٧٧٩١ - (د) رجل من ولد عمر بن عبد العزيز قال: حدثني بعض ⦗٢٦٤⦘ مَن وَفَدَ على عمر [بن عبد العزيز] : أن رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّما رجل تَطَبَّبَ من غير أن يُعرَف له تطبُّبّ، فأعنَتَ، فهو ضامِن» أخرجه ... (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(فأعنَت) العنت: الوقوع في أمرٍ شاقٍّ، وقد عنت هو، وأعنته غيره.
стр. 8017
٧٧٩٢ - (د) أبو هريرة ﵁ «أن امرأة من اليهود أهدَت إلى النبيِّ ﷺ شاة مسمُومَة، قال: فما عَرَض لها النبيُّ ﷺ » . أخرجه أبو داود (١) .
стр. 8018
الفرع الثاني عشر: في الدابة والبئر والمعدن
٧٧٩٣ - (خ م ط ت د س) أبو هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «العجماء: عَقْلها جُبَار، والبئر: جُبَار، والمعدِنُ: جُبَار، وفي الرِّكاز الخمس» .
وفي رواية «البئر جُرحُها جُبار، والمعدِن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس» أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي. ⦗٢٦٥⦘
ولأبي داود قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الرِّجلُ جُبَار» (١) قال أبو داود: الدابةُ تَضْرِبُ برجلها وهو راكب.
وفي أخرى له أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : «النار جُبَار» (٢) .
وفي رواية ذكرها رزين: «أن رسولَ الله ﷺ قَضى في الدابة تَنْفحُ بِرِجْلِهَا أنه جبار، والبئر جبار» .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(العجماء جُبار) العجماء: البهيمة، و (الجبار) : الهَدَر، والمعنى: أن من قتلته الدابة، فإنه يذهب دمه هَدَراً، ولهذا في الفقه تفصيل، إذا كانت الدابة مرسلة، أو كان عليها راكب، وغير ذلك من أنواع الهيئات، وكذلك من مات تحت المعدِن، وفي البئر من المستأجرين، وأما (النار جبار) فقال أبو داود: إذا سقطت بنفسها، فإن أوقدها رجل بالقرب مما تفسده متعمداً كان ضامِناً، ⦗٢٦٦⦘ وقال الخطابي: لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون: غلط فيه عبد الرزاق، وإنما هو " والبئر جبار " حتى وجدته لأبي داود من طريق أخرى، فدل على أن عبد الرزاق لم ينفرد به، ومن قال: إنه تصحيف، احتج في ذلك بأن أهل اليمن يميلون النار، فتنكسر النون وتنقلب الألف في النطق ياء، فسمعه بعضهم على الإمالة فكتبه بالياء، ثم نقله الرواة مصحفاً بالباء، فإن كانت الرواية قد صحت من غير تصحيف، فإنه " النار " فيكون معناه: أنه متأول على النار يوقدها الرجل في ملكه لأرَبٍ له، فتطيِّرها الريح، فتشعلها في بناءٍ أو متاع لغيره من حيث لا يملك ردَّها، فيكون ذلك غير مضمون عليه.
(في الركاز الخمس) الركاز: قيل: هو المعدن، وقيل: هو المال المدفون من أموال الجاهلية، و " الخمس " هو الواجب في الفيء والغنيمة، فيلزم في الركاز مثله.
(الرِجْل جُبار) قال الخطابي: معنى " الرجل جبار ": هو غير محفوظ، وراويه سيء الحفظ، على أن أبا حنيفة وأصحابه ذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنساناً برجلها فهو هَدَر، وبيدها، فهو ضامِنٌ، وسَوَّى الشافعي بين اليد والرِّجل.
стр. 8019
الفصل الثاني: في قصاص الأطراف والضرب
السّنّ
٧٧٩٤ - (خ م ت س) عمران بن حصين ﵁ «أن رَجُلاً عَضَّ يَدَ رجل، فنزع يَدَهُ مِنْ فيه، فوقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فاختصموا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يَعَضُّ أحدُكم يَدَ أخيه، كما يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لا ديةَ لك» .
وفي رواية: «فأبطله، وقال: أردتَ أن تأكل لحمه؟» . أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «ما تأمرني؟ [تأمرني أن] آمرُه: أن يدع يَدَهُ في فيك تقضَمها كما يقضَم الفحلُ؟ ادفع يَدَكَ حتى يَعَضَّها، ثم انتزِعْها» .
وأخرج الترمذي الرواية الأولى، وزاد «فأنزل الله تعالى ﴿والجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] » وأخرجه النسائي (١) . ⦗٢٦٨⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(تقضمها) القَضم: الأكل بأطراف الأسنان، قضمت الدابةُ تقضَم.
стр. 8020
٧٧٩٥ - (خ م د س) يعلى بن أمية ﵁ قال: «غَزَوتُ مع رسولِ الله ﷺ جيش العُسرة، وكان من أوثَقِ أعمَالي في نفسي، فكان لي أجير، فقاتَل إنْساناً، فَعَضَّ أحدُهما يدَ صاحبه، فانتزع إصْبَعه، فأنْدَر ثَنِيَّتَهُ، فَسَقَطَتْ، فانْطَلَق إِلى النبيِّ ﷺ ، فأهدَرَ ثَنيَّتَه، وقال: أَيَدَع إِصبعَهُ في فيك تقْضَمُها كما يقضَم الفحل؟» .
وفي رواية «فَعَضَّ أحدهما يد الآخر» .
وفي أخرى قال صفوان: «إن أجيراً لِيَعلَى عَض رجل ذرَاعَهُ ... » وذكر الحديث بمعناه، أخرجه البخاري ومسلم.
وأخرج النسائي الرواية الأولى.
وله في أخرى قال: «قاتل رجل رجلاً، فَعَضَّ أحدُهما صاحبه، فانتزعَ يَدَهُ من فيه، فقلع ثنيَّتَهُ، فرُفع ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: أيَعَضُّ أحدكم أخاه، كما يَعَضُّ البَكْرُ؟ فأبطلها» .
وفي أخرى: «فأَطَلَّها، أي: أبطَلها» .
وله في أخرى: عن سلمة ويعلى ابني أمية، قالا: «خرجنا مع رسولَ الله ﷺ في غزوة تَبُوكَ، ومعنا صاحب لنا، فقاتل رجلاً من المسلمين، فَعضَّ الرجلُ ذراعه، فجذبها من فيه، فطرحَ ثَنِيَّتَهُ، فأتى النبيَّ ﷺ يلتمس العقل، ⦗٢٦٩⦘ فقال: ينطلق أحدكم إلى أخيه، فيعضُّه كعضيض الفحل، ثم يأتي فيطلب العقل؟ لا عَقْلَ لها، فأبطلها رسولُ الله ﷺ » .
وفي رواية أبي داود قال: «قَاتَلَ أجير لي رجلاً، فَعَضَّ يدهُ، فانتزعها منه، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، فأَتى النبي ﷺ فأَهدَرَها، وقال: أتريد أن يضع يده في فيك تقضَمُها كالفحل؟» قال: وأخبرني عبد الرحمن بن أبي مُليكة عن جده «أن أبا بكر أهْدَرَها، وقال: بَعِدت سِنُّه (١) » (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(فأندر ثنيته) أي: أخرجها من موضعها.
(البَكْر) : الفتيُّ من الإبل.
(فأطَلَّها) طُلَّ دمُه، أي: أُهدر، وأَطل السلطان دمه: إذا أبطله وأهدره.
(كعضيض الفحل) العضيض: اللزوم، يقال: عض فلان على فلان يعَض عضيضاً: إذا لزمه، والمراد به هاهنا: العض نفسه، وذلك: لأنه بِعَضِّه له يلزمه.
стр. 8021
٧٧٩٦ - (خ م د س) أنس بن مالك ﵁ «أن الرُّبيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبَوْا، فعرضُوا الأرشَ، فأبَوْا، فأتَوا رسولَ الله ﷺ ، وأبَوا إلا القصاصَ، فأمرَ رسولُ الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسولَ الله، أَتُكسرُ ثَنيَّةُ الرُّبيِّعِ؟ لا والذي بعَثَكَ لا تُكْسَرُ ثَنيَّتُهَا، فقال رسولُ الله ﷺ : يا أنس، أليس كتابُ الله القصاص، فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فقال رسولُ الله ﷺ : إن من عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّه» أخرجه البخاري.
وفي رواية مسلم «أن أخت الرُّبَيِّع أمَّ حارثة: جَرَحَتْ إنساناً، فاخْتَصَمُوا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: القصاصَ القصاصَ، فقالت أم الرُّبَيِّعِ: يا رسولِ الله أيُقْتَصُّ من فُلانَةَ؟ والله لا يُقْتَصُّ منها، فقال النبيُّ ﷺ : سبحان الله، يا أم الرُّبيِّعِ! القصاصُ كتابُ الله، قالت: واللهِ لا يُقْتَصُّ منها أبداً، قال: فما زالَتْ حتى قَبِلُوا، فقال رسولُ الله ﷺ : إنَّ من عبادِ الله مَنْ لو أقْسَمَ على الله لأبَرَّه» ، هذا الحديث أخرجه الحميديُّ في المتفق، وكأن كل واحد من روايتي البخاري ومسلم منفردة، لأن رواية البخاري «في السنِّ» ، ورواية مسلم «في الجرح» ورواية البخاري «قال أنس بن النضر» ورواية مسلم «قالت أُمُّ الرُّبيِّع» .
ورواية البخاري «أن الجاني الربيع» . ⦗٢٧١⦘ ورواية مسلم «أن الجاني أخت الرُّبيِّع» .
وهذا اختلاف كثير، وحيث جعلهما حديثاً واحداً اتَّبعناه، ثم البخاري يروي الحديث عن حميد عن أنس، ومسلم يرويه عن ثابت عن أنس. وأخرج النسائي الروايتين معاً.
وأخرج أبو داود الأولى، ولم يذكر «عرض الأرش، وطلب العفو» (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(الأرش) الأرش هاهنا: الدية، أو ما يجب على الجاني من الغرم المقابل لجنايته، قال الخطابي: معنى ذلك: أن الغلام الجاني كان حُراً، وكانت جنايته خطأً، وكان عاقلته فقراء، وإنما تواسى العاقلة عن وجْدٍ وسعة، ولا شيء على الفقير منهم، ويشبه أن يكون الغلام المجني عليه أيضاً حراً، لأنه لو كان عبداً لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى، لأن العاقلة لا تحمل عبداً، كما لا تحمل عمداً، ولا اغتراماً، فأما الغلام المملوك إذا جنى على عبدٍ أو حُرٍّ فجنايته في رقبته وللفقهاء في استيفائها من رقبته خلاف وهو مذكور في كتب الفقه.
стр. 8022
الأُذُن
٧٧٩٧ - (د س) عمران بن حصين ﵁ «أنَّ غُلاماً لأُناس فقراءَ قَطَعَ أُذُنَ غلام لأغنياءَ، فأتى أهْلهُ النبيَّ ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ الله إِنَّا نَاس فقراءُ، فَلم يجعلْ عليه شيئاً» أخرجه أبو داود والنسائي (١) .
