← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

النوع الثالث: خاتم النبوة ٨٨٠٥ - (م) عبد الله بن سَرْجِس ﵁ قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ ، وأكلتُ معه خُبْزاً ولحماً - أو قال: ثريداً - فقلت: يا رسول الله، غفر الله لك، قال: ولك - قال الراوي عنه، فقلت: أستغفرَ لك رسول الله؟ قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿واسْتَغْفِرْ لذنبكَ وللمؤمنين والمؤمناتِ﴾ [محمد:١٩]- ثم قال: دُرتُ خَلْفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغِض كَتِفِه اليُسْرَى جُمْعاً عليه خِيلانٌ، كأمثال الثآليل» أخرجه مسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ناغضُ الكتف) : طرف العظم العريض الذي في أعلى طرفه. (الخِيلان) : جمع خال، وهو الشامة. (جُمْعاً) قال الحميدي: لعله عنى جُمْع الكَفِّ، وهو أن يجمعَ الرجلُ أصابعه ويعطفها إلى باطن الكف.

стр. 9032

٨٨٠٦ - (ت) جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان خاتم رسول الله ﷺ الذي بين كتفيه - غُدَّة حمراء مثل بيضة الحمام» . ⦗٢٤٢⦘ أخرجه الترمذي (١) . وقد تقدَّم في النوع الثاني في حديث جابر بن سمرة أيضاً لمسلم ذِكْر «الخاتم» .

стр. 9033

٨٨٠٧ - () السائب بن يزيد قال: «كان الخاتم مثل زِرّ الحجَلة، وكان أشهل العينين، منهوس العقب، ضليع الفم» أخرجه ... (١) .

стр. 9034

النوع الرابع: في مشيه ٨٨٠٨ - (ت) أبو هريرة ﵁ قال: «ما رأيتُ أحسنَ من رسول الله ﷺ ، كأن الشمسَ تجري في وجهه، قال: وما رأيتُ أحداً أسرع في مَشْيه من رسول الله ﷺ ، لكأنما الأرضُ تُطْوَى له، كنا إِذا مَشينا معه نَجْهَدُ أنفسَنا، وإنه لغير مُكْتَرِث» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9035

٨٨٠٩ - (د) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا مشى كأنه يتوكَّأ» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 9036

٨٨١٠ - () علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفّأ تكَفُّؤاً، كأنما يَنحَطُّ من صَبَب» أخرجه ... (١) .

стр. 9037

النوع الخامس: في كلامه ٨٨١١ - (خ م د ت) عائشة ﵂ «أنَّ النبي ﷺ كان يحدّث حديثاً لو عَدَّهُ العادِ لأحصاه» . وفي رواية عن عروة قالت: «أَلا يعجبك أبو فلان؟ فجلس إلى جانب حجرَتي يحدّث عن رسول الله ﷺ يُسمعني ذلك، وكنت أُسَبِّحُ، فقام قبل أن أقضيَ سُبحتي، فلو أدركته لرددت عليه، إِن رسول الله ﷺ لم يكن يَسْرُد الحديث كسردكم» هذا لفظ البخاري، وأخرج مسلم الأولى. ولمسلم قال: «كان أبو هريرة يحدث، ويقول: اسمعي يا رَبَّةَ الحُجرة، اسمعي يا رَبة الحجرة - وعائشة تُصَلِّي - فلما قضت صلاتها، قالت لعروة: ألا تسمع إلى هذا ومقالتِه آنِفاً؟ إنما كان النبي ﷺ يُحدّث حديثاً لو عَدّه العادّ لأحصاه» وأخرج أبو داود الرواية الثانية. وله في أخرى قال عروة: «جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة، وهي تُصلي، فجعل يقول: اسمعي يا ربة الحجرة - مرتين» وذكر نحو رواية مسلم. وفي رواية الترمذي قالت: «ما كان رسولُ الله ﷺ يسرد كسَرْدِكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام يُبَيِّنُهُ، فَصْل، يحفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إليه» (١) . ⦗٢٤٤⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (سُبحتي) السُّبْحَة: الصلاةُ النافلة.

стр. 9038

٨٨١٢ - (ت) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثاً، لِتُعقَلَ عنه» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9039

٨٨١٣ - (د) رجل من الصحابة خَدَمَ النبيَّ ﷺ «أنَّ النبي ﷺ كان إذا حدّث حديثاً أعاده - ثلاث مرات» . أخرجه أبو داود، وقال: رواه أبو سلام عن رجل خدم النبي ﷺ (١) .

стр. 9040

٨٨١٤ - (د) جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان في كلام رسول الله ﷺ ترتيلٌ، أو ترسيل» أخرجه أبو داود (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ترتيل) الترتيل في القراءة: ترتيبها والتأنِّي فيها، وكذلك الترسيل.

стр. 9041

٨٨١٥ - (د) عائشة ﵂ قالت: «كان كلام رسول الله ⦗٢٤٥⦘ ﷺ كلامَ فَصْل، يفهمه كلُّ مَنْ سمعه» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 9042

٨٨١٦ - (د) عبد الله بن سلام ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إِذا جَلَسَ يتحدث، يُكْثِرُ أن يرفع طَرَفَهُ إلى السماء» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 9043

