٧٥٤٧ - (خ) شقيق بن عبد الله قال: «دخلَ أبو موسى وأبو مسعود على عمارِ حيث أتى الكوفة ليستَنْفِرَ الناسَ، فقالا: ما رأينا منك أمراً منذ أسْلَمْتَ أكرهَ عندنا من إسْراعِكَ في هذا الأمر؟ فقال: ما رأيتُ منكما أمراً منذ أسلمتما أكرهَ عندي من إبطائِكما عن هذا الأمر، قال: ثم كساهما حُلَّة» . وفي أخرى قال: «كنتُ جالساً مع أَبي موسى وأبي مسعود وعمار، فقال أبو مسعود: مَا مِن أصحابِكَ من أحد إلا لو شِئْتُ لقلت فيه، غيرَك، وما رأيتُ مِنكَ شيئاً منذ صحبتَ رسول الله ﷺ أعيبَ عندي من اسْتِسْراعِكَ في هذا الأمر؟ فقال عمار: يا أبا مسعود، وما رأيتُ منك ولا من صَاِحبِك هذا شيئاً منذ صحبتُ رسولَ الله ﷺ أعيبَ عندي من إِبطائِكما في هذا الأمر، فقال أبو مسعود - وكان موسراً - يا غلام! هاتِ حُلَّتَيْنِ، فأعطى إحداهما أبا موسى، والأخرى عماراً، وقال: روحا فيهما إلى ⦗٧٦⦘ الجمعة» أخرجه البخاري (١) .
стр. 7772
٧٥٤٨ - (د) قيس بن عباد ﵀ قال: قلت لِعَلي: «أخبِرني عن مَسيرِك هذا، أعَهْد عَهِدَهُ إليك رسول الله ﷺ ، أم رأي رأيتَه؟ قال: ما عَهِدَ إليَّ رسول الله ﷺ بشيء؟ ولكنَّه رأي رأَيتُه؟» أخرجه أبو داود (١) .
стр. 7773
الخوارج
٧٥٤٩ - (م د) زيد بن وهب [الجهني]﵁: أنه كان في الجَيْشِ الذينَ كانُوا مع عليّ، الذينَ سارُوا إلى الخَوارج - فقال عليٌّ: «أيُّها الناسُ: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يَخرجُ قوم من أُمَّتي، يقرؤون القُرْآنَ، ليس قِراءَتُكُم إلى قِراءَتِهم بشيء، ولا صلاتُكُم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامُكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآنَ يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تُجاوِزُ صلاتُهم تراقيَهمُ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يمرُق السَّهم من الرَّمِيَّة، لو يعلم الجيشُ الذين يصيبونهم ما قُضِيَ لهم على لسان نبيهم ﷺ لَنَكَلُوا عن العمل، وآية ذلك: أن فيهم رجُلاً له عَضَد، ليس له ذراع، على عَضُدِهِ مثلُ حَلمَة الثَّدْي، عليه شَعَرات بيض، فتذهبون إلى ⦗٧٧⦘ معاويةَ وأهلِ الشام، وتتركون هؤلاء يَخْلُفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القومَ، فإنَّهم قد سفكُوا الدَّمَ الحرامَ، وأغاروا في سَرْحِ الناسِ، فَسيروا. قال سلمةُ بن كُهيل: فَنَزَّلَني زيد بن وهب منِزلاً (١) ، حتى قال: مَرَرْنا على قنطرة، فلما التقينا - وعلى الخوارج يومئذ: عبد الله بن وهب الراسبي - فقال لهم: ألقُوا الرِّماحَ، وسُلُّوا سيوفكم من جُفُونها، فإني أخاف أن يناشدوكم، كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوَّحشوا برِماحِهم وسَلُّوا السُّيُوفَ، وشَجَرُهُم الناسُ برماحهم، قال: وقُتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يؤمئذ إلا رجلان، فقال عليٌّ: التمسوا فيهم المخدَج، فالتمسوه، فلم يجدوه، فقام عليٌّ بنفسه، حتى أتى ناساً، قد قُتل بعضهم على بعض، قال: أخِّرُوهم، فوجدوه مما يلي الأرضَ، فكَّبر ثم قال: صدق الله، وبلَّغ رسولُهُ، قال: فقام إليه عَبيدةُ السَّلْمانيُّ، فقال: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو، لَسمعتَ هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استَحْلَفه ثلاثاً وهو يحلف له» أخرجه مسلم وأبو داود. ⦗٧٨⦘
وفي أخرى لأبي داود عن أبي الوَضِيء قال: قال عليٌّ: «اطلبوا المخدَج ... » فذكر الحديث واستَخْرَجوه من تحت قتلَى في الطين، قال أبو الوضيء: فكأني أنظر إليه، حَبَشِي عليه قُريطِق له، إحدى يديه مثل ثَدي المرأة، عليها شُعَيْرات مثل الشُّعَيْراتِ التي تكون على ذَنبِ اليَرْبوع. قال أبو مريم: إنْ كان ذلك المخدج لمعَنا يومئذ في المسجد، نُجالسه بالليل والنهار، وكان فقيراً، ورأيته مع المساكين يشهد طعام عليٍّ مع الناس، وقد كَسَوُته بُرنُساً لي، قال أبو مريم: وكان المخدَج يسمَّى نافِعاً، ذا الثُدَيَّة،، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حَلَمة مثل حلمةِ الثدي، عليه شُعيرات مثلُ سُبالة السِّنَّوْر (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(تراقيهم) التراقي: جمع تُرْقُوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق.
(الرمِيَّة) : ما يرمى من صيد أو نحوه، قال الخطابي: وقد أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، ورأوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتهم، وسُئِل عنهم علي بن أبي طالب، فقيل: «أكفارٌ هم؟ قال: مِنَ الكفر فرُّوا، فقيل: فمنافقون هم؟ قال: ⦗٧٩⦘ إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلاً، قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصمّوا» قال الخطابي: فمعنى قوله ﷺ : «يمرقون من الدين» أراد بالدِّين: أنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة، وينسلخون منها، والله أعلم.
(نكلت) عن العمل أنكل: إذا فترتَ عنه وجبُنتَ عن فعله.
(وآية ذلك) الآية: العلامة التي يستدل بها.
(جفون السيوف) : أغمادها.
(وَحَّشْتُ بِسِلاحي) وبثوبي: إذا رميتَ به وألقيته من يدك.
(التشاجر بالرماح) : التطاعن بها، وشجره برمحه: إذا طعنه.
(المخدَج) الناقص، والخِداج: النقص.
(قُريطق) تصغير قَرْطَق، وهو شبيه بالقباء، فارسي معرب.
(ذو الثُّدَيَّة) تصغير الثنْدُوَة، بتقدير حذف الزائد الذي هو النون، لأنها من تركيب الثدي، وانقلاب الياء فيها واواً لضمة ما قبلها.
(السَّبَالَةُ) : الشارب، والجمع السِّبال، والهاء في «سبالة» لتأنيث اللفظة.
