Полный текст (1 559 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
المتكلم تلميذ إمام الحرمين، وصاحب التصانيف. وكان صوفيّاً زاهداً من أصحاب القشيريّ. روى الحديث عن أبي الحسن عبد الغافر الفارسيّ وجماعة. توفي في جمادى الآخرة.
وعبيد بن محمد بن عبيد أبو العلاء القشيريُّ التاجر مسند نيسابور. روى عن أبي حسّان المزكّي وعبد الرحمن النصرويّ وطائفة. ودخل المغرب للتجارة وحدّث هناك. توفي في شعبان وله خمسٌ وتسعون سنة.
سنة ثلاث عشرة وخمس مئة
فيها كانت وقعةٌ هائلةٌ بخراسان بين سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد. فانكسر محمود، ثم وقع الاتفاق وتزوّج بابنة سنجر.
وفيها اجتمع طغتكين صاحب دمشق وإيل غازي على حرب الفرنج.
فبرز صاحب أنطاكية في عشرين ألفاً فالتقوا بنواحي حلب، فانهزم الملعون واستبيح عسكره ولله الحمد.
وفيها كانت الفتنة بين صاحب مصر الآمر وأتابكه الأفضل ابن أمير الجيوش. وتمّت لهما خطوبٌ، ودسّ على الأمير من سمّه مراراً فلم يمكن.
وفيها ظهر قبر إبراهيم خليل الله ﵇ وإسحاق ويعقوب، ورآهم جماعةٌ لم تبل أجسادهم، وعندهم في تلك المغار قناديل من ذهبٍ وفضّة. قاله حمزة بن القلانسي في تاريخه.
وفيها توفي أبو الوفاء عليّ بن عقيل بن محمد بن عقيل البغداديُّ الظَّفريّ شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلِّف كتاب " الفنون " الذي يزيد
стр. 877
على أربع مئة مجلدّ. وكان إماماً مبرّزاً كثير العلوم خارق الذكاء مكبّاً على الاشتغال والتصنيف، عديم النظير. روى عن أبي محمد الجوهريّ، وتفقّه على القاضي أبي يعلى وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبّان.
قال السِّلفيّ: ما رأيت مثله، وما كان أحدٌ يقدر أن يتكلّم معه لغزارة علمه وبلاغة كلامه وقوّة حجّته. توفي في جمادى الأولى وله ثلاث وثمانون سنة.
وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغانُّي عليُّ ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن عليّ الحنفي، ولي القضاء بضعاً وعشرين سنة. وكان ذا حزمٍ ورأيٍ وسؤددٍ وهيبة وافرة وديانةٍ ظاهرة. روى عن أبي محمد الصَّريفيني وجماعة. وتفقّه على والده. توفي في المحرّم عن أربع وستين سنة.
وأبو الفضل بن الموازيني محمد بن الحسن بن الحسين السلميُّ الدمشقيّ العابد أخو أبي الحسن. روى عن أبي عبد الله بن سلوان وجماعة.
وأبو بكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن مبارز التركيُّ ثم البغداديُّ المحدث النحويّ، أحد الفضلاء. روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ بالأجرة، وفيه زهدٌ وورعٌ تام.
وخوروست أبو بكر محمّد بن عبد الله بن محمد بن الحسين الإصبهانيّ المجلِّد. روى عن أبي الحسين بن فاذشاه، وابن ريذة، توفي في جمادى الأولى
стр. 878
ومحمّد بن عبد الباقي، أبو عبد الله الدّوريُّ السمسار الصالح روى هن الجوهريّ وأبي طالب العشاريّ ومات في صفر عن تسع وسبعين سنة.
وأبو سعد المخرّميُّ المبارك بن عليّ الحنبليُّ. من كبار أئمة المذهب.
تفقّه على الشريف أبي جعفر بن أبي موسى. وروى عن القاضي أبي يعلى وجماعة، وأقرأ الفقه.
سنة أربع عشرة وخمس مئة
فيها خرجت الكرج والخزر فالتقاهم المسلمون في ثلاثين ألفاً عليهم دبيس بن صدقة وإيلغازي. فانكسر المسلمون وتبعهم الكفّار يأسرون ويقتلون، فيقال قتل أكثرهم. ونجا دبيس وطغريل أخو السلطان محمود. ثمّ نازلت الكرج تفليس وأخذوها بالسيّف بعد حصار سنة. ولا كشف عنها أحد وفيها كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود صاحب أذربيجان والموصل وله يومئذ إحدى عشرة سنة. فالتفوا عند عقبة أسد آباذ. فانهزم مسعود وأسر وزيره الطغرائي فقتل.
وفي هذا الوقت كان ظهور ابن تومرت بالمغرب.
وفيها توفي أبو عليّ بن بلّيمة الحسن بن خلف القيروانيُّ المقرئ مؤلف تلخيص العبارات من القراءات توفي في رجب بالأسكندرية. وهو في عشر التسعين. قرأ على جماعة منهم أبو العباس أحمد بن نفيس.
стр. 879
والطُّغرائي الوزير مؤيّد الدين أبو إسماعيل الحسين بن عليّ الإصبهانيّ، صاحب ديوان الإنشاء للسلطان محمد بن ملكشاه، واتصل بابنه مسعود، ثم أخذ الطغرائيُّ أسيراً وذبح بين يدي الملك محمود في ربيع ألأول،، وقد نيّف عل الستين. وكان من أفراد الدهر، وحامل لواء النظم والنثر.
وهو صاحب " لامية العجم ".
وأبو عليّ بن سكّرة، الحافظ الكبير حسين بن محمد بن فيرّه الصدفي السرقسطيُّ الأندلسيُّ. سمع من أبي العباس بن دلهاث وطائفة. وحجّ سنة إحدى وثمانين. فدخل على الحبّال. وسمع ببغداد من مالك البانياسيّ وطبقته.
وأخذ " التعليقة الكبرى " عن أبي بكر الشاشيّ المستظهريّ. وأخذ بدمشق عن الفقيه نصرٍ المقدسيّ. وردّ إلى بلاده بعلم جمّ. وبرع في الحديث وفنونه، وصنّف التصانيف وقد أكره على القضاء فولّيه، ثم اختفى حتى أعفي. واستشهد في مصافّ قتندة في ربيع الأول وهو من أبناء الستين وأصيب المسلمون يومئذ.
وأبو نصر عبد الرحيم بن الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ. وكان إماماً مناظراً مفسّراً أديباً علامة متكلّماً، وهو الذي كان أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة. ثم فتر أمره. وقد روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته. وآخر من روى عنه بسبطه أبو سعد بن الصفّار. توفي في جمادى الآخرة وهو في عشر الثمانين، وأصابه فالجٌ وهو في آخر عمره.
стр. 880
وأبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسيّ المريّي المقرئ، تلميذ عبد الله بن سهل. تصدّر للإقراء مدّة. وحدّث، عن ابن عبد البّر وجماعة. وفي روايته عن ابن عبد البر كلام. توفي في عشر التسعين.
وأبو الحسن بن الموازيني عليُّ بن الحسن السلميّ، أخو محمد. روى عن ابن سعدان، وابن عبد الرحمان بن أبي نصر وطائفة، وعاش أربعاً وثمانين سنة.
ومحمود بن إسماعيل أبو منصور الإصبهانيُّ الصيرفيُّ الأشقر، راوي " المعجم الكبير " عن ابن فاذشاه، عن مؤلفه الطبراني، وله ثلاث وتسعون سنة.
توفي في ذي القعدة.
قال السِّلفي: كان صالحاً.
سنة خمس عشرة وخمس مئة
فيها احترقت دار السلطنة ببغداد، وذهب ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها توفي أبو عليّ الحدّاد الحسن بن أحمد بن الحسن الإصبهانيُّ المقرئ المجوِّد مسند الوقت. توفي في ذي الحجة عن ست وتسعين سنة. وكان مع علّو إسناده أوسع أهل وقته روايةً. حمل الكثير عن أبي نعيم، وكان خيّراً صالحاً ثقة.
والأفضل أمير الجيوش شاهنشاه أبو القاسم ابن أمير الجيوش
стр. 881
بدر الجمالي الأرمنيّ. كان في الحقيقة هو صاحب الدار المصريّة. ولي بعد موت أبيه وامتدّت أيامه. وكان شهماً مهيباً بعيد الغور فحل الرأي. ولى وزارة السيّف والقلم للمستعلي، ثم للآمر. وكانا معه صورةً بلا معنى. وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنيّة، فمقتوه لذلك.
وكان مولده بعكّا سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. وخلّف من الأموال ما يستحى من ذكره. وثب عليه ثلاثةٌ من الباطنيّة فضربوه بالسكاكين فقتلوه.
