← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

٨٨٤٠ - (د) أبو موسى الأشعري- ﵁ قال: «أمرَ رسولُ الله ﷺ أصحابه أن يأتوا النجاشي - قال: ... وذكر حديثه وموته وصلاةَ رسول الله ﷺ على النجاشي - قال أبو موسى: فوجدناهم فأقمنا معهم، قال: وسمعت النجاشي يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وأنه الذي بَشَّر به عيسى، ولولا ما أنا ما فيه من الملك، وما تحملت من أمر الناس؛ لأتيته حتى أحمل نعليه» أخرجه أبو داود. وأول روايته قال: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن ننطلق إلى أرض ⦗٢٦٤⦘ النجاشي ... - وذكر حديثه - فقال النجاشي: أشهد أنه رسول الله..» وذكر الحديث (١) .

стр. 9067

٨٨٤١ - (خ) عبد الله بن عمر ﵄ قال: «ما سمعت عمر يقول لشيء قطُّ: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس: إذ مَرَّ به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، وإن هذا على دِينه في الجاهلية - أو لقد كان كاهنهم - عليَّ الرَّجُلَ، فَدُعِيَ له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنَهم، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِل به رجل مسلم، قال: فإني أعزِم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية، قال: فما أعْجَبُ ما جاءتك به جِنيُّتك؟ قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت: أَلَمْ تَر الجنَّ وإِبْلاسَهَا ... ويَأسَها من بعد إنكاسها (١) ولحوقها بالقلاص وأَحلاسها قال عمر: صدق، بينا أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعِجْل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً أشد صوتاً منه، يقول: يا جَليح أمرٌ نَجيح، رجل فصيح، يقول: لا إِله إلا الله، فوثبَ القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليح، أمرٌ نجيح، رجل فصيح، يقول: ⦗٢٦٥⦘ لا إله إلا الله، فَقُمتُ، فما نَشَبْنَا أن قيل: هذا نبي» أخرجه البخاري (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الإبلاس) : التحيّر والدَهش. (إنكاسها) : انقلابها عن أمرها. (إيناسها) من آنَسَتُ الشيء بمعنى أبصرتُه، فكأن الجن يئست مما كانت تدركه ببعثة النبيِّ ﷺ . (القلاص) جمع القَلُوص: وهي الناقة الشَّابَّةُ. (الأحلاس) جمع حِلْس: وهو الكساء الذي يكون على ظهر البعير. (الجَليح) اسم رجل، و (النَّجيح) السريع، ويجوز أن يكون من النجح والنجاح، وهو الظَّفر بالمطلوب. (ما نَشِبْتُ) أي: ما لبثت.