стр. 7774
٧٥٥٠ - (م) عبيد الله بن أبي رافع - مولى رسولِ الله ﷺ «أن الحَرُورَّية لمَّا خرجت على عليِّ بن أبي طالب، فقالوا: لا حُكمَ إلَاّ لله، قال عليّ: كلمة حق أُريدَ بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصفَ لنا ناساً، إني ⦗٨٠⦘ لأعْرِفُ صفتهم في هؤلاءِ، يقولون الحقَّ بألسنتِهم، لا يجاوزُ هذا منهم - وأشار إلى حَلْقِهِ - مِن أبْغَضِ خلق الله إليه، منهم أسْودُ، في إحدى يديه طُبْيُ شَاة، أو حَلَمةُ ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب، قال: انظروا، فنظروا، فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذَبتُ ولا كُذِبتُ - مرتين أو ثلاثاً - ثم وجدوه في خَربة فأتَوا به، حتى وَضعُوهُ بين يَدِيْهِ، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقولِ عليِّ فيهم» زاد في رواية: قال ابن حُنين: «رأيتُ ذلك الأسودَ» .
أخرجه مسلم، هذا الحديث أفرده الحميديُّ في كتابه عن الذي قبله وجعله حديثاً مفرداً، وهو رواية منه، وذلك بخلاف عادته في جميع روايات الحديث، وحيث أفرده اتبعناه، وتركنا الأولى، ولعله قد أدرك منه معنى اقتضى له أن يفرده (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(الطُّبْيُ) : لذوات الحافر والسباع كالضرع لغيرها، وقد يكون لذوات الخف.
стр. 7775
٧٥٥١ - (م) عَبيدة بن عمرو [السلماني] عن علي ﵁ ⦗٨١⦘ أنه ذكر الخوارج فقال: «فيهم رجل مُخْدَج اليَد، أو مَثْدُونَ اليد، أو مُودَنُ اليد، لولا أن تَبْطَروا لَحَدَّثتكم بما وعدَ الله الذين يقتلونَهُم على لسانِ محمد ﷺ ، قال: فقلتُ: أنتَ سمعتَ هذا من محمد ﷺ ؟ قال: إي، وربِّ الكعبة - قالها ثلاثاً -» أخرجه مسلم، وهذا الحديث أيضاً أخرجه الحميدي مفرداً، وهو رواية من روايات الحديث الأول (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(مثدون اليد) روي «مثدون اليد» و «مُثْدَن اليد» ومعناهما: صغير اليد مجتمعها، بمنزلة ثُندُوة الثدي، وأصله: مثند، فقدمتِّ الدال على النون.
(أو مودَن اليد) رجل مُودَن ومودون اليد، أي: صغيرها وناقصها، من قولهم: أوْدَنتُ الشيء إذا نقصتَه، وودنته فهو مُودَنٌ ومودُون.
стр. 7776
٧٥٥٢ - (خ م د س) - سويد بن غفلة قال: قال عليّ ﵁: «إذا حدَّثْتكُم عن رسولِ الله ﷺ حَديثاً، فواللهِ لأنْ أخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أكذبَ عليه.
وفي رواية: من أنْ أقولَ عليه ما لم يَقُل، وإذا حَدَّثْتكُم فيما بيني وبينَكم، فإن الحرْب خَدْعَة، وإني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: سيخرُجُ قوم ⦗٨٢⦘ في آخِرِ الزَّمانِ حُدَثَاءُ الأسنانِ، سُفهاءُ الأحلام، يقولون من قول خير البرَّيةِ، يقرؤون القُرآن، لا يجاوِزُ إيمانُهم حَنَاجِرَهُمْ، يمرُقُون من الدِّين كما يمرُقُ السَّهمُ من الرَّميةِ، فأينما لِقَيْتمُوهم فاقتلُوهُم، فإنَّ في قَتْلِهم أجراً لمن قَتَلَهُم عندَ الله يومَ القيامةِ» أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
وأخرجه النسائي قال: قال علي: قال رسولُ الله ﷺ : «يخرج قوم في آخرِ الزَّمان ... وذكر الحديث» .
وهذا الحديث أيضاً: يجوز أن يكون من جملة روايات الحديث الأول، فإنه أيضاً في صفة الخوارج (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(أَخر) خرّ من السطح يَخِر: إذا وقع، وكلُّ من سَقَطَ من موضع عالٍ فقد خرّ.
(حُدثاء الأسنان) أي: شباب لم يكبروا حتى يعرفوا الحق.
(سفهاء الأحلام) الأحلام: العقول، والسفه: الخِفةُ في العقلِ والجهلُ.
стр. 7777
٧٥٥٣ - (خ م ط د س) أبو سعيد الخدري ﵁ من رواية أبي سلمة وعطاء بن يسار، أنهما أتيَا أبا سعيد الخدري، فسألاه عن الحرُورَّية، هل سمعتَ رسولُ الله ﷺ يذكرها؟ قال: لا أدريَ مَنِ الحروريةُ؟ ولكني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يخرج في هذه الأمَّةِ - ولم يقل: منها - قوم، تَحقِرونَ صَلاتَكُم مع صلاتِهِم، يقرؤون القرآن، لا يجاوِزُ حُلُوقَهم - أو حَناجِرَهُم - يمرُقُونَ من الدِّين مُرُوق السَّهْمِ من الرَّمِيةِ، فينظر الرامي إلى سهمِهِ، إلى نَصْله، إلى رِصَافِهِ، فيتمارَى في الفُوَقة: هل عَلِق بها من الدم شيء؟» .
وفي رواية أبي سَلَمةَ والضَّحَّاك الهَمْداني: أن أبا سعيد الخدري قال: «بينما نحن عند رسولِ الله ﷺ وهو يَقْسِم قَسْماً، أتاه ذو الخُوَيَصِرة - وهو رجل من بني تَميم - فقال: يا رسولَ الله، اعدِلْ، فقال رسولُ الله ﷺ : ويلَكَ، ومن يَعْدِلُ إذا لم أعْدِلْ؟ - زاد في رواية: قد خِبْتُ وَخسِرْتُ إن لم أعْدِلْ - فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فَأضرِب عنقه، فقال رسولُ الله ﷺ : دَعْهُ، فإن له أصْحَاباً يحقِر أحَدُكم صلاتَه مع صلاتِهِم، وصيامه مع صيامهم» زاد في رواية «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقُون من الإسلام. وفي رواية: من الدِّين - كما يمرق السهمُ الرَّمِيةِ، ينظر أحدهم ⦗٨٤⦘ إلى نصلِه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصافِه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيَّه فلا يوجد فيه شيء - وهو القِدْح - ثم ينظر إلى قُذَذه فلا يوجد فيه شيء، سبقَ الفَرْثَ والدَّم، آيتهُمْ: رجل أسودُ، إحدى عضديه - وفي رواية: إحدى يديه - مثلُ البَضْعة تَدَردَرُ، يخرجون على حين فُرْقةِ من النَّاس» قال أبو سعيد: «فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن طالب قاتلهم وأنا معه، فأمرَ بذلك الرجلِ، فالتُمِسَ فوِجدَ، فأُتِيَ به حتى نَظَرتُ إليه على نَعتِ رسول الله ﷺ الذي نعتَ» .