وحمل بآخر رمق، وقيل إنّ الآمر دسّهم عليه بتدبير أبي عبد الله البطائحي الذي وزر بعده ولقِّب بالمأمون.
وأبو القاسم بن القطّاع السعدي الصقليّ صاحب اللغة. واسمه عليّ بن جعفر بن عليّ. ولد بصقليّة، وأخذ بها عن ابن عبد البرّ اللغويّ، وبرع في العربيّة، وصنّف التصانيف، ومات بها وله اثنتان وثمانون سنة. وفي روايته للصحاح مقال.
وأبو عليّ بن المهديّ محمد بن محمد بن عبد العزيز الخطيب. روى عن ابن غيلان والعتيقي وجماعة. وكان صدوقاً نبيلاً ظريفاً. توفي في شوّال عن ثلاث وثمانين سنة.
وهزار سب بن عوض، أبو الخير الهرويُّ الحافظ. توفي في ربيع الأوّل. وكان عالماً صاحب حديثٍ وإفادةٍ بليغه. وحرص على الطلب. سمع من طراد ومن بعده. ومات قبل أوان الرواية.
стр. 882
سنة ست عشرة وخمس مئة
فيها توفي إيل غازي بن أرتق بن أكسب نجم الدين التركماني صاحب ماردين. وليها بعد أخيه سقمان. وكان من أمراء تتش صاحب الشام.
وكان إيلغازي قد استولى على حلب بعد موت أولاد تتش، واستولى على ميّافارقين. وكان فارساً شجاعاً كثير الغزو كثير العطاء. ولي بعده ماردين ابنه حسام الدين تمرتاش.
والباقرجي أبو عليّ الحسن بن محمد بن إسحاق. روى عن أبي الحسن القزوينيّ والبرمكيّ، وخلق. توفي في رجب.
والبغويُّ محيي السنّة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفّراء الشافعيُّ المحدّث المفسّر صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان. روى عن أبي عمر المليحي، وأبي الحسن الداودي، وطبقتهما. وكان سيداً زاهداً قانعاً يأكل الخبز وحده، فليم في ذلك فصار يأكله بالزيت. وكان أبه يصنع الفراء.
توفي ركن الدين محيي السنّة بمروالروذ في شوّال، ودفن عند شيخه القاضي حسين.
وأبو محمد بن السّمرقنديّ الحافظ عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أخو إسماعيل. ولد بدمشق وسمع بها من أبي بكر الخطيب، وابن طلاب وجماعة، وببغداد من أبي الحسين بن النقور. ورحل إلى نيسابور
стр. 883
وإصبهان، وعني بالحديث، وخرّج لنفسه " معجماً " في مجلّد، وعاش اثنتين وسبعين سنة.
وأبو القاسم بن الفحّام الصقلّيّ عبد الرحمان بن أبي بكر عتيق بن خلف، مصنّف " التجريد في القراءات " كان أسند من بقي بالديار المصرية من القراءات قرأ على ابن نفيس وطبقته، ونيّف على التسعين. توفي في ذي القعدة.
وأبو طالب اليوسفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر البغداديّ، في ذي الحجّة، وهو في عشر التسعين. روى الكتب الكبار عن ابن المذهب والبرمكيّ. وكان ثقةً عدلاً رضيّاً عابداً.
وأبو طالب السميرمي علي بن أحمد الوزير. وزر ببغداد للسلطان محمود، فظلم وفسق وتجبّر ومرق، حتى قتل على يد الباطنية.
وأبو محمد الحريري صاحب " المقامات "، القاسم بن عليّ بن محمد بن عثمان البصريُّ الأديب، حامل لواء البلاغة، وفارس النظم والنثر. كان من رؤساء بلده. روى الحديث عن أبي تمّام محمد بن الحسن وغيره، وعاش سبين سنة. توفي في رجب، وخلف ولدين: النجم عبد الله وضياء الإسلام عبيد الله قاضي البصرة.
стр. 884
والدقّاق أبو عبد الله محمد بن عبد بن عبد الواحد الإصبهاني الحافظ الرحال عن ثمانين سنة، روى عن عبد الله بن شبيب الخطيب والباطرقاني وعبد الرحمان بن أحمد الرازيّ. وعني بهذا الفن، وكتب عمّن دبّ ودرج وكان محدّثاً أثريّاً فقيراً متقلّلاً. توفي في شوال.
سنة سبع عشرة وخمس مئة
في أوّلها التقى الخليفة المسترشد بالله ودبيسٌ الأسدي. وكان دبيس قد طغى وتمرّد ووعد عسكره بنهب بغداد. وجرّد المسترشد يومئذ سيفه ووقف على تلٍّ، فانهزم جمع دبيس وقتل خلق منهم. وقتل من جيش الخليفة نحو العشر ين، وعاد مؤيّداً منصوراً. وذهب دبيس فعاث ونهب، وقتل بنواحي البصرة.
وفيها توفي ابن الطيوريّ أبو سعد أحمد بن عبد الجبار الصيرفي ببغداد، في رجب، عن ثلاثٍ وثمانين سنة. وكان صالحاً. أكثر بإفادة أخيه المبارك.
وروى عن ابن غيلان والخلال، وأجاز له الصوريُّ وأبو عليّ الأهوازي.
وابن الخياط الشاعر المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي التغلبيُّ، الكاتب الدمشقيُّ. ويعرف بابن سني الدولة، الطابلسيُّ. عاش سبعاً وستين سنة. وكتب أولاً لبعض الأمراء ثم مدح الملوك والكبار، وبلغ في النظم الذروة العليا. أخذ يجلب عن أبي الفتيان محمد بن حيّوس، وعنه أخذ ابن القيسراني.
قال السِّلفي: كان شاعر الشام في زمانه. قد اخترت من شعره مجلّدةً لطيفة فسمعتها منه.
стр. 885
قال ابن القيسراني: وقّع الوزير هبة الله بن بديع لابن الخياط مرة بألف دينار. توفي في رمضان بدمشق.
وحمزة بن العبّاس العلويُّ أبو محمد الإصبهانيُّ الصوفيُّ. روى عن أبي طاهر بن عبد الرحيم. توفي في جمادى الأولى.
وظريف بن محمد بن عبد العزيز أبو الحسن الحيريَّ النيسابوريُّ. روى عن أبي حفص بن مسرور وطائفة. وكان ثقةً من أولاد المحدّثين. توفي في ذي القعدة وله ثمان وثمانون سنة.
وأبو محمد الشنترينيُّ عبد الله بن محمدّ بن سارة البكري، الشاعر المفلق اللغويّ. له " ديوانٌ " معروف.
وأبو نعيم عبيد الله بن أبي عليّ الحسن بن أحمد الحدّاد الإصبهانيّ، الحافظ، مؤلّف " أطراف الصحيحين ". كان عجباً في الإحسان إلى الرحّالة وإفادتهم، مع الزّهد والعبادة والفضيلة التامة. روى عن عبد الله بن منده. ولقي بنيسابور أبا المظفّر موسى بن عمران وطبقته، وبهراة العميريّ، وببغداد النعّالي. توفي في جمادى الأولى عنُّ أربع وخمسين سنة.
وأبو الغنائم بن المهتدي بالله محمد بن أحمد بن محمد الهاشمي الخطيب، روى عن أبي الحسن القزويني والبرمكي وطائفة. توفي في ربيع الأول.
وأبو الحسن الزعفراني محمد بن مرزوق البغدادي الحافظ التاجر. أكثر
стр. 886
من ابن المسلمة، وأبي بكر الخطيب. وسمع بدمشق ومصر وإصبهان. توفي في صفر عن خمس وسبعين سنة. وكان متقناً ضابطاً بفهم ويذاكر.
وأبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني ثم المصري. روى عن ابن حمّصة، وأبي الحسن الطفّال، وعليّ بن محمد الفارسي، وعدّة. وكان أسند من بقي بمصر، مع الثقة والخير. توفي في ذي القعدة عن سنّ عالية.
سنة ثمان عشرة وخمس مئة
فيها كسر بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب الفرنج. ثم نازل منبج فجاءه سهمٌ فقتله. فحمله ابن عمّه تمرتاش صاحب ماردين إلى ظاهر حلب، وتسلّم حلب، وأقام بها ناساً، وردّ إلى ماردين فراحت حلب منه.
وفيها أخذت الفرنج صور بالأمان. وبقيت في أيديهم إلى سنة تسعين وست مئة.