стр. 9068

الفصل الثاني: فيما كان منها بعد مبعثه ٨٨٤٢ - (خ م) عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إِلى فيَّ قال: «انطلقت في المدَّة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، قال: فبينا أنا بالشام، إذ جِيء بكتاب من النبي إلى ⦗٢٦٦⦘ هِرَقل، قال: وكان دِحْية الكلبيُّ جاء به، فدفعه إلى عظيم بُصْرى، فدفعه عظيم بُصرى إلى هِرَقْل، فقال هرقل: هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ قالوا: نعم، فَدُعيتُ في نَفَر من قريش، فدخلنا على هِرَقل، فأَجلسنا بين يديه، فقال: أيُّكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خَلْفي، ثم دعا بتَرجُمانه، فقال: قل لهؤلاء: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ، فإن كَذَبَني فَكَذِّبوه، قال أبو سفيان: وايْمُ الله، لولا أن يُؤثَرَ عَلَيَّ الكَذِبُ لكذَبتُه، ثم قال لتُرجمانه، سَلْهُ: كيف حَسَبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَب، قال: فَهَل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونَهُ بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَتْبَعه أشراف الناس أو ضعفاؤهم؟ قال: قلتُ: لا، بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: هل يَرتَدُّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخْطةً له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحربُ بيننا وبينه سِجالاً، يُصيب منَّا ونُصيب منه، قال: فهل يَغْدِر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة، لا ندري ما هو صانع فيها؟ - قال: والله ما أمكنني من كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه - قال: فهل قال هذا القولَ أحدٌ قبله؟ ⦗٢٦٧⦘ قلت: لا، ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تُبعَثُ في أحساب قومها، وسألتك: هل كان من آبائه مَلك؟ فزعمت أن لا، فقلتُ: لو كان من آبائه مَلِكٌ، قلتُ: رجل يطلب مُلك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضُعَفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلتَ: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت: أن لا، فعرفتُ أنه لم يَكن لِيدَعَ الكذب على الناس، ثم يذهبَ فيكذبَ على الله، وسألتك: هل يرتدُّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سَخطةً له؟ فزعمت: أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشةَ القلوب، وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت: أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سِجالاً، ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسُل تُبْتَلَى، ثم تكون لها العاقبة، وسألتك: هل يغدِر؟ فزعمت: أنه لا يغدِر، وكذلك الرسل لا تَغدِرُ، وسألتك: هل قال هذا القول أحدٌ قبله؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتمَّ بقول قيل قبله، ثم قال: بما يأمركم؟ قلنا: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصِّلة، والعفاف، قال: إن يَكُ ما تقول حقاً: فإنه نبي، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، ولم أكُ أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلُصُ إِليه لأحْبَبْتُ لقاءهُ، ولو كنت عنده ⦗٢٦٨⦘ لغسلتُ عن قدميه، وليبلُغَنَّ ملكُه ما تحت قَدَميَّ، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدِعاية الإِسلام، أسْلِمْ تَسْلَم، وأسْلِمْ يُؤْتِك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإن عليك إثم الإرِيسيِّين و ﴿يا أهلَ الكتابِ تعَالَوْا إِلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم أَن لا نَعبُد إلا الله وَلا نُشْرِك به شيئاً ولا يتخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً مِن دون الله فإن تولّوْا فقولوا اشهدوا بأَنَّا مُسلِمون﴾ [آل عمران: ٦٤] فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكَثُرَ اللَّغَط، وأمرَ بنا فأُخْرِجنا، قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشة، إنه ليخافُهُ مَلِكُ بني الأصفر، فما زلتُ مُوقِناً بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر، حتى أدخل الله عَلَيَّ الإسلام. قال الزهري: فدعا هِرَقْلُ عظماء الروم، فجمعهم في دارٍ له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخرَ الأبد، وأن يثبت لكم مُلككم؟ قال: فحاصُوا حَيْصَة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أُغْلِقتْ، قال: عَلَيَّ بهم، فدعا بهم، فقال: إني اختبرتُ شِدّتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببتُ، فسجدوا له ورضوا عنه» . هذا لفظ حديث البخاري من رواية هشام بن يوسف وعبد الرزاق عن مَعْمَر. ⦗٢٦٩⦘ وعند مسلم من حديث محمد بن رافع وغيره عن عبد الرزاق عن معمر نحوه من أوله إلى قوله: «حتى أدخل الله عَلَيَّ الإِسلام» . وطرف من حديث صالح عن ابن شهاب بهذا الإسناد، قال فيه: وزاد في الحديث «وكان قَيصَر لمَّا كَشَف الله عنه جنود فارس مَشَى من حِمْصَ إلى إِيلياء، شكراً لما أبلاه الله» . قال مسلم: وقال في الحديث: «من محمد عبد الله ورسوله» ، وقال: «إثم اليريسيِّين» ، وقال: «بداعية الإسلام» هذا القدر ذكره مسلم من رواية صالح. قال الحميدي: وتمامها في كتاب البَرْقاني متصلاً بقوله: «شكرا ًلما أبلاه» : «فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله ﷺ ، قال حين قرأه: التمسوا هاهنا أحداً من قومه، نسألهم عن رسول الله؟ قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب: أنه كان بالشام، قَدِمُوا تُجَّاراً في المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصَرَ ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إِيلياء، فأُدْخِلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، عليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سَلْهم أيُّهم أقرب نسباً إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟» . وذكر نحو ما تقدم من حديث معمر. وفي حديثه «فإن عليك إثم الأريسيِّين» يعني الحرّاثين، وفي رواية «إثم الرَّكوسيين» . ⦗٢٧٠⦘ وللبخاري في رواية أخرى نحو حديث معمر، وفيه: «قال ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف والصلة» وقال في الجواب أيضاً: إعادة هذا الحديث، وقال في أخرى: «فما زلتُ ذليلاً مستيقناً بأن أمره سيظهر، حتى أدخل الله على قلبي الإسلام وأنا كاره، قال: وكان ابن الناطور صاحبَ إِيلياء، وهرقل أَسْقَفَهُ على نصارى الشام - يُحَدِّث: أن هرقل حين قَدِمَ إِيلياء، أصْبحَ يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هَيئتك - قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزّاء، ينظر في النجوم - فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلةَ حين نظرت في النجوم مَلِكَ الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يَهُمَّنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيها من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقلُ برجل أرسل به ملك غَسّان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا، فانظروا: أمختتِن هو؟ فنظروا إليه، فحدَّثوه أنه مختتِن، وسأله عن العرب؟ فقال: هم يخْتَتِنُون، فقال هرقل: هذا مَلِكُ هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقلُ إِلى صاحب له بِرُومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِمْ حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه، يوافق رأيَ هرقل على خروج النبي ﷺ ، وأنه نبي، فأذنَ هرقلُ لعظماء الروم في دَسْكَرة له ⦗٢٧١⦘ بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الصلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حَيْصةَ حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلِّقت ... ثم ذكر نحو ما في حديث معمرٍ إلى آخر هذا الفصل - ثم قال: فكان ذلك آخرُ شأنُ هرقل» . وفي رواية الترمذي عن ابن عباس «أن أبا سفيان أخبره: أن هرقل أرسل إِليه في نَفَر من قريش، وكانوا تجاراً بالشام، فأتوه ... فذكر الحديث قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقُرئ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد» هذا القدر أخرجه الترمذي في باب: كيف يكتب إلى أهل الشرك لحاجته إليه، وهو فصل من الحديث بطوله، ولم نثبت للترمذي علامة لقلة ما أخرج منه (١) . ⦗٢٧٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (مادَّهم) أي: صالحهم إلى مدة استقرت بينهم. (يؤثَرُ عليَّ الكذب) أي: يُروَى عَنِّي ويُنسَبَ إليَّ. (الحرب سِجال) متماثلة: تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، وهو من المساجلة: المفاخرة، وهي أن تصنع مثل صنيع قِرنك، وأصله من السَّجْل، وهو الدلو لأن لِكْلِّ واحدٍ من الواردين دَلواً مثل ما للآخر، أو لكلِّ واحدٍ منهم يوم في الاستقاء. (البشاشة) : انشراح القلب بالشيء، والفرح بقبوله، وأصله في اللقاء وهو الملاطفة في الملقى. (الغَدْر) : ضد الوفاء، وهو نقض العهد. (صلة الأرحام) : كل ما أمر الله به أن يوصَل إلى الأقارب، من أنواع البر والإحسان. (العِفَّة والعَفَاف) : الكف عَمَّا لا يحلُّ لك. (التجشُّم) : التكلُّف وإتعاب النفس في طلب الغرض والحاجات. (الأريسيِّين) قال الحميديُّ: كذا وقع في رواية أصحاب الحديث «الأريسيُّون» «واليَريسيُّون» وأهل اللغة يقولون «الإرِّيسُون» واحدهم «إرِّيسٌ» بوزن قِنْديل، وقد تفتح الهمزة، وقد تخفَّفُ، تقول: أرّس يُؤرّس تأريساً، فهو إرّيس وأرِّيس، وأَرَسَ يأرِسُ أرْساً فهو أريس، والأريس - مشدداً ومخففاً – الأكّار، وهو الفلاح، وقد يجمع على أراريس ⦗٢٧٣⦘ وأرارسة، وهي لغةٌ شاميَّةٌ، وقال: وإنما قال: «عليك إثم الأكَّارين» لأن الغالب عليهم أن يكونوا أهل جهلٍ وجَفَاء وقِلَّةِ دِينٍ، لا يرجعون إلى معرفة، وقيل: إنَّ أهلَ السواد وما والاه كانوا أهل فِلاحة، وهم رَعية كِسْرَى، ودِينهم المجوسيَّة، فأعلمه: أنَّه إن لم يؤمن - وهو من أهل الكتاب - كان عليه إثم المجوس الذي لا كتاب لهم. وفي بعض روايات هذا الحديث «اليَريسيون» وهم الحرَّاثون، فإن صحت الرواية، فقد أُبْدِلَ من الهمزة ياء، وفي بعض الروايات «الرَّكوسِيِّين» وهم القائلون بالرَّكوسيَّة، وهي دين بين النصارى والصابئين، لعل بعض من لا يتديَّن بالنصرانية منهم يُبطن الرَّكوسيَّة ويتديَّن بها. (اللغط) : اختلافُ الأصوات، واختلاطُها، والهَذَرُ من القول. (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة) أي: كبر شأنه وعظم واتَّسع، وكان المشركون ينسبون النبيَّ ﷺ إلى أبي كبشة، لأن أبا كبشة الخزاعي، واسمه وَجْز، كان خالف قريشاً في عبادة الأوثان، وعبد الشِّعْرى العبور، وهو النجم المعروف في نجوم السماء فلما خالفهم النبيُّ ﷺ في عبادة الأصنام شبَّهوه به، وقيل: كان جدَّ جدِّ النبي ﷺ لأمه، أرادوا: أنه نزع إليه في الشبه. (بني الأصفر) بنو الأصفر: هم الروم، سموا بذلك لما يعرض لألوانهم في الغالب من الصفرة. ⦗٢٧٤⦘ (حاصوا حَيْصة) أي: نفروا نفرةً، وجالوا جَوْلَةً، وهو من المحيص: المهرب، والملجأ، والميل من جهة إلى أخرى. (وهرقل أَسْقَفَه على نصارى الشام) أي: جعله أُسْقُفاً، والسَّقَفَ والسقِّيفي: مرتبة يلونها من قبل الملك، والسقَف في اللغة: طول في انحناء، ويحتمل أن يسمى أُسْقُفاً لخضوعه وانحنائه. (الحَزّاء والحازي) الذي يحزر الأشياء ويقدِّرها بظنه، ويقال لخارص النخل: الحازي: تقول منه: حَزَوت الشيء أحزوه وأحزيه، لغتان، ويقال للذي ينظر في النجوم: حَزَّاء، من قِبل هذا، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب. (فلم يَرِم) رام يريم: إذا زال من مكانه، ولم يرم من مكانه، أي: لم يبرح. (الدَّسْكرة) : واحدة الدساكر، وهي القصور.

стр. 9069

٨٨٤٣ - (ت) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان الجن يصعدون إِلى السماء، يستمعون الوحي، فإِذا سمعوا الكلمة زادوا عليها تِسعاً، فأما الكلمة: فتكون حقاً، وأما ما زادوا: فيكون باطلاً، فلما بُعث رسول الله ﷺ مُنعت الجنُّ مقاعِدَها من السماء بالشُّهب، قال: ولم تكن النجوم يُرمَى بها قبل ذلك، فقال لهم إِبليس: ما هذا إلا لأمرٍ حدث، فبعث جنوده، فوجدوا رسولَ الله ﷺ قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، ⦗٢٧٥⦘ فقال: هذا الحدَث الذي حَدَث في الأرض» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9070