النوع السادس: في عَرَقِه ٨٨١٧ - (خ م س) أنس بن مالك ﵁ «أنَّ أُم سُليم كانت تَبْسُطُ للنبي ﷺ نَطْعاً، فيقيل عندها على ذلك النطع، فإذا قام النبي ﷺ أخَذَتْ من عَرَقِه وشَعرِه، فجمعته في قارورة، ثم جعلت في سُكٍّ، قال: فلما حضرتْ أنسَ بن مالك الوفاة أوصَى أن يُجعل في حَنوطه من ذلك السُّكِّ، قال: فجعل في حنوطه» هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: «كان النبي ﷺ يدخُلُ بيت أم سُلَيم، فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم، فنام على فراشها، فأُتِيَتْ، فقيل لها: هذا النبيُّ ﷺ نائم في بيتك على فراشك؟ قال: فجاءت، وقد عَرِقَ، واسْتنقَع عرقُهُ على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عَتيدتها، فجعلت تُنَشِّفُ ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النبي ﷺ ، فقال: ما تصنعين يا أُمّ ⦗٢٤٦⦘ سُليم؟ فقالت: يا رسول الله، نرجو بركته لِصبيَانِنا، قال: أصبتِ» . ولمسلم أيضاً قال: «دَخَلَ علينا النبي ﷺ ، فَقَالَ عندنا فعَرِقَ وجاءت أُمّي بقارورة، فجعلت تَسْلُتُ العَرَقَ فيها، فاستيقظ النبي ﷺ ، فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عَرَقُكَ نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب» وقد روى مسلم هذا عن أنس عن أم سليم نحوه. وفي رواية النسائي «أن النبيَّ ﷺ اضطجع على نَطع فعرق، فقامت أم سليم إلى عرقه، فَنَشَّفَتْهُ، فجعلته في قارورة، فرآها النبي ﷺ ، فقال: ما هذا الذي تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: أجْعَلُ عرقَكَ في طيبي، فضحك رسولُ الله ﷺ » (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (قال الإنسانُ يقيل) : إذا سكن وأقام عند القائلة، وهي شِدَّةُ الحرِّ وسطَ النهار. (السُّكُّ) : شيء يتطيَّبُ به. (الحنوط) : ما تُطيَّبُ به أكفانُ الميت خاصةً. ⦗٢٤٧⦘ (عتيد المرأة) : الإناءُ الذي تترك فيه ما يعزُّ عليها من متاعها. (سَلَتَ الدَّمَ عن الجرح، والعرَقَ عن الجسم) : مسحه بيده وجَمَعَه.

стр. 9044

النوع السابع: في شجاعته ٨٨١٨ - (خ م د ت) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان فزعٌ بالمدينة، فاستعار النبيُّ ﷺ فرساً من أبي طلحة، يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع، قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحراً» . وفي رواية قال: «كان رسولُ الله ﷺ أحسنَ الناس وَجْهاً، وكان أجودَ الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق نَاسٌ مِن قِبَلِ الصَّوْتِ، فتلقاهم رسولُ الله ﷺ راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت - وفي رواية: وقد استبرأ الخبر - وهو على فرس لأبي طلحة عُرْي، في عُنُقِهِ السَّيفُ، وهو يقول: لن تُرَاعُوا، قال: وجدناه بحراً - أو إنه لبحر - قال: وكان فرسه يُبَطَّأُ» . وفي أخرى مختصراً قال: «استقبلهم النبي ﷺ على فرس عُرْي، ما عليه سَرْجٌ، في عنقه سيف» أخرجه البخاري ومسلم. وللبخاري «أنَّ أهل المدينة فزِعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة كان يقطِفُ - أو كان فيه قِطافٌ - فلما رجع قال: وجدنا هذا فرسكم بجراً، وكان بعدُ لا يجارَى» . ⦗٢٤٨⦘ وله في أخرى قال: «فَزِعَ الناس، فركب رسول الله ﷺ فرساً لأبي طلحة بطيئاً، ثم خرج يركُض وحده، فركب الناسُ يَرْكُضون خلفه، فقال: لم تُراعوا، إنَّه لبحرٌ، فما سُبِقَ بعد ذلك اليوم» . وأخرج الترمذي الرواية الثانية ونحو الأولى. وله في أخرى قال: «ركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة يقال له: مندوب، فقال: ما كان من فَزَع، وإن وجدناه لبحراً» . وأخرج أبو داود نحو الرواية الأولى ولم يذكر لفظة: «مندوب» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فَرَسٌ بحر) : إذا كان واسعَ الجري. (استبرأ الشيءَ) : كشفه وحقَّق أمره. (قَطَفَ الفرسُ في مشيه) : إذا ضيق خَطوه، وأسرع مَشيه.

стр. 9045

النوع الثامن: في شيء من أخلاقه ٨٨١٩ - (خ م ط د) عائشة ﵂ قالت: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين قَطُّ، إِلا أخذَ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان ⦗٢٤٩⦘ إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسولُ الله ﷺ لنفسه في شيء قَطُّ إلا أن تُنْتَهك حُرمَةُ الله فينتقم» أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود (١) .

стр. 9046

٨٨٢٠ - (م د) عائشة ﵂ قالت: «مَا ضَرَب رسولُ الله ﷺ شيئاً قَطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قَطُّ فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارمِ الله فينتقم» أخرجه مسلم. هذا الحديث أخرجه الحميدي في أفراد مسلم، فالأول في المتفق بين مسلم وبين البخاري، فلو جمعناهما لجاز، إلا أنَّا اقتدينا به. وأخرج أبو داود طرفاً من هذا الحديث «ما ضرب رسولُ الله ﷺ خادماً ولا امرأةً قَطُّ» لم يزد على هذا (١) .

стр. 9047

٨٨٢١ - (د ت) أنس بن مالك ﵁ قال: «ما رأيتُ رجُلاً التقم أُذُنَ النبي ﷺ فَيُنَحِّي رأسه، وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك ⦗٢٥٠⦘ يده، حتى يكون الرجل هو الذي يَدَعَ يَدَه» أخرجه أبو داود. وفي رواية الترمذي قال: «كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزِع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهَه عن وجههِ، حتى يكون الرجلُ هو يصرفه، ولم يُرَ مُقَدِّماً ركبتيه بين يدي جليس له» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (التقم) : جعل في فيه مثل اللقمة.

