← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

٩١٩٠ - (خ) حذيفة بن اليمان ﵄ قال: «إنَّما كان النفاق على عهد رسولِ الله ﷺ فأما اليوم، فإنه هو الكفر بعد الإيمان (١) » . ⦗٥٧٢⦘ وفي أخرى: « [فإنما هو] الكفر، أو الإيمان» . وفي أخرى قال: «إن المنافقين اليوم هم شرٌّ منهم على عهد رسولِ الله ﷺ ، كانوا يومئذ يُسِرُّون، واليوم يجهرون» أخرجه البخاري (٢) .

стр. 9417

٩١٩١ - (م) قيس بن عباد ﵁ قال: «قلت لعمار: أرأيتم صَنِيعكمْ هذا الذي صَنَعْتمْ في أمرِ عليٍّ، أرأياً رأيتموه، أم شيئاً عهده إليكم رسولُ الله ﷺ ؟ فقال: مَا عَهِدَ إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن أخبرني حذيفة أن رسول الله ﷺ : أعلمه اثني عشر مُنَافِقاً، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط، وأربعةٌ لم أحفظ ما قال [شُعبة] فيهم» . وفي رواية: «ثمانية [منهم] تكفيكهم الدُّبَيلة - سراج من النار يظهر في أكتافهم- حتى يَنْجُمَ في صُدُورهِم» أخرجه مسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ينجُم) نجم الشيء ينجم بالضم، نجوماً: ظهر وطلع.

стр. 9418

٩١٩٢ - (م) أبو الطفيل ﵁ قال: «كان بين رجل من ⦗٥٧٣⦘ أهل العقَبة وبين حذيفة بعضُ ما يكون بين الناس، فقال: أنشُدُكَ الله، كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سَأَلَكَ، فقال: كُنَّا نُخْبَر أنهم أربعة عشر، فإن كنتَ منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشْهدُ بالله أن اثني عشر منهم حَرْبٌ لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وعذَر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا مُنَادِيَ رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حَرَّةٍ، فمشى، فقال: إن الماء قليل، فلا يَسْبِقْني إليه أحد، فَوَجَدَ قوماً قد سبقوه، فلعنهم يومئذ» أخرجه مسلم (١) . قد يظن بعض من لا علم عنده، أن أصحاب العقبة المذكورين في هذا الحديث: هم أصحابُ العقبة الذين بايَعوا النبيَّ ﷺ في أول الإسلام، وحاشاهم من ذلك، إنما هؤلاء قوم عَرَضُوا لرسولِ الله ﷺ في عقبة صَعِدَها لما قَفَلَ مِنْ غَزوة تبوك، وقد كان أمر منادياً، فنادى «لا يَطْلُع العقبةَ أحدٌ» فلما أخذها النبيُّ ﷺ عَرَضُوا له وهم مُتلَثِّمُونَ، لِئَلا يُعْرَفوا، أرادوا به سوءاً، فلم يُقدرهم الله تعالى. [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الحَرَّة) : الأرض التي يكون فيها حِجارة سود.

стр. 9419

٩١٩٣ - (خ) عائشة ﵂ قالت: قال النبيُّ ﷺ : ⦗٥٧٤⦘ «ما أظن فلاناً وفلاناً يَعرِفَانِ من دِيننا شيئاً» . قال الليث: كانا رجلين من المنافقين. وفي رواية قالت: «دخل النبيُّ ﷺ يوماً، وقال: يا عائشة، ما أظن فلاناً وفلاناً يَعْرِفان دِيننا الذي نحن عليه» أخرجه البخاري (١) .

стр. 9420

٩١٩٤ - (م) سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «عُدنا مع رسول الله ﷺ رَجُلاً مَوْعُوكاً، قال: فوضعتُ يدي عليه، فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجُلاً أشدَّ حََرّاً، فقال رسولُ الله ﷺ : ألا أخبركم بأشدَّ حَرّاً منه يوم القيامة؟ هَذَيْنَكِ الرجلين [الراكبين] المقفِّيَيْن- لرجلين حينئذ من أصحابه (١) » أخرجه مسلم (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الوعك) : الحُمَّى، وقيل: ألمها، والمراد به المرض. (رجل مُقَفٍّ) : إذا ولَاّك ظهره وقفاه ذاهباً.

стр. 9421

٩١٩٥ - (خ) الأسود [بن يزيد النخعي] قال: «كُنَّا في حلقة عبد الله بن مسعود، فجاء حذيفة، حتى قام علينا، فسلَّم، ثم قال: لقد أُنزل ⦗٥٧٥⦘ النفاق على قوم خيرٍ منكم، فقلنا: سبحان الله! فإن الله يقول: ﴿إنَّ المنافقينَ في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبسَّم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله وتفرّق أصحابه، فرماني بالحصباء، فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكه، وقد علم ما قلتُ، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم، ثم تابوا فتاب الله عليهم» . أخرجه البخاري (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الدرك الأسفل) : الطبق الأسفل من النار، والنار دَرَكاتٌ، لأنها مطبقة بعضها فوق بعض. (لقد أُنزِل النفاق على قوم خير منكم، ثم تابوا، فتاب الله عليهم) مقصوده أن جماعة من المنافقين صَلُحوا واستقاموا، وكانوا خيراً من أولئك التابعين الذين كان يخاطبهم، لمكان الصحبة والصلاح، فممن كان منافقاً وصلح أمره واستقام: مُجَمِّع، ويزيد، ابنا جارية ابن عامر، فكأنه أشار بالحديث إلى تقلُّب القلوب.

стр. 9422

٩١٩٦ - (خ) ابن أبي مليكة قال: «أدركتُ ثلاثين من أصحاب رسولِ الله ﷺ قد شهدوا بَدْراً، كُلُّهم يخاف النفاق على نفسه، ولا يأمن ⦗٥٧٦⦘ المَكر على دِينه، ما منهم من أحد يقول: إنّه على إيمان جبريل وميكائيل» . أخرجه البخاري في ترجمة باب (١) .

стр. 9423

الكتاب الثامن: في النجوم ٩١٩٧ - (د) عبد الله بن عباس ﵄ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنِ اقْتَبَسَ باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السّحر، المنجّم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» . وفي رواية: «مَنِ اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» أخرج أبو داود الثانية (١) ، والأولى ذكرها رزين.