قال الحميدي: ألفاظ الرواة عن الزهري متقاربة، إلا فيما بَيَّنَا من الزيادة.
وفي أخرى: قال أبو سعيد: «بعث علي- ﵁ وهو باليمن إلى النبيِّ ﷺ بذُهَيْبَة في تُرْبتها، فَقَسَمَها بين أربعة: الأقرعِ بن حابس الحْنظَلي، ثم أحدِ بَني مُجاشِع، وبين عُيَيْنَةَ بن بدر الفزاري، وبين عَلْقمة بن عُلاثَةَ العامري، ثم أحدِ بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نَبْهان، فتغضَّبتْ قريش والأنصار، فقالوا: يُعطيه صناديدَ أهل نجد ويَدُعنا؟ قال [رسولُ الله ﷺ ] : إنما أتألَّفُهم، فأقَبَل رجل غائرُ العينين، ناتئُ الجبين كَثّ اللحية، مشرفُ الوَجنتين، محلوق الرأْس، فقال: يا محمد، اتق الله، فقال: فمن يطيع الله، إذا عَصيْتُه؟ أفيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ ⦗٨٥⦘ فسأل رجل من القوم قتلَه - أُراه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولَّى، قال: إن من ضِئضيء هذا قوماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرُقون من الإسلام مُروقُ السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتل عاد» أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم نحوه بزيادة ألفاظ، وفيها «بِذُهَيْبَة في أديم مَقْروظ، لم تُحَصَّل من ترابها - وفيها - والرابع: إما علقمة بن عُلاثة، وإما عامر بن الطفيل - وفيها - ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً - وفيها - فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال: ويلك! أولستُ أحقَّ أهل الأرض أن يتقَي الله؟ قال: ثم ولَّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله: ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا، لعلّه أن يكونَ يصلي، قال خالد: وكم من مصلِّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، ولا أُشقَّ بطونهم، قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ، فقال: إنَّه يخرج من ضِئْضِي هؤلاء قوم يتلون كتاب الله رَطْباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرُقون من الدين كما يمرق السَّهم من الرمية، قال: أظنه قال: لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتل ثمود» .
وفي رواية «فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، فقام إليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: لا» . ⦗٨٦⦘
وفي رواية البخاري أنه قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تَحْقِرون صلاتَكم مع صلاتهم، وصيامَكم مع صيامهم، وعملَكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن، لا يجاوز حَناجرهم، يمرُقون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرمية، ينظر في النَّصْل فلا يرى شيئاً، وينظر في القِدْح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا يرى شيئاً، ويتمارى في الفُوق» .
وللبخاري طرف منه أن النبيَّ ﷺ قال: «يخرج ناس من قِبل المشرق يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقه، قيل: ما سِيماهم؟ قال: سيماهم التحليق - أو قال: التَّسْبيدُ» .
ولمسلم في أخرى «أن النبيَّ ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته، يخرجون في فُرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: هم شرُّ الخلق - أو من أشَرِّ الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، قال: فَضَرب النبيُّ ﷺ لهم مثلاً - أو قال قولاً - الرجل يرمي الرمية - أو قال: الغرض - فينظر في النصل فلا يرى بَصيرة، وينظر في الفُوق فلا يرى بصيرة، قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق» .
وله في أخرى أن رسول الله ﷺ قال: «تمرُق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أَوْلى الطائفتين بالحق» . ⦗٨٧⦘
وفي أخرى: وذكر فيه «قوماً يخرجون على فُرقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق» . وأخرج الموطأ الرواية الأولى من أفراد البخاري وقال: «تحقِرون صلاتَكم مع صلاتهم، وصيامَكم مع صيامهم، وأعمالَكم مع أعمالهم» .
وأخرج أبو داود والنسائي الرواية الثالثة التي فيها ذكر «الذهيبة» (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(قِدْح) القِدْح: السهم قبل أن يعمل فيه الريش والنصل، وقبل أن يُبْرَى.
(الرِّصاف) : العَقبُ الذي يكون فوق مدخل النصل في السهم، واحدها: رَصَفة، بالتحريك.
(التماري) : تفاعل من المرية: الشك، والمراد: الجدال.
(الفُوقة) والفُوق: موضع وقوع الوَتر من السهم.
(النَّضِيُّ) بالضاد المعجمة - بوزن النقيِّ: القِدْحُ أول ما يكون قبل ⦗٨٨⦘ أن يعمل، ونَضِيُّ السهم: ما بين الريش والنصل، ونِضْو السهم: قِدْحه، وهو ما جاوز الريش إلى النصل، وقيل: النضي: نَصْل السهم، والمراد به في الحديث: ما بين الريش والنصل.
(الفَرْثُ) : السِّرجين وما يكون في الكَرِش.
(البَضْعة) : القطعة من اللحم.
(تَدَرْدَرُ) التدردر: التحرُّك والترجرج مارّاً أو جائياً.
(الذُّهَبْيَة) : تصغير الذهب، وهو في الأصل مؤنث، والقطعة منه ذهبة، فلمَّا صُغرَ أضاف إليه الهاء، كما يقال في تصغير قوس: قوَيسة، وفي تصغير قدر: قديرة.
(الأديم) : المقروظ المدبوغ بالقَرظ.
(الصناديد) : جمع صنديد، وهو السيد الشريف.
(التألُّف) : الإيناس والتحبب، والمراد: لأحبِّب إليهم الإسلامَ وأزيل نفورهم منه.
(الضِئْضِئ) بالهمز: الأصل، والمراد: يخرج من صُلبه ونَسله.
(أُنَقِّبُ) التنقيب: التفتيش.
(مُقَفٍّ) قفّى الرجلُ الرجلَ يقفِّي، فهو مقفٍّ: إذا أعطاك قفاه وولى. ⦗٨٩⦘
(التسبيد) : حلق الشعر واستئصاله، وقيل: هو ترك التدهن وغسل الرأس.
(التحليق) والتحالق: حلق شعر الرأس، وهو تفاعل منه، كأن بعضهم يحلق بعضاً.
(الغرض) : الهدف.
(البَصِيرة) الدليل والحجة الذي يستدل به، لأن الدليل يوضح المعنى ويُحققِّه، فكأن صاحبه يبصر به، والبصيرة: هو شيء من الدم يستدل به على الرمية.