стр. 9048

٨٨٢٢ - (خ) أنس بن مالك ﵁ قال: «إن كانت الأَمَة لتَأخذ بيد رسول الله ﷺ والعبد، ويجيب إذا دُعِي» . وفي رواية قال: «كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فَتَنْطَلِقُ به حيث شاءت» أخرجه البخاري (١) .

стр. 9049

٨٨٢٣ - (م) أنس بن مالك ﵁ قال: «ما رأيتُ أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مُسْتَرْضَعاً في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت، وإنه لَيُدَّخَن وكان ⦗٢٥١⦘ ظِئرُه قَيْناً فيأخذه فيقبله، ثم يرجع، قال عمرو: فلمّا تُوفِّي إِبراهيم، قال رسولُ الله ﷺ : إنَّ إبراهيم ابني، وإنه مات في الثَّدي، وإنه له لظِئرين تكمِّلان رضاعه في الجنة» أخرجه مسلم (١) .

стр. 9050

٨٨٢٤ - (م) جابر بن سمرة ﵁ قال: «صليتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خَدّي أحدهم واحداً واحداً، قال: وأما أنا فمسح خَدَّي، فوجدت لِيَدِه برداً وريحاً، كأنما أخرجها من جُؤنَةِ عَطَّار» أخرجه مسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (جُؤْنَةُ العطار) : هي التي يُعِدُّ فيها الطيب ويدَّخِرُه.

стр. 9051

٨٨٢٥ - (س) ابن أبي أوفى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُكْثِر الذِّكْرَ، ويُقِلُّ اللغو، ويُطيل الصلاةَ، ويُقْصِرُ الخطبة، ولا يأنَفُ أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة» أخرجه النسائي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (اللغو) : الهَذْر من القول.

стр. 9052

٨٨٢٦ - (خ ت) الأسود بن يزيد النخعي – ﵀ قال: سألتُ عائشة ﵂: «ما كان رسولُ الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: يكون في مَهْنة أهله، فإذا حضرَتِ الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة» . أخرجه البخاري والترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (المَهْنَة) : الصنعة، والمراد: شُغلُ أهله وحوائجهم.

стр. 9053

٨٨٢٧ - (ت) عبد الله بن الحارث بن جَزء ﵁ قال: «ما رأيتُ أحداً أكثر تَبَسُّماً مِنْ رسول الله ﷺ » . وفي رواية قال: «ما ضحك رسول الله ﷺ إلا تَبَسُّماً» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9054

٨٨٢٨ - (خ م ت د س) عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تَنَعُّله وترجُّله وطَهوره وفي شأنِهِ كُلَّه» . وفي رواية: «كان يحبُّ التَّيَمُّنَ ما استطاع» . أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود. ⦗٢٥٣⦘ وفي رواية الترمذي «كان يحبُّ التَّيمُّنَ في طَهُوره إذا تَطَّهر، وفي تَرَجُّلِهِ إذا ترجَّل، وفي انتعاله إذا انتعل» وأخرج النسائي نحوه. وله في أخرى: «كان رسول الله ﷺ يُحِبُّ التيمُّنَ يأخذُ بيمينه ويحبُّ التيمُّنَ في جميع أموره» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (التيمُّن) : الابتداء في الأفعال باليمين، مثل أن يلبس نعله اليمنى قبل اليسرى. (التَّنَعُّل) : لبس النعل. (الترجُّل) : تسريح الشعر.

стр. 9055

٨٨٢٩ - (د س) أبو هريرة ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ يجلس معنا في المسجد يُحدّثنا، فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دَخَلَ بعضَ بيوت أزواجه، فحدّثَنا يوماً، فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فَجَبَذَه بردائه، فحمرّ رقَبته، وكان رِداء خشناً فالتفت إِليه، فقال ⦗٢٥٤⦘ الأعرابي: احملني على بعيريَّ هذين، فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال رسولُ الله ﷺ : لا، وأستغفرُ الله، لا، وأستغفر الله، لا، وأستغفر الله، لا أحملك حتى تُقِيدَني من جَبْذَتِكَ التي جبذتني، فكل ذلك يقول الأعرابي: والله لا أقيدكها ... فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلاً فقال له: احمل له بعيريه هذين: على بعير شعيراً، وعلى الآخر تمراً، ثم التفت إلينا، فقال: انْصَرِفُوا على بركة الله » أخرجه أبو داود. وعند النسائي مثله إلى قوله: «لا أقيدكها، ثم قال: فقال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا والله لا أُقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابي، أقبلنا إليه سِرَاعاً، فالتفتَ إلينا رسولُ الله ﷺ ، فقال: عزمتُ على مَنْ سَمِعَ كلامي أن لا يبرح مقامه حتى آذَن له، فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: يا فلان، احمل له على بعير شعيراً، وعلى بعير تمراً، ثم قال رسول الله ﷺ : انصرفوا» . وقال في رواية: «فقمنا معه حتى لما بلغ وسْطَ المسجد أدركه رجل ... » وذكره (١) . ⦗٢٥٥⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (جَبَذه) وجَذَبه، بمعنى، وقيل: هو مقلوب منه. (احملني) : أرْكِبْني وأَعْطني ما أركبه، أو شيئاً أحمله معي. (أقيد بها) القود: القصاص، أَقَدْتُ فلاناً من فلان.