стр. 9424

٩١٩٨ - (خ م ط د س) زيد بن خالد ﵁ قال: «صَلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أَقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ⦗٥٧٧⦘ ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرْنَا بِنَوءِ كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب» . أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود. وفي رواية النسائي قال: «مُطِرَ الناسُ على عهد رسولِ الله ﷺ فقال: أَلم تسمعوا ما قال ربُّكم الليلة؟ قال: ما أَنْعَمْتُ على عبادي من نعمة إلا أصْبَحَ طائفةٌ منهم بها كافرين، يقولون: مُطِرْنَا بِنَوءِ كذا ونَوْءِ كذا، فأما من آمن بي وحَمِدَني على سُقْيَاي: فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنَوء كذا وكذا، فذلك الذي كفر بي وآمن بالكوكب» (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (إثر سماء) السماء هاهنا: المطر، سُمِّي بذلك، لأنه ينزل من السماء. (النَّوْء) : واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كلَّ ليلة في منزلةٍ منها، ويسقط في الغرب كلَّ ثلاث عشرة ليلة منزلةً مع طلوع ⦗٥٧٨⦘ الفجر، وتطلع أخرى مقابِلَها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع رقيبها: يكون مَطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: «مُطِرْنا بِنَوءِ كذا» وإنما سُمِّي نؤءاً، لأنه إذا سقط الساقط مها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءاً، أي: نهض وطلع، وقيل: إن «النوء» هو الغروب، فهو من الأضداد، قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وإنما غلّظ النبيُّ ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى، وأراد بقوله: «مُطِرْنا بنوء كذا» أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز، فقد قيل: «إن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يستسقي، فنادى بالعباس بن عبد المطلب: كم بقي من نَوْء الثريا؟ فقال: إنَّ العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً بعد وقوعها» فما مضت تلك السبع حتى غِيْثَ الناس، وأراد عمر: كم بقي من الوقت الذي قد جَرَتِ العادة أنه إذا تمَّ أتى الله بالمطر، وأما قوله: «كافر بي» فيحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الإيمان، و [يحتمل] أنه أراد به الكفر الذي هو ضدّ الشرك، يعني أنه كَفَر نعمةَ الله، حيث نسبها إلى غيره. وعلم النجوم المنهي عنه: هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع وستجيء في المستقبل، وأنهم يدركون معرفتها بِتَسْيِير ⦗٥٧٩⦘ الكواكب، وانتقالاتها واجتماعها وافتراقها، وأن لها تأثيراً اختيارياً في العالم، فأما من يعرف من النجوم لمعرفة الأوقات، والاهتداء بها في الطرقات، ومعرفة القبلة، وأشباه ذلك، فليس به بأس.

стр. 9425

٩١٩٩ - (م س) أبو هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ألم تَرَوْا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكبُ، وبالكوكب» . وفي رواية: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، يُنْزِلُ الله الغيثَ، فيقولون: الكوكبُ كذا وكذا» أخرجه مسلم. وفي رواية النسائي، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «قال الله : ما أنعَمْتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكبُ، وبالكوكب» (١) .

стр. 9426

٩٢٠٠ - (س) أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لو أَمْسَكَ الله القَطْر عن عباده خمس سنين (١) ، ثم أرسله، لأَصْبَحَتْ طائفةٌ من الناس كافرين، يقولون: سُقِينا بِنَوءِ المِجْدَح» . ⦗٥٨٠⦘ أخرجه النسائي (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (المِجْدَح) بكسر الميم: نجم يقال له: «الدَّبَران» ، وبعضهم يضم الميم.

стр. 9427

٩٢٠١ - (ط) أبو هريرة ﵁ أنه كان يقول - إذا أصبح وقد مُطِرَ الناس -: «مُطِرْنَا بنَوءِ الفتح، ثم يتلو هذه الآية ﴿ما يفتحِ اللهُ للناسِ من رحمة فلا مُمْسِكَ لها﴾ [فاطر: ٢] » أخرجه الموطأ (١) .

стр. 9428

٩٢٠٢ - () قتادة [بن دعامة] قال: «خلق الله هذه النجوم لثلاث، جعلها الله زِينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات نهتدي بها، فمن تأوَّل فيها غير هذا، فقد أخطأ حظَّه، وأضاع نصيبه، وتكلّف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة، صلوات الله عليهم أجمعين» . وعن الربيع مثله، وزاد: والله ما جعل الله في نجم حياةَ أحد ولا رِزقَهُ ولا موتَه، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعلَّلون بالنجوم. أخرجه ... (١) . ⦗٥٨١⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الرُّجوم) جمع رَجْم، وهو مصدر سُمِّي به ما يرجَم به، ومعنى كونها رجوماً لهم: أن الشهب التي تنقضُّ لرمي الشياطين، منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها ثابتة في الفَلَك على حالها، وما ذاك إلا كقَبسٍ يؤخذ من نار، والنار ثابتة في مكانها، وقيل: أراد بالرجوم: الظنون التي تُظَنُّ وتُحزَر، وما يعانيه المنجِّمون من الظنون والحكم على النجوم، وإيّاهم أراد بالشياطين، فإنهم شياطين الإنس، ولذلك جاء في متن أحد الأحاديث: «مَنِ اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» فجعل المنجِّم الذي يتعلَّم النجوم للحكم بها وعليها، وينسب التأثيرات من السعادة وغيرها إليها كافراً، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العصمة في القول والعمل.

стр. 9429

ترجمة الأبواب التي أولها نون، ولم تَرِد في حرف النون (النهي عن المنكر) في كتاب الأمر بالمعروف من حرف الهمزة. (النَّفَل) في كتاب الجهاد من حرف الجيم. (نتف الشيب) في كتاب الزينة من حرف الزاي. (النقوش) في كتاب الزينة من حرف الزاي. (النبيذ) في كتاب الشراب من حرف الشين. (النصر) في كتاب الصحبة من حرف الصاد. (النميمة) في كتاب الغيبة من حرف الغين. (النوائب) في كتاب الفضائل من حرف الفاء. (النفخ والنشور) في كتاب القيامة من حرف القاف. (النار) في كتاب القيامة من حرف القاف. (النوح) في كتاب الموت من حرف الميم.