وفيها توفي داود ملك الكرج الذي أخذ تفليس من قريب. وكان عادلاً في الرعيّة. يحضر يوم الجمعة ويسمع الخطبة ويحترم المسلمين.
والحسين بن الصباح صاحب الألموت، وزعيم الإسماعيليّة. وكان داهيةً ماكراً زنديقاً من شياطين الإنس.
وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسيّ الشافعيّ الفقيه.
قال السِّلفيّ: كان من أفقه الفقهاء بمصر، عليه تفقّه أكثرهم.
стр. 887
قلت: أخذ عن نصر المقدسي، وسمع من أبي بكر الخطيب وجماعة. وعاش ستاً وسبعين سنة. توفي في هذه السنة أو في التي تليها.
وأبو طاهر الشيخ عبد الواحد بن محمد بن أحمد الأصبهاني الذهبي آخر أصحاب أبو نعيم توفي في ربيع الأول.
وأبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمّام بن عطيّة المحاربي الغرناطي الحافظ. توفي في جمادى الآخرة بغرناطة عن سبعٍ وسبعين سنة.
روى عن الأندلسيين، ورحل سنة تسعٍ وستين، وسمع " الصحيحين " بمكة.
قال ابن بشكوال: كان حافظاً للحديث وطرقه وعلله عارفاً بأسماء رجاله ونقلته، ذاكراً لمتونه ومعانيه. قرأت بخطّ بعض أصحابي أنه كرر " صحيح البخاري " سبع مئة مرّة. وكان أديباً لغوياً ديّناً فاضلاًً.
أخذ الناس عنه كثيراً.
سنة تسع عشرة وخمس مئة
فيها سار الخليفة لمحاربة دبيس، فخارت قوى دبيس وطلب العفو وذلّ. وكان معه طغرلبك بن السلطان محمد فمرض ثم سار هو ودبيس إلى خراسان فاستجارا بسنجر فأجارهما. ثم قبض على دبيس خدمةً للخليفة.
وفيها توفي أبو الحسن بن الفرّاء الموصلي ثم المصريّ علي بن الحسين بن
стр. 888
عمر راوي " المجالسة " عن عبد العزيز بن الضرّاب. وقد روى عن كريمة وطائفة، وانتخب عليه السلفي " مئة جزءٍ ". مولده سنة ثلاثٍ وثلاثين وأربع مئة.
وابن عبدون الهذليّ التونسيّ أبو الحسن عليّ بن عبد الجبار. لغويُّ المغرب.
وأبو عبد الله بن البطائحي المأمون وزير الديار المصرية للآمر. كان أبوه جاسوساً للمصريين، فمات وربّي محمد هذا يتيماً. فصار يحمل في السوق.
فدخل مع الحمّالين إلى دار أمير الجيوش فرآه شاباً ظريفاً فأعجبه. فاستخدمه مع الفرّاشين، ثم تقدّم عنده، ثم آل أمره إلى أن ولي الأمر بعده. ثم إنه مالاً أخا الآمر على قتل الآمر، فأحسنّ الآمر بذلك فأخذه وصلبه. وكانت أيامه ثلاث سنين.
وأبو البركات بن البخاري يعني المبخِّر البغدادي المعدّل، هبة الله ابن محمد بن علي. توفي في رجب عن خمسٍ وثمانين سنة. روى عن ابن غيلان وابن المذهب والتنوخي.
سنة عشرين وخمس مئة
يوم الأضحى خطب المسترشد بالله، فصعد المنبر ووقف ابنه وليُّ العهد الراشد بالله دونه، بيده سيفٌ مشهور. وكان المكبِّرون خطباء الجوامع.
ونزل فنحر بيده بدنة، وكان يوماً مشهوداً لا عهد للإسلام بمثله منذ دهر.
وفيها توفي أبو الفتوح الغزّالي أحمد بن محمد الطوسي الواعظ. شيخٌ
стр. 889
مشهور فصيحٌ مفوّهٌ صاحب قبول تامّ لبلاغته وحسن إيراده وعذوبة لسانه.
وهو أخو الشيخ أبي حام. وعظ مرّة عند السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، ولكنه كان رقيق الديانة متكلماً في عقيدته. حضر يوسف الهمذاني في الزاهد عنه، فسئل عنه فقال: مدد كلامه شيطانيّ لا ربّاني. ذهب دينه والدنيا لا تبقى له.
قلت: توفي بقزوين.
وآقسنقر البرسقي قسيم الدولة. ولي إمرة الموصل والرحبة للسلطان محمود، ثم ولي بغداد، ثم سار إلى الموصل، ثم كاتبه الحلبيّون فتملّك حلب ودفع عنها الفرنج. قتلته الإسماعيليّة وكانوا عشرة، وثبوا عليه يوم جمعة بالجامع في ذي القعدة. وكان ديّناً عادلاً عالي الهمة. قتل خلقاً من الإسماعيليّة.
وأبو بحر الأسديّ سفيان بن العاص الأندلسيّ، محدّث قرطبة. روى عن ابن عبد البرّ، وأبي العبّاس العذريّ، وأبي الوليد الباجي. وكان من جلّة العلماء. عاش ثمانين سنة.
وصاعد بن سيّار، أبو العلاء الإسحاقيّ الهرويُّ الدهّان. قرأ عليه ابن ناصر ببغداد " جامع الترمذيّ " عن أبي عامر الأزدي.
قال السمعاني: كان حافظاً متقناً، كتب الكثير. وجمع الأبواب وعرف الرجال.
وأبو محمد بن عتّاب عبد الرحمن بن محمد بن عتّاب القرطبيُّ، مسند الأندلس. أكثر عن أبيه، وعن حاتم الطرابلسي، وأجاز له مكّي بن أبي طالب والكبار. وكان عارفاً بالقراءات واقفاً على كثيرٍ من التفسير واللّغة والعربية
стр. 890
والفقه، مع الحلم والتواضع والزهد. وكانت الرحلة إليه. توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة.
وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكيّ، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها. روى عن أبي عليّ الغسّاني، وأبي مروان بن سراج وخلق. كان من أوعية العلم. له تصانيف مشهورة، عاش سبعين سنة.
وأبو عبد الله محمد بن بركان بن هلال الصعيدي المصري النحويّ اللغويّ، البحر الحبر، وله مئة سنة وثلاثة أشهر. توفي في ربيع الآخر. روى عن عبد العزيز بن الضرّاب والقضاعيّ، وسمع " البخاري " من كريمة بمكة.
وأبو بكر الطرطوشيُّ محمد بن الوليد الفهريّ الأندلسيّ المالكيّ نزيل الاسكندرية، وأحد الأئمّة الكبار. أخذ عن أبي الوليد الباجي، ورحل فأخذ " السنن " عن أبي علي التستري، وسمع ببغداد من رزق الله التميمي وطبقته، وتفقّه على أبي بكرالشاشي.
قال ابن بشكوال: كان إماماً عالماً زاهداً ورعاً ديّناً متواضعاً متقشّفاً متقلاّلاً من الدنيا راضياً باليسير.
قلت: عاش سبعين سنة. وتوفي في جمادى الأولى.
سنة إحدى وعشرين وخمس مئة
فيها أقبل السلطان محمود بن محمد ملكشاه في جيشه محارباً
стр. 891
للمسترشد بالله وتحول أهل بغداد كلّهم إلى الجانب الغربيّ، ونزل محمود والعسكر بالجانب الشرقي، وتراموا بالنشّاب، وتردّدت الرسل في الصلح، فلم يقبل الخليفة فهدمت دور الخلافة. فغضب الخليفة وخرج من المخيّم، والوزير ابن صدقة بين يديه، فقدّموا السفن في دفعة واحدة، وعبر عسكر الخليفة، وألبسوا الملاَّحين السّلاح، وسبح العيّارون، وصاح المسترشد: يال بني هاشم: فتحركت النفوس معه. هذا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، فلما رأوا الجدّ ذلّوا وولّوا الأدبار، ومل فيهم السيف اسر منهم خلقٌ، وقتل جماعةٌ أمراء. ودخل الخليفة إلى داره. وكان معه يومئذ قريب من الثلاثين ألف مقاتل بالعوام. ثم وقع الصلح.
وفيها ورد الخبر بأن سنجر صاحب خراسان قتل من الباطنية اثني عشر ألفاً.
ومرض السلطان محمود وتعلّل بعد الصلح. فرحل إلى همذان وولي بغداد الأمير عماد الدين زنكي بن آقسنقر. ثم صرف بعد أشهر، وفوّض إليه الموصل. فسار إليها لموت متولِّيها مسعود بن آقسنقر البرسقي.
وفيها توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد الهاشميّ العباسي المتوكلي. شريفٌ صالحٌ خيرٌ. روى عن الخطيب وابن المسلمة، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة وعشرين ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات.