стр. 8023
اللطمة
٧٧٩٨ - (س) عبد الله بن عباس ﵄ «أن رجلاً وقع في أبٍ كان له في الجاهلية، فلطمه العباسُ، فجاء قومُه، فقالوا: لَنَلْطمنَّه، كما لطمه، فَلَبِسُوا السلاح، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فَصَعِدَ المنبر، فقال: أيُّها الناس، أيّ أهل الأرض تعلمون أكرمَ على الله ؟ قالوا: أنت، قال: فإن العباسَ مني وأنا منه، لا تَسُبُّوا مَوتَانا فتُؤذوا أحياءنا، فجاء القوم فقالوا: يا رسولَ الله، نعوذ بالله من غضبك، فَاسْتَغْفِرْ لنا» أخرجه النسائي (١) .
стр. 8024
الفصل الثالث: في استيفاء القصاص
٧٧٩٩ - (م ت) شداد بن أوس ﵁ أنَّ رسولَ الله ⦗٢٧٣⦘ ﷺ قال: «إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قَتَلتم، فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبَحْتم فأحسنوا الذَّبحَ (١) ، وليُحِدَّ أحدُكم شَفرته، وليُرِحْ ذبيحتَهُ» . أخرجه مسلم والترمذي (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(القِتلة) بكسر القاف: هيئة القتل، وبفتحها: المرة الواحدة من القتل.
стр. 8025
٧٨٠٠ - (د) عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أعفُّ الناس قِتْلَة: أهلُ الإيمان» أخرجه أبو داود (١) .
стр. 8026
٧٨٠١ - (خ) عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ «أنَّ رسولَ الله ﷺ : نهى عن المُثلة، والنُّهبى» أخرجه البخاري (١) .
وقد رواه ابن جبير عن ابن عباس عن النبيِّ ﷺ .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(المثلة) : تشويه خلقة القتيل، كجدع أطرافه، وجَبِّ مذاكيره، ونحو ذلك.
стр. 8027
٧٨٠٢ - (س) أبو فراس ﵀ عن عمر قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقِصُّ من نفسه» أَخرجه النسائي (١) .
стр. 8028
الفصل الرابع: في العفو
٧٨٠٣ - (د س) أنس بن مالك ﵁ قال: «ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ رُفع إِليه شيء فيه قِصاص إلا أمَرَ فيه بالعفو» . أخرجه أبو داود والنسائي (١) .
стр. 8029
٧٨٠٤ - (ت) أبو السفر - سعيد بن أحمد - (١) ﵀ قال: «دَقَّ رجل من قريش سِنَّ رجل من الأنصار، فاستعدَى عليه معاويةَ، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إن هذا دقَّ سِنِّي، فقال له معاويةُ: إنَّا سَنُرضيك، وألحَّ الآخَرُ على معاويةَ، فأبْرَمَه، فقال معاويةُ: شأنَك بصاحبك - وأبو الدرداء جالس عنده - فقال أبو الدرداء: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ما من رجل يُصَاب بشيء من جسده فَيَتَصَدَّق به إلا رفعه الله به درجة، ⦗٢٧٥⦘
وحطَّ عنه به خطيئة، فقال الأنصاري: أنتَ سمعتَه من رسولِ الله ﷺ ؟ قال: سمعتُه أُذُنايَ، وَوَعاهُ قلبي، قال: فإني أذَرُها له، قال معاويةُ: لا جرمَ لا أُخَيِّبُك، فأمر له بمال» أخرجه الترمذي (٢) .
стр. 8030
٧٨٠٥ - (س) أنس بن مالك ﵁ «أن رجلاً أتى بقاتل وَليِّه رسولَ الله ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : اعفُ عنه، فأبى، فقال: خُذِ الديةَ، فأبى، فقال: اذهب فاقتله فإنك مثلُهُ، فذهب، فلُحق الرجل، فقيل له: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: إنْ قَتَله فإنه مثله، فخلَّى سبيلَه، فمرَّ بي الرجلُ وهو يجرُّ نِسْعَتهُ» أخرجه النسائي (١) .
стр. 8031
٧٨٠٦ - (س) بريدة ﵁ «أن رجلاً جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنَّ هذا قتل أخي، قال: اذهب فاقتله كما قتل أخاك، فقال له الرجل: اتَّق الله، واعف عني، فإنه أعظمُ لأجرك، وخَير لك ولأخيك يوم القيامة، قال: فخلَّى عنه، فأُخْبِر النبيُّ ﷺ ، فسأله؟ فأخبره بما قال له، قال: فأعتقه، قال: أمَا إنَّه كان خيراً مما هو صانع بك يوم القيامة، يقول: يا رب، سلْ هذا فيم قتلني؟» أخرجه النسائي (١) .
стр. 8032
٧٨٠٧ - (م) وائل بن حجر ﵁ قال: «أُتيَ رسولُ الله ﷺ برجُل قتلَ رجلاً، فأقادَ وَلِيُّ المقتول منه، فانطلق به وفي عنقه نِسْعَة يَجُرُّها، فلما أدبر قال رسولُ الله ﷺ : القاتل والمقتول في النار، فأتى رجل الرجلَ، فقال له مقالة رسولِ الله ﷺ ، فَخَلَّى عنه» .
قال إسماعيل بن سالم: فذكرت ذلك لحبيب بن أبي ثابت، فقال: حدثني ابن أشوَعْ أن النبيَّ ﷺ : إنما سأله أن يعفوَ عنه، فأَبى. أخرجه مسلم (١) .
وهذه الزيادة لم يذكرها الحميديُّ في كتابه.
стр. 8033
٧٨٠٨ - (د س) عائشة ﵂ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «على المُقْتَتِلِينَ أن يَنْحَجِزُوا، الأولَى فالأولى، وإن كانت امرأة» .
أخرجه أبو داود، وفي رواية النسائي «الأول فالأول (١) » (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(أن ينحجزوا) الانحجاز - مطاوع حجزه: إذا منعه، والمعنى: أن لورثة القتيل أن يعفوا عن دمه رجالهم ونساؤهم، وبيانه: أن يُقتل رجل وله ورثة رجال ونساء، فأيهم عفا وإن كانت امرأة: سقط القود، واستحقوا ⦗٢٧٧⦘ الدية، وقوله: «الأولى فالأولى» يريد الأقرب فالأقرب، ويشبه أن يكون معنى المقتتلين هاهنا: أن يطلب أولياء القتيل القود، فتمتنع القتلة فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين - بفتح التاءين - يقال: اقتَتَل، فهو مقتتل، غير أن هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتلته الحرب، قاله الخطابي.
стр. 8034
الكتاب السادس: في القسامة
٧٨٠٩ - (خ س) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «إنَّ أوَّلَ قَسَامَة كانت في الجاهلية: لَفَينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأْجرَه رجل من قريش من فَخِذ أخرى، فانطلق معه في إبِلِهِ، فمَرَّ به رجل من بني هاشم، قد انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جَوَالِقِهِ، فقال: أغِثْني بعِقال أشُدُّ به عروةَ جَوَالِقي، لا تَنفِر الإبل، فأعطاه عِقَالاً، فَشَدَّ به عُروةَ جَوالِقِه، فلما نزلوا عُقِلَتْ الإبل إلا بَعيِراً واحداً، فقال الذي استأْجره: ما بال (١) هذا البعير لم يُعْقَلْ من بين الإبل؟ قال: ليس له عِقَال، قال: فأين عِقاله؟ [قال:] فحذفه ⦗٢٧٨⦘ بعَصا كان فيها أجلُهُ، فمرَّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهدُ الموسم؟ قال: ما أشهدُ، وربما شهدتُهُ، قال: هل أنت مُبَلِّغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فإِذا شهدتَ الموسم فنادِ: يا آل قريش، فإِذا أجابوك، فنادِ: يا آل بني هاشم، فإِن أجابوك، فَسَلْ عن أبي طالب، فأَخبره أن فلاناً قتلني في عِقَال، ومات المستأجَر، فلما قَدِمَ الذي استأْجره، أتاه أبو طالب، فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مَرِضَ، فأحسنْتُ القيام عليه وَوَليتُ دفْنَه، قال: قد كان أهلُ ذاك منك، فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوْصَى إليه أن يبلِّغ عنه وافَى الموسمَ، فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبَلِّغَكَ رسالة: أنَّ فلاناً قتله في عِقَال، فأتاه أبو طالب، فقال: اخْتَرْ مِنَّا إِحدى ثلاث: إن شئتَ أن تؤدِّيَ مائة من الإِبل، فإنك قتلتَ صاحبنا، وإنْ شئتَ حَلَفَ خمسون من قومكَ أنَّكَ لم تقتُلْهُ، فإن أبَيْتَ قتلناك به، فأتى قومَهُ فأخبرهم، فقالوا: نحلفُ، فأتته امرأة من بني هاشم - كانت تحت رجل منهم قد وَلَدَتْ منه - فقالتْ: يا أبا طالب، أُحِبُّ أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تَصْبُرْ يمينَه حيث تُصْبَرُ الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم، فقال: يا أبا طالب، أردتَ منا خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كلِّ رجل منهم بعيران، هذان بعيران، فاقبلهما ⦗٢٧٩⦘ مِني، ولا تَصْبُرْ يميني حيث تُصبرَ الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا» .
قال ابن عباس: «فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول، ومن الثمانية وأربعين عين تَطْرِفُ» أخرجه البخاري والنسائي (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(القَسَامة) : الأيمان يقسم بها أولياء الدم على استحقاقهم دم صاحبهم، أو يقسم بها المتَّهمون على نفي القتل عنهم، وهي مصدر، يقال: أقسم يقسم قَسماً وقسامة: إذا حلف.
(فَخِذ) الفخذ: دون القبيلة.
(الموسم) : أراد به وقت الحج واجتماع الناس له.
(تجير ابني) قول المرأة: تجير ابني - بالراء غير المعجمة - معناه: أن تجيره باليمين، أي: يُؤمِّنه منها، فإن كان بالزاي المعجمة - فمعناه: الإذن، أي: يأذن له في ترك اليمين، والمجيز: هو الذي يقوم بأمر اليتيم.
(تصبر يمنه) يمين الصبر: هي التي يلزمها المأمور بها ويُكره عليها، ويحكم عليه بها.
стр. 8035
٧٨١٠ - (م س) أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنَّ رسولَ الله ﷺ «أقَرَّ القَسَامةَ على ⦗٢٨٠⦘ ما كانت عليه في الجاهلية» .
وفي رواية عن أُنَاس من أصحاب رسولِ الله ﷺ : «أن القَسامة كانت في الجاهلية، فأقرَّها رسولُ الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها بين الناس من الأنصار في قتيل ادّعوه على يهود خيبر» . أخرجه مسلم والنسائي (١) .
стр. 8036
٧٨١١ - (س) سعيد بن المسيب قال: «كانت القَسامةُ في الجاهلية، فأقرَّها رسولُ الله ﷺ في الأنصاريِّ الذي وُجِدَ مَقتولاً في جُبِّ اليهود، فقال الأنصار: قَتَلُوا صاحبنا» . أخرجه النسائي (١) .