الباب الثالث: في بدء الوحي وكيفية نزوله ٨٨٤٤ - (خ م) عائشة ﵂ قالت: «أولُ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحةُ في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِراء، فيتَحَنَّث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينْزِع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق - وفي رواية: حتى فجأه الحق - وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغَطّني، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. ⦗٢٧٦⦘ خلق الإِنسانَ مِن عَلَق. اقرأ وربُّك الأكرم. الذي علَّم بالقلم. علَّم الإِنسان ما لم يعلم﴾ فرجع بها رسولُ الله - صلىالله عليه وسلم- يَرْجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيتُ على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لَتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فانطلقتْ به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي - وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها - وكان امرءاً تَنَصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرانيّ، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعاً، ليتني أكون حَيّاً إِذ يُخْرِجُكَ قومُك، فقال له رسولُ الله ﷺ : أوَ مُخْرِجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بِهِ إِلا عُودي، وإن يُدْرِكْني يومُك حَياً أنْصُرْك نصراً مُؤَزَّراً، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن تُوُفِّيَ، وفَتَرَ الوَحي» . قال البخاري: وتابعه هلال بن رَدَّاد عن الزهري، وقال يونس ومعمر: ⦗٢٧٧⦘ «ترجف بوادره» وفي حديث معمر عن الزهري عند مسلم «فوالله لا يحزنك الله أبداً» بالحاء والنون. وزاد البخاري في رواية أخرى قال: «وفتر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزناً غدا منه مراراً يَتَردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفَى بِذِرْوَةِ جبل لكي يُلْقِيَ نفسه منه: تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسولُ الله حقاً، فَيسْكُن لذلك جأشُه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدَّى له جبريل، فقال له مثل ذلك» (١) . وأخرج الترمذي طرفاً من هذا الحديث قالت: «أول ما ابتُدئ بهِ رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به: أن لا يرى رؤيا إلا جاءَت كفَلَق الصبح، فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحُبَّب إِليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبَّ إليه من أن يخلو» . هذا القدر أخرجه منه الترمذي، ولقلة ما أخرج منه لم نثبت له علامة (٢) . ⦗٢٧٨⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (التحنُّث) : التعبُّد [وهو] أن يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، وهو الإثم. (نزعت إلى أهلي) أي: رَجعتُ. (غطَّه) إذا حطه بشدة كما يغطه في الماء إذا بالغ في حطه فيه. (الجَهْدُ) : بفتح الجيم: المشقَّة، وبضمها: الطاقة، وقيل: هما لغتان. (زمّلوني) التزميل والتدثير واحد، وهو التغطية والتلفُّف في الثوب. (الكَلَّ) : الأثقال والحوائج المهمَّةُ والعِيال، وكُلّ ما يتكلَّفه الإنسان من الأحوال، ويحمله عن غيره، فهو كَلّ، وجعل الكَسْبَ لنفسه وأنَّه يصل إلى كلِّ معدوم ويناله، فلا يتعذَّر عليه لتعذره، وقيل: «يكسِبُ المعدوم» أي: يعطي الشيء المعدوم غيره، ويوصله إلى كل من هو معدوم عنده، يقال: كسبت مالاً: وكسّبْتُ زيداً مالاً: أي أعنته على كسبه، ومنهم من عدَّاه بالألف، يقال: أكسبتُ زيداً مالاً، أي: جعلته يكسبه والقول الثاني أولى القولين، لأنه أشبه بما قبله في باب التفضُّل والإنعام، إذا لا إنعام أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وباب الحظ والسعادة في الاكتساب غير باب التفضل والإنعام. (الناموس) : صاحبُ سِرِّ الملك الذي لا يحضر إلا بخير، ولا يُظْهِر إلا الجميل، وسمّي جبريل ﵇ ناموساً، لأنه مخصوص بالوحي والغيب الذي لا يطَّلع عليهما أحدٌ من الملائكة سواه. ⦗٢٧٩⦘ (جَذَعاً) الجذَع هاهنا: كناية عن الشباب، يقول: يا ليتني كنتُ شاباً عند ظهورك لأنصرك وأعينك " نصراً مؤزراً " أي: مؤكَّداً قوياً. (ترجُف بوادره) تَخْفِق و «بوادره» جمع بادرةٍ، وهي اللحمة تكون بين عنق الإنسان ومنكبه، وكذلك في غير الإنسان. (يتردَّى) التردَّي: الوقوع من موضعٍ عالٍ. (الشواهق) : الجبال العالية، الواحد: شاهق. (أوفَى) : أشرف على الشيء «وذِرْوَة» كل شيء: أعلاه. (الجأش) : الجنان والقلب.

стр. 9071

٨٨٤٥ - (خ م ت) يحيى بن أبي كثير قال: «سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يَا أَيُّها المُدثِّر﴾ قلت: يقولون ﴿اقْرأ باسمِ ربك﴾ قال أبو سلمة: سألت جابراً عن ذلك، فقلت له مثل قلتَ لي، فقال لي جابر: لا أُحَدثك إلا ما حدثنا رسولُ الله ﷺ ، قال: جاورت بحراءٍ شهراً، فلما قضيت جواري، هَبَطت، فنوديت، فنظرتُ عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي، فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني، فدَثَّروني، وصبُّوا عليَّ ماء بارداً، فنزلت ﴿يَا أَيُّها المدثر. قُمْ فأَنذِر. ورَبَّكَ فكَبِّر. وثيابَكَ فطهر. والرجز فاهجُرْ﴾ [المدثر: ١-٥] وذلك قبل أن تفرض الصلاة» . ⦗٢٨٠⦘ وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطتُ فاسْتَبْطَنْتُ الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحداً، ثم نوديت، فنظرت فلم أر أحداً، ثم نوديت، فرفعت رأسي، فإِذا هو قاعد على عرشٍ في الهواء - يعني جبريل - فأخذتني رَجْفة شديدة، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّرُوني فدثَّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً بارداً، فأنزل الله ﴿يَا أيها المدثر. قُمْ فَأَنذِر. وربكَ فَكَبِّر. وثيابَكَ فطهر﴾ » . وفي رواية «فإِذا هو جالِسٌ على العرشِ بين السماء والأرض» . وفي رواية عن أبي سلمة عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يحدِّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه: «فبينا أنا أمشي، سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملَك الذي جاءني بحراءٍ جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ منه رُعْباً، فرجعت، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فدثَّروني، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا المُدثِر. قُم فَأَنذِر. وربكَ فكَبِّر. وثيابكَ فطهر. والرجز فاهجر﴾ قبل أن تُفرض الصلاة. والرجز هي الأوثان» . وفي أخرى «فجُئِثْت منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض» وفيه قال أبو سلمة: «والرجز الأوثان» قال: «ثم حَمِي الوحيُ، وتتابع» . وأول هذه الرواية: أن رسول الله ﷺ قال: «ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي - ثم ذكر نحوه» . ⦗٢٨١⦘ أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج الترمذي نحو الرواية الثالثة (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (جِواري) المجاورة، أراد بها: لزومَ المكان والاعتكاف فيه. (فجُئِثْتُ منه) يقال: «جُئِثْت» بهمزة قبل ثاء، وبثاءين، وبياءٍ وتاء: كلمة بمعنى فَزِعْتُ، والذي في الرواية: الأول.

стр. 9072

٨٨٤٦ - (خ م ط ت س) عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسولَ الله ﷺ ، فقال: «يا رسولَ الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسولُ الله ﷺ : أحياناً يأتيني في مثل صَلْصَلةِ الجرس - وهو أشدُّه عليّ - فيَفْصِم عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلِّمني، فأعِي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جَبينه ليتفصّد عَرقاً» . أخرجه البخاري ومسلم، والموطأ والترمذي، واللفظ للبخاري. وفي رواية النسائي إلى قوله: «فيفصم عني وقد وعيت عنه» ثم قال: ⦗٢٨٢⦘ «وهو أشدُّ عليَّ، وأحياناً يأتيني في مثل صورة الفتى، فيَنْبذه إليَّ» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الصلصلة) : صوت الأشياء الصلبة اليابسة. (فَصَم عني) : انفصل عني وفارقني. (وعيت الكلام) : إذا حفظته وعرفته. (ليَتَفَصَّدُ عَرَقاً) أي: جرى عرقه كما يجري الدم من الفِصَاد.

