفه، وخرَّ الروميُّ، فعلاه بسيفه وقتله، وجاز فرَسه وسلاحَه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالدُ بنُ الوليد فأخذ منه بعضَ السَّلَبِ، قال عوف: فأتيتُ خالداً، وقلتُ له: أما علمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قضى بالسَّلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرتُهُ، قلت: لَتَرُدَّنَّه إليه أو لأُعَرِّفَنَّكَها عند رسول الله ﷺ ، فأَبى أن يَرُدَّ عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ ، فقصَصْتُ عليه قِصَّةَ المدديِّ، وما فعلَ خالد، فقال رسولُ الله ﷺ : يا خالد، ما حَمَلَك على ما صنعتَ؟ قال: استكثرتُهُ، فقال: رُدَّ عليه الذي أَخذتَ منه، قال عوف: فقلتُ: دونَكها يا خالد، ألم أُوفِ (٢) لك؟ [فقال رسولُ الله ﷺ : وما ذلك؟ فأخبرتُه، قال:] فَغَضِبَ رسولُ الله ﷺ ، وقال: ⦗٣٥٣⦘ يا خالد، لا تردَّ عليه، هل أنتم تاركون (٣) لي أُمَرائي لكم صِفْوة أَمرهم، وعليهم كَدَرُه؟» أخرجه أبو داود. وفي رواية مسلم قال: «خرجتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَع زيد بن حارثة في غزوة مؤتةَ، ورافقني مدديٌّ من اليمن ... » وساق الحديث عن النبيِّ ﷺ بنحوه. هكذا قال مسلم، ولم يذكر لفظه، ويعني بنحوه: الرواية التي تجيءُ له بعد هذه، فإنه ذكرها في كتابه قبل هذه، قال: غيرَ أَنَّهُ قال في الحديث «قال عوف: فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قضى بالسَّلَبِ للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته» . وله في رواية «قال عوفُ بنُ مالك: قَتَلَ رجل من حِميرَ رجلاً من العَدُوِّ، فأراد سَلَبه، فمنعه خالدُ بنُ الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسولَ الله ﷺ عوفُ بنُ مالك فأخبره، فقال لخالد: ما منعكَ أن تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ قال: استكثرتُهُ يا رسول الله، قال: ادفَعْهُ إليه، فمرَّ خالد بعوف فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزْتُ لكَ ما ذكرتُ لكَ مِنْ رسولِ الله ﷺ ؟ فسمعه رسولُ الله ﷺ فاستُغْضِبَ، فقال: لا تُعْطِهِ يا خالدُ، هل أنتم تاركون (٣) لي أُمرائي؟ إنما مثلُكم ومثلُهم: كَمَثَلِ رجل استُرْعِي إِبلاً أو غنماً ⦗٣٥٤⦘ فرعاها، ثم تَحيَّنَ سَقْيها، فأوردها حوضاً، فَشَرَعَتْ فيه، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لكم، وكَدَرُهَ عليهم» (٤) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (يَفْرِي بالمسلمين) كناية عن شدة نِكايته فيهم، يُقال: فلان يفري الفِرِيَّ: إذا كان يُبالغ في الأمر، وأصل الفَرْي: القطع. (لأعَرِّفَنّكَها) أي: لأجازينَّك بها، حتى تعرف صنيعك هذا. (دونكها) أي: خذها، كأنه وافقه على ما وعده. (صِفْوةُ) الشيء - بكسر الصاد -: خالصه، وما صفا منه، إذا أثْبَتَّ الهاء كسرت الصاد، وإذا حذفتها فتحتها، فقلت: صَفْوُ الشيء. (تَحَيَّن) تحيَّنتُ وقتَ الشيء: إذا انتظرتَه وتَرقَّبْتَه، وهو طلب الحين.

стр. 6361

٦١٣٩ - () النعمان بن بشير ﵁ قال: «تلقَّانا رسولُ الله ﷺ ، مُنصرَفنا من مؤتةَ، فقال قائل: أنتم الفرَّارون؟ فقال رسولُ الله ﷺ : لا، بل هم الكرّارون، وأنا فِئةُ كلِّ مسلم» أخرجه ... (١) . ⦗٣٥٥⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فئة) الفئة: القوم من الجيش من وراء المقاتلة، إن انهزموا رجعوا إليهم.