стр. 7778
٧٥٥٤ - (د) أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك ﵄ أن رسولَ الله ﷺ قال: «سيكونُ في أمتي اختلاف وفُرقة، قوم يُحسِنُون القيل، ويسيئونَ الفعل، يقرَؤونَ القرْآن، لا يجاوز تَراقيهم، يمْرُقون من الدِّين كما يمْرُق السهم من الرَّمية، ثم لا يرجعونَ حتى يرتدْ على فُوقِهِ، هُمْ شر الخلق، طُوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَن قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: التحليق» .
وفي رواية عن أنس نحوه قال: «سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنِيموهم» أخرجه أبو داود (١) .
⦗٩٠⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(القيل) : هو القول.
(الإنامة) : القتل، يقال: ضربه فأنامه: إذا قتله.
стр. 7779
٧٥٥٥ - (ت) عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يقولون من خير قول البرية، يمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرمية» أخرجه الترمذي (١) .
стр. 7780
٧٥٥٦ - (خ م) جابر بن عبد الله ﵄ قال: «أتى رجل بالجِعْرانة - مُنْصَرفَنا من حنين - وفي ثوب بلال فِضة، ورسولُ الله ﷺ يَقْبِضُ منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدل، فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يْقُتلُ أصحابه، إنَّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ» . أخرجه مسلم.
وأخرجه البخاري قال: «بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعْرانَةِ ⦗٩١⦘ إذ قال له رجل: أعدل، فقال: لقد شَقِيتُ إن لم أَعْدِلْ» (١) .
стр. 7781
٧٥٥٧ - (م) - أبو ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ بعدي من أَمَّتى - أو سيكون بعدي من أُمتي - قوم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حَلاقِيمَهم، يَخرجون من الدِّين كما يخُرجُ السهم من الرَّمِيَّةِ، ثم لا يعودون فيه، هم شَرُّ الخَلْق والخَلِيقَةِ» .
قال ابن الصامت: فلقيتُ رافع بن عمرو الغفاري [أخا الحكم الغفاري قلتُ: ما حديث سمعتُهُ من أبي ذر كذا وكذا؟] فذكرت له هذا الحديث؟ فقال: وأنا سمعُتهُ من رسول الله ﷺ . أخرجه مسلم (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(الخَلْق والخليقة) اسمان بمعنى: وهم الخلائق كلُّهم، وقيل: الخلق: الناس، والخليقة: الدواب والبهائم.
стр. 7782
٧٥٥٨ - (س) شريك بن شهاب قال: كنتُ أتمَّنى أن ألقى رجُلاً من أصحاب النبيِّ ﷺ ، أسأله عن الخوارج، فلقيتُ أبا بَرزَةَ في يوم عيد في نَفَر من أصحابه، فقلتُ له: هل سمعتَ رسولَ الله ﷺ يذكر الخوارج؟ ⦗٩٢⦘ قال: «نعم، سمعتُ رسول الله ﷺ بأْذنيَّ، ورأيتُهُ بِعَيْنيَّ، أُتِيَ رسولُ الله بمال، فَقَسمه، فأعطى مَنْ عن يمينه، ومَنْ عن شماله، ولم يُعطِ مَنْ وراءه شيئاً، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد، ما عدلتَ في القسمة - رجل أسودُ مطمومُ الشَّعر، عليه ثوبان أبيضان - فغضب رسولُ الله غضباً شديداً وقال: والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل مني، ثم قال: يخرج في آخر الزمان قوم، كأنَّ هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقُون من الإسلام كما يمْرُقُ السّهم من الرمية، سيماهم التحليقُ، لا يزالون يخرجون حتى يخرجَ آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم هم شَرُّ الخَلْق والخَلِيقَةِ» أخرجه النسائي (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(مطموم الشعر) كثيره، قد طَمَّ رأسه، أي: غطاه، والطمُّ: الشيء الكثير.
стр. 7783
٧٥٥٩ - (خ م) يسير بن عمرو ﵁ قال: قلتُ لسهل بن حُنيف: هل سمعتَ النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئاً؟ قال: سمعتُهُ يقول: - وأهوى بيده قِبَلَ العراق - «يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرُقون من الإسلام مُروق السهم من الرمية» . ⦗٩٣⦘
وفي رواية قال: «يَتِيُه قَوم قِبل المشرق، محلَّقَة رؤوسهم» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .
стр. 7784
٧٥٦٠ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ أنه ذكر الحرورَّية، فقال: قال رسولُ الله ﷺ : «يمرقون من الإسلام مروقَ السَّهم من الرمية» أخرجه البخاري (١) .
стр. 7785
أمر الحَكَمْين
٧٥٦١ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «دخلتُ على حَفْصَةَ - وَنَوَساتُها تَنْطِفُ - قلت: قد كان من أمر الناس ما تَرَيْنَ، فلم يُجْعَلْ لي من الأمر شيء، فقالت: الحقْ، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكونَ في احتباسِك عنهم فُرقة، فلم تَدَعْهُ حتى ذهبَ، فلما تفرَّق الناس خَطَبَ معاويةُ، فقال: من كان يريدُ أن يتكلمَ في هذا الأمر فَلْيُطْلِعْ لنا قَرْنه، فَلَنَحْنُ أحقُّ به منه ومِنْ أبيه، قال حَبيب بن مَسْلَمةَ: فَهَلَاّ أجَبْتَه؟ قال عبد الله: فَحَللْتُ حَبوَتي، وهَمَمْتُ أنْ أَقولَ: أحقُّ بهذا الأمر منك من قَاتَلَك وأباك على الإسلام، فخشيتُ أن أقولَ كلمة تُفَرِّق بين الجمع ⦗٩٤⦘ وتَسْفِكُ الدَّمَ، ويُحْمَلُ عنّي غيرُ ذلك، فذكرتُ ما أعدَّ الله تعالى في الجنان قال حَبِيب: حُفِظْتَ وعُصِمتَ» أخرجه البخاري (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(قَرنُ الإنسان) : جانب رأسه.
стр. 7786
أيام ابن الزبير
٧٥٦٢ - (خ) أبو المنهال قال: «لما كان ابنُ زياد بالبَصْرَةِ، ومَرْوَانُ بالشام، ووثَبَ ابنُ الزبير بمكةَ، ووثبَ القُرَّاءُ بالبصرة، انطلق أبي إلى أبي بَرزةَ الأسلمي، وذهبْتُ معه، فدخلنا عليه في داره وهو جالس في ظِلِّ علِّيَّة له من قَصَب، فجلسنا إليه، فجعل أبي يستطعمُهُ الحديث، فقال: يا أبا برَزةَ، ألا ترى إلى ما وقع فيه الناسُ؟ فأولُ شيء سمعتُهُ يتكلَّمُ به أنْ قال: إني أحتَسِبُ عند الله أني أصبحتُ ساخطاً على أحياءِ قُرَيش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال التي قد عَلِمْتم، من القِلّة والذّلَّةِ والضَّلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام، وبمحمد ﵇، حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفْسَدَتْ بينكم، إن ذلك الذي بالشام، والله إنْ يقاتلُ إلَاّ على الدنيا» . أخرجه البخاري. ⦗٩٥⦘
وزاد رَزين «والذي بمكة إنْ يقاتلُ إلا على الدنيا» .