стр. 9056

٨٨٣٠ - (خ) أنس بن مالك ﵁ قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه بُرْدٌ نَجْرَاني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إِلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله ﷺ ، ثم أمر له بعطاء» . وفي رواية نحوه، وفيه «حتى إِذا انشق البرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ » أخرجه البخاري (١) .

стр. 9057

٨٨٣١ - (خ م د) أنس بن مالك ﵁ قال: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أُفٍّ قط، ولا قال لشيء: لم فعلت كذا، وهلاّ فعلت كذا؟» . وفي رواية قال: «لمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة ⦗٢٥٦⦘ بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أنساً غلامٌ كَيِّسٌ، فليخدُمْكَ، قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟» . وفي أخرى «قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ ... ثم ذكره» . أخرجه البخاري ومسلم. ولمسلم قال: «خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لِمَ فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب عليَّ شيئاً قط» . وفي أخرى له «كان رسولُ الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله ﷺ ، فخرجت حتى أَمُرَّ على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول الله ﷺ بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، ذهبتَ حيث أمرتُك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهبُ يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين، ما علمته قال لشيء صنعته: لم صنعت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هَلا فعلت كذا وكذا؟» . وأخرج أبو داود الرواية التي أولها «خدمت رسول الله» وزاد فيها ⦗٢٥٧⦘ معنى آخر، وقد ذكرت روايته في النوع الأول من هذا الفصل (١) .

стр. 9058

٨٨٣٢ - (م) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إِذا صلَّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يأتونه بإناء إلا غَمَس يده فيه، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيه» أخرجه مسلم (١) .

стр. 9059

٨٨٣٣ - (د س) أبو سعيد الخدري- ﵁ قال: «بينا رسولُ الله ﷺ يقسم قسماً، أقبل رجُل، فأكبّ عليه، فَطَعَنَهُ رسولُ الله ﷺ بعُرْجون كان معه، فجرح وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : تعالَ فاستَقِدْ، قال: بل عَفَوْتُ يا رسول الله» أخرجه أبو داود والنسائي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (العُرْجُون) : قضيب العِذْق الأصفر.

стр. 9060

٨٨٣٤ - (خ م د ت) أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير ⦗٢٥٨⦘ وهو فَطيم - كان إذا جاءنا، قال: يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير، لِنُغَرٍ كان يلعب به، وربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس ثم يُنضَح، ثم يقوم ونقوم خلفه، فيصلي بنا» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وعند أبي داود قال: «كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يُكْنَى أبا عُمير، وكان له نُغَرٌ يلعب به، فمات، فدخل النبي ﷺ ذات يوم، فرآه حزيناً، فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نُغَرُه، فقال: يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟» . وللترمذي قال: «إن كان رسولُ الله ﷺ ليخالِطُنا، حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر؟» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (النُّغَير) : تصغير النُّغَر، وهو طائر صغير كالعصفور، الجمع نِغران، مثل: صُرَد وصِردان، قاله الجوهري. (النضح) : الرشُّ، ونضح الجسمُ عرقاً: إذا تندَّى بالعرق.

стр. 9061

٨٨٣٥ - (م) أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال لي: يا بُنَيَّ» أخرجه مسلم (١) .

стр. 9062

الباب الثاني: في علاماته ﷺ -، وفيه فصلان الفصل الأول: فيما كان منها قبل مبعثه ﷺ - ٨٨٣٦ - (ت) علي بن أبي طالب ﵁ عن أبيه أنه حدثه قال: «خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد ﷺ ، فأشرفنا على راهب في الطريق، فنزلنا وحللنا رواحنا، فخرج إلينا الراهب - وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا - فجعل يتخلَّلُنَا، حتى جاء فأخذ بيد محمد ﷺ وقال: هذا سيد العالمين، قال: فقال له أشياخٌ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صِفَتَه ونَعْته في الكتاب المنزل، وإنكم حين أشرفتم لم يبق شجرٌ ولا حجرٌ ⦗٢٦٠⦘ إلا خَرَّ له ساجداً، ولا تسجد الجمادات إلا لنبيِّ، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غُضْروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع طعاماً فأتانا به، وكان محمدٌ في رعْيَةِ الإبل، فجاء وعليه غَمَامَةٌ تُظلُّه، فلما دنا وجد القوم قد سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فَيءُ الشجرة عليه، وضَحَوا هم في الشمس، فبينا هو قائم عليهم يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم، ويقول: إن رأوه عَرَفُوهُ بالصّفَةِ وآذوه، فبينا هو يناشدهم الله في ذلك التَفَتَ، فإذا تسعة مِنَ الروم مقبلين نحو دَيْرِهِ، فاستقبلهم، وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: بَلَغَنَا عن أحبَارنا أن نبِيّاً من العرب خارج نحو بلادنا في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعِثَ إليه بأُناس، وبُعِثْنَا إلى طريقك هذا، قال: فهل خَلَفَكم أحدٌ خير منكم؟ قالوا: إنما اخترْنا لطريقك هذه خِيرة، قال لهم: أرأيتم أمراً أراد الله ﵎ أن يقضيه، هل يستطيع أحدٌ مِنَ الناس أن يَرُدَّهُ؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا هذا النبيَّ فإنه حق، فبايعوه، وأَقاموا مع الراهب، ثم رجع إلينا، فقال: أَنْشُدُكم أيّكم وليُّهُ؟ قالوا: هذا - يعنوني - فما زال يناشدني حتى رددته مع رجالٍ، فكان فيهم بلال، وزوّده الراهب كعكاً وزيتاً» . هذه الرواية ذكرها رزين هكذا عن علي عن أبيه، وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري، قال: «خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه ⦗٢٦١⦘ النبي ﷺ في أشياخ من قريش» وذكر نحوه هذه الرواية، وليس بين الألفاظ كثير اختلاف (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (غُضروف الكتف) : رأس لوحه. (ضَحَوْا في الشمس) : برزوا لها. (الأحْبَارُ) جمع حَبْر- بفتح الحاء وكسرها - وهو العالم.