стр. 6362

بعث أسامة بن زيد إلى الحُرَقات (١) من جهينة ٦١٤٠ - (خ م د) أبو ظبيان (٢) [حصين بن جندب] قال: سمعتُ أُسامةَ بنَ زيد يقول: «بَعَثَنا رسولُ الله ﷺ إِلى الحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا القومَ فهزمناهم، ولَحِقتُ أنا ورجُل من الأَنصار رجلاً منهم، فلما غَشِيناه، قال: لا إِله إِلا الله، فَكفَّ [عنه] الأنصاريُّ، وطعَنْتُهُ بِرُمْحِي، حتى قتلتُه، فلما قَدِمْنا، بلغَ النبيَّ ﷺ ، فقال: يا أُسامةُ، أقتلتَهُ بعدما قال: لا إِله إِلا ⦗٣٥٦⦘ الله (٣) ؟ قلتُ: إِنما كان متعوِّذاً، فقال: أقتلتَهُ بعدما قال: لا إِله إِلا الله؟ فما زالَ يُكرِّرُها حتى تمنيتُ أَنّي لم أكنْ أسلمتُ قبلَ ذلك اليومِ» . وفي رواية قال: «بعثنا رسولُ الله ﷺ في سرَّية، فَصبَّحْنا الحُرَقَات من جُهينة، فأدركتُ رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرتُه للنبيِّ ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : أقال: لا إله إلا الله وقتلتَهُ؟ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنما قالها خوفاً من السِّلاح، قال: أَفلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ فما زال يكرِّرُها عليَّ، حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذ، قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلماً حتى يقتله ذُو البُطَين - يعني: أسامةَ - قال: فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ؟ فقال سعد: قد قاتلْنا حتى لا تكونَ فتنة، وأنتَ وأصحابُك تريدون أن تقاتِلوا حتى تكونَ فتنة» أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج أبو داود نحو الأولى، ولم يذكر الأنصاريَّ، وإنما قال: «فضربناه حتى قتلناه» (٤) . ⦗٣٥٧⦘ قلتُ: هذا سعد المذكور في الحديث هو سعدُ بن أبي وقَّاص، وسبب هذا القول من سَعْد، أن أسامةَ لما سمع هذا القول من رسولِ الله ﷺ لم يُقاتِلْ مسلماً، ولا شهدَ شيئاً من الفِتَنِ الحادِثَةِ بين الصحابة، وكذلك سعد اعتزل عن الفِتَنِ، فلم يشهدْ منها شيئاً، وقال: إنني لا أَقْتُلُ إلا من يقتُلُه أسامةُ، وليس لقوله هذا في الحديث مَدْخَل، ولا له به تَعَلُّق. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (غَشِيناه) أدركناه ولحقناه، كأنهم أتَوهُ من فَوقه. (مُتعوِّذاً) المُتَعوِّذُ: الملتجِئ خوفاً من القتل.

стр. 6363

٦١٤١ - (م) جندب بن عبد الله البجلي ﵁ «بعثَ إلى عَسْعَسَ بنِ سلامةَ زَمَن فتنةِ ابنِ الزُّبير، فقال: اجمع لي نفراً من إخوانك حتى أُحدِّثَهم، فبعث رسولاً إِليهم، فلما اجتمعوا جاء جُنْدُبُ وعليه بُرْنُس أصفرُ، فقال: تحدَّثوا بما كنتم تتحدَّثون به، حتى دار الحديثُ، فلما دار الحديثُ إِليه: حَسَر البُرْنُسَ عن رأسه، فقال: إني أتيتُكم، ولا أريدُ أن أحدِّثكم إلا عن نبيِّكم ﷺ (١) ، إِنَّ رسولَ الله ﷺ بعث بَعْثاً من المسلمين ⦗٣٥٨⦘ إلى قوم من المشركين، وإنهم التَقَوْا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصِدَ إلى رجل من المسلمين قَصَدَ له فقتله، وإن رجلاً [من المسلمين] قَصَدَ غَفْلَتَه، قال: وكنا نتحدَّثُ: أنه أسامةُ بنُ زيد - فلما رفع عليه السيفَ، قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشيرُ إلى رسولِ الله ﷺ ، فسأله وأخبره حتى أخبره خبرَ الرجل: كيف صنع، فدعاه، فسأله، فقال: لِمَ قَتَلتَه؟ فقال: يا رسولَ الله، أوجعَ في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً - وسمى له نفراً - وإني حملتُ عليه، فلما رأى السيفَ، قال: لا إله إلا الله، قال رسولُ الله ﷺ : أقتلتَهُ؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بـ «لا إله إلا الله» إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: يا رسولَ الله استغفر لي، قال: وكيف تصنع بـ «لا إله إلا الله» إِذا جاءت يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: فكيف تصنع بـ «لا إله إلا الله» إذا جاءت يوم القيامة؟» أخرجه مسلم (٢) .