стр. 8037
٧٨١٢ - (خ م ط د ت س) سهل بن أبي حَثمة ﵁ قال: «انطلق عبد الله بنُ سهل، ومُحَيِّصةُ بنُ مسعود إِلى خَيْبَرَ، وهي يومئذ صلح، فتفرَّقا، فأتَى محيِّصةُ إلى عبد الله بنِ سهل وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِه قتيلاً، فدفنه، ثم قَدِمَ المدينةَ، فانطلقَ عبد الرحمنِ بنُ سهل، ومحيِّصةُ وحُويِّصة ابنا مسعود إلى النبيِّ ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلَّم، فقال: كَبِّرْ كَبِّرْ - وهو أَحدَثُ القوم - فَسَكَتَ، فتكلّما، فقال: أتَحْلِفُونَ، وتستحقون قاتِلكم، ⦗٢٨١⦘ أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلفُ ولم نَشْهَدُ، ولم نَرَ؟ قال: فتُبْرِئُكم يَهودُ بخمسين؟ قالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فَعَقَلَهُ النبيُّ ﷺ من عنده» .
وفي رواية: فقال رسولُ الله ﷺ : «يُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم فيُدفَع بِرُمَّته، قالوا: أمْر لم نَشْهَدهُ، كيف نحلف؟ قال: فَتُبْرئكم يهودُ بأيمانِ خمسينَ منهم، قالوا: يا رسولَ الله، قوم كفار ... » وذكر الحديث نحوه.
وفي أخرى فقال لهم: «تأتونَ بالبيِّنةِ على مَنْ قَتَله؟ فقالوا: مَا لَنَا بَيِّنة، قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضَى بأيْمان اليهود، فَكَرهَ رسولُ الله ﷺ أن يُبْطِلَ دمه، فوَدَاهُ بمائة من إبل الصدقة» .
وفي أخرى: «فجاءَ عبد الرحمنِ بنُ سهل، وحُويِّصة ومُحيِّصة ابنا مسعود، وهما عمَّاه» .
وفي أخرى «أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة - يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد - انطلق هو وابنُ عَمّ له، يقال له: محيِّصة بن مسعود بن زيد» .
وفي أخرى عن سهلِ بنِ أبي حَثْمةَ، ورافع بن خديج ... الحديث، وفيه: قال سهل: «دَخلتُ مِرْبداً لهم يوماً، فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها» .
وفي أخرى عن سهل بن أبي حَثْمَة عن رجال من كبراءِ قومه «أنَّ عبد الله بنَ سهل، ومحيّصةَ، خرجا إلى خيبر من جَهْد أصابهم، فأتى محيِّصةُ ⦗٢٨٢⦘ فأخبرَ أنَّ عبد الله بنَ سهل قد قُتلَ وطُرِحَ في عين أو فَقير، فأتى يهودَ، فقال: أَنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصة - وهو أكبر منه - وعبد الرحمن بنُ سهل، فذهبَ مُحَيِّصَةُ ليتكلم - وهو الذي كان بخيبر - فقال رسولُ الله ﷺ لمحيِّصة: كَبِّر، كَبِّرْ - يريدُ السِّنَّ - فتكلَّم حُوَيِّصة، ثم تكلَّم مُحَيِّصةُ، فقال رسولُ الله ﷺ : إمَّا أنْ يَدُوا صاحبَكم، وإمَّا أن يُؤذِنوا بِحَرب، فكتبَ رسولُ الله ﷺ إليهم في ذلك، فكتبوا: إنَّا والله ما قتلناه، فقال رسولُ الله ﷺ لحُويِّصةَ ومُحَيِّصَةَ، وعبد الرحمن: أتَحْلِفُونَ وتستحقُّون دَمَ صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهودُ؟ قالوا: لَيْسوا مسلمين، فَوَدَاه رسولُ الله ﷺ من عنده، فبعث إليهم رسولُ الله ﷺ مائةَ ناقة حمراءَ، حتى أُدْخِلَتْ عليهم الدارَ، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراءُ» [أخرجه البخاري ومسلم] .
وفي رواية [لمسلم] «فَوَدَاهُ رسولُ الله ﷺ من عنده، قال سهل: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض بالمربَدِ» .
وفي رواية بنحو ما تقدَّم «فلما رأى ذلك رسولُ الله ﷺ أعطى عَقْلَه» .
وفي أخرى «كَبِّرِ الكُبْرَ، أو قال: لِيَبْدَأ الأكبرُ» .
وأخرج الموطأ الرواية التي قال فيها: «عن رجال من كبراءِ قومه» . ⦗٢٨٣⦘
وفي أخرى له «أن عبد الله بنَ سهل الأنصاريَّ، ومُحَيِّصَةَ بن مسعود خرجا إِلى خيبر، فتفرَّقا في حوائجهما، فَقُتِلَ عبد الله بنُ سهل، فَقدِمَ محيِّصَةُ فأَتى هو وأخوه حويِّصةُ وعبد الرحمن بن سهل إلى النبيِّ ﷺ ، فذهب عبد الرحمن ليتكلَّم، لمكانه من أخيه، فقال رسولُ الله ﷺ : كبِّرْ كبِّرْ، فتكلَّم محيِّصة وحويِّصة، فذكرا شأنَ عبد الله بن سهل، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : أتَحْلِفُونَ خمسين يميناً وتستحقُّونَ دَمَ صاحبكم، أو قاتلكم؟ فقالوا: لم نشهدْ يا رسولَ الله، ولم نَحْضُرْ، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : فتُبْرِئكم يهودُ بخمسين يميناً؟ فقالوا: يا رسولَ الله، كيف نقبل أيْمَانَ قوم كفار؟» قال يحيى بن سعيد: فزعم بُشَير بن يسار: «أنَّ رسولَ الله ﷺ وَدَاهُ من عنده» .
وأخرج أبو داود رواية سَهلْ بن أبي حَثْمةَ، ورافعَ بن خديج بطولها، وهذا لفظه «أنَّ محيصةَ بنَ مسعود، وعبد الله بنَ سهل: انطلقا قِبلَ خَيْبرَ، فتفرَّقا في النخل، فقُتل عبد الله بنُ سهل، فاتَّهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل، وابنا عمّه حويصِّة ومُحَيِّصةَ، فأتوا النبيَّ ﷺ ، فتكلَّم عبد الرحمن في أمر أخيه - وهو أصغرهم - فقال رسولُ الله ﷺ : الكُبْرَ الكبر، أو قال: ليبدأ الأكبر، فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسولُ الله ﷺ : يُقْسم خمسون منكم على رجل منهم، فيُدفع برُمَّته، فقالوا: أمر لم نَشْهَدْهُ، كيف نحلف؟ قال: فتُبْرِئُكم يهودُ بأيْمانِ خمسينَ منهم، قالوا: يا رسولَ الله، ⦗٢٨٤⦘ قوم كُفَّار، قال: فَوَدَاهُ رسولُ الله ﷺ مِن قِبَلِهِ، قال: قال سهل: دخلت مِرْبداً لهم يوماً، فَركَضَتْني ناقة من تلك الإبل رَكضة برجلها» هذا أو نحوه، هكذا قال أبو داود.
وقال أبو داود: رواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد، قال: «أتَحْلِفُونَ خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم، أو قاتلكم؟» ولم يذكر بشرٌ «دَمَ» .
وقال أبو داود: رواه ابن عيينة عن يحيى، فبدأ بقوله: «تُبْرِئُكم يهودُ بخمسين يميناً يحلفون» ولم يذكر الاستحقاق.
وأخرج الرواية التي هي «عن رجال من كبراء قومه» إِلا أنه قال: عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه، ولم يقل: «عن سهل عن رجال من كبراء قومه» .
وأخرج أيضاً التي آخرها «فَودَاه بمائة من إبل الصدقة» .
وله في أخرى عن عبد الرحمن بن بُجيد، قال: «إن سَهْلاً والله أوْهمَ الحديثَ، إِنَّ رسولَ الله ﷺ كتب إلى يهودَ: إِنَّه قد وُجِدَ بين أظهركم قَتيل، فَدُوهُ، فكتبوا يَحْلِفُونَ بالله خمسين يميناً ما قتلناه، ولا علمنا قاتِلاً، قال: فَوَدَاه رسولُ الله ﷺ من عنده مائة ناقة» .
وأخرج النسائي الرواية التي هي «عن رجال من كبراء قومه بتمامها» .
وأخرجها عن سهل بن أبي حثمة ولم يقل: «عن رجال من كبراء قومه» ⦗٢٨٥⦘ والرواية التي آخرها «فَوَدَاهُ بمائَة من إبل الصدقة» .
وأخرج الرواية الأولى، والرواية التي هي «عن سهل، ورافع بن خديج» مثل لفظ أبي داود فيها، والرواية الثانية التي هي للموطأ.
وأخرج الرواية التي في أولها فجاء أخوه وعمَّاه حويِّصةُ ومُحَيِّصَةُ، وهما عمّاه، والتي في آخرها «فركضَتْني فريضة من تلك الفرائض في مِرْبد لها» والرواية التي لأبي داود عن مالك عن يحيى.
وأخرج الترمذي نحواً من رواية سهل ورافع، وقال في آخرها: «فلما رأى ذلك رسولَ الله ﷺ أعطى عقله» .
وأخرج رواية سهل ورافع، ولم يذكر لفظها، إنما قال: نحو هذا الحديث بمعناه (١) .
وفي رواية ذكرها رزين قال: «ينفل لكم يهودُ أيمان خمسين منهم، قالوا: ما يُبالون أن يقتلونا أجمعين؟ وينفلون بخمسين يميناً» .
⦗٢٨٦⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(يتشحَّط) في دمه: أي يضطرب.
(الكُبْر، الكُبْر) جمع الأكبر،: أي: ليتكلم الأكبر منكم، وأما «كَبَّر» فإنه أمر بتقديم الأكبر.
(فوداه) وديت القتيل: إذا أعطيتَ ديته.
(المِرْبد) : موقف الإبل والمكان الذي تأوي إليه.
(أن يُؤذِنوا بحرب) آذنتُه بحرب: إذا أعلمتُه أنك تريد حربه وتقصد قتاله.
(فقير) الفقير: مخرج الماء من القناة، والفقير: حفيرة تحفر حولَ الفسيلة إذا غُرِسَتْ، والفقير: رَكي بعينه معروف، وإنما أراد في هذا الحديث حفيرة أو رَكيّاً.
(الفريضة) : الأمر المفروض الواجب فعلُه أو قوله في الشرع، وقد سمي البعير في هذا الحديث فريضة، لأنه مما قد افترض ووجب أداؤه على أولياء القاتل في الدية، ولأنه أيضاً مما وجب أخذه في الصدقة، وتعيّن على رب المال إعطاؤه.