وأبو الحسن الدِّينوري عليُّ بن عبد الواحد. روى عن القرويني وأبي محمد الخلال وجماعة. وهو أقدم شيخ لابن الجوزي، توفي في جمادى الآخرة.
стр. 892
وأبو الحسن بن الفاعوس عليُّ بن المبارك البغدادي! ُ الحنبليّ الزاهد الإسكاف. كان يقصُّ يوم الجمعة، وللناس فيه عقيدةٌ لصلاحه وتقشُّفه وإخلاصه. روى عن القاضي أبي يعلى وغيره.
وأبو العزّ القلانسي محمد بن الحسين بن بندار الواسطي، مقرئ العراق وصاحب التصانيف في القراءات. أخذ عن أبيّ علي غلام الهرّاس، وسمع من أبي جعفر بن المسلمة. وفيه ضعف وكلام. توفي في شوّال عن خمس وثمانين سنة.
سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة
في أوّلها تملّلك حلب عماد الدين زنكي.
وفيها سار السلطان محمود إلى خدمة عمه سنجر فأطلق له دبيس بن صدقة وقال: إعزل زنكي عن الموصل والشام وولِّ دبيساً، واسأل الخليفة أن يصفح عنه. فأخذه ورجع.
وفيها توفي طغتكين ابن أتابك، وأبو منصور ظهير الدين. وكان من أمراء تتش السلجوقي بدمشق. فزوّجه بأم ولده دقاق. ثم إنه صار أتابك دقاق، ثم تملّك دمشق. وكان شهماً مهيباً مدبّراً سائساً، له مواقف مشهورة مع الفرنج. توفي في صفر، ودفن بتربته قبلي المصلّى. وملك بعده ابنه تاج الملوك بوري، فعدل ثم ظلم.
وأبو محمد الشنترينيُّ ثم الإشبيليُّ الحافظ عبد الله بن أحمد. روى " الصحيح " عن ابن منظور عن أبي ذرّ، وسمع من حاتم بن محمد وجماعة.
стр. 893
قال ابن بشكوال: كان حافظاً للحديث وعلله، عارفاً برجاله، وبالجرح والتعديل، ثقةً، كتب الكثير، واختصّ بأبي عليّ الغسّاني، وله تصانيف في الرجال، توفي في صفر.
قلت: عاش ثمانياً وسبعين سنة.
وابن صدقة الوزير أبو عليّ الحسن بن عليّ بن صدقة، جلال الدين وزير المسترشد. كان ذا حزمٍ وعقل ودهاءٍ ورأيٍ وأدبٍ وفضلٍ، توفي في رجب.
سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة
فيها ولي الوزارة عليّ بن طرّاد للمسترشد بالله وصمّمم الخليفة على أن لا يوليّ دبيساً شيئاً، وأصلح زنكي نفسه بأن يحمل للسلطان في السنة مئة ألف دينار وخيلاً وثياباً فأقرّه.
وفيها في رمضان هجم دبيس بنواحي بغداد ودخل الحلّة، وبعث إلى المسترشد يقول: إن رضيت عنّي رددت أضعاف ما ذهب من الأموال. فقصه عسكر محمود، دخل البريّة بعد أن أخذ من العراق نحو خمس مئة ألف دينار.
وفيها أخذ زنكي حماة من بوري بن طغتكين وأسر صاحبها سونج بن بوري. ثم نازل حمص فلم يقدر عليها. فأخذ مع سونج وردّ إلى الموصل. فاشتري بوري بن طغتكين ولده سونج منه بخمسين ألف دينار، ثم لم يتمّ ذلك. فمقت الناس زنكي على غدره وعسفه.
стр. 894
وفيها قتل بدمشق نحو سنة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلية.
وكان قد دخل الشام بهرام الأسدآباذي وأضلّ خلقاً، ثم إن طغتكين ولاّه بانياس فكانت سبّة من سبّات طغتكين. وأقام بهرام له داعياً بدمشق فكثر أتباعه بدمشق، وملك هو عدّة حصون بالشام. منها القدموس. وكان بوادي التّيم طوائف من الدرزيّة والنصيريّة والمجوس قد استغواهم الضحّاك فحاربهم بهرام فهزموه، وكان المزدغانيّ وزير دمشق يعينهم، ثم راسل الفرنج ليسلِّم إليهم دمشق فيما قيل ويعوّضوه بصور، وقرر مع الباطنيّة بدمشق أن يغلقوا أبواب الجامع والناس في الصلاة. ووعد الفرنج أن يهجموا على البلد ساعتئذ. فقتله بوري وعلّق رأسه، وبذل السيف في الباطنية الإسماعيليّة بدمشق في نصف رمضان يوم الجمعة. فسلّم بهرام بانياس للفرنج، وجاءت الفرنج فنازلت دمشق. وسار عبد الوهاب بن الحنبلي في طائفةٍ يستصرخ أهل بغداد على الفرنج، فوعدوا بالإنجاد، ثم تناخى عسكر دمشق والعرب والتركمان فبيّتوا الفرنج فقتلوا وأسروا ولله الحمد.
وفيها توفي جعفر، بن عبد الواحد أبو الفضل الثقفي الإصبهانيّ الرئيس. روى عن ابن مندة وطائفة، وعاش تسعاً وثمانين سنة.
والمزدغانيُّ الوزير كمال الدين طاهر بن سعد، وزير تاج الملوك بوري بن طغتكين. مرّ أنه قتل وعلقِّ رأسه على القلعة.
وأبو الحسن عبيد الله بن محمد بن الإمام أبي بكر البيهقي. سمع الكتب من جدِّه، ومن أبي يعلى الصابوني وجماعة. وحدّث ببغداد. وكان قليل الفصيلة.
توفي في جمادى الأولى وله أربعٌ وسبعون سنة.
ويوسف بن عبد العزيز أبو الحجّاج الميّورقي الفقيه العلامة نزيل
стр. 895
الاسكندرية، وأحد الأئمة الكبار. تفقّه ببغداد على ألكيا الهرّاسي، وأحكم ألأصول والفروع. وروى " البخاري " عن واحد عن أبي ذرّ، ومسلماً " عن أبي عبد الله الطبري. وله " تعليقةٌ " في الخلاف. توفي في آخر السنة.
قال السِّلفي: حدّث " بالترمذي " وخلط في إسناده.
سنة أربع وعشرين وخمس مئة
فيها التقى زنكي الفرنج بنواحي حلب وثبت الجمعان ثباتاً كلّياً، ثم ولّت الفرنج، ووضع السيف فيهم، وأسر خلقاً. وافتتح زنكي حصن الأثارب عنوةً، وكان له في أيديهم سنوات فخرّبه، ونازل حصن حارم فمنها ذلّت الفرنج مع ما جرى منذ أشهر من كسرتهم على دمشق.
وفيها وزر بدمشق الرئيس مفرّج بن الصوفي.
وفيها أخذ السلطان محمود قلة الألموت.
وفيها ظهرت ببغداد عقارب طيّارة قتلت جماعة من أطفال.
وفيها توفي أبو إسحاق الغزّيُّ إبراهيم بن عثمان شاعر العصر وحامل لواء القريض. وشعره كثير سائرٌ متنقّلٌ في بلد الجبال وخراسان. وتوفي بناحية بلخ، وله ثلاث وثمانون سنة.
والإخشيذ إسماعيل بن الفضل الإصبهاني السرّاج التاجر. قرأ القرآن على جماعة، وروى الكثير عن ابن عبد الرحيم وأبي القاسم بن أبي بكر الذكواني وطائفة. وعمّر ثمانياً وثمانين سنة.
стр. 896
والبارع وهو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البغدادي الدبّاس المقرئ الأديب الشاعر. وهو من ذريّة القاسم بن عبد الله وزير المعتضد. توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وثمانين سنة. قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن عليّ الخيّاط وغيره، وروى عن أبي جعفر بن المسلمة، وله مصنفات وشعر فائق.
وابن الغزال أبو محمّد عبد الله بن محمد بن إسماعيل المصري المجاور.
شيخٌ صالح مقرئ. قد سمع السلفي في سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة من إسماعيل الحافظ عنه، وسمع القضاعيّ وكريمة. وعمَّر دهراً.
وفاطمة الجوزدانيّة أمُّ إبراهيم بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم بن عقيل الإصبهانية. سمعت من ابن ريذة " معجمي الطبراني " سنة خمس وثلاثين، وعاشت تسعاً وتسعين سنة. توفيت في شعبان.