وزاد في رواية للبخاري: أنه سمع أبا برزةَ قال: «إنَّ الله نَعشَكُمْ بالإسلام وبمحمد- ﷺ » (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(استطعمته) الحديث: إذا جاريته فيه وجذبته إليك ليحدِّثك.
стр. 7787
٧٥٦٣ - (خ) نافع - مولى ابن عمر ﵀: أن ابنَ عمر «أتاه رُجلان في فِتنةِ ابنِ الزُّبير، فقالا: إن الناس صَنَعُوا ما ترى، وأنت ابن عمر، وصاحبُ رسول الله ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أنَّ الله حرَّم عَلَيَّ دمَ أخي المسلم، قالا: ألَم يَقُلِ الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ [ويكونَ الدِّينُ كلُّه لله] ﴾ [الأنفال: ٣٩] ؟ فقال ابن عمر: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدِّين لغير الله» أخرجه البخاري (١) .
стр. 7788
٧٥٦٤ - (م) أبو نوفل قال: رأيتُ عبد الله بن الزُّبَير عَلى عَقَبَة المدينة، فجعلتْ قَرَيْش تمرُّ عليه والناس، حتى مرَّ عليه عبد الله ابنُ ⦗٩٦⦘ عمر، فوقَفَ عليه عبد الله، فقال: السلام عليك أبا خُبَيْب، السلام عليك أبا خُبَيْب السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، ثلاثاً [أما] والله إن كنتَ ما علمتُ: صَوَّاماً قوَّاماً وَصُولاً للرَّحِم، أما والله لأُمَّة أنت أشرُّها لأُمَّة سوء (١) ، ثم نفذَ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجَّاجَ موقِفُ عبد الله وقولُه، فأرسل إليه، فأُنْزِلَ عن جذْعه، فأُلقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أُمه أسماءَ بنت أبي بكر، فأبَتْ أن تأتِيَه، فأعاد عليها الرسولَ: لتأتينِّي، أو لأبعثنَّ إليكِ من يَسْحَبُكِ بقرونك، قال: فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعثَ إليَّ من يسحَبُني بقروني، قال: فقال: أروني سِبْتَيَّ، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذَّفُ، حتى دخل عليها، قال: كيف رأيتني صنَعتُ بَعَدُوِّ الله؟ قالت: رأيتُكُ أفسدتَ عليه دنياه، وأفْسَدَ عليك آخرتَكَ، بلغني أنكَ تقولُ: يا ابنَ ذاتِ النِّطاقَيْن، أنا والله ذاتُ النطاقين، أمَّا أحدُهما: فكنتُ أرفع به طعامَ رسولِ الله ﷺ وطعامَ أبي من الدواب، وأما الآخر: فَنِطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، وأما إنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّثنا: أن في ثقيف كذَّاباً ومُبيراً، فأما الكذَّابُ: فرأيناه، وأما المبيرُ: فلا إخَالُكَ إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يُراجِعْها. أخرجه مسلم (٢) .
⦗٩٧⦘
وزاد رزين: وقال: " دخلت لأُخبرها فخبَّرتني ".
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(قرون) المرأة: ضفائرها، واحدها: قَرْن.
(سِبتَيَّ) السِّبْتِيَّان: النعلان، وأصله من السِّبْت، وهي جلود البقر المدبوغة بالقَرَظ تُعمل منها النعال، كأنها نُسِبَتْ إليها، وقيل: هو من السبِّت: حَلق الشعر، لأن شعر الجلود يرمى عنها، ثم يُعمل منها النِّعال.
(يَتوَذَّفُ) مشى يتوذَّف، أي: يتبختر، وقيل: يُسرِع.
стр. 7789
ذكر بني مروان
٧٥٦٥ - (خ) سعيد بن عمرو بن العاص قال: كنتُ مع مَرْوَانَ وأبي هريرة في مسجد النبيِّ ﷺ ، فسمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ الصادقَ المصدوقَ يقول: «هَلَاكُ أُمَّتي على يَدَيْ أُغَيْلِمة (١) من قريش، فقال مروان: غِلْمة، قال أبو هريرة: إن شئتَ أن أُسَمِّيَهم بني فلان وبني فلان» أخرجه البخاري (٢) .
وفي رواية: قال عمرو بن يحيى بن سعيد: أخبرني جَدّي قال: كنتُ جالساً مع أبي هريرة في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، ومَعنا مروان، ⦗٩٨⦘ فقال أبو هريرة: سمعتُ الصادقَ المصدوقَ يقول: «هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدِيْ غِلمة من قُريْش، قال مروان: لعنةُ الله عليهم [غِلَمة] ؟ فقال أبو هريرة: لو شئتُ أن أقولَ: بنو فلان لَفَعَلْتُ، قال: فكنت أخرج مع جدّي سعيد إلى الشام، حين مَلَكه بنو مروان، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً، قال لنا: عسى هؤلاء الذين عَنى أبو هريرة، فقلت: أنتَ أعلم» هذه الرواية ذكرها رزين (٣) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(الصادق المصدوق) هو النبي ﷺ ، صَدَقَ في قوله وما أخبر به، وصُدِّق فيما جيء به إليه من الوحي.
(أُغَيْلِمة) تصغير: أغلمة في التقدير، وإن لم يجئ هذا اللفظ، استغناء عنه بِغلمة في جمع غلام.
стр. 7790
ذكر الحجاج
٧٥٦٦ - (خ ت) الزبير بن عدي قال: «دَخَلْنا على أنس بن مالك فَشَكَوْنا إليه ما نَلْقى من الحجاج، فقال: اصبرُوا، لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شَرّ منه، حتى تلقَوْا ربَّكم، سمعتُ هذا من نبيكم» أخرجه البخاري والترمذي (١) .
стр. 7791
٧٥٦٧ - (ت) عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «في ثقيف كذَّاب ومُبِير» أخرجه الترمذي (١) .
قال الترمذي: ويقال: الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(المبير) : المهلك، من البوار: الهلاك.
стр. 7792
٧٥٦٨ - (ت) هشام بن حسان قال: «أُحصِي ما قَتلَ الحجاجُ صبراً، فَوُجِدَ مائة ألف وعشرين ألفاً» أخرجه الترمذي (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(صبراً) قتلته صَبراً: إذا حبستَه على القتل، فكل من قتل في غير حرب ولا اختلاس - كمن يضرب عنقه، أو يحبس إلى أن يموت، أو يصلب، أو نحو ذلك من هيئات القتل - فهو مقتول صبراً.