стр. 6364

غزوة الفَتْح ٦١٤٢ - (خ م د ت) علي بن أبي طالب ﵁ قال عُبيد الله بنُ أبي رافع - وكان كاتباً لعليّ - سمعتُ علياً ﵁ يقول: «بعثني رسولُ الله ﷺ ، أنا والزبيرَ والمقدادَ، فقال: انطلقوا حتى تأتوا رَوْضةَ ⦗٣٥٩⦘ خَاخ (١) ، فإِن بها ظَعينة معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلُنا حتى أتينا الرَّوضة، فإذا نحن بالظَّعينةِ، فقلنا: أَخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتُخْرِجنَّ الكتابَ أو لتُلْقِيَنَّ الثيابَ، فأخرجتْهُ من عِقاصها، قال: فأتينا به النبيَّ ﷺ ، فإذا فيه: من حاطبِ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى ناس من المشركين من أهلِ مكةَ، يخبرُهُم ببعض أمرِ رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : يا حاطبُ، ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجَلْ عليَّ، إِني كنتُ امرءاً مُلْصَقاً في قريش، ولم أكنْ من أنْفُسهم (٢) ، فكان من مَعَكَ من المهاجرين لهم قرابة يَحْمُون بها أموالهم وأهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ - إِذْ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن أتَّخِذَ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإِسلام، فقال رسولُ الله ﷺ : إِنه قَد صَدَقَكم، فقال عمرُ: دعني يا رسول الله أضربْ عُنُق هذا المنافق، فقال رسولُ الله ﷺ : إِنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، قال: فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] » . ⦗٣٦٠⦘ وفي رواية أبي عبد الرحمن السلمي (٣) [عن عليّ] قال: بعثني رسولُ الله ﷺ والزبيرَ بنَ العوام وأبا مَرْثَد - وكلُّنا فارس ... ثم ساقه بمعناه» ولم يذكر نزول الآية، ولا ذَكَرَها في حديث عبيد الله بعضُ الرواة، وجَعَلَها بعضُهم من تلاوة سفيان (٤) ، وقال سفيان: لا أدري الآية في الحديث، أو من قول عمرو - يعني ابنَ دينار. وفي رواية نحوه، وفيه «حتى أدركناها حيث قال لنا رسولُ الله ﷺ تسيرُ على بعير لها، فقلنا: أينَ الكتابُ الذي معكِ؟ قالت: ما معي من كتاب فأنَخْنَا بعيرَها، فَابْتَغَينا في رَحْلِها، فما وجدنا شيئاً، فقال صاحباي: ما نرى معها كتاباً، فقلتُ: لقد علمنا ما كذبَ رسولُ الله ﷺ ، وما كذَبَ، والذي يُحلَف به لَتُخْرِجنَّ الكتاب، أو لأُجَرِّدَنَّكِ، فأهْوَتْ إِلى حُجزَتِها وهي مُحتَجِزَة بكساء - فأخرجت الصحيفة من عِقاصها، فأتينا بها رسولَ الله ﷺ .... وذكر الحديث» . أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج أبو داود والترمذي الرواية الأولى (٥) . ⦗٣٦١⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الظَّعِينة) في الأصل: المرأة ما دامت في الهَودج، ثم جُعِلَتِ المرأةُ إذا سافرتْ ظعينة، ثم نقل إلى المرأة نفسها، سافرت أو أقامت، وظَعَن يَظْعَن: إذا سافر. (عِقَاصُها) العِقاص: الخيطُ الذي تعقِص - أي تشد - به المرأة أطرافَ ذَوَائِبها، وأصل العقص: الضَّفْر واللَّيُّ، هكذا شرحه الحميدي في غريبه، وفيه نظر، فإن العِقاص: جمع عَقْصة أو عقيصة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لُوِيَت وجُعلت مثل الرُّمانة، أو لم تُلْوَ، والمعنى: أخرجتِ الكتابَ من ضفائرها المعقوصة. (مُلْصَقاً) الملصق: هو الرجل المقيم في الحي، وليس منهم بنسب. (ابتغينا) الابتغاء: الطلب. (حُجْزة) احتجَزَ الرجل: شدَّ إزاره على وسطه، والحُجْزَةُ: موضع الشد.

стр. 6365

٦١٤٣ - (م) عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كتبَ حاطِبُ ⦗٣٦٢⦘ ابن أبي بلتعةَ إِلى أهل مكةَ، فأطْلع الله نبيَّه ﷺ على ذلك، فبعث علياً والزبيرَ في أثر الكتاب، فأَدْركا المرأةَ على بعير، فاستخرجاه من قُرُونها فأتيا به رسولَ الله ﷺ ، فأَرسل إلى حاطب، فقال: يا حاطبُ، أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: يا رسولَ الله، أمَا والله إني لَنَاصِح لله ولرسوله، ولكني كنتُ غريباً في أهْل مكةَ، وكانَ أهلي بين ظَهْرَانيْهم، وخشيتُ عليهم، فكتبتُ كتاباً لا يضر الله ورسولَه شيئاً، وعسى أن يكونَ منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطتُ سيفي، ثم قلتُ: يا رسولَ الله أمْكنِّي من حاطب، فإنَّهُ قد كَفَرَ، فأضربَ عُنُقَه، فقال رسولُ الله ﷺ : يا ابنَ الخَطَّاب، ما يُدريك؟ لعل الله قد اطّلعَ على هذه العِصَابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» أخرجه مسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ظهْرَانِيهم) فلان بين ظهراني القوم - بفتح النون – أي: بينَهم وعندَهم.