стр. 9430

حرف الهاء (١) ويشتمل على ثلاثة كتب كتاب الهجرة، كتاب الهدية، كتاب الهبة الكتاب الأول: في ذكر الهجرتين ٩٢٠٣ - (خ) عائشة ﵂ قالت: «لَمْ أَعْقِلْ أبوَيَّ قَطُّ إلا وهما يدينان الدِّينَ، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله ﷺ طَرَفَي النهار، بُكْرَةً وعَشِيّةً، فلما ابْتُليَ المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغَ بَرْكَ الغِماد، لَقِيَهُ ابنُ الدُّغُنَّة (٢) - وهو سيد القارَة - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، وأريد أن أَسِيحَ في الأرض فأعبدَ ربي، فقال ابن الدُّغُنَّة: فإن مِثْلَكَ يا أبا بكر لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكْسِبُ المعدُومَ، وتَصِلُ الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع فاعْبُدْ رَبّك ببلدك، فرجع، ⦗٥٨٤⦘ وارتحَلَ معه ابنُ الدُّغُنَّة، فطاف ابن الدُّغُنَّة [عَشِيَّةً] في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخْرُجُ مثلُه [ولا يُخْرَج] أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يكْسِب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلّ، ويَقْري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تُكَذِّب قريش بجوار ابن الدُّغُنَّة - وفي رواية: فأنفذت قريش جوار ابنِ الدُّغُنَّة - وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدُّغُنَّة: مُرْ أبا بكر فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في داره، وليُصَلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يَسْتَعْلِنْ به، فإنا نخشى أَن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغُنَّة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يَعْبُدُ ربه في داره، ولا يَسْتَعْلِن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بَدَا لأبي بكر، فابتَنَى مسجداً بفناء داره، وكان يصلِّي فيه [ويقرأ القرآن] ، فيتَقَصَّفُ (٣) عليه نساء المشركين وأبناؤهم [وهم] يُعجَبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجُلاً بَكَّاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابنِ الدُّغُنَّة، فقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنَّا كُنَّا أَجَرْنا أبا بكر بجوارك على أن يعبدَ ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره، فأَعْلَنَ بالصلاة والقراءة فيه، وإنَّا قد خشينا أن يَفْتِنَ نساءنا وأبناءنا، فانْهَهُ (٤) ، فإن أحبَّ أن يقتصِر على أن يعبدَ ربه في داره فَعَل، وإن أبى إلا أن يُعلِنَ بذلك، فَسَلْهُ أن يَرُدَّ إليك ذِمَّتَك، فإنا قد كَرِهْنا أن نُخْفِرَك، ولَسْنا مُقِرِّين لأبي بكر الاستعلانَ، قالت عائشة: فأتى ابنُ ⦗٥٨٥⦘ الدُّغُنَّة إِلى أبي بكر، فقال: قد عَلِمْتَ الذي عاقَدْتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترْجِعَ إِليَّ ذِمَّتي، فإني لا أُحِبُّ أن تسمعَ العربُ أني قد أُخْفِرْتُ ذِمَّتي في رجلٍ عَقَدْتُ له، فقال له أبو بكر: فإني أردُّ إليك جِوَارَك، وأرضى بجوار الله - والنبيُّ ﷺ يومئذ بمكة - فقال النبيُّ ﷺ للمسلمين: إني أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم، سَبَخَةً ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَيْن - وهما الْحَرَّتَان - فهاجَرَ مَنْ هاجَر قِبَلَ المدينة، ورجع عامَّةُ مَنْ كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتَجَهَّزَ أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسولُ الله ﷺ : [على رِسْلِكَ] فإني أرجو أن يُؤذَنَ لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحَبَس أبو بكر نَفْسَه على رسولِ الله ﷺ [ليصحبه] وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانتا عنده مِنْ وَرَق السَّمُر - وهو الخَبَط - أربعة أشهر» . قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: «فبينا نحن يوماً جُلُوسٌ في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظَّهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسولُ الله ﷺ مُتَقَنِّعاً، في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فِداً له أبي وأُمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أَمرٌ، قالت: فجاء رسولُ الله ﷺ فاستأذَن، فأذِن له، فدخل، فقال النبيُّ ﷺ لأبي بكر: أَخْرِج مَنْ عِندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسولَ الله - قال: فإني قد أُذِنَ لي في الخروج، قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنتَ يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ﷺ : نعم، قال أبو بكر: فَخُذْ - بأبي أنت يا رسولَ الله ⦗٥٨٦⦘ إحدى راحلَتَيَّ هاتين، فقال رسولُ الله ﷺ : بالثمن، قالت [عائشة] : فجهَّزنا [هما] أَحَثَّ الجَهاز، ووضعنا لهما سُفْرَةً في جِرَاب، فقطَعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قِطْعَةً من نِطاقها، فَرَبَطَتْ به على فَمِ الجرابِ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتَ النِّطاق (٥) ، قالت: ثم لَحِقَ رسول الله ﷺ وأبو بكر بِغَارٍ في جبل ثَور، فكَمَنَا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِن، يَدَّلج من عندهما بسَحَر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يُكادان به إلا وَعَاهُ، حتى يأتيَهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعَى عليهما عامر بن فُهَيرة - مولى أبي بكر - مِنْحَةً من غَنم، فيُريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العِشاء، فيبيتان في رِسْلٍ - وهو [لَبَنُ] منحتِهما ورضيفُهما - حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهيرة بِغَلَس، يفعل ذلك [في] كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسولُ الله ﷺ وأبو بكر رَجُلاً مِنْ بني الدِّيل - وهو من بني عبد بن عديّ - هادِياً خِرِّيتاً - والخِرِّيت: الماهرُ بالهداية - قد غَمَسَ حِلْفاً في آل العاص بن وائل السَّهمي، وهو على دِين كُفَّار قريش، فأمِنَاه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غارَ ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فأتاهما صُبح ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل الدِّيلْي، فأخذ بهم طَرِيقَ السواحل» وفي رواية «طريق السَّاحل» . قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدْلِجِيُّ - وهو ابن ⦗٥٨٧⦘ أخي سُراقة بن جُعْشُم - أن أباه أخبره: أنه سمع سُرَاقة بن جُعْشُمٍ يقول: «جاءنا رُسُل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دِيةَ كُلِّ واحد منهما من قتله أو أسره، فبينا أنا جالسٌ في مجلس قومي بني مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سُرَاقة، إني قد رأيتُ آنفاً أسْوِدَةً بالسّاحل، أُراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفتُ أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيتَ فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا، [يبتغون ضالَّةً لهم] ، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قُمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أَكَمَة، فتحبسها عليَّ، وأخَذْتُ رُمْحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجّهِ الأرض، وخفَضْتُ عاليَه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقْرِّب بي، حتى دنوتُ منهم، فعَثَرتْ بي فرسي، فَخَرَرْتُ عنها، فقمت فأهويتُ بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ منها الأزلام، فاستقسمتُ بها: أضُرُّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرِّب بي، حتى [إذا] سمعتُ قراءةَ رسولِ الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثِر الالتفات: ساخَتْ يَدَا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زَجَرتها فَنَهضَتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يَدَيْهَا عُثَان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في ⦗٥٨٨⦘ نفسي - حين لقيتُ ما لقيتُ مِنَ الحبس عنهم - أن سَيَظْهَرَ أمْرُ رسولِ الله ﷺ فقلت له: إنَّ قومَكَ قد جعلوا فيك الدِّيَةَ - وأخبرتُهم أخبار ما يريد الناس بهم - وعَرضْتُ عليهم الزادَ والمتاع، فلم يَرْزَآني شيئاً، ولم يسألاني، إلا أن قال: أخْفِ عَنّا ما استطعتَ، فسأَلته أن يكتبَ لي كتابَ أمْنٍ، فأمر عامرَ بن فُهَيرة، فكتب لي في رُقعةٍ من أدَم، ومضى رسولُ الله ﷺ » . قال ابن شهاب: فأخبرني عروةُ بن الزبير: أنَّ رسولَ الله ﷺ لَقِيَ الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافِلِينَ من الشام، فكسا الزبيرُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر ثيابَ بياضٍ، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرَج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يَغْدُون كل غَداة إلى الْحَرَّة فينتظرونه، حتى يردَّهم حَرُّ الظَّهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالُوا انتظارهم، فلما آوَوْا إلى بيوتهم أوفَى رَجُلٌ من يهود على أُطُمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فَبَصُرَ برسولِ الله ﷺ وأصحابه مِبيَّضين، يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فَتلَقَّوْا رسولَ الله ﷺ بظهر الحرّة، فَعَدَل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسولُ الله ﷺ صامِتاً، فَطَفِقَ مَنْ جاء من الأنصار مِمَّن لم يَرَ رسولَ الله ﷺ يُحيِّي أبا بكر حتى ⦗٥٨٩⦘ أصابت الشمسُ رسولَ الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظَلَّلَ عليه بردائه، فعرفَ الناس رسول الله ﷺ عند ذلك، فَلَبِثَ رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضعَ عشرةَ ليلة، وأسْسَ المسجدَ الذي أُسِّسَ على التقوى، وصَلَّى فيه رسولُ الله ﷺ ثم ركِبَ راحِلتَهُ فسارَ يمشي معه الناسُ، حتى بَرَكَتْ عند مسجدِ الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يُصَلِّي فيه يومئذ رِجَالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتمر، لِسَهْل وسُهَيْل - غلامين يتيمين في حَجْرِ أسْعَدَ بن زُرارة - فقال رسولُ الله ﷺ حين بَرَكَتْ راحِلَتُهُ: هذا إن شاء الله المنزلُ، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمِرْبد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نَهَبُه لك يا رسولَ الله، [فأبى رسولُ الله ﷺ أن يقبلَه منهما هِبَةً حتى ابتاعه منهما] ثم بناه مسجداً، وطفق [رسولُ الله] ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللَّبِن: هذا الحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هذا أَبَرُّ ربَّنا وأطهر ويقول: اللهمَّ إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرةْ ... فارحم الأنصارَ والمهاجرةْ فتمثَّل بِشِعْرِ رجل من المهاجرين، لم يسمَّ لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أنَّ رسول الله ﷺ تمثَّل ببيت شعر تامٍّ غيرِ هذه الأبيات. أخرجه بطوله البخاري. ⦗٥٩٠⦘ وأخرج أيضاً منه طرفاً، أوله قال: «هاجَرَ إِلى الحبشة نفرٌ من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجراً، فقال النبيُّ ﷺ : على رِسْلِك، فإني أرجو أن يُؤذَن لي، فقال أبو بكر: أوَ ترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسولِ الله ﷺ » وذكر نحواً مما قَدَّمنا إلى قوله: «واستأجر رسولُ الله ﷺ وأبو بكر رَجُلاً من بني الدِّيْل» . وأخرج منه طرفاً آخر، قالت: «استأذن النبيَّ ﷺ أبو بكر في الخروج حين اشتدّ عليه الأذى، فقال له: أقِمْ، فقال: يا رسول الله، أتطمع في أن يؤذَنَ لكَ؟ فكان [رسولُ الله ﷺ ] يقول: إني لأرجو ذلك، قالت: فانتظره أبو بكر، فأتاه رسول الله ﷺ ذات يومٍ ظُهْراً، [فناداه] فقال له: أخرِجْ مَنْ عندك، قال أبو بكر: إنما هما ابنتاي، فقال: أشعَرْتَ أنه قد أُذِنَ لي في الخروج؟ فقال: يا رسولَ الله الصُّحْبة، فقال النبيُّ ﷺ : الصحبة، فقال: يا رسولَ الله عندي ناقتان، [قد] كنت أعددتهما للخروج، فأعطَى النبيَّ ﷺ إحداهما، وهي الْجَدْعاء، فركبا فانطلقا، حتى أتيا الغار - وهو بثور - فتواريا فيه، وكان عامر بن فُهيرة غلاماً لعبد الله بن الطفيل بن سَخْبرة، أخو عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر مِنْحةٌ، فكان يَرُوحُ بها ويغدو عليهم، ويصبح فيدَّلج إليهما، ثم يَسرَحُ، فلا يفطن له أحدٌ من الرِّعاء، فلما خرجا خرج معهما يُعقبانه، حتى قدما المدينة، فقُتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة. ⦗٥٩١⦘ قال هشام: فأخبرني أبي قال: لما قُتل الذين ببئر معونة، وأُسِرَ عمرو بن أميةَ الضَّمْري، قال له عامرُ بنُ الطفيل: مَنْ هذا؟ - وأشار إلى قتيل - فقال له عمرو بن أمية: هذا عامرُ بن فُهَيرة، فقال: لقد رأيتُه بَعدَ ما قُتِلَ رُفِعَ إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وُضع، فأتى النبيَّ ﷺ خبرُهم فنعاهم، فقال: إنَّ أصحابكم قد أُصِيبوا، وإنهم قد سألوا ربَّهم، فقالوا: [ربَّنا] أَخبِرْ عنّا إخوانَنا بما رضينا عنك، ورضيتَ عنا، فأخبرهم عنهم، وأُصيب فيهم يومئذ عروةُ بن أسماء بن الصلت، ومنذر بن عمرو» . وفي أخرى قالت: «لَقَلَّ يومٌ كان يأتي على النبيِّ ﷺ إلا يأتي فيه بَيْتَ أبي بكر أحدَ طَرَفي النهار، فلما أُذِنَ له في الخروج إلى المدينة، لم يَرُعنا إلا وقد أتانا ظهراً، فَخُبِّر به أبو بكر، فقال: ما جاء النبيُّ ﷺ في هذه الساعة إلا من حَدَثٍ، فلما دخل عليه قال لأبي بكر: أخْرِجْ مَنْ عندك، قال: إنما هما ابنتاي: عائشةُ وأسماء، قال: أشعَرتَ أنه قد أُذِنَ لي في الخروج؟ قال: الصحبةَ يا رسولَ الله، قال: الصحبةَ، يا رسولَ الله، إن عندي نَاقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما، قال: قد أخذتُها بالثمن» (٦) . ⦗٥٩٢⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الدِّين) : الطاعة. (بَرك الغِماد) بفتح الباء وكسر الغين، ويروى بضمها: اسم موضع بينه وبين مكة خمسُ ليالٍ مما يلي ساحل البحر، وقيل: هو بلد يمان. (القارَة) [بتخفيف الراء] : قبيلة، سُمِّي أبوهم بذلك حيث قال: دَعَوْنا قارَةً، لا تُنفِرونا ... فنُجفِلَ مثلَ إجفالِ الظليم (تَكسب المعدوم) فيه قولان، أحدهما: أنه لسعده وحَظَّه من الدنيا لا يتعذَّر عليه كسبُ كُلَّ شيءٍ معدوم متعذِّر على سواه، والثاني: أنه لا يُملِّك الشيءَ المعدوم المتعذِّرَ مَنْ لا يقدِر عليه، فهو يصف إحسانه وكرمه وعموم فضله، يقال: كَسَبْتُ مالاً، وكَسَبْت فلاناً مالاً، وأَكْسَبتُه مالاً، و «الكَلّ» ما يثقل حمله، من صلات الأرحام، والقيام بالعيال، وقِرَى الأضياف، ونحو ذلك، ولهذا قرن هذه الأشياء بقوله: «تَكسب المعدوم» والقول الثاني من القولين هو القول، إذ به يحصل الفضل، لا بالأول. (نوائب الحق) النوائب: ما ينوب الإنسان من المغارم، وقضاء الحقوق لمن يقصده ويُؤمِّله. ⦗٥٩٣⦘ (فأنا لك جارٌ) أي: حامٍ وناصرٌ ومُدَافِع. (ولا يستعلن به) : الاستعلان والإعلان: الإظهار. (تقصَّف) الناس عليه، أي: ازدحموا. (الذِّمَّة) : العَهْدُ والأمان. (أخفرتُ الرجل) : إذا نَقَضْتَ عهدَه. (سبخة) : السَّبخ من الأرض: الموضع الذي لا يكاد يُنبت لمُلوحته، وقلَّما يوافق إلا للنخيل. (اللَاّبة) : الحَرَّة، والحرَّة: الأرض ذات الحجارة السود. (على رِسْلك) بكسر الراء: على هِينَتِك. (الراحلة) : البعير القويُّ على الأحمال والسَّيْر. (الظهيرة) : أشدُّ الحرّ، و «نحرُها» : أوائلها. (النِّطاق) : أن تشدَّ المرأة وسطها بحبل أو نحوه، وترفعَ ثوبها من تحته، فتعطفَ طرفاً من أعلاه على أسفله، لئلا ينال الأرض. (ثَقِف) : ثَقُفَ الرجل ثقافةً، أي صار حاذقاً خفيفاً، فهو ثَقْف، مثال ضَخُم، فهو ضَخْم، وثَقِف أيضاً فهو ثَقِف، وثَقُفٌ، مثل حَذِرٍ وحَذُر، أي: صار حاذقاً فطناً، ويقال: ثقفت فلاناً في الحرب: إذا لقيته قائماً به، ملائماً له، والمراد: أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. ⦗٥٩٤⦘ (لَقِنٌ) اللَّقِنُ: سريع الفهم. (أدلج) يدلج: إذا سار من أول الليل، وادّلج يدّلج - بتشديد الدال -: إذا سار من آخره. (كدت) الرجل أكيده: إذا طلبتَ له الغوائل ومكرتَ به. (مِنحة) الأصل في المنحة: أن يجعل الرجل لبن ناقته أو شاتِه لآخر وقتاً ما، ثم يقع ذلك في كل ما يرزقه المرء ويعطاه، والمنحة والمنيحة واحد، يقال: «ناقة منوح» : إذا بقي لبنها بعدما تذهب ألبان الإبل، فكأنَّها أعطت أصحابها اللبن، ومنحتهم إياه. (فيريحها) الرَّواح: ذَهاب العشيِّ، وهو من زوال الشمس إلى الليل. (في رِسْلٍ) الرِّسل، بكسر الراء وسكون السين: اللَّبَن. (الرضيف) : اللبن المرضوف، وهو الذي جعل فيه الرضفة، وهي الحجارة المحماة. (نعق الراعي بالغنم) أصل النعيق للغنم، يقال: نعق الراعي بالغنم: إذا دعاها لترجع إليه. (بغلس) الغلس: ظلام آخر الليل. (غمس) فلان حِلْفاً في آل فلان، أي: أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم، والحِلْف: التحالف. ⦗٥٩٥⦘ (أسودة) : جمع سواد، وهو الشخص. (الأكمة) : الرَّابية المرتفعة عن الأرض من جميع جوانبها. (قَرَّبَ) الفرسُ يُقرِّب تقريباً: إذا عَدَا عَدْواً دون الإسراع، وله تقريبان أدنى وأعلى. (الكنانة) : كالخريطة المستطيلة من جلود تجعل فيها السهام، وهي الجعبة. (الأزلام) : القداح، واحدها: زُلَم، وزَلَم - بفتح الزاي وضمها، وفتح اللام فيهما - و «القِدْحُ» : السهم الذي لا نَصْل له ولا ريش، وكان لهم في الجاهلية هذه الأزلام، مكتوب عليها الأمر والنهي، وكان الرجل منهم يَضَعُها في كنانته أو في وعائه، ثم يُخرج منها عند عزيمته على أمر ما اتفق له من غير قصد، فإن خرج الآمِرُ مضى على عزمه، وإن خرج الناهي انصرف. (الاستقسام) أصل الاستقسام: طلب ما قسم الله له من الأقسام، و «القَسْم» : النصيب المغيب عنه عند طلبه، وذلك محمود إذا طلب من جهته [سبحانه] ، وكان أهل الجاهلية يطلبون ما غيب عنهم من ذلك من جهة الأزلام، فما دَلَّتهم عليه فعلوه. (ساخت) قوائم الدابة في الأرض: غاصت فيها. (عُثنان) العُثنان: الغبار، وأصله الدخان، وجمع عواثن، على غير قياس. (الساطع) : المرتفع في الجو منتشراً. ⦗٥٩٦⦘ (ما رزأت فلاناً شيئاً) أي: ما أصبت منه شيئاً، والمراد: أنهما لم يأخذا منه شيئاً. (قافلين) القافل: الراجع من سفره. (أوفَى) : أشرف واطَّلع. (آطامهم) الأُطُم: بِنَاءٌ مرتفع. (مبيِّضين) بكسر الياء، أي: هم ذوو ثياب بيض، ومنه المسوِّد بكسر الواو للابس السواد، ولذلك قيل لأصحاب الدعوة العباسية: المسوِّدة. (يزول بهم) زال بهم السراب، أي: ظهرت حركتهم فيه للعين. (المِربد) : البيدر الذي يوضع فيه التمر. (الحِمال) بكسر الحاء: من الحمل، والذي يحمل من خيبر هو التمر، ولعله عنى: أن هذا في الآخرة أفضل من ذلك ثواباً وأحسن عاقبة. (أعقبت) الرجل على راحلته: إذا رَكِبَ مرة وركبت أخرى، كأنه ركب عقيب ركوبك.