стр. 8038
٧٨١٣ - (د) رافع بن خديج ﵁ قال: «أصْبَحَ رَجُل مِنَ الأنصار مَقْتُولاً بخْيبَرَ، فَانْطَلَقَ أولياؤه إلى النبيِّ ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: لكم شاهدان (١) يشهدان على قاتل صاحبكم؟ قالوا: يا رسولَ الله، لم يكن ثَمَّ أحدٌ من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون على أعظم من ⦗٢٨٧⦘ هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين فاسْتَحْلِفُوهم، فَوَدَاهُ رسولُ الله ﷺ مِنْ عنده» أخرجه أبو داود (٢) .
стр. 8039
٧٨١٤ - (س) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه «أنَّ ابنَ محيِّصةَ الأصغرَ أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال رسولُ الله ﷺ : أقِمْ شاهِدَين على مَنْ قتله، أدفَعُهُ إليك بِرُمَّتِهِ، قال: يا رسولَ الله، ومِنْ أيْنَ أصيبُ شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم؟ قال: فَتَحْلِفُ خمسين قَسامَة؟ قال: يا رسولَ الله، وكيف أحلف على ما لم أعلم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : فَنَسْتَحلِفُ منهم خمسين قَسَامَة؟ فقال: يا رسولَ الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود؟ فَقَسَمَ رسولُ الله ﷺ دِيَتَهُ عليهم، وأعانهم بنصفها» . أخرجه النسائي (١) .
стр. 8040
٧٨١٥ - (خ) أبو قلابة ﵁ «أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز أبرزَ سريره يوماً للناس، ثم أَذِنَ لهم، فدَخَلُوا، فقال لهم: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القَسامةُ القَوَدُ بها حقّ، وقد أقادتْ بها الخلفاءُ، فقال لي: ما تقولُ يا أبا قلابةَ؟ - ونصبني للناس - فقلتُ: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوسُ الأجناد، وأشرافُ العرب، أَرأَيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على ⦗٢٨٨⦘ رَجُل مُحْصَنٍ بِدمشقَ: أنه قد زنى ولم يَرَوْهُ، أكُنتَ ترْجُمه؟ قال: لا، قلتُ: أَرأَيتَ لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجُل بحمص أنَّه قد سَرَقَ، أكنت تقطعُه ولم يَرَوْهُ؟ قال: لا، قلتُ: فوالله ما قَتَلَ رسولُ الله ﷺ أحداً قطّ إلا في إحدى ثلاثِ خصال: رجل قَتَلَ بجريرةِ نفسه فقُتِلَ، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارَبَ الله ورسوله، وارتَدَّ عن الإسلام، فقال القومُ: أوَ لَيْسَ قَد حَدَّثَ أنسُ بن مالك: أنَّ رسولَ الله ﷺ قطع في السَّرَق، وسَمَر الأعينَ، ثم نَبَذَهُمْ في الشمس؟ فقلتُ: أنا أُحَدِّثكم حديث أنس: حدَّثني أنس أن نَفَراً من عُكْل ثمانية، قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ ، فبايعوه على الإسلام، فاسْتَوخَمُوا المدينة (١) ، فَسَقِمَتْ أجسامُهم، فَشَكَوْا ذلك إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: ألا تخْرُجُونَ مع راعينا في إبله، فَتُصيبون من أبوالها وألبانها؟ قالوا: بلى، فخرجوا، فشربوا من ألبانها وأبوالها، فَصَحُّوا، فقتلوا راعيَ رسولِ الله ﷺ ، وأطردوا النَّعَم، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فأرسل في آثارهم، فَأُدْرِكوا، فجيء بهم، فَأَمَرَ بهم فَقُطِّعَتْ أيديهم، وسَمَر أعينَهم، ثم نَبَذَهُمْ في الشمس، حتى ماتوا، قلتُ: وأيُّ شيء أشَدُّ مما صنع هؤلاء؟ ارتدُّوا عَنِ الإسلام، وقَتَلُوا، وسَرَقوا، فقال عَنْبَسةُ بنُ سعيد: والله إِنْ سمعتُ كاليومِ قطّ، قلتُ: أتَرُدُّ عَلَيَّ حديثي يا عَنْبَسة؟ فقال: لا، ولكن جئتَ بالحديث على وجهه، ⦗٢٨٩⦘ والله لا يزال هذا الجُنْدُ بخير ما عاش هذا الشيخُ بين أظهرهم، قلتُ: وقد كان في هذا سُنَّة من رسولِ الله ﷺ ، دخل عليه نَفَر من الأنصار، فتحدَّثوا عنده، فخرج رجل منهم بينَ أيديهم فقتل، فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشحَّط في الدم، فرجعوا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، صاحِبُنا كان يتحدَّث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحَّط في الدم، فخرج رسولُ الله ﷺ ، فقال: مَنْ تَظُنُّون؟ أو مَنْ تَرَوْنَ قتله؟ قالوا: نَرَى أن اليهودَ قتلتْهُ، فأرسل إلى اليهود، فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا؟ قالوا: لا، قال: أتَرْضَونَ نَفْلَ خمسينَ من اليهود ما قتلوه؟ قالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يَنْفِلون، قال: أفتستحقُّون الديةَ بأيمْانِ خمسينَ منكم؟ قالوا: ما كُنَّا لنحلفَ، فَوَدَاه، من عنده، قلتُ: وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرقَ أهلَ بيت [من اليمن] بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذَفه بالسيف فقتله، فجاءت هُذَيل، فأخذوا اليمانيَّ، ورفعوه إلى عُمَر بالموسِم، وقالوا: قتل صاحَبَنَا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يُقسِمُ خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقَدِمَ رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رَجُلاً، فدفعوه إلى أخي المقتول، فَقُرنت يده ⦗٢٩٠⦘ بيده، قال: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا، حتى إذا كانوا بِنَخُّلَة أخذتهم السماءُ، فدخلوا في غار في الجبل، فانْهَجَمَ الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعاً، وأُفْلتَ القرينان، واتَّبَعَهُما حَجَر، فكسر رِجْلَ أخي المقتول، فعاش حَوْلاً ثم مات، قلتُ: وقد كان عبد الملكِ بنُ مروان أقادَ رجلاً بالقَسَامة، ثم نَدِم بعدما صنع، فأَمَرَ بالخمسين الذين أقسموا فَمُحُوا مِنَ الديوان، وسيَّرهم إلى الشام» هكذا في رواية البخاري، من حديث أبي بِشْر إسماعيل بن إبراهيم الأسَدِي، وهو ابن عُلَيَّةُ عن حجاج الصواف بطوله، وفي حديثه: عن علي بن عبد الله المديني، عن الأنصاريِّ نحوه مختصراً، وفيه: فقال عنبسةُ: «حدَّثنا أنس بكذا، فقال: إيايَّ حَدَّث أنس ... » وذكر حديث العُرَنيِّينَ، ولم يخَرِّج مسلم منه إلا حديث العُرَنيِّين فقط، واختصر ما عداه، ولقلة ما أخرج منه لم نُثْبِتْ له علامة (٢) .
⦗٢٩١⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(بجريرة) الجريرة: الذَّنْب والجُرم الذي يجنيه الإنسان.
(السَّرَق) بفتح الراء، مصدر سَرَق يَسْرِقُ، والاسم: السرِق بالكسر، والسرِقة.
(سمرَ عَيْنَهُ) : إذا حمى لها مسماراً وكحلها به، ليذهب البصر.
(نبذهم) : ألقاهم ورماهم.
(فاستوخموا) استوخَمْتُ المكان: إذا لم يكن موافقاً ولا ملائماً لمزاجك.
(ثم يَنفِلون) أصل النَفْل هاهنا: النفي، يقال: نفلتُ الرجل عن نسبه، وانْتَفَلَ هو، وانفِلْ عن نفسك إن كنت صادقاً، أي: انْفِ ما قيل فيك ونُسِبَ إليك، والمعنى بقوله: «ينفلون» أي: يحلفون لكم، يقال: نفلته فنفل، أي: حلَّفته فحلف، وذلك لأن القصاص يُنفى بها.
(خليعاً لهم) الخليع: المخلوع، والمعنى: أن العرب كانوا يتحالفون على النصرة والإعانة، وأن يؤخذ كلٌّ منهم بصاحبه، فإذا أرادوا أن يتبرؤوا من إنسان يكونون قد حالفوه: أظهروا ذلك للناس، وسموا ذلك خَلعاً، والمتبرأ منه خليعاً، فلا يؤخذون بجريرته، ولا يؤخذ بجريرتهم، بعد أن خلعوه، فكأنهم قد خلعوا اليمين التي كانوا لَبِسُوها معه، ومنه يسمى الإمامُ والأمير إذا عزل خليعاً، يقال: خلع الإمام من الإمامة، والأمير من الإمارة.
стр. 8041
٧٨١٦ - (د) عمرو بن شعيب ﵀ عن أبيه عن جده «أنَّ رسولَ الله ﷺ (١) : قَتَلَ بالقَسامة رجلاً من بني نضر (٢) بن مالك بِبَحرةِ الرُّغاء على شَطِّ [لَيَّةِ] البَحرَةِ، قال: القاتلُ والمقتولُ منهم؟» أخرجه أبو داود (٣) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(ببحرة) البحرة: البلدة.
стр. 8042
الكتاب السابع: في القِراض
٧٨١٧ - (ط) زيد بن أسلم ﵀ عن أبيه، قال: «خرج عبد الله وعبيدُ الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعريِّ وهو أمير البصرة، فَرَحَّبَ بهما، وسَهَّلَ، ثم قال: لو أقْدِرُ لكما على أمْر أنفعكما به، لفعلتُ، ثم قال: بلى، هاهنا مالٌ من مال الله، أريدُ أن أبعثَ به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤدِّيان رأسَ المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح، فقالا: وَدِدنا، ففعل، وكتبَ إلى عمرَ بن الخطاب: أن يأخذَ منهما المال، فلما قدما باعا فأُربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكُلَّ الجيش أَسلفَهُ مثل ما أسلفَكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفَكما، أدِّيا المال ورِبحه، فأما عبد الله: فسكت، وأما عبيد الله: فقال: ما ينبغي لكَ يا أمير المؤمنين هذا، لو نَقَصَ المال أو هَلَك لضمِنّاه، فقال عمر: أَدِّياه، فسكتَ عبد الله، وراجعه عُبَيدُ الله، فقال رجل من جلساءِ عمرَ: يا أمير المؤمنين، لو جعلتَه قِرَاضاً، فقال عمرُ: قد ⦗٢٩٤⦘ جعلتُه قِرَاضاً، فأخذ عمرُ رأسَ المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نِصْفَ ربح المال» أخرجه الموطأ (١) .
стр. 8043
٧٨١٨ - (ط) العلاء بن عبد الرحمن ﵀ عن أبيه، عن جده: «أن عثمان بن عفان أعطاه مالاً قِراضاً يعملُ فيه على أَن الربح بينهما» . أخرجه الموطأ (١) .
стр. 8044
الكتاب الثامن: في القصص
قصة إبراهيم وإسماعيل وأمِّه ﵈
٧٨١٩ - (خ) عبد الله بن عباس ﵄ من حديث أيوبَ بن أبي تميمة السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: «أولُ ما اتخذَ النِّساءُ المِنْطَق: من قِبَلِ أم إسماعيل، اتخذت مِنْطَقاً - قال الأنصاريُّ عن ابن جريج (١) قال: أمَّا كثير بن كثير: فحدَّثني، قال: إني وعثمان بن أبي سليمان جلوسٌ مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدَّثني ابنُ عباس، ولكنَّه قال: أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمِّه وهي ترضعه، معها شَنَّة» لم يرفعه، ولم يزد الأنصاري على هذا.