стр. 6366

٦١٤٤ - (خ م) عبد الله بن عباس ﵄ «أَنَّ ⦗٣٦٣⦘ رسولَ الله ﷺ غزا غزوة الفتح في رمضان» . قال الزهري: وسمعتُ سعيدَ بنَ المسيّب يقول مثل ذلك. أخرجه البخاري. وفي رواية له ولمسلم «أن النبيَّ ﷺ خرج [في رمضانَ] من المدينةِ، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمانِ سنين ونصف من مَقْدَمهِ المدينةَ، فسار بمن معه من المسلمين إِلى مكةَ، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِيدَ - وهو ما بين عُسفَان وقُدَيد - أفطَر وأَفطَروا إلا أن لفظ البخاري أتمُّ وأطولُ، وهو هذا، وقد تقدَّم لهذا روايات في «كتاب الصوم» من حرف الصاد (١) .

стр. 6367

٦١٤٥ - (خ) عروة بن الزبير ﵄ قال: لما سارَ رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح، فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيانَ بنُ حرب، وحكيمُ بنُ حزام، وبُدَيْلُ بنُ وَرقاءَ، يلتمسون الخبر عن رسولِ الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى أَتَوا مَرَّ الظَّهران، فإذا هم بِنيران، كأنها نِيرانُ عَرَفَةَ، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفةَ، فقال بُديل بنُ ⦗٣٦٤⦘ ورقاءَ: نيرانُ بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقلُّ من ذلك، فرآهم ناس من حَرَس رسولِ الله ﷺ ، فأدركوهم فأخذوهم، فأتَوا بهم رسولَ الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان، فلما سارَ قال للعباس: احبس أَبا سفيان عند خَطْم الجبل، حتى ينظرَ إِلى المسلمين، فَحَبَسَهُ العباسُ، فجعلتِ القبائل تمرُّ مع النبيِّ ﷺ ، تَمُرُّ كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرَّتْ كَتيبة، فقال: يا عباس، مَنْ هذه؟ قال: هذه غِفَار، قال: مالي ولغفار، ثم مرتْ جُهينةُ، فقال: مثل ذلك، ثم مرَّتْ سعدُ بنُ هُذَيم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سُلَيم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلُها، قال: مَن هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعدُ بنُ عُبادَةَ معه الرايةُ، فقال سعدُ بنُ عبادةَ: يا أبا سفيان «اليومَ يومُ الملْحَمَةِ، اليومَ تُستحلُّ الكعبةُ، فقال أبو سفيان: يا عباس، حَبَّذا يومُ الذِّمار، ثم جاءت كتيبة، وهي أَجَلُّ الكتائب، فيهم رسولُ الله ﷺ وأصحابُهُ، ورايةُ النبيِّ ﷺ مع الزبير، فلما مرَّ رسولُ الله ﷺ بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعدُ بنُ عُبَادَةَ؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا، فقال: كَذَبَ سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم الله فيه الكعبةَ [ويوم تُكْسَى فيه الكعبةُ] قال: وأَمَرَ رسولُ الله ﷺ أن تُركَزَ رايتُهُ بالحُجُون، قال عروةُ: فأخبرني نافعُ بنُ جُبَيْرِ بن مطعم قال: سمعتُ العباس يقول للزبير [بن العوام] : يا أبا عبد الله، أهاهنا أَمَركَ رسولُ الله ﷺ ⦗٣٦٥⦘ أن تركز الراية؟ قال: نعم، قال: وأمر رسولُ الله ﷺ يومئذ خالدَ بنَ الوليد أن يدخلَ من أعلى مكةَ من كَدَاءَ (١) ، ودخل النبيُّ ﷺ من كُدَىً، فَقُتِلَ من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان: حُبَيْش بنُ الأشعر، وكُرْزُ بنُ جابر الفهريُّ» . أخرجه البخاري (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (خَطْم الجبل) هذه اللفظة قد جاءت في كتاب الحميدي «خطم الجبل» وفسرها في غريبه، فقال: الخطم والخطمة: رَعْن الجبل، وهو الأنف النادر منه، والذي جاء في كتاب البخاري - فيما قرأناه - وفي غيره من النسخ «حطم الخيل» مضبوطاً هكذا، وذلك بخلاف رواية الحميدي، فإن صحت الرواية ولم تكن خطأ من الكُتَّاب، فيكون معناه - والله أعلم - أنه يقف به في ⦗٣٦٦⦘ الموضع المتضايق الذي تتحطم فيه الخيل، أي: يدوس بعضُها بعضاً، ويحطم بعضها بعضاً، فيراها جميعاً، وتكثر في عينه، بكونها في ذلك الموضع الضيق، بخلاف ما إذا كانت في موضع مُتَّسع، وكذلك أراد بوقوفه عند خَطم الجبل على ما شرحه الحميدي، فإن الأنف النادر من الجبل يضيق الموضع الذي يخرج فيه، والله أعلم. (كتيبة) الكتيبة: واحدة من الكتائب، وهي العساكر المرتبة. (الملحمة) : الحربُ والقتال الذي لا مخلص منه. (الذِّمار) : ما لزمك حفظه، يقال: فلان حامي الذِّمار: يحمي ما يجب عليه حفظه. (بالحُجُون) الحجون: أحد جبلي مكة من جهة الغرب والشمال. (من كَدَاءِ) كَداء بالفتح والمدّ: ثَنِيَّة من أعلى مكة، مما يلي المقبرة، وكُدى - بالضم والقصر - ثَنِيَّة من أسفل مكة.