стр. 9431

٩٢٠٤ - (خ م) البراء بن عازب ﵁ قال: «جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى منه رَحْلاً، فقال لعازب: ابعث مَعِي ابنَكَ يحمله معي إلى منزلي، فقال لي أبي: احمله فحملته، وخرج أبي معه يَنتَقِد ثمنَه، فقال له أبي: يا أبا بكر كيف صنعتما ليلةَ سَرَيتَ مع رسولِ الله ﷺ ؟ قال: نعم، أسَرْيَنا ليلتنا كلَّها، حتى قام قائمُ الظَّهيرة، وخلا الطريق فلا يمرُّ فيه ⦗٥٩٧⦘ أحد، حتى رُفِعَتْ لنا صَخْرةٌ طويلة لها ظِلٌّ لم تأتِ عليه الشمس بعدُ، فنزلنا عندها، فأتيتُ الصخرةَ فسوَّيتُ بيديّ مكاناً ينام فيه رسولُ الله ﷺ في ظِلِّها، ثم بسطتُ عليه فَروَةً، ثم قلت: نَمْ يا رسولَ الله، وأنا أنفُضُ لك ما حولَك، فنام، وخرجتُ أنْفُضُ ما حوله، فإذا أنا بِراعٍ مقبلٍ بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة، فقلت: أفي غنمك لبَنٌ؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم فأخذ شاة، فقلت له: انْفُض الضَّرع من الشعر والتراب والقَذَى - قال: فرأيتُ البراءَ يضرب بيده على الأخرى ينفض - فحلب لي في قَعْبٍ معه كُثْبَةً من لبن، قال: ومعي إِداوة أَرتَوِي فيها للنبيِّ ﷺ ليشربَ منها ويتوضأ، قال: فأتيتُ النبيَّ ﷺ ، فشرب منها وتوضَّأ، وكرهتُ أن أوقِظَهُ من نومه، فوقفتُ قد استيقظ، - وفي رواية: فوافقته استيقظ - فصَبَبْتُ على اللَّبَنِ من الماء حتى برد أسفَلُهُ، فقلت: يا رسولَ الله، اشربْ من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيتُ، ثم قال: ألَمْ يأْنِ للرَّحيل؟ قلتُ: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما زالتِ الشمس، وأتبَعَنَا سُراقة بنُ مالك ونحن في جَلْدٍ من الأرض، فقلت: يا رسولَ الله، أُتِينا، فقال: لا تَحْزَنْ، إنَّ الله معنا، فدعا عليه رسولُ الله ﷺ ، فارتَطَمَتْ فَرَسُهُ إلى بطنها - أُري - فقال: إني قد علمتُ أنكما [قد] دعوتما عَلَيَّ، فادعوا لي، واللهُ لَكُمَا أن أُردَّ عنكما الطَلَبَ، فدعا رسولُ الله ﷺ الله، فنجا، فرجع ⦗٥٩٨⦘ لا يلقَى أحداً إلا قال: كُفِيتمْ ما هاهنا، فلا يلقى أحداً إلا ردَّه، [قال] : وَوَفَى لنا» . زاد في رواية: «أن سراقة قال: وهذه كِنانتي، فخذ سهماً منها، فإنك ستمرُّ على إبلِي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجَتَكَ، قال: لا حاجةَ لي في إبلك، فَقَدِمْنا المدينةَ ليلاً، فتنازعوا: أيُّهم ينزِل عليه [رسولُ الله] فقال: أنزِلُ على بني النجار أخوال عبد المطلب، أُكرِمهم بذلك، فَصَعِدَ الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخَدَم في الطرق، ينادون: يا محمد يا رسولَ الله، يا محمد يا رسولَ الله» . وفي رواية أخرى: «جاء محمد رسولُ الله» . زاد في أخرى: وقال البراء: «فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشةُ ابنَتُهُ مُضْطجِعَةٌ، قد أصابتها حُمَّى، فرأيتُ أباها يُقَبِّل خدَّها، ويقول: كيف أنتِ يا بُنَيَّة؟» . وفي أخرى زيادة: أن البراء قال: «قال أبو بكر - يعني لما خرج مع رسولِ الله ﷺ من مكة إلى المدينة - مَرَرْنَا براعٍ، وقد عَطِشَ رسولُ الله ﷺ قال أبو بكر الصِّدِّيق: فأخذتُ قَدَحاً فحلبت فيه لرسولِ الله ﷺ كُثْبَةً من لَبَنٍ، فأتيته بها، فشرب حتى رَضِيتُ» . ⦗٥٩٩⦘ هكذا وقع مَفْصُولاً من حديث الرَّحْل. أخرجه البخاري ومسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الرَّحْل) سرج البعير - وهو الكور - وقد يراد به القَتب والحداجة. (قائم الظهيرة) : أشد الحرِّ وسط النهار، وقائمها: وقت استواء الشمس في وسط السماء. (كُثبة) الكُثْبَة: القليل من اللبن. (أرتوي) فيها الماء، أي: أحمله للوضوء والشرب. (ألم يأنِ) : ألم يقرب ويجئ وقت الرواح. (الجَلد) : الأرض الغليظة الصلبة. (أُتينا) أُتِيَ الرجل، أي: قصد وطلب، والمراد: أنهم لحقونا وأدركونا. (فارتَطَمَتْ) ارتطمت في الوحل: إذا نشبت فيه ولم تكد تتخلص، وارتطم الرجل في أمره: إذا سُدّت عليه مذاهبه.

стр. 9432

٩٢٠٥ - (خ م ت) [أنس بن مالك الأنصاري ﵁ قال] : قال أبو بكر: «نظرتُ إلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا، ⦗٦٠٠⦘ فقلت: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قَدَمَيه أبْصَرَنَا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين اللهُ ثالثهما؟» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي (١) .

стр. 9433

٩٢٠٦ - (خ) أنس بن مالك ﵁ قال: «أقبَلَ رسول الله ﷺ إِلى المدينة وهو مُرْدِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعرَف، ورسولُ الله ﷺ شابٌّ لا يُعْرَفُ، فيلقى الرجلُ أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يَدَيكَ؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسِب الحاسب: إنما يعني به الطريق، وإنما يعني به سبيلَ الخير، فالتفت أبو بكر، فإذا هو بِفَارِسٍ قد لحقهم، فقال: يا رسولَ الله، هذا فارس قد لحقنا، فالتَفَتَ نبيُّ الله ﷺ ، فقال: اللهم اصرعْه، فصرعَتْهُ فَرَسُهُ، ثم قامت تُحَمْحِمُ، فقال: يا نبيَّ الله، مُرْنِي بما شئت، قال: تَقِفُ مكانك، لا تتركنَّ أحداً يلحق بنا، فكان أولَ النهار جاهداً على رسولِ الله ﷺ -وآخرَه مَسلَحَةً له، فنزل رسولُ الله ﷺ جانب الحَرَّة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا [إلى نبيِّ الله ﷺ وأبي بكر] ، فسلّموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين ⦗٦٠١⦘ مطاعين، فركب نبيُّ الله ﷺ وأبو بكر، وحَفُّوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبيُّ الله، جاء نبي الله، وأشرفوا ينظرون، ويقولون: [جاء نبيُّ الله] فأقبل يَسِيرُ حتى نزل [جانِبَ] دار أبي أيوب الأنصاري فإنه لَيُحَدِّث أهله، إذ سمع به عبدُ الله بن سَلام - وهو في نخل لأهله يخترف لهم - فعجِل أن يضع الذي يخترف لهم، فجاء وهي معه، فسمع من نبيِّ الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فقال رسولُ الله ﷺ : أيُّ بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيَّ الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: فانطلقْ، فهيِّئ لنا مَقيلاً، قال: قوما على بركة الله، فلما جاء رسولُ الله ﷺ جاء عبدُ الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسولُ الله، وأنك جئت بالحق، وقد عَلِمَتْ يهودُ أني سَيِّدُهم وابنُ سيِّدِهم، وأعلمُهم وابنُ أعلمِهم، فادْعُهم، فاسألهم عَنِّي قبل أن يعلموا أنِّي قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمتُ قالوا فِيَّ ما ليس فِيَّ، فأرسل إليهم رسولُ الله ﷺ [فأقبلوا فدخلوا عليه] فقال: يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسولُ الله حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسْلِمُوا، قالوا: ما نَعلَمُهُ - قالها ثلاث مرار - قال: فأيُّ رجلٍ فيكم ابنُ سَلام؟ قالوا: ذاك سيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وأعلمُنا وابنُ أعْلَمِنَا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله، ما كان ليْسلم - قالها ثلاث مرار، وردُّوا عليه - فقال: يا ابن سلام، ⦗٦٠٢⦘ اخرج عليهم، فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود، اتَّقُوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنهُ رسولُ الله جاء بحق، قالوا: كَذَبْتَ فأخْرَجَهُم رسولُ الله ﷺ » أخرجه البخاري (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (جاهداً) الجاهد: المبالغ الباذل غاية ما يقدر عليه. (مَسْلَحة) المسلَحة: قوم ذو سلاح، والمسلَحة أيضاً: كالثغر والمرقب: وهو الموضع الذي يقيم فيه قوم يحفظون من وراءهم من العَدُوّ، لئلا يهجموا عليهم، ويدخلوا إليهم، وهو بالأعجمية: اليَزَك. (الاخترافُ) : اجتناء الثمر من الشجر.