стр. 7793
أحاديث متفرقة
٧٥٦٩ - (خ) سعيد بن المسيب ﵀ قال: «وَقَعَتِ الفِتْنَةُ الأولى - يعني مقتلَ عثمان - فلم يبق من أصحاب بدر أحد، ثم وقعت الفتنة ⦗١٠٠⦘
الثانية - يعني الحرةَ - فلم يبق من أصحاب الحديبية أحد، ثم وقعت الفتنة الثالثة، فلم ترتفع وبالناس طَباخ» أخرجه البخاري (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(طَباخ) أصل الطباخ: القوَّة والسِّمَن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طَباخ له، أي: لا عقل له ولا خير عنده، المراد: أنها لم تبق في الناس من الصحابة أحداً.
стр. 7794
٧٥٧٠ - (خ م) حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا مع رسولِ الله ﷺ فقال: «احصوا لي كم يَلْفِظُ الإسلامَ؟ فقلنا: يا رسولَ الله أتخافُ علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: إنكم لا تدرون، لعلكم أن تُبْتَلوْا، فَابتُلينا، حتى جعل الرجل منَّا لا يُصَلِّي إلا سِراً» . أخرجه البخاري ومسلم.
وللبخاري أنه قال: «اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا: أتخاف ونحن ألف وخمسمائة، فقد رأيتُنا ابتلينا، حتى إن الرجلَ ليصلي وحده وهو خائف» (١) .
стр. 7795
٧٥٧١ - (خ م) حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لَيَرِدَنَّ على حوضي أقوام، ثم يَخْتَلِجون، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» أخرجه البخاري ومسلم (١) .
وسيجيء في ذكر الحوض من «كتاب القيامة» في حرف القاف أحاديث كثيرة تتضمن أمثال هذا الحديث.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(يختلجون) خَلَجَه يخلِجه خَلْجاً، واختلجه، أي: جذبَه وانتزعه.
стр. 7796
٧٥٧٢ - (خ) المسيب بن رافع ﵀ قال: لقِيتُ البراءَ، فقلتُ: «طوبى لك، صحبت النبيَّ ﷺ ، وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثناه بعده» أخرجه البخاري (١) .
стр. 7797
٧٥٧٣ - (خ) خلف بن حوشب ﵀ قال: كانوا يستحبُّون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن:
الحربُ أولُ ما تكون فَتيَّة ... تسعى بزينتها لكلِّ جَهُولِ ⦗١٠٢⦘
حتى إذا اشتعلتْ وشَب ضِرامها ... وَلَّتْ عجوزاً غيرَ ذاتِ حليلِ
شَمطاءُ يُنكَرُ لونُها وتغيَّرت ... مكروهة للشمِّ والتقبيلِ
أخرجه البخاري (١) .
ترجمة الأبواب التي أولها فاء ولم ترد في حرف الفاء
(الفيء) في كتاب الجهاد من حرف الجيم. (الفقر) في كتاب الزهد من حرف الزاي. (الفطرة) في كتاب الزينة من حرف الزاي. (الفَرَع) في كتاب الطعام من حرف الطاء.
стр. 7798
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حرف القاف
ويشتمل على تسعة كتب
كتاب القَدَر، كتاب القناعة، كتاب القضاء، كتاب القتل، كتاب القصاص، كتاب القسامة، كتاب القِراض، كتاب القصص، كتاب القيامة
الكتاب الأول: في القدر ، وفيه عشرة فصول
الفصل الأول: في الإيمان بالقَدَرْ
٧٥٧٤ - (ت) جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا يؤمنَ عبد، حتى يؤمنَ بالقدر خَيرِه وَشَرِّه من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه، وأن ما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ» أخرجه الترمذي (١) .
⦗١٠٤⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(القدر والقضاء) قال الخطابي ﵀: قد يحسب كثير من الناس: أن معنى القدر من الله والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وما قدَّره، ويتوهم أن قوله ﷺ : «فحجَّ آدمُ موسى» من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه: الإخبار عن تقدُّم علم الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخَلق لها خيرها وشرِّها، والقدر: اسم لما صدر مُقَدَّراً عن فعل القادر، كالهدْم، والنشر، والقبض: أسماء لما صدر من فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قَدَرت الشيء، وقدَّرته - خفيفة وثقيلة - بمعنى واحد، والقضاء في هذا: معناه: الخلق، كقوله تعالى: ﴿فقضاهنَّ سبع سماوات في يومين﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم: أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمُّدٍ، وتقدُّم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها، وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر: بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدمَ البناء ونقضه، وإنما كان موضع الحجة لآدم ﵇ على موسى ﵇: أن الله سبحانه كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة، ويأكل منها، فكيف ⦗١٠٥⦘ يمكنه أن يردَّ علم الله فيه، وأن يبطله بعد ذلك؟ وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] فأخبر قبل كون آدم أنما خلقه للأرض، وأنه لا يتركه في الجنة حتى ينقله عنها إليها، وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لوقوعه إلى الأرض التي خلق لها، وليكون فيها خليفة ووالياً على من فيها، وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عن نفسه، ولذلك قال: «أتلومني على أمر قد قدَّره الله عليَّ من قبل أن يخلقني؟» فقول موسى - وإن كان منه في النفوس شبهة، وفي ظاهره متعلق، لاحتجاجه بالسبب الذي جُعل أمارة لخروجه من الجنة - فقول آدم في تعلُّقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصيل أرجح وأقوى، والفَلَج قد يقع مع المعارضة بالترجيح، كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له.
стр. 7799
٧٥٧٥ - (د) ابن الديلمي ﵀ قال: «أتيتُ أُبَيَّ بنَ كعب فقلتُ له: قد وقع في نفسي شيء من القَدَر، فَحَدِّثْنِي، لَعَلَّ الله أن يُذِهبَه من قلبي، فقال: لو أن الله عَذَّب أهلَ سَمَاواتِهِ وأهْلَ أرِضِه عَذَّبهمْ وهو غيرُ ظالم لهم، ولو رَحمَهُمْ كانت رْحَمتُهُ خيراً لَهُمْ من أعْمَالِهمْ، ولو أنفَقْتَ مثلَ أُحد ذهباً في سبيل الله ما قَبِله الله منك حتى تؤمِنَ بالقَدَرِ، وتعلم أن ما أصابَكَ لم يكن لِيُخْطئَك، وأن ما أخطأكَ لم يكن ليصيبكَ، ولو مُتَّ على غير هذا: لدخلتَ النار، قال: ثم أتيتُ عبد الله بنَ مسعود، فقال مثل ⦗١٠٦⦘ ذلك، قال: ثم أتيتُ حذيفةَ بنَ اليمان، فقال مثل ذلك، ثم أتيتُ زيدَ بن ثابت، فحدَّثني عن النبي ﷺ مثل ذلك» أخرجه أبو داود (١) .
стр. 7800
٧٥٧٦ - (د ت) عبادة بن الصامت ﵁ قال لابنه عند الموت: يا بُني إنك لن تجدَ طَعْمَ حقيقة الإِيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: «إنَّ أول ما خلق الله القلمُ، قال له: اكتب، قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتبْ مقاديرَ كلِّ شيء حتى تقومَ الساعة، يا بنيَّ، إنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: من مات على غير هذا فليس مني» . أخرجه أبو داود.