وأبو الأغرّ قراتكين بن ألأسعد الزجيّ. روى عن الجوهريّ. وكان عامياً. توفي في رجب ببغداد.
وأبو عامر العبدري محمد بن سعدون بن مرجّا الميورقي، الحافظ الفقيه الظاهرُّ نزيل بغداد. أدرك أبا عبد الله البانياسي والحميديّ، وهذه الطبقة.
قال ابن عساكر: كان فقيهاً على مذهب داود. وكان أحفظ شيخٍ لقيته.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هو أنبل من لقيته.
стр. 897
وقال ابن ناصر: كان فهماً عالياً متعفّفاً مع فقرة.
وقال السِّلفي: كان من أعيان علماء الإسلام، متصرّفاً في فنون من العلوم.
وقال ابن عساكر: بلغني أنَّه قال: أهل البدع يحتجّون بقوله ليس كمثله شيء أي في الإلهيّة. فأمّا في الصورة فمثلنا. ثم يحتج بقوله لستنّ كأحد من النساء إن اتقيتنّ أي في الحرمة.
ومحمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري المدّعي أنه علويّ حسنيّ وأنّه المهديُّ. رحل إلى المشرق ولقي الغزّالي وطائفة وحصل فناً من العلم والأصول والكلام، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً في الجملة، زاهداً متقشّفاً شجاعاً جلداً عاقلاً عميق الفكر بعيد الغور، فصيحاً مهيباً.
لذته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد. ولكن جرَّه إقدامه وجرأته إلى حبّ الرئاسة والظهور، وارتكاب المحظور، ودعوى الكذب والزور من أنّه حسنيّ، وهو هرغيّ بربريّ، وأنّه إمامٌ معصومٌ، وهو بالإجماع مخصوم. فبدأ أوَّلاً بالإنكار بمكة، فآذوه، فقدم مصر وأنكر، فطردوه. فأقام بالثغر مدّه فنفوه، وركب البحر فشرع ينكر على أهل المركب ويأمر وينهى ويلزمهم بالصلاة. وكان مهيباً وقوراً بزيق الفقر. فنزل بالمهديّة في غرفة، فكان لا يرى منكراً أو لهواً إلاّ غيّرة بيده ولسانه. فاشتهر، وصار له زبون وشباب يقرأون عليه في الأصول. فطلبه أمير البلد يحيى بن باديس وجلس له. فلما رأى حسن سمته وسمع كلامه احترمه وسأله الدعاء. فتحوّل إلى بجاية وأنكر بها.
فأخرجوه، فلقي بقرية ملاّلة عبد المؤمن ابن عليّ شابّاً مختطاً مليحاً. فربطه عليه وأفضى إليه بسرّه وأفاده جملةً من العل: وصار معه نحو خمسة أنفس. فدخل
стр. 898
مرّاكش وأنكر كعادته، فأشار مالك بن وهيب الفقيه على عليّ بن يوسف بن تاشفين بالقبض عليهم سدَّا للذريعة، وخوفاً من الغائلة. وكانوا بمسجد داثر بظاهر مرّاكش. فأحضرهم وعقد لهم مجلساً حافلاً، فواجهه ابن تومرت بالحقِّ المحض ولم يجابه، ووبّخه ببيع الخمر جهاراً وبمشي الخنازير التي للفرنج بين أظهر المسلمين، وبنحو ذلك من الذنوب. وخاطبه بكيفيّة ووعظ. فذرفت عينا الملك وأطرق، فقويت التهمة عند ابن وهيب وأشباهه من العقلاء وفهموا مرام ابن تومرت. فقيل للملك: إن لم تسجنهم وتنفق عليهم كل يوم دينار وإلا أنفقت عليهم خزانتك. فهوّن الوزير أمرهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فصرفه الملك وطلب منه الدعاء واشتهر اسمه وتطالعت النفوس إليه.
وسار إلى أغمات، وانقطع بجبل اتينملّ، وتسارع إليه أهل الجبل يتبرّكون به. فأخذ يستميل الشباب الأعتام والجهلة الشجعان، ويلقي إليهم ما في نفسه، وطالت المدّة، وأصحابه يكثرون وهو يأخذهم بالديانة والتقوى ويحضهم على الجهاد وبذل النفوس في الحق. وورد أنه كان حاذقاً في ضرب الرمل، قد وقع بجفرٍ فيما قيل واتفق لعبد المؤمن أنّه كان قد رأى أنّه يأكل في صحفة مع ابن تاشفين ثم اختطفت الصحفة منه فقال له المعبر هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين ثم يغلب على الأمر.
وكانت تهمة ابن تومرت في إظهار العقيدة والدعاء إليها. وكان أهل المغرب على طريقة السلف ينافرون الكلام وأهله.
ولما كثرت أصحابه أخذ يذكر المهدي ويشوِّق إليه، ويروي الأحاديث التي وردت فيه. فتلهّفوا على لقائه. ثم روّى ظمأهم وقال: أنا هو. وساق لهم نسباً ادّعاه، وصرّح بالعصمة. وكان عل طريقةٍ مثلى لا ينكر معها العصمة. فبادروا
стр. 899
إلى متابعته، وصنّف لهم تصانيف مختصرات. وقوى أمره في سنة خمس عشرة وخمس مئة. فلما كان في سنة سبع عشرة جهّز عسكراً من المصامدة أكثرهم من أهل تينملّ والسوس وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين من المرابطين، فادعوهم إلى إزالة البدع والإقرار بالإمام المعصوم: فإن أجابوكم وإلا فقاتلوهم. وقدّم عليهم عبد المؤمن. فالتقاهم الزبير ولد أمير المسلمين. فانهزمت المصامدة ونجا عبد المؤمن. ثم التقوهم مرّةً أخرى فنصرت المصامدة واستفحل أمرهم، وأخذوا في شنّ الإغارات على بلاد ابن تاشفين، وكثر الداخلون في دعوتهم، وانضمّ إليهم كل مفسدٍ ومريب، واتَّسعت عليهم الدنيا، وابن تومرت في ذلك كله لون واحد من الزهد والتقلّل والعبادة وإقامة السنن والشعائر، لولا ما أفسد القضية بالقول بنفي الصفات كالمعتزلة، وبأنّه المهديُّ، وبتسرّعه في الدماء. وكان ربما كاشف أصحابه ووعدهم بأمور فتوافق، فيفتنون به. وكان كهلاً أسمر عظيم الهامة ربعةً حديد النظر مهيباً طويل الصمت حسن الخشوع والسمت وقبره مشهور معظم ولم يملك شيئاً من المدائن إنما مهّد الأمور وقرّر القواعد فبغته الموت. وكانت الفتوحات والممالك لعبد المؤمن. وقد طولت ترجمة هذين في تاريخي الكبير. والله أعلم.
والآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي بالله أحمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم العبيديُّ الرافضيُّ صاحب مصر. كان فاسقاً مستهتراً ظالماً، امتدت دولته. ولما كبر وتمكّن قتل وزيره الأفضل، وأقام في الوزارة البطائحي المأمون، ثم صادره وقتله. ولي الخلافة سنة خمس وتسعين
стр. 900
وهو ابن خمس سنين فانظر إلى هذه الخلافة الباطلة من وجوه: أحدها: السن.
الثاني: عدم النسب فإنّ جدّهم دعيٌّ في بني فاطمة بلا خلاف.
الثالث: أنهم خوارج على الإمام.
الرابع خبث المعتقد الدائر بين الرفض والزندقة.
الخامس: تظاهره بالفسق.
وكانت أيامه ثلاثين سنة. خرج في ذي القعدة إلى الجيزة فكمن له قومٌ بالسّلاح، فلما مرّ على الجسر نزلوا عليه بالسيوف. ولم يعقب. وبايعوا بعده ابن عمّه الحافظ عبد المجيد ابن الأمير محمد بن المستنصر، فبقي إلى عام أربعمةٍ وأربعين، وكان الآمر ربعةً شديد الأدمة، جاحظ العينين، عاقلاً ماكراً مليح الخطّ. ولقد ابتهج الناس بقتله لعسفه وظلمه وجوره وسفكه الدماء وإدمانه الفواحش.
وابو محمد بن الأكفانيّ هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاريُّ الدمشقيُّ الحافظ، وله ثمانون سنة. سمع أباه، وأبا القاسم الحنَّائي، وأبا بكر الخطيب وطبقتهم. ولزم أبا محمد الكتّاني مدةً. وكان ثقةً فهماً شديد العناية بالحديث والتاريخ، كتب الكثير وكان من كبار العدول، توفي في سادس المحرّم.