стр. 9434

٩٢٠٧ - (خ) البراء بن عازب ﵁ قال: «أول من قَدِمَ علينا من أصحاب رسول الله ﷺ : مُصعَب بنُ عُمَير، وابنُ أُمِّ مَكتوم، فجعلا يُقْرآننا القرآن، ثم جاء عَمَّار وبلالٌ وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب رسولِ الله ﷺ ، ثم قدم النبيُّ ﷺ فما رأيتُ أهلَ المدينة فَرِحُوا بشيء فرَحَهم به، حتى رأيت الولائد والصبيانَ يقولون: هذا رسولُ الله قد جاء، فما جاء حتى قرأ ﴿سَبِّح اسمَ ربِّك الأعلى﴾ في سُوَرٍ ⦗٦٠٣⦘ مثلها من المفصَّل» أخرجه البخاري (١) .

стр. 9435

٩٢٠٨ - (ت) جرير [بن عبد الله - رضي] الله عنه - أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى أوحى إِليَّ: أيَّ هؤلاء الثلاثة نزلْتَ، فهي دارُ هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قِنِّسرين» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9436

٩٢٠٩ - (خ م) أبو موسى [الأشعري]﵁ قال: «بلغَنا مَخْرَجُ رسول الله ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بُرْدة، والآخر: أبو رُهْم - إما قال: في بِضْعَةٍ وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رَجُلاً من قومي - قال: فركبنا سفينة، فألقَتْنَا سفينتُنا إلى النجاشيّ بالحبشة، فوافَقْنَا جعفرَ بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إنَّ رسولَ الله ﷺ بَعثَنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة [فأقيموا معنا] ، قال: فأقمنا معه حتى قَدِمْنا جميعاً، قال: فوافَيْنا رسولَ الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسْهَم لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمنْ شَهِدَ معه، إلا لأصحاب ⦗٦٠٤⦘ سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم، قال: فكان ناسٌ من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة، قال: فدخلتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْس - وهي ممن قَدِمَ معنا - على حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشيّ فيمن هاجر [إليه] ، فدخل عمرُ على حفصة، وأسماءُ عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: [من هذه؟ قالت: أسماءُ] بنتُ عُمَيْس، فقال عمر: آلحبشيةُ هذه؟ آلبَحريةُ هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسولِ الله ﷺ منكم، فغضبتْ، وقالت كلمة: يا عمر، كَلا والله، كنتم مع رسولِ الله ﷺ يُطعم جائعَكم، ويَعِظُ جاهلكم، وكنا في دار - أو أرض - البُعَداء البُغَضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وايْمُ الله لا أطعَمُ طعاماً، ولا أَشْرَب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله، ونحن كُنَّا نُؤذَى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسولِ الله ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذِبُ ولا أَزِيغ، ولا أَزِيد على ذلك، قال: فلما جاء النبيُّ ﷺ قالت: يا نبيَّ الله، إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسولُ الله ﷺ : ليس بأحقَّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرةٌ واحدة، ولكم أنتم - أهلَ السفينة – هجرتان. قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحابَ السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما مِنَ الدنيا شيء هُمْ به أفرحُ ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم رسولُ الله ﷺ . ⦗٦٠٥⦘ قال أبو بردة: فقالت لي أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنَّه ليستعيد هذا الحديث مِنِّي» أخرجه البخاري ومسلم (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (الزيغ) : الميل عن الحق والعدول عنه. (أرسالاً) أي: فرقاً فرقاً، وجماعة جماعة.

стр. 9437

٩٢١٠ - (س) كثير بن مرة ﵀ أنَّ أبا فاطمة حدَّثه أنه قال: « [يا رسولَ الله، حدَّثْني بعمل أستقيم عليه وأعملُه، قال] له رسولُ الله ﷺ : عليك بالهجرة، فإنه لا مِثل لها» أخرجه النسائي (١) .

стр. 9438

٩٢١١ - (س) عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعمر من المهاجرين؛ لأنهم هَجَرُوا دارَ المشركين وكان من الأنصار مهاجرون؛ لأن المدينة كانت دارَ شرك، فجاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ ليلةَ العقبة» أخرجه النسائي (١) .

стр. 9439

٩٢١٢ - (س) عبد الله بن السعدي ﵁ قال: «وفدنا على رسولِ الله ﷺ ، كُلُّنا يطلب حاجة، وكنتُ آخرَهم دُخولاً على رسولِ الله ﷺ ، فقلت: يا رسولَ الله، إني تركت مَنْ خلفي وهم يزعمون أنَّ الهجرة انقطعت، قال: لن تنقطعَ الهجرِةُ ما قُوتِلَ الكفّار» . أخرجه النسائي (١) .

стр. 9440

٩٢١٣ - (د) معاوية [بن أبي سفيان]﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبة، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها» أخرجه أبو داود (١) .

стр. 9441

٩٢١٤ - (س) يعلى بن أمية ﵁ قال: «جئتُ رسول الله ﷺ بأبي أمية يوم الفتح، فقلتُ: يا رسول الله، بايعْ أبي على الهجرة، فقال رسولُ الله ﷺ : أُبايعُهُ على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة» . أخرجه النسائي (١) .

стр. 9442

٩٢١٥ - (خ) مجاهد [بن جبر المكي]﵀ قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، فقال: «لا هِجْرةَ بعد الفتح - أو قال: بعد رسولِ الله ﷺ ولكن جِهادٌ ونِيَّة، فانطلقْ فاعْرِضْ نَفْسَك، فإن وجدتَ شيئاً وإلا رجعت» أخرجه البخاري (١) .

стр. 9443

٩٢١٦ - (خ م) عطاء بن أبي رباح ﵀ قال: «زُرْتُ عائشة مع عبيد بن عُمَير الليثيّ - وهي مجاورة بثَبير - فسألتها عن الهجرة؟ فقالت: لا هجرةَ اليوم؛ كان المؤمنون يفِرّ أحدُهم بدِينه إلى الله وإلى رسوله مخافةَ أَنْ يُفْتَن عنه، فأما اليوم: فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يَعْبُدُ ربَّهُ حيث شاء، ولكن جِهادٌ ونِيَّة» أخرجه البخاري ومسلم (١) .

стр. 9444

٩٢١٧ - (س) عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا هجرةَ بعد وفاةِ رسولِ الله ﷺ » أخرجه النسائي (١) .