قال الحميديُّ في أول هذا الحديث عند البرقانيِّ: من حديث عبد الرزاق ⦗٢٩٦⦘ عن معمر عن أيوب، وكثير، ولم يذكر البخاري «أن سعيد بن جبير، قال: سلوني يا معشر الشباب، فإني قد أوشَكْتُ أن أذهبَ [من] بين أظهركم، فأكثر الناس مسألتَه، فقال له رجل: أصلحكَ الله، أَرأَيت هذا المقام، أَهُوَ كما [كنَّا] نتحدث؟ قال: وما كنت تتحدّث؟ قال: كنا نقول: إِن إِبراهيم ﵇ حين جاء عَرضت عليه امرأةُ إسماعيل النزولَ، فأَبَى أن ينزلَ، فجاءت بهذا الحجَر، فقال: ليس كذلك» (٢) .
من هاهنا ذكر البخاري عن أيوب، وكثير عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: «أول ما اتخذتِ النساءُ المِنْطَق: من قِبَل أُمِّ إسماعيل، اتخذت مِنْطَقاً لِتُعفّي أثرها على سارَة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهِيَ تُرضعه حتى وضعها عند البيت، عند دَوحَةٍ فوق زمزمَ في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أَحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جِراباً فيه تمر، وسِقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم مُنْطلقاً، فتَبعَته أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهبُ وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس (٣) ، ولا شيء؟ ، فقالت له ذلك مِرَاراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمركَ بهذا؟ قال: نعم، قالت: إِذن لا يُضيِّعنا، ثم رجعتْ، فانطلق إبراهيم ﵇، حتى إذا كان عند الثنية - حيث لا يرونه ⦗٢٩٧⦘ استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاءِ الدعواتِ، فرفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنا (٤) إِنِّي أسكنتُ من ذُرِّيَّتي بوادٍ غيرَ ذي زرعٍ﴾ - حتى بلغ - ﴿يشكرون﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجَعَلَتْ أُمُّ إِسماعيل تُرْضِعُ إسماعيل، وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نَفِد ما في السقاء عَطِشَتْ، وَعَطِش ابنُها، وجعلتْ تنظر إِليه يتلَوَّى - أو قال: يتلبَّط - فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه، فوجدتِ الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلتِ الواديَ تنظر هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، فهبطتْ من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رَفَعَتْ طرَف دِرْعها، ثم سَعَتْ سعيَ الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتتِ المروَةَ، فقامت عليها، فنظرت، هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات - قال ابن عباس: قال النبيُّ ﷺ : فلذلك سَعَى الناس بينهما - فلما أشرفَتْ على المروة سمعتْ صوتاً، فقالت: صَه - تريد نفسها - ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غُواث، فإذا هي بالملَكِ عند موضِع زمزم، فبحث بعقَبِه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماءُ، تُحوِّضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تَغْرِفُ من الماء في سقائها، وهو يفورُ بعدما تغرف - وفي رواية: بقدر ما تغرف -» قال ابن عباس: قال النبيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ الله أمَّ إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرِفْ من الماء - لكانت زمزمُ عيناً مَعِيناً، قال: فشربتْ وأرضعتْ ولدها، فقال لها ⦗٢٩٨⦘ المَلك: لا تخافوا الضيعةَ، فإن هاهنا بيتاً لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضِيع [أهله] ، وكان البيتُ مرتفعاً من الأرض كالرَّابية، تأتيه السيول، فتأْخذ عن يمينه، وعن شماله، فكانت كذلك، حتى مرَّتْ بهم رُفقةُ من جُرْهُم - أو أهلُ بيت من جرهم - مُقْبِلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إنَّ هذا الطائر لَيَدُورُ على ماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيَّاً أو جَرِيَّيْنِ، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا - وأُمُّ إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتَأْذنين لنا أن ننزلَ عندَكِ؟ قالت: نعم، ولكن لاحقَّ لكم في الماء، قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبيُّ ﷺ : فألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تُحب الأُنْس، فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهلُ أبيات منهم، وشَبَّ الغلام - وتعلم العربية منهم، وأنفسَهَم وأعجبهم حين شَبَّ - فلما أدركَ زوَّجوه امرأة منهم، وماتت أُمُّ إسماعيل، فجاء إبراهيم، بعدما تزوج إسماعيل، يطالع تَركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأتَه عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا - وفي رواية: ذَهَبَ يصيد - ثم سألها عن عَيْشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضِيق وشِدَّة، وشكتْ إليه، قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقْرَئي ﵇، وقولي له: يُغَيِّرْ عَتَبَة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنَس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنكَ، ⦗٢٩٩⦘ فأخبرتُهُ، فسألني: كيف عيشُنا؟ فأخبرتُه: أَنَّا في جَهد وشدة، قال: فهل أوصاكِ بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك: غَيِّر عَتَبَةَ بَابِكَ، قال: ذاكَ أبي، وقد أمرني أن أفارقَكِ، الحَقي بأهلِكِ، فطلَّقها، وتزوَّجَ منهم أخرى، فلبثَ عنهم إبراهيمُ ما شاء الله أن يلبثَ، ثم أتاهم بعدُ، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسأل عنه؟ قالت: خَرَج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنتْ على الله ، فقال: ما طعامُكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماءُ، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبيُّ ﷺ : ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه - وفي رواية: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأتُه: ذهب يصيد، فقالتْ امرأته: ألا تنزل فتَطْعَمَ وتَشرَبَ؟ قال: فما طعامكم، وما شرابكم؟ قالت: طَعامُنا اللحم، وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم، قال: فقال أبو القاسم ﷺ : بركة دعوة إبراهيم - رجع إلى ما في الإسناد الأول - قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقْرئي ﵇، ومُرِيه يُثْبِتْ عَتَبَةَ بابه، فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حَسَن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنكَ؟ فأخبرته، فسألني، كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاكِ بشيء؟ قالتْ: نعم، يقرأ عليك ⦗٣٠٠⦘ السلام، ويأمرك أن تُثبتَ عتبة بابك، قال: ذاكَ أبي، وأنتِ العتبةُ، أمَرني أن أُمْسِكَكِ، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبرِي نَبْلاً له تحت دَوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمَرَني بأمْر، قال: فاصنع ما أمرك ربُّك، قال: وتُعينُني؟ قال: وأُعينُك، قال: فإن الله أمرني أن أبنيَ بيتاً هاهنا - وأشار إلى أكَمة مرتفعة على ما حَولها - فعِنْدَ ذلك رَفَعَ القواعدَ من البيت، فجعل إسماعيل يأْتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناءُ جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنا تقبلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليم﴾ » . وفي رواية: عن إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان من أمر إبراهيم ومن أهله ما كان: خرج بإسماعيل، وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلتْ أُمُّ إسماعيل تشرب من الشَّنَّةِ، فيَدِرّ لبنها على صَبِيِّها، حتى قَدِمَ مكة، فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتَبَعَتْه أم إسماعيل، حتى لما بلغوا كَدَاءَ، نادته من ورائه: يا إبراهيم، إلى مَنْ تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيتُ ⦗٣٠١⦘
بالله، قال: فرجعتْ، فجعلتْ تشربُ من الشَّنَّة، ويَدِرّ لبنها على صَبيِّها، حتى لما فَني الماءُ، قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ، لعلي أُحِسُّ أحداً، قال: فذهبتْ، فَصَعدَتِ الصَّفا، فنظرتْ ونظرتْ هل تُحِسُّ أحداً؟ فلم تُحِسَّ [أحداً] ، فلما بَلغتِ الواديَ سَعَتْ، وأتتْ المروةَ، وفعلتْ ذلك أَشْواطاً، ثم قالت: لو ذهبتُ فنظرتُ ما يفعل الصبيُّ؟ فذهبتْ، فنظرتْ، فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تُقِرَّها نفسُها، فقالت: لو ذهبت، فنظرتُ، لعلي أُحِسُّ أحداً؟ فذهَبَتْ، فَصَعِدَت الصفا، فنظرتْ ونظرتْ، فلم تحسَّ أحداً، حتى أتَمَّتْ سبعاً، ثم قالت: لو ذَهبتُ فنظرتُ ما فعل؟ فإذا هي بصوت، فقالت: أغِثْ إن كان عندك خير، فإذا جبريل، قال: فقال بِعَقِبه هكذا - وغَمَزَ بعقبه على الأرض - فانبثقَ الماءُ، فَدُهِشَتْ أم إسماعيل، فجعلت تَحْفِن - وفي أخرى: تحفِر - ولو تركَتْهُ كان الماء ظاهراً، وكان عَيْناً مَعِيناً ... وذكر الحديث بطوله نحوه، أو قريباً منه، والأول أتم - إلى قوله: فوافى إسماعيلَ من وراءِ زمزم يصلح نَبْلاً له، فقال: يا إسماعيل، إن ربك أمرني أن أبني له بيتاً، قال: أطع ربك، قال: إِنه قد أمرني أن تعينني عليه، قال: إذن أفعل - أو كما قال – فقاما، فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العَليمُ﴾ حتى ارتفع البناءُ، وضَعُفَ الشيخُ عن نقل الحجارة، فقام على حَجَرِ المقام، فجعل يناوله ⦗٣٠٢⦘ الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميعُ العليمُ﴾ .
وأخرج في رواية طرفاً منه: قال النبيُّ ﷺ : «يرحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عَجِلَتْ لكان زمزمُ عيناً مَعيناً» أخرجه البخاري (٥) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(المِنطَق) : هو ما تشد به المرأة وسطها عند عمل الأشغال لترفع ثوبها، وهو أيضاً النطاق.
(شَنَّة) الشَنَّة: القربة البالية يكون فيها الماء.
(دَوْحة) الدَّوحة: الشجرة العظيمة، وجمعها الدوح.
(قفَّى) الرجل: إذا ولاك قفاه راجعاً عنك.
(الثنية) : الطريق في العقبة، وقيل: هو المرتفع من الأرض فيها.
(التلبُّط) : الاضطراب والتقلُّب ظهراً لِبَطْنٍ.
(صه) اسكت، وقوله: تريد: «تَعني نفسها» معناه: لما سمعت الصوت سكّتت نفسها لتتحققه.
(غواث) الغواث والغياث والغوث: المعونة، وإجابة المستغيث.
(تحوِّضه) أي: تجعل له حوضاً يجتمع فيه الماء.
(معينا) المعين: الماء الظاهر الجاري الذي لا يتعذَّر أخذه. ⦗٣٠٣⦘
(الضيعة) : الضياع والحاجة.
(كَداء) بالفتح والمد: الثنية من أعلى مكة مما يلي المقابر، وبالضم والقصر: من أسفلها مما يلي باب العمرة. (عائفاً) العائف: المتردِّد حول الماء.