стр. 6368

٦١٤٦ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «لما نزل رسولُ الله ﷺ مَرَّ الظّهرانِ، قال العباسُ: قلتُ: واللهِ، لئن دخل رسولُ الله ﷺ مكة عَنْوَة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لَهَلاكُ قريش، فجلستُ على بغلةِ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: لعلِّي أجِدُ ذا حاجة يأتي [أهلَ] مكة، فيُخْبِرُهم بمكانِ رسولِ الله ﷺ ليخرجوا إِليه، فيستأمنوه، فإني ⦗٣٦٧⦘ لأسيرُ [إِذ] سمعتُ كلام أبي سفيان، وبُديل بن ورقاءَ، فقلتُ: يا أبا حنظلة، فعَرَف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلتُ: نعم، قال: ما لك فِدَاكَ أبي وأُمي؟ قلتُ: هذا رسولُ الله ﷺ والناسُ، قال: فما الحِيلَةُ؟ [قال] : فركب خلفي، ورجعَ صاحبُه، فلما أصبحَ غَدَوتُ به على رسولِ الله ﷺ ، فأسلم، قلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّ أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فاجعلْ له شيئاً، قال: نعم، مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن، ومن أغْلَقَ بابَه عليه فهو آمِن، ومَن دخل المسجد فهو آمِن، قال: فتفرَّق الناس إلى دورهم وإِلى المسجد» . وفي رواية مختصراً «أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءه العباسُ بن عبد المطلب بأبي سُفيانَ بنِ حَرْب، فأسلم بمر الظهران، فقال له العباسُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيان رجل يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلتَ له شيئاً؟ قال: نعم، مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومَن أغلق بابه فهو آمِن» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 6369