стр. 9073

٨٨٤٧ - (ت) عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي: يُسْمَع عند وجهه كدَوِيِّ النحل، فأُنْزِل عليه يوماً فمكثنا ساعة، ثم سُرِّي عنه، فقرأ: ﴿قد أَفلَحَ المؤمنون﴾ إلى عشر آيات منها من أولها [المؤمنون: ١-١٠] وقال: من أقام هذه العشر آيات دخل الجنة، ثم استقبل القِبْلة ورفع يديه وقال: اللهم زِدْنا ولا تنقصنا، وأكْرِمنا ولا تُهِنَّا، وأَعْطِنَا ولا تَحْرِمنا، وآثِرنا ولا تُؤثْر علينا، اللهم أرضِنا وارضَ عنا» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9074

٨٨٤٨ - (م) عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كان نبي الله ﷺ إذا أُنزِلَ عليه كُرِب لذلك، وتربَّدَ له وجهه» . وفي رواية: «كان إذا أُنزِل عليه الوحي نكَّسَ رأسه، ونكَّس أصحابه رؤوسهم، فلما أبلَّ (١) رفع رأسه ورفعوا» . وفي رواية: «كان إذا أُنْزِل عليه الوحي عرفنا ذلك فيه، وغَمض عينيه، وتربّد وجهه، فنزل عليه يوماً فسكتنا، فلما سُرِّي عنه قال: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لَهُنَّ سبيلا، البِكْر بالبِكر جَلْدُ مائة، ثم نَفْيُ عام، والثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مائة ثم الرجم» أخرجه مسلم (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (تربّد) الرُّبدة في الألوان: غُبْرَةٌ مع سواد. (أبلَّ) المريضُ من مرضه: إذا زال عنه، وكذلك المغمى عليه، والمراد: زوالُ ما كان يعرِض عند نزول الوحي، وكذلك سُرِّي عنه، أي: كشف عنه ذلك.

стр. 9075

٨٨٤٩ - () أبو هريرة ﵁ قال: «كان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، وإذا جاء ليس أحد يرفَع طَرَفَهُ إلى رسول الله ﷺ حتى ⦗٢٨٤⦘ ينقضي الوحي» أخرجه ... (١) .

стр. 9076

٨٨٥٠ - (خ م س) يعلى بن أمية ﵁ كان يقول لعمر: «ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، فلما كان النبي ﷺ بالجِعرَّانة وعليه ثوب قد أُظِلَّ به عليه، ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل مُتضمِّخ بطِيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جُبَّة بعد ما تَضَمَّخ بطِيب؟ فنظر النبي ﷺ ساعة، ثم سكت، فجاءه الوحيُ، فأشار عمر إلى يَعْلَى: أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو مُحَمرُّ الوجه، يَغِطّ لذلك ساعة، ثم سُرّي عنه، قال: أين الذي سألني عن العمرة آنفاً؟ فالتُمِسَ الرجل، فجيء به إلى النبي ﷺ ، فقال: أمّا الطِّيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجُبَّة: فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» . وفي رواية قال: «كنتُ مع النبي ﷺ ، فأتاه رجل عليه أثر صُفرة ... بنحوه» أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية النسائي: قال صفوان بن يعلى: قال أبي: «ليتني أرى رسول الله ﷺ يُنزَل عليه، فبينما نحن بالجِعْرَانة - والنبيُّ ﷺ في قُبَّةٍ - فأتاه الوحي، فأشار إليَّ عمر: أن تعال، فأدخلتُ رأسي القبّة، فأتاه رجل ⦗٢٨٥⦘ قد أحرم في جُبَّةٍ بعمرة متضمِّخٌ بطيب، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أحرم في جُبَّةٍ؟ إذ أنزل عليه الوحي، فجعل النبيُّ ﷺ يغِطَّ لذلك فسُرِّي عنه، فقال: أين الرجل الذي سألني آنفاً؟ فأتى الرجلُ، فقال: أما الجُبَّةُ فاخلعها، وأما الطِّيب: فاغسله، ثم أحدِثْ إحراماً» . قال النسائي: قوله: «ثم أحدِثْ إحراماً» ما أعلم أحداً قاله غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه محفوظاً، والله أعلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (التَّضمُّخ بالطيب) : التلطُّخُ به. (الغطيط) : صوت نَفَس النائم.

стр. 9077

٨٨٥١ - (خ م) عبد الله بن عباس ﵄ – قال: - في قوله ﴿لا تُحرِّكْ به لِسانَكَ لتَعْجَل به﴾ [القيامة: ١٦]- قال: «كان النبي ﷺ يُعالج من التنزيل شِدة، وكان مما يُحرِّك به شفتيه - قال ابن جبير: فقال لي ابن عباس: أنا أحرِّكهما كما كان رسول الله ﷺ يحرِّكهما، وقال سعيد: أنا أحرِّكهما كما كان ابنُ عباس يحرِّكهما، فحرَّك شفتيه - فأنزل الله : ﴿لا تُحَرِّك به لسانَكَ لتعجلَ به. إِن علينا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ﴾ قال: ⦗٢٨٦⦘ جمعَه في صدرك، ثم تقرؤه، ﴿فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه﴾ قال: فاستمع [له] وأنصت ﴿ثم إنَّ علينا﴾ [ثم إن علينا] أن تقرأه، قال: فكان رسولُ الله ﷺ إذا أتاه جبريل بعد ذلك استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه» . وفي رواية: «كما وعده الله » أخرجه البخاري ومسلم (١) .

стр. 9078

٨٨٥٢ - (خ م س) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريلُ في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فَلَرَسولُ الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» . وفي رواية نحوه قال: «وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن» . أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. وأخرج النسائي عقيب هذا الحديث حديثاً عن عائشة ﵂ قالت: «مَا لَعَنَ رسولُ الله ﷺ من لَعْنَةٍ تُذْكَر، وكان إِذا كان قريبَ عهد بجبريل يدارسه، كان أجود بالخير من الريح المرسلة» . قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: حديث يونس بن يزيد، أحد ⦗٢٨٧⦘ رواة حديث ابن عباس (١) .

стр. 9079

٨٨٥٣ - (خ) أبو هريرة ﵁ قال: «كان يعرض (١) على النبي ﷺ القرآن كُلَّ عامٍ مرة، فعُرِض [عليه] مرتين في العام الذي قبض فيه» أخرجه البخاري (٢) .

стр. 9080

٨٨٥٤ - (خ م) أنس بن مالك ﵁ قال: «إن الله تابَعَ الوحيَ على رسول الله ﷺ قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم تُوفِّي رسولُ الله ﷺ بعدُ» أخرجه البخاري ومسلم (١) .

стр. 9081

٨٨٥٥ - (خ م) أبو عثمان النهدي ﵀ أن سلمان قال: «لا تكونن إِن استطعت أولَ من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها يَنصِب رايتَهُ، قال أبو عثمان: وأنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، قال: فجعل يتحدّث، ثم قام، فقال نبيُّ ⦗٢٨٨⦘ الله ﷺ لأم سلمة: من هذا؟ - أو كما قال- قالت: هذا دِحية [الكلبيُّ] ، قال: فقالت أم سلمة: أيمُ الله! ما حسبتُه إلا إياه، حتى سمعتُ خطبة النبي ﷺ يخبر [خبر] جبريل» أو كما قال، قال سليمان التيميُّ: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد. أخرجه مسلم. وأخرج البخاري منه قوله: «أُنبئتُ أنَّ جبريل ... » إلى آخره ولم يذكر ما قبله (١) .

стр. 9082

٨٨٥٦ - () عبد الله بن عباس ﵄ (١) قال: «دخلتُ مع أبي على رسول الله ﷺ فلما سلمنا عليه لم يأذن لنا، فانصرفنا، فقال لي أبي: أما ترى كيف لم يأذن لنا؟ قلت: لعله كان في سِرٍّ مع الذي كان يناجيه، فقال لي: وكان معه أحد؟ قلت: نعم، قال: ذاك الذي شغله، فأخبرتُ رسول الله ﷺ ، فقال لي: أنت رأيته؟ أو كما قال - قلتُ: نعم، قال: ذاك جبريل ... » وذكر الحديث أخرجه ... (٢) .

стр. 9083

٨٨٥٧ - (خ) يوسف بن ماهك قال: «إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقيٌّ، فقال: أيُّ الكفن خير؟ قالت: ويحك! ⦗٢٨٩⦘ وما يضرُّكَ؟ قال: يا أم المؤمنين؟ أريني مُصحَفَكِ، قالت: لم؟ قال: لَعَلِّي أُؤلِّف القرآن عليه، فإنه يُقرَأ غيرَ مؤلَّف، قالت: وما يَضُرُّك أيِّهُ قرأتَ قبلُ؟ إنما أنزلت أولَ ما نزل سورة المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نَدَعُ الخمر أبداً، ولو نزل: لا تَزْنوا، لقالوا: لا نَدَعُ الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجاريةٌ ألعبُ ﴿بل الساعةُ موْعِدُهُم والساعةُ أَدْهَى وأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجتْ له المصحف فأملت عليه آيَ السور» . وله في أخرى مختصراً قال: قالت عائشة: «لقد أُنزل على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب ﴿بل الساعةُ موعِدُهم والساعةُ أَدْهى وأمرُّ﴾ » . أخرجه البخاري (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ثاب) : رجع.