стр. 9445

٩٢١٨ - (س) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ⦗٦٠٨⦘ قال رجل: «يا رسولَ الله، أيُّ الهجرة أفضل؟ قال: أن تَهْجُر ما كَرِه ربُّك وقال رسولُ الله ﷺ : الهِجرةُ هجرتان: هجرةُ الحاضِر، وهِجرةُ البادي، فأما البادي: فيجيب إذا دُعي، ويطيع إذا أُمِرَ، وأما الحاضر: فهو أعظمهما بليَّةً وأعظمها أجراً» أخرجه النسائي (١) .

стр. 9446

٩٢١٩ - (خ) أبو عثمان النهدي ﵀ قال: «سمعتُ ابنَ عمر يَغْضَبُ إذا قيل له: إنَّه هاجر قبل أبيه، قال ابن عمر: قَدِمْتُ أنا وعمر على النبي ﷺ المدينة، فوجدناه قائلاً، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر، فقال: اذهب فانظر: هل استيقظ؟ فوجدتُه قد استيقظ، فبايعته، ثم انطلقتُ إلى عمر، فجئنا نُهروِل، فبايعه، ثم بايعتُه» أخرجه البخاري (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (القائل) : الذي أقام وقت شدة الحرّ، إما في مكان أو بيت، لينكسر الحرّ ويخرج أو يسير.

стр. 9447

٩٢٢٠ - (خ) سهل بن سعد ﵄ قال: «ما عَدُّوا مِنْ مبعث رسولِ الله ﷺ ولا من وفاته، ما عَدُّوا إلا من مَقْدَمِه المدينة» . أخرجه البخاري (١) .

стр. 9448

الكتاب الثاني: في الهدية ٩٢٢١ - (ت) أبو هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «تهادَوْا، فإن الهديَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، ولا تَحْقِرَنّ جارةٌ لجارتها ولو شِقَّ فِرسِن شاة» هذا لفظ الترمذي (١) . وقد أخرج البخاري ومسلم الفصل الأخير عن أبي هريرة أيضاً، وهو مذكور في حفظ الجار من «كتاب الصحبة» من حرف الصاد (٢) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (وَحَر الصدر) بفتح الحاء: غِشُّه ووساوسه. (فِرْسِنُ الشاة) : ظِلفُها، وهو في الأصل اسم لخف البعير، فاستعير للشاة، وقال ابن السراج: النون زائدة.

стр. 9449

٩٢٢٢ - (خ د ت) عائشة ﵂ قالت: «كان رسولُ الله ⦗٦١٠⦘ ﷺ يَقْبَلُ الهديَّةَ، ويُثِيبُ عليها» أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (ويثيب) الإثابة: الجزاء على الشيء.

стр. 9450

٩٢٢٣ - (ت) أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لَو أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاع (١) لَقَبِلْتُ، ولو دُعِيتُ عليه لأَجَبْتُ» . أخرجه الترمذي (٢) .

стр. 9451

٩٢٢٤ - (ت) علي بن أبي طالب ﵁ قال: «إن كِسْرَى أهدى إلى رسولِ الله ﷺ هَدِيَّة، فقَبِلَ مِنه، وإن الملوك أهدَوْا إليه، فَقَبِلَ منهم» أخرجه الترمذي (١) .

стр. 9452

٩٢٢٥ - (د ت) عياض بن حمار ﵁ قال: «أَهْدَيتُ ⦗٦١١⦘ لرسولِ الله ﷺ ناقَة - أو هديَّة - فقال لي: أسلمتَ؟ قلت: لا، قال: فإني نُهِيتُ عن زَبْدِ المشركين» أخرجه أبو داود والترمذي (١) . [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (زَبْد) الزَّبْد بسكون الباء: الرِّفْد والعطاء، يقال: زَبَدتُ الرجل أزبِده زَبْداً: رَضخت له من مال. قال الخطابيُّ: وإنما ردَّ هديته لمعنيين، أحدهما: ليغيظه بردِّ هديته، فيمتعض من ذلك، فيحمله على الإسلام، والآخر: أنَّ للهبة موضعاً من القلب، وقد قال ﷺ : «تهادَوْا تحابُّوا» ولا يجوز عليه أن يميلَ بقلبه إلى مُشْرِك، فردَّ الهديّة قطعاً لسبب الميل، وليس ذلك مناقضاً لقبوله هدية النجاشيّ، فإنه ليس بمشرك، وإنما كان كتابياً.

стр. 9453

٩٢٢٦ - (د ت س) أبو هريرة ﵁ «أنَّ أعربياً أهدى إلى رسولِ الله ﷺ بَكْرَة، فعوّضه منها سِتَّ بكراتٍ فَتَسَخَّطَ، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ فلاناً أهدى ⦗٦١٢⦘ إليَّ بَكْرة، فعوَّضتُه منها سِتَّ بَكَرات، ويظلّ ساخِطاً، لقد هَمَمْتُ أن لا أقبل هديَّةً إلا من قُرَشِيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثَقَفيٍّ، أو دَوْسِيّ» . أخرجه الترمذي، وقال: في الحديث كلام أكثر من هذا، ولم يذكره الترمذي. وله في رواية أخرى قال: «أهدى رجل من بني فَزارةَ إلى النبيّ ﷺ ناقةً من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوَّضه منها بعض العِوَض، فتسخَّط، فسمعتُ رسولَ الله ﷺ [على المنبر] يقول: إنَّ رجالاً من العَرَبِ يهدِي أحدُهم الهديَّةَ، فأعَوِّضُه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخّطه، فيظلّ يتسخّط به عليَّ، وايمُ الله لا أقبل [بعد مقامي هذا من رجل من العرب] هَدِيَّةً، إلا من قرشيٍّ أو أَنصاريٍّ أو ثَقَفيٍّ أو دوسيّ» . واختصره أبو داود، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «وايمُ الله لا أَقْبَلُ بعد يومي هذا من أحدٍ هديةً، إلا أن يكونَ مُهَاجِرِيّاً، أو قرشِيّاً، أو أنصاريّاً، أو دوسيّاً، أو ثقفيّاً» . وكذلك اختصره النسائي: أنّ نبيَّ الله ﷺ قال: «لقد هممت أن لا أقبلَ هديةً إلا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسيّ» (١) . ⦗٦١٣⦘ [شَرْحُ الْغَرِيبِ] (البَكْرَةُ) : الفَتِيَّةُ من النُّوق. و (القَلُوص) : النَّاقَة.

стр. 9454

٩٢٢٧ - (د) أنس بن مالك ﵁ قال: «إن ملك ذي يَزَنْ: أهدى إلى رسول الله ﷺ حُلَّةً حمراء، فقَبِلها واشترى له رسول الله ﷺ أيضاً ما أهدى إليه» (١) . وفي رواية «أن ملك ذي يَزَنْ أهدى إلى رسولِ الله ﷺ حُلَّةً أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً [أو ثلاث وثلاثين ناقة] فَقَبِلَها» . أخرج أبو داود الرواية الثانية (٢) .

стр. 9455

٩٢٢٨ - (د) إسحاق بن عبد الله بن الحارث ﵀ قال: «إن رسول الله ﷺ اشترى حُلَّةً ببِضْع وعشرين قَلُوصاً، فأهداها إلى ذي يزن» أخرجه أبو داود (١) .
следующие страницы →