٦١٤٧ - (م د) عبد الله بن رباح قال: «وَفَدَت وفود إلى معاويةَ - وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضُنا لبعض طعاماً، فكان أبو هريرة ﵁ مما يُكْثِر أن يَدْعُونا إلى رَحْلِه، فقلتُ: ألا أصنعُ طعاماً فأدعوهم ⦗٣٦٨⦘ إلى رَحْلي؟ فأمرتُ بالطعام يُصنَع، ثم لَقيتُ أبا هريرة من العَشِيِّ، فقلتُ: الدَّعْوَةُ عندي الليلةَ، فقال: سَبَقْتَني؟ فقلتُ: نعم، فدعوتُهم، فقال أبو هريرة: ألا أُعْلِمُكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ... ثم ذَكَرَ فَتْحَ مَكةَ، فقال: أقبلَ رسولُ الله ﷺ حتى قَدِمَ مكةَ، فبعث الزبيرَ على إِحدى المُجَنِّبَتَين، وبعث خالداً على المُجَنِّبَةِ الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، فأخذ [وا] بَطْن الوادي ورسولُ الله ﷺ في كَتِيبة، قال: فنظر فرآني، فقال: أبو هريرة؟ قلتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله، فقال: اهتف: (١) لا يأتيني إلا أنصاريّ - ومن الرواة مَن قال: اهْتِفْ لي بالأنصار، قال: فأطافوا به، ووبشّتْ قريش من أوباش لها وأتباع وفي رواية: ووبشت قريش أوْباشَها وأتْبَاعَها (٢) - فقالوا: نُقدّم هؤلاءِ، فإن كان لهم شيء كُنَّا معهم، وإن أُصِيبوا أَعْطَيْنَا الذي سَلبنا (٣) ، فقال رسولُ الله ﷺ : تَرَونَ إِلى أوْباشِ قريش وأتباعِهم؟ ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى- ثم قال: حتى تُوافُوني بالصفا، قال: فانطلقنا، فما شاءَ أحد مِنَّا أَن يَقْتُلَ أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يُوَجِّه إلينا شيئاً، قال: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قُريشَ بعد اليوم، ⦗٣٦٩⦘ قال: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصارُ بعضُهم لبعض: أما الرَّجُل فَأْدْرَكَتْهُ رَغْبة في قريته، ورَأْفَة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحيُ - وكان إذا جاء [الوحيُ] لا يخفى علينا، فإِذا جاء فليس أحد يرفع طَرْفه إلى رسولِ الله ﷺ حتى ينقضيَ الوحيُ - فلما قُضِيَ الوحيُ قال رسولُ الله ﷺ : يا معشر الأنصار، قالوا: لَبَّيك يا رسول الله، قال: قلتم: أمَّا الرجلُ فأدركتْهُ رَغْبَة في قَريَتِه؟ قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا إني عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إلى الله وإِليكم، المَحْيا مَحْياكم، والمماتُ مماتُكم، فأقْبلوا إِليه يَبْكُون، ويقولون: واللهِ ما قلنا الذي قلنا إلا الضِّنّ بالله وبرسوله، فقال رسولُ الله ﷺ : إِن الله ورسولَهُ يُصدِّقانكم، ويَعْذِرانكم، قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأَغْلَق الناسُ أبوابَهم، قال: وأقْبل رسولُ الله ﷺ حتى أقبلَ إلى الحجَر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صَنَم إلى جانبِ البيتِ كانوا يعبدونه: قال: وفي يد رسول الله ﷺ قَوس، وهو آخِذ بِسِيَةِ القوسِ، فلما أتى على الصنم جعل يَطْعنُ في عيْنِهِ، ويقول: جاء الحق، وزهق الباطل، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فَعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يَدَيه، فجعل يحمَدُ الله، ويدعو ما شاءَ أن يدعوَ» . وفي رواية بهذا الحديث، وزاد في الحديث «ثم قال بيديه، إحداهما ⦗٣٧٠⦘ على الأخرى: احْصُدُوهم حصداً» ، قال: وفي الحديث «قالوا: قلنا: ذاك يا رسول الله، قال: فما اسمْي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسولُه» . وفي أخرى قال: «وَفَدْنا إلى معاويةَ بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، وكان كلُّ رجل منَّا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نَوْبَتي، فقلتُ: يا أبا هريرة، اليوم يومي (٤) ، فجاؤوا إلى المنزل ولم يُدْرِكْ طعامُنا، فقلتُ: يا أبا هريرة، لو حدَّثْتَنَا عن رسولِ الله ﷺ حتى يُدرِكَ طعامُنا؟ فقال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالدَ بنَ الوليد على المجَنِّبة اليمنى، وجعل الزبيرَ على المجنبِّة اليسرى، وجعل أبا عُبيدة على البَيَاذِقَةِ وبَطْنِ الوادي، فقال: يا أبا هريرةَ، ادْعُ لي الأنصار، فدعوتُهم، فجاؤوا يُهَرْوِلُون، فقال: يا معشر الأنصار، هل تَرَوْنَ أوْباش قُريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لَقِيتُموهم غداً: أن تحصُدُوهم حَصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شِماله - وقال: موعدُكم الصّفا، قال: فما أشْرَفَ لهم يومئذ أحد إلا أناموه، قال: وصَعِدَ رسولُ الله ﷺ الصّفا، [وجاءتِ الأنصارُ، فأطافوا بالصفا] ، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسولَ الله، أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قريشَ بعدَ اليوم، قال أبو سفيان: مَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمِن، ⦗٣٧١⦘ ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، ومَن أغلق بابَهُ فهو آمِن؟ فقال رسولُ الله ﷺ : مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِن، وَمَن أغلقَ بابَه فهو آمِن، فقالت الأنصارُ: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتْهُ رأفة بعشيرته، وَرَغْبَة في قَرْيتِهِ، ونزل الوحيُ على رسولِ الله ﷺ ، قال: قلتُم: أمَّا الرجلُ: فقد أخذتهُ رأْفة بعشيرته، ورَغبة في قريته؟ أَلا فما اسْمِي إذاً؟ - ثلاثَ مرات - أنا محمَّد عبد الله ورسولهُ، هاجرتُ إِلى الله وإليكم، فالمحيا محْياكم، والمماتُ مماتُكم، قالوا: والله، ما قلنا إِلا ضِنَّا بالله ورسوله، قال: فإن الله ورسولَهُ يُصَدِّقَانِكم ويَعْذِرانِكم» . أخرجه مسلم. وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن رباح الأنصاريِّ عن أبي هريرة قال: «إنَّ رسولَ الله ﷺ لما دخل مكة سَرَّحَ الزبيرَ بن العوام، وأبا عُبيدة بنَ الجراح، وخالد بنَ الوليد على الخيل، وقال: يا أبا هريرة، اهْتِفْ بالأنصار، فلما اجتمعوا قال: اسْلُكُوا هذا الطريق، فلا يُشرِفنَّ لكم أحد، إِلا أنَمْتُموه، فنادى مُنَاد: لا قريشَ بعد اليوم، فقال رسولُ الله ﷺ : مَن دخل داراً فهو آمِن، ومَن أَلْقَى السلاحَ فهو آمِن، فعَمَد صَنَادِيدُ قريش فدخلوا الكعبةَ، فَغَصَّ بهم، وطاف النبيُّ ﷺ وصلَّى خَلفَ المقام، ثم أخذ بجَنَبَتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبيَّ ﷺ على الإسلام» (٥) . ⦗٣٧٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (المُجنِّبَتَين) المُجَنِّبَةُ: جَانِبُ العسكر، وله مُجَنِّبتان: ميمنة وميسرة. (على الحُسَّر) جمع حاسر، وهو الذي لا دِرْعَ عليه ولا مِغْفَر، وقد روي في كتب الغريب «الحُبَّس» وهم الرَّجَّالة، سموا بذلك لتأخرهم عن الركبان، قال: وأحسب الواحد حَبِيساً، فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن [يكون] حابساً، كأنه يَحْبِسُ مَن يسير من الركبان بمسيره. قال الحميدي: والذي رأيناه من رواية أصحاب الحديث «الحسّر» والله أعلم. (وَبَّشت أوباشها) الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعاً من أقوام متفرِّقين في الأنساب والأماكن. (أُبِيدت خضراءُ قريش) أي: استُؤْصِلَتْ وأُهْلِكت، وخضراؤها: سوادها ومعظُمها، والعرب تُعبِّر بالخُضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة. (الضِّنُّ) : البخل والشُّحُ، ضَنِنْتُ أَضنُّ، وضَنَنْتُ أضِنُّ. (فَاسْتَلَمَه) استلام الحجر الأسود: لَمسهُ باليد. (سِيَة القوس) مخففاً: طرفها إلى موضع الوَتر. (زهق الباطل) أي: اضْمَحَلَّ وذهب ضائعاً. ⦗٣٧٣⦘ (البَيَاذِقَةُ) الرَّجَّالة، سمّوا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم، وهذا القول مما يعضد رواية أصحاب الغريب في «الحبس» موضع «الحُسَّر» فإن الحبَّس: هم الرَّجَّالة على ما فسروه، فقد اتفقت الروايتان في المعنى، فقال مرة: «الحبَّس» وقال مرة: «البياذقة» أراد بهما: الرَّجَّالة، بخلاف «الحسَّر» وقد يمكن أن يجمع بين «الحسّر» و «البياذقة» فإن «الحسَّر» هم الذين لا سلاح معهم، أو لا درع عليهم ولا مِغْفَر، والغالب من حال الدَّارعين: أنهم الفُرسان، وأن الرَّجَّالة: لا يكون عليهم دروع، لأمرين، أحدهما: أن الراجل يثقله الدِّرع، والآخر: أن الرَّاجل لا يكون له درع لضعفه ورِقَّة حاله، والله أعلم. (احْصدُوهم) الحصد: كناية عن الاستئصال والمبالغة في القتل. (أحْفَى) قال الحميدي: أحْفى بيده: أشار بحافتها، وصفاً للحصد والقتل. (أناموه) أي: قتلوه، ومنه سمي السيف مُنِيماً، أي: مُهلكاً.