стр. 9084

٨٨٥٨ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان رسولُ الله ﷺ لا يعرف فَصْل السورة حتى ينزل عليه: بسم الله الرحمن ⦗٢٩٠⦘ الرحيم» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 9085

٨٨٥٩ - () أبو هريرة ﵁ (١) - قال: «لم يكن يَعرف كمال السور ولا نفادها إلا ببسم الله الرحمن الرحيم» أخرجه ... (٢) .

стр. 9086

٨٨٦٠ - (د) الشعبي، وأبو مالك، وقتادة، وثابت بن عمارة «أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، حتى نزلت سورة النمل» . أخرجه أبو داود هكذا عن هؤلاء المذكورين (١) .

стр. 9087

٨٨٦١ - (خ م ت) البراء بن عازب ﵁ قال: «إن آخر سورة أنزلت تامة: سورة التوبة، وإن آخر آية نزلت: آية الكلالة» . وفي رواية «آخِرُ آية نزلت كاملة» أخرجه البخاري ومسلم. ولمسلم أنه قال: «آخر آية نزلت: يستفتونك» . وأخرج الترمذي قال: «آخر آية أُنزلت، أو آخر شيء أنزل ﴿يستفتونكَ قُلِ الله يُفْتِيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] (١) » .

стр. 9088

٨٨٦٢ - (م) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: «تدري آخر سورة من القرآن نزلت جميعاً؟ قلت: نعم ﴿إِذا جاء نصرُ الله والفتح﴾ قال: صَدَقْتَ» أخرجه مسلم (١) .

стр. 9089

٨٨٦٣ - (ت) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح» أخرجه الترمذي، وقال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «آخر سورة أنزلت: ﴿إِذا جاءَ نصرُ الله والفتح﴾ » (١) .

стр. 9090

٨٨٦٤ - (خ) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ : آية الربا» أخرجه البخاري (١) .

стр. 9091

٨٨٦٥ - (د ت) جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسولُ الله ﷺ يعرض نفسه بالموقف، فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً منعوني أن أُبَلِّغَ كلام ربي» أخرجه أبو داود والترمذي (١) .

стр. 9092

الباب الرابع: في الإسراء وما يتعلَّق به ٨٨٦٦ - (خ م ت س) قتادة بن دعامة عن أنس عن مالك بن صعصعة: أنَّ نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسْرِيَ به، قال: «بينما أنا في الحَطيم - وربما قال في الحِجْر - مضطجعاً - ومنهم من قال: بين النائم واليقظان - إِذ أتاني آت فَقدّ - قال: فسمعته يقول: فشقَّ (١) - ما بين هذه، فقلت للجارود (٢) ، وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثُغْرة نحره إلى شِعْرَتِهِ، وسمعته يقول: مَن قَصِّه إِلى شِعْرَتِه، فاستخرج قلبي، ثم أُتيتُ بِطَسْت من ذهب مملوءة إيماناً، فَغُسِلَ قَلبي، ثم حُشِي، ثم أعيد، ثم أُتيت بدابَّة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أقصى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريل ﵇، حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحباً به، فلنعم المجيء جاء، [ففتح] ، فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدم، فقال: [هذا] أبوك آدم، فسلِّمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردّ السلام، وقال: ⦗٢٩٣⦘ مَرْحَباً بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صَعِد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به ونعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصتُ، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما، فسلّمت فردَّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صَعِدَ بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصتُ، فإذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، فقال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خَلَصت، فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلَّمتُ عليه، فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ، فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه، فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي ⦗٢٩٤⦘ الصالح، ثم صَعِد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصتُ، فإذا موسى، قال: هذا موسى، فسلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزته بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صَعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيءُ جاء، فلما خلَصتُ، فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفِعْتُ إلى سِدْرة المنتهى، فإذا نَبِقُها مثلُ قِلال هَجَر، وإذا وَرَقُها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سِدْرة المنتهى، فإذا أربعةُ أنهار: نهرانِ باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان: فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنِّيل والفرات، ثم رُفِعَ لي البيتُ المعمور، ثم أُتِيتُ بإناءٍ من خمر، وإناءٍ من لَبَن، وإناءٍ من عسل، فأخذت اللَّبَن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأُمَّتُك، قال: ثم فُرضت عليَّ الصلاة، خمسين صلاةً كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بِمَ أُمرت؟ قلت: أُمِرتُ بخمسين صلاةً كل ⦗٢٩٥⦘ يوم، قال: إن أُمَّتَك لا تستطيع خمسين صلاةً كل يوم، وإني والله قد جَرَّبتُ الناس من قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربَّك فاسأله التخفيف لأُمَّتِك، فرجعتُ فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلواتٍ كل يوم، فقال مثله، فرجعتُ فأمرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أُمرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أُمَّتَك لا تستطيع خمس صلواتٍ كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأُمَّتك، قال: سألت ربِّي حتى استحييت، ولكن أرضَى وأُسَلّم، فلما جاوزت، نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي، وخفَّفْت عن عبادي» . وفي رواية: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» وفيه: «ثم غُسِل البطن بماء زمزم، ثم مُلئ حكمةً وإيماناً» وفيه: «فَرُفِعَ لي البيتُ المعمور، فسألت جبريل؟ فقال: هذا البيتُ المعمور، يصلِّي فيه كلَّ يوم سبعون ألف مَلَكٍ، إِذا خرجوا لم يعودوا آخرَ ما عليهم» وفي آخره: «فخفَّفْتُ عن عبادي، وأجْزِي بالحسنة عشراً» . وفي أخرى: «بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان؛ إِذ سمعتُ قائلاً يقول: أحَدُ الثلاثة، بين الرجلين، فأُتيت، فانطُلِق بي، فأُتيتُ ⦗٢٩٦⦘ بَطَسْتٍ من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى كذا وكذا - يعني إلى أسفل بطنه» . وفي أخرى «فأُتيتُ بِطَسْتٍ من ذهب ممتلئٍ حكمةً وإيماناً، فَشُقَّ من النحر إلى مَراقِّ البطن، فَغُسِلَ بماء زمزم» أخرجه البخاري ومسلم. وأخرجه النسائي نحوه وأخصَرَ منه، وهذا أتم وأطول. وأخرجه الترمذي إلى قوله: «فغسله بماءِ زمزمَ، ثم أُعيد مكانَه، ثم حُشِيَ إيماناً وحكمة» قال الترمذي: وفي الحديث قصة طويلة، ولم يذكرها (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ثُغْرَة النَّحْر) الثُّغرة: النقرة التي بين الترقوتين. (القَص) : رأس الصدر، وقيل: وسطه. (سِدْرة المنتهى) السدر: شجر معروف، وأما سدرة المنتهى فهي شجرة في أقصى الجنة، إليها ينتهي عِلْمُ الأولين والآخرين. (نَبِقها مثل قِلال هَجَر) النَّبِق: معروف، أراد: ثمرة سدرة المنتهى، و «القلال» جمع قُلَّةٍ، وهي الحُبُّ يسع مزادةً من الماء، ونُسبَتْ إلى «هجر» لأنها تعرف بها.