وأبو سعد المهراني هبة الله بن القاسم بن عطاء النيسابوريّ. روى عن عبد الغافر الفارسي وأبي عثمان الصابوني وطائفة. وعاش ثلاثاً وتسعين سنة.
стр. 901
وكان ثقةً جليلاً خيّراً. وتوفي في جمادى ألأولى.
سنة خمس وعشرين وخمس مئة
فيها توفي أبو مسعود بن المجلي أحمد بن علي البغداديّ البزّاز.
شيخٌ مباركٌ عاميّ. روى عن القاضي أبي يعلى وابن المسلمة وطبقتهما.
وأبو المواهب بن ملوك الورّاق، أحمد بن محمد بن عبد الملك البغداديّ، عن خمس وثمانين سنة. وكان صالحاً خيّراً. روى عن القاضي أبي الطيب الطبري والجوهري.
وابو نصر الطوسيّ أحمد بن محمد بن عبد القاهر الفقيه، نزيل الموصل. تفقّه على الشيخ أبي إسحاق، وسمع من عبد الصمد بن المأمون وطائفة.
والشيخ حمّاد بن مسلم الدبّاس أبو عبد الله الرحبيّ، الزاهد القدوة، نشأ ببغداد، وكان له معملٌ للدّبس. وكان أمِّيّاً لا يكتب. له أصحابٌ وأتباع وأحوال وكرامات. دوّنوا كلامه في مجلدات. وكان شيخ العارفين في زمانه.
وكان ابن عقيل يحطُّ عليه ويؤذيه. وهو شيخ الشيخ عبد القادر. توفي في رمضان.
وأبو العلاء زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر الإيادي الإشبيليّ، طبيب الأندلس، وصاحب التصانيف. أخذ عن أبيه. وحدّث عن أبي علي الغسّاني وجماعة. ونال دنيا عريضةً ورئاسةً كبيرة. وله شعرٌ رائق. نكب في
стр. 902
الآخر من الدولة.
وعين القضاة الهمذانيّ أبو المعالي عبد الله بن محمد الميانجيُّ، الفقيه العلامة الأديب، وأحد من كان يضرب به المثل في الذكاء. دخل في التصوّف ودقائقه وتعانى إشارات القوم حتى ارتبط عليه الخلق، ثم صلب بهمذان على تلك الألفاظ الكفريّة. نسأل الله العفو.
وأبو عبد الله الرازيّ صاحب " السداسيّات " و " المشيخة "، محمد بن أحمد بن إبراهيم الشاهد المعروف ابن الحطّاب، مسند الديار المصريّة، وأحد عدول الاسكندرية. توفي في جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة. سمّعه أبوه الكثير من مشيخة مصر: ابن حّمصة والطفّال وأبي القاسم الفارسي وطبقتهم.
وأبو غالب الماورديُّ محمد بن الحسن بن علي البصريّ، في رمضان ببغداد، وله خمسٌ وسبعون سنة. روى عن أبي عليّ التستري، وأبي الحسين بن النقور وطبقتهما. وكان ناسخاً فاضلاً صالحاً. دخل إلى أصبهان والكوفة وكتب الكثير وخرّج " المشيخة ".
والسلطان محمود ابن السطان محمد بن ملكشاه، مغيث الدين السلجوقيّ. ولي بعد أبيه سنة اثنتي عشرة، وخطب له ببغداد وغيرها، ولعمّه سنجر معا. وكان له معرفةٌ بالنحو والشعر والتاريخ. توفي بهمذان، وولي بعده طغريل سنتين، ثم مسعود. وكان قد حلّفهم لابنه داود بن محمود فلم يتمّ له أمر.
стр. 903
وأبو القاسم بن الحصين هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين الشيبانيُّ البغداديُّ الكاتب الأزرق مسند العراق.
ولد في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين. وسمع من ابن غيلان وابن المذهب والحسن بن المقتدي، والتنوخيّ. وهو آخر من حدّث عنهم. وكان ديّناً صحيح السماع، توفي في رابع عشر شوال.
ويحيى بن المسرف بن عليّ أبو جعفر المصريُّ التمّار. روى عن أبي العبّاس بن نفيس. وكان صالحاً من أولاد المحدّثين. توفي في رمضان.
سنة ست وعشرين وخمس مئة
فيها كانت الوقعة بناحية الدِّينور بين السلطان سنجر وبين ابني أخيه سلجوق ومسعود.
قال ابن الجوزيّ: كان مع سنجر مئةٌ وستون ألفاً، ومع مسعود ثلاثون ألفاً.
وبلغت القتلى أربعين ألفاً.
وقتلوا قتلةً جاهليّةً على الملك لا على الدين. وقتل قراجا أتابك سلجوق.
وجاء مسعود لما رأى القلبة إلى بين يدي سنجر فعفا عنه وأعاده إلى كنجة وقرّر سلطنة بغداد لطغربل ورد إلى خراسان وفيها التقى المسترشد بالله زنكي ودبيساً وكانا في سبعة آلاف قدما ليأخذا سلطنة بغداد. وشهر المسترشد يومئذٍ السيف. وحمل بنفسه، وكان في ألفين. فانهزم وزنكي وقتل من عسكرهما خلق.
стр. 904
وفيها كانت وقعةٌ على همذان بين طغريل السلطان وبين حاشية أخيه محمدو، ومعهم ابن استاذهم داود صبيٌّ أمرد. فانهزموا.
وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي المصريّ. سجن بعد قتل أبيه مدّةً إلى أن قتل الآمر وأقيم الحافظ. فأخرجوا الأكمل وولي وزارة السيف والقلم. وكان شهماً هيباً عالي الهمّة كأبيه وجدّه. فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيديّة،، لأنه كان سنيّاً كأبيه، لكنّه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر، وأبطل من الأذان " حيّ على خير العمل " وغيرّ قواعد القوم. فأبغضه الدعاة والقوّاد وعملوا عليه. فركب للعب الكرة في المحرّم، فوثبوا عليه وطعنه مملوك الحافظ بحربة، وأخرجوا الحافظ، ونزل إلى دار الأكمل، واستولى على خزائنه، واستوزر يانس مولاه. فهلك بعد عام.
وأبو العزّ بن كادش أحمد بن عبيد الله بن محمد السُّلمي العكبريّ، قي جمادى الأولى، عن تسعين سنة. وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن الماورديّ. وروى عن الجوهريّ والعشاري، والقاضي أبي الطيب. وكان قد طلب الحديث بنفسه، وله فهم.
قال عبد الوهاب الأنماطي: كان مخلّصاً.
وبوري تاج الملوك صاحب دمشق وابن صاحبها طغتكين مملوك تاج الدولة تتش السلجوقي. وكانت دولته أربع سنين. قفز عليه الباطنية فجرح
стр. 905
وتعلل أشهراً، ومات في رجب، وولي بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل. وكان شجاعاً مجاهداً جواداً كريماً. سدّ مسدّ أبيه، وعاش ستاً وأربعين سنة.
وعبد الله بن أبي جعفر المرسيّ العلامة أبو محمد المالكيّ. انتهت إليه رئاسة المالكيّة. توفي في رمضان. وقد روى عن أبي حاتم بن محمد، وابن عبد البر، والكبار، وسمع بمكة " صحيح مسلم " من أبي عبد الله الطبري.
وعبد الكريم بم حمزة، أبو محمد السُّلمي الدمشقيّ الحدّاد، مسند الشام. روى عن أبي القاسم الحنّائي، والخطيب، وأبو الحسين بن مكّي. وكان ثقةً. توفي في ذي القعدة.
والقاضي أبو الحسين بن الفرّاء محمد ابن القاضي أبي يعلى محمد ابن الحسين البغدادي الحنبليّ، وله أربعٌ وسبعون سنة. سمع أباه، وعبد الصمد ابن المأمون وطبقتهما. وكان مفتياً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، صلباً في السُّنة، كثير الحطِّ على الأشاعرة. استشهد ليلة عاشوراء، وأخذ ماله ثم قتل قاتله. ألّف " طبقات الحنابلة ".
سنة سبع وعشرين وخمس مئة
فيها قدمت التركمان فأغاروا على أعمال طرابلس، فالتقاهم فرنج طرابلس، فهزمتهم التركمان. ثمّ وقع الخلف بين ملوك الفرنج بالشام وتحاربوا.
стр. 906
وفيها واقع عسكر حلب الفرنج وقتلوا منهم نحو الألف.
وفيها سار المسترشد بالله في اثني عشر ألفاً إلى الموصل، فحاصرها ثمانين يوماً، وبها زنكي، ثم ترحّل خوفاً على بغداد من دبيس والسلطان مسعود.