وفي رواية الترمذي: قال عبد الواحد بن سُلَيم: قَدِمْتُ مَكَّةَ، فلقيتُ عطاءَ بن أبى رباح، فقلتُ له: يا أبا محمد، إنَّ بالبصرة قوماً يقولون: لا قدر، فقال: يا بُنيَّ، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، فقال: فاقرأ (الزخرف) فقرأْتُ ﴿حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلكم تعقلون. وإنَّه في أم الكتاب لدينا لَعَليٌّ حكيم﴾ ثم قال: أتدري ما أُمُّ الكتاب؟ قلت: لا، قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يَخْلُقَ السماوات والأرض، فيه: إن فرعون من أهل النار، وفيه ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لهبٍ وتبَّ﴾ قال عطاء: ⦗١٠٧⦘ ولقد لقيتُ الوليدَ بن عُبَادةَ بن الصامت، صاحبَ رسول الله ﷺ فسألته: ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فقال لي: دعاني فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تَتَّقِيَ الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدَر كلِّه خيرِه وَشرِّه، وإن متَّ على غير هذا دخلتَ النار، إني سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: إن أولَ ما خلق الله القلمُ، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدَر، فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد (١) .
стр. 7801
الفصل الثاني: في العمل مع القدر
٧٥٧٧ - (ت) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ⦗١٠٨⦘ ثم أجملَ على آخرهم، فلا يُزَاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَص منهم أبداً، قال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فُرِغَ منه؟ فقال: سَدّدُوا وقاربوا، فإن صاحبَ الجنة يُختمَ له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عَمَل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل، ثم قال رسول الله ﷺ بيديه، فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير» أخرجه الترمذي (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(سدّدوا وقاربوا) السَّدَاد: الصواب في القول والعمل، والمقاربة: القصد فيهما.
(أجمل على آخرهم) أجملتُ الحسابَ: إذا جمعتَه وكملتَ أفراده، أي: جمعوا، يعني أهل الجنة وأهل النار عن آخرهم، وعُقدت جملتهم، فلا يتطرق إليها زيادة ولا نقصان.
стр. 7802
٧٥٧٨ - (خ م د) عمران بن حصين ﵁ قال: قال ⦗١٠٩⦘ رجل: «يا رسول الله: أَعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كلّ مُيَسَّر لما خُلق له» أخرجه مسلم وأبو داود.
وفي رواية البخاري «أيُعْرَفُ أهل الجنة من النار؟ قال: نعم، قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: كلٌّ يعمل لما خُلِق له، أو لما يُسِّر له» .
ولمسلم من رواية أبي الأسود الدِّيلي، قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيتَ ما يعمل الناسُ اليوم ويكدحون فيه، أَشيءُ قَضِيَ عليهم ومضى عليهم من قَدَرِ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نَبِيُّهُمْ وثَبَتتِ الحجَّةُ عليهم؟ فقلت: بل شيء قُضيَ عليهم ومضى عليهم، قال: أفلا يكون ظُلْماً؟ قال: فَفَزِعتُ من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كل شيء خَلْقُ الله ومِلْكُ يده، فلا يُسأل عَمَّا يفعل وهم يُسألون، فقال لي: يرحَمُكَ الله، إني لم أُرِدْ بما سألتُكَ إلا لأحرِز عقلك، وإن رجلين من مُزَينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسولَ الله، أرأيتَ ما يَعمَلُ الناسُ اليوم، ويَكْدَحون فيه، أشيء قُضِيَ عليهم ومضى فيهم من قَدَر [قد] سَبَق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم [به] نبيُّهم، وثبتت الحُجَّةُ عليهم؟ فقال: لا، بل شيء قضِيَ عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاها. فألْهَمَهَا فُجُورَها وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] (١) .
⦗١١٠⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(يكدحون) الكدح: السعي والكسب والاجتهاد فيه، وكَدُّ النفس في طلبه.
стр. 7803
٧٥٧٩ - (خ م د ت) علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كنا في جَنَازَة في بَقيعِ الغَرْقَدِ، فأتانا رسولُ الله ﷺ ، فَقَعَد، وقَعَدنا حَوَلهُ، ومَعَهُ مِخْصَرة، فنكَسَ، وَجَعَلَ يَنْكُتُ بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كُتِبَ مقعدُه من النار، ومقعدُه من الجنة، فقالوا: يا رسولَ الله أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا؟ فقال: اعملوا، فَكلٌّ مُيَسَّر لما خُلقَ له، أمَّا مَنْ كان من أهل السعادة، فسيصيرُ لعمل أهل السعادة، وأمَّا مَنْ كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل [أهل] الشقاء، ثم قرأ ﴿فأمَّا مَنْ أعطى واتَّقَى. وصدَّق بالحسنى. فَسَنُيَسِّرُه لِلْيُسْرى ... ﴾ [الليل: ٥ - ٧] » . أخرجه البخاري ومسلم.
وفي رواية الترمذي قال: «كُنَّا في جنازة في بقيع الغرقدِ، فأتى رسولُ الله ﷺ ، فَقَعدَ، وقعدنا حوْلُه ومعه مِخصَرَة، فجَعَلَ ينْكُت بها ثم قال: ما منكم من أحد، أو [ما] من نَفس مَنفُوسة، إلا وقد كَتَبَ الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتِبَتْ شَقِيَّة أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكثُ على كتابنا وَنَدَعُ العمل؟ فمن كان مِنَّا من أهل السعادة، لَيَكونَنَّ ⦗١١١⦘ إلى أهل السعادة، ومن كان مِنَّا من أهل الشَّقاوة، ليكُونَنَّ إلى أهل الشقاوة؟ فقال رسولُ الله ﷺ : بل اعْمَلوا، فكلّ مُيَسَّر، فأمَّا أهل السعادة، فَيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشقاوة، فَيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى. وَصَدَّق بالحسنى. فَسَنُيَسِّره لِلْيُسْرَى. وأما من بخل واستغنى. وكذَّب بالحُسنى. فسنُيَسِّره للعسرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] » .
وفي أخرى للترمذي قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو يَنْكُتُ [في] الأرض، إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد عُلم - وفي رواية: إلا قد كُتِبَ - مقعدُه من النار، ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتَّكلُ يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا، فَكلّ مُيَسَّر لمَا خُلِقَ له» .
وأخرج أبو داود الراوية الأولى من روايتي الترمذي (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(مخصرة) المخصرة: كالسوط ونحوه مما يمسكه الإنسان بيده من عصى ونحوها. ⦗١١٢⦘
(ينكت) النكت: ضرب الشيء بالعصا واليد ليؤثر فيه.
(نفس منفوسة) أي: مولودة، يقال: نَفِسَت المرأة [ونُفِسَت]- بفتح النون وضمها - إذا وَلَدت.