стр. 9093

٨٨٦٧ - (خ م ت س) أنس بن مالك ﵁ «قال شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر: إنه سمع أنَسَ بن مالك يقول ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نَفَر - قبل أَن يُوحَى إِليه - (١) وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أَيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يَرَى قلبُه وتنام عينه، ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام عيونُهم، ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه - حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل ﵇، فشقَّ جبريل ما بين نحره إلى لَبَّته حتى فرغ من صدره وجوفه، وغَسَله من ماء زمزم، حتى أنْقَى جوفه، ثم أُتي بِطَست من ذهبٍ فيه تَوْر من ذهب، محشو إيماناً وحكمة، فَحشى به صدرَه ولغَاديدَهُ - يعني عروقَ حَلْقِه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها، فناداه أهل السماء: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحباً به وأهلاً، واستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء ما يريد الله في الأرض حتى يُعلِمهم، فوجد ⦗٢٩٨⦘ في السماء الدنيا: آدم ﵇، فقال له جبريل: هذا أبوك [آدم] فسلِّم عليه، [فسلَّم عليه] ، ورَدَّ عليه، وقال: مرحباً وأهلاً يا بني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل، والفرات - عنصرهما - قال: ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهرٍ آخر عليه قصرٌ من لُؤلُؤ وزَبَرْجَد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبأ لك ربُّك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت له الملائكة مثل ما قالت الأولى: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحباً به وأهلاً، قال: ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سَمَّاهم، فأوعيتُ منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة - ولم أحفظ اسمه - وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: ربِّ، لم أظُنّ أن ترفع عليَّ أحداً، ثم علا به فوق ذلك مما لا يعلمه أحد إلا الله، حتى جاء سِدْرة المنتهى، ودَنا الجبَّار ربُّ العزة، فتدلى حتى كان قابَ قوسين أو أدنى (٢) ، فأوحى الله إليه فيما يوحى إليه ⦗٢٩٩⦘ خمسين صلاةً على أُمَّتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد ماذا عَهِدَ إِليك ربُّك؟ قال: عَهِدَ إليَّ خمسين صلاةً كلَّ يوم وليلة، قال: إنَّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفِّفْ عنك ربُّك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل - كأنه يستشيره في ذلك - فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب خَفِّفْ عنا، فإن أُمِّتي لا تستطيع هذا، فَوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردِّده موسى إلى ربِّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عنه الخمس، فقال: يا محمد، لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا وتركوه، وأُمَّتُك أضعفُ أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفِّفْ عنك ربك، كُلُّ ذلك يلتفت النبي ﷺ إلى جبريل ليُشِير عليه، فلا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب، إن أُمَّتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفِّف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لَبَّيْكَ وسَعْدَيك، قال: لا يُبَدَّلُ القولُ لدَيَّ، كما فرضتُ عليك في أمِّ الكتاب، فكلُّ حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمسٌ عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَّفَ عَنَّا، أعطانا بكلِّ حسنة عشر أمثالها، فقال موسى: قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنَى من ذلك، فتركوه، ⦗٣٠٠⦘ فارجع إلى ربِّك فليخفِّفْ عنك أيضاً، فقال رسولُ الله ﷺ : يا موسى، قد والله استحييتُ من ربي مما أختَلِفُ، قال: فاهبط بسم الله، فاستيقَظَ وهو في المسجد الحرام» . هذا لفظ حديث البخاري. وأدرج مسلم حديث شريك عن أنس الموقوف عليه على حديث ثابت البُنَاني المسند، وذكر من أول حديث شريك طرفاً، ثم قال: «وساق الحديث نحو حديث ثابت» ، قال مسلم: «وقدم [فيه شيئاً] وأخَّر، وزاد ونقص، وليس في حديث ثابت من هذه الألفاظ إلا ما نورده على نَصِّه» . أخرجه مسلم وحده من حديث حماد بن سَلَمَة عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أُتيتُ بالبراق - وهو دابَّةٌ أبيضُ طويل، فوق الحمار ودون البغل - يضع حافِرَه عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيتُ بيتَ المقدس، قال: فربطته بالحَلْقةِ التي يَرْبِطُ بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصلَّيت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من الخمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفِطرة، قال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: مَن أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ مَعَكَ؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحَّبَ بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، ⦗٣٠١⦘ قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، فَفُتحَ لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زَكريا، فَرَحبَا [بي] ودَعَوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، إذا هو قد أُعْطِيَ شَطر الحسن، قال: فرحّب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحّب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿ورفعناه مكاناً عليّاً﴾ [مريم: ٥٧] ، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَنْ مَعك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فرحّب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ⦗٣٠٢⦘ ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇، مُسنِداً ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إِليه، ثم ذهب بي إلى سِدرة المنتهى، فإذا أوراقُها كآذان الفِيَلة، وإذا ثَمَرُها كالقلال، قال: فلما غَشِيها من أمر الله ما غَشِيَ تَغيَرتْ، فما أحدٌ من خلق الله تعالى يستطيع أن يَنْعَتها من حسنها، فأوحى [الله] إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاةً في كلِّ يوم وليلة، فنزلتُ إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربِّك، فاسأله التخفيف، فإن أُمَّتك لا تطيق ذلك، فإني قد بَلَوْتُ بني إسرائيل وخَبَرْتُهُمْ، قال: فرجعتُ إلى ربي، فقلت: يا ربِّ، خَفِّف عن أمتي، فحطّ عني خمساً، فرجعت إلى موسى، فقلت: حَطَّ عني خَمْساً، فقال: إن أُمَّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربِّك، فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربِّي ﵎، وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد، إنَّهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاةً، ومَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كُتِبَتْ له حسنة، فإن عَمِلَها كُتِبَتْ له عشراً، ومَن هَمَّ بسيئةٍ ولم يعملْها لم تكتبْ شيئاً، فإن عملها كُتِبَتْ سيئةً واحدة، قال: فنزلت فانتهيت إلى ⦗٣٠٣⦘ موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربِّك فاسأله التخفيف، فقال رسولُ الله ﷺ : قد رجعت إلى ربي حتى استحييتُ منه» . وأخرج مسلم طرفاً منه، قال رسولُ الله ﷺ : «أُتيتُ، فانطلقوا بي إلى زمزم، فَشُرِح عن صدري، ثم غُسِلَ بماء زمزم، ثم أنزلت» ، لم يزد مسلم على هذا من هذه الرواية. وقد أتمها أبو بكر البرقاني في كتابه قال: «ثم أُنزِلَتْ طَسْتٌ من ذهب ممتلئة إيماناً وحكمة، فَحُشِي بها صدري، ثم عرج بي الملك إلى السماء الدنيا ... » وذكر الحديث على سياق ما سبق من الروايات ونحوها. وأخرجه النسائي من رواية سعيد بن عبد العزيز [عن يزيد بن أبي مالك] عن أنس نحو هذا الحديث، إلا أن حديثه أخصر وأقل لفظاً، والمعنى واحد، وقال في آخرها: «فرجعت إلى ربي فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فَرْضت عليك وعلى أُمَّتك خمسين صلاة، فخمسٌ بخمسين، فقم بها أنت وأُمَّتك، فَعَرَفْتُ أنَّها من الله ﵎ صِرَّى - يقول: حَتْمٌ - فلم أرجع» . وفي رواية الترمذي طرف مختصر: «أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ بالبراق ليلةَ أُسري به مُلْجَماً مُسْرَجاً، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمُحَمَّدٍ ⦗٣٠٤⦘ تفعل هكذا؟ ما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارْفَضَّ عرقاً» (٣) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (اللَّبَّة) : موضع وسط القلادة من صدر الإنسان. (اللَّغاديد) : اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق، واحدها: لُغْدود. (يَطَّردان) أي: يجريان. (عنصرهما) العنصر: الأصل الذي يكون منه الشيء. (مِسك أَذْفَر) : شديد الرائحة. (التدَلِّي) : النزول من العلو، و «قابُ القوس» : قَدْرُه، والمراد في الحديث: جبريل، وأنه كان مع النبي ﷺ في هذه الحالة بهذا القدر. (المراودَة) : المراجعة، وتكرار القول لمن تريد منه قولاً أو فعلاً، وفي إحدى الروايات: «داورت» فإن كانت كذلك، فالمراد به: الإطافة بالشيء والإلمام به، وهو قريب من الأول. (صِرَّى) يقال في اليمين: هي مني صِرَّى - بوزن معزى (٤) أي: عزيمة وجِدٌّ، وهي مشتقة من: أصررت على الشيء - إذا دمت ولزمته. ⦗٣٠٥⦘ (فارفضَّ عرقاً) أي: جرى عرقُه وسال.