стр. 9063

٨٨٣٧ - (خ) عطاء بن يسار ﵁ قال: «لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، [فقال: أجلْ] ، [والله] إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يا أيها النبيُّ إِنا أرسَلنَاكَ شاهداً ومُبشِّراً ونَذِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرْزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكِّل، ليس بِفَظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضَه اللهُ حتى يُقيمَ به الملةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً» أخرجه البخاري (١) . ⦗٢٦٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الأُمِّيُّون) جمع الأُمِّيِّ، وهم العرب، وذلك أنَّهم لا يُحسنون الكتابةَ، والذي لا يكتب يقال له: أِّمِّيٌّ. (الفظُّ) : القاسي القلب، الغليظ الجانب. (السَّخَبُ) بالسين والصاد: الصِّيَاحُ والجلَبَةُ، أي: ليس ممن ينافس في الدنيا وجمعها، فيحضر الأسواق لذلك، ويسخب معهم في ذلك. (الغُلْف) بسكون اللام: جمع أغلف، وهو الذي عليه غِلاف.

стр. 9064

٨٨٣٨ - (ت) عبد الله بن سلام ﵁ قال: «مكتوب في التوراة: صفة محمد ﷺ ، وعيسى بن مريم ﵇ يُدفن معه» ، فقال أبو مودود المدني: قد بَقيَ في البيت (١) موضِعُ قبر. أخرجه الترمذي (٢) .

стр. 9065

٨٨٣٩ - (م س) أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان - فأخذه فصرعه فشقَّ عن قلبه فاستخرجه، فاستخرج منه عَلَقة، فقال: هذا حَظُّ الشيطان منك، ثم غَسَلَهُ في طَسْتٍ من ذهبٍ بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمه - يعني ظِئره- فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه ⦗٢٦٣⦘ وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره» . أخرجه مسلم. واختصره النسائي قال: «إن الصلاة فرِضَتْ بمكة، وإن ملَكين أتيا رسولَ الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فَشَقَّا بطنه، فأخرجا حشوه في طَسْتٍ من ذهب، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمة وعلماً» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (العَلَقَةُ) : القِطْعةُ من الدم. (منتقِع) يقال: انتُقِع لونه وامتُقِع: إذا تَغَيّر.

стр. 9066

٨٨٤٠ - (د) أبو موسى الأشعري- ﵁ قال: «أمرَ رسولُ الله ﷺ أصحابه أن يأتوا النجاشي - قال: ... وذكر حديثه وموته وصلاةَ رسول الله ﷺ على النجاشي - قال أبو موسى: فوجدناهم فأقمنا معهم، قال: وسمعت النجاشي يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأنه الذي بَشَّر به عيسى، ولولا ما أنا ما فيه من الملك، وما تحملت من أمر الناس؛ لأتيته حتى أحمل نعليه» أخرجه أبو داود. وأول روايته قال: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض ⦗٢٦٤⦘ النجاشي ... - وذكر حديثه - فقال النجاشي: أشهد أنه رسول الله..» وذكر الحديث (١) .

стр. 9067

٨٨٤١ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «ما سمعت عمر يقول لشيء قطُّ: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس: إذ مَرَّ به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، وإن هذا على دِينه في الجاهلية - أو لقد كان كاهنهم - عليَّ الرَّجُلَ، فَدُعِيَ له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنَهم، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِل به رجل مسلم، قال: فإني أعزِم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية، قال: فما أعْجَبُ ما جاءتك به جِنيُّتك؟ قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت: أَلَمْ تَر الجنَّ وإِبْلاسَهَا ... ويَأسَها من بعد إنكاسها (١) ولحوقها بالقلاص وأَحلاسها قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعِجْل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً أشد صوتاً منه، يقول: يا جَليح أمرٌ نَجيح، رجل فصيح، يقول: لا إِله إلا الله، فوثبَ القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليح، أمرٌ نجيح، رجل فصيح، يقول: ⦗٢٦٥⦘ لا إله إلا الله، فَقُمتُ، فما نَشَبْنَا أن قيل: هذا نبي» أخرجه البخاري (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الإبلاس) : التحيّر والدَهش. (إنكاسها) : انقلابها عن أمرها. (إيناسها) من آنَسَتُ الشيء بمعنى أبصرتُه، فكأن الجن يئست مما كانت تدركه ببعثة النبيِّ ﷺ . (القلاص) جمع القَلُوص: وهي الناقة الشَّابَّةُ. (الأحلاس) جمع حِلْس: وهو الكساء الذي يكون على ظهر البعير. (الجَليح) اسم رجل، و (النَّجيح) السريع، ويجوز أن يكون من النجح والنجاح، وهو الظَّفر بالمطلوب. (ما نَشِبْتُ) أي: ما لبثت.