وفيها أخذ شمس الملوك إسماعيل حصن بانياس من الفرنج بالسيف وقلعتها بالأمان.
وفيها توفي أبو غالب بن البنّاء أحمد بن أبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الله البغدادي الحنبليّ مسند العراق، وله اثنتان وثمانون سنة. مات في صفر. سمع الجوهريّ وأبا يعلى بن الفرّاء وطائفة. وله " مشيخة " مرويّة.
وأبو العباس بن الرطبي أحمد بن سلامة بن عبيد الله بن مخلّد الكرخيّ. برع في المذهب وغوامضه على الشيخين أبي إسحاق وابن الصبّاغ، حتى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة، ثم علّم أولاد الخليفة.
وأسعد الميهني العلامة مجد الدين أبو الفتح شيخ الشافعيّة في عصره وعالمهم، وأبو سعيد صاحب " التعليقة ". تفقّه بمر وغزنة، وشاع فضله وبعد صيته، وولي نظاميّة بغداد مرّتين. وخرج له عدة تلامذة. وكان ذكاءً. تفقّه على أبي المظفّر بن السمعاني والموفّق الهروي. وكان يرجع إلى دين وخوف.
وأبو نصر اليونارتي الحسن بن محمد بن إبراهيم الحافظ - ويونارت
стр. 907
قرية على باب إصبهان. سمع أبا بكر بن ماجه، وأبا بكر بن خلف الشيرازي وطبقتهما. ورحل إلى هراة وبلخ وبغداد. وعني بهذا الشأن. وكان جيِّد العرفة. توفي في شوال وقد جاوز الستين.
وابن الزاغواني أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر البغدادي شيخ القراءات، وله اثنتان وسبعون سنة. روى عن ابن المسلمة والصريفيني، وقرأ القراءات، وبرع في المذهب والأصول والوعظ. وصنّف التصانيف واشتهر اسمه، توفي في المحرّم وشيّعته أمم.
ومحمد بن أحم بن صاعد، أبو سعيد النيسابوريّ الصاعديّ، وله ثلاثٌ وثمانون سنة.
وكان رئيس نيسابور وقاضيها وعالمها وصدرها. روى عن أبي الحسن عبد الغافر وابن مسرور.
وأبو بكر المزرفي محمد بن الحسين الفرضي الحنبليّ ببغداد، وله ثمان وثمانون سنة. قرأ القراءات على أصحاب الحمّامي، وسمع أبا جعفر بن المسلمة وطائفة. مات ساجداً في أوّل يومٍ من السنة.
وأبو خازم بن الفرّاء الحنبليُّ محمد ابن القاضي أبي يعلى. ولد سنة سبع وخمسين، ومات أبوه وله سنة، فسمع من أبي جعفر بن المسلمة وجماعة،
стр. 908
وبرع في المذهب والأصول والخلاف، وفاق أهل زمانه بالزهد والديانة، صنف كتاب " التبصرة في الخلاف " و " رؤوس المسائل " وشرح " مختصر الخرقي " وغير ذلك.
سنة ثمان وعشرين وخمس مئة
فيها جاء الحمل من صاحب الموصل زنكي ورضي عنه الخليفة.
وفيها قدم رسول السلطان سنجر فأكرم، وأرسل إليه المسترشد بالله خلفه عظيمة الحظر بمئة وعشرين ألف دينار ثم عرض المسترشد جيشه فبلغوا خمسة عشر ألفاً في عددٍ وزينةٍ لم ير مثلها. وجدّد المسترشد قواعد الخلافة وأحي رميمها ونشر عظامها وهابته الملوك.
وفيها توفي الشيخ أبو الوفاء أحمد بن عليّ الشريازي الزاهد الكبير صاحب الرباط والأصحاب والمريدين ببغداد. وكان يحضر السماع.
وأبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الدّاني الأندلسي، صاحب الفلسفة. وكان ماهراً في علوم ألأوائل: الطبيعي والرياضي والإلهي، كثير التصانيف، بديع النظم. عاش ثمانياً وستين سنة. وكان رأساً في معرفة الهيئة والنجوم والموسيقى. تنقّل في البلاد ومات غريباً.
وأبو عليّ الفارقي الحسن بن إبراهيم شيخ الشافعيّة. ولد بميّافارقين سنة
стр. 909
ثلاثٍ وثلاثين وأربع مئة، وتفقّه على محمد بن بيان الكازوني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق وحفظ عليه " المهذّب " وتفقه على ابن الصبّاغ، وحفظ عليه " الشامل ". وكان ورعاً زاهداً، صاحب حقٍّ، مجوداً لحفظ الكتابين يكرر عليهما. وقد سمع من أبي جعفر بن المسلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدّة. وبها توفي في المحرّم عن خمسٍ وتسعين سنة، وعليه تفقّه القاضي أبو سعد بن أبي عصرون.
وأبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد الواسطي الشروطي. روى عن الخطيب وابن المسلمة، وتوفي في ذي الحجة.
سنة تسع وعشرين وخمس مئة
فيها بعث المسترشد إلى مسعود بالخلع والتاج، ثم نفذ إليه جاولي شحنة بغداد مستحثّاً له على الخروج من بغداد، وأمره إن ماطل أ، يرمي مخيّمه. ثم أحسّ المسترشد من مسعود الشرَّ، فأخرج السرادق وبرزت الأمراء.
وجاء الخبر بموت طغريل، فساق مسعود إلى همذان، فاختلف عليه الجيش، وجاء منهم جماعة إلى الخليفة فأخبروا بخبث نيته.
وفيها أخذ زنكي المعرّة من الفرنج، وبقيت في أيديهم سبعاً وثلاثين سنة.
ثم إنّ الأخبار تواترت بأن مسعوداً قد حشد وجمع وعلى خيالته دبيس. فطلب المسترشد زنكي وهو محاصرٌ دمشق ليقدم، فنفذ مسعود خمسة آلاف فكبسوا مقدّمة المسترشد وأخذوا خيلهم وأمتعتهم. فرّوا إلى بغداد بأسوإ حال، ثم جبرهم الخليفة، وسار في سبعة آلاف. وكان مسعود بهمذان في بضعة عشر ألفاً، فالتقوا في رمضان، فانهزم عسكر الخليفة
стр. 910
وأحيط به وبخواصه، وأخذت خزائنه، وكان معه على البغال آلاف ألف دينار، ولم يقتل سوى خمسة أنفس، وحصل المسترشد في أسر مسعود، وأقام أهل بغداد يوم العيد عليه شبه المأتم، وهاشوا على شحنة مسعود. ثم أمر الأجناد والعامة فقتل مئة وخمسون نفساً. وأشرفت بغداد على النهب. ثم أمر الشحنة فنودي: سلطانكم جاثي بين يدي الخليفة، وعلى كتفه الغاشية. فسكنوا.
وأمّا مسعود فسار ومعه الخليفة معتقلاً إلى مراغة، وبها داود بن محمود.
فأرسل سنجر يهدّد مسعوداً ويخوّفه وأمره أن يتلافى الأمر وأن يعيد المسترشد إلى دسته، ويمشي في ركابه. فسارع إلى ذلك. واتفق أنّ مسعوداً ركب في جيشه ليلقى بظاهر مراغة. وجلس السلطان للعزاء، ووقع البكاء والنوح. وجاء الخبر إلى ولده الراشد فيايعوه ببغداد طول الليل، وأقام عليه البغداديّون مأتماً ما سمع بمثله قطّ. وكانت خلافة المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن محمد القائم الهاشيم العباسي سبع عشرة سنة ونصف سنة. استحلف بعد أبيه وسنُّ إذ ذاك سبع وعشرون سنة، واستشهد في سابع عشر ذي القعدة وله خمس وأربعون سنة. وقيل إنّ الباطنية جهزهم عليه مسعود. ولم يل الخلافة بعد المعتضد بالله أشهم منه. كان بطلاً شجاعاً مقداماً شديد الهيبة، ذا رأي ويقظةٍ وهمةٍ عالية. وقد روى عن أبي القاسم بن بيان الرزّاز.
وشمس الملوك أبو الفتح إسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغتكين.
ولي دمشق بعد أبيه. وكان وافر الحرمة موصوفاً بالشجاعة كثير الإغارة على
стр. 911
الفرنج. أخذ منهم عدّة حصون، وحاصر أخاه ببعلبك مدة، لكنه كان ظالماً مصادراً جبّاراً مسودناً. فرتبت أمُّه زمرّد خاتون من وثب عليه فيقلعة دمشق في ربيع الأوّل. وكانت دولته نحو ثلاث سنين، وترتّب بعده في الملك أخوه محمود، وصار أتابكه معين الدين أنر الطغتكيني فبقي أربع سنين وقتله غلمانه.