стр. 9094

٨٨٦٨ - (خ م) أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذرٍّ يُحَدِّث أن رسول الله ﷺ قال: «فُرج سَقْفُ بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرَج صدري، ثم غسله ماء زمزم، ثم جاء بطَسْتٍ من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد ﷺ ، قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح، قال: فلما عَلَوْنا السماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أسْوِدة، وعن يساره أَسْوِدة، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِكَ، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، قال: فقال: مَرْحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلتُ: يا جبريل مَنْ هذا؟ قال: هذا آدم ﵇، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بَنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، والأسوِدة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِكَ، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل، حتى أتى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح - فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات: آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم ﵈، [ولم] يُثبتْ كيف منازلهم، غير أنه ذكر [أنه] قد وجد آدم في السماء ⦗٣٠٦⦘ الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة - قال: فلما مَرَّ جبريل ورسول الله بإدريس صلوات الله وسلامه عليهم، قال: مَرْحباً بالنبي الصالح، والأخ الصالح، قال: ثم مَرَّ، فقلت: مَنْ هذا؟ قال: هذا إِدريس، قال: ثم مررت بموسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح، والأخ الصالح، قال: قلت: مَن هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مَرَرْتُ بعيسى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، قال: قلتُ: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، قال: ثم مررت بإبراهيم ﵇، قال: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح، قال: قلت: من هذا؟ قال: إبراهيم» . قال ابن شهاب، وأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس وأبا حبَّة الأنصاري يقولان: قال رسولُ الله ﷺ : «ثم عرج بي حتى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوى أسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام» . قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسولُ الله ﷺ : «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك، حتى أمُرَّ بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فَرَضَ ربك على أمتك؟ قال: قلتُ: فرض عليهم خمسين صلاة، قال لي موسى: فراجع ربّك، فإن أُمَّتك لا تطيق ذلك، فراجعت ربِّي، فوضع شَطْرها، قال: فرجعت إلى موسى فأخبرته، قال: راجع ربك، فإن أُمَّتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي، فقال: هي خمس، وهي خمسون، ⦗٣٠٧⦘ لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ، قال: فَرَجَعْتُ إلى موسى، فقال: راجع ربَّك، فقلت: قد استحييتُ من ربِّي، قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوانٌ، لا أدري ما هي؟ قال: ثم أُدخِلت الجنة، فإذا فيها جنابِذُ اللؤلؤ، وإذا تُرابها المسك» أخرجه البخاري ومسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الجنابذ) : القصور. (الأسوِدَة) جمع سواد، والسواد: الشخص، إنساناً كان أو غيره أراد: وحوله أشخاص. (نَسَم بنيه) النسم جمع نَسَمة، وهي كلُّ شيء فيه روح، وقيل: «النسمَة» النفس والروح. (ظَهَرْتُ لمستوى) أي: علوتُ وارتفعت، وصِرْتُ على ظهره، والمستوَى: المكان المستوي. (صريف الأقلام) الصريف: الصوت، ومنه: صريف البَكرة، وصريف ناب البعير.

стр. 9095

٨٨٦٩ - (م س ت) عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَمَّا أُسْرِيَ برسول الله ﷺ انْتُهِيَ به إِلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يُعرَج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فَيُقْبَض منها - قال: ﴿إِذ يَغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] قال: فَرَاشٌ من ذَهَب، قال: فأُعْطِي رسولُ الله ﷺ ثلاثاً: أُعطيَ الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يُشرك بالله من أمته شيئاً المقحِمَات» أخرجه مسلم والنسائي. وفي رواية الترمذي قال: «لَمَّا بلغ رسولُ الله ﷺ سدرةَ المنتهى، قال: انتهى إليها ما يَعْرُج من الأرض، وما ينزل من فوق، فأعطاه الله [عندها] ثلاثاً لم يُعْطَهُنَّ نبي قبله: فُرضت عليه خمس [صلوات] ، وأُعْطِي خوَاتيمَ سورة البقرة، وغَفَرَ لأُمَّته المقحمات ما لم يُشرِكُوا باللهِ شيئاً، قال ابن مسعُود: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يغشى﴾ قال: السدرةُ في السماء السابعة، قال سفيان: فَراش من ذهب، وأشار سفيان بيده فأرعدها» . وفي رواية «إليها ينتهي علم الخلائق، لا علم لهم بما فوق ذلك» (١) . ⦗٣٠٩⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فَراش من ذهب) الفَراش: هذا الحيوان الذي يَرمي نفسه في النار وضوء السراج. (المقحِمات) : هي الذنوب التي تقحم صاحبها في النار، أي: تلقيه فيها.

стр. 9096

٨٨٧٠ - (ت) زر بن حبيش ﵀ قال: قلت لحذيفة: «أَصَلَّى رسولُ الله ﷺ في بيت المقدس؟ قال: لا، فقلت: بلى، قال: أنت تقول ذلك يا أصلع لي؟ بم تقوله؟ قلتُ: بالقرآن، بيني وبينك القرآن، فقال حذيفة: من احتج بالقرآن [فقد أفلح]- قال سفيان: يقول: قد احتج، وربما قال: قد فَلَج - وأين هو؟ فقرأت ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجدِ الحرام إِلى المسجدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] قال: أفتراه صلَّى فيه؟ قلت: لا، قال: أَمَا لو صلَّى فيه لَكُتِبَتْ عليكم الصلاة فيه، كما كتبت عليكم الصلاة في المسجد الحرام، ثم قال حذيفة: أُتِيَ رسول الله ﷺ بدابة طويلة الظهر ممدودة - هكذا - خَطْوهُ مَدُّ بَصره، فما زايلا ظَهْرَ البُراق حتى رأيا الجنة والنار، ووعْدَ الآخرة أجمع، ثم رجعا عودَهما على بدئهما، قال: ويتحدثون أنه ربطه لمَ؟ أيَفِر منه؟ إنما سخَّره له عالم الغيب والشهادة» أخرجه الترمذي (١) . ⦗٣١٠⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (فلج) فَلَجَ الرجل على خصمه يفلُج فَلْجاً: إذا غلبه وظفر به.

стр. 9097

٨٨٧١ - (ت) بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انتهينا إلى بيت المقدس، قال جبريل كذا بإصبعه فخرق به الحَجَر، وشَدَّ به البراق» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9098

٨٨٧٢ - (خ م ت) جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «لما كَذَّبتني قريش قُمتُ في الحِجْرِ، فَجَلَّى الله لي بيتَ المقدس، فطفِقْت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وزاد البخاري في رواية قال: «لما كَذَّبني قريش حين أُسْرِيَ بي إلى بيت المقدس ... » وذكر الحديث (١) .

стр. 9099

٨٨٧٣ - (م س) أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أتيت موسى ليلةَ أُسْريَ بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» أخرجه مسلم والنسائي (١) .

стр. 9100

الباب الخامس: في معجزاته ودلائل نبوته ﷺ -، وفيه سبعة فصول الفصل الأول: في إخباره عن المغيبات ٨٨٧٤ - (خ م) جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا هَلَكَ كِسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلَكَ قَيْصَرُ فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده: لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله» . أخرجه البخاري ومسلم (١) .

стр. 9101

٨٨٧٥ - (خ م ت) أبو هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا هَلَكَ كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله» . ⦗٣١٢⦘ وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ كِسرَى ثم لا يكون كسرى، وقيصَرُ لَيَهلِكنَّ ثم لا يكون قيصر بعده، ولَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله» . زاد في رواية في آخره: «وسَمّى الحربَ خَدْعة» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الحرب خَدْعة) تروى بفتح الخاء، وهي اللغة الفُصحى، وهي المرة الواحدة من الخِداع، يعني: أنَّ الحرب بمرة واحدة من الخداع يبلغ فيها الغرض، لأن الخصم متى انخدع غُلِبَ وقُهِر، وتروى بضم الخاء، وهي الاسم من الخداع، وقد روى بضم الخاء وفتح الدال - بوزن هُمَزَة - أي: إنَّ الحرب تخدع الرجال كثيراً.