стр. 9068

الفصل الثاني: فيما كان منها بعد مبعثه ٨٨٤٢ - (خ م) عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إِلى فيَّ قال: «انطلقت في المدَّة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، قال: فبينا أنا بالشام، إذ جِيء بكتاب من النبي إلى ⦗٢٦٦⦘ هِرَقل، قال: وكان دِحْية الكلبيُّ جاء به، فدفعه إلى عظيم بُصْرى، فدفعه عظيم بُصرى إلى هِرَقْل، فقال هرقل: هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ قالوا: نعم، فَدُعيتُ في نَفَر من قريش، فدخلنا على هِرَقل، فأَجلسنا بين يديه، فقال: أيُّكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خَلْفي، ثم دعا بتَرجُمانه، فقال: قل لهؤلاء: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ، فإن كَذَبَني فَكَذِّبوه، قال أبو سفيان: وايْمُ الله، لولا أن يُؤثَرَ عَلَيَّ الكَذِبُ لكذَبتُه، ثم قال لتُرجمانه، سَلْهُ: كيف حَسَبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَب، قال: فَهَل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونَهُ بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَتْبَعه أشراف الناس أو ضعفاؤهم؟ قال: قلتُ: لا، بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: هل يَرتَدُّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخْطةً له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحربُ بيننا وبينه سِجالاً، يُصيب منَّا ونُصيب منه، قال: فهل يَغْدِر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها؟ - قال: والله ما أمكنني من كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه - قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ قبله؟ ⦗٢٦٧⦘ قلت: لا، ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تُبعَثُ في أحساب قومها، وسألتك: هل كان من آبائه مَلك؟ فزعمت أن لا، فقلتُ: لو كان من آبائه مَلِكٌ، قلتُ: رجل يطلب مُلك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضُعَفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلتَ: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت: أن لا، فعرفتُ أنه لم يَكن لِيدَعَ الكذب على الناس، ثم يذهبَ فيكذبَ على الله، وسألتك: هل يرتدُّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخطةً له؟ فزعمت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشةَ القلوب، وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت: أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سِجالاً، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسُل تُبْتَلَى، ثم تكون لها العاقبة، وسألتك: هل يغدِر؟ فزعمت: أنه لا يغدِر، وكذلك الرسل لا تَغدِرُ، وسألتك: هل قال هذا القول أحدٌ قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتمَّ بقول قيل قبله، ثم قال: بما يأمركم؟ قلنا: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصِّلة، والعفاف، قال: إن يَكُ ما تقول حقاً: فإنه نبي، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، ولم أكُ أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلُصُ إِليه لأحْبَبْتُ لقاءهُ، ولو كنت عنده ⦗٢٦٨⦘ لغسلتُ عن قدميه، وليبلُغَنَّ ملكُه ما تحت قَدَميَّ، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدِعاية الإِسلام، أسْلِمْ تَسْلَم، وأسْلِمْ يُؤْتِك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإن عليك إثم الإرِيسيِّين و ﴿يا أهلَ الكتابِ تعَالَوْا إِلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم أَن لا نَعبُد إلا الله وَلا نُشْرِك به شيئاً ولا يتخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً مِن دون الله فإن تولّوْا فقولوا اشهدوا بأَنَّا مُسلِمون﴾ [آل عمران: ٦٤] فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكَثُرَ اللَّغَط، وأمرَ بنا فأُخْرِجنا، قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشة، إنه ليخافُهُ مَلِكُ بني الأصفر، فما زلتُ مُوقِناً بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر، حتى أدخل الله عَلَيَّ الإسلام. قال الزهري: فدعا هِرَقْلُ عظماء الروم، فجمعهم في دارٍ له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخرَ الأبد، وأن يثبت لكم مُلككم؟ قال: فحاصُوا حَيْصَة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أُغْلِقتْ، قال: عَلَيَّ بهم، فدعا بهم، فقال: إني اختبرتُ شِدّتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببتُ، فسجدوا له ورضوا عنه» . هذا لفظ حديث البخاري من رواية هشام بن يوسف وعبد الرزاق عن مَعْمَر. ⦗٢٦٩⦘ وعند مسلم من حديث محمد بن رافع وغيره عن عبد الرزاق عن معمر نحوه من أوله إلى قوله: «حتى أدخل الله عَلَيَّ الإِسلام» . وطرف من حديث صالح عن ابن شهاب بهذا الإسناد، قال فيه: وزاد في الحديث «وكان قَيصَر لمَّا كَشَف الله عنه جنود فارس مَشَى من حِمْصَ إلى إِيلياء، شكراً لما أبلاه الله» . قال مسلم: وقال في الحديث: «من محمد عبد الله ورسوله» ، وقال: «إثم اليريسيِّين» ، وقال: «بداعية الإسلام» هذا القدر ذكره مسلم من رواية صالح. قال الحميدي: وتمامها في كتاب البَرْقاني متصلاً بقوله: «شكرا ًلما أبلاه» : «فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله ﷺ ، قال حين قرأه: التمسوا هاهنا أحداً من قومه، نسألهم عن رسول الله؟ قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب: أنه كان بالشام، قَدِمُوا تُجَّاراً في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصَرَ ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إِيلياء، فأُدْخِلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، عليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سَلْهم أيُّهم أقرب نسباً إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟» . وذكر نحو ما تقدم من حديث معمر. وفي حديثه «فإن عليك إثم الأريسيِّين» يعني الحرّاثين، وفي رواية «إثم الرَّكوسيين» . ⦗٢٧٠⦘ وللبخاري في رواية أخرى نحو حديث معمر، وفيه: «قال ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف والصلة» وقال في الجواب أيضاً: إعادة هذا الحديث، وقال في أخرى: «فما زلتُ ذليلاً مستيقناً بأن أمره سيظهر، حتى أدخل الله على قلبي الإسلام وأنا كاره، قال: وكان ابن الناطور صاحبَ إِيلياء، وهرقل أَسْقَفَهُ على نصارى الشام - يُحَدِّث: أن هرقل حين قَدِمَ إِيلياء، أصْبحَ يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هَيئتك - قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزّاء، ينظر في النجوم - فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلةَ حين نظرت في النجوم مَلِكَ الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يَهُمَّنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيها من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقلُ برجل أرسل به ملك غَسّان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا، فانظروا: أمختتِن هو؟ فنظروا إليه، فحدَّثوه أنه مختتِن، وسأله عن العرب؟ فقال: هم يخْتَتِنُون، فقال هرقل: هذا مَلِكُ هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقلُ إِلى صاحب له بِرُومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِمْ حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه، يوافق رأيَ هرقل على خروج النبي ﷺ ، وأنه نبي، فأذنَ هرقلُ لعظماء الروم في دَسْكَرة له ⦗٢٧١⦘ بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الصلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حَيْصةَ حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلِّقت ... ثم ذكر نحو ما في حديث معمرٍ إلى آخر هذا الفصل - ثم قال: فكان ذلك آخرُ شأنُ هرقل» . وفي رواية الترمذي عن ابن عباس «أن أبا سفيان أخبره: أن هرقل أرسل إِليه في نَفَر من قريش، وكانوا تجاراً بالشام، فأتوه ... فذكر الحديث قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقُرئ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد» هذا القدر أخرجه الترمذي في باب: كيف يكتب إلى أهل الشرك لحاجته إليه، وهو فصل من الحديث بطوله، ولم نثبت للترمذي علامة لقلة ما أخرج منه (١) . ⦗٢٧٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (مادَّهم) أي: صالحهم إلى مدة استقرت بينهم. (يؤثَرُ عليَّ الكذب) أي: يُروَى عَنِّي ويُنسَبَ إليَّ. (الحرب سِجال) متماثلة: تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، وهو من المساجلة: المفاخرة، وهي أن تصنع مثل صنيع قِرنك، وأصله من السَّجْل، وهو الدلو لأن لِكْلِّ واحدٍ من الواردين دَلواً مثل ما للآخر، أو لكلِّ واحدٍ منهم يوم في الاستقاء. (البشاشة) : انشراح القلب بالشيء، والفرح بقبوله، وأصله في اللقاء وهو الملاطفة في الملقى. (الغَدْر) : ضد الوفاء، وهو نقض العهد. (صلة الأرحام) : كل ما أمر الله به أن يوصَل إلى الأقارب، من أنواع البر والإحسان. (العِفَّة والعَفَاف) : الكف عَمَّا لا يحلُّ لك. (التجشُّم) : التكلُّف وإتعاب النفس في طلب الغرض والحاجات. (الأريسيِّين) قال الحميديُّ: كذا وقع في رواية أصحاب الحديث «الأريسيُّون» «واليَريسيُّون» وأهل اللغة يقولون «الإرِّيسُون» واحدهم «إرِّيسٌ» بوزن قِنْديل، وقد تفتح الهمزة، وقد تخفَّفُ، تقول: أرّس يُؤرّس تأريساً، فهو إرّيس وأرِّيس، وأَرَسَ يأرِسُ أرْساً فهو أريس، والأريس - مشدداً ومخففاً – الأكّار، وهو الفلاح، وقد يجمع على أراريس ⦗٢٧٣⦘ وأرارسة، وهي لغةٌ شاميَّةٌ، وقال: وإنما قال: «عليك إثم الأكَّارين» لأن الغالب عليهم أن يكونوا أهل جهلٍ وجَفَاء وقِلَّةِ دِينٍ، لا يرجعون إلى معرفة، وقيل: إنَّ أهلَ السواد وما والاه كانوا أهل فِلاحة، وهم رَعية كِسْرَى، ودِينهم المجوسيَّة، فأعلمه: أنَّه إن لم يؤمن - وهو من أهل الكتاب - كان عليه إثم المجوس الذي لا كتاب لهم. وفي بعض روايات هذا الحديث «اليَريسيون» وهم الحرَّاثون، فإن صحت الرواية، فقد أُبْدِلَ من الهمزة ياء، وفي بعض الروايات «الرَّكوسِيِّين» وهم القائلون بالرَّكوسيَّة، وهي دين بين النصارى والصابئين، لعل بعض من لا يتديَّن بالنصرانية منهم يُبطن الرَّكوسيَّة ويتديَّن بها. (اللغط) : اختلافُ الأصوات، واختلاطُها، والهَذَرُ من القول. (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة) أي: كبر شأنه وعظم واتَّسع، وكان المشركون ينسبون النبيَّ ﷺ إلى أبي كبشة، لأن أبا كبشة الخزاعي، واسمه وَجْز، كان خالف قريشاً في عبادة الأوثان، وعبد الشِّعْرى العبور، وهو النجم المعروف في نجوم السماء فلما خالفهم النبيُّ ﷺ في عبادة الأصنام شبَّهوه به، وقيل: كان جدَّ جدِّ النبي ﷺ لأمه، أرادوا: أنه نزع إليه في الشبه. (بني الأصفر) بنو الأصفر: هم الروم، سموا بذلك لما يعرض لألوانهم في الغالب من الصفرة. ⦗٢٧٤⦘ (حاصوا حَيْصة) أي: نفروا نفرةً، وجالوا جَوْلَةً، وهو من المحيص: المهرب، والملجأ، والميل من جهة إلى أخرى. (وهرقل أَسْقَفَه على نصارى الشام) أي: جعله أُسْقُفاً، والسَّقَفَ والسقِّيفي: مرتبة يلونها من قبل الملك، والسقَف في اللغة: طول في انحناء، ويحتمل أن يسمى أُسْقُفاً لخضوعه وانحنائه. (الحَزّاء والحازي) الذي يحزر الأشياء ويقدِّرها بظنه، ويقال لخارص النخل: الحازي: تقول منه: حَزَوت الشيء أحزوه وأحزيه، لغتان، ويقال للذي ينظر في النجوم: حَزَّاء، من قِبل هذا، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب. (فلم يَرِم) رام يريم: إذا زال من مكانه، ولم يرم من مكانه، أي: لم يبرح. (الدَّسْكرة) : واحدة الدساكر، وهي القصور.