والحسن ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد العبيديّ المصريّ، وليّ عهد أبيه ووزيره. ولي ثلاثة أعوام، فظلم وغشم وفتك، حتى إنه قتل في ليلة أربعين أميراً. فخافه أبوه وجهّز لحربه جماعة، فالتقاهم واختبطت مصر، ثم دسّ عليه أبوه من سقاه السمّ فهلك.
ودبيس بن صدقة ملك العرب نور الدولة أبو الأغرّ ولد الأمير سيف الدولة الأسدي، صاحب الحلّة. كان فارساً مقداماً جواداً ممدّحاً أديباً كثير الحروب والفتن. خرج على المسترشد بالله غير مرّة، ودخل خراسان والشام والجزيرة، واستولى على كثير من العراق. وكان مسعر حرب وجمرة بلاء. قتله السلطان مسعود بمراغة في ذي الحجّة. وأظهر أنه قتله أخذاً بثأر المسترشد. فلله الحمد على قتله.
وظافر بن القاسم الحدّاد الجذامي الاسكندري الشاعر المحسن، صاحب " الديوان ".
وأبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي
стр. 912
الحافظ الأديب صاحب " تاريخ نيسابور " ومصنّف " مجمع الغرائب " ومصنف " المفهم في شرح مسلم "، وكان إماماً في الحديث وفي اللغة والأدب والبلاغة.
عاش ثمانياً وسبعين سنة، وأكثر الأسفار، وحدث عن جدّه لأمه أبي القاسم القشيريّ وطبقته. وأجاز له أبو محمد الجوهريّ وآخرون.
وقاضي الجماعة أبو عبد الله بن الحاجّ التجيبي القرطبيّ المالكيّ محمد بن أحمد بن خلف. روى عن أبي عليّ الغسّاني وطائفة. وكان من جلّة العلماء وكبارهم، متبحر في العلوم والآداب. ولم يكن أحدٌ في زمانه أطلب للعلم منه، مع الدين والخشوع. قتل ظلماً بجامع قرطبة في صلاة الجمعة عن إحدى وسبعين سنة.
سنة ثلاثين وخمس مئة
فيها جاء أميرٌ من جهة السلطان مسعود يطلب من الراشد بالله سبع مئة ألف دينار. فاستشار الأعيان فأشاروا عليه بالتجنيد. فردّ على مسعود بقوة نفس. وأخذ يتهيأ. فانزعج أهل بغداد وعلّقوا السلاح. ثم إنّ الراشد قبض على إقبال الخادم وأخذت حواصله، فتألّم العسكر لذلك وشغبوا، ووقع النهب. ثم جاء زنكي وسأل في إقبال سؤالاً تحته إلزام. فأطلق له. ثم قبض الراشد على أستاذ داره، ثم خرج بالعساكر، فجاء عسكر مسعود فنازلوا بغداد، وقاتلهم الناس وخامر جماعة أمراء إلى الراشد. ثمّ بعد أيام وصل رسول مسعود يطلب من الراشد الصلح فقرئت مكاتبته على الأمراء فأبوا إلا القتال. فأقبل مسعود في خمسة آلاف راكب، ودام الحصار، واضطرب عسكر الخليفة، والقصة فيها طول. ثم كاتب مسعودٌ زنكي ووعده، ومنّاه وكتب إلى أمراء زنكي.
стр. 913
إنكم إن قتلتم زنكي أعطيتم بلاده. وعرف زنكي فرحل هو والراشد ونزل بغداد. فدخلها مسعودٌ فأظهر القول واجتمع إليه الأعيان والعلماء وحطّوا على الراشد. وبالغ في ذلك عليُّ بن طراد، وقيل بل أخرج مسعود خط الراشد يقول إني متى جندت انعزلت ثم نهض علي بن طراد بأعباء القضية واجتمع بالقضاة والمفتين وخوّفهم وأرهبهم إن لم يخلعوا الراشد. وكتب محضراً فيه: إن أبا جعفر بن المسترشد بدا منه سوء فعالٍ وسفك دماءٍ، وفعل مالا يجوز أن يكون معه إماماً. وشهد بذلك جماعةٌ. ثم حكم ابن الكرجي وهو قاضٍ بخلعه في ذي القعدة. وأحضروا محمد بن المستظهر فبايعوه ولقّبوه المقتفي لأمر الله. ثم أخذ مسعود جميع ما في دار الخلافة حتى لم يدع في دار الخلافة سوى أربعة أفراس. فقيل إنهم بايعوه على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر. وبايعه مسعود يوم عرفة.
وفيها كبس عسكر حلب بلاد الفرنج بالساحل فأسروا وسبوا وغنموا، وشرع أمر الفرنج يتضعضع.
وفيها توفي نصر البئّار إبراهيم بن الفضل الإصبهاني الحافظ، روى عن أبي الحسين بن النقور وخلق.
قال ابن السمعاني: رحل وسمع، وما أظنّ أحداً بعد ابن طاهر المقدسي رحل وطوّف مثله، أو جمع الأبواب كجمعه إلا أنّ الإدبار لحقه في آخر الأمر.
وكان يقف في سوق إصبهان ويروي من حفظه بسنده. وسمعت أنه يضع في الحال. وقال لي إسماعيل بن محمد الحافظ: اشكر الله كيف ما لحقته. وأمّا ابن طاهر المقدسي فجرّب عليه الكذب مرات.
стр. 914
وسلطان بن يحيى بن عليّ ب عبد العزيز، زين القضاة أبو المكارم القرشيّ الدمشقيّ. روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة، وناب في القضاء عن أبيه ووعظ وأفتى.
وعليّ بن أحمد بن منصور بن قبيس الغسّاني، أبو الحسن المالكي النحويُّ الزاهد شيخ دمشق ومحدّثها، روى عن أبي القاسم السميساطي وأبي بكر الخطيب وعدّة.
قال السِّلفي: لم يكن في وقته مثله بدمشق. كان زاهداً عابداً ثقةً.
وقال ابن عساكر: كان متحرّزاً متيقّظاً منقطعاً في بيته بدرب النقّاشة أو بيته الذي في المنارة الشرقية بالجامع، مفتياً يقرئ الفرائض والنحو.
وأبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه الأصبهاني المزكّى، راوي " مسند الروياني " عن أبي الفضل الرازي توفي في ذي القعدة.
وأبو عبد الله محمد بن حمويه الجوينيّ، الزاهد، شيخ الصوفية بخراسان. له " مصنّفٌ في التصوف ". وكان زاهداً قدوةً عارفاً بعيد الصيت.
روى عن موسى بن عمران الأنصاري وجماعة، وعاش اثنتين وثمانين سنة. وهو جدّ بني حمّويه.
وأبو بكر محمد بن علي بن أبي ذرّ الصالحاني مسند إصبهان في زمانه، وآخر من حدّث عن أبي طاهر بن عبد الرحيم الكاتب. كان صالحاً صحيح السماع. توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وتسعين سنة. وآخر أصحابه عين الشمس.
وأو عبد الله الفراوي، محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي
стр. 915
النيسابوري فقيه الحرم. راوي " صحيح مسلم " عن الفارسي. روى عن الكبار ولقي ببغداد أبا نصر الزّينبي، وتفرّد بكتبٍ كبار، وصار مسند خراسان. وكان شافعيّاً مفتياً مناظراً. صحب إمام الحرمين مدة، وعاش تسعين سنة. توفي في شوال.
سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة
فيها دفع زنكي الراشد المخلوع عن الموصل، فسار نحو أذربيجان، وتسلّل الناس عنه، وبقي حائراً. فنفذ مسعود ألفي فارس ليأخذوه، ففاتهم، وجاء إلى مراغة. فبكى عند قبر أبيه، وحثا على رأسه التراب. فرقّ له أهل مراغة، وقام معه داود بن السلطان ولد محمود. فالتقى داود ومسعود فقتل خلقٌ من جيش مسعود. وصادر مسعود الرعية ببغداد وعسف.
وفيها سار عسكر دمشق، فالتقوا فرنج طرابلس فكسروهم ولله الحمد.
وفيها هزم الأتابك زنكي الفرنج بالشام، وأخذ منهم قلعة بعرين ثم سار إلى بعلبك فتملّكها.
وفيها توفي إسماعيل بن أبي القاسم القارئ، أبو محمد النيسابوري روى عن أبي الحسن عبد الغافر، وأبي حفص بن مسرور. وكان صوفيّاً صالحاً ممن خدم أبا القاسم القشيريّ. ومات في رمضان وله اثنتان وتسعون سنة.
следующие страницы →