стр. 9102

٨٨٧٦ - (م) جابر بن سمرة ﵁ قال عامر بن سعد بن أبي وقاص: كتبت إلى جابر بن سَمُرة مع غُلامي نافع: أن أخبرني بشيء سمعتَهُ من رسول الله ﷺ . فكتب إليَّ: «سمعتُ رسول الله ﷺ يوم جمعة، ⦗٣١٣⦘ عَشِيَّةَ رُجَمَ الأسلميَّ، قال: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كُلُّهم من قريش، وسمعته يقول: عُصَيْبَة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض: بيتَ كِسرى - أو آل كِسرى - وسمعته يقول: إنَّ بين يدي الساعة كذَّابين، فاحذروهم، وسمعته يقول: إذا أعطى الله أحدَكم خَيْراً فليبدأْ بنفسه وأهلِ بيته، وسمعته يقول: أنا الفَرَط على الحوض» . وفي رواية سماك بن حرب عن جابر بن سمرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لَتَفْتَحَنَّ عصابةٌ من المسلمين [أو من المؤمنين] كَنْزَ آلِ كِسرَى الذي في الأبيض» . وفي رواية أخرى قال: «لَنْ يَبْرَحَ هذا الدين قائماً يقاتِل عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة» أخرجه مسلم (١) . وقد تقدم بعضُ الحديث في «كتاب الخلافة» من حرف الخاء. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الفَرَط) : الذي يتقدَّم الورّاد، فيهيئ لهم الحبال والدِّلاء والحياض ويستقي لهم، وهو فَعَل بمعنى فاعل، يقال: رجل فَرَطٌ، وقوم فرط.

стр. 9103

٨٨٧٧ - (خ) عدي بن حاتم ﵁ قال: «بينما أنا عند النبي ﷺ ، إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قَطْع السبيل ⦗٣١٤⦘ فقال: يا عديُّ، هل رأيت الحِيرَة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: إن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعينة ترتحل من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إِلا الله تعالى - قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طَيِّء الذين سعَّروا في البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كِسرى بن هُرْمُز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الرجل يُخرج مِلء كَفِّه من ذهب أو فضة يطلب من يَقْبَلُهُ منه، فلا يجد أحداً يقبله منه، ولَيَلْقِيَنَّ الله أحدُكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا تَرْجمان يُترجم له، فليقولنَّ: ألم أبعث إليك رسولاً فيُبلِّغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالاً، وأُفْضِلْ عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، [وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم] قال عديٌّ: فسمعتُ النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بِشِقِّ تَمرة، فمن لم يجد شِقَّ تمرة فبكلمة طيبة، قال عديٌّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالَت بكم حياة لَتَرَوُنَّ ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يُخرج ملء كفه ... » . أخرجه البخاري (١) . ⦗٣١٥⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الظعينة) : المرأة ما دامت في الهودج، هذا هو الأصل، ثم سميت به المرأةُ ظعينةً وإن لم تكن في هودجٍ ولا مسافرة. (الدُعَّار) بالدال المهملة: قُطَّاعُ الطريق، والذي يُخيفون الناس في مقاصدهم، وأصل الدَّعر: الفساد. (سَعّروا البلاد) : مَلؤوها شراً وفساداً، مأخوذ من استعار النار وهو إيقادها والتهابها.

стр. 9104

٨٨٧٨ - (م) أبو ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّكم ستفتحون أرضاً يُذكر فيها القيراط - وفي رواية: ستفتحون مصرَ، وهي أرض يسمّى فيها القيراط - فاسْتَوْصُوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذِمَّة ورَحِماً» . وفي أخرى «فإن فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذِمَّة ورَحماً - أو قال: ذِمَّة وصِهراً - فإذا رأيتَ رجلين يختصمان [فيها] في موضِع لَبِنَة فاخرج منها، قال: فمرَّ بربيعة وعبد الرحمن ابني شُرَحبيل بن حَسَنة يتنازعان في موضع لَبِنَة، فخرج منها» وفي أخرى: «فرأيت، فخرجتُ» . أخرجه مسلم (١) .

стр. 9105

٨٨٧٩ - (م د ت) ثوبان ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إن الله زَوَى لِي الأرضَ، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أُمَّتي سيبلغ ملكُها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بِسَنَةٍ عامَّة، وأن لا يُسَلِّط عليهم عدوَّاً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بَيْضتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعطيتك لأمتك: أن لا أهلكهم بِسَنَةٍ عامَّة، ولا أسلّط عليهم عدوّاً [من] سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يُهْلِك بعضاً، ويَسبي بعضهم بعضاً» . وفي رواية: أن النبيَّ ﷺ قال: «إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين: الأحمر والأبيض» ثم ذكر نحوه. أخرجه مسلم. وزاد أبو داود «وإنما أخاف على أُمَّتي الأئمة المضلِّين، وإذا وُضِعَ السيف في أُمَّتي لم يَرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أُمَّتي الأوثان، وإنه سيكون في أُمَّتي كذَّابون ثلاثون، كُلُّهم يزعم أنه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي ولا تزال طائفة من أُمَّتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيَ أمر الله» . ⦗٣١٧⦘ وقد أخرج مسلم بعض هذه الزيادة عن ثوبان، وهي قوله: «لا تزال طائفة من أُمَّتي ظاهرين ... إلى آخرها» . وقد أخرج الترمذي الزيادة كلها مفردة، وهو مذكور في «كتاب الفتن» من حرف الفاء (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (بسَنَةٍ عامَّة) السَّنَةُ: الجَدْبُ والشِّدَّة. والعامَّة: التي تَعُمُّ الكُلَّ. (زُوِيَ لي) زَويت الشيء لفلان، أي: جمعته له وضممته إليه، وقوله: «وإن ملك أُمَّتي سيبلغ ما زُوِيَ لي منها» من معجزاته ﷺ ، لأن ملك أُمَّته بلغ من المشارق والمغارب كثيراً واسعاً، أمَّا من الغرب: فإلى منتهى الأرض وأمَّا من الشرق: فإلى أقاصي العِمارة، والباقي من الشرق يسيرٌ بالنسبة إلى المملوك منه، وأما جهة الجنوب وجهة الشمال: فلم يبلغ ملك الأمة الإسلامية فيهما كثيراً مبلَغَه في جِهَتي الشرق والغرب، فكان هذا منه ﷺ إخباراً عما يقع في المستقبل. وقال الخطابي: قوله: ما زُوِيَ لي منها «يتوهم بعض الناس: أن ⦗٣١٨⦘ حرف «من» هاهنا معناه: التبعيض، وليس كذلك، وإنما معناه: التفصيل للجملة المتقدِّمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ولا يُبطل شيئاً منها، لكنه يأتي عليها شيئاً شيئاً، ويستوفيها جزءاً جزءاً، والمعنى: أنَّ الأرض زُوِيَت جملتها له مرة واحدة، ثم يُفتَح له جزءٌ جزءٌ منها، حتى يأتيَ عليها كُلَّها فيكون هذا معنى التبعيض فيها، وهذا القول كما تراه. والذي ينبغي أن يقال في ذلك: إن قوله: «زويت لي الأرض» أي: جمعت، فرأيت مشارقها ومغاربها، اعتراف منه أنه لما زويت له، لم ير إلا مشارقها ومغاربها، وقوله: «وسيبلغ ملك أُمَّتي ما زُوِيَ لي منها» يعني المشارق والمغارب التي رآها، لأنه لما قصَر رؤيته على المشارق والمغارب، كان كأنما زُوي له من الأرض ما رآه منها، وهذا ظاهر، فإنا نَعلم أن الأرض إذا زويت له فنظر إليها فإنه يبقى منها أماكن لا يراها، وهي ما كان من الجهة المقابلة لموضع نظره مما تحت الأرض، فيكون معنى قوله: «ما زُوي لي منها» أي: ما وقع نظري عليه منها، فيكون «من» للتبعيض حقيقة في هذا المكان، وهذا يقتضي أنَّ ملك الأُمَّة لا يستوعب الأرض جميعها، لأنه قصَر ملك أُمَّته على ما رآه منها، ويعضدُ ذلك: كون الحالة هكذا. (بَيْضَةُ الناس) : مجتمعهم ومعظمهم، وبيضَةُ البلد: وسطُه ومعظمه، ⦗٣١٩⦘ و «استباحهم» : جعلهم مُبَاحاً، يأخذهم أسراً وقتلاً، ويتصرُّف فيهم كيف شاء.
следующие страницы →