стр. 9069

٨٨٤٣ - (ت) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان الجن يصعدون إِلى السماء، يستمعون الوحي، فإِذا سمعوا الكلمة زادوا عليها تِسعاً، فأما الكلمة: فتكون حقاً، وأما ما زادوا: فيكون باطلاً، فلما بُعث رسول الله ﷺ مُنعت الجنُّ مقاعِدَها من السماء بالشُّهب، قال: ولم تكن النجوم يُرمَى بها قبل ذلك، فقال لهم إِبليس: ما هذا إلا لأمرٍ حدث، فبعث جنوده، فوجدوا رسولَ الله ﷺ قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، ⦗٢٧٥⦘ فقال: هذا الحدَث الذي حَدَث في الأرض» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9070

الباب الثالث: في بدء الوحي وكيفية نزوله ٨٨٤٤ - (خ م) عائشة ﵂ قالت: «أولُ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحةُ في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِراء، فيتَحَنَّث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينْزِع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق - وفي رواية: حتى فجأه الحق - وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغَطّني، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. ⦗٢٧٦⦘ خلق الإِنسانَ مِن عَلَق. اقرأ وربُّك الأكرم. الذي علَّم بالقلم. علَّم الإِنسان ما لم يعلم﴾ فرجع بها رسولُ الله - صلىالله عليه وسلم- يَرْجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيتُ على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لَتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فانطلقتْ به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي - وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها - وكان امرءاً تَنَصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرانيّ، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً، ليتني أكون حَيّاً إِذ يُخْرِجُكَ قومُك، فقال له رسولُ الله ﷺ : أوَ مُخْرِجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بِهِ إِلا عُودي، وإن يُدْرِكْني يومُك حَياً أنْصُرْك نصراً مُؤَزَّراً، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن تُوُفِّيَ، وفَتَرَ الوَحي» . قال البخاري: وتابعه هلال بن رَدَّاد عن الزهري، وقال يونس ومعمر: ⦗٢٧٧⦘ «ترجف بوادره» وفي حديث معمر عن الزهري عند مسلم «فوالله لا يحزنك الله أبداً» بالحاء والنون. وزاد البخاري في رواية أخرى قال: «وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزناً غدا منه مراراً يَتَردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفَى بِذِرْوَةِ جبل لكي يُلْقِيَ نفسه منه: تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسولُ الله حقاً، فَيسْكُن لذلك جأشُه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل، فقال له مثل ذلك» (١) . وأخرج الترمذي طرفاً من هذا الحديث قالت: «أول ما ابتُدئ بهِ رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به: أن لا يرى رؤيا إلا جاءَت كفَلَق الصبح، فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحُبَّب إِليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبَّ إليه من أن يخلو» . هذا القدر أخرجه منه الترمذي، ولقلة ما أخرج منه لم نثبت له علامة (٢) . ⦗٢٧٨⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (التحنُّث) : التعبُّد [وهو] أن يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، وهو الإثم. (نزعت إلى أهلي) أي: رَجعتُ. (غطَّه) إذا حطه بشدة كما يغطه في الماء إذا بالغ في حطه فيه. (الجَهْدُ) : بفتح الجيم: المشقَّة، وبضمها: الطاقة، وقيل: هما لغتان. (زمّلوني) التزميل والتدثير واحد، وهو التغطية والتلفُّف في الثوب. (الكَلَّ) : الأثقال والحوائج المهمَّةُ والعِيال، وكُلّ ما يتكلَّفه الإنسان من الأحوال، ويحمله عن غيره، فهو كَلّ، وجعل الكَسْبَ لنفسه وأنَّه يصل إلى كلِّ معدوم ويناله، فلا يتعذَّر عليه لتعذره، وقيل: «يكسِبُ المعدوم» أي: يعطي الشيء المعدوم غيره، ويوصله إلى كل من هو معدوم عنده، يقال: كسبت مالاً: وكسّبْتُ زيداً مالاً: أي أعنته على كسبه، ومنهم من عدَّاه بالألف، يقال: أكسبتُ زيداً مالاً، أي: جعلته يكسبه والقول الثاني أولى القولين، لأنه أشبه بما قبله في باب التفضُّل والإنعام، إذا لا إنعام أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام. (الناموس) : صاحبُ سِرِّ الملك الذي لا يحضر إلا بخير، ولا يُظْهِر إلا الجميل، وسمّي جبريل ﵇ ناموساً، لأنه مخصوص بالوحي والغيب الذي لا يطَّلع عليهما أحدٌ من الملائكة سواه. ⦗٢٧٩⦘ (جَذَعاً) الجذَع هاهنا: كناية عن الشباب، يقول: يا ليتني كنتُ شاباً عند ظهورك لأنصرك وأعينك " نصراً مؤزراً " أي: مؤكَّداً قوياً. (ترجُف بوادره) تَخْفِق و «بوادره» جمع بادرةٍ، وهي اللحمة تكون بين عنق الإنسان ومنكبه، وكذلك في غير الإنسان. (يتردَّى) التردَّي: الوقوع من موضعٍ عالٍ. (الشواهق) : الجبال العالية، الواحد: شاهق. (أوفَى) : أشرف على الشيء «وذِرْوَة» كل شيء: أعلاه. (الجأش) : الجنان والقلب.
следующие страницы →