(الجريُّ) : الرسول والوكيل.
(وأنْفَسَهم) أي: صار عندهم نفيساً مرغوباً فيه.
(تَرْكته) التركة: بسكون الراء - ولد الإنسان، وهو في الأصل: بيضة النعام، هكذا قاله الزمخشري في " الفائق "، ولو روى بكسر الراء، لكان وجهاً، والتركة: اسم للشيء المتروك.
(يبتغي لنا) قولها: يبتغي لنا: يطلب لنا الرزق ويسعى فيه.
(آنس) شيئاً أي: أبصر شيئاً، وأراد: كأنه رأى أثر أبيه وبركة قدومه.
(أكمة) الأكمة: ما ارتفع من الأرض كالرابية.
(النشغ) : الشهيق، حتى يكاد يبلغ له الغشي، يقال: نشغ ينشغ نشغاً، وإنما يفعل الإنسان ذلك أسفاً على صاحبه وشوقاً إليه، وقيل: نشغ الصبي: إذا امتص بفيه.
(انبثاق) الماء: انفتاحه وجريه.
стр. 8045
أصحاب الأخدود
٧٨٢٠ - (م ت) صهيب ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كانَ مَلِك فيمن كان قبلَكم، وكان له ساحِر، فلما كَبِرَ قال للملك: إِني قد كَبِرْتُ، فابعثْ إليَّ غلاماً أُعلِّمه السحر، فبعث إِليه غلاماً يُعلّمه، وكان في طريقه إذا سَلَك راهب، فقعد إِليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى السَّاحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتَ الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيتَ أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذْ أتى على دابَّة عظيمة قد حبستِ الناسَ، فقال: اليومَ أعلمُ: السَّاحرُ أفضل، أم الراهبُ أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهمَّ إنْ كان أمرُ الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحر فاقتلْ هذه الدَّابة، حتى يمضيَ الناسُ، فرماها، فقتَلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهبَ فأخبره، فقال له [الراهب] : أيْ بُنَيَّ، أنتَ اليومَ أفضلُ مني، وقد بلغَ مِن أمْرِك ما أرى، وإِنَّك ستُبْتَلى، فإن ابتُليتَ فلا تدلَّ علي، وكان الغلامُ يُبرِئ الأكمَه والأبرصَ، ويداوي الناسَ من سائر الأدْواء، فسمع جليس للملك - كان قد عمي - فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمعُ إن أنت شَفَيتَني، قال: إِني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله ، فإن آمَنْتَ بالله دعوتُ الله فشفاك، فآمَنَ به، فشفاه الله،
فأتى الملك، فجلسَ إليه كما كان يجلس، ⦗٣٠٥⦘ فقال له الملِك: مَنْ رَدَّ عليك بَصرَك؟ قال: ربي، قال: ولك رَبّ غيري؟ ، قال: ربي وربُّكَ [الله] ، فأخذه، فلم يزلْ يعذِّبُهُ، حتى دلَّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بُنَيَّ، قد بلغ من سحْرِكَ ما تُبْرِئ الأكمَه والأبرصَ، وتفعلُ وتفعلُ؟ قال: فقال: إني لا أشفي أحداً، إِنما يشفي الله، فأخذه، فلم يزلْ يعذِّبُه، حتى دَلَّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دِينِكَ، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه، فشقَّه به حتى وقع شِقَّاهُ، [ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دِينك، فأبى، فَوَضع المنشار في مَفْرِق رأسه، فشقّه به حتى وقع شقاه] ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دِينِكَ، فأبى، فدفعه إلى نَفَر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعَدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذِرْوَته، فإن رجع عن دِينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، فصَعِدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئتَ، فرجف بهم الجبلُ فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرْقُور، وتوسّطوا به البحر، فإن رَجَعَ عن دِينه، وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئتَ، فانكفأَتْ بهم السفينةُ، فغَرِقُوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنكَ لستَ بقاتلي حتى تفعلَ ⦗٣٠٦⦘ ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلُبُني على جِذْع، ثم خذْ سَهْماً من كِنانتي، ثم ضَع السهم في كَبِدِ القوس، ثم قل: بسم الله ربِّ الغلام، ثم ارمِ، فإنك إذا فعلتَ ذلك قتلتني، فجمع الناسَ في صعيد واحد، وصلبه على جذع، وأخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كَبِدِ القوس، ثم قال: بسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صُدغِهِ، فوضع يده في صُدغه، في موضِعِ السهم، فمات، فقال الناسُ: آمنَّا بربِّ الغلام، آمنَّا بربِّ الغلام، آمنا برب الغلام، فأُتِيَ الملكُ، فقيل له: أرأيتَ ما كنت تحذر؟ قَدْ والله نزلَ بكَ حَذَرك، قد آمن الناسُ، فأَمر بالأخدود بأفواه السكك، فخُدَّتْ، وأَضْرَم فيها النيرانَ، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه (١) فيها - أو قيل له: اقْتَحِم - ففعلوا، حتى جاءت امرأة، ومعها صبيّ لها، فتقاعَسَتْ أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمّه، اصبري، فإنكِ على الحق» هذه رواية مسلم.
وفي رواية الترمذي قال: «كان رسولُ الله ﷺ : إذا صلى العصر هَمَسَ - والهمس في بعضهم قولهم: تَحرُّك شفتيه، كأنه يتكلم - فقيل [له] : يا رسولَ الله، إنك إذا صَلَّيتَ العصر همستَ؟ قال: إن نبيّاً من الأنبياء كان أُعجِبَ بأُمَّتِه، قال: مَنْ يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه: أن خَيِّرْهُمْ بين أن ⦗٣٠٧⦘ أنتقِمَ منهم، وبين أن أسَلِّطَ عليهم عَدُوَّهم، فاختاروا النِّقمة، فسَلَّطَ الله عليهم الموتَ، فماتَ في يوم سبعون ألفاً» .
وكان إذا حدَّث بهذا الحديث حدَّث بهذا الحديث الآخر، قال: «كان ملك من الملوكِ، وكان لذلك الملك كاهِن يَكْهَنُ له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاماً فَهِماً - أو قال: فَطِناً - لَقِناً فأُعلّمه عِلْمي [هذا] ، فإني أخافُ أن أموتَ، فَيَنْقَطِعَ مِنكم هذا العلم، ولا يكونَ فيكم مَنْ يَعْلَمُهُ، قال: فنظروا له على ما وَصَفَ، فأمروه أن يَحْضُرَ ذلك الكاهِن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صَوْمَعَة - قال معمر (٢) : أحْسِبُ أنَّ أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: فجعل الغلامُ يسأل ذلك الراهبَ كلَّما مرَّ به، فلم يزل حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله، قال: فجعل الغلام يمكثُ عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهِنُ إلى أهل الغلام: أنه لا يكادُ يحضُرني، فأخبر الغلامُ الراهِبَ بذلك، فقال له الراهب: أين كنتَ؟ فأخبرهم أنَّكَ كنتَ عند الكاهِنِ، قال: فبينما الغلام على ذلك، إذ مَرَّ بجماعة من الناس كثير، قد حَبَسَتْهُمْ دابة - فقال بعضهم: إن تلكَ الدابةَ كانت أسَداً - فأخذ الغلامُ حَجَراً، فقال: اللهمَّ إن كان ما يقول الراهب حقاً، فأَسأَلك أن أقْتُلَهُ، ثم رَمَى به، فقتل الدابة، فقال الناس: مَنْ ⦗٣٠٨⦘ قتلها؟ فقالوا: الغلام، ففزِع الناسُ، وقالوا: قد عَلِمَ هذا الغلامُ علماً لم يعلمْه أحد، قال: فسمع به أعمى، فقال له: إن أنتَ رددتَ بصري، فلك كذا وكذا، قال: لا أُرِيد منك هذا، ولكن أرأيتَ إن رَجَعَ إليك بصرُك أتؤمنُ بالذي ردَّه عليك؟ قال: نعم، قال: فدعا الله، فردَّ عليه بَصَرُه، فآمَنَ الأعْمَى، فبلغ الملكَ أمرهُم، فدعاهم، فأُتِيَ بهم، فقال: لأقْتُلَنَّ كُلَّ واحد منكم قِتْلَة لا أقْتُلُ بها صاحبه، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرِق أحدهما فقتله، وقَتل الآخرِ بِقِتْلَة أخرى،
ثم أَمَرَ بالغلام، فقال: انطلِقوا به إلى جبل كذا وكذا، فأَلقوهُ من رأسه، فانطَلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهَوْا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يُلقُوهُ منه، جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويَتَرَدَّوْنَ، حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرَّق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنَّكَ لا تقتلني حتى تصلُبني وترميَني، وتقول إذا رميتني: بسم الله ربِّ هذا الغلام، قال: فأمر به فصلب، ثم رماه فقال: بسم الله رب هذا الغلام، قال: فوضع الغلام يده على صُدغِه حين رُمِيَ، ثم مات، فقال الناسُ: لقد عَلِمَ هذا الغلامُ علماً ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، قال: فقيل للملك: أجَزِعْتَ أن خالَفَكَ ثلاثة؟ فهذا العالَمُ كلُّهم قد خالَفُوك، قال: فخَدَّ أخْدُوداً ثم ألقى فيها الحطبَ والنارَ، ثم جمع الناسَ، فقال: مَنْ رَجَعَ عن دِينه تركناه ⦗٣٠٩⦘ ومن لم يرجع ألقيناه في النار، فجعل يُلقيهم في تلك الأخدود، قال: يقول الله ﵎: ﴿قُتِلَ أصحابُ الأخدود. النارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ - حتى بلغ - ﴿العَزِيزِ الحميدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨] قال: فأما الغلام، فإنه دُفن، قال: فيذكر أنه أُخْرِجَ في زَمن عمر بن الخطاب وإصبَعُهُ على صُدْغهِ، كما وضعها حين قُتِلَ» (٣) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(بالمنشار) أشَرْتُ الخشبة بالمنشار: إذا شققتَها، ووشرتُها بالميشار - غير مهموز - لغة فيه، والميشار والمنشار سواء.
(قُرقُور) القُرقُور: سفينة صغيرة.
(فانكفأت) السفينة: أي انقلبت، ومنه: كفأتُ القدر: إذا كببتَها.
(الصعيد) : وجه الأرض، وأراد: أنه جمعهم في أرض واحدة منبسطةٍ ليشاهدوه.
(من كنانتي) الكنانة: الجعبة التي يكون فيها النشاب.
(كبد القوس) : وسطها، والمراد به: موضع السهم من الوَتَرِ والقوس.
(بالأخدود) الأُخدود: الشق في الأرض، وجمعه الأخاديد. ⦗٣١٠⦘
(السكك) جمع سِكة، وهي الطريق.
(أضْرَمتُ) النار: إذا أوقدتَها وأثرتَها.
(اقتحم) الاقتحام: الوقوع في الشيء من غير رؤية ولا تَثَبُّتٍ.
(فتقاعست) التقاعس: التأخُّر والمشي إلى وراء.
(الهمس) : الكلام الخفيُّ الذي لا يكاد يسمع.