стр. 6370

٦١٤٨ - (خ م ط د ت س) أنس بن مالك ﵁ «أن النبيَّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فلما نَزَعَه جاء رجل، فقال: ابنُ خَطَل مُتَعلِّق بأستارِ الكعبةِ، فقال رسولُ الله ﷺ : اقتُلوه» ⦗٣٧٤⦘ أخرجه الجماعة (١) . وقال الموطأ: ولم يكن فيما نرى يومئذ - والله أعلم - مُحْرِماً وقال أبو داود (٢) : اسمُ ابن خَطَل: عبد الله، وكان أبو بَرزَةَ الأسلمي قَتَلَهُ.

стр. 6371

٦١٤٩ - (د س) سعد بن أَبي وقاص ﵁ قال: «لما كان يومُ فَتْحِ مكةَ أمَّنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ إِلا أربعة نَفر، وامرأتين، فسماهم، وابنَ أبي سرح. ... فذكر الحديث، قال: وأمَّا ابنُ أبي سَرْح، فإنه اخْتَبأ عند عثمان، فلما دعا رسولُ الله ﷺ الناس إِلى البَيْعَةِ، جاء به حتى أوْقَفه على النبيِّ ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله، بَايِعْ عبد الله، فرفع رأسَه، فنظر إليه ثلاثاً، كلُّ ذلك يأَبَى، فبايَعه بعدَ ثلاث، ثم أقبلَ على أصحابه، فقال: ما كان فيكم رجل رشيد، يقومُ إلى هذا حيث رآني كَفَفْتُ يدي عن بيعته فَيَقْتله، قالوا: ما نَدري يا رسولَ الله ما في نفسكَ، ألا أوْمَأتَ إلينا بعينك؟ قال: إنَّهُ لا ينبغي لنبيّ أن تكونَ له خائِنَةُ الأعين» . ⦗٣٧٥⦘ قال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرَّضاعة، هذه رواية أبي داود. و [في] رواية النسائي قال: «لمَّا كان يومُ فتح مكةَ أمَّن رسولُ الله ﷺ الناسَ إلا أربعة، وامرأتين، وقال: اقْتُلوهم وإِنْ وَجَدتُّموهم مُتعلِّقين بأستار الكعبة: عكرمةُ بن أبي جهل، وعبد الله بنَ خَطل، ومقيس بنُ صُبابَة، وعبد الله بنَ أبي سرح، فأما عبد الله بنُ خطل، فأُدرِكَ وهو متعلِّق بأستار الكعبة، فاسْتَبق إليه سعيدُ بنُ حُرَيث وعمارُ بنُ ياسِر، فسبق سعيد عمَّاراً - وكان أَشَبَّ الرجلين - فقتلَهُ [وأمَّا مقيس بن صُبَابَةَ، فأدركه الناسُ في السوق فَقَتَلُوهُ] ، وأما عكرمةُ [بنُ أبي جهل] فركب البحر، فأصابتْهم عاصِف، فقال أهلُ السَّفينة: أخْلِصُوا، فإن آلهتكم لا تُغْني عنكم شيئاً هاهنا، فقال عكرمةُ: والله، لئن لم يُنْجِني من البحر إلا الإِخلاصُ، لا يُنجيني من البَرِّ غيرُه، اللهم لك عهد (١) إن أَنتَ عَافيتني مما أنا فيه أنْ آتِيَ محمداً، حتى أَضعَ يدي في يده، فَلأجِدَّنه عَفُوّاً كريماً، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن أبي سَرْح، فإنه اخْتَبَأ عند عثمان، فلما دعا رسولُ الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أَوْقَفَه على النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله ... وذكر ⦗٣٧٦⦘ الحديث إِلى آخره مثل أبي داود» (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (رشيد) رجل رشيد، أي: لبيب عاقل، له فطنة. (خائنة الأعين) كناية عن الرمز والإشارة، كأنها مما تخونه العين، أي: تسرقه، لأنها كالسرقة من الحاضرين. (عاصف) ريح عاصف، أي: شديد الهبوب.

стр. 6372

٦١٤٩ - (*) (د) عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدَّثني جَدِّي عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال يومَ فتحِ مكة: «أربعة لا أُومنهم في حِلّ، ولا حرم - وسمَّاهم - وقال: وقَيْنَتَين كانتا لِمقْيَس (١) بنِ صُبَابَةَ، فقُتلتْ إحداهما، وَأُفْلِتَتِ الأُخرى، فأسلمتْ» . أخرجه أبو داود (٢) .

стр. 6373

٦١٥٠ - (خ م ت) عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «دخل رسولُ الله ﷺ يوم الفتح، وحولَ الكعبة سِتُّون وثلاثُمائة نُصُب، فجعل يَطْعَنُهُا بعود في يده، يقول: جاء الحقُّ، وزهقَ الباطل، إِن الباطل كان زَهُوقاً، جاء الحق، وما يُبدِئُ الباطلُ وما يُعيدُ» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (نُصُب) النُّصُب بضم الصاد وسكونها: الصنم، وجمعها أنصاب.

стр. 6374

٦١٥١ - (د) جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبيَّ ﷺ أَمَرَ عمرَ بنَ الخطاب زَمَنَ الفتح وهو بالبَطْحاءِ أَن يأتيَ الكعبة فَيَمْحُوَ كلَّ صورة فيها، فلم يدخلها النبيُّ ﷺ حتى مُحيت كلُّ صورة فيها (١) » . أخرجه أبو داود (٢) .

стр. 6375

٦١٥٢ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ «أن رسولَ الله ﷺ أقْبَل يومَ الفتح من أعلى مكةَ على راحلته، مُرْدِفاً أُسامةَ بنَ زيد، ومعه بلال، ومعه عثمانُ بنُ طلحة من الحَجبَةِ، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتيَ بمفتاح البيت - زاد في رواية رزين -: فذهب عثمان إلى أُمه، فأبتْ أن تَعطيَهُ المفتاح، فقال: والله لَتُعْطِينِيهِ أو ليخرُجنَّ هذا السيف من صُلبي، قال: فأعطته إيَّاه، ثم اتفقا - فجاء به إلى رسولِ الله ﷺ (١) -[ففتح] ودخل رسولُ الله ﷺ البيت، ومعه أُسامةُ وبلال وعثمانُ، فمكث فيه نهاراً طويلاً ثم خرج فَاسْتَبْقَ الناسُ، فكان عبد الله أوَّلَ من دخل، فوجد بلالاً وراءَ الباب قائماً، فسأله: أين صلَّى النبيُّ ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذي صلَّى فيه، قال عبد الله: فنَسيتُ أن أسأَلَه: كم صلَّى من سجدة؟» أخرجه البخاري (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الحَجَبَة) : جمع حاجب، وهو سادن البيت.
следующие страницы →