стр. 7804
٧٥٨٠ - (م) - جابر بن عبد الله- ﵄ قال: «جاء سُراقة بن مالك بن جَعشُم، فقال: يا رسول الله، بَيِّن لنا دينَنَا كأنَّا خلقِنا الآن، فيم العمل اليوم، فيما جفَّتْ به الأقلام، وجَرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا بل جَفَّتْ به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا، فكلُّ مُيسَّر لما خلق له، وكل عامل بعمله (١) » أخرجه مسلم (٢) .
стр. 7805
٧٥٨١ - (ت) عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال عمر: «يا رسولَ الله أَرأَيت ما نعمل فيه، أمر مبتدع - أو مبتدأ - أو فيما قد فُرِغَ منه؟ فقال: فيما قد فُرِغَ منه يا ابن الخطاب، وكل مُيَسَّر، أمَّا مَنْ كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل للشقاء» .
وفي رواية: قال: «لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] سألتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلتُ: يا نَبيَّ الله، فعلامَ نعمل، على شيء قد فُرغَ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: بل على شيء قد فُرغَ منه، وجَرَت ⦗١١٣⦘ به الأقلام يا عُمر، ولكن كلّ مُيَسَّر لما خُلِق له» أخرجه الترمذي (١) .
стр. 7806
الفصل الثالث: في القَدَر عند الخلقة
٧٥٨٢ - (خ م د ت) عبد الله بن مسعود ﵁ – قال: «حدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن خَلْق أحدِكم يُجْمَعُ في بطنِ أُمِّهِ أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضْغَة مثل ذلك، ثم يَبعَثُ الله إليه مَلَكاً بأربع كلمات: بكَتب رزقهِ وأجلهِ وعملهِ، وشَقي أو سعيد، ثم يَنفُخُ فيه الروحَ، فوالذي لا إله غيره، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدَكم لَيَعْمَل بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود، وفيها زيادة «أو قدر ذراع» (١) . ⦗١١٤⦘
وفي رواية ذكرها رزين قال: «إذا وقعت النطفة في الرحم طارت في الرحم أربعين يوماً، ثم تكون علقة أربعين، ثم تكون مضغة أربعين، فإذا بلغت أن تُخْلَقَ بَعَثَ الله ملكاً يُصَوِّرُها، فيأتي المَلَكُ بتراب بين إصبعيه فَيَخلِطه في المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوِّر كما يؤمر، فيقول: أذَكَر، أم أنثى؟ أشقيّ، أم سعيد؟ وما عمره؟ وما رزقه؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله ، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دُفِنَ حيث أُخِذَ ذلك التراب» .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(أثره) : أثر الرجل، أراد به: أجله، سُمِّي بذلك لأنه يتبع الأجل.
(يجمع في بطن أمه نطفة) قال الخطابي: قال ابن مسعود في تفسيره: إن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشر المرأة تحت كلِّ ظُفُر وشعر، ثم تمكث أربعين يوماً، ثم تنزل دماً في الرحم، فذلك جمعها.
(النطفة) : الماء القليل والكثير، والمراد به المني هاهنا.
(علقة) العلقة: الدم الجامد. ⦗١١٥⦘
(مضغة) المضغة: القطعة اليسيرة من اللحم بقدر ما يُمضغ.
стр. 7807
٧٥٨٣ - (خ م) أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «وَكَّلَ الله بالرَّحم ملَكاً، فيقول: أي ربِّ نطفة؟ أي ربِّ علقة؟ أي ربِّ مُضغَة؟ فإذا أراد أن يقضي خَلْقَها، قال: يا ربِّ، أذكَر، أم أنثى؟ أشقيّ، أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب ذلك في بطن أمه» أخرجه البخاري ومسلم (١) .
стр. 7808
٧٥٨٤ - (م) عامر بن واثلة ﵀ أنه سمع عبد الله بنَ مسعود يقول: «الشقيّ من شَقيَ في بَطن أمه، والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره، فأتى رجلاً من أصحاب رسولِ الله ﷺ يقال له: حذيفةُ بنُ أَسِيد الغفاري، فحدَّثهُ بذلك من قول ابن مسعود، فقال له: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتَعْجَبُ من ذلك؟ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إذا مَرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعَثَ الله إليها ملكاً فصوَّرَها، وخلَقَ سمعها، وبصرَها، وجِلدَها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر، أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ الملَكُ، ثم يقول: يا رب، أجلُه؟ فيقول ربُّك ⦗١١٦⦘ ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رِزقُه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملَكُ بالصحيفة في يده، فلا يزيد على [ما] أمر ولا ينقص» .
وفي رواية قال: «دَخلتُ على أبي سَريحَةَ، حُذَيفة بن أسيد الغفاري فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: إنَّ النطفةَ تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يَتَصوَّرُ عليها الملَكُ - قال زهير أبو خيثمة: حَسِبْتُهُ قال: الذي يخلقها - فيقول: يا ربِّ، أذكَر، أو أنثى؟ فيجعله الله ذكراً أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسَوِيّ، أو غير سَوِي؟ ثم يقول: [يا ربِّ] ما رِزقُهُ، ما أجلُهُ، ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقياً أو سعيداً» .
وفي أخرى رفع الحديث إلى النبي ﷺ : «أن ملكاً مُوكَّلاً بالرحم، إذا أراد الله أن يخلُق شيئاً، بإذن الله لبِضع وأربعين ليلة ... » ثم ذكر نحوه. أخرجه مسلم (١) .
стр. 7809
٧٥٨٥ - (ت) عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قام فينا رسولُ الله ﷺ مقاماً، فقال: لا يُعدِي شيء شيئاً، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بالُ الإبل يأْتيها البعيرُ الأجربُ الحشَفَةِ بذنبه فيُجرِبُها ⦗١١٧⦘ كلّهَا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : فَمَنْ أجربَ الأول منها؟ ألا لا عَدْوَى ولا صَفَر، إن الله خَلَقَ كلَّ نَفس وكَتَبَ حياتها وَرِزْقَهَا ومصائبها ومحابَّها (١) » أخرجه الترمذي (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(يُعدِي) أعدى المريض: إذا تجاوز من واحدٍ إلى آخر، كما يتعدى الجَرَب، وقد نفى الشرع تأثيرها، وأبطل مذهَب العرب فيها، وقد تقدَّم شرح ذلك في كتاب الطيرة والعدوى من حرف الطاء، وكذلك تقدم فيه شرح قوله: لا صفر، مستوفى فيطلب منه.
стр. 7810
٧٥٨٦ - () أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها» أخرجه ... (١) .
⦗١١٨⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(روح القدس) القدس: الطهارة، وروح القدس: اسم جبريل ﵇ أي: الروح المقدسة الطاهرة.
(نفث في روعي) النَّفْثُ: النفخ بالفم، والرُّوع: النفس، يقول: نفث في روعي، أي: ألقى في قلبي، وأوقع في نفسي، وألهمني.