(اللقِن) : الرجل الفَهِم الذكيُّ.
(التهافت) : الوقوعُ في الشيء مثل التساقط.
стр. 8046
الأطفال المتكلمون في المهد
٧٨٢١ - (خ م) أبو هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «لم يتكلَّمْ في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جُرَيج، وكان جريجُ رَجُلاً عابداً، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أُمُّهُ وهو يصلّي، فقالت: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أُمِّي وصلاتي، فأقبل على صَلاتِه، فانْصَرَفَتْ، فلما كان من الغَدِ، أتته وهو يُصَلِّي، فقالتْ: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أُمِّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، [فانصرفَتْ] ، فلما كان من الغَدِ أتته وهو يصلِّي، فقالت: يا جريج، فقال: يا ربِّ، أُمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهمَّ لا تُمِتْهُ حتى ينظرَ إلى وجوهِ المومِسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادَتَه ⦗٣١١⦘ وكانت امرأة بغيّ يتمثَّل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأَفْتِنَنَّهُ [لكم] ، قال: فتعرَّضَتْ له، فلم يَلْتَفِتْ إليها، فأتت رَاعياً كان يأوي إلى صومعتِهِ، فأمكنَتْهُ من نفسها، فوقع عليها، فَحَمَلَتْ، فلما وَلَدَتْ، قالت: هُوَ مِنْ جُرَيج، فأَتَوْهُ، فاستنزلوه، وهدَمُوا صومَعتَهُ، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنُكم؟ قالوا: زنيتَ بهذه البغيِّ، فَوَلَدَتْ منك، فقال: أين الصبيُّ؟ فجاؤوا به، فقال: دَعُوني أُصَلِّي، فصلَّى، فلما انصرف أتى الصبيُّ فطعنَ في بطنه، وقال: يا غُلام، مَنْ أبوك؟ فقال: فلانُ الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يُقبِّلونه، ويتمَسَّحُون به، وقالوا: نبني صومعتَكَ من ذَهَب، قال: لا، أعيدوها من لَبِن كما كانت، ففعلوا، وبينا صَبيّ يرضَعُ من أُمِّه، فمرَّ رَجُل راكب على دابَّة فَارِهَة وشارة حَسنَة، فقالت أُمُّه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثديَ، وأقْبَلَ إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع - قال: فكأني أنظر إِلى رسولِ الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإِصبعه السبابة في فيه، فجعل يَمُصُّها - قال: ومَرُّوا بجارية وهم يضربونها، ويقولون: زنيتِ، سَرَقْتِ، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أُمُّه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع، ونظر إِليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث، فقالت: [حَلْقَى] (١) !! مَرَّ رَجُل حَسنُ الهيئة، فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثلَه، فقلتَ: اللهمَّ لا تجعلني ⦗٣١٢⦘ مثلَه، ومَرُّوا بهذه الأمَة وهم يضربونها، ويقولون: زنيتِ، سرقْتِ، فقلتُ: اللهم لا تَجْعل ابني مثلها، فقلتَ: اللهمَّ اجعلني مثلها؟ ! فقال: إن ذلك الرجل كان جبَّاراً، فقلتُ: اللهمَّ لا تجعلني مثلَه، وإنَّ هذه يقولون لها: زنيتِ، ولم تزن، وسرقتِ ولم تسْرِق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها» هذا لفظ حديث مسلم.
وأخرج البخاري حديث المرأة وابنها خاصة، قال: «بَيْنا امرأة تُرضِع ابناً لها، إذ مَرَّ راكب وهي تُرضعه، فقالت: اللهم لا تمت ابني حتى يكونَ مثل هذا، فقال: اللهم لا تجعلني مثلَه، ثم رجع في الثدي، ومُرَّ بامرأة تُجَرَّرُ، ويُلعَبُ بها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقال: أمَّا الراكب، [فإنه] كافِر، وأمَّا المرأة، فإنه يقال لها: تزني، وتقول: حَسْبيَ الله، ويقولون: تَسرق، وتقول: حَسْبيَ الله» .
وأخرج أيضاً حديث جريج وأُمِّه تعليقاً، قال: [قال رسولُ الله ﷺ ] : «نادتِ امرأة ابنَها وهو في صومعة له، قالت: يا جُريَج، قال: اللهم أُمي وصلاتي، فقالت: يا جريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، قالت: يا جريج، قال: اللهم أُمي وصلاتي، قالت: اللهم لا يموت جريج حتى ينظر في وجوه المياميس، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعَى الغنم، فولدت، فقيل لها: ممن هذا الولد؟ قالت: من جريج، نزل من صومعته، قال جريج: أين هذه ⦗٣١٣⦘ التي تزعم أن ولدها لي؟ قال: يا بابوس، مَنْ أبوكَ؟ قال: راعي الغنم» .
وأخرج مسلم أيضاً منه طرفاً في جريج خاصة، قال: «كان جريج يتعبَّد في صومعة، فجاءت أُمُّه - قال حميد بن هلال: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسولِ الله ﷺ أمَّه حين دَعَته، كيف جعلتْ كَفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه – فقالت: يا جريج، أنا أُمُّك كلِّمني، فصادَفتهُ يصلِّي، فقال: اللهم أُمِّي وصلاتي، فاختار صلاته، [فرجَعَتْ، ثم عادت في الثانية، فقالت: يا جريج، أنا أُمُّك، فكلِّمني، قال: اللهم أُمي وصلاتي، فاختار صلاته] ، فقالت: اللهم إن هذا جريج، وهو ابني وإني كلّمتُهُ، فأبى أنْ يكلِّمني، فلا تُمِتهُ حتى تُرِيَهُ المومساتِ، قال: ولو دَعتْ عليه أن يُفْتَنَ لَفُتِنَ، قال: وكان راعِي ضأن يأوي إلى دَيْرِهِ، قال: فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي، فحملَت، فَوَلَدَتْ غلاماً، فقيل لها: ما هذا؟ قالت: مِنْ صاحبِ هذا الديرِ، قال: فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم، فَنَادَوْهُ، فصادفُوه يُصلِّي، فلم يكلِّمهم، فأخذوا يَهْدِمُونَ ديْرَه، فلما رأى ذلك، نزل إليهم، فقالوا له: سَلْ هذه، قال: فتبسم، ثم مَسَحَ رأس الصبيِّ، فقال: مَنْ أبوك؟ قال: [أبي] راعي الضأن، فلما سمِعوا ذلك، قالوا: نبني ما هَدَمْنَا من دَيْرِكَ بالذهب والفضة؟ قال: لا، ولكن ⦗٣١٤⦘ أعيدوه تراباً كما كان، ثم علاه» (٢) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(المومسات) : الزواني، جمع مومسة، وهي الفاجرة، والمياميس كذلك.
(والبغيُّ) : الزانية أيضاً.
(يُتمثَّل بحسنها) أي يعجب به، ويقال لكل من يستحسن: هذا مثل فلانة في الحسن.
(والشارة الحسنة) : جمال الظاهر في الهيئة والملبس والمركب ونحو ذلك.
(الجبَّار) : العاتي المتكبِّر القاهر للناس.
(يا بابوس) كلمة تقال للصغير، كذا قاله الحميدي، وقال الهروي: قال ابن الأعرابي: البابوس: الصبي الرضيع، قال: وقد جاء هذا الحرف في شعر ابن الأحمر، ولم يعرف في شعر غيره، والحرف غير مهموز.
(ومساحيهم) المساحي جمع مَسحاة، وهي المجرفة التي رأسها من حديد.
стр. 8047
أصحاب الغار
٧٨٢٢ - (خ م د) عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «انطلقَ ثلاثةُ نَفَر ممن كان قبلكم، حتى آواهم ⦗٣١٥⦘ المبيتُ إلى غار، فدخلوه، فانحدرتْ صَخرَة من الجبل، فسَدت عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تَدْعُوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخانِ كبيران، وكنتُ لا أَغْبُقُ قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأَى بي طلبُ شَجَرٍ يوماً، فلم أَرُحْ عليهما حتى ناما، فَحَلَبْتُ لها غَبوقَهُما، فوجدتهما نائمين، فكَرِهتُ أن أَغْبُقَ قبلهما أهلاً أو مالاً، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى بَرَقَ الفَجْر- زاد بعض الرواة: والصِّبيَةُ يَتضاغَونَ عند قدَميَّ - فاستيقظا، فشرِبا غَبوقَهُما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك، ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرَجتْ شيئاً لا يستطيعون الخروج، قال النبيُّ ﷺ : قال الآخر: اللهم كانت لي ابنةُ عمّ، كانت أحبَّ الناس إليَّ، فأردتُها على نفسها، وامتنعت مني، حتى ألمت بها سَنَة من السنين، فجاءتني، فأعطيتُها عشرين ومائةَ دينار، على أن تُخَلِّيَ بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قَدَرْتُ عليها، قالت: لا أُحِلُّ لَكَ أن تَفُضَّ الخاتَمَ إلا بحقِّه، فتحَرَّجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناس إليّ، وتركتُ الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرجَتِ الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبيُّ ﷺ : وقال الثالث: اللهم استأجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأعطيتُهم أجرَهم، غير رَجُل واحد، تَركَ الذي له وذهب، فَثَمَّرتُ أجْرَهُ حتى ⦗٣١٦⦘ كَثُرَتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري، فقلت: كلُّ ما ترى من أجْرِكَ، من الإبل والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئُ بي، فقلتُ: إني لا أستهزئُ بك، فأخذه كلَّه، فاسْتاقه، فلم يتركْ منه شيئاً، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرة، فخرجوا يمشون» .
وفي رواية: أن رسولَ الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نَفَر ممن قبلكم يمشون، إذ أصابهم مَطَر، فأَوَوْا إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدقُ، فليَدْعُ كلُّ رجل منكم بما يعلم أنه قد صدَق فيه، فقال أحدهم: اللهم إن كنتَ تعلم أنه كان لي أجير عَمِل لي على فَرَق من أَرُزّ، فذهب وتركه، وإني عَمَدْتُ إلى ذلك الفَرَق فزرعته، فصار من أمره إلى أن اشتريتُ منه بقراً، وإنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعْمِدْ إلى تلك البقر، فَسُقْها، فقال لي: إنما لي عندك فَرَق من أَرُزّ، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفَرَق، فساقها، فإن كنت تَعلم أني فعلتُ ذلك من خشيتك ففرّج عنا، فانساحت عنهم الصخرة ... » وذكر باقي الحديث بقريب من معنى ما سبق. أخرجه البخاري ومسلم.
ولهما روايات بنحو ذلك.
وأخرجه أبو داود مجملاً، وهذا لفظه، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ⦗٣١٧⦘ يقول: «مَنِ استطاع منكم أن يكونَ مثل صاحب فرَقِ الأرزِّ فليكن مثله، قالوا: ومَنْ صاحب فرق الأرُزِّ يا رسول الله؟ ... فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل، فقال كلُّ واحد منهم: اذكروا أحْسَنَ عملكم، قال: فقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأْجرت أجيراً بِفَرَقِ أرُزّ، فلما أمْسيْتُ عرضتُ عليه حقه، فأبى أن يأخذَهُ وذهب فثمّرْته له، حتى جمعتُ له بَقَراً ورِعاءها، فلقيني، فقال: أعطني حقِّي، فقلتُ: اذهب إلى البقر ورعائها، فخذها، فذهب فاستاقها» لم يخرج أبو داود سوى هذا (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(الغَبوق) : شراب آخر النهار، والمراد: إنني ما كنت أقدِّم عليهما في شراب حظِّهما من اللبن أحداً.
(يتضاغون) أي: يضجون ويصيحون من الجوع. ⦗٣١٨⦘
(السّنة) : الجدب والقَحْط.
(ألمَّتْ) بها: إذا قرب منها ودنا الجدب.
(فأردتها) : أي راودتها وطلبت منها أن تمكّنني من نفسها.
(تفض) الخاتم: كناية عن الجماع والوطء.
(التحرّج) : الهرب من الحرَج، وهو الإثم والضيق.
(فرَق) الفَرق: مكيال يسع ستة عَشَرَ رِطْلاً.
(فانساحت) بالحاء المهملة، أي: انفسحت وتنحّت.
стр. 8048
قصة الكِفْل
٧٨٢٣ - (ت) عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله- ﷺ يقول: «كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكِفْل، وكان لا ينزِعُ عن شيء، فأتى امرأة علم بها حاجة، فأعطاها عطاء كثيراً - وفي رواية: ستين ديناراً - فلما أرادها على نفسها: ارتَعَدَتْ وبكت، فقال: ما يُبْكيكِ؟ قالت: لأن هذا عمل ما عمِلتُه قطّ، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنتِ هذا من مخافة الله؟ فأنا أحرى، اذْهَبي فلَكِ ما أعطيتُكِ، ووالله لا أعصيه أبداً، فمات مِن ليلته، فأصبحَ مكتوب على بابه: إن الله تعالى قد غفر للكفْلِ، فعجب الناس من ذلك، حتى أوحَى الله تعالى إلى نَبيِّ زمانهم بشأنه» . ⦗٣١٩⦘
وفي رواية قال: «سمعتُ النبيَّ ﷺ يحدِّث حديثاً، لو لم أسمْعه إلا مَرَّة أو مرتين، حتى عَدَّ سبع مرات، ولكنِّي سمعته أكثر من ذلك، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورَّع من ذَنْب عَمِلَهُ، فأتته امرأة، فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأَها. وذكر الحديث، ولم يذكر في آخره حديث الوحي إلى نبي زمانهم» . أخرج الثانية الترمذي (١) ، والأولى ذكرها رزين.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(لا يَنزِع) فلان عما هو فيه: أي لا يقلع ولا يترك.
стр. 8049
قصة ريح عاد
٧٨٢٤ - (ت) أبو وائل ﵀ عن رجل من ربيعة - وهو الحارث بن يزيد البكري – قال: «قدِمتُ المدينةَ، فدخلتُ على رسولِ الله ﷺ والمسجدُ غاصّ بأهله، وإذا رايات سُود تَخْفِقُ، وإذا بلال مُتَقلِّد السيف بين يَدَيْ رسولِ الله ﷺ ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: رسولُ الله ﷺ يريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص نحو ربيعة، فقلتُ: أعوذُ ⦗٣٢٠⦘ بالله أن أكونَ مثلَ وافدِ عَاد، فقال رسولُ الله ﷺ : وما وافدُ عاد؟ فقلت: على الخبير سَقطْتَ، إن عاداً لَمَّا أُقْحِطَتْ بَعثتْ قَيْلاً يستسقي لها، فنزل على بَكْر بن معاوية، فسقاه الخمر، وغَنَّتْهُ الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مَهْرَة، فقال: اللهم إني لم آتك لمرض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه فاسق عبدك ما كنتَ مُسقيه، واسق معه بكر بن معاوية - يشكر له الخمر الذي سقاه - فرُفعَ له ثلاثُ سحائب: حمراءَ، وبيضاءَ، وسوداءَ، فقيل له: اختر إحداهن، فاختار السوداءَ منهن، فقيل له: خُذها رَماداً رِمْدِداً، لا تَذَرُ من عاد أحداً، فقال رسولُ الله ﷺ : إنه لم يُرسل [من] الريح إلا مقدار هذه الحلقة - يعني حلقة الخاتم - ثم قرأ ﴿ [وفي عادٍ] إذْ أرسلنا عليهم الريحَ العقيم. ما تذرُ مِن شيء أتت عليه ... ﴾ الآية [الذاريات: ٤١، ٤٢] » أخرجه الترمذي (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(خفقت) الرايات: إذا حركها الهواء وجاء صوتها.
(قحطت) القحط: الغلاء، وأصله من انقطاع المطر، وهو سبب الغلاء.
(رماداً) الرماد معروف، (والرِّمْدِدُ) : أدق ما يكون منه، ويقال: رماد رِمْدِدٌ، أي: هالك، جعلوه صفةً له. ⦗٣٢١⦘
(الريح العقيم) هي التي لا تلقح الشجر، ولا تأتي بالمطر.
стр. 8050
قصة الأقرع والأبرص والأعمى
٧٨٢٥ - (خ م) أبو هريرة ﵁ أنَّهُ سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرصَ، وأقرعَ، وأعمى، فأراد الله أن يبتليَهم، فبعث إليهم ملَكاً، فأتى الأبرَصَ، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليكَ؟ قال: لَون حَسَن، وجِلْد حسن، ويَذْهَبُ عني الذي قد قَذِرني الناسُ، قال: فمسحه فذهب عنه قَذرُه، وأُعطِيَ لوناً حسناً، وجلداً حسناً، قال: فأيُّ المال أحبُّ إليكَ؟ قال: الإبل - أو قال: البقر، شك إسحاق، إلا أن الأبرصَ والأقرعَ قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر - قال: فأُعْطِيَ ناقة عُشَراءَ، فقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرعَ، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليكَ؟ قال: شعر حَسَن، ويذهب عني هذا الذي قد قَذِرَني الناسُ، قال: فمسحه فذهب عنه، قال: وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: البقر، فأُعطي بقرة حاملاً، قال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحبُّ إليكَ؟ قال: أن يَرُدَّ الله إليَّ بصري، فأُبصرَ به الناسَ، قال: فمسحه فردَّ الله إليه بصره، قال: فأيُّ المال أحبُّ إليكَ؟ قال: الغنم، فأُعْطِيَ شاة والداً، فأُنْتِجَ هذان، وَوَلَّدَ هذا، فكان لهذا وَاد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه ⦗٣٢٢⦘ أتى الأبرَصَ في صورته وهَيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغَ لي اليوم إلا بالله ثم بكَ، أَسألك بالذي أعطاك اللونَ الحسن، والجلد الحسن، والمال، بَعيراً أتَبَلَّغُ به في سفري، فقال: الحقوقُ كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصَ يَقْذَرك الناس، فقيراً فأعطاك الله؟ فقال: إِنما وَرِثْتُ هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إنْ كنتَ كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنتَ، قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، فَرَدَّ عليه مثل ما ردَّ على هذا، فقال: إن كنتَ كاذباً فصيَّرك الله إلى ما كنتَ، قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى فردَّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئتَ، ودَع ما شئتَ، فوالله لا أجهَدك اليوم بشيء أخذتَه لله، فقال: أمْسِكْ مالَكَ، فإنما ابتُليتُم، فقد رُضِيَ عنك، وسُخِطَ على صاحبيك» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(ناقة عُشَراء) إذا كانت حاملاً، وقيل: إذا أتى عليها لحملها عشرة أشهر. ⦗٣٢٣⦘
(شاة والداً) الشاة الوالد: هي التي قد عُرِف منها كثرة الولد والنتاج.
(فأنتج) أنتجها: أي قبلها وافتقدها عند الولادة - هكذا جاء لفظ الحديث " أنتج " - وإنما يقال: نَتَجتُ الناقة أنتِجُها، والناتج للنوق كالقابلة للنساء وقوله: " ووَلّد هذا " أي فعل في شاته كما فعل ذلك في إبله وبقره.
(الحبال) جمع حَبْل، وهو العهد والذِّمام والأمان والوسيلة، وكل ما يرجو منه خيراً أو فرَجاً، أو يستدفع به ضرراً، والحبل: السبب، فكأنه قال: انقطعت بي الأسباب.
(فلا بلاغ) أي ليس لي ما أبلغ به غرضي.
(كابراً عن كابر) أي: ورِثته عن آبائي وأجدادي.
(لا أجهَدك) أي: لا أشق عليك في الأخذ والامتنان.
стр. 8051
قصة المقترض ألفَ دينارٍ
٧٨٢٦ - (خ) أبو هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ «ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسلِفَه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أُشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقتَ، فدفعها إليه إلى أجل مسمَّى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركَباً يركبه يقدُم عليه للأَجل الذي أجّله، فلم يجد مَرْكَباً، فاتخذ خَشَبَة فنقَرها، فأدخلَ فيها ⦗٣٢٤⦘ ألفَ دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إِنك تعلم أنِّي تَسَلَّفْتُ فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضيَ بك، وسألني شهيداً، فقلتُ: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جَهِدت أن أجِدَ مركباً أبعث إليه الذي له، فلم أقْدِرْ، وإني استودعتُكَها، فرمى بها في البحر حتى وَلَجتْ فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرجُ إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلَفَهُ ينظر لَعَلَّ مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهلِهِ حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بألف دينار، فقال: واللهِ ما زلتُ جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركباً قبل الذي جئت به، قال: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً» أخرجه البخاري (١) .
⦗٣٢٥⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(زجَّج) موضعها، أي: سوَّى موضع النَّقر وأصلحه، من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الزج بأن يكون النقر في طرف الخشبة، فيشد عليه زجاً ليمسكه ويحفظ ما في جوفه.
стр. 8052
أحاديث متفرقة
٧٨٢٧ - (خ) سلمان ﵁ قال: «فَتْرَةُ ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: ستمائة سنة» أخرجه البخاري (١) .
стр. 8053
٧٨٢٨ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «إِن أهلَ فارِسَ لما مات نبيُّهم: كتبَ لهم إبليسُ المجوسيةَ» أخرجه أبو داود (*) (١) .
стр. 8054
٧٨٢٩ - (د) أبو هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا أدري: تُبَّع ألَعِين هو؟ - وفي نسخة: اللعين هو - أم لا؟ ولا أدري عُزَيْر نَبيّ هو، أم لا؟» أخرجه أبو داود (١) .
стр. 8055
٧٨٣٠ - (خ م) أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ⦗٣٢٦⦘ ﷺ : «لولا بَنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحم، - وفي رواية: لم يَخْبُثِ اللحمُ -، ولولا حَوَّاءُ: لم تَخُنْ أُنثى زَوجها الدهرَ» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .
وقال رزين: قال بعضهم: يعني في الكلام.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(خنِز) اللحم يخنَز: إذا أنتن وتغيَّرت ريحه.
(لم تخن أنثى) خيانة حواء آدم: هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة، لا في غيرها.